شَكْلان من المادية الثقافية
Two Forms of Cultural Materialism in Anthropology and in Cultural Studies
الملخّص
يدافع الباحث عن تلك الماديّة التي تُستخدم في الأنثروبولوجيا، و هي ماديّة متشدِّدة علميًّا و تقوم على أساس اقتصادي مكين، كما يرى، بخلاف تلك التي تُستخدم في الدراسات الثقافية و النظرية الأدبية السائدة، التي يجد أنها تُسقط العلم و الأساس الاقتصادي، بل كل نظريّة عامّة في التاريخ، و تهتم بالبنية الفوقيّة و الصراع الثقافيّلا الاقتصاديّ، فضلا عن اتسامها بالنسبوية و براديكالية من النوع الشكلي.
Abstract
The author defends the materialism that is used in anthropology, which is a scientifically rigorous materialism based on, in his view, firm economic foundations. This is in contrast to the materialism used in cultural studies and prevalent critical theories, which he believes overthrow knowledge and the economic base, and even every general theory in history, and which is interested in the superstructure and cultural rather than economic conflict, as well as being characterized by relativism and a formal radicalism.
- المادية
- التاريخ
- الأنثروبولوجيا
- الثقافة
- الصراع الثقافي.
- Materialism
- Historic
- Anthropology
- Cultural Conflict
المادية في الأنثروبولوجيا وفي الدراسات الثقافية
ترجمة: ثائر ديب **
يُطلَق اسم المادية الثقافية على متنين نظريين مختلفين تماما، بل ومتضادّين، في الأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية على التوالي. فهناك النظرية الأنثروبولوجية التي تتعهد تطوير الجانب العلمي مما يُدْعَى الاشتراكية العلمية، وتشك ل الأساس لبرنامجِ بحث هائل في تنوّعه وفي مداه يهدف إلى تفسير ما قبل التاريخ، والتاريخ، والإثنوغرافيا البشرية برمّتها على أساس الضغوط الاقتصادية. ومن الواضح أنّ هذه النظرية استمرارٌ لأعمال ماركس الناضجة، ولإنجلز في أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة، لكنّها تضمّ متغريّات إيكولوجية، إلى جانب أحدث المعطيات الإثنوغرافية والأركيولوجية. وهي تحتفظ باقتصادوية الماركسية الكلاسيكية، والتزامها العلمَ، لكنها تُسْق ط السياسات الراديكالية؛ وإذا ما كانت لها أيّة نتيجة سياسي، فهي أنّه ينبغي لنا أن ندرك بصورة أعمق بكثير ما للإيكولوجيا من نتائج ثقافية، وأن نضع الأسئلة
الإيكولوجية، وليس الأسئلة الطبقية أو الإثنية أو الجنسية، في مركز السياسات العالمية. أمّا النظرية الأدبية المغايرة تماما والتي تحمل الاسم ذاته -وهي اللبّ الأساس في تلك التشكيلة اللافتة من الأنثروبولوجيا الشعبية اليسارية التي تُدْعى " الدراسات الثقافية " - فتحتفظ باندفاع الماركسية السياسي الراديكالي قديم الطراز، وتتوسّع به من القضايا الطبقية إلى القضايا العرقية والنسوية؛ لكنها تُسْق ط العلم والنظرية الاقتصادية، فتكفّ قيمها الراديكالية عن أن تكون قائمةً على أيّة نظرية عامة في التاريخ الإنساني، كتلك التي تقوم عليها الماركسية. وتتمثّل اهتمامات هذه المادية الثقافية الأدبية في البنية الفوقية؛ ونظريتها في القيمة هي نظرية نسبية؛ ويسعدها أن تتوافق مع تلك الأنماط الشكلانية الصرف من الراديكالية الفكرية مثل ما بعد البنيوية؛ وتركّز على الصراع الثقافي لا الاقتصادي ولا ترى إلى الثقافة الفنية على أهنّا شيء ذو أهمية جوهرية بالنسبة إلى الإنسانية عموما، بل على أهنّا في جوهرها موقع -بل الموقع الأساسي- من مواقع الصراع السياسي. هكذا تنشطر الماركسية، مع اختراع المادية الثقافية، إلى دولتين وريثتين أضعف من الدولة الأصل بكثير. ولعلّ معظم قرّاء هذا النوع من الأدبيات أن يكونوا على ألفة بالأشكال المتعددة التي اختّذتها المادية الثقافية الأدبية. وسوف أدافع من جهتي عن النوع الأنثروبولوجي؛ أي عن ذلك النوع الأكثر تشددا بين أنواع المادية الاقتصادية المتشدّدة؛ وأطرح السؤال: ما الذي يمكن أن تبدو عليه النظرية الأدبية إذا ما نُظ ر إلى أسئلة المعتمَدات الأدبية المُكرَّسَة، والتراثات، والآداب الكلاسيكية وسواها من وجهة نظر الأنثروبولوجيا الثقافية المادية؟
-1 المادية الثقافية في الأنثروبولوجيا الباكرة والحديثة
لا بدّ لكلِّ مهتمٍّ بتطور النظريات العقلانية في الثقافة الإنسانية، سواء تعلّقت بالدراسة الأدبية أم بالأنثروبولوجيا، من أن يتساءل عن المساهمة التي يمكن أن يقدّمها تراث الماركسية إلى هذه النظريات. صحيح أنَّ كلا من الماركسية والنظرية الأدبية الماركسية قد قضتا نحبهما في السنوات الثلاثين الأخيرة؛ لكن ذلك كان من جرّاء مرضين مختلفين. انهارت الماركسية، كمتن نظريّ على الأقلّ، لأنّ أجزاء كثيرة منها -خاصة مذاهبها الاقتصادية، وتنبؤاتها بشأن طبيعة الثورات واحتمال قيامها- لم تكن علمية وصحيحة، وترتّبت عليها عواقب عملية كارثية خرّبت اقتصادات كاملة، وحوّلت شبه قارات إلى معسكرات اعتقال. أمّا النظرية الأدبية والثقافية الماركسية، من جهة أخرى، فلم تعد رائجةً بين المثقفين لأنها بدت، مع انتصار ما بعد البنيوية وما بعد الحداثية، مفرطةً في علميتها، وميكانيكيتها، واهتمامها بالحقيقة.
والماركسية، علاوةً على هذا، غائيّة؛ تقدّم سرديات كبرى؛ وهي أسُسيّة؛ والأسوأ من كلّ ذلك، أهنّا اقتصادوية. ولذلك فهي غير مقبولة لدى النظرية الأدبية، شأنها لدى ذلك الشكل من الأنثروبولوجيا الشعبية المسمّى بالدراسات الثقافية والذي راح نفوذه يتنامى. وهذا ما تعربّ عنه بوضوح كاف الورقة الختامية في مؤتمر إيلينويز 1990 حول الدراسات الثقافية. فالعودة إلى ماركسية سابقة لما بعد الحداثة " أمرٌ لا يمكن الدفاع عنه؛ لأنّ شروط تلك العودة تقوم على إعطاء الأولوية للعلاقات الاقتصادية والمحدّدات الاقتصادية على العلاقات الثقافية والسياسية، وذلك عبر إسناد دور ميكانيكي وانعكاسي لهذه الأخيرة ". وبتعبير تقليديّ، فإنّ الماركسية ماديّة وليست هيغلية يسارية. وبغية إقامة عالم يمكن أن تعمل فيه الدراسات الثقافية، كان لابد من نزع مادية ماركس. تقوم أطروحتي على فكرة أنّه في حين كان اقتصاد ماركس ذلك الاقتصاد الخاطئ خطأ واضحا، فإنّ تفسيره الماديّ للتاريخ هو ذلك التفسير الصحيح. ولا يمكننا أن نبني نظريةً في الثقافة الإنسانية ماديةً بما يكفي (أنثروبولوجيا مادية، تشك ل فيها النظرية الأدبية المادية الثقافية جزءا حقيقيا) ما لم نقرّ بالصدارة التفسيرية التي تتمتّع بها المتغيرات الاقتصادية؛ مع أنّه علينا أن نضيف العوامل السكانية والعوامل الإيكولوجية إلى تلك العوامل التي أقرتّها الماركسية الكلاسيكية. وفي رأيي، أنّ مثل هذه النظرية المادية الموسَّعة تسلّط الضوء قويا على الأدب، كما تسلّطه على الممارسات الثقافية الأخرى جميعها؛ وإن كانت تحتاج إلى أن تُذيَّل بتاريخ سياسي، واجتماعي وثقافي. لكننا ينبغي أن نضيف أنّ مثل هذه النظرية لا يكون لها معنى إلا إذا تخلّينا عن بلاغة ما بعد البنيوية وتبنّينا فلسفةً واقعية في كلٍّ من العلوم الإنسانية والطبيعية، فلسفة ليس لها أيّة صلة خاصة باليسار السياسي. ما يُوسَم ب " المادية الثقافية " في النظرية الأدبية الحديثة ليس نظريةً ماديةً في الأدب، وهو بالتأكيد لا يستهدف إقامة إستراتيجية بحث علمي في تاريخ الأدب في مختلف المجتمعات الإنسانية. والأحرى، أنّه ممارسة تأويلية ملتزمة سياسيا. وهؤلاء " الماديون الثقافيون " يرون أنّ الموضوعات الثقافية -المسرحيات، القصائد، القصص، إلخ- ينبغي أن تُدْرَس بوصفها أجزاء من مركّب كامل من الممارسات الثقافية في المجتمع. ولذلك، فإنّ المادية بهذا المعنى هي مادية " ممارسات مادية " ومؤسسات؛ ويُعَدُّ مثاليا أن ننسب معنىً جوهريا أو قيمة جوهرية إلى نصوص شكسبير، في حين يُعَدُّ ماديا أن نناقش الطريقة التي تُقْرَأ بها هذه النصوص، وختُ رَج، وتُدْرَس، إلخ، خاصةً إذا كان لذلك مؤدَّياته السياسية. ولا يرى الماديون الثقافيون أنَّ الأولوية الأولى لديهم تتمثّل في أن يفسرّوا الممارسات الثقافية بمصطلحات اقتصادية؛ وهم يحاولون النأي بأنفسهم عن استعارة الأساس- البنية الفوقية الماركسية. غير أنهم يحتفظون بموقف سياسي يساريّ إلى حدّ بعيد، ويرون الأولوية في النظرية الثقافية للنضال ضد القمع الاجتماعي، والعنصرية، والتحيّز الجنسي، إلخ؛ وغالبا ما يعيشون بهناء مع النسبوية الثقافية والخطابية في الحقبة ما بعد البنيوية، متّكئين إلى ميشيل فوكو في الغالب، وإلى جاك ديريدا في بعض الأحيان. وهم ليسوا ماديين بالمعنى العملي العادي للكلمة. أمّا المادية الثقافية في الأنثروبولوجيا فمختلفة تماما. وهي ترمي إلى إقامة تفسير علمي، وتحافظ على الواقعية
الفلسفية، وعلى المادية، التي تميّز العلوم الطبيعية. كما تهدف إلى تفسير ذلك المدى الشاسع من الممارسات الثقافية الإنسانية (التي لا بد من حيث المبدأ أن تشتمل على الفنون)، والتعاقب التاريخي لأشكال مختلفة من المجتمع، على أساس المتغيرات الاقتصادية الأساسية. وهي تتحدّر من الماركسية الكلاسيكية، وتشبهها؛ لكنها لا تستخدم الديالكتيك، وتلتزم بتفسير وقائع المجتمعات الإنسانية وليس باجتراح تغييرات ثورية في هذه المجتمعات. وهي تعتمد على سلسلة من المتغيرات التفسيرية أوسع من السلسلة التي اعتمدت عليها الماركسية: تضمّ الموارد الطبيعية، ومستويات السك ان من حيث التكنولوجيا المتاحة، ومستويات الحريرات والبروتينات في أنماط الوارد الغذائي المختلفة، فضلا عًامّ يقتضيه تأمين ذلك من الطاقة، إلخ. وهذا ما يجعل منها الأساس العلمي الواضح لتنظير المشكلات الإيكولوجية. غير أهنّا يمكن أن تخلص إلى نتيجة عملية مفادها ضرورة الحفاظ على الأبقار المقدّسة في الهند كما تخلص إلى ضرورة قيام ثورة اجتماعية هناك. والمدافع الأساسي عن المادية الثقافية هو مارڤن هاريس، وما ناقشته هنا هو صياغاته بوجه عام. والمبدأ الأساسي في المادية الثقافية الأنثروبولوجية هو أنّ ما من جزء من المجتمع أو الثقافة يمكن أن يتّخذ شكله باستقلال عن المتغيرات الاقتصادية، مهما يكن تطوره الداخلي متماسكا، وأنَّ من الممكن تفسير كثير من جوانب الثقافات الإنسانية بواسطة المتغيرات الاقتصادية بطرائق غالبا ما تكون خفيّة تماما عن أبناء تلك الثقافات أنفسهم. فالبنى الأساسية للثقافة، ليست شفافة أو مستقلة. وهذا ما يخلق مشكلات الأيديولوجيا والوعي الزائف التي أَلفناها في التراث الماركسي: إذ يمكن أن نجد أنفسنا ونحن ندّعي كأنثروبولوجيين أنناِ نعلم لماذا يمضي رجالٌ إلى الحرب وتقترف نساءٌ قتل الأطفال، في حين يقدّم أولئك الرجال أنفسهم أسبابا مختلفة تماما للمضي إلى الحرب وتنكر تلك النساء أنفسهن أنهن ارتكبن قتل الأطفال. ويكون علينا عندئذ أن نطرح على أنفسنا أسئلة مألوفة عن قيمة علم اجتماعي يدّعي أنّه يكشف لنا جوانب مجتمعات أخرى تخفى على أبناء تلك المجتمعات، لكنها تتكشّف للأنثروبولوجي الذي يرصدها. ويكون علينا أن ندفع تلك النقطة إلى مدى أبعد ونلاحظ، على أساس المبادئ ذاتها، أنّ هنالك أوجها مألوفة في مجتمعنا الخاص لا نفهمها بمجرد أن ننظر فيها، لكننا نستطيع أن نفسرّها لأنفسنا، من خلال تطبيق مبادئ المادية الثقافية. والمبادئ الأنثروبولوجية التي سنناقشها تنطبق على دراسة الأدب بطريقة مباشرة على وجه الخصوص. وجميع نقّاد الأدب هم أنثروبولوجيون ثقافيون ممارسون، يستكشفون حَدْسيا عالم المعنى الاجتماعي خلف الأعمال التي يدرسونها. ذلك أنَّه من المستحيل قيام مقاربة مجرّدة وشكلانية للأدب؛ فكلُّ عمل أدبيّ في العالم هو جزء من ثقافة إنسانية ما، بالمعنى الذي يعطيه الأنثروبولوجيون للكلمة، ولا يمكننا أن نضفي عليه معنى إلا ضمن تلك الثقافة. وهذا يصحّ على الأعمال الأدبية الم نْتَجة في ثقافة وتُقوَّم في ثقافة لاحقة، كما يصحّ على الأعمال الأدبية المعاصرة؛ وتقويم رواية إنجليزية من القرن التاسع عشر يتطلب من الناقد الحديث فهما أنثروبولوجيا حَدْسيا لكلٍّ من المجتمع الإنجليزي في القرن التاسع عشر ومجتمعنا الخاص. ولكي نضرب على ذلك مثالا ملموسا، فإنّه لا يمكن لناقد أن يفلح في ذلك الأمر ما لم يكن قادرا على تقديم تفسير لمعنى الزواج والمال في كلا المجتمعين. وتشير مبادئ المادية الثقافية الأنثروبولوجية إلى أنّه، تحت تلك التفسيرات الحدسية للمعنى الاجتماعي، ثمّة مستويات من التفسير العلمي على أساس المصالح الاقتصادية، وصراعات المصلحة الاقتصادية. واستكشاف ذلك هو ما ينبغي أن تكون عليه الوظيفة الخاصة لنظرية الأدب المادية الثقافية.
1-1 الإستراتيجيات المادية في تفسير الأنظمة الثقافية
المادية الثقافية إستراتيجية بحث وليست نظرية مفردة. وسواءٌ كان الماديّ الثقافيّبإزاء وصف إثنوغرافي لثقافةٍ كاملةٍ من الثقافات مثل ثقافة " اليانومامي "، أو لسمة خاصة تميّز عدّة ثقافات مثل التابو المفروض على أكل لحم الخنزير في الشرق الأوسط، فإنّه سوف يتفحّص ما تشتمل عليه الطقوس المعنيّة من تكاليف ومنافع مادية، ويقيسها من حيث عوامل مثل الوارد الحروري والوارد البروتيني قياسا بالجهد المبذول، في كثافات سكانية شتّى ومستويات مختلفة للموارد الطبيعية. ويشتمل هذا التحليل على ما يدعوه الماركسيون قوى الإنتاج وعلاقاته، لكنه يمضي أبعد من ذلك؛ فمن نقاط الضعف الشالّة في الماركسية أنها لم تبد قطّ اهتماما كافيا بكثافة السكّان أو بالإيكولوجيا. وفي إنكارها استقلال الثقافة، تنكر هذه الإستراتيجية واحدا من المبادئ العزيزة على معظم مدارس الأنثروبولوجيا الثقافية؛ وتكون أمام خطر دَفْع هَا (كما يفعل هاريس في بعض الأحيان) نحو حتمية اقتصادية كاملة. غير أنّه ليس من الضروري أن يحصل ذلك، كما رأينا لدى مناقشة الماركسية ذاتها. ويمكننا أن نواصل القول إنّ الثقافات الإنسانية هي استجابات إنسانية خلاّقة للشروط المادية، وإنّه من الممكن على الدوام قيام استجابات مختلفة كثيرة، في الوقت الذي نقبل أنّ للعوامل المادية صدارةً تفسيرية. وتنظر المادية الثقافية إلى الحاجات المادية الإنسانية والموارد، المتاحة، والتقنية في مجتمعٍ ما -سواء كانت هذه غابات عذراء وفؤوسا حجرية، أم مناجم فحم ومحركات بخارية- على أنها المتغريّات التفسيرية الأوليّة؛ في حين تنظر إلى البنية السياسية، وأساليب الحرب، والمعتقدات الدينية، والأشكال الاقتصادية، إلخ، على أنها العناصر التي ينبغي تفسيرها؛ وتنظر إلى الاقتصاد على أنّه المستوى الذي يتوسّط بين هذين الاثنين. وهي بهذا تحافظ على الأجزاء التي يمكن الدفاع عنها في الماركسية. ومن الأمثلة البسيطة على عمل هذه الإستراتيجية تناول هاريس لوظائف البقرة المقدّسة بين الهندوس؛ تلك البقرة التي تطوف الشوارع، وتختلس قُوهْتَا، ولا ينبغي قتلها. وهذا مثال على طقس سبق أن نظر فيه كل من الأنثروبولوجيا الثقافية العادية غير المادية واقتصاد التنمية الغربي. واللافت أنهما يتفقان كلاهما على أنّه ليس لهذه البقرات أيّة وظيفة. فالأنثروبولوجيا الثقافية العادية تقدّم تفسيرات لقدسية البقرة تقوم على البنية الداخلية للثقافة الهندوسية. وهي ترى، في حقيقة الأمر، أنها مقدّسة لأنها مقدّسة. أما اقتصاد التنمية فيتعامل مع البقرة المقدّسة على أهنّا عبء على الاقتصاد؛ ولكي تحصل التنمية، لا بد من ذبح معظم هذه البقرات. يشير هاريس إلى أنَّ البقرة المعنيّة هي ذريّة حيوان حلوب عاس وقويّ. يعيد، بعيشه على الفضلات، تدوير الطاقة التي كانت لتضيع لولاه (روث البقر وقودٌ معروف). وذبح البقرات المقدّسة جميعها، يعني في الواقع جعل المجتمع أقلّ اقتدارا من حيث الطاقة، ويعني نقل الثروة من الفلاحين الفقراء، الذين لا يملكون سوى بقرة واحدة تشرد وتعيش على الفضلات، إلى الفلاحين الأغنياء الذين يملكون قطعانا كاملة تبقى في المرعى. والحال، أنّ البقرة في الهند لا تُعامل بأيّ حنان خاص؛ بل تعيش حياةً بالغة القسوة، وحتُ لَب حتى آخر قطرة. والبقرة كذلك هي منتجةُ حيوانات الجرّ: الثيران. والتابو المفروض على قتلها له وظيفة اقتصادية. ولقد عرفت
الهند المجاعات. وإغراء قتل بقرة في مجاعة هو إغراء طاغٍ، لكنه يعني أن تقتل رأسمالك؛ فلا تعود قادرا عندئذٍ على إنتاج الثيران التي تعمل عليها في أرضك. ومثل هذه الظروف على وجه الدقّة، وعلى مرّ القرون، هي الظروف التي تطوّر فيها المجتمعات التابوات الدينية. فالبشر يحتاجون إلى ما يقويهّم في مواجهة الإغراءات قصيرة الأمد التي تفضي إلى خراب اقتصادي مديد. وهذه النقطة الأخيرة تحتاج أن نلحّ عليها: فهي مبدأ عام يفسرّ العقلانية الأساسية طويلة الأمد التي غالبا ما نجدها في مبادئ دينية لا عقلانية في الظاهر. ولا تقتصر الإستراتيجية المادية التي أوضحناها هنا على الطقوس العارضة الغريبة كتلك الخاصة بالبقرة المقدسة. ومرّة إثر مرّة، يمكن تفسير ذلك التنوّع المحريّ في الطقوس الثقافية البشرية تفسيراًاقتصاديا عقلانيا،ً مع الانتباه الحذر إلى الظروف الاقتصادية الخاصة بكلِّ مجتمع. وقد تمكّن هاريس، في كتاب بارع ورائج وضعه عام 1975، من أن يفسرّ ما يجعل الخنازير في ظروف معينة طعاما حمُرَّما، في حين يُبنى المجتمع بأكمله في ظروف أخرى على إقامة الولائم على الخنازير. كما توصّل إلى تفسير ما يجعل النشاط الأساسي في بعض المجتمعات نشاطا جنونيا من الناحية الاقتصادية، فيعمل على تدمير الثروة (كالولائم المُسرِْفة)؛ وهلمجرا. غير أنَّ واحدا من حجاجات هاريس التي تخلب اللبّ على نحوٍ خاص هو ذاك الذي يفسرّ الصلات بين عوز البروتين والحرب المحدودة وضرب النساء، في مجتمع هنود اليانومامي الذين لا يزالون عند مستوى العصبة. وهذا التفسير الأخير عملٌ بارع، وينبغي أن يكون موضع اهتمام كبير لدى النسويين المحدثين. ولقد أُضفي مزيد من الطابع العاطفي على اليانومامي مؤخَّرا - خاصةً من جهة إثنوغرافيّهم الأصلي نابليون شغنون - لأنَّ الرأسمالية بدأت تمحقهم؛ غير أنَّ مجتمعهم، حين دُر سَ لأول مرّة، بدا على أنّه واحد من أفظع المجتمعات على وجه الأرض. فالرجال -وهم جميعا من المدمنين على المخدرات ومن العدوانيين- كانوا لا ينفكّون يقارعون بعضهم بعضا ويقتل واحدهم الآخر من أجل النساء (كلّ عصبة تحمل على الأخرى لتسلب نساءها)، وحين لا يفعلون ذلك، كانوا يضربون النساء ويؤذونهن. وقد فسرّ وا حربهم الدائمة بأهنّا عاقبة لنقص النساء: لكن هذا النقص كان نتيجة صنعيّة ناجمة عن ممارسة النساء قتل الأطفال الإناث (على الرغم من إنكارهن فعل ذلك.) ومثل هذا المجتمع، الموصوف على مستوى وعيه الخاص، يطرح كثيرا من الأسئلة التي لا حلّ لها. فإذا ما كانت النساء قليلات، لماذا لا يُعامَلْنَ معاملةً أفضل؟ لماذا تخلق النساء نقص النساء الم صطَنع؟ ولماذا تنشئ النساء الصبيان الصغار كي يعتدوا على البنات الصغيرات؟ لا يستطيع شغنون أن يقدّم أيّة أجوبة عن هذه الأسئلة، الأمر الذي لا يجعل هذا المجتمع كريها وحسب بل غير عقلاني على نحو مجنون أيضا.ً أمّا هاريس فيقدّم جوابا على أساس الوارد من الطعام. ذلك أنَّ اليانومامي، الذين لعلّهم طردوا من مواطنهم
الأصلية، كانوا في مناطق تفتقر إلى الصيد؛ ولا يعرفون صيد السمك؛ ولذلك كانوا في عوز إلى البروتين. وطقس الحرب الدائمة بين مختلف العصب كان نوعا من الردّ التكيّفي الذي يهدف إلى إبقاء عدد السكّان منخفضا. ولم يكن يحقق ذلك إلا بصورة محدودة، عن طريق من يسقطون في ساحة المعركة. وكانت النتيجة الأساسية للحرب تتمثّل في دفع كلّ عصبة إلى أن يكون لها محاربوها الصناديد. ولذلك كانت الهيبة الرفيعة تذهب إلى الرجال، الذين كانت تجري تنشئتهم على أن يكونوا عدوانيين. وكانت النساء خاضعات، لا هيبة لهن. ومن هنا قتل الأطفال الإناث، الذي كان طريقة لضمان أن يكون للعصبة نسبة مرتفعة من المحاربين، تكسب نساء الزمر الأخرى، فضلا عن كونه طريقة ناجعة كثيرا في الحدّ من عدد السكّان ككل. ويبدو أنّ قتل الأطفال الإناث في المجتمع اليانومامي -في توصيفه الإثنوغرافي الأصلي، لكن بحسب تفسير هاريس- لم يكن أثرا جانبيا مؤسفا، بل كان الغرض الأساسي للنظام الاجتماعي بأكمله، والشيء الوحيد الذي يمكّن المجتمع من البقاء. أمّا نظام الحرب وضرب الزوجات الذي يشكّل معظم التجربة اليومية المعيشة لأولئك الأشرار الفقراء فلم يكن بمجمله سوى أثر على مستوى البنية الفوقية. وهذا ما يطرح السؤال عامّ إذا كانت تجربتنا المعيشة بعيدة بالمثل عن وقائع مجتمعنا الاقتصادية الأساسية. وهي لا شكّ بعيدة.
2-1 الأنثروبولوجيا ومراحل ما قبل التاريخ
المادية الثقافية الأنثروبولوجية هي طبعة علمية حمُدَّثة من مادية ماركس وإنجلز التاريخية، وقد جُرِّدَت من الديالكتيك الهيغلي والالتزام السياسي، وعُمِّمَت لتنطبق على المجتمعات ما قبل الرأسمالية. وهي ترفض الإغفال الماركسي السخيف للضغط السكاني بوصفه عاملا مهامًّ في التغريّ الاقتصادي، وتستند إلى مئة عام من البحث التجريبي في الأنثروبولوجيا والأركيولوجيا الذي ما كان لإنجلز أن يعلم عنه شيئا. ومهما تكن تحفّظات المرء إزاء الطبيعة المثالية لبعض النظريات الأنثروبولوجية الراهنة، فإن معيار المعرفة العلمية الصرف في كلٍّ من الأنثروبولوجيا والأركيولوجيا قد تغريّ منذ زمن إنجلز. ولم تأت ستينيات القرن العشرين حتى نشر مردوك أطلسا إثنوغرافيا وصف فيه 600 من المجتمعات وعدّة عشرات من الخصائص التصنيفية المعطاة لكلّ مجتمع. ومنذ ذلك الوقت، بات عدد الأنثروبولوجيين الوصفيين المتخرجين من الكليات الأميركية فوق الحدّ؛ مع أنّه لم يكن بالطبع كافيا لوصف كلّ الثقافات البدائية الباقية قبل أن يدفعها المجتمع الصناعي الحديث صوب الفناء. ومن الواضح أنّ ما من وصف لهذه الثقافات كان يمكن أن يعتمد على الكلاسيكيات الماركسية وحدها. والمادية الثقافية في الأنثروبولوجيا هي سليلة مباشرة للأنثروبولوجيا الماركسية، التي أسسها إنجلز في كتابه أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة في ضوء أبحاث لويس. ه، مورغان. وهذا في الواقع ليس دراسة أصيلة في الأنثروبولوجيا (وكيف يسعه أن يكون كذلك؟)؛ بل هو إعادة تفعيل، في إطار ماركسي ناضج، لما كان آنئذٍ أحدث وصف أنثروبولوجي لتطور المجتمع الإنساني الباكر. ويمكن أن نُظْه ر طابع عمل مورغان بإيراد عنوانه الكامل: المجتمع القديم، أو أبحاث في خطوط التقدم البشري من الهمجية عبر البربرية إلى الحضارة. ونظرية
مورغان هي في الحقيقة نظرية في مراحل التطور الاجتماعي البشري؛ وهي ليست نظرية مادية بالضرورة. وتقوم مثل هذه النظرية على افتراض أنّ بمقدورنا أن ننظر إلى المجتمعات البدائية المعاصرة كمجتمعات الهنود الأميركيين ونكوّن صورة عن بنية العائلة لدى أسلافنا الأوائل وطريقة حياتهم. ومثل هذا الافتراض كان يمكن أن يُؤخَذ كمسلّمة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؛ لكنّه لم يعد منطقيا في القرن العشرين. وأحد الأسباب الواضحة التي تقف وراء ذلك أنّه كان وراء الهنود الأميركيين، الذين دُرسوا في القرن التاسع عشر، من التاريخ القدر ذاته الذي كان وراء عامّل المصانع الإنجليز: وكانوا، بمرور الوقت، قد تركوا البدائية مثلهم. وقد يرى كثير من المنظّرين غير الماركسيين أنّ بنية مثل هذه المجتمعات لا توضح سوى التنوّع الشديد في الترتيبات الاجتماعية البشرية الممكنة. وأهنّا لا تفضي بشيء عن التاريخ. ولكي تعتقد، كما اعتقد أنثروبولوجيو القرن التاسع عشر وبعض أنثروبولوجيي أوائل القرن العشرين، أن التنظيم الاجتماعي -أي البنية القبليّة- لقبائل الهنود الأميركيين يلقي الضوء على التنظيم الاجتماعي للشعوب الجرمانية أو اليونانية الباكرة، فإنّه لا بدّ لك أن تفترض أنّ هنالك نظاما ضروريا للتطور التاريخي وضعه الله أو وضعته بنية العقل البشري، وأنّ بعض الشعوب قد توقّفت، لأسباب غامضة، عند مرحلة باكرة من هذا التعاقب الضروري؛ أو أن تفترض المبدأ الماركسي الذي مفاده أنّ البنية الاجتماعية تتحدّد جزئيا على الأقلّ بالتكنولوجيا أو الاقتصاد. وفي حين يصعب الدفاع عن الموقف الأول، فإن الموقف الآخر يفضي إلى المادية الثقافية. وطوال القرن العشرين، رفضت أشدّ مدارس الأنثروبولوجيا الثقافية نفوذا كلا الموقفين. فقد رأى بعضهم أنّه يمكن تحليل الثقافات ومقارنتها علميا، غير أنها لا تتحدد بأيّ حال من الأحوال بأساسها الاقتصادي؛ وًالأحرى القول أنَّ الثقافة هي التي تحدد ما نعتبره اقتصادا. ومثل هذه النظرة تجعل العلم الاجتماعي المادي مستحيلا، وهو ما يوافق بعض مناهضي الماركسية. في حين رأى آخرون أنَّ ثقافات مجتمعات معينة هي أنظمة معان فريدة لا يمكن مقارنتها مع بعضها بعضا، وربما لا يمكن فهمها من جهة ثقافة أخرى، كثقافتنا، لا سيما حين نلحّ على استخدام مقولاتنا العلمية غير الملائمة بدلا من التقمّص الوجداني أو التبرصّ الإنسانوي. وهذه النظرة -واسمها النسبيّة الثقافية- تجعل أيّ علم اجتماعي مستحيلا، الأمر الذي يوافق ما بعد البنيوية، لكني أعتقد أنّ الاسم الملائم لها هو الضبابية. والأساس فيها هو إنكار قدرتنا على أن نحوز علما موضوعيا عن المجتمع. وباختصار، فإنّ هنالك أصنافا عدّة مما كان يسهل على إنجلز أن يدعوه مثاليةً. ونجد في كتاب هاريس 1968 وصفا ممتازا للصراع بين المثالية والمادية في النظرة الأنثروبولوجية حتى ستينيات القرن العشرين. وسوف نرى أنّ أيّ وصف محنَّك للأنثروبولوجيا بأهنّا دراسة مختلف الثقافات باعتبارها أنظمة معان فريدة إنمّا يمكن تفكيكه بسهولة بحجاجات من النوع الذي مارسه ديريدا عام 1967 حيال ليفي شتراوس في مقالته
" البنية والدالول واللعب في خطاب العلوم الإنسانية ". والدعوى هي أنَّ مقولات الأنثروبولوجي قيدٌ ثقافيّ شأنها في ذلك شأن مقولات أبناء البلد المدروس؛ وبذلك تغدو الأنثروبولوجيا الم مارَسة على هذا النحو مجرد أسطورة عن أسطورة. لكن هذه الحجاجات لا تصمد إذا ما اتّبعنا داروين وماركس في افتراض بنية تحتية مادية مشتركة لدى الثقافات البشرية جميعا؛ ذلك أنَّ مثل هذه البنية توفّر الأساس الذي يمكن أن تقوم عليه، وفقا لافتراضات فلسفية واقعية، نظريةٌ علمية تنطبق على جميع هذه الثقافات. ومثل هذه النظرية لا تفرض ما لدى ثقافتنا من مقولات المعنى المادية على ما لدى الثقافات الأخرى من مقولات المعنى غير المادية؛ بل هي محاولة لتفسير مقولات المعنى في ثقافتنا وفي تلك الثقافات على أساس بناءات يُقْصَد منها -على الرغم من كونها افتراضية ليس غير- أن تكون فرضيات بشأن كلِّ الثقافات البشرية الممكنة. ومن الأمثلة على هكذا مفهوم فعالية أسلوب إنتاج مثل الصيد بالقوس والسهم، مُقَاسا بالحريرات المستهلكة مقابل الحريرات المُتَحصَّل عليها. ومثل هذا المفهوم لا معنى له في التجربة المباشرة سواء لدى صيّاد - ملتقط أو لدى منظّر ثقافي حديث؛ لكن له معنى دقيقا ضمن منظومةِ علم طبيعيّ حديث. تعطينا الأنثروبولوجيا الجديدة، بتضافرها مع الأركيولوجيا، والألسنية، والتشريح المقارن، إلخ، صورة للتاريخ البشري وما قبل التاريخ مختلفة عن تلك التي قدّمتها الماركسية. وهي تنكر أنّ كلّ تاريخ هو تاريخ صراع طبقي. وتعود إلى داروين ومالتوس في إدراكهما أنّ جذر كل تغريّ تاريخي هو ميل عدد السكان إلى أن يفوق الموارد، في أسلوب إنتاج قائم معين. والصراع الطبقي، إذا ما وجد، هو عاقبة لذلك. وما يحدث حين يفوق عدد السكان الموارد في أسلوب إنتاج معين، كالصيد والالتقاط، هو أن يحلّ محلّ الأسلوب الأول أسلوب إنتاج أكثف، لديه القدرة على إعالة أعداد أكبر من السكان على أساس الموارد ذاتها، كالزراعة في هذه الحالة. وما يراه الماديّ الثقافي هو أنّ مثل هذا الانتقال حيُْتَمل أن يقع عندما تفوق تكاليف الصيد والالتقاط -مقاسة بالحريرات المستهلكة إزاء الحريرات المتحصِّلة- تكاليف الزراعة. ويتفق الماديون الثقافيون مع الماركسيين على أنّ مثل هذا التحول في أسلوب الإنتاج يفضي إلى تغيرات عظيمة في بنية المجتمع والثقافة بأسرها. لننظر الآن في ثقافة البشر الأوائل: مثلما أعادت بناءها الدراسات الأنثروبولوجية التي درست الصيادين- الملتقطين المعاصرين، والدراسات الأركيولوجية التي درست الصيادين-الملتقطين الأوائل، والدراسات البيولوجية التي درست الإنسان عموما. فالبشر الأوائل كانوا حيوانات نادرة، تعيش في عُصَب بدوية صغيرة؛ وهذا ما عرفناه من الأركيولوجيا. ولعلّهم كانوا يتكلمون بطلاقة لغات معقّدة كتعقيد الإنجليزية أو اليابانية. وهذه نظرة تقوم على أساس ألسنية تشومسكي -التي تشير إلى أنَّ بنى اللغة الأساسية فطرية- وعلى الدراسات التشريحية المقارنة التي تناولت الإنسان عموما وإنسان نياندرتال. ولعلَّ بعضهم كان يعرف أكثر من لغة واحدة، لأنّ العصب البدوية الصغيرة ربما كانت تتلاقى عند أطراف مواطنها. وفي تلك المرحلة من التطور الثقافي، كانوا بحاجةٍ إلى اللغة؛ ولعلّ ثقل ثقافتهم المعرفيّعليهم كان مساويا لثقل ثقافتنا المعرفيّ
علينا، واللغة هي نظام تشفير معرفيّفائق. وإذا ما كانوا يشبهون الصيادين- الملتقطين المحدثين في أيّ شيء فقد كانوا صيادي حيوانات أذكياء (والنساء كنَّ يتولين أمر صغار هذه الحيوانات في معظم الأحيان) وملتقطي مأكولات نباتية واسعي الحيلة (والنساء كنَّ يقمن بمعظم ذلك، ويوفرن معظم النظام الغذائي). وغالبا ما كانوا في وضع مريح على الصعيد الاقتصادي. فكان بمقدورهم إطعام أنفسهم بسهولة بالغة بعمل ساعتين، أو أقلّ من ذلك، في اليوم، ليوفّروا بقية الوقت لحياة اجتماعية زاخرة. وربما كانت لديهم معرفة فعلية بالنباتات والحيوانات المحلية تفوق بكثير معرفة علماء الطبيعة الجامعيين المختصين. هذا، على الأقلّ، ما وجدته جامعة شيكاغو حين درست الكالاهاري سكّان الأدغال. كما كانوا حك ائين عظماء يحكون حكايات رائعة في الأماسي عن حيوانات ناطقة عند مبتدأ العالم. ويبدو أنّ كلَّ الصيادين - الملتقطين يفعلون ذلك. وهكذا توفّرت لديهم خطابات مميّزة في التاريخ الطبيعي والأدب، وكانوا قادرين تماما على التمييز بينها. (ومثل هذه الملاحظات -المألوفة في المجتمعات القروية ومجتمعات ما قبل الدولة- تكفي لتبديد الوهم القائل إنّ الأدب ظاهرة " برجوازية ". فهو ظاهرة إنسانية.) أمّا سياسيا فكانوا مساواتيين على نحوٍ يكاد يكون مؤكّدا، بلا زعماء أو " كبار "؛ وكان تقسيم العمل حسب الجنس قائما سلفا، لأن هذا التقسيم سابق على وجود البشر، لكن وضع النساء في كثير من المجتمعات كان رفيعا كما كان من قبل، وفي بعض الأحيان، وبعض المجتمعات، كانت امرأة هي التي تقود العصبة. وكانوا، على الصعيد الشخصي، متواضعين كثيرا؛ كان التفاخر شيئا سيئا. وكانت القرابة هي التي تحدد بنية مجتمعهم الحقّة، وليس الطبقة. كما كانت لديهم منظومات تصنيف تحدد من الذي ينبغي له أن يتزوج وبمن عليه أن يتزوج، مما يجعل الأنثروبولوجي الحديث يفغر فاه تعجبا؛ ومن خلال القرابة كانت عصبة ترتبط بالأخرى. وكانوا يحبّون الأطفال، لكنهم كانوا يمارسون الإجهاض وقتل الأطفال على نحو منتظم؛ وكان ثمة بعض المجتمعات الرجولية، كما لدى سكان أستراليا الأصليين، حيث يُعذ ب الصبيان المراهقون تعذيبا وحشيا بعد طفولة رخيّة، قبل أن يمكن عدّهم بين الرجال. وثمّة أدلّة قوية على كلّ جزء من أجزاء هذه اللوحة المركّبة، تستند إلى دراسات تناولت الصيادين- الملتقطين المحدثين: سكان أستراليا الأصليين، الكالاهاري سك ان الأدغال، الأقزام سكان الغابات؛ وما يغيب عن هذه الأدلة هو اختلاف كلّ ثقافة، أو فرديتها، وهو أمر غير معروف بالطبع. وما يمكن للمادي الثقافي أن يقوله هو أنّ كلّ خاصيّة تقريبا من الخصائص المذكورة أعلاه تتوقف على التكيّف الاقتصادي الأساس، الذي هو الصيد والالتقاط. وذلك ما يجعل الإنسان نادرا وبدويا: ذلك أنّ العدد الكبير من السكان المقيمين لا بد أن يؤدي بسرعة إلى استنفاد جميع الموارد الطبيعية المحلية. ومثل هذه العصبة لا تنتج أيّ فائض قيمة يمكن أن يعيل حرفيين متخصصين، أو كهنة، أو زعماء كبار؛ وإذا ما حاول أي فرد أن يطغى، يمكن للآخرين أن يرحلوا ويشكّلوا عصبة أخرى. وفي بعض الأحيان كان ثمّة قتلَة، لكن لم يكن هنالك حرب. وغالبا ما كان الإجهاض وقتل الأطفال أمرين عاديين وطريقتين أساسيتين لضبط الولادات. أمّا البَّضْع وسواه من الشعائر المشابهة (كالتعذيب الوحشي الذي أشرت إليه) فكانت، حرفيا، طرقا لفصل الرجال عن الصبيان. (حين كانت النساء
يقمن بتربية الصبيان، وكان هؤلاء الأخيرون بحاجة إلى أن يتطبّعوا ثقافيا بطابع مجتمع رجولي، كان لا بدّ من إجراءات قاسية كهذه.) مثل هذه المجتمعات هي ما دعاه مورغان وإنجلز بالهمجية؛ وهي أيضا أقرب المجتمعات إلى ما دعاه التراث الماركسي ب الشيوعية البدائية. ومن الشائق أن نعلم أن الأنثروبولوجيا الحديثة تؤيد -مع تعديلات ضخمة- الأسطورة التوراتية والهزيودية عن العصر الذهبي قبل الزراعة، حيث كانت الطبيعة جنّة تتدلى ثمارها إلى أيدي البشر. لكنها لا تؤيد الأسطورة الليڤيزية عن عصر زراعي ذهبيّ، قبل الصناعة الحديثة.
3-1 التغيّر التاريخي وانعكاسه الأيديولوجي
يمكن، على أساس المادية الثقافية، تفسير أعمق التغيرات في المجتمع، تلك التغيرات من أسلوب إنتاج إلى آخر؛ كما يمكن تفسير حوادث أصغر بكثير، مثل حرب المئة عام، أو نشوء الرواية. فلتأخذوا، مثلا، أهمّ تغريّ حصل في تاريخ الجنس البشري: التغريّ من الصيد والالتقاط الذي وصفناه أعلاه في العصر الباليوليتي إلى الزراعة في العصر النيوليتي. لماذا حصل ذلك؟ هل علينا أن نفترض أنّ بعض الأشخاص قاموا ببعض الاكتشافات التكنولوجية -كزراعة الحبوب، وتربية الماشية- واكتشفوا أهنّم يحبون ما تتيحه لهم من حياة الاستقرار؟ لا شكّ في أنّ مثل هذه الاكتشافات كان ينبغي لها أن تقع كي تغدو الزراعة ممكنة. ولكن هل التغير في أسلوب الإنتاج مجرد أثر جانبي لاكتشاف بعض الأفكار التقنية الجديدة؟ الأمر عكس ذلك تماما. والاكتشافات التقنية جت رى وهتُمَل طوال الوقت؛ فلا تُستغَلّ إلا حين تكون ثمة حاجة اقتصادية. والصيادون - الملتقطون من الكالاهاري، الذين استقصتهم جامعة شيكاغو في ستينيات القرن العشرين، كانوا يدركون تماما ما تنطوي عليه الزراعة من إمكانات، لكنهم ما كانوا ليجدوا لها أيّ معنى، ما دام بمقدورهم التقاط ثمار المونوغونغو. وكانوا محقيّن تماما؛ فالزراعة البدائية كانت توفّر غذاءً أفقر مما يوفّره الصيد والالتقاط، وتتطلب أضعاف ساعات العمل؛ ولم يكن العمل في الحقيقة ملائما ولا صحّيا؛ وكان الاستقرار مصحوبا بأوبئة يخشاها الصيادون - الملتقطون. وتحليل الكلفة- المنفعة يفسرّ على نحوٍ وافٍ سبب اختيار الصيادين - الملتقطين، أن يبقوا كذلك، حتى على أرض لا توفّر لهم سوى الكفاف. إليكم هذا التفسير المادي الفجّ، مع أنّه ليس تفسيرا ماركسيا أو هاريسيا بالضرورة، للتغريّ من الصيد-الالتقاط إلى الزراعة، وهو يبنيّ لماذا حدث هذا التغريّ، ولماذا كان مرُبْمَا، دون أن يفترض أيّ شيء بشأن ما تفضله الكائنات البشرية فطريا؛ ثم إنّه يمضي ليشرح الفهم الأيديولوجي لذلك التغريّ لدى ذوي النزعة الزراعية. (أ) الزراعة أسلوب إنتاج أكثف قياسا بالصيد - والالتقاط؛ إذ يمكن للمنطقة ذاتها أن تعيل مزيدا من السكّان؛ ولذلك تكون الزراعة ضرورية عند حدٍّ معين من نمو السكّان.
(ب) لا يمكن أن تتعايش الزراعة والصيد - والالتقاط البدوي في المنطقة ذاتها: من طبيعة أسلوب حياة الصيادين-و-الملتقطين ألا ينظروا إلى الحبوب والماشية كمنتجات زراعية، وأن ينظروا إليها على أهنّا منتجات طبيعية تؤخذ حيثما وُجِدَت، وذلك ما يدفعهم إلى أن يأخذوا الحبوب والماشية التي عمل الفلاحون على زراعتها وتربيتها. (ج) يحاول الفلاحون صدّهم. ولأنّ الزراعة تتيح كثافةً سكّانية أعلى بكثير مما يتيحه الصيد - و- الالتقاط، فإنَّ أعداد الفلاحين تفوق على الدوام أعداد الصيادين، ويمكنهم أن يتخلّصوا من الملتقطين. وما نراه هو أنَّ هذه سيرورة تاريخية موضوعية تماما، تحدث بصورة مستقلة عن رغبات جميع من تطالهم. فما إن تُكْتشَف تقنيات الزراعة، ويغدو عدد السكان في تزايدٍ مستمر، حتّى تخلف الزراعةُ الصيدَ، ولو كان كلُّ من في المجتمعين يفضّل الصيد. (وهذا ما يكون في العادة، والمجتمعات الزراعية تبقي على الصيد دوما كنشاط ترفيهي، والمجتمعات الطبقية تقصره على الطبقات الحاكمة بوصفه لعبتها المفضَّلة). وما نراه أيضا هو أنَّ ثمّة جانبا ذاتيا لهذا الصراع التاريخي. فالشعوب الزراعية تطوّر أيديولوجيا التملّك -ليس التملّك الفردي بالضرورة، بل ربمّا تملّك القبيلة أو إله من الآلهة- وترى إلى الصيادين-الملتقطين على أنهم لصوص كسالى. ويمكن أن نرى أنَّ هؤلاء المزارعين بحاجة إلى فعل هذا، كي يحثّهم على العمل وعلى التخلّص من جيرانهم البدائيين. ويمكن بالطبع أن نحكي حكاية هذا الصراع ليس على نحوٍ موضوعي، كما هو الحال أعلاه، بل على نحوٍ ذاتي، من وجهة نظر أيّ واحد من البشر المنخرطين فيه. ويمكن أن نتصوّر أنثروبولوجيا زائرا من ثقافة مختلفة تماما يفعل ذلك، فيقدّم تاريخا متوازنا قائما على روايات مأخوذة من مصادرها الأصلية. غير أنّ مسألة العَرْض ومبادئ التفسير تبقى قائمةً. فقد يقبل الأنثروبولوجي الروايات الذاتية لكلٍّ من طرفي الصراع؛ ويقدّم القصة كصدام تراجيديّ بين أيديولوجيتين لا يمكن المصالحة بينهما. وهذا تاريخٌ مثالي، أشبه بقصيدة ملحمية. كما قد يقدّم الرواية المادية التي قدّمتُها أعلاه، والتي لا تُنْك ر تجارب المشاركين الذاتية، لكنها تفسرّ مجرى التاريخ على أساس متغيرات مثل التكنولوجيا المتاحة، وضغط السكان، إلخ. وهذا تاريخٌ ماديّ. ولقد جرت تحولات مماثلة مرّات كثيرة في التاريخ اللاحق. واعتقادي أنَّ أيّ أسلوب إنتاج ينعم بالتفوق العسكري طويل الأمد لأي سبب من الأسباب - سواء كان عدد السكّان أم التنظيم أم التكنولوجيا - لا بد أن يخلف أسلوبا آخر لا ينعم بذلك التفوّق. ومع أسلوب الإنتاج الجديد تأتي مجموعة كاملة من الأفكار التي تنتظم حوله. ولا بدّ أن تقوم بين الشعبين المنتظمين حول أيّ أسلوب من هذين الأسلوبين اختلافات أيديولوجية عظيمة، فيريان العالم بطرق مختلفة.
4-1 تاريخ البشريّة الماديّ
يمكن لروايات التحولات الاقتصادية الكبرى من النوع الذي قدّمت عليه مثالا للتوّ أن توضع على مقياس بالغ الاتساع لتشكّل نظرةً مادية إلى تاريخ البشرية بأسره. ويرى هاريس أنّ المحرّك الأساسي للتغري
التاريخي هو تزايد السكّان إلى حدّ لا يحتمله أسلوب الإنتاج القائم. ذلك أنَّ البدو يستنفدون الصيد؛ مثلما يستنفد المزارعون الأرض؛ والمصانع الموارد؛ ويغدو من الضروري التحول إلى أساليب إنتاج جديدة، أكثف (عن طريق العنف والحرب في بعض الأحيان). وهذا يشتمل بدوره على تنظيم جديد للمجتمع، الذي ينتج أفكارا جديدة تدعمه، بل ونوعا جديدا من الشخصية. وما أراه هو أنَّ هذه هي الطريقة التي جرى بها كل " تقدّم "؛ وهذا بالمناسبة هو السبب في أنَّ كلّ هذا القدر الكبير من التقدّم لم يُصْل ح قسمة الشخص العادي مطلقا، بل اقتصر على زيادة عدد السكان في العالم. وعلى هذا الأساس فإنَّ الأزمة الإيكولوجية ليست جديدة؛ فهي شرط التاريخ البشري الثابت، على الرغم من تحوّله الدائم. واعتقادي أنَّ واحدا من أثرى إمكانات الدراسات الثقافية هو أن تحلِّل تاريخ الثقافة البشرية بأسره بوصفه انعكاسا معقّدا أو تمثيلا معقّدا لهذا التاريخ المادي. وإهنّا لكارثة بالنسبة إلى الدراسات الثقافية أن يؤدّي أفول الماركسية إلى التخلي عن محاولات تفسير ظواهر ثقافية استنادا إلى الواقع الاقتصادي الأساس. ولعل هذا أن يكون أعمق تبرصّ لدينا بأساس الثقافة الاجتماعي. لكن ما يغيب عن هذه المقاربة هو ذلك الزعم الماركسي الدوغمائي عن أولوية الصراع الطبقي. فهذه النظرة إيكولوجية وليست طبقية. ومن الطبيعيّ، حين تندر الموارد، أن ينشب الصراع الطبقي أو الإثني ويكتسي أهمية تاريخية. لكن الحرب الطبقية لم تعد المتغري التفسيري الرئيس.
5-1 الأنثروبولوجيا والناقد الأدبيّ
تتمثّل إحدى الأضرار الفادحة المترتبة على سيطرة النظرية الفرنسية خلال السنوات الثلاثين الماضية في الاختفاء شبه التام الذي لم يقتصر على الأنثروبولوجيا الماركسية وحسب بل تعدّاها إلى أيّة أنثروبولوجيا جدّية عن النقد الأدبي والنظرية الأدبية. ففي النصف الأول من القرن العشرين، تأثّر كلٌّ من الأدب والنقد تأثّرا شديدا بأنثروبولجيا فريرز وأتباعه: مما أحدث تحولا في الدراسات الكلاسيكية بوجهٍخاص، وجعل أعمال جلبرت موري وجان هاريسون، على سبيل المثال، ذات قيمة باقية. وسبب ذلك هو أنه على الرغم من الطبيعة الأدبية، الكتبيّة التي وسمت أنثروبولوجيا هذه المرحلة، فإهنّا حاولت أن تفسرّ خصائص في الأدب القديم على أساس مفاهيم مثل البنية والشعائر القبليّة. وهذه المقاربة لم تمت تماما إلى الآن؛ خذوا مثلا على ذلك عمل وولتر بوركيرت البارع المُعنْوَن هومو نيكانس: أنثروبولوجيا شعيرة التضحية اليونانية القديمة وأسطورتها الصادر عام 1983. ومما له دلالته أنّ هذا الكتاب لا يقتصر على كونه في الكلاسيكيات، بل يتعدّاه إلى كونه بقلم باحث ألماني. ومن الأمثلة على الطريقة التي أمكن بها للنظرية الماركسية متضافرةً مع الأنثروبولوجيا أن تُسْتَخْدَم لاقتراح حلول لمشكلة عويصة في تاريخ الثقافة - مشكلة كان سيصعب حلّها بالفعل من دون مثل هذه النظرية التاريخية- ما نجده في عمل الباحث الكلاسيكي الإنجليزي جورج تومسون في رائعته الصادرة عام 1941،
اسخيلوس وأثينا. ومشكلة تومسون العامة هي مشكلة أصل الدراما، ذلك الحقل الذي لطالما عمل عليه الباحثون الكلاسيكيون في هذا القرن، منذ أن حوّله اندفاع الأنثروبولوجيا، وأقنع الباحثين بأن يبحثوا عن أصل الأسطورة والدراما في الشعائر البدائية. وتكمن قوة تومسون في امتلاكه إطارا مشغولا على نحو استثنائي يتكئ إليه في بناء تاريخ أنثروبولوجي ماديّ، وهو إطار يعود إلى إنجلز، وقبل ذلك إلى مورغان. وهذه القوة تغدو ضعفا بالطبع حين يتقادم عهد الأنثروبولوجيا؛ فلا أحد الآن يتبنّى نظرة تومسون إلى الطوطمية، على سبيل المثال. لم تترك مقاربات الأنثروبولوجيا الأشدّ علمية في منتصف القرن العشرين كبيرَ أثر على الأدب، لكن المفهوم الأساس الذي سبق أن أشرت إليه في الأنثروبولوجيا الثقافية المثالية -إنَّ ثقافة كلّ مجتمع توفّر مجموعة فريدة من المعاني يفسرّ ذلك المجتمعُ العالمَعلى أساسها - كان بالغ الأثر. وهذا المفهوم هو في أساس كلّ ما هو صحيح لدى النسبوية الثقافية الحديثة. والحال، أنّه ليس ثمّة سوى أقلّ القليل مما يمكن قوله عن ذلك النوع من النسبوية الثقافية القائمة على العداء الانفعالي للعلم أو للسياسة الأميركية في ڤيتنام، أو على المزاعم ما بعد الحداثية التي مفادها أنّ مشروع التنوير (مشروع الانخراط في تحليل عقلاني للعالم) قد انتهى الآن. وثمة الكثير مما يمكن قوله عن الموقف الأنثروبولوجي الأساسي الذي يرى أنّ كلّ ثقافة بشرية، مهما بدت جنونية وضالّة من منظور ثقافتنا، لها منطقها القائم على اعتباراتها، وينبغي أن تُفهَم تبعا لتلك الاعتبارات قبل أيّة محاولة للحكم عليها أو لتفسيرها ماديا؛ مع أنّ ذلك ليس بالسبب الوجيه للإحجام تماما عن التفسيرات المادية. ونظرا لما يتميّز به تراث الأنثروبولوجيا التجريبية الوصفية الأنجلو-أميركية من ثراء، فإنّه من المؤسف كثيرا أنَّ منظّري الأدب في السنوات الثلاثين الأخيرة قد طابقوا الأنثروبولوجيا مع بنيوية كلود ليڤي شتراوس اللاحقة، غير العلمية، الأسطورية. وما من منظ ر أدبي في العالم الناطق بالإنجليزية إلا وقرأ بعضا، على الأقل، مما كتبه ليڤي شتراوس ونقد ديريدا له، البنية والدالول واللعب في خطاب العلوم الإنسانية، بنسبويته القصوى، المناهضة للميتافيزيقا. وكلّ من لم يقرأ ذلك في أوائل سبعينيات القرن العشرين في أصله الفرنسي، قرأ ترجمة وايتمان مدخل إلى علم الأسطورة، أو تصفّح عناوين الفصول في مجلدات شتراوس الضخمة مجنّحة الخيال: النيّئ والمطبوخ، من العسل إلى الرماد، أصل آداب المائدة، والإنسان العاري. لكني لا أعرف أيّ ناقد أو منظّر أدبي قرأ كتاب مارشال سالينز، الذي نرُشِ بالإنجليزية في ذلك الوقت: اقتصاديات العصر الحجري، أو الهجوم المادي على سالينز في كتاب مارڤن هاريس النظري، المادية الثقافية. وهذا ينطبق على المنظّرين الماركسيين الصريحين كما ينطبق على المنظّرين الماركسيين الانتقائيين. وهو نوعٌ من
الفضيحة، مع أنَّ ذلك ليس بالمستغرَب على نحو خاص. وهو فضيحة لأنَّ كتاب سالينز يمثّل دراسةً جديّة لاقتصاديات المجتمعات البدائية، الأمر الذي كان ينبغي أن يثير إعادة تقويم متيقظة للتراث الماركسي المميَّز في النظرية الأنثروبولوجية. أمّا كتاب ليڤي شتراوس، من جهة أخرى، فهو خرافة مسهبة وصفها ليڤي شتراوس ذاته بأهنّا أسطورة عن الأسطورة. وهذا ليس بالأمر الم ستَغْرَب، لأنّ الماركسية الألتوسرية، التي راجت بين منظّري الأدب في ذلك العقد الرهيب، هي بناء فلسفي ليس له كبير اهتمام بأيّ نوع من الوقائع؛ وهي، من جهة أخرى، تدين بالكثير لمناهج جاك لاكان وتأملّاته، الذي يدين بالكثير لتصورات ليڤي شتراوس الأصلية. وأحد الأسباب وراء تجاهل التراث الماركسي في الأنثروبولوجيا هو أنّه يتحدّر من إنجلز. فمن السمات الخاصة التي ميّزت الماركسية الغربية في السنوات الثلاثين الأخيرة أنَّ إنجلز كثيرا ما اعترُبِ مسؤولا عن كلّ ما أدّى إلى الأرثوذكسية الستالينية في التراث الماركسي. والحال، أنَّ خطأ إنجلز الفعلي، في أعين الماركسيين الغربيين، يكمن في محاولته البطولية تقديم طبعة من الماركسية يحلّ فيها فهم العالم العلمي المُفصَّل محلّ التأمّل الفلسفي. صحيحٌ أنَّ هذه المحاولة قد أخفقت، لكن انطباعا ينشأ لدى المرء بأنَّ بعضا من أهمّ الماركسيين الغربيين ما كانوا يريدون لها أن تنجح. فليس ثمة عند غرامشي، أو لوكاش، أو حتى أدورنو في معظم أعماله، أي تطلّع إلى ضرب من ضروب العلم الاجتماعي الموضوعي. ولم يكن ذلك ما تدور حوله الماركسية؛ لا سيمّا أنّ ذلك العلم كان كفيلا بأن يحدّ على نحوٍ جدّي من الإرادية السياسية لدى الاثنين الأولين ومن التفلسف الصرف لدى الثلاثة جميعا. وهذه المواقف المناهضة للعلم، والمناهضة للمادية لا تزال لدى اليسار اليوم، على الرغم من أفول الماركسية.
2 - اللاماديّة الثقافيّة
يتبنيّ من وجهة النظر التي أحكمتُها، أن نقاط الخلل الرئيسة في " الماديات الثقافية " القائمة في الدراسات الأدبية والثقافية تكمن في أهنّا ليست ماديّة؛ ولا علمية. وهي تتعمّد ألا تكون اقتصادوية؛ فتحاول عن وعي أن تبتعد عن " استعارة الأساس - البنية الفوقية " في حين كان ينبغي أن تحاول عن وعي أن تفسرّ أكبر قدر ممكن على أساس تلك الاستعارة، أو، بكلام أدقّ، على أساس نظرية (وليس استعارة) السببية الاقتصادية. وتصح هذه الانتقادات ذاتها على أنماط أخرى من النظرية ما بعد الماركسية: كالإطار الغرامشي الجديد في تحليل الثقافة الشعبية والأشكال الفوكويّة في تاريخ الأفكار والمؤسسات وأنماط الذات. ولستُ أريد أن أغمط " المادية الثقافية " الأدبية حقّها، ولذلك سأقتفي أثر التوصيف الذي قدّمه اثنان من ممارسيها قريبي العهد: جوناثان دوليمور وآلن سينفيلد في كتابهما شكسبير السياسي)1985(. وهو يستند إلى ما يدعوانه معنى الثقافة التحليلي، وليس التقويمي، الذي يُستخدَم في العلوم الاجتماعية وخاصة
الأنثروبولوجيا، و " يسعى إلى توصيف كامل منظومة التدليلات التي يفهم مجتمع ما أو جزءٌ منه ذاتَه وعلاقاتهِ بالعالم من خلالها ". وهذا يوحي بمعنى الثقافة الأنثروبولوجي المثالي؛ لكن ذلك غير مُنْص فٍ تماما. وهما يتابعان قائلين: "" المادية " تعاكس " المثالية ": فتلحّ على أنّ الثقافة لا تتعالى (ولا تستطيع أن تتعالى) على قوى الإنتاج وعلاقاته المادية. ليست الثقافة مجرد انعكاس للنظام الاقتصادي والسياسي، ولكنها لا يمكن أن تكون مستقلة عنه. ولذلك فإنّ المادية الثقافية تدرس فحوى النصوص الأدبية في التاريخ ". ما من شيء يُقال هنا عن التفسير العلمي، وليس لدى دوليمور وسينفيلد أيّة مساهمة نظرية يقدمانها لعلم عام، لكنّه حيادي سياسيا، في الثقافة البشرية. ولديهما سمكة أخرى يقليانها، فالثقافة البشرية، بالنسبة إليهما، تتضمن العمل على ثقافات الجماعات الخاضعة والمهمَّشة مثل أطفال المدراس وحليقيّ الرؤوس؛ والعمل على النظام الاقتصادي والسياسي لإنجلترا الإليزابيثية واليعقوبية، ومؤسسات الإنتاج الثقافي مثل البلاط والرعاية والمسرح؛ وكلّ المحطات البينيّة. وهذا العمل سياسيّ على نحوٍ كثيف. " يسجّل التزامه تغييرَ نظام اجتماعي يستغلّ البشر على أساس العرق، والجنس والطبقة ". كيف لهذا الالتزام أن يتحقق؟ خذوا آخر عمل لسينفيلد حول شكسبير ومعاصريه: صدوع: المادية الثقافية وسياسات القراءة الانشقاقية (1992)، إذ يهاجم الأعداء المعتادين: الإنسانويين - الأسسيين الذين قرّروا المُعْتمَد؛ أي إضفاء الشرعية الأيديولوجي على الأنظمة الاجتماعية القمعية. وهجومه على المُعْتمَد هو من التواضع بمكان؛ إذ يرى أنه لا ينبغي لنا أن نؤيّد قيما رجعية بوصفها تبرصّ ات عبقرية، تتعالى على السياقات التاريخية. " يمكن عندئذٍ لنصوص المُعْتمَد أن تحظى بالاحترام باعتبارها محاولات جدّية للإحاطة بالعالم والتدخّل فيه، ويمكن لنا أن ننازعها بوصفها بناءات محلّ شكّ بناها آخرون في ظروف أخرى. وهذا برنامج أولي للمادية الثقافية، وهو المنهج المسيطر في هذا الكتاب ". يا له من منهج رائع؛ يا له من برنامج متواضع! و " الصدوع " هي الشقوق في البنى الأيديولوجية؛ إذ يطلّ الانشقاق برأسه؛ وتنزع النصوص الأدبية ذات الشأن إلى أن تُكْتَب عبرها. وهذه طبعة من موقف ماركسي شائع يظهر جليا لدى كودويل أو لوكاش: فما يراه الماركسيون الكلاسيكيون هو أنّ مثل هذه التناقضات في النصوص تمثّل تناقضات اقتصادية أساسية؛ والقراءة الماركسية الصارمة تخرج خارج النصّ إلى التاريخ الواقعي (المادي، الاقتصادي). أمّا ما يراه سينفيلد فهو أنّ مثل هذه الأعمال لا تعنو لأيّة قراءة حاسمة؛ وأنَّ إستراتيجيات الاحتواء الفكري لا تحتويها بما فيه الكفاية. غير أنَّ الصراع بأكمله يبقى، في نهاية المطاف، منصبّا على القراءات فحسب؛ ولا يكون العدو الطبقي سوى الشخص في الحجرة المجاورة من حجرات الكلّية، الذي يستخدم الأدب للدفاع عن الإنسانوية والم عْتمَد والحتمية الأدبية: واسمه برادلي، أو تيليارد، أو كيرمود، أو جيمس وود (الذي يخوض معه سينفيلد شجارات منتظمة في The London Review of Books، أوقد يكون، بشكل خاص، واحدا من التاريخانيين الجدد (ربما لا يكون ستيفن غرينبلات بل نمط مثالي مشتق منه) يبدو في نموذج الخطابات الانشقاقية الخاص به، والذي يقع في إسار النماذج المسيطرة. غير أنّ صراع غرفة الصف قد حلّ محلّ الصراع الطبقي أيّا كان العدو.
وللمادية الثقافية الأنثروبولوجية آراء في العرق والجنوسة والطبقة، جديرة بأن تقارَن بهذه الآراء. وسوف أضرب مثالا يتعلق بالجنوسة. فالطلب الرأسمالي الحديث على العمل، والمحاصيل الزراعية، والمواد الخام. يبذر الاضطراب في التوازن السكاني عبر العالم. فسك ان العالم الثالث يواصلون الازدياد، لأنّ نسبة الكلفة - المنفعة الخاصة بالأطفال هي نسبة ملائمة (لعائلة في مجتمع ليس فيه دولة رفاه) لأنَّ الأطفال قوة عمل وأمن اجتماعي للأهل في شيخوختهم. أمّا سك ان العالم الأول، فيهبط عددهم لأنّ كلفة تنشئة الأطفال تزداد وعائدهم الاقتصادي يقارب الصفر. وبتدفق رأس المال وراء البحار، يخلق التضخّم في العالم الأول حاجة إلى اثنين من العاملين بالأجر في كلّ عائلة صغيرة. " ومن هذا يتأتّى على نحو منطقي تماما كلّ من الفجوة الجيليّة، وإعادة تعريف للأدوار الجنسية مفرطة في بهرجتها، وضروب الزواج المؤجَّل، و " تغيير الجنس "، والكومونات، والثنائيات الجنسية المثلية، وأُرسَ الشخص الواحد ". وسوف نرى أنّ المادية الثقافية الأنثروبولوجية تقدّم هنا تفسيرا ماديا لظهور قضايا سياسية معينة كسياسات الجنوسة؛ أمّا المادية الثقافية الأدبية فتقدّم التزاما سياسيا بتلك القضايا دون أن تقدّم أيّ تفسير لها. وقد تمارس الاثنتان رضَْ با من التدمير المتبادل. فإذا ما كان هاريس محقّا، فإنّ سياسات الجنوسة اليسارية في العالم الأول تكون مجرّد تكيّف في البنية الفوقية مع المدى العالمي الذي بلغته الصناعة الرأسمالية الحديثة، وتكون ممالئة لها كلّ الممالئة. ولعلّ دعم النسوية في العالم الأول أن يكون دعما للرأسمالية؛ ولعلّ معارضة الرأسمالية أن تكون محاولةً لإعادة نساء العالم الأول إلى الأدوار العائلية التقليدية، في عالم أشدّ فقرا عموما. وقد لا يكون هذا صحيحا؛ والشيء المؤثّر هو الوزن المطلق الذي تحوزه الحتمية الاقتصادية التي يمكن استكشافها ونحتاج إلى استكشافها. ومن الخطأ هنا أن نفصل المادية الثقافية الأدبية عن سواها من حركات ما بعد الماركسية، أو اليسار الماركسي التنقيحيّ (سينفيلد على سبيل المثال يتّكئ بقوة على كلٍّ من ألتوسر وفوكو إضافةً إلى وليامز)؛ أو أن نفصل ضروب معالجة الثقافة الشعبية عن ضروب معالجة الأدب الكلاسيكي. فذلك جميعا يُظْهِر الدافع الجوهريّ ذاته في اتجاه نزع مادية الاشتراكية؛ والابتعاد عن الحتمية الاقتصادية؛ وإقامة الأحكام الثقافية على سياسات لا تقوم هي ذاتها على أيّ شيء سوى على الضمير الليبرالي مفرط النشاط. ويمكن لنا أن نوضح هذا على نحوٍ مفيد في حقل الدراسات الثقافية، الذي نُظِر إليه مرّة على أنّه أبرز مجالات التحليل الماركسي. خذوا الإطار النظري الغرامشي الجديد الذي جرى تبنّيه في المختارات التي حرّرها كلٌّ من طوني بينيت وكولن ميررسِ وجانيت ووال 1986، بعنوان كوت عام الثقافة الشعبية والعلاقات الاجتماعية، واحتوت على مقالات لستيوارت هال وغيره. ومن الواضح تأثّر المؤل فين بالتعقيد الهائل الذي بلغته النظرية الحديثة؛ وابتئاسهم لتهميش الخطاب الاشتراكي عن الثقافة؛ تلك الحقيقة الواضحة المتمثّلة في أنَّ أحدا لا يكترث بما يفك ر فيه المفكّرون الاشتراكيون. وإذ ينظرون إلى الوراء، فإنهم يودّون أن يخلفوا المدرستين العظيمتين في النظرية الثقافية الاشتراكية: البنيوية (الألتوسرية) والثقافوية ما بعد وليامز. كما يودّون أن يخلفوا الموقفين اليساريين الشائعين: من جهة، ازدراء فكري تقليدي للثقافة الشعبية بالمقارنة مع الثقافة الرفيعة؛ ومن جهة ثانية، محاولة استعادة
ما كان في الماضي من ثقافةِ طبقةٍ عاملةٍ أصيلة والاحتفاء بها. وهم يعتقدون، أنّ كلا هذين الأمرين يؤدّيان إلى ازدراء ثقافة الحاضر الشعبية بلا تحفّظ. أمّا الحلّ؛ فيجدونه لدى غرامشي: في مفهوم الهيمنة، وفي النظر إلى الثقافة الشعبية ليس على أهنّا مجال مجموعةٍ من القيم تفرضها الطبقات المسيطرة التي تمتلك وسائل الإعلام وتسيطر عليها، ولا على أهنّا سَوْرة عفوية لثقافةٍ بروليتارية أصيلة، بل على أنها تسوية قابلة لإعادة التفاوض في كلّ لحظة بين الاثنتين؛ أيّ على أهنّا محلٌّ للتفاوض. غير أنّه ليس واضحا، بغياب نظرية ماركسية كلاسيكية، من الذين يتفاوضون، أو على ماذا. ولا يبدو أنّ مثقفي الطبقة العاملة العضويين يفاوضون المثقفين البرجوازيين على من ينبغي أن يسيطر على شركات التلفزة بقدر ما يبدو أنّ المشاركين في وضع مقررات الجامعة المفتوحة U203 يفاوضون بعضهم بعضا حول اللغة النقدية التي سيستخدمونها حين يكتبون عن البرامج التلفزيونية. وفي العام 1992، يمكن أن نرى الدراسات الثقافية وهي تتراجع حتى عن هذا القدر من الاشتراكية. فقد أمكن لإيغلتون أن يكتب، في مراجعة سبق ذكرها في آخر الفصل السابق، أنّ الإطار المفهومي الغرامشي الجديد يبلغ "من الصواب والسداد الواضحين درجةً تصعب معها رؤية كيف يمكن تحدّيه حقّا "؛ وأنا، للعلم، أوافقه على ذلك تماما. غير أننا من طراز قديم انقضت مدّته. وغرامشي، بالنسبة إلى معظم العقول الحديثة، هو " آخر متاريس إضفاء الشمول على النظرية ". ويرى طوني بينيت، الذي بات يتّكئ على أعمال لاكلاو وموفي، أنّ اللحظة الغرامشية قد انقضت؛ وأنّه لم يعد من الممكن الدفاع نظريا عن الافتراضات التي تشك ل أساس غرامشي -خاصةً تلك التي تتعلق بالطبقة- ولم يعد لها كبير فائدة سياسياً. أمّا المقالات في الكتاب الذي حرّره غروسبرغ ونلسون وتريخلر فلا تزال يسارية، على الرغم من ندرة الماركسية فيها وغياب المادية عنها. ويبدو لي أننا، هنا، بإزاء مجموعة كبيرة من الأكاديميين الذين يتطلعون إلى هوية شخصية في السياسات المعارضة، ويستخدمون لهذا الغرض ما يقع بين أيديهم من نظريات. خذوا مثلا على ذلك، تلك النسوية التي أفصحت عن مدى استمتاعها بالمجلات الإباحية التي كتبتها مجموعة من نساء الطبقة العاملة الأميركيات حول الشخصيات البارزة (من الذكور) في Star Trek. وهذا يقلب كلّ الصور النمطية الممكنة، وأنا أحبّه. وفي غير مكان من الدراسات الثقافية -خاصةً في بعض الأعمال الأميركية الشمالية- يجد إيغلتون رأسماليةً جامحة: س مَتُها رَفْضُ أحكام القيمة ضمن " أسلوب من الخطاب لجوج في " لانخبويته " وفارغ سياسيا في آن معا... الاستسلام الأشدّ جبنا لمنطق السوق ". وهذا بالطبع ما كان يمكن لماديّ اقتصادي من الطراز القديم أن يتنبّأ به إلى حدٍّ بعيد. وما يبدو واضحا هو أنّه ما من صلة منطقية بين الدراسات الثقافية والاشتراكية، مع أنّ كثيرا من المحلّلين الثقافيين كانوا اشتراكيين إلى هذا الحدّ أو ذاك لأسباب تاريخية. وما من سبب يمنع مقررات الدراسات الثقافية على المدى الطويل من أن تغدو مندغمة تماما في الاقتصاديات الرأسمالية، فتعمل بمثابة تدريب إعلاميّ، لا سيمّا أنّ ثمة ضغوطاًاقتصادية
قوية تدفع بهذا الاتجاه. بل إنّ واحدةً من سمات الدراسات الثقافية الكبرى -تركيزها على الراهن والشعبي- هي في حدّ ذاتها سبيلٌ لتقديم الرأسمالية على أهنّا أفق الإمكانية التاريخية الذي لا سبيل إلى تحدّيه. ولا يقتصر الأمر على أنّ المُعْتمَد الليڤيزي، كأساس مبدأيّ لمعارضة الرأسمالية، رهان أفضل بكثير؛ بل يتعدّى ذلك إلى أنَّ كون أيّة دراسة ذات أساس تاريخي توفّر منفذا إلى إمكانيات اجتماعية بديلة (هوميروس، الكلاسيكيات الصينية، فولكلور الهنود الحمر) لا بد أن تكون رهانا أفضل. هذه المقاربات الحديثة هي أوجه نظريةٍ ثقافيةٍ اشتراكية وحملةٍ ثقافية رامية إلى تغيير اشتراكي للمجتمع في آن معا. وهي تخفق لأنها ليست علماًاقتصادوياًاختزاليا ولا تحتوي مثل هذا العلم، كما لا تشتمل على أيّ منهج عملي لتنظيم العمال. ولعلّ ماركسيا قديم الطراز أن يشتكي من أهنّا محاولة لإحداث الثورة عن طريق الشروح الأدبية. وأنا أتعاطف بعض التعاطف مع هذا الاعتراض. فما إن تلتقط ثقل ما تتّسم به الثقافات من حتمية مادية حتى تبدو جميع أشكال السياسات الثقافية سخيفة. وما أراه هو أنّ المادية الثقافية الأدبية سبيل تمكّن عبره الخطاب الأدبي التقليدي من أن يدجّن تلك المقاربة ويخضعها لأغراض رشَْح أدبي يساري لعلّه بلا أيّ أثر سياسي على الإطلاق، وذلك بدلا من أن تحوّله الماديةُ الاقتصاديةُ إلى شيءٍ مختلف تماما.ً
-3 أنثروبولوجيا المُعْتمَد الأدبيّ
رأيتُ أنَّ المادية الثقافية في الأنثروبولوجيا هي الوريث الشرعي للاشتراكية العلمية، والحافظ فيها لكلّ ما يمكن الدفاع عنه فكريا. فهي الحافظ، مثلا، للمبدأ الناظم الذي مفاده أنّ دراسة الثقافة البشرية ينبغي أن تكون تقصّيا للأسباب الأساسية، لا مجرّد شأن إنسانوي أو تقمصّي. وهي تتبنّى الفرضية التجريبية التي ترى أنَّ من الممكن تفسير التطور الثقافي البشري في جزئه الأعظم من خلال تاريخ الصراع الاقتصادي البشري. وهي تنتظم هذين الاثنين في تاريخين ملموسين، على الرغم من اتساع مقياسهما البالغ، فيمكن للمؤرّخين أن يختبروهما، بخلاف التخطيطات الهيغلية أو الألتوسرية، كما بخلاف التهويمات الفوكوية. وهي ترفض الديالكتيك، وتفاصيل الاقتصاد الماركسي. ولا تروق للراديكاليين، لأنها لا تسرف في مناصرة السياسات الراديكالية، التي هي في الغالب الأعمّ سياسات إيمائية، وأساطير عن تجديد العالم تتحقق ذاتيا. وفي المقابل، فإنّ دراسة الثقافة البشرية ينبغي أن تكون خلوا من التهويمات عن الثورة، ولا تقدّم لسياسات العرق أو الجنس سوى الفرضيات التفسيرية، في حين تقترح سياسات إيكولوجية، لكنها عقلانية. ومن الطبيعي أن نسأل عامّ إذا كانت هناك، أو يمكن أن تكون هناك، نظرية أدبية مرشّحة على الأقلّ لأن تتفق مع ما سبق وتحافظ على كلّ ما يمكن الدفاع عنه في النظرية الثقافية والأدبية الماركسية. واعتقادي أنّ ثمّة نظرية كهذه، أو يمكن أن تكون؛ لكنها ستخالف أفكار السنوات الثلاثين الأخيرة جميعها تقريبا. وقد بذل فلاسفة ونقّادٌ جهدا فكريا عظيما في تلك الفترة كي يحولوا دون قيام مثل هذه النظرية، فالفكرة الرئيسة في ما بعد البنيوية تتمثّل في أنّ نظريةً صورية في الثقافة لا تني تهدم ذاتها. ولا بد لنا من أن نردّ على بعض هذه الضروب من النقد. ويتمثّل موقفي العام في أنّ دراسة الأدب هي في آن معا تاريخية في جوهرها، وجزء حقيقي من الأنثروبولوجيا
الثقافية. ذلك أنّ المؤسسات الأدبية في المجتمع تخضع للنوع ذاته من التحديد المادي -أي الاقتصادي- الذي تخضع له أيّة مؤسسات أخرى؛ فهي تتطور، مثل بقية المؤسسات، كي تلبي حاجات اقتصادية. وفي الوقت ذاته، فإنّ الأدب تاريخي في جوهره، وذلك على نحوين مميّزين. يتمثّل أولهما في أنّ للأعراف الثقافية التي يُكْتَب فيها الأدب ويُفْهَم تاريخها الخاص، الذي يتفاعل مع التاريخ العام: يقوم جزءٌ من فهم البشر في زمن ما لأنفسهم على هذه الأعراف الثقافية المبنية تاريخيا. ويتمثّل الثاني في أنّ للأدب تاريخا نوعيا لا يمكن اختزاله تؤثّر فيه أعمال معينة مثلالكتاب المقدّسأوالإلياذة على كتّاب معينين أتوا بعدها بآلاف السنين. وبذلك يكون للأدب بعدٌ في الزمان التاريخي - الأدبي فضلا عن بعده في المكان الاجتماعي.
1-3 نقد الأنثروبولوجيا "الراديكالي"
غير أنّ الأنثروبولوجيا ذاتها لم تفُت اهتمام الراديكاليين الإبستمولوجيين. ونُظ ر إليها، بشيء من الحقّ، على أهنّا سلاح فكري بيد الاستعمار الغربي، مُصمَّم لإنتاج معرفة يمكن أن يستخدمها الحك ام الاستعماريون؛ كما نُظِر إليها على أنها طريقة لتحييد التحدّي الذي تمثّله المعايير الأخلاقية الغريبة؛ أو ل " خَلْق " ثقافات غريبة تكون على هيئة الصورة التي لدى أوروبا عن نفسها. ومثل هذه القضايا الثقيلة هي ما يستكشفه كتاب أنطوني باغدن الصادر مؤخّرا،ًالمواجهات الأوروبية مع العالم الجديد. وباغدن واسع الاطلاع ورصين؛ لكنّ مراجعا أكثر راديكالية، هو زيودين سردار، يتطاول عليه. " تضمن الأنثروبولوجيا... أنّه مهما تغريّ ت الأحوال، تبقى التصورات الغربية عن الثقافات غير الغربية على حالها.... ويظلّ الغرب يفكّر بالهمج الصالحين والطالحين ". وما أراه هو أنّ هذه النظرة سخيفة وعبثيّة؛ ذلك إنّ الثقافات جميعا متمركزة إثنيا. لكن من الاكتشافات النوعيّة التي قامت بها الأنثروبولوجيا الثقافية الغربية، وصوّبت ما كان قائما في الثقافة الغربية من ضروب التحيّز، أن الثقافات " الهمجية " معقّدة على طريقتها شأن الثقافات الغربية. وكما أنّ أول أمر هام تخبرنا به الألسنية المقارنة هو أنّه ليس ثمّة لغات بدائية، أدنى من غيرها معرفيا، فإنّ أول أمر هام تخبرنا به الأنثروبولوجيا الثقافية هو أنّه ليس ثمّة شعوب بدائية، أدنى من غيرها معرفيا. وما تريده الإبستمولوجيا الراديكالية هو، بالطبع، أن ترى إلى الموضوعية ذاتها التي تمكّن من قيام هذا الاكتشاف على أنّه خاصيّة مميّزة للثقافة الغربية، وأن تضفي عليه طابعا نسبيا. غير أنّ الراديكالية الأبستمولوجية، كالعادة، هي أقلّ راديكالية سياسية من البحث العلمي المتين القائم على افتراضات موضوعية واقعية بشأن الموضوع الذي يبحث فيه. ودراسة الثقافات دراسة موضوعية، مقارنة لها آثار تعمل على تقويض الافتراضات المركزية الإثنية التقليدية سواء كانت في الشرق أم في الغرب. أمّا المنظور الصراعي، النسبوي الذي تظهر فيه افتراضات الغرب عن الشرق أسوأ من افتراضات الشرق عن الغرب، فيترك كلا مجموعتي الافتراضات هاتين على انفلاتهما. ولكي تقوم مقاربة علمية لأدب العالم، ضمن أنثروبولوجيا علمية، فإننا بحاجة إلى افتراضات فلسفية مختلفة جذريا. ولو كان لي أن أحدد موقفي الخاص لقلت إنّه مستمدّ من واقعية فلسفية عامة، مع إبستمولوجيا
حَدْسيّة، ونظرية في الحقيقة تارسكيّة. وليس هذا بالمقام المناسب لدفاعٍ واسع عن مثل هذا الموقف، مع أنني أشير في الهوامش إلى بعض هذا الدفاع؛ ويكفي القول إنّ ما أريده لهذا الموقف هو أن يكون بديلا فلسفيا للموقفين ما بعد البنيوي والنسبويّ، اللذين أرفضهما في كلّ مجال من فلسفة العلم إلى علم الجمال.
2-3 المبادئ الواقعية اللازمة لقيام أنثروبولوجيا أدبية
أول مبدأ فلسفي ضروري لقيام أنثروبولوجيا ثقافية موضوعية هو الواقعية الفلسفية؛ وما أراه هو أنّ هذا ضروري لقيام أنثروبولوجيا أدبية أيضا. فالأنثروبولوجيون يصفون الثقافات البشرية، بتنوعها واختلافها اللذين يكادان أن يكونا لا متناهيين، ولا يخترعونها. وهي توجد بصورة مستقلّة عن الملاحظ أو الراصد وتمكن دراستها علميا. وكذلك هي الآداب. وعلى خلاف إيغلتون، يمكن أن نقول إنه كما توجد الحشرات، وكما وُجِدَت، في حاضر العالم الطبيعي وماضيه، بصورة مستقلة عن علماء الحشرات الذين يقيمون النظريات عنها، كذلك توجد، ووُجِدَت، أعمال الأدب-القصائد والمسرحيات والقصص- في العالم الاجتماعي، وفي ثقافات بشرية لا حصر لها في الحاضر والماضي، بصورة مستقلة عن النقّاد ومؤرّخي الأدب اللاحقين الذين درسوها. يبني منظّرو الأدب مفهوم الأدب، أو يعيدون بناءه من فكرة موجودة مسبقا وقائمة على " الحس المشترك " أو " الفهم الشائع "، تماما مثلما يبني علماء الحشرات مفهوم الحشرات، أو يعيدون بناءه من فكرة قائمة على الحسّ المشترك أو الفهم الشائع. لكن منظ ري الأدب لا يبنون أعمال الأدب إلا بقدر ما يبني علماء الحشرات الحشرات. ففي كلتا الحالتين هناك شيء له بنيته الخاصة بحيث يمكن تشكيل مفهوم عنها؛ وسوف يظل هناك حتى لو لم يشكّل أحدٌ عنه أيّ مفهوم تصنيفيّ. وكما تُنتجُ السيرورات البيولوجية الطبيعية الحشرات؛ِ كذلك تنتج السيرورات الثقافية الأدب؛ ويواصل هذان النوعان من السيرورات عملهما حتى حين لا يكون هنالك فلاسفة متضلّعون من الفلسفة الفرنسية يرصدونهما (كما هو الحال في معظم مراحل التاريخ البشري أو الطبيعي.) والمبدأ الثاني الذي لا بدّ أن نتبنّاه هو مبدأ إبستمولوجي حاسم بالنسبة إلى فلسفة أيّ علم تجريبي. ومفاد هذا المبدأ أنّ ما ندعوه "معرفة " هو حَدسْيّ وتجريبي في آن واحد؛ وهو حَدسْيّ لأنه تجريبي؛ وهذا ما ينطبق على العلوم الثقافية ودراسة الآداب بالقدر ذاته الذي ينطبق به على العلوم الطبيعية. واتّسام المعرفة بهذا الطابع غير اليقيني في جوهره هو نتيجة لافتراضنا الأول، الواقعيّ، وليس إنكارا له. فإذا ما كان العالم موجودا بصورة مستقلة عن أيّة أطروحات نحملها عنه، فإنَّ من الممكن لتلك الأطروحات أن تكون صحيحة أو زائفة، والطريقة الوحيدة للتحقق من صحّتها أو زيفها هي القيام بتجربة تطبيقها. وبذلك أجد نفسي، عن طريق أنطولوجيا واقعية وإبستمولوجيا حَدْسيّة، متّفقا مع ماركس الشاب على أنّ الاختبار الوحيد لمعرفتنا يكمن في الممارسة. لكن هذا لا يعني أنَّ المعرفة يمكن أن تتطابق مع الممارسة، ولا أنَّ الممارسة يمكن أن تجعل المعرفة يقينية.
وليس التراث المثالي بأكمله، ذلك التراث الذي يرى أننا نبني العالم في رؤوسنا أو في خطاب، سوى اعتراف غامض بحقيقةٍ حول أفكار البشر عن العالم، مفادها أننا نبني أفكارا في رؤوسنا أو في خطاب، قبل فحصها إزاء الواقع بتطبيقها. والمبدأ الديريديّ القائل إنَّ ما من " مدلول متعال "، وما من شيء ينجو من لعب الدوال، صحيحٌ بالفعل حين نفهم منه أنَّ ما من فكرة عن العالم هي صحيحةٌ بالفطرة، وما من فكرة إلا وتُبْنى في خطاب. لكنه يغدو خاطئا حين نفهم منه أنّ ما من أشياء، مستقلّة عن أفكارنا عنها، ويمكنها أن تُنْج ح أعمالنا أو تُفْشِلها. وبذلك يعيدنا هذا المبدأ مباشرةً إلى المثالية. وأخشى أنَّ عمل ديريدا عادةً ما يُستَخْدَم للدفاع عن المثالية وليس لمهاجمتها؛ ولستُ أعلم ما هو غرض ديريدا بالفعل. تتمثّل الفائدة التي تقدمها الواقعية الفلسفية والحدسيّة الإبستمولوجية للنظرية الأدبية في أهنمّا توفّران لنا أنماطا عدّة من الخطاب ما كانت لتتوفّر بسهولة من دونهما. يمكننا، مثلا، أن نتكلّم على الحقيقة، ونشرحها بأهنّا " توافقٌ مع الواقع ". كما يمكننا أن نتكلّم على العلمبأنّه إطلاق فرضيات عن العالم. ونستطيع القول إنَّ التخييليطلق تأكيدات لا تتوافق مع الواقع، ولا يُقْصَد منها أن تكون دعاوى حقيقية. وبذلك يمكن أن نميّز من حيث المبدأ بين الحقائق، والفرضيات العلمية، والتخييلات. وعلى أساس مثل هذه الضروب من التمييز، يمكن أن نناقش الطريقة التي يلقي بها الأدب الضوء على العالم الاجتماعي الذي يوجد بصورة مستقلة عن الأدب. وهذه هي جميع الأشياء التي يبدو أنّ نظرية الأدب تحتاجها كي تكون قادرة على أن تعمل عملها. ولا شكّ في أنّ التعريفات الفجّة أعلاه تحتاج إلى صقل؛ وأننا سنحتاج إلى أنَّ نُلْح قَ بأفكار مثل التوافق الحرفيّمع الواقع أفكارا مثل التوافق الاستعاريّ. لكن هذه تطورات سهلة تجري على طول سبُل مخطَّطة جيدا.ً ومن الصعب أن يكون التعارض مع كثير من المواقف النسبوية المعاصرة أشدّ وضوحا من هذا. فالمنظ ر الحديث غالبا ما يتباهى بالكفّ عن التمييز بين الحرفيّوالاستعاريّ، وبين الأصل والإضافة، وبين الحقيقة والفرضية والتخييل؛ ويرى ذلك، ليس كدعوة إلى التشوش العقلي، بل كعلامة على حنكة رفيعة. والحقيقة هي أنَّ هذه الضروب من التمييز تنهار إنْ لم تتبنَّ موقفا واقعيا في الفلسفة. وكلما اقتربت من رؤية أنَّ ما من واقع خارج النصّ، صَعُبَتْ إقامة تمييز من حيث المبدأ بين الحقيقة والتخييل. ومن علامات الوهن ما بعد البنيوي أنّ معظم النقاّد المحدثين لا يخطر لهم ذلك على الإطلاق. ولعلّ التعامل الذكي مع ديريدا أن يكون بقبول جميع الحجاجات التي يمكن استخراجها من عمله، وأن تُعامَل جميعا على أهنّا حجاجات قائمة على قياس الخُلْف، موجّهة ضدّ منطلقات النقّاد ما بعد البنيويين. والمبدأ الثالث الذي ينبغي أن نتّخذه، من الطبعة المادية في الأنثروبولوجيا هذه المرة وليس من الأنثروبولوجيا الثقافية عموما، هو أنَّ عمل العلم أن يفسرّ العالم، لا أن يلاحظه فحسب. فغرض العلم لا يقتصر على تسجيل الملاحظات، ولا حتى على إقامة علاقات شبه قانونية بين تلك الملاحظات، بل يتعدّى ذلك إلى تقديم فرضيات
تفسيرية. ولهذا الغرض، ثمّة حاجة لبعض الإستراتيجيات البحثية. وما تطرحه الأنثروبولوجيا المادية هو أن أحد الأنماط الجوهرية في تفسير الأشكال الثقافية هو نمط اقتصاديّ؛ وذلك بسبب طبيعة الكائنات البشرية وكونهم حيوانات اجتماعية تستغلّ قاعدة موارد مادية محدودة. ولكي نختبر مثل هذه الإستراتيجية البحثية، لا يكفي أن نجد شكلا ثقافيا أو شكلين يبدو تفسيرهما الاقتصادي معقولا. بل نحتاج من حيث المبدأ إلى أن ننظر في مجال الثقافات البشرية بأسره، عبر التاريخ البشري بأسره. وبذلك فقط يمكن أن نأمل أن نميّز، مثلا، بين الظواهر المُربَجْمَة وراثيا لدى الكائنات البشرية جميعا (كالقدرة على النطق بلغة من اللغات) وتلك التي تتطلّب تفسيرا على أساس وضع اقتصادي وسياسي محدَّد (كنشوء الرواية). ولستُ أعتقد أنَّ من الملائم تقديم تفسير اقتصادي لوجود الفنون المحض؛ فالكائنات البشرية تبدو مبرمجةً وراثيا كي تحكي حكايات، وتغني وترقص، وتلعب ألعابا، إلخ، كما هي مرُبَجْمَ ة كي تنطق بلغة. لكني مقتنع بأنَّ كلّ تطوّر ثقافي وفنّي محدَّد في التاريخ البشري يمكن أن يُفَسرَّ تفسيراًاقتصاديا لافتا فكريا، مع أن هذا التفسير لن يفسرّ كلّ شيء البتّة. والقول إنَّ للاقتصادي أولوية تفسيرية ليس كالزعم الفلسفي أنَّ الاقتصادي جوهر والثقافي مجرّد مظهر. وتجربة قراءة قصة قصيرة هي واقعية مثل تجربة أكل بطاطا. والبطاطا ليست بأيّ معنى من المعاني جوهر القصة القصيرة. لكن المادي الثقافي يتوقّع للمؤسسة الثقافية المعقدة التي تشك ل قراءة قصة قصيرة جزءا منها أن تكون مشروطة جزئيا بالصراع على البطاطا، أو بصورة أعمّ على التحك م بالموارد المادية، كما يهتمّ بأن يكتشف على وجه الدقّة كيف تكون مشروطة بذلك. (إليكم هذا السؤال غير التافه: ما الصلة بين واحدة من أشهر المجموعات القصصية- أهالي دبلن- وتجربة جمعية عميقة، وقعت قبل نصف قرن، تتمثّل في عدم توفّر البطاطا في إيرلندا؟) والمبدأ الرابع الذي نستمدّه من الأنثروبولوجيا المادية هو أنّ الثقافة البشرية تاريخية. ومما حيُ تسَب للتيار المادي في الأنثروبولوجيا أنّه حافظ على منظور تاريخي، في حين عنيت الأنثروبولوجيا الثقافية غير المادية بالاحتفاء بفرادة كلّ ثقافة، ونسيت أنَّ كلّ ثقافة إنما تتشك ل تاريخيا. وهذه هي النقطة التي يمكن عندها لموقف العلوم الإنسانية التقليدي أن يصوِّب الأنثروبولوجيا الصرف تصويبا جسيما. ومن الواضح إلى حدّ بعيد أنّ عناصر الثقافة البشرية -الديانات، الفلسفات، العلوم، إلخ- تتطور ذاتيا تبعا لمنطق خاص بها، فيُبنى كلّ تطور جديد على تطورات سابقة، في الماضي القريب أحيانا وفي الماضي المغرق في القدم أحيانا أخرى. وهذا ما التقطه هيغل، كما التقطه ت. س. إليوت وهارولد بلوم. فالثقافة البشرية مبنيّة تاريخيا. ونحن نرث كلّ شيء من الماضي، إمّا على شكل مجموعة من القواعد القارّة بصورة غير واعية في الثقافة، أو على شكل وعيٍ بالتاريخ الماضي، الذي نحيل إليه، والأصالة لا تتخذ شكل بتر صلتنا بالماضي- فنحن لا نستطيع أن نفعل ذلك أيضا-ً بل تتخذ شكل إيجاز الماضي كجزء من معنى الشيء الجديد الذي نفعله. وتتضح الحالة على نحوٍ خاص حين نأتي إلى الأدب. فعمل ميلتون الفردوس المفقود هو ملحمة مسيحية
تفصح عن صراع سياسي وأيديولوجي في القرن السابع عشر. لكن إفصاحها عن ذلك الصراع لا يُفهَم حقّا إن لم يكن في أذهاننا ذلك الإفصاح المُسْبَق عن مثل هذه الصراعات في الأساطير اليونانية - الرومانية والديانة المسيحية. وهو لا يُفْهَم في أجزاء منه إنْ لم يكن في أذهاننا نصوص الكتاب المقدّس، وهوميروس، وڤيرجيل، وسواهما. والماديّ يريد، كما آمل، أن يفسرّ التطور التاريخي بأكمله على أساس الصراع الاقتصادي؛ ويريد أن:يرى إلى تاريخ الأدب بأكمله على أنّه في آن واحد كشفٌ وإخفاء لتاريخ اقتصادي عميق يسبّبه جزئيا، ويعطيه قدرا كبيرا من معناه ودلالته الإنسانية العامة. غير أنَّ السبيل إلى مثل هذا الفهم يكون من خلال تاريخ الأدب الفعلي الذي يتواصل باستقلاله النسبي، والذي يؤثّر ضمنه هوميروس و الكتاب المقدّسعلى ميلتون، قافِزَين قرونا كي يفعلا ذلك، ولا يكون عن طريق تمثيل الاقتصاد على شكل حكاية مجازية، والنظر إلى كلّ عمل على أنّه ثمرة آلية لثقافة زمنه المشروطة اقتصاديا.ً ما مغزى هذه المبادئ الفلسفية بالنسبة إلى دراسة الأدب؟ يمكن القول إنّ خطأ الماديين الثقافيين الأدبيين المحدثين يكمن في أهنّم ليسوا نظريين بما يكفي، ولا أنثروبولوجيين بما يكفي، ولا ماديين بما يكفي، ولا تاريخيين بما يكفي. ولعلّهم يتلاعبون بمعنى الثقافة التحليلي، وليس التقويمي، لكنهم لا يلتزمون به في حقيقة الأمر. فالماديون الثقافيون الأدبيون، مثل الماديين الثقافيين الأنثروبولوجيين، ينبغي أن يكونوا مهتمين بكشف العلاقات النظامية بين المحددات المادية للحياة البشرية وتجسيداتها في الفنّ والأدب عبر التاريخ البشري بأسره. غير أنّه ليس لدينا أيّ إحساس بأهنّم مهتمون بمجتمعات العصر الحجري كاهتمامهم بمجتمعاتنا، وبأنهم مهتمون بتفسيرات نظرية قابلة للتعميم تغطي التاريخ البشري برمّته.
3-3 مكانة الكلاسيكيات والمُعْتمَدات على الصعيد الأنثروبولوجي
تبدو النظرية الأدبية الحديثة، حين ننظر إليها من وجهة نظر أنثروبولوجية، ضيقة الأفق على نحو استثنائي، في الأدب الذي تهتمّ به، كما في السياسة. خذوا، مثلا، إشارة وليامز/بينيت أنّ مقولة " الأدب " ينبغي أن تُقرْص على: " الأشكال المسيطرة من الكتابة البرجوازية بوصفها مقولة محددة تاريخيا تشير إلى نمط محدَّد من الممارسة الثقافية ". وهذه ليست بالأطروحة النظرية في حقيقة الأمر، بل هي نقلة في حرب ضد نمط معين من الثقافة الرفيعة، جمُسَّدة في معتمدات أدبية معينة وسبُل معينة للنظر فيها. وهذا ما يمكن أن نراه حين نسأل: ما المقولة النظرية التي يعتزم بينيت أن يستخدمها كي يغطي أشكالا من الكتابة لم يطلها تعريفه. والجواب هو أنّه لم يفكّر في ذلك. وليست لديه مقولة. لنفترض بدلا من ذلك أننا نطرح أسئلة أنثروبولوجية تجريبية لا تمكن الإجابة عنها من خلال معجم أكسفورد للّغة الإنجليزية. ما عمر الأدب؟ ما عدد المجتمعات المختلفة التي نجده حاضرا فيها؟ ما أنماط النشاط البشري الأخرى التي يمكن أن نجمعها معه؟ ما وظائفه الاجتماعية، وهل هي ذاتها على الدوام؟ ومن أجل الإجابة عن أسئلة من هذا النوع، من الواضح أنَّ علينا أن نفك ر في " الأدب " على أنه صنف مشوَّش من الأشياء يضم قصائد ومسرحيات وقصصا دون أن يقتصر عليها، ولأنَّ معظم المجتمعات البشرية كانت أميّة، ينبغي أن نتخىل عن الفكرة المتحيّزة التي ترى أنّ هذه الأشياء لا بدّ أن تكون مدوَّنة ومكتوبة. ومع هذا التشذيب والصقل لفكرة " الأدب " القائمة على الحسّ المشترك أو الفهم الشائع، يمكن أن نرى أنّ جميع المجتمعات البشرية من مجتمعات عُصَب الصيد - الالتقاط إلى المجتمعات الصناعية المتقدّمة قد أنتجت قصائد ومسرحيات وقصصا،ً
على الرغم من تنوّع الأشكال. وهذا المفهوم ليس هو ذاته مفهوم الدكتور ليڤيز عن الأدب؛ لكنه يبدو مقولة نظرية غير تقويمية معقولة يمكن أن تستخدمها أنثروبولوجيا عامة، سواء كان " الأدب " بهذا المعنى مقولة من مقولات مجتمعنا أم لم تكن. وعندئذٍ يغدو مدى فائدة هذه المقولة مسألة سجال علميّ ونظريّ، يشبه كثيرا ذلك الذي ينخرط فيه عالم الحشرات بصدد مقولة " الحشرات ". بل إنَّ من الممكن القول إنَّ القصائد والمسرحيات والقصص تجتمع بصورة طبيعية، شأنها في ذلك شأن الأصناف المشوَّشة، عبر سلسلة كاملة من الصلات البينيّة، مع الموسيقا والرسم والنحت والإيماء والرقص، وكذلك السينما في هذه الأيام. (وعلى سبيل المثال، فإنّ معظم القصائد غنائية؛ والموسيقا تنسجم مع الرقص؛ والمسرحيات تنسجم مع الإيماء؛ إلخ). ومن المقولات الأخرى الممكنة أنثروبولوجيا -والتي لم تقلل حقيقة استخدامنا لها في مجتمعنا من إمكانية استخدامها العلمي- مقولة " الفنون ". والتعميم الأنثروبولوجي الواضح هو أنَّ الفنون كلّيات ثقافية، شأنها شأن مؤسسة الزواج مثلا، مع أنّ أشكالها المحدّدة نوعيةٌ ثقافيا، شأنها شأن الأشكال التي يتّخذها الزواج والتنوّعات التي تتخذها مصطلحات القرابة. ويكاد أن يكون مؤكّدا أنَّ الفنون تعود إلى العصر الباليوليتي (ثمّة أدلّة مادية على هذا فيما يتعلّق بالرسم والنحت، وربما الموسيقا.) ما علاقة " الفنون " بالمؤسسات الاجتماعية الأخرى؟ إحدى السبل الواضحة في الإجابة عن هذا السؤال، مع أنَّ وضوحه لا يقلّل من إقناعه النظري، هي أهنّا تؤدّى كثيرا من الوظائف المختلفة: وظائف دينية، احتفالات رسميّة، تسلية مأجورة، بل واسترخاء خاص؛ غير أنّه ما من سبب محدّد لمطابقتها مع أيٍّ من هذه الوظائف. وعلى هذا الأساس، ليس ثمة معنى لذلك النوع من الحجاج الذي يقول: " لم يكن لدى المصريين القدماء قصائد، بالمعنى الذي لدينا؛ لأنّ الدين كان كلّ شيء حينئذٍ". وما يمكن أن يكون له معنى هو القول إنّه كان لديهم شعر دينيّ دون سواه من أنواع الشعر، إذا ما كان الحال كذلك حقّا). ولقد أشرتُ إلى أننا لسنا بحاجة إلى أن نقدّم أيّ تفسير ماديّ ثقافي لوجود الفنون؛ فلعلّها جزء من السلوك النوعيّ الخاص بالجنس البشري، شأنها في ذلك شأن اللغة. غير أنّ تفسير الأشكال النوعية التي تتخذها الفنون في كلّ مجتمع، والوظائف الاجتماعية التي تؤديّها يبقى حقلا بالغ الخصوبة بالنسبة إلى المادية الثقافية. لا يبدي بعض الراديكاليين الثقافيين الأشدًالتزاما أيًاعتراض على ما قيل إلى الآن. فالتزامهم لا يتعارض مع وجود الأدب بمعنى القصائد والمسرحيات والقصص، بل يتعارض مع وجود الأدب بمعنى تلك المجموعة المتميزة من الأعمال التي تحدد القيم العليا في ثقافةٍ من الثقافات. ما يعارضونه حقّا هو المُعْتمدَاتالأدبية، والكلاسيكياتالأدبية، والآداب الكلاسيكية، والتراثات، لا سيمّا العظيمة منها بالمعنى الذي نجده لدى إليوت وليڤيز. وهم يقاتلون من أجل الحرية، حرية إدخال الأدب المعاصر أو المسلسلات التلفزيونية الشعبية في المناهح الدراسية. واستخدامهم معنى الثقافة الأنثروبولوجي هو استخدام إستراتيجي، مصحوب بغاية منظورة بالغة الضآلة. وهذا هو السبب في أهنّم يتكلمون على أصناف أدبية متميزة كما لو أنَّ بورجوازية القرن التاسع عشر هي أول من اعترف بهذه الأصناف، مع أنَّ الأدلة المشيرة إليها من صفحات بن جونسون، وشكسبير، ودانتي، وڤيرجيل، وأرسطو، و الكتاب المقدسبالطبع، هي أدلّة واضحة للعيان، تبنيّ أنَّ هذه الظاهرة قديمة قدم الحضارة. وقد يقول ماركسيّ إهنّا قديمة قدم المجتمع الطبقي، وإنها جانب من جوانب
المجتمع الطبقي، وتخدم غرضاًاجتماعيا هو السيطرة الطبقية. لكن هذه المسألة أيضا تحتاج إلى تفحّص أنثروبولوجي، لأنَّ مجتمعات بلا دولة لديها كلاسيكياتها. والأولوية الأولى في مقاربةٍ ماديةٍ ثقافيةٍ للمعتمدات الأدبية، وسواها، بوصفها مؤسسات اجتماعية، تتمثّل في وصفها وصفا إثنوغرافيا وتاريخيا صائبا. والأولوية الثانية هي تفسير خصائصها، وتاريخها، تفسيرا ماديا.ً وما الزعم أنَّ الأدب (المسرحيات، القصائد، إلخ) ظاهرة بورجوازية سوى إثنوغرافيا رديئة وتاريخ رديء؛ هما أبعد ما يكونان عن الصواب. ومثل ذلك هو الزعم أنَّ الأدب (بوصفه تمييز مسرحيات معينة، أو قصائد معينة، إلخ عن غيرها لأغراض ثقافية معينة) ظاهرة بورجوازية، فهذه أيضا إثنوغرافيا رديئة؛ وذلك لوجود الأدب بهذا المعنى في مجتمعات قبل رأسمالية كثيرة. أمّا الزعم أنَّ مثل هذا التمييز يخدم أغراض السيطرة الطبقية على الدوام فهو زعم ممكن ولافت. وهو جدير بالسَرّبْ عبر النظر في سلسلة الطرائق التي التُق طَت بها أعمال معينة في ثقافات مختلفة؛ وعبر رؤية التفسيرات التي تطرح ذاتها لمثل هذه الممارسة. ولعلّ أوضح غَرض ختُ تَار من أجله كتابات معينة -وربما تُكتَب من أجله أو لا تُكتَب- هو الغرض الدينيّ. وكثيرة هي الديانات التي كانت لها كتبها المقدسة قبل اليهودية بكثير، وهي كتب تتمتع بسلطة داخلية عظيمة على المؤمنين بها. وقد يعاقب التجديف على مثل هذه الكتب المقدّسة بالموت، حتى في القرن العشرين! أمّا بالنسبة إلى لأنثروبولوجي المتشكك -وآمل أن يكون الأنثروبولوجيون جميعا متشككين حيال هذا الأمر- فإن كونَ كتاب ما مقدّسا هو خاصية تُضفَى عليه إضفاءً، وليست خاصية جوهرية، إذ ليس لها أية علاقة ضرورية بمحتواه. ويمكن لدليل الهاتف في لندن أن يُقدَّس إذا ما قررت ديانة ما أنَّه مقدّس، مع أنّ مثل هذه الديانة لا بد أن تكون بالغة السخف. وأنثروبولوجيا الكتب المقدّسة هي جزء جوهري من أنثروبولوجيا الدين، ولا بد لتفسيراتنا المادية من أن تطول الدين. ومن الواضح أن الصراع الطبقي يلعب بعض الدور هنا، لأنه غالبا ما يكون القوة التي تشك ل أساس الصراع بين ديانتين، أو طائفتين من الديانة الواحدة. لكن من المشكوك فيه أن تكون الطبقة هي القصة كاملةً. وكذلك فإنَّ للنزاعات الإثنية والقومية أهميتها، وهي تتفاعل مع القضايا الطبقية. وكما اكتشف الراديكاليون بصورة مؤلمة في السنوات الثلاثين الأخيرة، فإنّه يبدو من المستحيل اختزال النزاعات الإثنية في الصراع الطبقي؛ مع أنَّ بمقدور المرء بلا شكّ أن يستخدم التنافس على الموارد المادية في تفسير شيءٍ من تاريخ هذين الصراعين (الإثني والطبقي) كليهما. ويبقى محلّ شكّ أن يمكن لذلك كلّه أن يفسرّ الدين بصورة تامّة. فثمة حاجات بشرية عامة ينبغي تناولها؛ كالحاجة إلى العزاء عند الموت. وقد سبق أن رأينا، عند النظر في تفسير جاك ليندسي عمل بنيان جرحلة الحا، أنّ هناك جوانب معينة لمفهوم السماء لا تلتقطها صورة الحياة بعد الثورة. وقلّة من الديانات هي التي فاقت الديانة المصرية في تراتبيتها الواضحة، إذْ تمتدّ التراتبية الاجتماعية في مملكتها إلى ما وراء القبر امتدادا أبديا. غير أن كتاب الموتى ذاته، ذلك الكتاب الباكر والمؤثّر، يتناول بعض الحاجات غير المرتبطة بالطبقة. ويُعَدُّ التعليم من وظائف الأدب الكبرى على مرّ التاريخ العالمي. وثمّة ميل لدى اليسار الحديث لأن يقص
حكاية " نشوء الإنجليزي " كما لو أنَّ أوائل القرن العشرين هي أول لحظة يقوم بها التعليم على أساس الدراسة الأدبية. غير أنَّ على المرء، إثنوغرافيا، أن يدرك من دراسة الكلاسيكيات الأدبية أنّ التعليم مؤسسة شائعة في معظم المجتمعات الكبيرة منذ آلاف السنين إلى الآن. وكانت الامتحانات المتركّزة على الكلاسيكيات الوسيلة الأساسية في اختيار الماندارين في الإمبراطوريات الصينية القديمة. وقد أقامت الحضارات الغربية التعليم العالي عليها منذ اليونان القديمة، فكانت تقرأ الكلاسيكيات المكتوبة بلغة كلّ حضارة من تلك الحضارات في بعض الأحيان، والكلاسيكيات المكتوبة بلغة أجنبية في أحيان أخرى. وقد درس اليونانيون القدماء هوميروس؛ ودرس الرومان الكتب اليونانية الأرخيّة والكلاسيكية؛ ودرست أوروبا العصور الوسطى الكتب اللاتينية؛ وواصلت أوروبا عصر النهضة ذلك وأضافت إليه الكتب اليونانية. ولا يتمثّل تجديد القرن العشرين في إقامة التعليم العالي على الأدب؛ فلطالما كان قائما عليه. بل يتمثّل في التقليل من أهمية اللغات القديمة، بوصفها معاكسة للحديثة، وبإحداث قدر كبير من التعليم العالي الذي لا يقوم على الأدب مطلقا،ً بل على العلوم الطبيعية والاجتماعية. وكما هو الحال بالنسبة إلى الكتب المقدّسة، فقد حاول المؤمنون الحقيقيون، كالدكتور ليڤيز مثلا، أن يكتشفوا الخصائص الجوهرية التي تبوّئ كتبا معينة مكانةً كلاسيكية. والأرجح أن يعمد أنثروبولوجيّنا المتشك ك إلى القول إنّ خاصية الكلاسيكية هي خاصية مسبوغة إسباغا: فالكلاسيكيات كانت ولا تزال، منذ آلاف السنين إلى الآن، مجرّد كتب اختارتها المؤسسات التربوية السائدة كنصوص. لكن ذلك لا يعني أنها لا تتسم بصفات خاصة بها، أو أنَّ الأحكام التي أطلقها عليها كثيرٌ من القرّاء الجدّيين في الماضي مجرّد إسقاط لما علّمهم إيّاه أساتذتهم؛ فمثل هذا الرأي (الذي يراه كما يبدو بعض الماديين الثقافيين) إنمّا ينمّ على ازدراء مركزيّ إثنيّ لمعظم القرّاء القدماء. وثمة أدل ة ساحقة (رغم عدم الإجماع عليها) تشير إلى أنَّ الكتب التي ختُ تَار ككلاسيكيات في كلّ ثقافة من الثقافات غالبا ما ختُ تربَ على أهنّا حسنة جدّا؛ بحيث يمكن للمرء أن يمضي حياته متمتّعا بقراءتها. أمّا كيفية ذلك فتحتاج إلى تفسير، ربما على أساس تفاعل البنى الأدبية مع المعايير الثقافية. ولطالما كان هذا النوع من التعليم الأدبي مرتبطا بالأنظمة الطبقية؛ ولطالما كان التعليم كذلك بالفعل، إذ تعمل النخب على الدوام من أجل ضمان تعليم أبنائها. لكن افتراض أنَّ السبب الوحيد وراء تقرير كلاسيكيات ثقافة أخرى يتمثّل في ضمان صعود طبقة معينة في ثقافة من يقرّرون تلك النصوص هو خطأ بنيّ. وبالنسبة إلى كاتب إنجليزي في أيام سيدني، فإنَّ الأدب اليوناني واللاتيني كان أغنى من الإنجليزي بما لا يُقاس؛ وكان يوفّر النماذج الشكلية الأساسية لأيّ أدب قادم. وفي أيام سويفت لم يكن واضحا أنَّ الأمر كذلك؛ وفي أيام ماكولي، كان واضحا أنه ليس كذلك. لكنّ الأدب اليوناني واللاتيني ظلَّ أساسا لتعليم الطبقة الحاكمة حتى القرن العشرين؛ وثمة عناصر حرب طبقية رمزية في حلول الكلاسيكيات الإنجليزية محلّها. وحكاية القصة برمّتها على أساس طبقي يعني أن نغفل الأمر الذي يجمع سيدني وسويفت وماكولي؛ وهو يتمثّل في وجود خصائص في كتابة هذه الأعمال، تتميّز عن أيّة فحوى سياسية يمكن أن تنطوي عليها، ويقوّمها القرّاء عاليا،ً ويمكن لكاتب أن يتعلّم منها. ولا يمكن أن نتصور أنَّ هذه الأعمال جميعا لا تكفّ عن الكلام على الطبقة طيلة
الوقت بصورةٍ غير واعية؛ الأمر الذي يعود في جزء منه إلى أهنّا جميعا تتكلم بوعيٍ على الطبقة بعض الوقت، ويعود في جزء آخر إلى أنَّ طبيعة الحرب الطبقية قد تغريّت، ولم تعد هذه الأعمال جميعا في الطرف ذاته من طرفيّ هذه الحرب. ولقد كانت الهجمات التي شُنَّت على " المُعْتمَد الأدبي " مصدر قَدْر كبير من الإثارة في السجال الأدبي الذي جرى مؤخّرا. فما الذي يجعل مُعْتمَدا ما بمثل هذه الأهمية؟ إنَّ الكتب الأولى التي تُك رَّس كمُعْتمَد هي الكتب المقدّسة. وغالبا ما يكون ثمة شكوك كثيرة بشأن الكتب التي تُقدَّس عمليا؛ ومن هنا تنشأ مشكلة تشكيل معتمد ما. وفي بعض الثقافات -التيبتيّة، اليهودية الأرثوذكسية؟- يصعب التمييز بين المؤسسات الدينية والتعليمية؛ والكتب المقدّسة هي ذاتها الكلاسيكيات. أمّا في الثقافة الغربية فلم يكن الأمر كذلك البتّة؛ بل كان التعارض بين الكتابات المعتمَدة والكلاسيكيات الإنسانوية مصدر طاقة فكرية عظيمة وتطورات نظرية هامّة، في زمن أوغسطين، وتوما الأكويني، والنهضة، على سبيل المثال. وعادة النقّاد المحدثين في إطلاق اسم " المُعْتمَد " على الكلاسيكيات الإنجليزية هي أشبه بملحق هزلي يُضاف إلى هذا التاريخ العظيم؛ كما لو أهنّا جميعا تشك ل كتابا مقدّسا حديثا. وهي توحي بأنّ الكلاسيكيات الإنجليزية مقدّسة؛ لكنَّ أحدا لا يأخذ ذلك على محمل الجدّ؛ وهو في الحقيقة عقبول من عقابيل تصوّر القرن التاسع عشر أننا بحاجة إلى خلف يخلف المسيحية وأنَّ الأدب الإنجليزية يمكن أن يوفّر هذا الخلف. ثمّ إن هذا المصطلح يطمس حقيقة أنه يمكن أن يكون ثمّة أسباب عقلانية وجيهة لدراسة الأدب الكلاسيكي. وأحد هذه الأسباب أنّه يوفّر تبرصّا لا يُضاهى بالتاريخ الثقافي البشري، بما في ذلك السيرورات التي بنَت النقّاد أنفسهم. أمّا أولئك الذين يحبّذون مقررات الدراسات الثقافية القائمة على نصوص قريبة العهد مستمدَّة من صناعة التسلية، لكنهم يفسرّ ونها بأعقد النظريات الماركسية وما بعد الماركسية وأحدثها، فيميلون إلى زعم غبيّ مفاده أنهم يوسّعون مدى الدراسة الأدبية. غير أهنّم يضيقون ذلك المدى أشدّ الضيق في الغالب، بتقليصهم البعد التاريخي إلى أبعد حدّ. فالمقررات المحدودة على هذا النحو لا يسعها أن تلقي الضوء على تغريّ تاريخي ضخم؛ وهي شديدة التمركز إثنيا. وعادةً ما تخلّفها وراءها التغيرات التاريخية بالغة الصِّغَر. ولعلّ مقرّرا موضوعا على هذه الأسس، في الهياج الثوري الذي شهدته سبعينيات القرن العشرين، أن يكون محاولة واعية لبناء، أو طرح، طبقة ثورية جديدة، عشية تويلّ الأمور. ومن العبث لوم مثل هذا المقرّر على افتقاره إلى الاستمرارية الثقافية. ولكن ما فائدته ما دامت الثورة لا تأتي، ولا تأتي، ولن تأتي أبدا؟ وما دام أضعف الطلاب حتّى يكفّون عن الإيمان بالثورة؛ ويضطر الأساتذة الذين شابوا إلى التحول إلى راديكاليات جديدة -العالم الثالث، النسوية- لا يمكن تنظيرها ضمن الإطار المفهومي الماركسي القديم؟ (في حين يحتفظ أسخيلوس بأهميته على هذا الصعيد). وبالمناسبة، فإنني لست أهاجم مقررات الدراسات الثقافية في حدّ ذاتها، أو أخلط بين الصورة الكاريكاتورية التي أرسمها والشيء الفعلي الذي غالبا ما يكون مؤثّرا؛ الأمر الذي يعود بالفائدة على هجوم نمطيّ غبيّ عادة
ما يُشَنّ على من يحبّذون الدراسة التاريخية الممتدّة. والمشكلة الفعلية في وضع مقررات الأدب الإنجليزي لم تكن قطّ مشكلة احترام مُعْتمَد مُقدَّس. بل كانت، بدرجةٍ ما، مشكلة تزويد طبقة جديدة أو قديمة بفهم كافٍ لذاتها، ويشتمل على فهم كافٍ لتطورها التاريخي واستمرارها. والافتراض الذي تنطوي عليه الشهادة التقليدية في الآداب هو أنَّ الطبقة المعنيّة هي طبقة حاكمة، يعود تراثها الداخلي إلى قرون، أو حتى ألفيات. وكثيرٌ من الملازمين الشباب في خنادق الحرب العالمية الأولى كانوا قد قرأوا هوميروس بلغته الأصلية في المدرسة: خطبة ساربيدون عن مسؤولية الأرستقراطيين في الدفاع عن المجتمع الذي منحهم امتيازاتهم تخاطب هؤلاء مباشرة. ويمكننا الآن، في شهادة آداب حديثة، أن نقرأ هوميروس كي نفهم شيئا مما شكّل أولئك الارستقراطيين. ومع أنَّ تأثير " هوميروس " الشخصي المباشر لا بدّ أن يكون قد فعل فعله بصورة أساسية لدى أقلية متعلّمة، فإنَّ التراث الأدبي الذي أسسه والعائد إلى 3000 سنة يوفّر فضاءً يُسعى فيه وراء التعليم وتُطْلَق فيه أحكام القيمة. وهذا يستحق دراسة أنثروبولوجية. وإنّه لمن عمل دراسة الأدب العقلانية أن تتقصىّ هذه الضروب من الاستمرارية الثقافية الضخمة، وتحاول أن تفسرّها على أسس مادية، يُنظَر فيها إلى ضرورة الاستمرارية الأدبية على أنها أعراض لضروب جوهرية من الاستمرارية التاريخية، وتُرْبَط أهمية الأعمال الأدبية ربطا وثيقا بأهميتها في كشف جمُْرَيات التاريخ. وبهذه الطريقة فحسب يمكن فهم بنية الثقافة البشرية ولو جزئيا. وعلى هذا الأساس فحسب يكون ممكنا قيام قدر محدود من الحرية التاريخية الواعية. لا يسعنا أن نفرّ من التاريخ، ما يسعنا فحسب هو أن نُقلع من موقعنا الحالي فيه؛ ولا يسعنا أن نفعل ذلك حقّا إلا إذا فهمنا ما هو ذلك الموقع. ودراسة الكلاسيكيات التي تموّه التطور الجوهري في ثقافتنا وتكشفه، يمكن أن تكون التعليم الراهن الأشدّ أهمية والأكثر مباشرة، حتى إن كانت تلك الكلاسيكيات تعود إلى 300 أو 3000 عام، وحتى حين تكون معاكسة لأعمق قناعاتنا، خاصةً حين يكون إطار التحليل الذي نستخدمه إطارًا ماديًا ثقافيًا.