العودة إلى تفاصيل المؤلَّف تحوّلات الرواية السودانية في التسعينيات وما بعدها

تحوّلات الرواية السودانية في التسعينيات وما بعدها

The Transformations of the Sudanese Novel in the 1990s and Beyond

هاشم ميرغني

Hashim Mirghani

الملخّص

تحاول هذه الدراسة الإمساك بالملامح العامة لمشهد الرواية السودانية في التسعينيات وما بعدها. وقد استُهلّت بعرض مكثف للمسار التاريخي لهذه الرواية التي بدأت في أربعينيات القرن الماضي، ومازالت، إذا ما استثنينا أعمالًا قليلة، قارّة مجهولة بالنسبة إلى القارئ العربي.وحاولت الدراسة تحديد بعض المحاور العامة التي رأت أنه من الممكن أن تشير إلى خصوبة هذا المشهد وحدّة جدله مع الواقع التسعيني، الذي ازداد تأزمًا بقيام انقلاب حزيران/ يونيو 1989 الذي ما زال قائمًا إلى الآن. ومن هذه المحاور التي تسِم رواية ما بعد التسعينيات السودانية: استثمار مختلف تقنيات السرد الروائي في تنبه عميق لخصوصية هذا الجنس السردي؛ بروز السيرة الذاتية كواقع ملامس يتسع للمتخيّل وينهل الروائي منه ويستعير بعض تقنياته، كالإحالة إلى وقائع حقيقية؛ جدل الاشتباك مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي؛ اللجوء إلى التاريخ كاستعارة كبرى يفجّر الروائي من خلالها أسئلة الراهن؛ اتخاذ المحلي معبرًا للكوني؛ الاشتغال على المهمَّش والمستبعَد والمكبوت؛ كتابة الجسد؛ بروز ظاهرة الكتابة النسائية على ما طفحت به من إشكالات؛ شعرنة السرد، وغير ذلك من ملامح الرواية السودانية في ما بعد التسعينيات .

Abstract

Among the themes characteristic of the post 1990s Sudanese novel are: the use of many narrative techniques with a deep awareness of the features of this narrative genre; the prominence of autobiography as a felt reality that is expanded in the imagination with the novelist borrowing some of its techniques such as the shift to factual events; the dialectic of the clash with social and economic reality; the resort to history as a metaphor for opening up the questions of the present; the use of the local as microcosm; a preoccupation with the marginal, excluded, and suppressed; writing the body; the highlighting by feminist writing of certain issues; poetization of narrative; and other features.

الكلمات المفتاحية:
  • اللغة والهوية
  • تحولات النص
  • الكتابة
  • الفُصحى
  • الحداثة
Keywords:
  • Sudanese novel
  • Narrative Genre
  • Feminist Writing
  • Narrative

تحاول هذه الدراسة الإمساك بالملامح العامة لمشهد الرواية السودانية في التسعينيات وما بعدها.

وقد استُهلّت بعرض مكثف للمسار التاريخي لهذه الرواية التي بدأت في أربعينيات القرن الماضي،

ومازالت، إذا ما استثنينا أعمالا قليلة، قارّة مجهولة بالنسبة إلى القارئ العربي. حاولت الدراسة تحديد بعض المحاور العامة التي رأت أن من الممكن أن تشير إلى خصوبة هذه

المشهد وحدّة جدله مع الواقع التسعيني، الذي ازداد تأزمًا بقيام انقلاب حزيران/ يونيو 1989

الذي ما زال قائما إلى الآن. ومن هذه المحاور التي تسِم رواية ما بعد التسعينيات السودانية:

استثمار مختلف تقنيات السرد الروائي في تنبه عميق لخصوصية هذا الجنس السردي؛ بروز السيرة

الذاتية كواقع ملامس يتسع للمتخيّل وينهل الروائي منه ويستعير بعض تقنياته، كالإحالة إلى

وقائع حقيقية؛ جدل الاشتباك مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي؛ اللجوء إلى التاريخ كاستعارة

كبرى يفجّر الروائي من خلالها أسئلة الراهن؛ اتخاذ المحلي معبرًا للكوني؛ الاشتغال على المهمَّش

والمستبعَد والمكبوت؛ كتابة الجسد؛ بروز ظاهرة الكتابة النسائية على ما طفحت به من إشكالات؛

شعرنة السرد، وغير ذلك من ملامح الرواية السودانية في ما بعد التسعينيات.

مقدمة

تعي هذه الدراسة، وهي تخطو بحذر تجاه تيه موضوعها، أمرين أساسيين: الأول، عسر - إن لم يكن استحالة - الإحاطة بخصوبة مشهد رواية التسعينيات وما بعدها، بغنى

مساراتها وتعدّد فتوحاتها وأطروحاتها. لذا لن تنجو الدراسة من نزعة بانورامية تجاهد للإمساك بالملامح العامة

لهذا المشهد الروائي الذي يمتد ما يزيد على عقدين من الزمان. الثاني، كونها موجَّهة أساسًا إلى القارئ العربي الذي ما زالت الرواية السودانية - إذا ما استثنينا أعمال الطيب

صالح (2009-1929) - قارّة مجهولة بالنسبة إليه. لذا من المهم الإشارة - ولو بشكل مكثف - إلى المسار

التاريخي لهذه الرواية التي ظلت تعاني، منذ نشأتها في أربعينيات القرن الماضي حتى اللحظة الحاضرة، آثار تجاهل

مرير في محيطها العربي، ومازال مسارها التاريخي واجتراحاتها الجمالية وفتوحاتها الإبداعية مبنية للمجهول عند

القارئ العربي، الذي يختزل إبداع أمّة بأسرها في فرد هو الطيب صالح. لهذا السبب، تُستهل هذه الورقة بعرض

موجز لمسار الرواية السودانية التاريخي، رغم صعوبة تحديد هذا المسار لجملة أسباب، من بينها أن هناك فاصلا

زمنيًا بين تاريخ كتابة الرواية وتاريخ نشرها، نسبة إلى إشكالات النشر المعقَّدة في السودان، وافتقار الكاتب

السوداني إلى طريق ممهّد لنشر إنتاجه. هكذا، نجد أن الرواية ربما تقبع عند صاحبها أعوامًا قبل أن تجد طريقها

إلى القراء، وآية ذلك أن أغلب الباحثين درج على اعتبار رواية إنهم بشر للرائد خليل عبد الله الحاج الرواية

السادسة في تاريخ الروايات السودانية، باعتبار تاريخ صدورها، وهو عام 1960، في حين أن هذه الرواية كُتبت

- بشهادة صاحبها - عام 1954، ولم يستطع نشرها إلا عام 1960، حينما وجد طريقة لنشرها في القاهرة.

وبذا، فهي ثانية الروايات السودانية ريادة، بالتزامن مع رواية هائم على الأرضللأديب بدوي عبد القادر خليل

الصادرة عام 1954، ما لم تكن الأخيرة قد كُتبت قبل ذلك بأعوام، بل إننا نرجح أن تكون رواية تاجوج، لعثمان

هاشم، وهي أول رواية سودانية، قد كُتبت قبل أعوام أيضًا من التاريخ المتداول، وهو عام.1948 سبب آخر يحول دون هذا التتبّع الدقيق لمسار الرواية السودانية هو ذلك التقليد «الحميد» الذي يتّبعه بعض دور

النشر، وهو إهمال ذكر تاريخ النشر في صدر منشوراتها، فنجد أن عددًا من الروايات صدر من دون تاريخ نشر،

مثل روايات الاختيار للسر محمد طه؛ عدالة السماء لدرر أو سميرة مصطفى؛ الابتسامة الأخيرة لجعفر نصر؛

بركة الشيخلمصطفى إبراهيم؛ الاختيار لزينب بليل؛ أماديرا لأميمة عبد الله؛ الخطوة الأولى ليوسف العطا، وهو

ما يصعّب من عملية وضع هذه الروايات في سياقها التاريخي، أو إعداد بيبلوغرافيا دقيقة للرواية السودانية. أضف إلى ذلك أن كثيرًا من الروايات السودانية الرائدة التي صدرت في الخمسينيات أو الستينيات يُعَد في حكم

المفقود، ومن الصعب العثور على تلك الروايات حتى في دار الوثائق السودانية أو في المكتبات العامة، ولا مفر

من بذل جهد كبير للحصول عليها من بعض المكتبات الفردية، بل إن متابعة الروايات الحديثة تُعَد أمرًا شاقًا

ومكلفًا للباحث، إذ ما من مكتبة عامة تلملم شتات هذه الروايات، وتيرسّ سبل الحصول عليها.

المسار التاريخي

في الرواية السودانية الأولى صدورًا، تاجوج، استثمر الأديب عثمان هاشم قصة «تاجوج والمحلق»، وهي قصة

غرام شعبية شهيرة جرت حوادثها في شرق السودان، وامتزج فيها الحب بالبطولة، وجموح العاطفة بالتقاليد

القبلية. كما استثمر فيها تقاليد الميراث العاطفي: حبكة عقدة الفراق بين العاشقين، والنهاية المأساوية، والمفردات

الملتهبة للقاموس الرومنسي، وغيرها، في بداية مشابهة لبدايات الرواية العربية عمومًا، مثلما نجد في رواية زينب

(1914) لمحمد حسين هيكل (1956-1888) التي يؤرخ بها بعضهم لفجر الرواية العربية، لتتّبع بعد ذلك

مسارًا واقعيًّا ذا علاقة وثيقة بجدل المجتمع الصاعد، كما نجد عند خليل عبدالله الحاج مثلا في إنهم بشر، وأبي

بكر خالد في بداية الربيع (1958) و (1966)، وملكة الدار في النبع المر الفراغ العريض، التي اتسعت لمناقشة

قضايا المرأة وطبيعة نظرة المجتمع إليها في ذلك الوقت والدفاع عن حقها في العمل واختيار الزوج، في بداية

ناضجة للكتابة النسوية التي ستونع ثمارها في ما بعد على يد روائيات أمثال ليلى أبو العلا وبثينة خضر وزينب

بليل وأميمة عبد الله.

وقد ازداد هذا التيار غنى وتنوعًا بأعمال مثلعرس الزين (1962) وموسم الهجرة إلى الشمال (1966) للطيب

صالح، والنبع المر لأبي بكر خالد، وحدث في قرية (1969) لإبراهيم إسحق، وهي الأعمال التي أحدثت قفزة

نوعية كبرى من رومنسية الخمسينيات كروايات هائم على الأرض (1954) لبدري عبد القادر خليل، وأبراج

الحمام (1958) لفؤاد عبد العظيم، وحتى تعود لشاكر علي، وغيرها، وإن ظلت رومنسية الخمسينيات هذه

تناوش المسار الواقعي للرواية الستينية، كما يتضح من روايات -بل من عناوين- مثل من أجل ليلى)1960(

للسر حسن فضل، ولقاء عند الغروب (1963) لأمين محمد زين، وسخرية الأقدار (1967) لمحمد مختار

محمد، وصراع (1968) لعبد الفتاح خضر، ودغدغة الأمل (1968) لحسن أمين، وغيرها.

تحولّات صوب الواقعية

أما حقبة السبعينيات، فقد شهدت بروز عدد من الأسماء، ابتداء من الطيب صالح الذي رسّخ لبنات مشروعه

الروائي، فأصدر موسم الهجرة إلى الشمالفي طبعة واسعة عام 1971، ثم بندر شاهبجزأيه: ضو البيت)1971(

ومريود (1976)، وإبراهيم إسحق الذي أصدر أعمال الليل والبلدة (1971) ومهرجان المدرسة القديمة

(1976). كما أصدر أبو بكر خالد القفز فوق حائط قصير (1976)، وأصدر عمر الحميدي جزيرة العوض

التي وصفها جمال محمد أحمد بأنها «رواية السبعينيات في العربية.» شهدت هذه الحقبة شحوب الرومنسية، وأضحت الواقعية بتياراتها الكثيرة سيدة الموقف، وأصبح لافتًا تنبّه

الروائيين العميق لخصوصية الرواية وتمايزها من غيرها من الأجناس الأدبية؛ فلم تعد، مثلما كانت عند بعض

أسلافهم من الخمسينيين والستينيين، عرضًا فجًّا لآلام الذات وآمالها، وتعليقًا عاطفيًا على حوادث الحياة.

كما شحبت روح الخطابة والوعظ، وخفتت تأوهات الذات وصراخها، وإن كانت الساحة الروائية لم تخل

من مناوشة تنهدات الرومنسية وهيجان عاطفتها، كما هي الحال عند كتّاب أمثال عبد الله خوجلي وإبراهيم

عبد العزيز وفؤاد عبد العظيم، الذين أخلصوا بشكل نادر لإرث الخمسينيات الغاربة، ولم يسمحوا لنصوصهم

-حتى رحيلهم - بأدنى قدر من الانفتاح على مؤثرات عالم آخذ بالتغير. وفي الثمانينيات برز جيل جديد، فبالإضافة إلى الذين والوا كتابة الرواية من الأجيال السابقة، ظهر روائيون أمثال

إبراهيم بشير في التراب والرحيل (1989)، وبابكر علي ديومة فيالخرطوم وداعًا (1985)، وبشرى هباني في

مسرة (1986)، وغيرهم.

انفجار التسعينيات

مهّدت الأعمال السابقة، بالتآزر مع أعمال الطيب صالح وإبراهيم إسحق - وتزامنًا مع الانفتاح الكبير على

الرواية العربية والغربية - للانفجار الروائي الكبير الذي شهدته التسعينيات وما بعدها، وجعلت من العسير

الإحاطة بكامل تشعّب المشهد التسعيني بسبب تعدّد مساراته، وانفتاح باب النشر الروائي على سعته، وبروز

جائزتين سنويتين كبيرتين للرواية هما: جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي برعاية مركز عبد الكريم ميرغني،

وقد انطلقت دورتها الأولى عام 2002، لتكمل في هذا العام 2012 العقد الأول من عمرها، وجائزة الطيب

صالح العالمية للإبداع الكتابي برعاية شركة «زين»، وقد انطلقت دورتها الأولى عام 2010. والجائزتان كلتاهما

ساهمتا في دفع عدد كبير من الروايات إلى ساحة المشهد السردي.

ولأن من أغراض هذه الدراسة تقديم رؤية بانورامية للقارئ العربي بشأن تحولّات المشهد الروائي السوداني،

وطبيعة جدله الحاد مع متغريّات الواقع من حوله- الواقع الذي ازداد تأزمًا بقيام انقلاب الجبهة الإسلامية في

30 حزيران/ يونيو 1989 في ما عُرف بثورة الإنقاذ التي مازالت متُسك بخناق البلاد في أطول حكم شمولي

في تاريخ السودان (23 عامًا حتى كتابة هذه السطور) - وذلك كهمٍّ أساس يسبق التوقف النقدي المتفحص

لأعمال روائية بعينها، فستكتفي هنا بالعمل على إبراز أهم الملامح، في محاولة للإحاطة بصدى هذا المشهد

وفتوحاته، من دون أن نزعم الإحاطة بخصوبة هذا المشهد وغناه غير المحتمل. سمات رواية التسعينيات وما بعدها تقنيات جديدة ظهر جليًا في رواية التسعينيات وما بعدها المدى الواسع لاستثمار تقنيات السرد الروائي، بعد الانفتاح الواسع

على تقنيات الرواية العربية والعالمية، وتشرّب هذه التقنيات وامتصاصها في تربة الحكي السوداني، والوعي الحاد

بخصوصية السرد الروائي؛ فرغم اشتباك هذه النصوص في أغلبيتها - كما سنرى- في جدل حاد مع الواقع، فإنها

تشبثت بجمالياتها، وجاهدت في تأسيس كتابة مغايرة لا تعيد استنساخ الواقع، وسعت إلى ردم هُوّة الاستاطيقي/

الفكري بما يُثري الطرفين في آن. ومن هذه التقنيات، تقنية تعدّد الرواة الذين يتناوبون على السرد من زوايا رؤية

مختلفة حول ذات المحكي، مثلما نجد عند محمد بدوي حجازي في باب الحياة، حيث يتناوب الرواة الأربعة خالد

عبد الله وفيفيان أبو ستلو وعمار بحر الدين ونادر كرف على إضاءة مسارات علاقتهم المتقاطعة بعضهم ببعض. وفي روايات مثل أحوال المحارب القديملمحمد الحسن البكري، والفرقة الموسيقية وعصافير آخر أيام الخريف

لأحمد حمد الملك، ينبني العالم الروائي بلبنات الحلم والمخيلة وسحرنة الواقع؛ ففي عصافير آخر أيام الخريف،

مثلا، تتيح مثل هذه اللبنات للنص نعمة انفتاحه على رحاب عالم يزدهي بذوبان الحدود المتوهمة بين المتخيَّل

والواقعي، بين الباطني والخارجي، لتتأسطر مفردات الحياة اليومية، فيستخدم الجاروف لاقتلاع النباتات التي

تغذي جذوة انتشار الحزن، والمريسة لوضع حواجز أخرى للنسيان أمام سطوة السأم النهاري الناجم عن تكرار

حوادث غير مشوقة. ويمكن للكلب بوبي، في الفرقة الموسيقية، «تضليل الموت في الدروب المتشابكة للأشواق،

وإرباك ذاكرته في متاهات النزوة والنسيان»، ويمارس الموتى اختراقاتهم لحاجز الحياة الشفيف ليعودوا، مرة

أخرى، إلى ممارسة نهمهم الحياتي غير المحدود، ويقود الجنون الأليف شيرا إلى إعداد عشاء خفيف من لبن الماعز

للموت، في محاولة ل «إزالة الجفوة المفتعلة معه بتنمية أواصر هموم مشتركة.» السيرة الذاتية منهلا للروائي يلاحظ الناقد مصطفى الصاوي أن أحد ملامح الرواية التسعينية وما بعدها بروز السيرة الروائية كممارسة

إبداعية تزاوج بين السيرة الذاتية والرواية، كما يتجىلّ في نصوص أمير تاج السر الموسومة ب مرايا ساحلية وسيرة

الوجعبجزأيه. لكن من المهم التفرقة هنا بين الرواية التي تنهل من السيرة الذاتية ومتخيلها وتستعير بعض تقنياتها، مثل ضمير

1  مصطفى محمد أحمد الصاوي، «المشهد الروائي في السودان من التأسيس إلى التجنيس»، في: بحوث في الرواية السودانية: أوراق

المؤتمرات العلمية لجائزة الطيب صالح (2008-2003) تقديم مصطفى محمد أحمد الصاوي؛ تحرير أحمد عبد المكرم (أم درمان: مركز

عبد الكريم ميرغني الثقافي، 2010)، ص.37

المتكلم؛ الإحالة إلى وقائع حقيقية، شخصية أو عامة؛ البوح الحميم المباشر... إلخ. وبين السيرة الذاتية أو

الغيرية التي تتلبس بعض تقنيات السرد الروائي، في إطار انفتاح ميثاق السيرة على تقنيات هذا السرد، لاسيما

عند روائي مثل الطيب صالح في نصه العلامة: منسي إنسان نادر على طريقته، حيث استثمر الروائي قدرته

الروائية العالية إلى درجة لامس بها هذا النص أحيانًا تخوم الرواية، وهو ما أثار سؤال النقد المزمن عن حدود

الأجناس الأدبية، ودفع بعض النقاد إلى اعتباره نصًا هجينًا استعار من السيرة الذاتية: الحضور المكثف

للكاتب، وتذويت الكتابة، والنظر إلى الآخر من خلال الأنا، والإحالة إلى وقائع وأسماء حقيقية خارج النص،

بينما استعار من الرواية تقنيات، مثل بناء الشخصية، وتناوب صوتين سرديين في الحكي هما صوت منسي

وصوت المؤلف، وتقنية الشخصية الحقيبة، حيث تمتح الشخصية من ثراء تعدّد سماتها لتول د لنفسها عددًا

من الصور. أما الروائي الذي تمثّل السيرة الذاتية أهم لبنات مشروعه السردي، فهو أمير تاج السر، الذي درس في مصر ناهلا

من معين كتابة سردية ثرّة من دون الوقوع في أحابيل إعادة إنتاجها، ومخترقًا حاجز المحلية بالنشر في الخارج.

وقد أصدر أولى رواياته كرمكولالصادرة عن دار الغد في القاهرة عام 1988، ثم سماء بلون الياقوتعام

1996، ثم نار الزغاريد عن دار شرقيات في القاهرة عام 1998 (طبعة ثانية عن دار عزة، الخرطوم، 2001)،

ثممرايا ساحلية عام 2000، قبل أن ينهمر سيل نصوصه السردية التي جاوزت العشرة. في سيرة الوجعبجزأيه، يفاجئ تاج السر قارئه بذاكرة تفصيلية بصرية شديدة الثراء، تنقب في تفاصيل بشر

الشرق الواقفين في مهب رياح «الإيتبيت»، وعلى النقيض من أحمد الملك، الذي يؤسطر أدق مفردات اليومي

والعابر في واقعيته السحرية حيث تسكن الأشياء الجرف الخطر لحدود الواقع، يحتفي أمير بهذا اليومي، كاشفًا عن

بطولاته وعذاباته الفادحة، عن شعريته التي لا تكاد ترى، مصوّرًا ذلك كله بسخرية لا مرارة فيها، وبضربات

فرشاة خشنة لا تعبأ باللغة المصقولة. وحتى عندما ينزلق سرده أحيانًا إلى مصاف العادي والثرثري، تندلع فجأة

سخرية ما نابعة من مكر الكتابة لترفعه مرة أخرى إلى مصاف الإبداعي والمغاير. جدلية السياسي/السردي ربما كان من أبرز ملامح رواية التسعينيات وما بعدها جدل اشتباكها مع واقع سياسي واقتصادي خانق تسوده

قيم مختلّة، وحدّة انخراطها في تشريح البنى السياسية والاقتصادية للسلطة والمجتمع؛ فقد كان من قدر هذه

الرواية أن تولد بُعيد كابوس انقلاب حزيران/ يونيو 1989، ولذا لم تُتَح لها نعمة التمادي في أي هموم جمالية

صرف، بسبب ضراوة واقع لا يكف لحظة عن التسلل إلى تضاعيف النصوص والذوات. وباشتداد قبضة النظام

بتحالف سلطتي الأكليروس والعسكر، شحذ النص سكاكينه في مواجهة التحالف الأشد وطأة على الحياة

المدنية حتى آخر قطرة فيها، والمستهدف نواة الإنسان السوداني عبر خطاب لاعقلاني مغرق في انفصامه عن

الواقع. ولذا يرى عامة النقاد أن رواية التسعينيات وما بعدها هي رواية «الواقع» بامتياز؛ إذ يرى أحمد عوض

مثلا أن رواية التسعينيات هي الرواية «التي يتشكل فضاؤها من معطيات الواقع وقسوته وتقاطعاته مع مفاهيم

التحديث وصعود القوى الجديدة، من أجل تغيير الواقع الماثل أمامها»، وذلك لأن «القضايا السياسية، أو

ذات الحمولة السياسية، بمختلف تجلياتها (تجربة النضال السياسي/ تجربة المقاومة/ تجربة السجن/ تجربة الحركة

2  مصطفى محمد أحمد الصاوي، «منسي إنسان نادر على طريقته، نص أدبي هجين»، في: بحوث في الرواية السودانية، ص 441 وما بعدها.

3  أحمد عوض خضر، «جدل الشكل والمحتوى: مقاربة نقدية لعلاقات السرد في باب الحياة»، في: بحوث في الرواية السودانية، ص.580

الطلابية..) تحضر، بصورة أو بأخرى، في معظم الكتابات الروائية السودانية في فترة التسعينيات»، وهو أمر

ينسحب على الأجناس السردية الأخرى، كالقصة القصيرة مثلا، كما أشار تقرير لجنة تحكيم جائزة الطيب صالح

للشباب في القصة القصيرة، في دورتها الأولى 2009/2008، حيث رأى أن أغلب القصص المشاركة اشتغلت

«على هموم مشتركة مثل الحرب الأهلية، وشبح الفقر، والتشرد، واختلال القيم، ومصادرة الأحلام، وغيرها

من الإشكالات التي أفرزها واقع التسعينيات العصيب». وكان لذلك ثمنه الفادح أحيانًا؛ ففي غبار هذا الصراع الضاري بين النص والسلطة، لم تكن الغلبة دائامً لنصيّة

النص الأدبي؛ فقد لاحظ الباحث في دراسة سابقة له بشأن نصوص تسعينية لأحمد الملك وبشرى الفاضل، أن

«فظاظة الواقع التسعيني قد تسربت حتى المفاصل الداخلية للنص، ولم يعد النص منشغلا بفرط كثافته الداخلية

التي تفضح فقر العالم الخارجي، بل انشبك مع الواقع التسعيني في جدل حاد لم تكن الغلبة فيه دائما لنصيّة

النص، أي لاستقلاله الإبداعي الذي يمنحه صك شرعيته»، ولذا، أعاد النقد طرح سؤال أيديولوجية النص،

وواجه بحدّة مخاطر انزلاق النص الأدبي إلى انغلاق المنشور السياسي. وعلى الرغم من إمكانية تفحص جدلية النص/الواقع على طيف واسع من الرواية التسعينية، فإن بعض

الروايات تملك حضورًا لافتًا لذاكرة هذه القراءة، لأن هذه الجدلية تمثِّل سداها وحل متها، روايات مثل الطريق

إلى المدن المستحيلة (2000)، والضفة الأخرىلأبكر آدم إسماعيل (2000)؛ الجنَقُو مسامير الأرض)2009(

لعبد العزيز بركة ساكن؛ طائر الشؤم (1996) وبذرة الخلاص (1996) لفرنسيس دينق؛ الغنيمة والإياب

(1995) و مندكورو لمروان حامد الرشيد؛ مسار الأسراب (2005) لمحمد الطيب سليم؛ باب الحياة)2007(

لمحمد بدوي حجازي. وعلى سبيل التمثيل، فإن الأخيرة تنخرط في هذا الهم إلى درجة انزلاق الحوار إلى الحد

الذي يمكنه أن يثير فزع جماليي الرواية: «يقول وكأنه يقرأ أفكاري: - إن الحكومة تتهاوى هذه الأيام. لقد بلغ الوضع الاقتصادي أسوأ حالاته وتعالى الهمس، وغدا يتحوّل إلى

صراخ، ثم زئير، إنها غضبة الشعب، وستسقط الحكومة.»........ ردَّ وهو يضم أصابعه متوعدًا، ثم يواصل حديثه وعيناه تشعان: - آه، لكم تمنيت أن أكون في تلك الأيام هنا في الخرطوم! - ولماذا؟! - حتى أنال شرف المشاركة في إسقاط الديكتاتورية. - الديكتاتورية؟؟!! أحسست بها تملأ فمي. بدت لي الكلمة هائلة وعظيمة لأواصل تساؤلاتي الحائرة: - وما هي الديكتاتورية؟! تأمّلني ناجي بتعالٍوهو يهتف مستنكرًا:

4  خضر، ص.580

5  جائزة الطيب صالح للشباب في القصة القصيرة، العزلة وقصص أخرى، تقرير لجنة التحكيم (أم درمان: مركز عبد الكريم ميرغني

الثقافي، 2009)، ص.13

6  هاشم ميرغني، «النص عبر أسلوبية الانحراف،» في: بحوث في الرواية السودانية، ص.127

- ألا تعرف ما هي الديكتاتورية؟!! صمت لبرهة كأنه يستمتع بتشويقي ثم عاد منفجرًا:

- الديكتاتورية هي التسلط، هي حكم الفرد، هي قهر الجماهير الكادحة بالقوة الغاشمة، هي الحكومة

الحالية». هو حوار لا يمكن إدراجه في سياق سرد حديث إلا بقراءته من منظور مكر الروائي في إدارة مثل هذا الحوار بين

وعيين مختلفين: وعي ثوري متقدّم يمثّله ناجي، ووعي سياسي ساذج يمثّله الصبي – حينها - نادر كرف. ولذا،

فهو حوار تعليمي في المقام الأول، ولكن هذا الوعي الصبي يمكن أن يمثّل أيضًا الوعي المتأخر لقارئ ما محتمل

يمكن أن يؤخر بإدراكه القاصر هذا فجر الخلاص عقودًا، والتالي، فإن مثل هذا الحوار لا يجري إلا على سطح

الرواية ومرغامً لفضح مثل هذا الوعي، أمّا في مجمل الرواية، فإن القمع الذي تمارسه السلطة بدرجاته المختلفة

يذوب في تضاعيف السرد. أمامسار الأسرابلمحمد الطيب سليم، فيمكن أن نرى في ركن من عالمها الكبير قرية ود الهدان وهي ترزح تحت

كابوس استشراء مرض السرطان بين أهاليها. ولأن الحكومة نفسها متواطئة مع مافيا دفن النفايات الإشعاعية

في البلد، أي إنها نفسها من يشيع السرطان بين مواطنيها، ولأن الأصوات في الداخل مكمَّمة، ولأن الوعي يكاد

يكون مغيبًا بواسطة ألاعيب السلطة غير المرئية، لم يبق سوى المنظمات الصحية الدولية لتتصدى للسرطان،

ولذا، فهي تخاطب ممثّل وزارة الصحة في ما يشبه وثيقة حقيقية بالقول: «تبلغك الجمعية الدولية لمرض السرطان

بصفتك ممثلّا عن جمهورية السودان أن معدلات الإشعاع في منطقة ود الهدان معدلات خطيرة للغاية، ونعتقد

أنها السبب الحقيقي وراء كل وفيات السرطان السابقة في المنطقة. ونوصي بسرعة إجلاء سكان القرية، وإبعاد

الكتلة الإسمنتية التي ثبت لدينا بالدليل القاطع أنها المصدر الرئيس وراء معدلات الإشعاع المرتفعة. نبلغك

أيضًا أن هذه الظاهرة تعددت في عدة مناطق من الدولة، ولدينا خرط تفصيلية بالمناطق الأكثر إشعاعًا، وسنقوم

بتسليمها إليك رسميًا غدًا». أما رواية حدث ذات مساء قرمزي (مخطوطة) لأحمد عبد الله، فيمكن أن تمثّل

توثيقًا فنيًا دقيقًا ل«جرائم» الإنقاذ في حقبة التسعينيات التي اهترأت فيها قيم العدالة الاجتماعية؛ فقد اعتمدت

الرواية على الوقائع الحقيقية لفساد النظام وسلوك قادته، وسعت عبر أكثر من 120 صفحة إلى هدف واحد:

كشفه وتعريته. وفي جدران قاسية لملكة الفاضل، «التي يمكن قراءتها كبيان نبيل ضد تعذيب المعتقلين، وامتهان

كرامتهم الإنسانية، اشتغلت الرواية على «تيمة» القهر السياسي الذي يتوسل التعذيب لإدامة سلطته، ولكن

الرواية لم تستطع - رغم نبل قضيتها - أن تنهض بذلك فنيًا، بل تعثّرت برمل التقريرية والمباشرة والفجاجة

العاطفية وفقر الأدوات الفنية، ودفعت الثمن الفادح لتغوّل الأيديولوجيا على الفن، فبدت كأنها قادمة فنيًا من

حقبة لا تمتُّ إلى حساسية الرواية الحديثة بصلة. التاريخ كاستعارة كبرى باللجوء إلى التاريخ كاستعارة كبرى، يستطيع الروائي أن يفجر أسئلة المشهد الراهن من دون الوقوع في انغلاق

شراكه، مثلما نجد عند الحسن البكري في أحوال المحارب القديم (2004) وأهل البلاد الشاهقة وسمر الفتنة؛

ففي روايته الأولى، التي فازت بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي في دورتها الأولى 2004/2003 واتخذت

7  محمد بدوي حجازي، باب الحياة (أم درمان: مركز عبد الكريم ميرغني، 2007)، ص.235

8  محمد الطيب سليم، مسار الأسراب (ود مدني: شركة الجزيرة للطباعة والنشر المحدودة، 2005)، ص.223

من فترة الفونج مسرحًا لها إذ راوحت بينها وبين ملابسات الواقع الراهن، استطاع البكري أن يشيد أسطورته

الخاصة التي انفتحت على الموروث الشعبي والصوفي، والأعراق السودانية المختلفة، وجغرافيا السودان بغاباته

وسهوله وحيواناته، وعبقرية المحكي الشعبي وأساليب السرد الشفوي، ودمجتها بيسر في تقنيات سرد تضاهي

حداثته وتفرّده السرديات الكبرى في العالم، وهو ما والى عمله في طقس حار (2011)، حيث تنهار التخوم

المصطنعة بين الأزمنة الثلاثة. أمّا الرواية الأكثر توغلا في استنطاق التاريخ، وقراءة ما تم قمعه أو تجاهله في أوراقه الرسمية، والأكثر تقليبًا

لمواجعه فهي رواية فركة (2010) للروائي طه جعفر؛ إذ تفتح الرواية الملف السري لتجارة الرقيق، ومجتمع

العبيد في فترة تاريخية تحددها بما قبل الاستعمار التركي-المصري للسودان (1885-1821)، وعبر سيرة فركة

بنت سلطان ود شريف ود رحال، سلطان جيل التروج، التي يختطفها النهاضة من جبل التروج لتُباع للمك

في سوق شندي. ومن خلال لغة أسيانة مرهفة، تحاذر خطر الوقوع في شباك إدانة لا سردية لواحدة من أكثر

الممارسات البشرية انحطاطًا: تجارة الرقيق، تنفتح الرواية لتمزج بين الأسطوري والواقعي، التاريخي والراهن،

السلطوي والشعبي، الأنثوي والذكوري، الجسدي والروحي، لتفتح عين بصيرة القارئ على سعتها عبر مخيلة

سردية شرسة لا تفقد بوصلة رهافة حكيها. المحلي جسرًا للكوني من سمات رواية التسعينيات وما بعدها استبطان الواقع المحلي وأسطرته، واتخاذ المحلي مسارًا إلى الإنساني والكلي

والكوني، مثلما نجد عند إبراهيم إسحق في مجمل أعماله الروائية، كرواية أخبار البنت مياكايا (2000)، ووبال

في كليمندو (2001). وعلى الرغم من أن كشوفات إبراهيم إسحق ما زالت محجوبة عن جمهرة القراء، بسبب

صعوبة عالمه المنزاح عن السياقات السردية السائدة، فإن أعماله استقطبت حولها خطابًا نقديًا واسعًا كشف بعض

الأنهار الجوفية التي تغذي تربة حقوله السردية: أعمال فوكنر وجيمس جويس وغيرهما. وربما كانت صعوبة عالم إبراهيم إسحق تنبع أساسًا من «لغته» التي تحتاج إلى مقاربة موسعة تعمل على سبر آليات

اشتغالها، وهو ما لا تسعه طبيعة هذه المقاربة بطبيعة الحال، ولكن يمكن الإشارة هنا بإيجاز خمُ ل إلى بعض سماته

الأسلوبية، مثل: تهجير مفردات فصيحة لقلب لهجة دارجة والعكس؛ غرس الدارجة في سياق فصيح؛ إطالة

الجُمل وتشعيبها وانزياحها القصدي عن السياق المتعارف عليه في الصياغة العربية؛ استثمار أصوات الألفاظ

الدارجة؛ غنى المعجم اللغوي الخاص الذي يبني به عالمه؛ لامركزية السرد، حيث لا يحظى القارئ بخط صعود

واضح ليتبعه؛ اهتمامه الحاد بموسيقى الكلمة؛ إسالة القوانين اللغوية الصلدة لتناسب مزاجية الكاتب؛ تشابك

شخصياته؛ اللعب بزمن الحكاية؛ استخدام الجُمل الاعتراضية والتقديم والتأخير وإبهام الضمائر، إلى غير ذلك. الاشتغال على الهامش الاشتغال على المهمَّش اجتماعيًا وإبراز بطولاته التي يكاد لا ينتبه إليها أحد، وإعادته إلى صدارة المشهد، كما نجد

عند منصور الصويم في روايته ذاكرة شرير التي تنبش ركام الفئة الأكثر تهميشًا: المتشردين، وأبكر آدم إسماعيل

الذي يشتغل على خطاب التهميش في إطار جدلية القرية/ المدينة في مجمل أعماله. أمّا عبد العزيز بركة ساكن، 9 مملكة الفونج دولة إسلامية حكمت السودان في الفترة الواقعة بين أعوام 1237-910 ه و 1821-1504 م.

(التحرير)

فيشتغل خطابه بشأن التهميش على صعيد آخر: تصادم القيم المجتمعية التي أسستها الثقافة العربية الإسلامية الوافدة على مجمل الحراك الفردي والاجتماعي، وهي القيم التي تحاول أن تحدد مسار حركة الفرد والمجتمع في أدق تفاصيلها، ولذا لم يكن غريبًا أن تتعرض بعض أعماله للمصادرة -وهو ينبش في تربة ما يسمّى المسكوت

عنه في هذه الثقافة- وذلك مثل روايته الجنقو مسامير الأرض، ولكنها وجدت طريقها إلى القراء عبر وسائط الشبكة الدولية وغيرها من الوسائط في عالم لم يعد من مهمة للرقابة فيه سوى أن تسهر على بؤسها. حرائق الجسد من مؤشرات التحوّل في رواية التسعينيات «الانكفاء على الذات، وتبنّي الرغبات الملتهبة المحمومة، والإعلاء

من شأن الجسد، وتحرير المخيلة، وطغيان البعد الأيروسي»، كما يتبدى في روايات مثل الزمن الفضائي المعوج (2000) لسيف الدين حسين بابكر، وراحيل (2001) لمحمد حسين بهنس، وهو المؤشر الذي يسم أيضًا عددًا كبيرًا من الروايات العربية الصادرة في العقدين الأخيرين، ويمكن قراءته في ضوء قمع الواقع، وحرقة

الرغبة في تحريك مسكوت الثقافة العربية وقيمها الحاكمة، وزحزحة الرقيب الداخلي المهيمن على مخيلة الروائي، واليأس من جهامة خارج رافض للتغيير، والاستعاضة عنها بالانكفاء على لذائذ الجسد، أي الاستعاضة عن الحلم الجماعي العسير التحقيق بجنان أحلام الذات، وكذلك إضاءة الجوانب المهمَّشة في التراث: الروض

العاطر، نزهة الألباب، نواضر الأيك، ألف ليلة وليلة، وإعادة الاعتبار إلى ما جرى قمعه طويلا لينفجر بشراسة في وجه قامعيه، واندلاع الكتابة النسوية التي نهضت لتسوّي حسابها مع قمع المجتمع الذكوري. ولكن يمكن

القول بوضوح إن التحقق الفعلي لهذه الأيروسية جماليًا على صعيد النصوص التسعينية ظل ضعيفًا ومرتبكًا في

غالبه، لاسيما في تلك النصوص التي تعمّدت الأيروسية، أي التي اشتغلت عليها ك «تيمة» جاهزة. وبدلا

من اندلاع لهب أيروتيكية جسدانية تفتح الروح على دنانها السرية وتدلق الوعي على جذر غرائزه، برزت إمّا

فجاجة جنسية مصطنعة، كما في أغنية النار (2000) لبثينة خضر، حيث يمكن للقارئ أن يقع على سطور مثل: «بنظرة سريعة فاحصة أتسلق تكة سرواله وأنا أسبل جفني في تصنع بالحياء... يرمش بسرعة وهو يسدل

طرف جلبابه فوق ركبتيه محاولا إخفاء الانتفاخ الفاضح في سرواله »، أو محاولة استنساخ الطيب صالح عبر

جينات منتزعة من موسم الهجرة إلى الشمال وزرعها عشوائيًا في جسد الرواية، كما نجد مثلا عند محمد بدوي

حجازي في باب الحياة (2007)، حيث استُعيرت غرفة مصطفى سعيد استعارة رديئة لتمثّل غرفة فيفيان،

كما استُعير حوار مصطفى سعيد مع آن همند وصويحباتها ليجري بين فيفيان وخالد عبد الله... وهكذا، وإمّا

يتم إغراق الأيروسيا بلزوجة طرطشة عاطفية تطيح اقتصاد السرد: «ضممت خديها بين راحتَي لأغوص داخل

عينيها مستشفًّا حجب الظلام، كانت تذوب أمام نظراتي ثم لم أدر شيئًا، فقد تجاوزت وإياها السحاب»...

ولذا، بدلا من انتهاك السري والمكبوت والمقموع، ينكفئ السرد على إعادة إنتاج ما قيل آلاف المرات من دون أن يقترب لحظة من تفجير أسئلة طال انتظارنا لصدى إجاباتها.

10  الصاوي، «المشهد الروائي،» ص.38

11  بثينة خضر مكي، أغنية النار (الخرطوم: دار سدرة، 2000)، ص.178

12  حجازي، ص.44 13  حجازي، ص.50 14  حجازي، ص.52

الكتابة النسوية برزت الكتابة النسوية بشكل لافت في حقبة التسعينيات وما بعدها. وإذا كانت الفترة من الأربعينيات البعيدة

حتى الثمانينيات لم تشهد ظهور روائية بارزة سوى ملكة الدار محمد عبد الله (-1920 1969)، وبعمل روائي

واحد هو الفراغ العريض، فإن حقبة التسعينيات وما بعدها دفعا عددًا كبيرًا من الكاتبات إلى ساحة المشهد

الروائي، من بينها، على سبيل المثال: زينب بليل، بثينة خضر، ليلى أبو العلا، أميمة عبد الله، ليلى صلاح، عايدة

عبد الوهاب، غادة الحاج، سارة فضل.. إلخ. وانخرط هذا الخطاب النسوي - في غالبه - بشراسة في إشكال

الجنوسة بألغامه المتعددة: فضح آليات الهيمنة في مجتمع ذكوري يكرس بكل تفاصيله دونية المرأة؛ الاشتغال على

الذات الأنثوية باعتبارها ذاتًا مقموعة ومهمَّشة ومستلَبة، مُوقعة السرد على أرض الجسد الأنثوي، حيث تعترك

نصوص تاريخية وتتقاطع مصائر قيم لا حد لتناقضاتها؛ الملامسة الحميمة لجروح الذات وأغوار الباطن في لغة

لا تكف عن الاحتفاء بشعريته؛ الاشتغال على «تيمة» «الحب» حتى استنفاد آخر قطرة فيها، وغالبًا ما يكون هذا

الحب حب رجل «مختلف» عن رصفائه من أفراد المجتمع الذكوري، لتعيد الروائية إنتاج التبعية للرجل، كأن

النص يمضي في خط مضاد للخطاب النسوي الذي يحتضنه. وكان لا بد من أن يطفح في بعض هذا الخطاب النسوي الغزير كثير من الإشكالات على الرغم من إنجازاته التي

قدّمها. ولعل من أبرز هذه الإشكالات التي تسم بعض أجزاء هذا الخطاب: • هشاشة التجربة الروائية عند بعض الكاتبات، والاستعاضة عنها ب «بوح الذات»، وعدم استثمار فتوحات

المنجز العربي والعالمي في الرواية بعامة والرواية النسوية بخاصة، فبدت التجربة كأنها تعيد اكتشاف العجلة

بانقطاعها عن سلسلة الكشوفات السردية لحركة الحساسية الجديدة التي تحكم ذائقة التلقّي الآن. • تأثر الرواية النسوية بالميراث الرومنسي الثقيل والعامر بغليان العاطفة وطوفان الدموع، لاسيما عند نائلة فزع

فيالموت في زاوية العشق (د. ت)، وعند سارة فضل في رسائل من فكتوريا.)2009(• الإشكال المعرفي لبعض الكاتبات في استيعاب صلابة مفردات الخطاب النسوي ومكتسباته، وفقر الوعي

بهويات الأجناس الأدبية المختلفة، فتسربت إلى قلب الخطاب الروائي الخواطر الهائمة والمقالات واليوميات. • استعارة بعض التقنيات الروائية وزرعها في النص كيفما اتفق، وغالبًا لإضفاء لمسة «حداثية» على نص مغرق

في التقليدية. وعلى سبيل المثال لاحظ الناقد محمد المهدي بشرى أن النصوص التي تستدعيها بثنية خضر لمفتتح

فصول روايتهاصهيل النهر، أو لإدراجها داخل هذه الفصول التي تمتد لتشمل المأثورات والحكاية الشعبية وأبياتًا

شعرية قديمة ومعاصرة، أدت إلى ضياع «النص المركزي وسط هذا الخضم الهائل من النصوص والأشعار والح، كم

فالنص الذي تستدعيه لا يأتي عفوًا بل يبدو غريبًا عن النص المركزي، إذ ليس من السهل استزراع نص في جسد

النص المركزي». وبدلا من أن يغتني النص بتعالقاته مع رصفائه، فإنه يتصدع باكتشاف القارئ لمدى عزلته-أي

النص- عن هذه النصوص. وعلى سبيل المثال، فإن نص النفري موقف الإدراك، الذي جازفت الروائية بوضعه

في صدر روايتها، فضح باكتنازه الدلالي وكثافة لغته فقر لغة السرد وانغلاق دلالاته؛ فبعد لغة النفري من قبيل:

«وقال لي: ما إلى معرفة طريق ولا طرقات، ولا فيها طريق ولا طرقات»، ينحدر القارئ إلى مثل «اليوم سافر زوجي

عاصم، سافر بعد أن أيقظ جذوة الحياة في نفسي وقد خبا بريقها، كنت طوال وجوده معي أتفادى الحديث عن

عودتي معه إلى السعودية». لقد انحدرنا من العرش إلى الفرش، إذا استعرنا تعبيرًا صوفيًا في سياق آخر.

15  محمد المهدي بشرى، الشمعة والظلام: دراسات ومقالات نقدية (الخرطوم: حصاد للطباعة، 2004)، ص.88

16  بثينة خضر، صهيل النهر (الخرطوم: سدرة للطباعة والنشر والتوزيع، 2000)، ص.7

• إن الاستغراق في نمطية موضوعات، مثل هجران الزوج أو قسوته أو غلظته، وعزلة بعض الكاتبات - معرفيًا

أو اجتماعيًا - وعدم وعيهن بطبيعة الحراك الاجتماعي الذي تجاوز الكثير من «التيمات» القديمة، قد حرم هذا

الخطاب الروائي النسوي السوداني نعمة المضي قدُمًا في التحقق الجمالي لأسئلته التي يطمح إلى طرحها. - شعرنة السرد من الملامح البارزة لرواية التسعينيات وما بعدها في السودان ما يمكن تسميته «شعرنة السرد»، أي استثمار الطاقات القصوى للغة الشعرية لإدماجها في الشرط السردي، وهو أحد القواسم المشتركة التي تربطها بالرواية العربية الحديثة بعامة. وإذا كانت الرواية العربية التقليدية قد استعارت بعض السمات الشعرية في الوصف

والإيحاء والمجاز، فإن الرواية الحديثة «تقوم بسرد ذي طابع شعري بالمعنى الواسع للشعري.. في اجتماع السرد والحكاية والشخصيات والأحداث والأفكار (من السرد) مع العواطف والأنساق الموسيقية أو التشكيلية (من الشعر»). كانت الناقدة فريال جبوري غزول قد حددت مقومات هذه الشعرية السردية في مثل: زئبقية الحكاية؛ انفراط الحكاية أو التواري الخبري؛ استقلالية الفصول؛ تكرار الموتيفات؛ تذبذب وجهات النظر بسبب تمازج الضمائر السردية؛ عدم استخدام علامات تنصيص أو ترقيم؛ الاعتماد على المحور الاستبدالي المميز

للشعر بدلا من المحور السياقي المميز للخبر. وهي مقومات يمكن رفدها بمقومات أخرى كثيرة من مثل: التوتر السردي؛ الانزياح؛ التكثيف؛ التعالق النصي؛ التضاد؛ تبئير السرد؛ الإصاتة (أي الاشتغال على أصوات الكلمة)؛ فتح النص على التدفق اللغوي للاوعي. ولكن هذه السمات وغيرها تظل كلها مجرد إشارات لا يمكنها قط أن تسبر غور قارة الشعرية، لاسيما عندما تتآزر مثل هذه الشذرات مع حدس الروائي لتفتح لاوعيه النصي على سعته، مثلما نجد في نصوص مثل أحوال المحارب القديموسمر الفتنة وأهل البلاد الشاهقة للحسن البكري، والفرقة الموسيقية وعصافير آخر أيام الخريفلأحمد الملك، والخطوة الأولىليوسف العطا والدّية

لإبراهيم سلوم، ومجمل أعمال الطيب صالح وإبراهيم إسحق وغيرها من أعمال تستلزم أدوات أسلوبية لسبر بعض عناصر جمالياتها، وهو ما لا تحتمله طبيعة هذه الورقة. لذا، نفضّل الإشارة المكثفة إلى بعض إشكالات

الشعرية كما تتجلى في نصوص أخرى غير المذكورة آنفًا. في روايات مثل امرأة من حليب البلابللمبارك الصادق وإالّ شقيفة لكامل التوم من الله والموت في زاوية العشق لنايلة فزع، تبرز إحدى إشكاليات شعرنة الرواية، أو بالأحرى التلقف المتسرع لمفهوم الشعرنة: إغراق السرد في فيض التهويمات الشعرية التي لن تقوى قط على اقتناص شراسة العالم وكثافته، وتحليق القاص في عالم شعري يغدو معه الحادث مناسبة للكشف عن إمكانات الكاتب اللغوية وقدرته على ابتداع الصور الشعرية،

والاستسلام لغواية مجانية المجاز، الذي يؤججه سعير العواطف المتقدة، ويوظَّف لملء خواء الدلالة. في هذا العالم من إساءة شعرية السرد يمكن أن نقرأ مثلا: «في ذلك اليوم... لو كنت تدركين أن عليًّا تلميذي لما سمحت لي بتلاوة رهقي، وغسل أحزاني كلها على ندى

رؤياك في ذلك المساء، وما تلاه من أماسي شرقكم المعطر بفوح السواقي، الممسح بندى البحر الشفيف وجنيات السواجن... وقلت لنفسي حين رأيتك: «هذا هو اللون الخمري..». عيناك كانتا تبوحان بكل شيء.. ترسلان

17  نبيل سليمان، فتنة السرد والنقد (اللاذقية: دار الحوار للنشر والتوزيع، 1994)، ص.107

18  سليمان، ص.108

كل أحزانك إلى الملأ، والملأ غافل عنها بالفتنة والولع التراب.. وحدي كان يلسعني حزنك في بؤرة الشعور».

أو:

«كان هو رجل السعادة، هدوء كلماته وعزفها الموسيقي، لون بشرته الذي يحتويني توهجه فيجذبني إليه كما فراشة

يجذبها ضوء لهب فتنقاد إلى حتفها وهي تعلم.. غابت الدنيا منسجمة في لحظة غمام.. جاءا الدنيا إلي، ولكن عيني

كانتا غائبتين، ضمت السُّحب لثوان، واحتضنت العالم كل العالم، كله أحببته في تلك اللحظة حتى الحيوانات،

الجبال، البحار، الكل تغير اسمه، صار اسمه «حسن «. أعجب لذاتي كيف لم ينبت لي جناحان لأطير؟».

خاتمة

لا يمكن لهذه المقاربة لرواية التسعينيات وما بعدها أن تكتمل من دون الإشارة بأسى إلى حزمة من الإشكالات التي تطفو على يمّ تجليات بعض النتاج الغزير لحقبة التسعينيات وما بعدها، وهي إشكالات كثيرة سبقت

مقاربتها في دراسة لنا، ولكن يمكن -من دون الانزلاق إلى شرك تكرارها هنا- أن نشير إلى أبرزها بإيجاز، مثل إشكالات التهافت اللغوي، وإشكال التعيّش من مائدة المنجز الروائي الجاهز بحيث أتى بعض الأعمال

اجترارًا لقراءات سابقة أكثر من كونه نتاجًا لذات مبدعة حساسة، تنسج نولها الخاص بخصوصية سردية تنضح بدمها الشخصي الملتبس بهوية تعدّد أعراق هذا البلد ولغاته ولهجاته وأساطيره. كما برزت إشكالات أخرى، مثل استعارة بعض التقنيات السردية على نحو منفصل عن منجمها المعرفي الوثيق الصلة بطبيعة التجربة؛ فالتقنيات السردية ليست تجريبًا شكلانيًا اعتباطيًا، بل هي «وسيلة لاكتشاف واستطلاع

القيم في مساحة للتجربة تصبح بعد ذلك ولأول مرة معطاة فنيًا.. وهي تتعلق بكل ما يفرض على عالم الفعل من

اختيار وبناء وتحوير، ومن تحديد نطاق وإيقاع خطو، وتجعل تلقّينا لعالم الفعل أكثر ثراء وج»ِدّة. لكن ليس في إمكان هذه الإشكالات وغيرها أن تطمس تجلّيات المشهد الروائي التسعيني وما بعده، وهي التجليات التي سبق أن أشرنا إلى أبرزها.

المراجع

بحوث في الرواية السودانية: أوراق المؤتمرات العلمية لجائزة الطيب صالح (2008-2003)، تقديم مصطفى

محمد أحمد الصاوي؛ تحرير أحمد عبد المكرم. أم درمان: مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي،.2010

بشرى، محمد المهدي. الشمعة والظلام: دراسات ومقالات نقدية. الخرطوم: حصاد للطباعة،.2004 الدرديري، بابكر الأمين. الرواية السودانية الحديثة 1975-1940: دراسة نقدية تحليلية. زيتوني، لطيف. معجم مصطلحات نقد الرواية. بيروت: مكتبة لبنان ناشرون ودار النهار للنشر،.2002

سليمان، نبيل. فتنة السرد والنقد. اللاذقية: دار الحوار للنشر والتوزيع،.1994 فتحي، إبراهيم. الخطاب الروائي والخطاب النقدي في مصر. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.2004

19  كامل التوم من الله، إلا شقيفة (القاهرة: الدار العالمية للنشر والتوزيع، 2008)، ص.127

20  أميمة عبد الله صالح، أماديرا، ص.38

21  هاشم ميرغني، «حمى الرواية،» على الموقع الإلكتروني: (www.sudan forall.org)

22  إبراهيم فتحي، الخطاب الروائي والخطاب النقدي في مصر (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2004)، ص.86