العودة إلى تفاصيل المؤلَّف التحوّل السياسي في الرواية التونسية

التحوّل السياسي في الرواية التونسية

Political Transformation in the Tunisian novel

محمود طرشونة

Mahmoud Tarchouna

الملخّص

ظهرت في الفترة الأخيرة في تونس، قُبيل الثورة وبُعَيْدَها، روايات كثيرة تناولت مختلف التحوّلات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، اختار منها هذا البحث أربع روايات لها علاقة مباشرة بموضوعة التحوّل بمختلف وجوهه. واعتمدها لاستجلاء صورة تردّي الأوضاع السياسيّة في البلاد وما انجرّ عنه من أزمات اجتماعية واقتصادية. ويتمثّل الإشكال المطروح في المفارقة بين رفض نظريّة الانعكاس وضرورة رسم لوحة عامّة عن التحوّلات التي مهّدت لاندلاع ثورة الكرامة و الحرّية. وهو إشكال منهجي حقيقي رأى الباحث أن نحلّه باعتماد منهج البنيويّة التوليديّة الذي استحدثه لوسيان غولدمان معوّلًا على من سبقه من منظري الرواية مثل جورج لوكاتش في الربط بين بنية الرواية والظروف الاقتصادية والاجتماعية المولّدة لها. وبذلك تعوّض جدليةُ البُنى وما ينتج عنها عن نظرية الانعكاس وما نتج عنها من تهميش للفنّ الروائي وحَصر النصوص الروائية في دائرة ضيّقة لا تتجاوز الوظيفة التأريخية للواقع.

Abstract

Just prior to and shortly after Tunisia’s revolution, many Tunisian novels came out addressing social, economic, and cultural transformations. This study selects four of them which specifically deal with transformation. It uses the many aspects of transformation to reveal an image of the worsening political situation in the country and the ensuing social and economic crisis. A problem of method however arises that concerns the link between the structure of the novel and the social and economic conditions that generated it. This article addresses this problematic by relying on the method of genetic structuralism elaborated by Lucien Goldmann on the basis of prior theorists of the novel such as György Lukács. In this way, the dialectic of structures and what this results in, replaces the theory of reflection and the marginalization of the art of fiction and the texts of novels it results in, in a narrow circle that goes no further than the historical function of reality.

الكلمات المفتاحية:
  • الرواية التونسية
  • الحرية
  • الحداثة
  • الدولة
Keywords:
  • Political Transformation
  • Paradox
  • Revolution Dignity

ظهرت في الفترة الأخيرة في تونس، ق بيل الثورة وبُعَيْدَها، روايات كثيرة تناولت مختلف التحولّات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، اختار منها هذا البحث أربع روايات لها علاقة مباشرة بموضوعة التحوّل بمختلف وجوهه. واعتمدها لاستجلاء صورة تردّي الأوضاع السياسيّة في البلاد وما انجرّ عنه من أزمات اجتماعية واقتصادية. ويتمثّل الإشكال المطروح يتمثّل في المفارقة بين رفض نظريّة الانعكاس وضرورة رسم لوحة عامّة عن التحولّات التي مهّدت لاندلاع ثورة الكرامة والحرّية. وهو إشكال منهجي حقيقي رأى البحث أن نحل ه باعتماد منهج البنيويّة التوليديّة الذي استحدثه لوسيان غولدمان معولّا على من سبقه من منظري الرواية مثل جورج لوكاتش في الربط بين بنية الرواية والظروف الاقتصادية والاجتماعية المولّدة لها. وبذلك تعوّض جدليةُ البُنى وما ينتج عنها عن نظرية الانعكاس وما نتج عنها من تهميش للفنّ الروائي وحرَصْ النصوص الروائية في دائرة ضيّقة لا تتجاوز الوظيفة التأريخية للواقع. لقد وفّر هذا المنهج أدوات إجرائية أفضت إلى نتائج هامّة تتعلّق خاصة بوجود علاقة جدلية بين تفكّك المجتمع نتيجة ممارسة السلطة للاستبداد السياسي وبين تشظّي الزمن الروائي وعدول الرواة عن مساره الأفقي إلى بناء مختلف لا يخضع إلى التسلسل بقدر ما يخضع إلى مقتضيات العمل الرسّدي والخطاب الروائي. وقد أفضى البحث أيضًا إلى وجود علاقة جدلية بين تعدّد الفئات الاجتماعية واختلافها وتنوّع السجالّت اللغوية والأجناس الأدبية داخل العمل الروائي الواحد. إالّ أن أهمّ النتائج يتمثّل في إثبات مساهمة الأدب عمومًا والرواية خصوصًا في تغيير الأوضاع والتمرّد على تردّي الواقع عبر وعي الكتّاب بالراهن واستشرافهم للمستقبل.

كيف يمكن رصد التحولّات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية باعتماد المدوّنة الروائية، من دون السقوط في فخاخ المنهج الموضوعاتي والعودة إلى المقاربات التقليدية التي ترى أن الأدب انعكاس للواقع. والحال أن المناهج الحديثة تجاوزت نظرية الانعكاس، فصار بعضها يعتبر النص مغلقًا مقطوعًا عن سياقاته الخارجية، الذاتية منها والموضوعية على حدّ سواء، ويُنكر كلّ صلة له بالأوضاع الاجتماعية وبحياة الكاتب قبل أن تقع مراجعة هذه الرؤية المقتصرة على وسائل التّعبير وطرق البناء واختلاف الأشكال

والأساليب. فلم يعد هناك من يجادل في ربط النصّ بمحيطه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، فضلا عن اعتبار علاقته بكاتبه وبنفسيته وظروف كتابته. إال أن الإشكال بقي قائامً بخصوص طبيعة هذه العلاقة وطريقة الربط بين داخل النصّ وخارجه، أي بين خصائصه الفنية والعوامل التي ساهمت في إنتاج المعنى وتحديد الدلالة. مبدئيًا ثمّة إجماع على عدم فصل الرواية عن محيطها الخارجي، وعلى جملة من المسل مات لعل أهمها عدم اعتبار النص الأدبي انعكاسًا آليًا لواقع ما، لأن ذلك من شأنه أن يُغيِّب أدبيّته وخصائصه الإنشائية والجمالية. وقد اهتدت البنيويّة التوليدية مبكّرًا إلى حلّ يقطع مع نظرية الانعكاس ولا يهمل العوامل الخارجية، فابتكر جورج لوكاتش نظرية الجدلية بين الداخل والخارج، وزادها لوسيان غولدمان تعميقًا، فرأى أن البنية تتولّد من البنية، فتكون البنية الأدبية ناتجة من البنية الاجتماعية والاقتصادية، عبر سلسلة من العلاقات والمعطيات، أهمها وعي الكاتب وتمثيله المتميّز لمجموعة اجتماعية لها رؤية العالم نفسها. وقد بلور هذه الجدلية بوضوح في دراسات تطبيقية ركّزها على الكاتب المسرحي الفرنسي راسين في القرن السابع عشر، وعلى الرواية الجديدة في منتصف القرن العشرين. وليس من اليسير رصد جميع التحولّات بمختلف أصنافها، والبحث في علاقتها الجدلية بالبنى والأشكال في جميع الروايات الصادرة في تونس في السنوات الأخيرة، لأن عددها تجاوز في سبع سنوات فقط (-2001 2007) في قُطْر لا يتجاوز تعداد سكّانه الاثني عشر مليون نسمة، المئتي رواية، 135 رواية منها بالعربية و 70 بالفرنسية. لذلك رأينا أن نركّز على أربع روايات فقط صدرت بعد 2007، وبالتحديد في الفترة التي شهدت مخاض الثورة التونسية (2010) وولادتها (2011). وهي على التوالي: أبناء السّحابلمحمد الجابيلّ (تونس 2010)؛ روائح المدينة لحسين الواد (تونس 2010)؛ سنوات البروستاتا للصّافي السعيد (تونس 2011)؛ تراتيل لآلامها لرشيدة الشارني (تونس.)2011 وقد اخترنا هذه العناوين بالذات بسبب تركيزها على التحوّل السياسي الذي أحببنا أن نرصده ونحلّله، وهو وحده يشمل سائر التحولّات الأخرى؛ إذ لم يَعُد الاقتصاد في عصرنا الحاضر مفصولا عن السياسة، ولا الواقع الاجتماعي بمعزل عن الوعي الفكري والثقافي. وأوّل ما نلاحظ في هذه العناوين الأربعة - وهذا من غريب الصّدف – أنها جميعًا في صيغة الجمع: أبناء، روائح، سنوات، تراتيل. ودلالة هذا الجمع بديهيّة، وهي أن الكاتب الروائي صار تحت ضغط الواقع الاجتماعي، يتجاوز ذاته وشكاواه الرومنسية إلى رصد أحوال المجموعة والوعي بقسوة واقعها، وما سينتج منها من زلازل تقوّض أركان الاستبداد والتسلّط. إال أن رصد ذلك الواقع لا يمكن أن يكون خارج وعي الكاتب وذاته ورؤيته للعالم المحيط به؛ فهو ليس محللّا اجتماعيًا محايدًا، كما أنه ليس مصلحًا يدّعي قيادة المجتمع، بل هو فرد يتميّز من بقيّة الأفراد بدرجة عالية من الوعي تيرسّ له ملاحظة عوامل الانفجار واستشرافه، لكن من دون أن يخرج عن حدود الفنّ الروائي ويسقط في الخطاب السياسي المباشر، بل يطوّع مَل كتَه الإبداعية لبلورته ولبناء واقع روائي يستلهم

الواقع التاريخي لا محالة، ولكنه يختلف عنه. وقد اشتركت روايتان من خمس في ذكر لفظ «المدينة» في العنوان. وهذا أيضًا من غريب الصدف، إلا أنه يندرج في نطاق الجزء الذي يدل على الكل. فما المدينة إالّ رمز يمثّل كامل القُطر، وما يقع في المدينة له امتداد جغرافي في كامل جهات البلاد، نزوحًا وارتحالا، ومركزية تشعّ على جميع المناطق وتسريّها وختُضعها لإرادتها. لهذا كلّه رأينا أن نفكّك بدورنا عناصر ذلك الواقع ثم نركّبه اعتمادًا على الروايات الأربع في مرحلة أولى، وأن نحلّل ما طرأ عليه من تحولّات منذرة بالانفجار في مرحلة ثانية، وما تول د عنه من بنى وأشكال روائية في مرحلة ثالثة، مع الإقرار بصعوبة الربط الجدلي بين النقطتين الأولى والثانية من جهة، والنقطة الثالثة من جهة أخرى، في مساحة محدودة كهذه.

التفكيك والتركيب: تشخيص الراهن

يتبنيّ من تاريخ النشر والتأليف أن الروايات كلها كُتبت قبل الثورة. وقد نشُرت اثنتان منها قُبيْلها (2010) واثنتان بُعيْدها (2011). لذلك ركّز أصحابها على تشخيص الراهن وما يتّسم به من تردّ، وعلى عوامل الانفجار وتوقّعه في شيء من الجرأة لا تبلغ درجة المواجهة الصريحة والمباشرة، بل عن طريق تصوير شخصيات وسرد أحداث يظهر منها تردّي الأوضاع الاجتماعية والسياسية، وحتى الثقافيّة. تردّي الأوضاع العامة إن أهم رواية جعلت هذه التحولّات المختلفة موضوعها الرئيس هي بلا شك روائح المدينة لحسين الواد؛ فهي بحق رواية التحولّات. وقد رصدها الكاتب عبر تغريّ الروائح في كلّ مجال من المجالات ومن عصر إلى آخر. ونحن لن نجاريه في الاهتمام بعصور ثلاثة هي عهد الاستعمار الفرنسي ونظام البايات الذي كان يعيش في ظلّه، وما سامّه دولة الاستقلال والسيادة السابق لتشرين الثاني/نوفمبر 1987، وما سامّه دولة «العهد الجديد» الذي امتد إلى 14 كانون الثاني/ يناير 2011، إال إذا اقتضى التحليل إبراز التحوّل من فترة إلى أخرى عبر المقارنة بين وضعين متعاقبين. لقد بدأت حياة الناس وعاداتهم الاجتماعية في التغريّ منذ مجيء دولة الاستقلال والسيادة، وأخذت التحولّات تتوسّع وتتعمّق حتى في الملبس والمأكل والمسكن والتأثيث والتزويق، فتحوّلت بعض الكماليات إلى ضرورات بحكم نشأة مجتمع الاستهلاك. إال أن محدودية الموارد الطبيعية جعلت البلاد في ضائقة مالية زادها تأزمًا رحيل اليهود في إثر حرب حزيران/ يونيو 1967 وقد «حملوا معهم أموالهم وذهبوا. فكسدت التجارة وتعطّلت الصنائع وتوقفت الأشغال، ودَاخَل صناعةَ الذهب والفضّة غش ظاهر ». ثم إن عدم احترام حقوق الإنسان الظاهر في قمع المعارضين من الطلبة والمثقفين جعل الدول المانحة «تشترط للمصادقة على القروض الاستظهارَ ببطاقة حسن السيرة في حقوق الإنسان. ودولتنا مصنّفة في طليعة الدول التي تنتهك حقوق الإنسان والجماد». طبعًا، هذا كلّه أفرز أزمة اقتصادية ظاهرة للعيان دفعت الحكومة إلى اتخاذ قرارات جبائية وتقشّفية، أهمها «الزيادة في الأسعار، ضرائب جديدة، مكوس لم يُسمع بمثيلها، خطايا

حقيقية ووهميّة، بدأت سلع ضرورية كثيرة تُدرج في صنف الكماليات ليُحجر توريدها، غابت أدوية كثيرة». وضعٌ كهذا من شأنه بالطبع أن يتسبّب في محدودية مَواطن الشغل وفي انتشار البطالة، خاصة لدى أصحاب الشهادات العليا؛ فقد نتج من خيار تعميم التعليم وإجباريته ومجانيته تضخّم عدد خريّجي الجامعات في مختلف القطاعات، فكثر الأساتذة والأطباء والمهندسون والمحامون والتقنيّون، إال أن ضيق سوق الشغل لم يُمكّن الجميع من مورد رزق قارّ يضمن لهم ولأُسرهم العيش الكريم، فاضطرّوا إلى القيام بأعمال بسيطة لا يوظّفون فيها معارفهم واختصاصهم، كبيع البقول والفواكه على قارعة الطريق، والاكتفاء بالحدّ الأدنى من الأجور، أو الهجرة إلى أوروبا. وبما أن الاتحاد الأوروبي نفسه قد انفتح على بعض الدول الشرقية التي كانت تنتمي إلى الاتحاد السوفياتي السابق، كرومانيا وبولونيا، فقد أوصد حدوده في وجه المهاجرين المغاربة والأفارقة الذين دفعتهم الحاجة إلى الإبحار على متون قوارب ليس في إمكانها أن تقاوم العواصف الهوجاء، فيموت الكثير منهم غرقًا. وإذا ما بقي الشاب متمسكًا بوطنه، فإنه يجتهد في الاستفادة من النشاط السياحي المزدهر فيتأثر بالوافدين على شواطئ تونس في مظهرهم وقيمهم، فيكون التحوّل جذريًا قريبًا من المسخ: «اكتشف شبابنا في شواطئنا القريبة والبعيدة عاملًَا آخر. اختلطت عليهم المفاهيم، تداخلت واضطربت، وقع بعضها على بعض، تكرسّت القيم على القيم، بدأوا يُطيلون الشعور، يضعون في الرقاب سلاسل بها صلبان وأحرف لاتينية، يلبسون السراويل الضيّقة والأقمصة ذات الألوان الساطعة، يضعون في الأصابع خواتم وفي المعاصم سلاسل، يرشقون في الآذان أرعثة وأخراصًا دقيقة بفصوص لماعة. أمعنت طائفة منهم في البحث عن الوشامين المعمّرين ليوشموا لهم في الزنودّ والصدور والسواعد والأكتاف والظهور رسومًا وأشكالا غريبة. أصبح سعد كلّ منهم مشدودًا إلى فتاة أو امرأة وسط أو عجوز يربط بها علاقة تفتح له باب السفر إلى أوروبا». هذا بالنسبة إلى الشبان الذكور. أمّا البنات، فإهنّن يضحيّن بأشياء كثيرة في سبيل الحصول على لقمة العيش، أهمّها العِرْض، كما يظهر من لهجة راويروائح المدينة الساخرة: «إذا صادف وقبلت بنتٌ من بناتنا دعوة كريمة للسهر قبلتها من بعض السياح الشرقييّن، وهؤلاء إخوة لنا في العروبة والإسلام، هربوا من جهنّم بلدانهم إلى جنّات شواطئنا الجميلة وفنادقنا الفخمة، فقام علينا واجب الضيافة وحسن الاستقبال. [...] وهل في احتساء فنجان من القهوة مع سائح شرقي في خميلة منعزلة على حافة مسبح ما يعيب فتاة من حساننا؟ وهل في سيرها معه قليلا على الشاطئ في الهزيع الأخير من الليل ما يخدش العفاف؟ وماذا في أن تحملها تربيتها الحسنة وأخلاقها العالية على إيصاله إلى باب غرفته لتتمنّى له نومًا هنيئًا؟ يسمع المؤرخ الحزين هذا الكلام فيقول: وماذا في أن تدخل معه إلى مخدعه وتأخذ إلى جانبه سِنةً من النّوم وقليلا من الراحة واللياقة بتحريك السيقان؟ ». وهذا السلوك ليس إالّ مظهرًا واحدًا من مظاهر روح الانتهازية التي عمّت شرائح كثيرة من المجتمع صارت تسعى إلى الربح بجميع الوسائل، المشروعة منها وغير المشروعة، وخاصة غير المشروعة، مثل ترويج المخدرات وبيع الخمر خلسة والسطو والدّعارة وغيرها، تلخّصها كلمات جاءت في نهاية رواية أبناء السحاب: «هم جيل الأقاصي، ورثة الفراغ والضَّياع، تجار ولكنّهم بدون رصيد، جيل صيادي الفُرص المترصّدين، يَصْطادون ويصادون». إالّ أن الانتهازيّة قد تتجاوز هذه الطرق المعهودة في الحصول على الرّزق إلى العمل السياسي نفسه، قصد الحصول

على منصب مهم في أجهزة الدولة. وهذا في حد ذاته أمر عادي ومشروع، إال أنه عندما يصدر عن مناضل يساري كان يعمل على تقويض النظام لما كان طالبًا في الجامعة، وما إن تخرّج حتى تنكّر لجميع القيم التي عاش عليها وناضل من أجلها، فيتحوّل إلى مساندة النظام رغم معرفته بفساده، ويصير واحدًا من أهمّ المسؤولين في وزارة الداخلية، يقمع بدوره حتى زملاءه القدامى من الطلبة، ويتعسّف على رفقاء الأمس في مكافحة الاستبداد، فإن ذلك يُعتبر انتهازية مَقيتة. فهذا توفيق العايب في رواية تراتيل لآلامها كان من أصدقاء دنيا في الجامعة، «كانت تراه أيّام الإضراب عن الدروس يخطب في الطلبة مدافعًا عن حقّ الشعوب في العيش الكريم، وعن حرية الرأي وحرية المعتقد، ومندّدًا بالرئاسة مدى الحياة، فيُلهب مشاعرهم ويُغري الجدد منهم بالانخراط في الحزب الذي ينتمي إليه». وما إن تخرّج قاضيًا حتى تحوّل إلى الحزب الحاكم، فأسندت له مهمات مرموقة في البلاد. قصدته يوم احتضار أمّها وطلبت منه أن يُفرج عن أخيها المعتقل حتى يتمكن من توديع والدته الوداع الأخير. فرفض طلبها خوفًا على منصبه، ولم يَك تَفِ بذلك بل تحامل على جميع المعارضين. وعندما شتم أمها أخذت تدافع عنها وتتهجّم عليه قائلة: «خضراء سيّدة شريفة ربّت أولادها على استقامة الرمح ونحتَتْهم كما تُنْحت الصخور الصُّلبة، غير أن أمثالكم ممّن يتقنون «قلب الفيستة » والتنكّر للماضي، أفسدوا الذّمم وقضَوْا على كلّ فرصةِ تغيير جذريّ وحقيقي، وصار المنصب شغلهم الأوْحد ومهَّهم الأكبر ». عند ذلك يعاقبها على جرأتها، ويأمر زبانيته بسجنها في قَبْوٍ مظلم في وزارة الداخلية. وتموت الأمّ قهرًا من دون أن ترى ابنها السجين. وفي روايةأبناء السحابنموذج آخر للشخصيات الانتهازية التي تستغل تردّي الأوضاع لتتسلّق السلّم الموصِل إلى الوجاهة والغُنم المادي. فهذه قمر تفارق زوجها ثم تنخرط في جمعيات نسويّة بدعوى الدفاع عن حقوق المرأة، ثم تتحوّل إلى منظ مة الشغيلة بدعوى الدفاع عن الطبقة الكادحة، ثم إلى جمعية تعمل على المحافظة على البيئة. وتوّجت مسيرتها بالانضمام إلى أحد أحزاب المعارضة الصوريّة قصد الترشح لعضوية مجلس النواب، وفي الأثناء لم تتوقف عن بعث المشاريع المُربحة توَّجتها بمعهد ثانوي خاص تبتزّ عن طريقه أولياء التلامذة الخائفين على مستقبل أبنائهم. وهي نقيض زوجها المثقف الحرّ الذي «يرى في الأحزاب حوانيت برع أصحابها في تجارة الكلام وخَنْق الشعارات، وفي الجمعيات الكثيرة مدخلا للتّمظهر الكاذب وسوقًا من الانتهازيات المفتوحة ». هل نضيف إلى هذه المظاهر كلها فساد بعض القضاة وقبولهم الرشوة واللعب على تأويل القوانين لتعديل أحكامهم لفائدة راشيهم، أم نضيف التظاهر بالمحافظة على البيئة والسماح لبعض المشاريع الصناعية بتلويثها لما تدرّه من فوائد مادية، أم نضيف ما سمّي «المحسوبية»، أي استعمال الوساطات والأقارب والأصدقاء للتدخّل لدى السلطة الحاكمة لقضاء مآرب شتّى، كالحصول على رخص التوريد والتصدير للملابس المستعملة، أو رخص سيارات الأجرة، أو تهريب البضائع كالبنزين وغيره لبيعها على قارعة الطريق، في نوع من التجارة الموازية كثيرًا ما تتناول بضائع غير صحية أو ذات خطر على الأمن العام، أو لتغيير مشاريع التهيئة العمرانية وتحويل صبغة بعض العقارات حتى تباع بأسعار باهظة. إن قائمة التجاوزات الإدارية ومظاهر الفساد لا حد لها، وليس من دافع لتردّي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية غير الاستبداد السياسي في ممارسة سلطة مطلقة قائمة على التعسّف في جميع المستويات وعلى جميع الأصعدة.

طبائع الاستبداد أخذنا هذه العبارة عن عبد الرحمن الكواكبي (1902-1849) الذي فصّل منذ القرن التاسع عشر في كتاب له يحمل هذا العنوان جميع تصرّفات الحاكم المستبّد، بغية إصلاح التعاطي مع السلطة. فكان ضحية أفكاره، وعانى ويلْات القمع والسجن رغم نبل مقصده. فالاستبداد إذن ليس وليد العصر الراهن، ولا يقتصر على نظام الحكم في تونس، بل وُجد - ويوجد إلى الآن – في جلّ الأنظمة العربية المعاصرة. وكان الرئيس النعمان أبو النعيم في رواية سنوات البروستاتا واعيًا بهذا الوضع، لذلك كان يستبدّ بشعبه مرتاح الضمير، يقول في نفسه: «إن أيّ حاكم عربي لا يستطيع أن يحكم إالّ إذا كان مستبدًّا. لا يهمّ أن يُقال بعد ذلك إنه مستنير أو عادل أو خمُلص لوطنه وشعبه. فهي إضافات وأوصاف لا معنى لها. فالمستبدّ لا يمكن أن يكون عادلا أو مستنيرًا أو وطنيًا لأننا نعيش لا في القرون الوسطى، ولا حتّى في مطلع القرن التاسع عشر. وهذه هي قناعتي العميقة رغم أنني حاكم مستبد،ّ ولكن ضرورات الحكم هي التي متلُي على حاكم في العالم العربي شروطها [...] إنّ جميع الحك ام قد فشلوا في إسعاد الناس باستمرار، ولأن ما من «عدل» في هذه الدنيا يستطيع أن يعمّ كلّ الناس، فإن هؤلاء الناس يتقبّلون على مر التاريخ الطغيان بلا تذمّر أو شكوى حتى يصبح الحاكم الطاغية أو الحاكم المستبدّ بمثابة القدر أو ظل الله على الأرض إلى درجة التسابق في تقديسه وإطلاق بعض صفات الله عليه». وفي تونس بالذات وجدت جذور الاستبداد منذ عهد البايات والاستعمار الفرنسي. فالاستعمار يتظاهر باحترام الحريات وحقوق الإنسان، ولكنه لا يطبّقها إال في بلاده. أمّا في مستعمراته، فإنه لا يستنكف من تجنيد الشباب بالقوة وإرساله إلى ألمانيا للدفاع عن فرنسا أو إلى الشام لمحاربة إخوته السورييّن. وإذا ما رفض أحدهم وصاح في وجه من جاء لإعلامه بذلك: «فرنسا ليست وطني، ولن أدافع عن قضايا ظالمة أو أرفع سلاحًا في وجه أخ مسلم»، فإنّه يؤخذ عنوة. ولم ينقطع الاستبداد بحلول دولة الاستقلال والسيادة، بل استفحل «فأقبلت تجثم على الصدور، وتَلْو ي الأعناق، تدسّ التراب في المناخير والأفواه، وتُدخل أصابعها في أماكن أخرى». ولم ا احتجّ بعض طلبةّ الجامعة على التلوّث المرضّ بصحة المواطنين، والناتج من بناء مصانع مخالفة لقوانين البيئة، ووزّعوا عريضة على المتساكنين لتوقعيها، نك لت بهم ميليشيا الحزب الحاكم، وافتكّت الأوراق، وكرسّت الأقلام، وهدّدتهم بما هو أدهى وأمرّ. وليس هذا غير مظهر واحد من مظاهر مصادرة الحريات، فالانتخاب في دولة الاستقلال والسيادة شكليّ، «لا إمساك فيه ولا تشطيب»، والمعارضون قلمّا يتصلون بالبطاقات التي تخوّل لهم المشاركة في التصويت، والانخراط في الحزب الحاكم إجباري لقضاء شؤون إدارية. وتتويجًا لهذه السلسلة من صور التعسّف، قرّرت [السلطة] حلّ جميع الأحزاب، عقد وزراؤها الاجتماعات العامة وجعلوا يقولون «بلادنا اليوم مقبلة على جهاد آخر هو الجهاد الأكبر، الجهاد لبناء الدولة، لإنشاء الأمّة. الجهاد لتحقيق فرحة الحياة. الجدل السياسي مضيعة للوقت، هذر، ثرثرة، هراء، شقشقة أحناك، نريد العمل، لا شيء غير العمل [...]. كان ذلك مدخلا لمصادرة جميع الحريات».

معنى ذلك أن التحوّل الثقافي والوعي السياسي اللذين انتشرا بين فئات عدة من المجتمع التونسي بفضل التعليم وتعصيره، لم يواكبهما تحوّل في السلطة تأخذهما في عين الاعتبار. فأخذت تفرض نفوذها وخياراتها، منها خيار ما سمّي «التعاضد»، وهو تطبيق مشوّه لنظام اشتراكي لم حيُ تفظ منه إالّ بافتكاك أرزاق الناس، تتصرّف فيها الدولة فيتحوّل مالك الأرض إلى عامل على أرضه جنبًا إلى جنب مع عمَلِته السابقين، يتقاضى مثلهم الأجر نفسه. لذلك بادروا إلى بيع ممتلكاتهم وزياتينهم ودوابهم بأبخس الأثمان لتهريبها من التأميم، وعمد بعضهم إلى الانتحار بسبب شدّة القهر، إال أن آخرين فضّلوا المواجهة – أو على الأقل التفكير فيها- قائلين بمنتهى التعجّب: «نتنازل للدولة عن زياتيننا ونعمل عندها أجراء! قد طال والله علينا العهد باله يْعات، إن لم نُطلق عليها البارود أطلقت لنا الرصّف. كثرت الإشاعات. انتشر بين الناس أن الدولة ستنتزع المتاجر والمنازل والدواب والأنعام، فلا حقّ لأيّ كان، في ظلّ قانون التعاضد، في امتلاك أيّ شيء». ولم يوضع حدّ للتأميم إالّ عندما طاول بعضَ الأعيان المتنفّذين وأصحاب العقارات الكبرى من أعضاء النظام الحاكم، الذين كانوا قد استشعروا الإقلاع عن التعاضد، فشرعوا في شراء الأملاك بأبخس الأثمان قبل الرتّاجع بوقت قصير. أمّا ما سمّي دولة «العهد الجديد» التي انقلبت على سابقتها وقامت على أنقاضها، فإهنّا وعدت الشعب بتغيير جذري يقطع مع الماضي واستبداده. إال أهنّا «بعد أشهر طويلة من جسّ النبض والتفاوض السرّي واختبار الموازين والمناورة بالوعود الكاذبة والعهود والمواثيق، والتملّق والنفاق، والتصريحات الخلاّبة، ملأت السجون بالمعارضين من الإسلاميين ومن اليسارييّن على حدّ سواء، و«انتشرت روائح تعذيب وتنكيل وتهريب قيل، مثلما كان دائامً يُقال، إهنّا لم تُعرف في العهود السّابقة». واستعملت البوليس السياسي للتجسّس على جميع الناشطين السياسيين، خاصة منهم الإسلامّيين؛ فقد شعر النظام أن هؤلاء يمثّلون خطرًا حقيقيًا على المجتمع الحديث وعلى السلطة، فقام بحملة واسعة النطاق ودائمة للقضاء على حركتهم، وضايق كلّ من ينتمي إليهم، وأصدر أوامر ب«اعتقال كلّ من تحوم حوْله شبهة الانتماء إلى منظ مي المظاهرات والإضرابات والمسيراتَ والحلقات داخل المساجد، أو مجرّد المشاركة فيها والاحتكاك بأصحابها وتنزيل أقصى العقوبات عليهم حتّى يكونوا عبرة لغيرهم». وقد وظف النظام الإشاعة لتخويف الناس من الملتحين، فروّج أخبارًا مفادها أنهم يعدّون لانقلاب عسكري، وأهنّم يدّعون أن كلا من الجيش والبوليس السرّي والإدارة وبعض أجنحة الحزب الحاكم وكذلك الشعب بأكمله يساندهم، وأنهم يخطّطون لأعمال إرهابية، وأنهم اكتشفت لديهم أسلحة. ولم يكن الزجّ بآلاف السياسيين في السجون هو التجاوز الوحيد للسلطة؛ فقد ورد في رواية سنوات البروستاتا ذكر مراسيم عدة تخوّل أفرادًا قلائل احتكار رُخص التنقيب عن النفط، و«تفتح البلاد لكلّ أنواع الصفقات المشبوهة باسم التنمية والتأهيل والعولْمة والاندماج في السوق العالمية»، في حين تدفع مراسيم أخرى لا تستند

إلى أي شرعية صنفًا من الشرطة إلى ترهيب جميع أفراد المجتمع بدعوى الحفاظ على النظام والأمن، أو تجعل كل من ينظم جمعية غير حكومية، أو يكتب مقالا عن التجربة الديمقراطية في السنغال مثلا معاديًا للوطن وخائنًا للبلاد باسم عقيدة القانون والنظام. وبذلك يظهر جليًّا أن الاستبداد لا يعترف بالقوانين ولا بالدستور بل يمارَس في ظلّ حكم شمولي يحتكر جميع السلطات، ويصادر الحريات، ويقمع كلّ تحرّك للمطالبة بالحقوق المشروعة، وخاصة منها حريّة التعبير والتفكير وحرية المعتقد، ويرى في كل انتقاد لتصرّف الحاكم نَيلْا من المصلحة الوطنية، وتعدّيًا سافرًا على أمن الدولة، وإخلالا بالنظام العام، فينجح في إسكات الأصوات. ونجد في الرواية التونسية تصويرًا دقيقًا لتهميش المعارضة وتحويلها إلى بوق دعاية لفائدته، باستثناء بعض الأطراف المتمسّكة بمبادئها وقيمها، فتدفع ثمن إصرارها على المقاومة غاليًا: نفيًا وحَبْسًا وتعذيبًا وحم نًا شتّى. وقام العهد الجديد على شخصيات قليلة انحصر فيها النفوذ بعد التخلّص تدريجيًا ممّن ساهم في الانقلاب على الرئيس الشيخ المسنّ ونظامه المتداعي الآيل للسقوط. وقد بدأت دائرة السلطة تضيق شيئًا فشيئًا إلى أن انحصرت في الرئيس الجديد وزوجته، ومستفيدين من أسرتيهما عاثوا في اقتصاد البلاد فسادًا وسَطوًا على أملاك الشعب وأملاك الدولة.

دائرة النفوذ: شخصيات نامية في رواية سنوات البروستاتا تصوير دقيق لشخصيّة النعمان أبو النّعيم. وقد جاء التصوير موزّعًا على كامل الرواية في شكل أفعال وأقوال وأحوال يمكن اعتمادها لتركيب شخصيّة انطلقت من وضع أولّي في منتهى التواضع، وأخذت ترتقي تدريجيًا سلّم الرقي الاجتماعي إلى أن بلغت قمّته، فتنك رت لأصولها وتحوّلت إلى الفساد والاستبداد. نشأ في أسرة متواضعة ماديًا، وانخرط في الجيش من دون شهادات عليا تخوّله بلوغ رتبة سامية، إلا أن زواجه من ابنة أحد قادة الجيش برتبة جنرال مك نه من الصعود بسرعة، فشارك في دورة تدريبية في فرنسا، وعاد إلى تونس عاقدًا العزم على بلوغ أعلى المراتب. ولم يجد ل لَِفْت الانتباه إليه أحسن من افتعال قضية مؤامرة عسكرية اهتّم فيها مجموعة من الضبّاط بالإعداد لانقلاب عسكري، انتهت بتوريط ما لا يقلّ عن أربعة عشر ضابطًا ساميًا حُكم على بعضهم بالسجن المؤبّد، وعلى بعضهم الآخر بالإعدام. ثمّ عنُيّ سفيرًا إلى فيينا، وسعى هناك إلى لَفْت انتباه الولايات المتحدة إليه في نطاق الاستعداد المبكّر للفوز بأعلى المناصب؛ فعمل على تنظيم أول لقاء بين العرب والإسرائيليين، ولا تهمّ النتائج العملية لهذه المبادرة بقدر ما تهمّ صورته الشخصية في نظر أميركا لعلّها تقترحه يومًا ما بديلا من النظام الحاكم. ولئن لم تُفض مساعيه إلى نتيجة مهمة في مجال الحوار العربي-الإسرائيلي، فإنّه ضمن كسبًا كبيرًا على المستوى الشخصي؛ إذ أوْصل إلى المخابرات الأميركية صورة له مشرقة ومثالية، بالنسبة إلى مرشحيها للسلطة في العالم الثالث عمومًا، وفي البلاد العربية خصوصًا. فقد بدا لها في صورة «عسكري منفتح، يتكلّم الإنكليزية، وخرّيج إحدى الكلّيات العسكرية في أمريكا، ثم هو ينتمي إلى جيل مخضرم وثقافة مخضرمة. فلا هو من جيل المؤسّسين في العالم العربي، ولا هو من جيل الإيديولوجييّن العروبيين، ولا هو من المتطرّفين أو المزايدين. باختصار فإن واشنطن يمكنها أن تضع أيديها في أيدي هذا الرجل لعلّه يلعب ذات يوم دورًا قياديًا في بلاده».

ثم نُقل إلى لندن، فحدّد لنفسه هدفًا آخر هو معرفة النوايا الحقيقية للاتجاهات الإسلامية، المتطرفة منها والمعتدلة، التي وجدت في لندن مكانًا جيّدًا لممارسة نشاطها السرّي ونشاطها العلني، فتغلغل في أوساطها لمعرفتها من الداخل، وخرج بنتيجة لم يتفط ن إليها الأميركيون أنفسهم، وهي أن الحركات الجهادية كانت تستهدف عبر المشاركة في محاربة السوفيات في أفغانستان، بمساندة أميركا، العالم العربي نفسه. لذلك أخذ يرسل إلى بلاده التقارير المحذّرة من الخطر الآتي من أفغانستان. وقد أكّد التاريخ تحليلاته وتوقعاته، فصرنا نرى اليوم قدماء المقاتلين في أفغانستان من السلفية الجهادية ينشرون الرعب ويمارسون العنف في البلدان التي حرّرها «الربيع العربي»، ويحاولون نسف البناء الثقافي والحضاري الذي حقّقته الحداثة طوال نصف قرن، والقضاء على حرية الإبداع وسائر الحريّات الأخرى بدعوى الاعتداء على المقدّسات. وبعد التأكّد من النتيجة التي وصل إليها، أخذ يتصيّد الفرص للعودة إلى بلاده لإنجاز بقية مشروعه الهادف إلى الاستيلاء على السلطة. فسنحت فرصة ثمينة تمثّلت في حرق مجموعة من شباب الاتجاه الإسلامي مقر الحزب الحاكم في باب سويقة وقتل حارسه. فدعاه رئيسه وعيّنه مديرًا للأمن الوطني، ثم وزيرًا للداخلية، ثم وزيرًا أول، فاقترن بذلك مصيره الشخصي بمصير بلاده. وكان نسق الصعود سريعًا جدًّا أسْك ره فطمع في المزيد، وأنس في نفسه القدرة على ذلك، ورأى الحكم في متناوله ثمرة ناضجة آن ق طافُها، خاصّة بعد تهرّؤ سلطة مؤسس الدولة، وتدهور صحّته، وشيخوخته، وسيطرة بعض بطانته عليه. فحاول أن يقنع نفسه ويقنع غيره بأن إطاحة الرئيس الشيخ تمثّل إنقاذًا للبلاد من الفوضى. وتسلّح بالعزيمة، وأقدم، بمساعدة ثلّة من أصدقائه، على تدبير الانقلاب عليه، وإقصائه عن القصر الرئاسي إلى ما يشبه السجن في مسقط رأسه، إذ عزله عن أسرته وأصدقائه ومساعديه. وكان اكتسب ثقة رئيسه منذ أن توىلّ إدارة الأمن الوطني، يوم كلّفه بالنظر في ملفّ المنشقيّن عن حزبه، فعرض عليه جملة من المقترحات بعضها له وبعضها الآخر لإحدى عشيقاته. الأول يتمثّل في التّضييق على حريّتهم ومنعهم من الاتصال بعضهم ببعض حتى حيُْرَموا من التنسيق بينهم، والثاني يقتصر على فتح ملفاتهم المالية والتجاريّة وتسليط سيف الجباية عليهم، والثالث – وهو الأهم - تمكينهم من حزب معارض يُظهر الرئيس في صورة الحاكم الديمقراطي في بلاد العرب، ويكسب بلاده صفة الانفتاح السياسي في العالم الثالث، ويختم مقترحاته محذّرًا: «وعلى أيّة حال، فإن لم نصنع نحن المعارضات، فإنها ستصنع نفسها وعندها تصبح خطيرة». وبالطبع اختار رئيسه المقترح الثالث، ومك ن خصومه السياسيين من حزب معارض لا يمثّل خطورة كبيرة على نظامه. وهذا الدهاء السياسي هو نفسه الذي مك نه من الاستيلاء على السلطة. وما إن تحصّل عليها حتى أخذ يُكثر من الوعود البرّاقة التي سرعان ما يتنكّر لها، مفضّلا مسالك الاستبداد والتفسّخ الأخلاقي في سلوكه اليومي خاصة في ما له صلة بعلاقته بالمرأة. فقد أظهرته الرواية زير نساء، متعط شًا للمتعة، «كان متزوّجًا وله بنات، ثم إلى ذلك كلّه كان معاشرًا للنساء، وقادرًا على خداعهن وابتزازهنّ وكذلك إهمالهن». وفي هذه الظروف تعرّف إلى نجلاء الحلواني، قدّمتها له إحدى عشيقاته، نجلاء الدّمقسي أو فاتن خوجاني أو فاطمة أو مِسز فات، وكلّها أسماء للمرأة عينها التي كانت سيّدة أعمال «دوّخت نصف دزينة من رؤساء العرب »، تتميّز بالمكر والجرأة وقوّة الذاكرة، وقد جعلت النعمان يرسلها في مهمّة خاصة إلى اسطنبول، وقدّمت له صديقتَها

وحذّرته من عواقب التعلّق بها: «أخاف أن هتَيم بها أو هتَيمَ بك.. إذا حدث ذلك فلن تخرج سالم» اً، وهذا توقّع في محلّه؛ إذ منذ تعرّف إليها تغريّ ت حياته وحياة البلاد تغريًّا جذريًا. فقد كانت هي الأخرى متزوجة ولها بنات وعلاقات متعدّدة مع رجال آخرين. وكانت حين تزوّجها في شهرها الثاني، إذ عاشرته قبل الزواج ما لا يقلّ عن خمس سنوات. وما إن أنجبت له ولدًا ذ كَرًا حتى رفعت في سقف طموحاتها وصارت تريد خلافته في رئاسة البلاد. ومنذ تلك اللحظة بدأ العدّ التنازلي. كانت علاقة الرئيس النعمان بشعبه أوّل الأمر قائمة على الوهم؛ إذ جعل أبواقه الدعائية توهم الناس بأن رئيسهم سليل الشعب، وأنه جاء ليعيد إليه ما فقده في عهد سلفه من كرامة وحرية وفرحة الحياة. ولكنه سرعان ما تنكّر له وصار ينظر إليه باحتقار ويقسو عليه بهذه العبارات: " والشعب الذي حكمته بقسوة، كان قد سامّه زعيمه السابق شعبًا من الغبار: لا قبائل ولا طوائف ولا أحزاب ولا أقلّيات ولا حتى مرجعيات ثقافية راديكالية... إسلامهم فولكلور، ولغتهم مدجّنة ومنشطرة، تعاني من الإعياء والجفاف. لذلك فإن تفكيرهم مضطرب وقناعاتهم مهزوزة.. يمكنني القول إنه ليس ثمة شعب في هذه البلاد، بل ثمة مجموع هائل من الأفراد أغلبهم مرضى بالنِّفْرُوز. كلّ واحد منهم يعتقد أنه دولة في حدّ ذاته، لكنه كالطبل الأجوف [...] لقد حكمت بالبطش والقسوة مع أن ذلك لم يكن ضروريًا، ولكنني كنت أقصد ذلك لكي أجعلهم يخافون حتى من نواياهم وتخيلاتهم وأخلاقهم ". أمّا الأصوليّون، فإنه يقرّ بأنهم ليسوا إالّ صناعة بوليسية، صنعهم لما كان مسؤولاًّ عن الأمن في العهد السابق وواصل التنبيه إلى خطورتهم، وهو يعرف جيّدًا أنهم «مساكين، ضحايا.. مجرّد سلالم للصعود إلى السلطة والجاه». لكن بعد عقدين من الحكم، بدأ السأم يدبّ إليه، وبدأ يفقد هيبته، خاصة بعد أن طلبت منه زوجته أن يتخىلّ لها عن الرئاسة. ولحثّه على ترشيحها ومساندتها، روّجت بين الناس أنّه مريض جدًّا، وأن سرطان البروستاتا صار يهدّد حياته، فغضب غضبًا شديدًا أول الأمر، وفك ر في التصالح مع شعبه بعد أن أقرّ بعدم فهمه لطموحاته في الحريّة والكرامة والشغل. ولكن هذا التردّد لم يدم طويلا، إذ سرعان ما بادر رئيس المخابرات إلى تسميمه، في تواطؤ من عشيقته كبيرة الخدم. وهذا يجرّنا إلى ضبط ملامح شخصية السيدة الأولى لفهم كلّ هذا التردّد والتمزّق في مواقف النعمان. إنها هي أيضًا سليلة أسرة متواضعة، أحبت أن تنتقم لما عاشته من حاجة في طفولتها وشبابها، وأن تتسلّق درجات السلّم الاجتماعي بسرعة. ولم تجد أحسن من إغواء الرئيس النعمان نفسه رغم ما اشتهر به من تفسّخ أخلاقي. وما إن حققت غايتها تلك حتّى شرعت في جمع ثروة طائلة وتهريب الأموال وتبييضها، مشجعة إخوتها الكثيرين على نهب مال الشعب بشتّى الوسائل، مستغلّة سلطة زوجها، وصارت شيئًا فشيئًا تتحك م في إرادته وتوجّه سياسته وتتدخَل في شؤون الدولة، وتوعز إليه تعيين أتباعها على رأس مسؤوليات كبرى، وعزل من لا يجاري طموحاتها. وما طموحها غير الحصول على الرئاسة نفسها. وقد نشأت فكرة الترشيح لرئاسة البلاد يوم قرأت مقالا عن السلطة في البلاد العربية أكّد فيه صاحبه على خلوّها من العنصر النسائي، فأحبت أن تكون أول

رئيسة لدولة عربية في العصر الحديث، وبدأت تخط ط وتناور وتشكّل لنفسها صورة مشرقة يقبلها الجميع في ظنّها. فأحاطت نفسها ببطانة تشير عليها بالإشراف على مشاريع اجتماعيّة وخيريّة، فصارت تدشن في مطلع كل سنة هجرية مسجدًا جديدًا، وشك ل ذلك البرنامج ردًا منيعًا وحصينًا على التّيارات الإسلامية المتطرّفة، وجعل من الرئيس المتّهم بالزندقة ومعاداة الإسلام رئيسًا مؤمنًا في عين شعبه، فيما جعل من السيدة الأولى سيدة ملتزمة بدينها بعد أن كانت مُتّهمة بالتسيّب والفساد الأخلاقي». ثم أخذت شيئًا فشيئًا «تكشف للآخرين عن طموحاتها الرئاسيّة»، فأشاعت أن الرئيس أنهكه سرطان البروستاتا، وأنه لابدّ من التفكير في سدّ الشغور، وهو ما أثار غضبه، خاصة بعد تراجع المرض وشعوره بالمقدرة على الترشح لولاية إضافية، وتحوير الدستور حتّى يصير مطابقًا لطموحاته. إلا أن هذا كله لم يفلّ من عزمها، بل شرعت تستعرض مختلف منافسيها على الرئاسة، وتسعى إلى تحييدهم جميعًا حتى تبقى المرشحة الوحيدة. وهؤلاء لا يخرجون عن دائرة أقارب زوجها: صهره وابن أخته وابن أخيه، وهم أحبّ الناس إليه. ورغم ذلك تمك نت من إقناعه بالتخيلّ عنهم جميعًا والتخيلّ أيضًا عن السلطة لفائدتها، فاعترف بذلك قائلا: «إنّني مُرْغَم على ترك الحكم لزوجتي. فأنا علاوة على حبّي الكبير لها والذي لا ينضب أبدًا، ليس لديّ ابن قادر على خلافتي، كما ليس أمامي من يستحق هذا المنصب من بعدي أو من يحْفظ كرامتي في ما تبقّى من حياتي». وازداد الرئيس اقتناعًا بقراره هذا يوم محَلت زوجته بابن ذكَر عن طريق الأنابيب والإخصاب الاصطناعي، فأحبّ أن يردّ هديّتها بإهدائها العرشَ نفسه. وقد توقّع أن يرحّب الغرب بنقل السلطة طواعية إلى امرأة، وهو ما لم يحدث قط في التاريخ العربي المعاصر، فتكفّل بوضع السيناريو الآتي: «حالما تلد نجلاء، يُفْتتَح مؤتمر استثنائي للحزب الحاكم، فيقع ترشيحها بالإجماع. بعد ذلك تُشَك ل حكومة تعمل بالتنسيق مع نجلاء حتى فترة الدخول في الانتخابات. وقبل الانتخابات بقليل يعلن النعمان عن انسحابه من الحكم بسبب تعاظم المرض، فيفسح المجال لانتخابات أكثر نزاهة من كلّ الانتخابات السابقة. يدخل منافسون متفق عليهم إلى حلبة المنافسة مع نجلاء أي أم النعيم، مرشحة الحزب الحاكم وزوجة الرئيس المتخيلّ. ستفوز بالأغلبية وتصعد إلى الخلافة بنسبة لا تزيد عن 70 % حتى لا تصبح منذ أول يوم لحكمها مثار هزل ونكات وتشنيعات». ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان؛ إذ عَمد رئيس مخابراته سلمان عبد العظيم إلى تسميمه بمساعدة عشيقته كبيرة الخدم التي حتَظى بثقته وثقة زوجته، واستولى على السلطة وجعل من هذه العشيقة السيدة الأولى. وهذا بالطبع مخالف للواقع، ولكن الرواية ليست مطال بة بنقل الواقع، خاصة أنها كُتبت – في ما يبدو – قبل الثورة. لذلك عمد الكاتب إلى نهاية يراها ملائمة لمنطق الحوادث كما يعيه. ولعلّه لم يتصوّر أن أغلبية الشعب الصامتة كانت على حافة الانفجار نتيجة الاختناق الذي أصابها بسبب الاستبداد وتكميم الأفواه سنوات طويلة. لذلك فاجأت الثورة الجميع في الداخل والخارج. لهذا السبب استبعدنا نظريّة الانعكاس، وفك رنا في الجدلية القائمة بين البنية الاقتصادية والاجتماعية والبنية الروائية المتولّدة عنها في نظريّة لوكاتش وغولدمان.

جدلية البُنى

لو نظرنا في الوقائع والشخصيات التي انبنت عليها الروايات المعتمدة نظرة تأليفية لظهر لنا واقع الحوادث متفكّكًا بل متشظيًا لا يحكمه منطق تاريخي تنتظم بمقتضاه الحركة الدرامية. وقد أربكت العولمة المجتمعات النامية، كما أربكت اقتصادها وأنشأت فئات انتهازية سياسيًا وتجاريًا، وكادت تنسف خصوصية المنظومة الثقافية والقيمية والحضارية. ومن ناحية أخرى، فإن تعقّد الحياة في المدينة العربية وما يتصف به معمارها من تنوّع وخلط بين الأساليب المعماريّة يفتقران إلى الانسجام والتناغم، قد تول د عنهما نسيج روائي متعدّد العناصر يجمع – كالمدينة – بين التراثي والحديث، تمثّل سَداه لغة هي نفسها مزيج من سجلات لغوية مختلفة فيها تجميع لمعاجم وأساليب متنوعة قد يفضي تحليلها إلى بيان مدى التناسق والتناغم بينها. وقد رأينا أن نقتصر على الخصائص البنيوية المشتركة بين الروايات الخمس، التي لها علاقة جدلية بخصائص البناء المجتمعي في الفترة نفسها تقريبًا، وهي فترة التحوّل من نظام استبدادي غاشم كان لابدّ من نسفه واستبداله بآخر يحترم حريّة الفرد وكرامته. فللبناء الروائي علاقة متينة بطبيعة الزمان ومدى التصرّف في سريْ ه الأفقي؛ ففضلا عامّ يميّزه من استباق واسترجاع، فإن من شأن تردّده بين الواقعي والتّخييلي أن يحوّل وجهته على نحو جذري، ويدخل ارتباكًا يظهر بوضوح في تقط عه وتشظّيه. وقد صار من النادر وجود كاتب روائي لا يعمد إلى كرسْ خطّية الزمن التي كانت تميّز الرواية التاريخية والرواية الواقعية والرواية الرومنسية، وبصفة عامة جميع الروايات التقليدية المطمئنّة والملتزمة بمنطق زمني واحد لا حتَيد عنه. فرواية سنوات البروستاتا مثلا تنطلق في فصلها الأول من مكان غريب متخّيل هو «المنطقة الوسطى بين الجنّة والنار»، كما يسمّيها الراوي، وهو يقصد البرزخ، ويسمّيه أحيانًا «حديقة التوبة» وأحيانًا أخرى «الم طْهرة»، وهوَ تعريب حرفيّللكلمة الفرنسية purgatoire. وهذا المكان هو مكان مفضّل لكل سرد تخييلي يتعلّق بما بعد الموت وما يصحبه من بعث، نجده في رسالة الغفران لأبي العلاء المعرّي، ومن قبلها في رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد الأندلسي، ثم في الكوميديا الإلهية لدانتي. معنى ذلك أن الرواية تبدأ بعد موت جميع الشخصيات والتقائها في مكان آخر وزمان آخر، تتذكّر فيهما ما حدث لها في الحياة الدنيا. وبذلك تخترق الرواية المكان والزمان معًا وتحلّق في زمن أسطوري عجيب ومكان مجرّد من جميع النعوت والأوصاف. فالرواية بأكملها تقوم على التذكّر واسترجاع حياة الشخصيات في الدنيا، وإن تطوّر حوادثها على لسان اللاحقين يُعتبر مكملّا لما جاء على لسان السابقين ولسان حالهم يقول: «أنتم السابقون ونحن اللاحقون». وفي الفصل الأخير نعود إلى البرزخ من جديد فتكتمل الدائرة، ويكون العود على بدء مذكّرًا بمكان السرد المختلف عن مكان الحدث. وتستهل روايةتراتيل لترحالها لرشيدة الشارني من نهايتها المتمثّلة في موت الأمّ خضراء والبحث عن مكان مناسب لدفنها في مقبرة الزلاّج. وهي تظهر في هذه النقطة الزمنية وهذا المكان بالذات، نكرة لا نعرف شيئًا لا عن حياتها، ولا عن شخصيتها، ولا حتى عن سبب وفاتها. وتبدأ مع هذا الحادث الختامي والافتتاحي في الوقت نفسه ملامح شخصيات أخرى في الظهور: زوجها الأرمل وشدّة إعجابه بشخصيّتها وحزنه على فراقها، وابنتها دنيا وشدّة تعلّقها بها، وأبناء آخرون وبنات أخريات نعرف في ما بعد أهنّم عديدون، ويُبنى كامل الرواية تقريبًا على جملة من الاسترجاعات تبنيّ علاقة كلّ منهم بها وموقفها البطولي من محنهم وما عانوه من تسلّط واستبداد وبطالة وتهميش، وما نتج من ذلك كله من ردود فعل نضالية تتّخذ أحيانًا طابعًا عنيفًا، وتترجَم أحيانًا أخرى في صورة نشاط سرّي وانتماء إلى بعض الحركات الرافضة لأوضاع التعسّف والظلم. وفي كلّ مرة تنكشف ملامح جديدة لإحدى الشخصيات أو تفاصيل جديدة لبعض الحوادث، أو لَبنَة جديدة في بناء معمار الروايةِ.

وقد ينطلق أحد الرواة من الزمن الحاضر ويعود بالتدريج إلى ماض بعيد، فيوضح ظروف زواج خضراء، أو إلى ماضٍ أبعد، فيذكّر بنزوح قومها من الرّيف وتجذّر معاناتهم منذ عهد الاستعمار، فيسير الزمان على هذا النسق من المراوحة بين الراهن والماضي بمختلف مستوياته، من القريب إلى البعيد إلى الأبعد، وبالطبع يتغريّ تبعًا لذلك فضاء الحوادث، وتكون المراوحة بين البادية والريف والمدينة موازية للمراوحة بين مختلف النّقط الزمنية. وتكون لهذه المراوحة المزدوجة وظيفة أساسية تتمثّل في تسليط أضواء مفرسّة لأحداث الحاضر. وما كان الراهن يبدو معقولا من دون هذه الأضواء الكاشفة لحقيقته في وعي المرسِل والمتقبّل على حدّ سواء. وبذلك تبدو بنية الرواية متماسكة رغم تشظّي أزمنتها وعدم تسلسل حوادثها، إذ يحكمها منطق داخلي هو الذي يُكسبها دلالتها وينتج معناها، ويثبت بما لا يدع مجالا للشكِّ العلاقةَ الجدليةَ بين أوضاع اجتماعية متفجّرة وبنية روائية ظاهرها التشظّي وباطنها التناسق والتناغم. وما استشراف المستقبل الذي نجده في بعض مواطن الرواية إلاّ سليل هذا المنطق الداخلي. وقد حصل ذلك في نطاق وجود أزمنة ثلاثة متضافرة بصورة عجيبة عن طريق الذاكرة وما تختزنه من مشاعر وأفكار وحوادث؛ فدنيا كانت داخل سجنها في أحد أقبية وزارة الداخلية، تعاني تبعات انتهازية أحد زملائها القدامى في الجامعة ومعاقبته لها لأنها تجرأت على «مقامه السامي»، فتذكّرت عمّها الذي مرّ بمحنة مماثلة في فترة تاريخية سابقة، ووجدت شبهًا كبيرًا بين موقفها من السلطة وموقفه الرافض، فتخيّلته يبرشّ ها بمستقبل مغاير ينهار فيه جدار الخوف وتسوده الحرية: «الحريّة ستجعل منك كائنًا حقيقيًا جديرًا بالبقاء. سيرتدّ الخوف ذات يوم، ولن تعود آراؤنا أسرارًا، وستُول د الكلمات قويّة وهادرة على شفاه الأحرار، وستمحو الحقيقة الزّور والظلم والبهتان كما يمحو ضوء النهار ظلام الليل». أمّا رواية أبناء السحابلمحمد الجبالي، فإهنّا تبدأ من منتصف الحكاية تقريبًا، حيث يمثّل الحادث المروي في الفصل الأول لغزًا كان على بقيّة الفصول حلّه تدريجيًا ثم مواصلة ما حدث بعده من وقائع متناسلة منه. وبقدر ما كان نسق الأحداث بطيئًا في البداية، كان التسّريع كبيرًا في النهاية بلغ حدّ الاكتظاظ والكثافة. وممّا زاد النسق بطئًا في أغلب مراحل الحكي، ازدواجيةُ الفصول الظاهرة في رواية الحادث وإتباعه بصداه المأخوذ من الأمثال الشعبية. فما إن ينتهي الفصل ويبدأ الصدى حتى تتوقف الحركة الدرامية وتتعط ل لتفسح المجال لتعليقات من التراث الشعبي، تنير الحادث لا محالة ولكن بعد أن تضع له حدًّا في صورة ثابتة، على الطريقة السينمائية. بداية السرد امرأة طموح تسعى إلى الترشح لعضوية البرلمان ممثِّلة للحزب الذي تنتمي إليه، ونهايته تفك ك أسرة متكوّنة من الأب والأم والابن والبنت، حتى لكأن الرواية كُتبت لبلورة هذه الجدلية بين الانتهازية والتفك. ك وما بين البداية والنهاية عودة إلى بدايات أخرى، وتاليًا إلى أزمنة أخرى سابقة ولاحقة، مسترجِعة ومستشرِفة، مفرسِّة ومُعلِّقة، ولكنها تصبّ جميعها في حكاية واحدة لا فصل فيها بين مصير الأسرة، وهي أصغر خليّة اجتماعية، ومصير البلاد بأكملها، وهي جماع الخلايا الاجتماعية والأسر الفكرية والتيارات الثقافية وغيرها، تقدّم متضافرة ومتزامنة أحيانًا، أو متتابعة أحيانًا أخرى في غير نظام السرد ومنطقه الداخلي، وبُناه السّطحية والعميقة الخاضعة لإيقاع الزمن المتشظّي المتفكّك والمتولّد عن تشظّي المجتمع وتفكّك الأسرة وفوضى الأنساق الاقتصادية، وطغيان العولمة السائدة والسيّدة. بداية السرد زوجة تنفصل عن زوجها وتبني شخصيّتها بمعزل عن أفكار طليقها المثقف اليساري الحرّ. ونهايته أمّ موزّعة بين السجن، حيث يقبع ابنها المتّهم بالاعتداء على ابن

جاره وبالانتماء إلى تيّار سلفيّ، ومستشفى الأمراض العصبية، حيث يقيم طليقها بعد تعنيف جاره الوصولي له، والمصحّة التي تعالَج فيها ابنتها من انهيار خطِر بسبب إدمانها المخدرات. وما بين هذه البداية وتلك النهاية يسيل الزمن أفقيًا ومتقطّعًا بحسب الحاجة إلى بلورة الحدث وما يقترن به من دلالة. إلا أن بنية الزمان تستعيد منطقها وإيقاعها المنتظم في رواية روائح المدينة لحسين الواد. وقد نعتها أحد النقاد ب «لوحة جداريّة» (Fresque)، وهو أصحّ ما يمكن أن توصف به هذه «الرواية» المتمرّدة على الرواية. أضاف الناقد: «تصوَرَّ [واضعها] سيرة مدينة على مرّ العصور [...]، ورصدَ مثل عاملِ اجتماع التحولّات الاجتماعية والسياسية والثقافية لدى فئة من البشر، أو عالم إناسة (أنثروبولوجيا) يبحث في أعراق وعادات ومعتقدات تخصّ أهالي مدينة ولا كل المدن». فالغاية التسجيلية إذن تطغى على الغاية الإنشائية، ورصد التحولّات يُقدَّم على الفنّ الروائي نفسه. لذلك جاء الزمان خط يًّا لا كسر فيه لأفقيّته. ولما كان هذا النص المطوّل نسبيًا (363 ص) قريبًا من فنّ الرسم التشكيلي، إذ شُبّه بالجداريّة، فإنه يخضع لمنطق زمني مختلف يواكب أسلوب الرسم ولكن ليس الرسم التجريدي أو التكعيبي أو الانطباعي، بل هو أقرب إلى فنّ النقش كما نجده في الزخرفة الأندلسية والمغربية، التي يتكرّر فيها على سقوف البيوت والقصور والمساجد الشكل أو «الموتيف» نفسه والتّوْريقة نفسها. فقد قسّم النصّ إلى ستّة عشر فصلا مرقّمة وغير معنونة، يتغير المكان فيها بتغريّ الموضوع في كلّ منها داخل المدينة الواحدة، فنتحوّل من موضع إلى آخر، من الجامع القديم إلى معاصر الزيتون، إلى الأسواق، إلى الماخور، إلى حوانيت الأسل والحلفاء، إلى أفران الفخار والآجرّ، إلى الحامّم، إلى حارة اليهود، إلى السبخة، أو إلى عقول الرجال وروائح النساء. وفي كلّ فصل تتغريّ الروائح ولكن الزمن يسير حسب التقطيع ذاته، من عهد الاستعمار، إلى عهد الاستقلال والسيادة، إلى العهد الجديد، فلا يتقدّم الزمن ولا الحوادث، ولا تتطوّر الشخصيّات، إذ يَظهر أغلبها مرّة واحدة ثم يختفي، تاركًا المكان لوجوه أخرى ومواقف أخرى. وبقدر كثرة الأوصاف والتفاصيل، تكون قلّة الحوارات والتواصل بين الشخصيات. ولعلّ لهذه الأسباب لم يثبت الكاتب ولا الناشر ولا صاحب سلسلة «عيون المعاصرة» لفظة «رواية» لا على الغلاف ولا بين دفتيه. لذلك وجد مقدِّمُها صلاح الدين الشريف صلة قربي بين هذا الكتاب وفنّ المقامة، فجعل لمقدّمته هذا العنوان الطريف الرّوض الفاوح في مقامات الروائح، على غرار عنوان كتاب النفزاوي الشهير نزهة الخاطر في الروض العاطر. قال: «هي ستّ عشرة مقامة تزيّت في رواية، وفي كلّ مقامة رحيلُ رَاوٍ أمامَه مرآتُه المقعّرة المُحْدَوْدبَة، يقصّ ما تراه في شاشتها المشوّهة ممّا لا يقوله المؤرّخ الحزين، بصوته الرصين، حينا بعد حين، وصمته الموشّى بنغمة الحنين، إلى الطلل النديّ من وهمه الجنينَ». فها هو المقدّم يتلافى ما فات الرواية/ المقامة من سجع فيصنعه في نثره. والحقّ أن تشبيه فصول الكتاب بمجموع مقامات لا يستقيم إلا في عنصر الزمن. فكلّ كتاب من كتب بديع الزمان الهمذاني والحريري وابن الأشرْتَْكُوّي الأندلسي يتضمن خمسين مقامة ليس بينها ذلك التسلسل الزمني الذي نجده في الرواية أو السيرة أو حتى الحكاية الخرافية، بل الزمان فيها دائام عوْد على بدء، يتغريّ المكان وتتغريّ بعض الشخصيات ويتغريّ الموضوع ولكن يبقى الزمان على حاله، يُستأنف

باستمرار وكأنّه توقّف في نهاية كل مقامة. فهو زمن فسيفسائي متقطّع لا تواصل فيه؛ هو مجموع وحدات مستقلّ بعضها عن بعض تمثّل كلّ وحدة منها فترة محدّدة (des instants)، خالية من المدى (durée) حسب تمييز لوي ماسينيون. و روائح المدينة، كالمقامات، سلسلة من الفقرات لا تؤثث كلّ منها بإحدى مغامرات أبي الفتح الإسكندري أو أبي زيد السروجي أو أبي حبيب السَّدوسي يرويها عيسى بن هشام أو الحارث بن همّام أو السّائب بن تمّام، بل يؤثّثها تأريخ الروائح العطرة أو الكريهة وتطوّرها من عهد إلى عهد في الفصل عينه. وهذا نوع من التمرّد على الرواية التقليديّة يقربّها من تأريخ المدن، ولكن في لهجة ساخرة غير موضوعية بالطبع، وتنمّ عن موقف الرواة من الحوادث. أمّا بخصوص النسيج النصيّ نفسه، فإن تفجير الشكل الروائي والتمرّد على مقوّماته التقليديّة لم يقتصرا على تفجير المسار الزمني وعلى تشظية الحوادث، بل طاول تشكيل النسيج النصيّ نفسه. وليس المقصود هنا التعدّد اللغوي واختلاف مستويات التلفّظ فقط، بل الأمر يتعلق أيضًا بطبيعة النصوص الموجودة في الرواية الواحدة. فكأنّ الرؤيا اتّسعت فضاقت العبارة وصارت تحتاج إلى التنوّع، وكأن النثر وحده صار عاجزًا عن التعبير عن مختلف الرؤى والصور، فاستعان كتّاب الرواية بالأشعار يضمّنونها نصوصهم الروائية، وبالأغاني يوظ فونها للإيحاء ولتأطير الحوادث، وبالأحاجي والأمثال الشعبيّة والخرافات، يجعلونها على ألسنة الرواة والشخصيات على حدّ سواء. وهذا أمر مشترك بين مختلف كتّاب الرواية في تونس -خاصة منهم أصحاب مدوّنة هذا البحث- صار يقترب من الظاهرة. ولا تخفى علاقة هذا التنوّع في بنية النسيج الروائي ببنية النسيج المجتمعي القائم بدوره على التنوّع والاختلاف وتعدّد الفئات الاجتماعية، والموارد الاقتصادية، وتعقّد الحياة في المدينة وحتى في الأرياف. ولا يمكن أن نقطع من الآن بدلالة هذه الظاهرة على تعدّد الأصوات لأن ذلك يقتضي دراسة مستفيضة للّغة والحوار لا يتّسع لهما هذا المقال المركّز على التحولّات السياسية، وما انجرّ عنها من تحولّات اجتماعية واقتصادية. ولعلّنا نخصّص لها دراسة مُفردة نركّزها على مختلف أساليب وعي الراهن واستشراف الآتي.

المراجع

العربية

ثابت، محمد رشيد. التجريب وفنّ القصّ في الأدب العربي الحديث في السبعينات والثمانينات. تونس: كلّية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة وابن زيدون للنشر،.2005

الجابيلّ، محمد. أبناء السحاب. تونس: مطبعة فنّ الطباعة،.2010

الخبو، محمّد. مداخل إلى الخطاب الإحالي في الرواية. صفاقس: مكتبة علاء الدين،.2006

سعيد. الصافي، سنوات البروستاتا. بيروت؛ تونس: عرابيا للإعلام المتعدّد،.2011

الشارني، رشيدة. تراتيل لآلامها. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2011

العمامي، محمد نجيب. بحوث في السرد العربي. صفاقس: مكتبة علاء الدين،.2005

العيّادي، أبو بكر. « روائح المدينة: رحيل في معالم المكان والزمان». قصص: العدد 156، نيسان/أبريل - حزيران/يونيو.2011

القاضي، محمّد. في حواريّة الرواية: دراسة في الرواية التّونسية. تونس: دار سحر للنشر،.2005

القاضي، محمّد [وآخرون.] معجم السرديّات. تونس: الرابطة الدولية للناشرين المستقليّن،.2010

المشهد الروائي العربي، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2008

محفوظ، عبد اللطيف. آليات إنتاج النصّ الروائي. الدار البيضاء: منشورات القلم المغربي،.2006

الواد، حسين. روائح المدينة. تونس: دار الجنوب للنشر، سلسلة عيون المعاصرة،.2010

الأجنبية