قراءة في كتاب
A Reading of Amartya Sen’s The Idea of Justice
الملخّص
يؤكّد أمارتيا صن على أنّ تركيز أي فرد على نوع مميَّز من أنواعها، لابدّ أن ينطلق من مقاربة حدود مقدرته، التي هي ليست أكثر من منظور في نظريّات العدالة. وهي تصطدم بما لا يرجع إلى مزايا الفرد. وإنّ التركيز على نوع من أنواع المساواة،وفي أيّ مجال من المجالات المختلفة؛ لا يعني أهميّة إطلاقًا لمبدأ المساواة في جميع أنواعها الأخرى.ويبقى "السّؤال الحاسمُ حقًّا، هو: في أيِّ شيء تكون المساواة؟ وليس: هل نحتاج إلى المساواة في أيِّ مجال من المجالات؟".
Abstract
Amartya Sen proposes that an individual's focus on a particular kind of justice must start from the limits of his or her capability, which is no more than a perspective on theories of justice, and which clashes with elements that do not derive from the individual's characteristics. The focus on one form of equality, in whatever field, does not mean ascribing significance to the principle of equality in all its other forms. The real crucial question remains what is equality? And do we need equality in such-and-such a field?
- العدالة
- المساواة
- الفرد
- الحقوق .
- أمارتيا صن
- Individual Rights
- Equality
- Individualism
الكاتب:أمارتيا صن. العنوان: فكرة العدالة (The Idea of Justice.) ترجمة: مازن جندلي. تاريخ النشر الناشر: منشورات الدار العربية للعلوم - ناشرون، بيروت. عدد الصفحات
تعريف بالكتاب
كتاب فكرة العدالة: هو للكاتب أمارتيا صن، الفيلسوف والاقتصادي الهندي، والحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1998. وهو يعمل أستاذًا في جامعة هارفرد، وسبق له أن عمِل في جامعة كمبردج. ومن أبرز مؤلفاته: الأخلاق والاقتصاد، الاقتصاد علم أخلاقي، العقلانية والحرية في الاقتصاد، الهوية والعنف. ة لكتابّسخة العربيّتقع الن فكرة العدالة في 576 صفحة. تتميبّز كتابته بتبسيط بليغ للةّ نظرية العدال، التي تتعارض حولها المقاربات في الفصول العشرة الأولى من الكتاب (العقل والموضوعية، راولز وما بعده، المؤس سات والأشخاص، الصوت والخيار الاجتماعي، الحياد والموضوعية، الحياد المغلق والحياد المفتوح، الموضع والصلة والوهم، العقلانية والآخرون، تعدد مسارات التفكير المحايد، والتةّبلورات الفعلي والعواقب والمشيئة.) وقد عرض الكاتب في التمهيد والمقدلحدودّمة، التقارب والاختلاف بين طروحات العدالة في كل من الإرثنييْ التنويرنيّلْ الهندي والأوروبي. وتواص نقاشه لطروحات العدالة في الجزء الأول من الكتاب مع أفكار فلاسفة، من أمثال هوبس ولوك وروسو وكانط وغيرهم. وهي أفكارةٌ تدور حول مفهوم العدال الكاملة في عالم مثاليسّ. وتقوم على مؤئّسات ومباد،
يتعذّر تطبيقها في حياة البشر؛ لأهنّا لا تعالج الظلم الواضح، ولا تقوم على السلوك الإنساني والتمكين من القدرات، على النّحو الذي يشير إليه أمارتيا صن في الجزء الثالث من الكتاب تحت عنوان " مواد العدالة ". وفي هذا الجزء، يتعرّض الكاتب بالتفصيل إلى العلاقة بين القدرة والحرّية والعدالة والمساواة. ويرى أنّ الدّيموقراطية القائمة على النقاش والمشاركة، تساعد على الاختيار بين مختلف مفاهيم العدالة؛ وذلك " تبعًا لأولويّات اللّحظة وقدرات كلّ فرد ". وقد خلص أمارتيا صن في ختام الجزء الثالث، إلى اعتماد مفهوم " عدالة حقيقية شاملة عالمية "؛ ولكنّه يرى أنّ حلّ مشكلة تعارض المقاربات لفكرة العدالة، يفرض الأخذ بعين الاعتبار بالظّروف الخاصة، وطرح الأسئلة عبر المقارنة بين الأوضاع. ينقسم الكتاب إلى تمهيد ومقدمة وأربعة أجزاء؛ وهي تحمل تباعًا العناوين التالية: متطلّبات العدالة، أشكال التفكير، مواد العدالة، النّقاش العام والديمقراطية. وقد تضمّن الكتاب جزءًا ثالثًا يحمل عنوان " مواد العدالة ". وسنقدِّم قراءةً مفصَّلةً له في صفحات عرضنا. وهو يتناول العناوين التالية: الحيوات والحرّيات والقدرات، القدرات والموادّ، السّعادة وصلاح الحال والقدرات، المساواة والحرّية الفردية. يخوض أمارتيا صن في كتابه فكرة العدالة مواجهات، يفنِّد فيها ما يروَّج في التّنظيرات اللّيبرالية الجديدة لاقتصاد السوق. ومنها مثال ما يركِّز على أنّ هذا الاقتصاد يقوم على عقلانية إطلاق آليّاته، وعلى ضرورة الفصل بين الأساسين اللّذين أشار إليهما آدم سميث في تعريفه؛ وهما: النموّ الذي ينتفع به عموم الناس انتفاعًا شخصيًّا بعيدًا عن الأنانيّة، وتقتطع منه الدّولة قسام لتوفير الخدمات العامّة لهم. " فالاقتصاد يجب أن يعود إلى حظيرة الأخلاق بعد أن فلت من عقاله ". ومن تلك التنظيرات، ما يسوِّغ لمراكز الرأسمال المتعولم في الغرب أن تُزيح مواجهاتها مع شعوب البلدان الفقيرة من منطق الرصّاع الاقتصادي - السّياسي إلى منطق الصراع الثقافي وصراع الحضارات. وفي هذا، فصلٌ متعسِّفٌ بين الحضارات المتفاعلة عبر التاريخ: اليونانية، والهندية، والفارسية، والعربية. وقد ذكّر أمارتيا صن في مؤتمر للاحتّاد العالمي للصحف (عُقد هذا العام بمقر البرلمان الأوروبي في بروكسيل) بإسهامات الخوارزمي واضع أسس الجبر وأسس حساب الأجسام الهندسية. ويعود تكليفه من جهة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 1990، بالإشراف على تطوير مؤ التنمية البشرية إلى جانب الخبير الاقتصادي الباكستاني محجوب الحق، إلى إصراره على عدم الفصل بين القيم الأخلاقية والمؤِّات الاجتماعية الملائمة لقياس الرفاه.
تقديم وقراءة
يمهِّد أمارتيا صن لكتابه فكرة العدالة، بإعلان حرصه على الانطلاق من وضوح الظلم المعيش، في سياق عمليّة تنظيره للعدالة. إنّه تنظيرٌ يقوم على تحليل الظلم الذي تنشد العدالة رفعه، وعلى تشخيص يُفترض به أن يؤكِّد على صحّة وقوعه. وذلك بحكم أنّ موضوعيّة التّشخيص بعيدًا عن الأفكار المسبقة، هي ضمان موضوعيّة الإرادة في تجاوزه. وأنّ البحث عن رفع الظ لم الواضح الواقع على الناس؛ هو أساس التفكير العملي الذي يرشدهم في مقاربة أولى إلى العدالة النّسبية، مهما تعارضت حججها العقلانيّة واختلفت قابليّات الإقناع بها. إنّه بحثٌ ينأى -في مقاربة ثانية- عن التّفلسف في إيجاد الحلول لمسائل تتعلّق بالعدالة الكاملة أو المطلقة. وهو بحثٌ عقلانيٌّ يقوم على نقاش مفتوح مع الذّات ومع الآخرين؛ من شأنه أن يميِّز بين المظالم الناجمة عن التحكّم في طرق حياة الناس وسلوكيّاتهم، وبين المظالم النّاجمة عن طبيعة " المؤسّسات المحيطة بهم " الهادفة إلى إقامة ما تَعُدّه " العدالة الكاملة "، من خلال إقامة مؤسّسات " عادلة مقنّنة "، تفرض على النّاس التكيُّف معها كلّيًا.
غير أنّ أمارتيا صن، الذي أهدى كتابه فكرة العدالة لجون راولز في ذكرى وفاته، وهو مدينٌ له بقدراته على التّنظير في العدالة؛ يرى في نقده لأصحاب مقاربة العدالة الكاملة القائمة على الحقوق، أن " المؤسّسات العادلة المفروضة على الناس " تقوم في الأساس على قوانين عامة، تختلف قدرات النّاس على تفصيلها، وعلى التأهّل للإفادة منها. وذلك للوصول إلى حقوقهم المتساوية نظريًّا في الفهم اللّيبرالي للمواطنة. ويعود ذلك إلى اختلاف مواقعهم وقدراتهم على حيازة الحقوق المرتبطة بقواعد تنظِّم تملُّك الموارد؛ كما يُشير إلى ذلك بريان بري بقوله: " فالحيازة تُعَدُّ أحد مصادر الحقوق، بالمعنى نفسه بالضبط الذي تكون فيه الملكية مصدرًا للحقوق. فكلاهما صنيعة القانون على السواء ". وقانون قوة الموقع في التراتب الاجتماعي، يغلب قوّة القانون في النصوص. ويتابع الكاتب -في التّمهيد لكتابه- الرتّكيز على النّقاش المفتوح، وعلى فهمه للديمقراطية بما هي: " الحكم بالنّقاش (discussion by Government)، والقدرة على إغناء المشاركة العاقلة، من خلال تعزيز توفير الإمكانية العملية للمناقشات التفاعلية ". وقد ذهب في هذا الفهم للدّيمقراطية، من مستوى الدّولة- الأمّة، إلى مستوى الديموقراطية العالمية كنهج في تحقيق العدالة العالمية؛ دونما تحذير -ولو بإشارة سريعة- إلى اختلاف مسارات تحوّل المجتمعات وتأهّلها، وخصائص الثّقافات الدّينية والسياسية المهيمنة فيها. إنّ أبرز إضافات المفكِّر الهندي أمارتيا صن في تنظيره للعدالة، تتمثّل في الوصل بين إنجازات حضارية متباعدةِالإلهامِ والإيحاء، بغية فهم العدالة. إهنّا إنجازاتٌ كانت رائدةً لإرث تنويريّ شهدته الهند قبل 6 آلاف سنة من ميلاد المسيح. وقد اقترنت لاحقًا بإنجازات التّنوير الأوروبي؛ فشكّلت مجتمعة " إنجازات عظيمة للجدل العقلي الذي لا يعتمد على الدين، والمعتقدات ا الّ عقلية [...] وأنّ ثمّة فوارق كثيرة في الغرب -كما في الشرق- في التّفكير. وسيكون من الوهم تمامًا التفكير في غرب واحد موحَّد، يواجه الأولويات الشرقية المحصنة " (ص 17 من الكتاب.) إنّ ما استلهمه الكاتب من وصل بين إنجازات حضارية في قارات متباعدة، واكتشاف ما يُسمّيه " جدالً عقليًّا " بينها؛ قد شك ل إضافةً، كان يمكن أن تغتني بوصل -لا يقلّ أهمية-ً مع جدل تردّد على مدار التّاريخ. ويدور ذلك الجدل حول الاختلاف بين ميل لتقدير الحرية في الحضارة الأوروبية الغربية، وميل متعارض للاستنقاص من هذا التقدير في حضارات الشرق الآسيوي التي سبق أن شهدت مركزيات لإمبراطوريات استبدادية طبعت تاريخه. وكان يمكن لإضافة أمارتيا صن في ما يُسمّيه " جدالً عقليّا " بين الحضارات، أن تكون أشمل وأعمق تنظيرًا؛ لو كان استلهم الوصل أيضا مع ما سُمِّي ب " الاستبداد الشرقي ". هذا الاستبداد الذي أ رجِع إلى ضرورة قيام الحكم المركزي القادر على ضبط إدارة ندرة مياه الري في المناطق الجافّة وشبه الجافّة (مصر، وفارس، والهند.) لم يتوان الكاتب عن إعمال التّدقيق في الرجوع إلى التنوير الأوروبي؛ فصنف إنجازاته في موضوع العدالة ضمن مقاربتنيْ أشرنا إليهما أعلاه: - الأولى تركّز على ضرورة إقامة " المؤسّسات العادلة للمجتمع ". وقد صفها الكاتب ب " المؤسّسية المافوقية المتساوية. وهي مقاربةٌ تستهدف تحقيق العدالة الكاملة في المجتمعات، من خلال ترتيبات قانونية " يُفرتَض بها أن تؤمِّن المساواة الأصلية [...]؛ لا يعرف النّاس فيها أين (في أي ترتيب تكمن) مصالحهم الخاصة.[...] ويقوم هذا الوضع على افتراض أنّ هناك نوعًا واحدًا من النّقاش المحايد، يلبّي متطلبات الإنصاف. وهذا في رأيي قد لا يكون صحيحًا " (ص. 47)؛ بسبب استعصاء إقامة ترتيبات إستراتيجية المقاربة المثالية للعدالة المطلقة " المافوقيّة " كلّيًا على حدّ تعبير الكاتب. وكان من روّاد هذه المقاربة المثالية في القرنين السابع
عشر والثامن عشر، توماس هوبس، وجان جاك روسو، وإمانويل كانط، وجون لوك. - تركّز المقاربة الثانية النسبية أو الاجتماعية- التاريخية، التي يعتمدها أمارتيا صن، على المقارنات النسبية للظلم والعدالة. تلك التي تتحدّد خصائصهما الاجتماعية في مجتمعات قائمة فعالً، وتتحدّد فيها طرق عيش الناس؛ متأثِّرةً بالمؤسّسات والقواعد " الماتحتية " وأنماط السلوك والتفاعلات الاجتماعية. وكان من روّادها: آدم سميث وكوندورسيه وجيرمي بنتام وكارل ماركس وجان ستيوارت ميل. ويذكِّر الكاتب بأنّ مشاركته لهؤلاء المفكّرين من منطلق التّمييز بين المقاربتنيْ، لا تعني توافقه معهم في جوهر نظريّاتهم المتنافرة هي أيضًا في ما بينها. وفي عرضه لمقاربات العدالة في الأدبيّات الهنديّة والسّنسكريتيّة؛ يُشير الكاتب إلى أنّ في إرث التّنوير الهندي، ما يشبه المقاربتنيْ النّسبية والكاملة للعدالة في التّنوير الأورويبّ. وهما: - نيتي (Niti): التي تعتمد على استخدام معايير الملاءمة التّنظيميّة والصوابيّة السلوكية مع ما تفرضه المؤسّسات والقواعد والتّنظيم المعتمَدة. وهي مقاربة تتّبع نهج المقاربة الأولى في أدبيات التنوير الأورويبِّ. - ونيايا (Nyaya): وهي مقاربةٌ ذات منظور أشمل للعدالة وأكثر استيعابًا لها، وهو منظورٌ يرتبط بمجريات الواقع. وتُعتمد في تقييم أدوار المؤسّسات والقواعد والتّنظيم في الحكم، على ما توفِّره المقاربة الأولى من منجزات في الواقع. وتجدر الإشارة الى أنّ مثل هذا الرّبط التّكاملي الذي يعلّله الكاتب بين مقاربتيْ الإرث الهندي؛ لم يلُاحظه بين مقاربتيْ التّنوير الأورويب. إنّ التقدير العالمي لاجتهاد أمارتيا صن في القراءة النقدية لكلّ من فلسفة التّنوير الهندي ومدارس التّنوير الأورويبّ؛ لا يُعفيه من هفوة إغفال الطروحات التي قدمتها الحضارة العربيّة الإسلاميّة. وهي طروحات كانت حصيلة تثاقفات متأصِّلة مع الحضارتنيْ السابقة وا الّحقة لها في الشرق أو في الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط. ويعلِّل انحيازه الجزئيّ لهذه المقاربة الثّانية، ب " أن العدالة لا يمكن إالّ أن تهتمّ بالحيوات التي يمكن أن يحياها الناس بالفعل [...] أو لا يستطيعون اتّباعها "؛ وذلك لأنّ خياراتهم تقتصر على حدود ما يملكون من حرية اختيار، بين ما يُتاح لهم في الواقع المعيش من " أنماط الحياة الممكنة ". وهنا يلفت الكاتب الانتباه إلى أنّه كلمّا كان الفعل اختيارًا لا اضطرارًا، جاء القرار باختيار نمط الحياة أكثر إلزامًا لصاحبه بمسؤولية إصلاح الحال، وتطوير قدراته الفعلية، على نحو يتجاوز حدود التمتّع بالمنافع والسّعادة على حدّ اعتقاد أصحاب نظرية النفعية (جيرمي بنتام وغيره). وهنا أيضًا، نتوقّف عند تعميم الكاتب لإمكانية وصول الفرد -أيِّ فرد كان- إلى مستوى التقرير في اختيار نمط الحياة؛ دونما تمييز داخل التراتبية الاجتماعية بين الفئات الاجتماعية المؤهَّلة للوصول إلى مثل هذه الإمكانية، والفئات الأخرى محدودة القدرة على هذا الوصول.
مواد العدالة
تحت عنوان " مواد العدالة "، يعرض أمارتيا صن في الجزء الثاني من كتابه الحيوات والحريّات والقدرات لموضوع العدالة في الإرث الهندي. فيميِّز بين منظوريْن سبق أن أشرنا إليهما، وهما: - منظور نيتي (Niti): المتقيِّد بالقواعد والمؤسّسات المفروضة قانونًا من جهة. - ومنظور نيايا (Nyaya): القائم على ما توفّره القواعد والمؤسّسات المعتمَدة في منظور نيتي (Niti) من تقدير لمركزيّة الحيوات البشرية المتبرصّة بوسائل الحياة اليومية. وهي وسائل مثّلتْ محور اهتمام الدّراسات الاقتصادية- الاجتماعية في المجتمعات، وخاصّة في مجالات نموّها وتنميتها. وهي مجالاتٌ تُقاس بمؤِّات ملموسة ومباشرة من مستويات النّاتج الوطني والمحيلّ، وهتُمل المؤِّات غير المباشرة لتحقّق الغايات، ولغنى الحياة البشرية المتمثّل في السلّامة
العامّة، والسّعادة الخاصّة للفرد. هذا مع العلم أن الوسائل المتوفّرة على صعيد الوفرة الاقتصادية من جهة، والغايات المحقَّقة على صعيد " غنى الحياة والسّعادة والحرية الأساسيّة " من جهة ثانية؛ تترابط على الرغم من تباعدها مرارًا، وإن بتفاوت يزيد في البلدان الغنية عما هو عليه الأمر في البلدان الفقيرة. وفي هذا الصّدد، يرى الكاتب أنّ ارتفاع متوسّط الدّخل يمكّن من توفير وسائل العيش، في ظلّ تنظيم اجتماعيّ ومؤسّسات مقنّنة (وفق منظور " نيتي Niti "). ولكن هناك أيضًا سبب للاهتمام بما يتوفّر للفرد من حرية الاختيار بين أساليب العيش وحرية تقييمها، التي توسّع من مسؤوليته، وترتقي بتطلّعاته إلى " مسائل من قبيل موجبات المسؤولية البيئية والتنمية المستدامة ". وإنّ التّأكيد على ما يبدو أنّه حرّية اختيار في الظّاهر؛ ليس في الواقع إالّ فسحة محدَّدةً ومحدودةً بنوعيّة الرّأسمال الثقافي والاجتماعي للفرد. وهو رأسمال يحكم حريته وسقف اختياراته؛ علامً وأنّ أمارتيا صن نفسه، يقول في مكان آخر -تحت عنوان " الحرية: الفرص والعمليات " - أن " الحرية هي الفكرة الأساسيّة، وأنّ القدرة (أي العمليات الواقعية) على اختيار بدائل العيش التي تتيحها للشّخص؛ هي التّعريف الأدقّ للحرية. ولا يجب أن تقتصر هذه القدرة على العيش بطريقة البديل النهائي أو الحصيلة النّهائية التي تحقّق بها الاختيار؛ بل يجب أن تشمل القدرة " على كيفية الاختيار والبدائل التي كان يمكن أن يختارها أيضًا، في حدود قدرته على الاختيار ". وفي مقاربة القدرة، يورد الكاتب سمات نوعيةً مميِّزة لها لا بدّ منها، وأهمّها الرتّ كيز المعلوماتي على تقييم للمنافع الفردية الشّاملة. وهو تركيزٌ يختلف باختلاف القضايا العامّة (كالسّياسات المتعلّقة بالفقر أو الحرية الثقافية، (ص. 39). وإنّ هذا الرتّ كيز على القدرات الواقعية؛ يوضِّح الصّلة بين تفاوت قدرات الأفراد وتفاوتهم الطبقي. وهكذا تختلف مقاربة القدرة، باختلاف الرتّكيز على نوع وعمق المعلومات المتعلِّقة بالوسائل المؤثِّرة كالدّخل والملكيّة والسّلطة والوظيفة؛ التي هي -في نظر جون راولز- سلعٌ أوّليةٌ ومركزيّةٌ في الحكم على العدالة التّوزيعية. غير أنّ تركيز راولز عليها في الحكم على ما يُسميه ب " العدالة التّوزيعية "، وإعلاء شأن الحرية؛ لم يقترن بالتّوقف عند مسألة تتعلّق بهذه السّلع الأولية. فهي لا تقود إلى الحرية والسّعادة إذا ما توفّرت؛ لأنّ الدّخل يشك ل سلعةً، ولا يضمن فرصة اختيار الوصول إلى العيش الهنيء وتجاوز المرض. وانطلاقًا من نقد الكاتب لمقاربة القدرة لدى راولز، وحصرها في تحقيق الوسائل أو السّلع الأولية؛ قام بالاستفاضة في محاجّة لم تضف جديدًا إلى الاختلاف الشّائع في فهم القدرة ومقارباتها. وهي مقاربات تتراوح بين القيام بشيء ما أو تأدية وظيفة ما (وهي مقاربات البراغماتيين)؛ وبين حرية القيام بالشيء أو الوظيفة وحصائلها غير المتجانسة، أو القدرة على تحقيق الممكن من الفرص أو الغايات، والحرية البشرية حتى لو اقتصر الإنجاز على فرصة أو وسيلة واحدة. ولا ننسى أنّ إنجاز الوسيلة الواحدة، يختلف من شخص إلى آخر، بفعل اختلاف المنافع المنتَظ رة من الإنجاز، ودوافعه المرتبطة بتعدّدية خيارات الشخص وبحدود قدراته. وفي مجال تقييم قدرة الفرد على الاختيار، " لابدّ من التّمييز بين القيام باليشّء، وبين حريّة القيام به " (ص. 348) ويذكِّر الكاتب بأنّ تقييم أهمية الاختيار، التي هي أهميةٌ نسبيةٌ؛ يتعدّى ميول الفرد المنعزل وترجيحه الشّخصي، إلى مدى توسّع النّقاش العامّ لهذا الاختيار في محيطه الاجتماعي، ممّا يدعم موثوقيّته. وهذا ما لا يتوقف عنده أصحاب نظريّة " الفردانية المنهجيّة " الموثوقية التي يحظى بها اختيار الفرد، هي المؤسِّسة لقبول مشاركته في القول والفعل. علامً أنّ أي فرد، لا بدّ له من الانتماء في الواقع - وفي الوقت عين- إلى هِ جماعات وميول جماعيّة (الجنس والطبقة والمجموعة اللّغوية والمهنيّة والدّين والجنسيّة والجالية والعرق وما شابه ذلك (ص. 359)، " وأنّ النّظر إليه كفرد في مجموعة واحدة فقط، ليس إال حرمانًا له من حرّيته في اعتبار نفسه منتميًا إلى هذه الفئة أو تلك على وجه التّحديد ".
وهنا، يذكِّر أمارتيا صن بقول ماركس -في كتابه نقد برنامج غوتا - عن " الحاجة إلى تخطّي التحليل الطبقي، حتّى عندما يلمس المرء صلته الاجتماعية ". ويخلص من ثمّ إلى قول يتعارض مع اعتقاد ماركس في أولويّة انتماء الأفراد في المجتمع الرأسمالي الصناعي إلى طبقاتهم أواّلً؛ لأهنّم يتموضعون في مستوى حمُدِّد (Déterminant) من مستويات حياتهم الاقتصادية- الاجتماعية. ويؤكِّد تعارضه مع ذلك التصوّر؛ من خلال اعتقاده أن الفرد ينتمي إلى هُويّات متعدّدة، ولا يميل -على خلاف ما ذهب إليه ماركس- إلى تمييز تحديديّ لمكوِّن مع من بين المكوِّنات المتعدِّدة المشكِّلة لهُويّة الفرد. ويذهب إلى أبعد من ذلك، بقوله إنّ ترتيب مكوّنات الهُويّة يختلف حتّى داخل الجماعة الثّقافية الواحدة.
الحريّة الأساسيّة والقدرات على تحقيق عدالة التّنمية بين الأجيال
إنّ تقدير قيمة البيئة، وما تتيحه أمام الناس من فرص؛ هو أمرٌ يرتكز على تحرير القدرات على تحقيق التّنمية المستدامة، بوصفها " تلبّي حاجات الحاضر، دون أن تهدِّد قدرة أجيال المستقبل على تلبية حاجاتها " (ص. 362). كما أنّ استدامة التّنمية، ترتكز على تجاوز نظر الناس إلى البيئة المقتصرة على تلبية حاجاتهم، إلى النّظر إلى قيمهم " وقدراتهم على التّفكير والتّقييم والاختيار والمشاركة والفعل. وإن النّظر إلى الناس من خلال حاجاتهم فقط، يحطّ من منزلة الجنس البشري ". لم يترك أمارتيا صن مجاالً واحدًا من مجالات حياة النّاس أو ميولهم؛ دون أن يتناول ما يُطرح فيه من حدود حرياتهم، ومن حدود القدرات لديهم على الحياة البشرية. هذه الحياة التي تتجاوز قدراتهم المتوفّرة على الاختيار وعلى امتلاك الموارد كشرط أساسيّ للارتقاء من الوسائل أو السلع الأوّلية -بحسب جون راولز- إلى الفرص والغايات المفتوحة. وهكذا يصبح قياس القدرة في نظره، مرتبط ا ب " إدخال تغيير جذريّ على مقاربات التّقييم القياسي الإحصائي المستخدمة على نطاق واسع في علم الاقتصاد والدّراسات الاجتماعيّة ". وفي تقديرنا، كان يمكن أن تكون قراءة أمارتيا صن لحياة الناس ولقدراتهم على الارتقاء، أكثر دقّةً في التّنظير؛ لو لم يتجاوز الفروقات التّاريخية الثقافية والتّنموية لتركيبات المجتمعات الإنسانيّة، ولو لم ير الناس متماثلين في طبيعة ميولهم الكونية، وأنّه " ليس ثمة أساسٌ تجريبيٌّ يُعتدّ به لتقسيم تاريخ الأفكار " على الرّغم ممّا تردّد من أنّ القيم الآسيوية كانت " مناصرةً لفردية الحكم "، مقابل مناصرة القيم الأوروبيّة التقليدية للحرية ومناوءتها لفرديّة الحكم. هذا مع العلم أنّ أمارتيا صن، يقول في مكان آخر قوالً متعارضًا مع ما سبق (ص 359)؛ بحيث يُدين فيه " الميل المتعاظم إلى النّظر إلى الناس من خلال " هُويّة " واحدة غالبة عليهم " (من قبيل: " هذا واجبك كأميركي "، أو " يجب أن تقوم بهذه الأفعال كمسلم "، أو " عليك كصينيّ أن تعطي الأولوية لهذا الالتزام الوطني ". وليس ذلك فرضًا لأولويّة خارجيّة أو اعتباطيّة على المرء فحسب؛ بل حرمانًا له كذلك من حرّيته في أن يقرِّر بنفسه ولاءاته لمختلف الفئات التيِ ينتمي إليها جميعًا.) وغنيٌّ عن البيان، أنّ مقاربة القدرة تؤ على اجتّاه استخدام الأفراد للوسائل أو السلع الأولويّة (الدخل، والوظيفة، والثروة، والسلطات). وهذه السِّلع التي لا قيمة لها في حدّ ذاتها، تختلف قدرات النّاس على تحويلها " من سلع وسيطة لا غير، إلى سمات حياة طيبة وإلى نوع من الحرّية ". ولذلك، فيمكن اعتمادها كمؤشرات على حدود العدالة المتوفِّرة.
العدالة في طروحات المساواة والحرية الفردية
يرصد أمارتيا صن الصّيغ التي تمثّلت فيها العدالة في النظريّات المعاصرة، فظهرت ولو بتركيز متفاوت على طلب أنواع من المساواة (حقوق سياسيّةٌ، حقوقٌ اجتماعيّةٌ، دخلٌ). وهذا ما يبرز في الطّروحات
اللّيبرالية؛ إذ يلُاحَظ أنّ المعارضين لمبدإ المساواة في توزيع الوسائل أو السّلع الأولية والموارد والدّخل، أمثال جون راولز؛ يروِّجون -كما ورد سابقا- لمبدإ المساواة في الحقوق والحريّات الفرديّة. كما يلُاحظ أن البراغماتييّن لا يتوقّفون في مسألة العدالة عند التّساوي في مكاسب الأفراد؛ بل يقفون عند " تعظيم المجموع الكيلّ للمنافع فحسب، بصرف النّظر عن التّوزيع [...]؛ وهي المساواة بين الناس في الأهمية المعطاة لمكاسب وخسائر كلّ منهم، دون استثناء المنافع ". وفي النّظر إلى المساواة؛ يؤكّد أمارتيا صن على أنّ تركيز أي فرد على نوع مميَّز من أنواعها، لابدّ أن ينطلق من مقاربة حدود مقدرته، التي هي ليست أكثر من منظور في نظريّات العدالة. وهي تصطدم بما لا يرجع إلى مزايا الفرد. وإنّ الرتّكيز على نوع مع من أنواع المساواة، وفي أيّ مجال من المجالات المختلفة؛ لا يعني أالّ أهميّة إطلاقًا لمبدإ المساواة في جميع أنواعها الأخرى. ويبقى " السّؤال الحاسمُ حقًّا، هو: في أيِّ شيء تكون المساواة؟ وليس: هل نحتاج إلى المساواة في أيِّ مجال من المجالات؟ ". وأمام اختلاف النظريّات، وتفاوت الرتّ كيز في كلّ منها على أولويّة معيَّنة في المساواة؛ يصبح افتراض الموضوعيّة في عدّ النّاس متساوين في أيّ من المجالات، قائامً على مبرِّرات مزعومة لابدّ من تدقيقها. والتّساوي، لا يعني في نظر أمارتيا صن أن تكون الإجابات واحدة لدى المتساوين. وهو يتّبع نهج من يقف ضدّ حصر المساواة في الدّخل؛ بوصفها مساواة " تؤدّي إلى خرق القيم المهمّة جوهريًّا "، كالحقوق السياسيّة والاجتماعية التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحاجة إلى إيلاء اهتمام متساو للجميع بطريقة ما... " على أكثر من صعيد في الحياة. وهنا تُطرح مسألة التّمكين من القدرة على إدراك تلك الحقوق وتحقيقها؛ بحكم أنّ القدرة هي " سمةٌ مركزية للحياة البشرية " (ص. 421) هكذا يخلص أمارتيا صن إلى القول إنّه إذا كان النّاس غير متساوين في طلب أيِّ نوع من أنواع المساواة؛ فهذا يقود إلى عدم وجوب المطالبة بالمساواة في القدرة. ذلك أنّ القدرة " ليست إالّ جانبًا واحدًا من حرية الفعل، ولا تستطيع إيلاء اهتمام كاف للإنصاف والمساواة في الإجراءات ذات الصلة بفكرة العدالة. وعلى الرّغم ممّا تمتلكه فكرة القدرة من قيمة كبيرة في تقييم جانب الفرصة (aspect Opportunity) من حرية الفعل؛ فإنّه قد لا يسعها التّعامل بشكل واف مع جانب العملية (aspect process) من هذه الحرية " (ص. 32). والأسس القويّة التي تعطي الحريةَ الشّخصية أهميتَها؛ تجعلها تتخط ى وصفها عامالً مؤثِّرا في تقدّم الشّخص كأيّ من السلع الأولية أو الدّخل، إلى اعتبارها " تمسّ حيواتنا على المستوى السياسي حقًّا، وتوجب على الآخرين احترام الشواغل الحميمة التي تميل إلى أن تكون لدى كلِّ شخص " (ص. 426) وهنا يظهر التّعارض بين طرح أمارتيا صن في إعطاء أولويّة ما للحرية الشّخصية، بحكم أنّ لها أهميّة مركزيةً جدًّا في حياتنا الشخصية؛ وبين مطالبة جون راولز المتطرفة بضرورة إيلاء الحريّة الشّخصية المكانة الرّفيعة السّامية، وعدِّ المكسب القليل فيها -مهما كانت درجة ضآلته- سببًا كافيًا لتقديم تضحيات جسام، مهما بلغت جسامتها مقارنةً بالوسائل الأخرى للعيش الكريم. وهنا يرى الكاتب ضرورة العودة إلى تعريف الحرية وإدراك الفرق بين مضامينها في مختلف نظريات العدالة؛ وذلك استنادًا إلى تمييزه بين جانب الفرصة وجانب العملية في الحرية. وهو يرى أنّ حريّة المرء، التي يشكِّل مفهوم القدرة جزءًا منها في إنجاز ما يريده؛ هي حريّةٌ متعدِّدة السِمّات، تتراوح دونما تدقيق -في أحيان كثيرة- بين الحرية بمعنى (Liberty)، والحريّة بمعنى (Freedom)، وحريّة فعل المرء -التي يشكِّل مفهوم القدرة جزءًا منها - لا ترتبط مباشرة التي يمكن أن تتحقّق بأشكال مختلفة. وهذا ما يعني أهنّا حريّةٌ تتعلّق بعوامل متعدّدة منها: موضوع أخذ القرار، ومن سيأخذه؟ وهل سيكون ذلك بسيطرة شخصيّة كاملة على إنجازه، أم بمساعدة
الآخرين، أم بقرار مبرَّر عقلانيًّا بالنّيابة عنه؟ وما يلُاحَظ هو أنّ مقاربة أمارتيا صن، تتّسع للتعدّدية التّكاملية للسمّات المتمايزة للحرية؛ تلك التي يمكن تصنيفها صنفين: • اعتمادها على القدرة الشّخصية حصرًا. • اعتمادها على تقبُّل من لديهم القدرة على منعها في المفهوم الجمهوري للحريّة. وغالبًا ما يلُاحَظُ تعارض حريات الأشخاص؛ ممّا يؤدّي إلى استحالة الخيار الاجتماعي الجمهوري، القائم على القول: " لكي يكون للحريّة الشّخصية أثرٌ، ينبغي للنّاس احترام الحريّة الشّخصية لبعضهم البعض، في اختيار ما يريدون بدل الاهتمام بخيارات الآخرين... " (ص. 441). ولكنْ من يؤكِّد جدّية الاحترام المتبادل، وتقبّل الحريات المتعارضة بين الأشخاص؟ ويختم أمارتيا صن مساجلاته عن " مواد العدالة " في الجزء الثالث من كتابهفكرة العدالة -الحائز على جائزة نوبل- بالقول: يجب أن تكون تعدّدية مضامين الحرية الفردية والمساواة " جزءًا من نظرية العدالة، التي يجب أن تكون واعيةً بالاعتبارات المتعدِّدة المختلفة التي تنطوي عليها كلٌّ من هاتين الفكرتين العظيمتين: الحرية والمساواة ".
حدود التوافق والاختلاف مع جون راولز
لا يجب أن يغيب عن القارىء، أنّ أمارتيا صن قد أهدى كتابه إلى ذكرى جون راولز الذي يعتبره " أستاذًا رائعًا لعقود عدّة، لاتزال أفكاره تؤثّر فيّ حتى عندما أختلف معه حول بعض استنتاجاته ". وقد تقاطع الكاتب مع طروحات راولز، في نطاق الفلسفة الأخلاقية والسياسية، وكذلك في أنّ مفهوم الإنصاف هو " سابقٌ لتطوير مبادئ العدالة ". ولكن مفهوم الإنصاف يقوم في تفكير راولز على وضع أوليّ، يتمثل في الموضوعية أو الحياد. وهو وضعٌ أصلي متخيَّلٌ من المساواة الأوّلية المرتبطة بتصنيف للعدالة. وهي تقوم على " مقبوليّتها للأشخاص الذين كان هذا وضعهم " (ص. 103). ويضيف أمارتيا صن، أنّ راولز يرى أن " مذاهب المواطنين المتناقضة بعمق في ما بينها، لا تحول دون تقاسمهم مفهومًا سياسيًّا معقوالً للعدالة ". وهذا ما يسمّيه ب " الإجماع التّوافقي). وهو اجماعٌ يقوم على Overlapping consensus (اختيار المؤسّسات، وتحديد المفهوم السّياسي للعدالة؛ ذاك الذي يفترض راولز أنّه سيؤثر بشكل ملائم على سلوكيات الأفراد ". وهنا يشير أمارتيا صن إلى شك ه بقوة في زعم راولز الدّقيق جدًّا حول هذا الاختيار الفريد الأوحد في الوضع الأصلي، وفي ظنّه بأنّ مجموعة معيَّنةً من المبادئ الخاصّة بالمؤسّسات العادلة قادرةٌ على إقامة مجتمع عادل تمامًا. وهنا يتّضح الاختلاف بين مفهوم العدالة الكاملة المافوقي عند راولز، ومفهوم العدالة النّسبية الذي يعتمده أمارتيا صن في معالجته لخصائص المظالم المختلفة باختلاف ظروف المجتمعات والبلدان. وفي هذا يقترب من نظرية الخيار الاجتماعي، القائمة في الإرث الأخلاقي والتّنويري الهندي، على ما يُسمّى مقاربة النيايا (Nyaya)، ويبتعد -في المقابل- عن مقاربة النيتي (Niti) التي يقترب منها طرح راولز. ويضيف الكاتب في مكان آخر (ص. 435) التّعارض داخل نظرية راولز في العدالة، مثله في ذلك مثل أصحاب الطروحات الليبرالية الكلاسيكيّة، الذين يركِّزون من جهة على طلب أنواع المساواة (في الحقوق السياسية والحقوق الاجتماعية)، وعلى أولويّاتها في المجتمعات؛ ويعارضون مبدأ المساواة في توزيع السّلع الأوّلية والموارد والدخل من جهة أخرى (ص. 415)