العودة إلى تفاصيل المؤلَّف بعض التحوّلات الخاصّة في الرواية الفلسطينية الجديدة

بعض التحوّلات الخاصّة في الرواية الفلسطينية الجديدة

Changes in the New Palestinian Novel

وليد أبو بكر

Walid Abu Bakr

الملخّص

ترصد هذه الدراسة انقطاعًا يكاد يكون تامًا بين ما كان يُكتب من رواية فلسطينية قبل سنوات وكثير مما يكتبه الآن الروائيون والروائيات، خاصة الشباب، حتى بتنا أمام ثلاثة اتّجاهات في الرواية الفلسطينية: اتجاه الأجيال السابقة خارج الوطن أو بين ما عادوا إليه اتجاه كتّاب الداخل قبل أوسلو؛ اتجاه كتّاب الرواية الشباب داخل الوطن الفلسطيني، ممن عايشوا تجربة كبرى هي الانتفاضة الأولى التي يعدّها الباحث أول تأكيد موضوعي لهوية الفلسطيني تحت الاحتلال. وبالطبع، فإنّ التغيير هنا لا يخصّ الموضوعات فقط، بل التفاصيل الفنية أيضًا: تعدد الأصوات، التعامل المختلف مع المكان والزمان، والتنوّع الواسع في الشخصيات التي يمكن تصويرها، وغير ذلك .

Abstract

This study observes the near complete break between the Palestinian novel written some years ago and much of what is being written today, particularly by young novelists. The author categorizes three trends in the Palestinian novel: previous generations outside the country; the trend of writers inside the country before Oslo; and the young novelists inside Palestine, who went through the first intifada, which the author views as the first objective affirmation of a Palestinian identity under occupation. Naturally, the change is not just in subject matter, but also in artistic details: polyvocalism, handling space and time differently, wide variation in characters and so forth.

الكلمات المفتاحية:
  • الرواية الفلسطينية
  • الاحتلال
  • الذات
  • الآخر
  • حضور الوطن
Keywords:
  • Occupation
  • Palestinian Novel
  • Other

ثمّة صعوبات خاصة تكتنف دراسة الرواية الفلسطينية، أكثرها ناجمٌ عن الاحتلال والشتات

وما يفرضانه من عزلة ثقافية خانقة تقيّد حتى حركة المراجع والمصادر بين الداخل والخارج.

وثمّة ضروب من القصور في الدراسات الجامعية التي تتناول الرواية الفلسطينية، على رأسها

عدم تجاوزها الأسماء القديمة المعروفة، مع أنَّ الرواية الفلسطينية تحظى بمزيد من اهتمام الكتّاب

الفلسطينيين وتأتي إليها أجيال جديدة تجلب معها موضوعاتها وسماتها الشكلية الجديدة، حتى بتنا

أمام رواية شابة تتعامل مع حياة حقيقية بعيدًا عن الحلم المكسور، وبعيدًا عن الكتابة استنادًا إلى

التاريخ، وعن مدن لم يرها الكاتب قط. ترصد هذه الدراسة انقطاعًا يكاد يكون تامًا بين ما كان يُكتب من رواية فلسطينية قبل سنوات

وكثير مما يكتبه الآن الروائيون والروائيات، خاصة الشباب، حتى بتنا أمام ثلاثة ات جّاهات في

الرواية الفلسطينية: اتجاه الأجيال السابقة (خارج الوطن أو بين ما عادوا إليه)؛ اتجاه كتّاب الداخل

قبل أوسلو؛ اتجاه كتّاب الرواية الشباب داخل الوطن الفلسطيني، ممن عايشوا تجربة كبرى هي

«الانتفاضة الأولى» التي يعدّها الباحث أول تأكيد موضوعي لهوية الفلسطيني تحت الاحتلال.

وبالطبع، فإنّ التغريّ هنا لا يخصّ الموضوعات فقط، بل التفاصيل الفنية أيضًا: تعدد الأصوات،

التعامل المختلف مع المكان والزمان، والتنوّع الواسع في الشخصيات التي يمكن تصويرها،

وغير ذلك.

إن أول ما يمكن أن يلاحَظ، عند التطلع نحو مراجع تخصّ الرواية الفلسطينية بعد تسعينيات القرن

الماضي، سيكون ندرة المراجع الجادة والمفيدة، التي تقدّم وجهة نظر نقدية في النصوص، ولا تكتفي

بمادة إحصائية يجري تفريغها وتصنيفها في ما يشبه القوائم التي لا تقول شيئًا. كما سيلاحَظ أن معظم هذه المراجع

ليست سوى دراسات تقليدية تهدف إلى نيل درجات علمية، من جامعات عربية، ربما بهدف تسهيل عملية

الحصول على عمل؛ لذلك تكون هذه الدراسات مملة، وفيها حجم كبير من التشابه إلى حدّ الإزعاج، فهي منذ

البداية تكاد تعتمد على المراجع ذاتها، والمصادر ذاتها أيضًا، وكثيرًا ما تكون الأولى مجرّد تنظيرات قديمة، تدخل

في العام دون الخاص، وكثيرًا ما يكون هناك اقتصاد في الأخيرة، لأنها لا تستطيع الوصول إلى بعض الإنتاج

الذي يدخل في المادة التي تدرسها، إذا كانت سمعتْ عن هذا الإنتاج أصلا. ويمكن القول إن كثيرا من هذه الدراسات أُعدّ تحت ظروف تصعّب على الباحث عمله، ومن أبرزها بالطبع

ظروف الاحتلال، إذا كان الإعداد حدث داخل فلسطين أو خارجها؛ فهذه الظروف فرضت على المجتمع، ومن

ضمنه الدارسون، عزلة ثقافية خانقة، لا تسمح بالوصول إلى المصادر الخارجية بالنسبة إلى من هم في الداخل،

ولا تسمح بوصول الإنتاج الأدبي الداخلي، لمن هم في الخارج، وبذلك تمنع الاطلاع على الإنتاج الإبداعي

والإنتاج النقديّ في الاتجاهين. وهي ظروف لم تتوقف بعد مسيرة أوسلو، بقوّة العادة أو الاستمرار من ناحية،

ولأسباب ثقافية واقتصادية من ناحية أخرى، وهي أسباب يقف الاحتلال عاملا وراءها أيضًا. لذلك، فإن الدراسات التي أ عدّت حول الرواية الفلسطينية في الخارج، على قلّتها، اقتصرت على ما وصل إليه

الباحثون في الخارج أساسًا. وكان لدى هذه الدراسات نقص هائل في الاطلاع على ما أ نتج داخل فلسطين

التاريخية، باستثناء القليل الذي تسرّب، بسبب شهرته، خصوصًا من الفنّ الروائي، كما هو الحال مع كتابات

إميل حبيبي. يضاف إلى ذلك أن التطلع إلى الدرجة العلمية كهدف، والعمل من أجله بطريقة تقليدية تستند إلى

الأشكال الجاهزة في البحث، كثيرًا ما يحْدِثان قصورًا في بذل الجهد، حتى وإن كان ممكنًا. من أجل ذلك، يسهل اكتشاف تخلّف هذه الدراسات عن ملاحقة النموّ المتزايد في الإنتاج الروائيّ الفلسطيني،

الذي تضاعف مرات داخل فلسطين المحتلة، وتفوّق عدديًا على ما يوازيه في الشتات، خصوصًا في

العقدين الأخيرين. توصل يوسف الشحادة، في كتابه الرواية الفلسطينية في الضفة والقطاع، إلى رصد 15 رواية بين عامي 1990

و 1993 في الضفة الغربية وقطاع غزّة، معظمها لا يستحقّ أن يُنسب إلى فن الرواية. أما زكي العيلة، في

كتابهالمرأة في الرواية الفلسطينية، فدرس 13 رواية صادرة منذ أوائل التسعينيات، داخل فلسطين وخارجها،

بعضها أيضًا لا يستحقّ أن يُنسب إلى فنّ الرواية، وذلك بين 46 رواية وردت في الدراسة التي صدرت له في

العام 2002، إلا أنه عاد ودرس 30 رواية صدرت في الضفة الغربية وقطاع غزة، بعد أوسلو (1994)، بعضها

لا يستحقّ الدراسة أيضًا، في كتابه التالي صورة الذات والآخر في الرواية الفلسطينية في الأرض المحتلة، الذي

صدر بعد خمس سنوات، بينما رصد علي حسن خواجا معظم ما صدر من أعمال روائية في المنطقة نفسها، منذ

انتفاضة الأقصى في العام 2000، حتى موعد صدور كتابه في العام 2009، فأشار إلى 49 رواية من تأليف 30

كاتبًا (بعد حذف أربعة أسماء يعيش أصحابها خارج فلسطين، وإن صدرت رواياتهم داخلها). ومن السهل

أن يلاحَظ أن معظم هذه الروايات صدر بعد العام 2000، وأن نصف هذه الروايات، على الأقل، هو الإصدار

الأول لكاتبه الشاب، وهو ما يشير إلى أن فنّ الرواية يحظى بمزيد من اهتمام الكتّاب الفلسطينيين، الذين كان

نشاطهم أوسع في كتابة القصة، التي لا تزال أثيرة لديهم، كما أنه يمكن اعتبارها أفضل فنيًا على وجه خاص.

1   يوسف الشحادة، الرواية الفلسطينية في الضفة والقطاع (رام الله: وزارة الثقافة الفلسطينية، 2009)، ص.18

2   زكي العيلة، المرأة في الرواية الفلسطينية (رام الله: مركز أوغاريت الثقافي للنشر والترجمة.)2002:

3   زكي العيلة، صورة الذات وصورة الآخر في الرواية الفلسطينية في الأرض المحتلة (رام الله: مركز بيت المقدس للأدب،.)2007

4   علي حسن خواجا، في استنطاق الرواية الفلسطينية المعاصرة (رام الله: مركز أوغاريت الثقافي، 2009)، ص 12.14

ويمكن الإشارة، تاليًا، إلى إن هذا العدد تزايد بالنسبة نفسها أو أكثر، بعد توالي صدور عدد من الروايات في

السنوات التالية؛ إذ أصدر عدد من الكتّاب الذين وردت أسماؤهم في ما رُصد، أعمالا إضافية، كما ظهرت

إلى جانبهم أسماء أخرى لكتّاب نشروا أعمالهم الروائية الأولى. إن هذه الإشارة، كبداية، لا تجعل الثقة كاملة

في الدراسات (الجامعية) المنجزة، التي غالبًا ما تتوقف عند آخر إنتاج روائيّ، مما لا يتجاوز الأسماء القديمة

المعروفة، التي لم تنتج شيئًا خلال الزمن الأخير، والتي رحل معظم أصحابها على أي حال، وأخلى الساحة

للأقلام الجديدة، التي تحتاج إلى دراسة وتقييم مختلفين، عند التعامل مع ما تكتب. إن من الصعب الحديث عن التجريب في الرواية الفلسطينية المعاصرة، أو عن الحداثة فيها، أو المقاومة، أو عن

أي أفكار أخرى، عندما لا يتوافر ما يمكن التوقف عنده، سوى ما أنتجه الكتّاب الذين تتكرّر أسماؤهم وتستعاد

كتاباتهم منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، من غسان كنفاني إلى جبرا إبراهيم جبرا، وصولا إلى إميل حبيبي؛

وعندما يتوسع الأمر تُضاف إليهم بضعة أسماء صنعت شهرهتَا ظروف الثورة الفلسطينية في سبعينيات القرن

الماضي، أكثر ممّا صنعتها جودة إبداعهم في كثير من الأوقات، مثلما كان الحال مع من يمكن أن نسمّيهم أدباء

الفصائل الفلسطينية، أو أدباء «المحاصصة» الفصائليّة التي لا تزال تفرض شروطها حتى الآن، على ما يخص

التجمعات الثقافية من ناحية، وعلى الترويج للإبداع الفرديّ من ناحية أخرى، وهو ما يسيء إلى حضوره. مع

ذلك، يمكن أن يلاحَظ أن هذا النوع من «المحاصصة» ظلم بعض من ينتمون إلى «جيل الثورة» من الكتّاب،

الذي جاء وسطًا بين رواد الرواية الوطنية الفنية وكتّاب مرحلة أوسلو، إذ لم تُتَح لذلك الجيل وسائل الرعاية

أو الدعاية التي كُرّست لغيره، وخصوصًا في بيروت، التي أ طلق عليها في حينه لقب «المركز»، واستأثرت

بكلّ الاهتمام. إن كاتبًا له صوته الخاص، مثل عدنان عمامة (الذي رحل منذ سنوات)، ظلّ بعيدًا عن الانتشار الذي وصل

إليه عدد من زملائه، رغم أنه كثيرًا ما تفوّق على بعضهم في إنتاجه، خصوصًا في المادة الروائية التي استقاها مع

هؤلاء الزملاء من الروائيين الفلسطينيين من تجربة بيروت، أو من الانخراط في المجتمعات التي عاشوا فيها، كما

فعل في روايته الولد سلمان، التي حولت حرب لبنان إلى ما يشبه القنبلة التي أجهزت على الجسد الفلسطيني

المقاوم، ووزعت أعضاءه على أمكنة الشتات الجديدة. هذا الجيل «الفصائليّ» هو الذي استمرّت شهرته بعد

الرحيل عن لبنان، تضاف إليه أسماء قليلة جاءت من داخل الأراضي الفلسطينية، مثل سحر خليفة، بينما ظهر

في موازاة ذلك جيل جديد، يمكن أن يسمّى جيل مرحلة الانتقال، وهي مرحلة غير واضحة الملامح، خصوصًا

بعد إذ قاطعها الانكفاء الذي حدث للثورة الفلسطينية، ثم قاطعتها النتائج التي ترتبت على اتفاقات أوسلو. لقد أصيب إنتاج هذا الجيل بالحيرة، وبالارتباك، بين الكتابة عن القضية، من خلال الماضي أو الرموز، والكتابة

عن الواقع الذي يعيشه، وربما يعيشه حلمه المتعلّق بقضيته أيضًا، داخل التجمعات الفلسطينيّة في الشتات، أو

داخل المجتمع العربي الذي تعيش فيه. وفي هذا الاتجاه، يمكن الإشارة إلى إنتاج حسن حميد (في دمشق)، وأحمد

عمر شاهين (في القاهرة)، وجمال ناجي (في عامّن). وقد انشغلت بعض كتابات هذا الجيل - إلى حد ما - بمتابعة

ما يجري داخل المجتمعات التي يعيشون فيها، من دون ارتباط مباشر بالقضية، كما فعلت ليلى الأطرش في عدد

من رواياتها، ومنها تلك التي تقدّم شخصيات فلسطينية خارج أوطانها. وتُعتبر رواية مرافئ الوهم، نموذجًا

لهذا الاتجاه، وهي تعالج علاقات إنسانية متعددة، فيها كثير من التعقيد الذي يتعلق بحرية الفعل لدى المرأة،

5  عدنان عمامة، الولد سلمان (دمشق: دار الجليل للنشر والدراسات والأبحاث الفلسطينية،.)1984

6   ليلى الأطرش، مرافئ الوهم (رام الله: مركز أوغاريت الثقافي،.)2005

داخل وسط إعلامي ينتمي إلى عدد من الأقاليم العربية، بما فيها فلسطين، من دون أن تشكل القضية فيها

موضوعًا مركزيًا أو مباشرًا.

حضور الوطن وغيابه

ممّا يلفت النظر أنّ الكتّاب الذين عاشوا قريبين من الأرض المحتلة، في التجمعات الفلسطينية التي لجأت إلى

الدول المضيفة المجاورة، لم يُنظر إليهم باعتبارهم كتّابًا في المنفى، حتى وهم يكتبون عن فلسطين، كما نُظر إلى

آخرين حملتهم ظروف الحياة أو العمل إلى بلاد أبعد، مثل دول المهجر البعيد، ودول الخليج العربي، غير البعيد، حيث تشكلت تجمعات فلسطينية كبيرة، كادت تتحول إلى مجتمعات داخل المجتمعات، فأنتجت بعض الأدباء

المعروفين، على قلّتهم. ويمكن الاتجاه، في تفسير ذلك، إلى أن الشعور بالاستقرار الاجتماعي، نتيجة تقارب

الثقافات والعادات، كان أوضح في الأردن وسورية ولبنان مثلا، منه في أي دولة أخرى وصل إليها المهجّر

الفلسطيني، بينما لم يكن متوافرًا في تلك الدول، ربما لأنها لا تسمح بتنامي مثل هذا الشعور رسميًا وشعبيًا من

ناحية، أو لأن الإحساس بالحنين إلى الوطن يزداد مع تنامي الشعور بالنفي، خصوصًا كلما بَعُد المنفى واختلف،

وهو ما جعل بعض من عاشوا هناك من الكتّاب، يعربّ عن نفسه روائيًا بالحنين الذي «يربط المكان بالقداسة»،

على حد تعبير عبد الرحمن ياغي وهو يتحدث عن كتاب فاروق وادي منازل القلب، أكثر من الالتفات إلى

الحياة التي يعيشها، والتي صوّرتها قلّة قليلة منهم، لكنها قدمت وجهة نظر الكاتب في البلد الذي يعيش فيه، لا

في تجمعات شعبه هناك، وكانت في معظمها عن تجارب مدرسين فلسطينيين عملوا في مجتمعات عربية شعروا بأنها غريبة عنهم. وتُعتبر رواية جمال يونس الرأس نموذجًا لمثل هذه الأعمال التي تشكل رافدًا واضحًا في

الرواية الفلسطينية، خصوصًا عند الحديث عن العمل في دول النفط. وهي رواية تشتقّ شكلها من حضور

الصحراء فيها بقوة، ولذلك وصفت بأنها غرائبية أو «من أدب الفانتازيا»، لأنها تقدّم معظم شخصياتها

كرموز، بمن فيها الراوي، البطل الفلسطيني، الذي يظلّ «حاضرًا وفاعلا، يلعب لعبة الشاهد والراوي وصانع الحدث، أو الشريك فيه أحيانًا»، في أرض لا تضمن له البقاء فيها إلا بما شاءت. وكانت الكاتبة حزامة حبايب استثناء بين جميع كتّاب الرواية في تصوير التجمعات الفلسطينية التي سحقتها

ظروف الحياة، ثمّ ظروف السياسة، في تلك المنطقة العربية، فخرجت عن الأنماط الفلسطينية في الكتابة عن

المنفى، فلا هي سعت وراء الحلم، ولا قادها الحنين إلى نوع من البكاء والتمني، لكنها صورت مجتمعًا معلقًا بين

الانتماء إلى وطن ضائع، والحياة في مكان لا يسمح هو، ولا يرغب الفلسطينيّ فيه، ولو فكريًا، بأن يتشكل فيه

وطن بديل، وهو ما جعل هذه التجمعات قابلة للتفتت، كما حدث بالفعل، وجعل بكاءها الروائيّ على ظروف

الفلسطينيّ ذاتيًا وداخليًا إلى حدّ بعيد، وإن كان من السهل تعميمه على كلّ تجمع شبيه. في روايتها قبل أن تنام

7   عبد الرحمن ياغي، في النقد التطبيقي مع روايات فلسطينية (عمان: دار الشروق، 1999)، ص.174

8   فاروق وادي، منازل القلب (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.)1997

9   جمال يونس، الرأس (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.)1986

10   صالح خليل أبو أصبع، الرواية الفلسطينية والمنفى (أبو ظبي: اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، 2001، ص.55

11   صالح أبو أصبع [وآخرون]، نحو دراسة تأصيلية للرواية الفلسطينية المعاصرة (رام الله: مركز أوغاريت للنشر والترجمة 2000)،

ص.56

الملكة، صوّرت حزامة حبايب ذلك التجمّع بأنه يبدي هدوءًا ظاهريًا، ويخفي غليانًا داخليًا، ليس الفقر

وحده دافعه، وإنما ظروف أخرى كثيرة، تجعل الشعور بالاستقرار بعيد المنال، لأنه في واقعه مجرّد إحساس خادع

ومؤقت، وسوف تستطيع أي هزّة عميقة أن تكسره. الرواية توحي بانطباع يقول إن حياة الفلسطيني في تجمعاته

الخليجية ليست سوى نوع من التحايل على الحياة، يجعله يعيش يومه بالقوّة لا بالفعل، وهو يحرص على ترقيع

واقعه الاقتصادي، وسط رفاهية هائلة تحيط به، ويتمتع بها غيره. إن النساء المدبّرات في الرواية يخترعن «مخابئ سرية» طريفة لتوفير شيء من المال القليل الذي يحصل عليه

الأزواج العاملون، حتى يوفرنه لحين حاجة، وهي مخابئ تتحول إلى نوع من الأحاجي التي تستدعي كثيرًا من

التندر، خصوصًا أن الرواية تتابع تفاصيل الحياة اليومية للعائلة الفلسطينية المتواضعة الدخل، كما هي الحال لدى

غالبية هذا التجمع، متابعة ترسم صورة بليغة لمجتمع داخل مجتمع، تضافرت ظروف حياته كي تجعله محافظ ا على خصوصيته، ومن هذه الظروف قلقه العام، بسبب حرمانه من الوطن والمواطنة معًا، ولذلك فإن ذلك

الإحساس الخادع بأننا «كنا نعيش في بيوتنا كأننا عائشون فيها أبدًا» سوف تبدده طرقات صاحب البيت،

مهددًا بكسر الباب، وهو يطالب بالإيجار المتأخر؛ كما أن الإحساس بأن «الكويت سترجع إلينا، بلدنا الوحيد

الذي عرفناه»، سوف ينتهي إلى نقيضه، مع الاضطرار إلى الرحيل الذي يكاد يكون إجباريًا، وهو الرحيل

الذي حمل فيه الفلسطينيّ خلاله وطنا في سيارة، فأعادت الرواية بذلك تمثيل النزوح الأوّل، ماديًا وعاطفيًا.

ألوان من الهروب

مثل هذا الصدق الذي يتعامل مع حياة حقيقية، بعيدة عن الحلم المكسور، لم تستطع الرواية الفلسطينية، خارج فلسطين، وخصوصًا في المنافى القريبة منها، أن تتوصل إليه بقوة، فألجأت الحيرة بعض الروائيين إلى نوع من

العودة الخيالية إلى فلسطين، عن طريق الاستماع إلى راوٍ - ليس هناك ما يضمن أنه قادر أو موضع ثقة - يتحدّث

عنها، كما فعل حسن حميد وهو يكتب عن مدينة القدس، في روايته مدينة الله، فيحاول – سماعيًا - أن يرسم

خطوطًا جغرافية ودرامية، لمدينة لم يرها قط، في تعبير لا يمكنه أن يكون كاملا؛ أو عن طريق رحلة -قد تكون خيالية- يقوم بها ربعي المدهون في رواية السيدة من تل أبيب، فلا تحقق الوضوح الذي أراده، ولا تتقن وصف مكان لا معرفة لصاحب الرحلة به، بالإضافة إلى ما تثيره من إشكاليات حول طبيعة العلاقة مع امرأة مرافقة تنتمي إلى الاحتلال، ضمن شروط الحساسية التي يحملها مثل هذا التوجّه. وإذا اعتبُر الميل نحو «العودة

المتخيلة» إلى الوطن نوعًا من الهروب الذي فرضته العودة المنقوصة بعد أوسلو، خصوصًا ممّن لم تتح لهم مثل

هذه العودة من فلسطينيي الشتات، فإن هناك هروبًا أكبر في اتجاهات أخرى، مارسه الجيل الأسبق من الروائيين،

وجيل الفترة الانتقالية أيضًا، وهو الهروب – لا شعوريًا- إلى التاريخ.

12   حزامة حبايب، قبل أن تنام الملكة (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.)2011

13   حبايب، ص 47 وما بعدها. 14   حبايب، ص.176 15   حبايب، ص.184

16   حسن حميد، مدينة الله (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.)2009

17   ربعي المدهون، السيدة من تل أبيب (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.)2009

جاء بعض ذلك من باب تقليد «موضة» الكتابة استنادًا إلى التاريخ، وهو تقليد كثيرًا ما وقع فيه الروائيون العرب

في السنوات الأخيرة التي جاءت بعد النجاح الكبير الذي حققته روايات أمين معلوف، كما هي عادة كثير منهم

في أن هيُرعوا إلى تقليد أي نمط في الكتابة يحقق انتشارًا؛ كما جاء أيضًا من باب تجنب الكتابة عن واقع فلسطينيّ

أخير، يكاد يكون ساكنًا في الظاهر، ويصعب عليهم أن يستشعروا غليانه الداخليّ، كما سيفعل بعدهم جيل

يعيش هذا الغليان. والعودة إلى التاريخ تسير في مسارين: الأول اعتمدته الرواية الفلسطينية كثيرًا، واستند إلى

إعادة كتابة الذاكرة من أحداث تعود إلى زمن النكبة (1948) وما رافقه من مجازر ومقاومة واقتلاع وتشريد،

كما في معظم الروايات الفلسطينية التي سجلت تلك المرحلة، ومن بينها ثلاثية نمر سرحان الروائية طريق بين

الجبال، المطارد، المخفية؛ أما الثاني فيتعلق بالعودة إلى تاريخ يُستقى من البحث، سواء أكان بعيدًا إلى حدّ ما،

كما في رواية إبراهيم نصر الله قناديل ملك الجليل، التي تروى سيرة الوالي الفلسطينيّ ضاهر العمر وتختلط

فيها الوقائع التاريخية بما هو متخيل، أم كان أقرب من ذلك، كما في رواية سحر خليفة أصل وفصل، التي

تروي ظروف المجتمع الفلسطيني، والمعارضة الفلسطينية لوعد بلفور، بعد الانتداب البريطاني على فلسطين. وهذا النوع من الكتابة لا يضيف كثيرًا إلى التجارب الفلسطينية السابقة؛ فمع أن الرواية تعتمد على اختيار

الأحداث التي تدخلها في نسيجها، حتى ترسل مقولتها من خلالها، فإن الالتزام بالتاريخ كثيرًا ما يوقع الكاتب

في مزالق لا يحسن أن يقع فيها: فما هي الحكمة التي يمكن أن تعود على قارئ رواية، حين يجد أبناء ضاهر

العمر يتآمرون عليه مع أعدائه، وكيف يمكن أن يفسر انحياز المزاج الروائيّ إلى العدو -حتى من باب

الواقعية- كما يحدث – مرّات - عند سحر خليفة، ومنه مثلا أن تصف صمود العدو بأن «ناس المستوطنات

ماتوا من الجوع، أكلوا الأعشاب، أكلوا السحالي والجرذان، شربوا ماء الآبار العتيقة ومضغوا الخرفيش،

ورفضوا التسليم، فواصلنا الحصار»، وهو ما يعني بوضوح نوعًا من الانحياز إلى المستوطنين المحارصَ، ين

ضدّ الثوار الذين تفترض الرواية أنهم مجاهدون يدافعون عن وطن يجري احتلاله بقوة السلاح. وبالرغم من أن

كتّاب الرواية الفلسطينية خارج فلسطين أوسع تجربة من كتّابها في الداخل، خصوصًا بعد رحيل رمزها الكبير

إميل حبيبي، فإن كتّاب الداخل في الغالب لا يقعون في مثل هذه الأخطاء التي تتعلق بالمكان، لأنهم يعرفونه،

ولا بالمزاج، لأنهم يعرفون العدوّ عن قرب، إلا إذا كان هذا التوجه مقصودًا لدى من يكنّ الإعجاب، حتى من

دون وعي منه، لمن يحتلّ وطنه. ربمّا كان أحمد رفيق عوض صاحب أوسع تجربة روائية، من ناحية عدد الروايات التي نشرها، بين الكتّاب

داخل فلسطين، كما أن للشخصيات الإسرائيلية حضورًا أوفر في أعماله، ولذلك يبدو من الصعب افتراض

وجود عفوية في أن تصف روايته آخر القرن جنود الاحتلال بأنهم «جنود جيش الدفاع»، حتى وإن كان

هذا هو الاسم الرسمي لجيش الاحتلال لدى أصحابه. ثمّ إنّه يقدّم صورة إيجابية تثير الإعجاب بالمفاوض

الإسرائيلي، في مقابل صورة المفاوض الفلسطيني التي تثير النفور، وتنتهي به وهو يعمل في شركة تملكها امرأة

18   نمر سرحان، ثلاثية روائية (رام الله: دار الشروق،.)2004

19   إبراهيم نصر الله، قناديل ملك الجليل (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.)2112

20   سحر خليفة، أصل وفصل (بيروت: دار الآداب،.)2008

21   نصر الله، ص 403 وما بعدها.

22   سحر خليفة، حبّي الأول (بيروت: دار الآداب، 2010)، ص.264

23   أحمد رفيق عوض، آخر القرن (القدس: اتحاد الكتاب الفلسطينيين،.)1999

24   عوض، ص.24

«ذات علاقات مشبوهة»: فبالإضافة إلى المظهر الجذاب الذي يتمتع به المفاوض الإسرائيلي، فإنه «ماهر

جدًا في إدارة مفاوضاته، فهو يختار الشكل الأنسب في طرح القضية التي يودّ ربحها (...) إنّ كلّ مفاوض

فلسطيني فوجئ تمامًا من حجم المعلومات الدقيقة الهائلة التي يملكها المفاوض الإسرائيلي (...) وأكثر من هذا،

فالإسرائيلي يرى نواقصنا وعيوبنا أكثر منا». والرواية مليئة بمثل هذه الأوصاف التي لا توجد بهذا القدر

من الوضوح لدى أي كاتب فلسطينيّ آخر، حين يتعامل مع شخصيات يكون مضطرًا إلى الاحتكاك بها، بسبب

واقع الاحتلال، الذي جعلها من الشخصيات الروائية التي تتكرّر في الإنتاج الروائي داخل فلسطين. ومثل

هذا الإنتاج لا يمتاز بسِمَة إدخال هذه الشخصيات فقط، ولكنه في الغالب مختلف عن الإنتاج الذي سبقه، لا

بموضوعاته التي يلتقطها من معاناته وحسب، وإنما بأولوياته أيضًا، وبنوعية تجاربه، وهو ما ينعكس بعد ذلك

على الأسلوب الفني ذاته.

من الخارج إلى الداخل

من المهم الإشارة إلى أن ما هو قريب من الانقطاع التام قد حدث بالفعل بين ما كان يُكتب من رواية فلسطينية قبل

سنوات، وكثير ممّا يكتبه الآن الروائيون والروائيات، وخصوصا الشباب منهم، داخل فلسطين، وإلى أن مرحلتين

في الحياة الفلسطينية تسببتا في مثل هذا الانقطاع: واحدة منهما جاءت من خارج الوطن، وحملت ملامح النكبة،

وما رافقها من حلم بالتحرير، والثانية ارتبطت بالحياة داخل الوطن، في صدام يومي مع الاحتلال، ونضال لا

يتوقف من أجل التحرّر، خصوصًا بعد الآثار العميقة التي أحدثتها الانتفاضة الأولى في شخصية الفلسطيني،

وفي العلاقة بينه وبين المحتل، حين جعلت كلّ طرف يشعر بانفصال كيلّ عن الطرف الآخر، فجعلت الاحتلال

يشعر باستحالة تطويع الفلسطينيّ، وجعلت الفلسطينيّ يرفض أن يكون تابعًا للاحتلال، ثم يصطدم به، وهو

ما لم تظهر له ثمار في اتفاقيات التسوية، باستثناء أنها سمحت بعودة عدد قليل من الكتّاب، بسبب العلاقة المباشرة

لمعظمهم بالسلطة الجديدة، وذلك ضمن نسبة ضئيلة من الفلسطينيين في الشتات، الذين سمحت لهم اتفاقيات

أوسلو بتلك العودة المنقوصة. انطلاقًا من ذلك، يمكن رصد ثلاثة اتجاهات في الكتابة الروائية الفلسطينية، في العقدين الأخيرين، وخصوصًا

بعد أوسلو: الاتجاه الأوليرتبط بكتّاب الأجيال السابقة، من الذين ظلّوا خارج الوطن، أو عادوا إليه، لكنّهم انفصلوا عن

حلمهم الوطنيّ القديم، وربما نظرتهم السابقة إلى قضية الوطن، بسبب ما استجدّ من واقع أجهض هذا الحلم،

أو غريّ طبيعته إلى حدّ كبير، وهو ما تسبب في تكرار صيغ إنتاجهم، أو في تقلّصه أو تراجعه أو توقفه. وربما كان

الارتباط الوثيق بالواقع المستجدّ، بالنسبة إلى معظم الذين عادوا، سببًا في ذلك، لأن ارتباطهم بالسلطة لم يعد

يسمح لهم بأن ينقدوا الواقع الذي جاء بها، باعتبارهم جزءا منه. لذلك عمدوا إلى التصالح مع هذا الواقع، وهو

ما يؤثر في جذوة الكتابة لديهم من دون شك، ويدعوهم إلى الهروب، إذا أصرّوا على ممارسة الخداع عن طريق

الكتابة. لذلك ظلّ ما أصدره كتّاب هذا الاتجاه، في المرحلة الجديدة، يجترّ ما أحدثته النكبات المتتالية، بالعودة إلى

مرحلة التشرّد الأولى، وحسراتها في الغالب، وما أنتجته بعد ذلك، وتصوير ما حلّ بالأرض والناس، خصوصًا

25   العيلة،، ص المرأة.149

26   عوض، ص 69.71

في رحلة الشتات. ومثل هذا الإنتاج لم يرقَ في مجمله إلى ما سبق أن أنتجوه، أو أنتجه رواد أوائل لهذه الكتابة،

مثل غسان كنفاني. وأبرز مثال يمكن أن يضُرب في هذا الاتجاه، الذي يغطي جيلا سابقًا تنازعه البقاء في أرض الوطن وخارجه، هو

ما قدّمته سحر خليفة - بنجاح يمكن أن حيُسب على أفضل إنتاجها - عن فترة الانتفاضة الأولى (كما في رواية

باب الساحة). وكيف استمرّت بعد ذلك في ملاحقة الحوادث، كما فعلت في كلّ رواياتها السابقة (وإن بنجاح

فنيّ أقلّ)، فقدمت في رواية الميراث محاكمة روائية لفترة ما بعد أوسلو، بهدف بيان فشلها، وتوضيح ما خلفته

من تأثير سلبي على الشخصية الفلسطينية، إضافة إلى الواقع الفلسطيني. ثمّ سجّلت الهجمة الإسرائيلية الشرسة

على مدينة نابلس، ومحاصرة مقرّ الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، خلال انتفاضة الأقصى، في رواية،

ربيع حار، قبل أن تعود بعد ذلك إلى الاتجاه السابق، وتلجأ إلى استعادة الحنين إلى الماضي، في مواجهة الحاضر

الذي يحمل على اليأس، وذلك عن طريق العودة إلى تاريخ قديم، (كما في رواية أصل وفصل، ثمّ رواية حبّي

الأول). وقد يكون لهذا التوجه علاقة بقرار الخروج الاختياري من الوطن، لأنه جاء بعده مباشرة. الاتجاه الثانييرتبط بمن كتبوا من داخل الأرض المحتلة، قبل مرحلة أوسلو. وكتاباتهم، رغم أنها كانت قريبة من

القلب ذات زمن، فهي تشير فنيًا إلى نوع من العزلة، يتعمّد الاحتلال فرضها بالتأكيد، للفصل عامّ يحدث في العالم

من تطورات ثقافية، خصوصًا في فن الرواية، الذي يخصّ كتّابها، ولذلك استمروا في الكتابة على النمط القديم

ذاته، بالنسبة إلى من استمرّ، بعد توقف كثيرين. لكن أيًا منهم لم يستطع أن يحقق تجاوزًا يمكن التنويه به، مقارنة

بمن كتبوا قبلهم من داخل الوطن، خصوصًا أنّ مجال كتاباتهم ظلّ محصورًا في ما هو تاريخيّ، مثل أبناء جيلهم

خارج الوطن، سواء أكان ذلك بالعودة إلى النكبة أو النكسة كتاريخ، أم إلى ما هو أقدم منها، من فصول مشابهة

في التاريخ العربي، ومحاولة إسقاط ما حدث فيها على ما يحدث الآن. ومن الواضح أنه كان لرقابة الاحتلال على

النصوص تأثير في الضعف الفني الذي لحق بها سابقًا، وهو ضعف استمر لدى هذه الفئة، بعد مرحلة أوسلو،

رغم تغير ظروف التعبير، في معظم فنون الكتابة. والأمثلة على هذا الاتجاه كثيرة، بعضها يأتي من أسماء روائية معروفة، مثل جمال بنّورة الذي رصد الانتفاضة

الأولى في روايةانتفاضة، وأحمد حرب في رواية الصعود إلى المئذنة التي تستقي حوادثها من النكسة، ومن

احتلال الجيش الإسرائيلي للضفة الغربية (1967)، لتكشف الفشل العام في المواجهة أو الدفاع، على المستوى

الرسمي على وجه التحديد. وهما روايتان تُنسبان إلى النمط التقليدي الذي سارت عليه الرواية الفلسطينية، من

دون أن تلمسا القفزة المختلفة التي اتجهت إليها كتابات الجيل التالي. ويبدو أن الكتّاب الذين كانت لهم تجارب

في هذا النمط من الكتابة، لم يستطيعوا أن يكيفوا أنفسهم مع الأوضاع الجديدة التي برز للتعامل معها، بصيغ

جديدة، كتّاب آخرون. الاتجاه الثالثهو الاتجاه الأكثر أهمية في الرواية الفلسطينية الآن، ويمكن الرّهان عليه من أجل مستقبل هذه

الرواية، لأنه يجتاز أبوابًا جديدة في هذا الفن، بدءا من تجاربه الأولى، التي لا تخلو، بالتأكيد، من أخطاء التجارب

27   سحر خليفة، باب الساحة (بيروت: دار الآداب،.)1990

28   سحر خليفة، الميراث (بيروت: دار الآداب، 1997)

29   سحر خليفة، ربيع حار (رام الله: مركز أوغاريت الثقافي،.)2004

30   جمال بنورة، انتفاضة (عمان: دار الشروق،.)1998

31   أحمد حرب، الصعود إلى المئذنة (عمان: دار الشروق،.)2008

الأولى، ولكنها تشعر بأن آفاقًا أخرى في الرواية الفلسطينية فتحها كتّابها رجالا ونساءً. يمثّل هذا الاتجاه عدد

غير قليل من كتّاب الرواية الشباب داخل الوطن الفلسطينيّ، ممّن عاشوا وسط بيئتهم، وعايشوا الانتفاضة

الأولى في مطلع شبابهم، وشاركوا فيها، ووقفوا وجهًا لوجه أمام جنود الاحتلال، وعانوا قسوته فعلا مباشرًا،

حتى أدركوا، بالممارسة، ما تعنيه الطموحات الوطنية نحو التحرّر، ووعوا ضرورة نقد الواقع، وفتح باب جديد

للأمل، في الطاقة الكامنة للمجموع، الذي يحسن الصمود على الأرض، ومواجهة ما يطرأ بسبب ذلك من أخطار. ولذلك اعتبُرت الانتفاضة أول تأكيد موضوعي لهوية الفلسطينيّ تحت الاحتلال، ووضعت حدًا

للتفكير الذي كان يرى إمكانية التعايش بين شعب معتد، وآخر يخضع لاحتلاله. ولأن هذه القناعة جاءت

كمحصلة لكلّ النضال السابق، فقد منعت اتجاه «الأسرلة» الذي كان مطروحًا بقوة، كونها لا تنطوي على

حلّ للمشكلات المتعلقة بالعرب الفلسطينيين؛ وأبرزت الاتجاه النقيض الذي يدعو إلى إقامة دولتين للشعبين.

أنماط دون حدود

على مستوى الكتابة الروائيّة التي ولدت في هذا الواقع الجديد، يمكن القول إنها كتابة تُنسب إلى الحداثة في

مجملها، حتى حدود التفكيك في بعضها. وفيها يمكن أن تلمس قدرة الكتّاب على التعامل مع الواقع من داخله،

من دون أي تهويمات أو أحلام، رغم حجم التعقيدات التي يشهدها هذا الواقع، والعوامل المتداخلة التي تؤثر

فيه، وذلك بهدف الوصول إلى معادلة مختلفة عامّ كان عليه الحال في الكتابة الروائية السابقة. وإذا رأى بعض الآراء أن مسيرة أوسلو هي التي وضعت الحدّ النهائيّ للانتفاضة الأولى، فإن ما جاءت به أوسلو بعد ذلك

اعتبُر على المستوى الروائيّ «مرحلة الصدمة» التي طاولت جميع ما تبع ذلك، سواء أتعرضت هذه الروايات

لأوسلو بشكل مباشر، أم تأثرت بما أنتجته من ظروف، بشكل غير مباشر. ولم يكن التأثير في الموضوعات التي تطرحها الرواية الفلسطينية فقط، ولا بالإحساس الجديد الذي أطلق عليها صفة «نصوص الخيبة»، وإنما انسحب ذلك على التفاصيل الفنية في الرواية، فحملت سمات فنية جديدة تميزها ممّا سبق، من أبرزها

تعدُّد الأصوات فيها، والتعامل المختلف مع الزمان والمكان، والتنوّع الواسع في الشخصيات، وغير ذلك من

مكوناتها. لقد أصبح للفلسطيني مكانه الذي يستطيع أن يتحدث فيه بحرية تختلف كثيرًا عامّ كان متاحًا له من قبل، وصار

في مقدوره أن يختار مكانه الواقعي الذي يعيش فيه، وحيُسن التعبير عنه، بدلا من المكان البديل في الشتات، مخيامً أو منزل لجوء، أو مكانًا تختزنه الذاكرة، فلا تبقى منه سوى صورة غامضة. لقد صار الكاتب الروائي يتحدث

عن شارع محدد، في مدينة محددة، أو عن حقل يعرفه في قرية يعرفها، أو عن مخيم داخل الوطن، فصار المكان بطلا في كثير من الأعمال، خصوصًا تلك الأمكنة التي شهدت صدامات متواصلة مع الاحتلال، وعوملت كأمكنة

واقعية، لا ممّا ينسجه الحلم.

32   أنطون شلحت، «الهوية الثقافية لفلسطينيي الداخل»، في: شريف كناعنة [وآخرون]، في الثقافة، الهوية والرؤيا: وقائع مؤتمر الثقافة

الفلسطينية في الداخل (عكا: دار الأسوار، 2007)، ص.60

33   وليد الشرفا، «أسلوبية التحوّل والاغتراب»، في: عزت الغزاوي (إعداد)، تأملات نقدية في نماذج من الأدب الفلسطيني (رام الله:

مركز أوغاريت الثقافي للنشر والترجمة، 2001)، ص.26

34   عادل الأسطة، أدب المقاومة: من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات (غزة: وزارة الثقافة الفلسطينية، 1998)، ص.9

إن من يتابع روايات سحر خليفة سيجد مدينة نابلس حاضرة في معظمها، إلى الحدّ الذي تحمل فيه إحدى

روايات الانتفاضة اسم حيّ في المدينة القديمة، هو «باب الساحة»، وهو ما يمكن أن يقال عن مدينة رام الله،

التي تتحرك فيها الشخصيات طولا وعرضًا، كما يفعل بطلا رواية داليا طه عرّافو السواد، حين يجوبان

الشوارع والمقاهي، مستغلين لحظات الأمان التي تطرأ، وسط الاجتياح الذي رافق انتفاضة الأقصى؛ أو كما

يفعل بطل رواية توفيق أبو شومر الصبيّ والبحر، وهو يقطع غزّة، بدءًا من زاوية في أحد مخيماتها، مرورًا

بشوارعها، وصولا إلى بحرها، ليروي شهوته إلى السفر. وقد يضيق المكان حتى يصبح مكانًا حميامً في بعض

الأوقات؛ فبالرغم من أن رواية مايا أبو الحيّات عتبة ثقيلة الروح تدور في رام الله عمومًا، فإن حرم جامعة

بيرزيت يحتل حيّزًا كبيرًا فيها، لأن معظم العلاقات الأساسية تبدأ هناك. أما رواية أكرم مسلّمسيرة العقرب

الذي يتصبب عرقًا فاختصرت المكان إلى «الفراغ بين الخطّين الأصفرين المرسومين على أسفلت الموقف على

مقاس سيارة» في موقف بالأجرة، بالقرب من «أسود المنارة» وسط رام الله، حيث تُكتب حكاية العجز

العضويّ/السياسيّ للإنسان الفلسطينيّ بعد أوسلو، أو تُروى. أما القدس، التي حاول كثيرون أن يحوّلوها إلى رمز، فقد حافظت على رمزيتها في رواية أماني الجنيدي قلادة

فينوس، من دون أن تفقد طبيعتها كمكان حقيقيّ، يعيش فيه بشر حقيقيّون، وبذلك تجاوزت الروايات السابقة

التي نظرت إلى القدس نظرة متشابهة، وهي أقرب إلى نظرة السياح: «لم تترك السنوات التي مرّت القدس على

حالها. تغريّ ت ملامحها. بدت أكثر انتفاخًا، وأشدّ سفورًا. تنفست عميقًا وأنا أراقب الشوارع التي ازدادت

ضخامة: الوجوه المتنوعة، الأحياء المختلطة، الأبنية العالية، تلك الأعلام الزرقاء. سألت نفسي: أهذه هي

القدس». والإشارة إلى ما يجري من تغيير في القدس كمكان وفي غيرها من الأمكنة الفلسطينية، هي

وسيلة الكتّاب للتمسك بالمكان الفلسطيني الوطن من ناحية، ووسيلة أخرى لنقد الأسباب التي أدت إلى

السماح للاحتلال بأن يستفرد بمصير هذا المكان من ناحية أخرى، وهو ما فتح الباب إلى نقد متعدّد الصيغ لواقع

السلطة التي جاءت بها أوسلو، كخطوة نحو التحرير، فأخذت تبدو، بسبب سلوكها عمومًا أداة للتهويد. يكتب وليد الشرفا مثلا، روايته القادم من القيامة، متخذ ا من الانتفاضة الأولى مادته الأولية، ثمّ يتطرّق إلى

النتائج التي أسفرت عنها، ممثّلة في اتفاقيات أوسلو، فيتحدّث بمرارة شديدة عن موت شيء كان حقيقيًا، وهو

يفكك مجريات الواقع بقسوة، ويخرج من التجربة التي عاشها بإدانة شاملة لكلّ ما طرأ، لأنه لم يحقق النتيجة

المنطقية المؤمّلة لتضحيات شعب خاض ذلك الصراع الوجودي مع الاحتلال، وأجبره على أن يدرك أنه غير

قادر على الاستمرار في حكم شعب آخر. لقد جاءت النتيجة على النقيض من ذلك تمامًا: ثلاثة نماذج من الذين

خاضوا الصراع بجدية تهدف إلى تحرير الوطن، كانت حصيلة تضحياتهم أن واحدًا منهم استُشهد، والآخر

هاجر، والثالث تحوّل إلى مشرّد داخل وطنه، قبل أن يقتله الوطن. وحين يعود الصديق المهاجر، يشدّه حنين لم

يفارقه، رغم رغد العيش الذي هيئ له في البلاد البعيدة، يعرف أن صديقه رحل للتو. وعندما يحاول أن يشارك

في جنازته، يكتشف أن تحولّا كبيرًا حدث في الوطن، ممثلّا في أبناء قريته، فهذا الوطن الجديد، ظنّه لصّا، وعامله

35   داليا طه، عرّافو السواد (رام الله: مركز أوغاريت الثقافي،.)2007

36   توفيق أبو شومر، الصبيّ والبحر (رام الله: مركز أوغاريت الثقافي،.)2009

37   مايا أبو الحيات، عتبة ثقيلة الروح (رام الله: مركز أوغاريت الثقافي،.)2011

38   أكرم مسلّم، سيرة العقرب الذي يتصبب عرقًا (بيروت: دار الآداب؛ رام الله: مؤسسة عبد المحسن القطان، 2008)، ص.11

39   أماني الجنيدي، قلادة فينوس (رام الله: وزارة الثقافة الفلسطينية،.)2009

40   وليد الشرفا، القادم من القيامة (رام الله: مركز أوغاريت الثقافي،.)2008

كلصّ. أما الذين استفادوا من التحوّل، فهم الانتهازيون، الذين يمثل الشاعر نموذجًا خالصًا لهم؛ فبعد أن

كان يراقب المناضلين الثلاثة لصالح الاحتلال، أصبح بقدرته على التسلق، والنفاق، شاعر الوطن، الذي يعلو

صوته في تكريس ذاته مضحيًا من أجل الوطن، ليكون ذا نفوذ فيه، ثمّ يتمكن بعد ذلك من الاستيلاء على مكانة

الشهيد، وتملّك زوجته، وابنته الصغيرة، التي تمثل المستقبل.

شخصيات أكثر

تضاعفت الفرص في تنويع الشخصيات الروائية التي يمكن تصويرها، بدخول ما لم يكن متاحًا في الخيارات

السابقة. وإذا كان اللاجئ المطحون، ثمّ الفدائيّ المقاتل، هما الشخصيتين اللتين سادتا في معظم الأعمال الروائية

(المقبولة فنيًا) في الشتات، فإن الشخصيات السائدة تكاثرت في الداخل إلى حدّ كبير، فكان منها الفلاح والعامل

(خصوصًا لدى الاحتلال) والمناضل والسجين والعميل المتعاون، بالإضافة إلى الشخصيات الاحتلالية ذاتها،

التي تملك تنوّعًا يتناسب مع مساحة الاحتكاك التي تبدأ من الجنديّ والسجّان، وتمرّ بعديد من الشخصيات،

حتى تنتهي عند صاحب العمل، بما ينسجه ذلك من علاقات صراع لم تكن قائمة روائيًا من قبل. وربما كانت

هذه الشخصيات هي أبرز ظاهرة عرفتها الروايات الفلسطينية خلال العقدين الماضيين. إن رواية أسامة العيسةالمسكوبية تختصر رحلة العذاب التي يمرّ بها أسير فلسطينيّ، يطالب بحرية وطنه. والرواية

تقدّم الوجه القبيح للاحتلال في تعامله غير الإنساني مع أسرى الحرية، وتصوّر سبل التعذيب التي يلجأ إليها،

بشكل واقعي يوحي بصدق التجربة التي لا تتاح إلا لمن يعيش على أرض فلسطين، وفي القدس منها على وجه

الخصوص، ويرى كيف يحوّل الاحتلال مكانًا كان ثقافيًا في أساسه، إلى مكان أمنيّ أسود، يمكن التعرّف على

مقدّمة التعذيب فيه: «أطلّ المحقق الذي اقتادني قبل قليل حاملا ملفًا في يديه، وأشار إلى الاثنين. دفعاني أمامهما.

تيقنت أنني سأعود إلى الساحة من جديد. سيضعون كيس الخيش الغارق بالبول على رأسي، ولن يكتفوا بواحد،

سيضعون كيسًا آخر فوقه، ويربطون يديّ من الخلف، وسيختارون مزراب ماء ويوقفونني تحته». أما رواية مشهور البطران آخر الحصون المنهارة، فهي تُصور أوسع احتكاك يمكن أن يحدث مع الإسرائيلي

الذي يمكن أن يُعتبر عاديًا، لأن بطلها الشاب الفلسطيني يدخل، كعامل، مزرعة تملكها عائلة إسرائيلية

تسكن بيتًا فيها أيضًا، وهي عائلة نووية، مكونة من أب طيب مريض، وأم لا تزال تملك بعض شبابها وشبقها،

وابن وابنة شابين: الأول يتسم بالواقعية، ويخدم في الجيش، والثانية تتسم بالعنصرية، وترتبط بقائد لإحدى

عصابات الاستيطان. وفي الرواية تجري استباحة الشاب، بالعمل المضني أولا، ثم بالاستباحة الجنسية من قبل

الأم، والاستفزاز من قبل البنت التي تُقتَل عن طريق الخطأ، لكن الحقد الذي يطارد الشاب الفلسطيني يكون

عنصريًا وعامًا، خصوصًا أن الحوادث تجري مع انطلاق الانتفاضة، فقد «تجمهر كلّ سكان القرية دون أن

يتخلّف أحد منهم، واصطفوا على جانبي الطريق، في صفين متقابلين، منهم من صعد على ناقلات الخضار لكي

يستشرف القاتل من بعيد (...) يشيرون إليّ بالكلمات المسمومة: (...) لا يؤمَن للعربي جانب، حتى بعد موته

بأربعين عامًا».

41   العيلة، صورة الذات، ص.24

42   أسامة العيسة، المسكوبية (رام الله: مركز أوغاريت الثقافي، 2010)، ص.19

43   مشهور البطران، آخر الحصون المنهارة (رام الله: مركز أوغاريت الثقافي، 2005)، ص.133

ومن الملاحظ أن معظم الروايات الجادّة، التي تُكتب الآن في فلسطين، تأخذ المنحى ذاته، حتى وإن كانت أقل

تشاؤمًا في بعض الأحوال: ففي رواية عرّابو السواد من السهل أن يلاحَظ ظلّ الموت والهجرة في كلّ لحظة، رغم

أن الرواية تحاول أن تجد للحبّ زاوية في مقهى، تحت حالة من الاجتياح أو الحصار. وأضافت مايا أبو الحيات

في روايتها حبّات السكر قضية الاعتقال الذي يحرم الفلسطيني من الحياة الطبيعية، وهي قضية تشك ل جزءًا

أساسيًا من المادة الروائية الفلسطينية الجديدة. كما أضافت عدنية شبلي في روايتها كلنا بعيد بذات المقدار عن

الحب، موضوع العمل لصالح العدو، بشكل مختلف عامّ أثير حول العملاء في روايات فلسطينية سابقة. أما

باسمة التكروري، فأضفت عائقًا جديدًا أمام الفلسطيني يتمثل في الحواجز التي تقطع أوصال الوطن، فكانت

جميع حوادث روايتهاعبور شائك محكومة بمزاج جنود الاحتلال أمام حاجز قلنديا الذي «ينظ م» العبور في

اتجاه القدس. وبالرغم من أن كلّ من تطرق إلى التعاون مع العدو أدانه في الرواية الفلسطينية، واعتبره خيانة للوطن، وأطلق

على من يقومون بذلك في السجون على وجه الخصوص، لقب العصافير، فإن الرواية الفلسطينية لم تخلُ ممّن

يبرر قبول الاحتلال، بالأسلوب الذي يُصطلح على تسميته «التطبيع»، وذلك من باب الإحساس بالدونية

تجاهه، أو من باب تقليد المغلوب للغالب. وغالبًا ما يجيء هذا الموقف في كتابات شباب يعيشون داخل الخط

الأخضر، متأثرين بثقافة الاحتلال. وتشكل رواية علاء مفيد مهنا مقدسية أنا نموذجًا لهذا التوجه، فهي تطالب

الفلسطينيّ، ذكرًا وأنثى، بأن يسلك اجتماعيًا مثل اليهودي، وأن يتنازل إلى الحدود التي يرضى بها المحتل، لأن

لا خيار آخر لديه، ثمّ توجه الخطاب إلى فلسطينية مسلمة تقدّمها على علاقة (طبيعية) بشاب يهودي قائلة: «أنت

تؤمنين بالعمل العربيّ اليهوديّ المشترك، آمني بالحياة المشتركة، وتزوجيه. أم أن الثورية عندك مجرّد كلام؟».

لكن هذا الاتجاه يُعتبر نادرًا في الرواية الفلسطينية، والكتابة الفلسطينية عمومًا.

أرضية واحدة

ولأن الواقع الذي تصدر عنه الرواية الفلسطينية الجديدة واحد أمام جميع كتّابها، وإن كانت لكلّ كاتب زاوية

نظر خاصة به، فإن بعض السمات المتشابهة في هذه الروايات يمكن أن تلاحَظ، لا من ناحية موضوعها، أو مادتها

الحكائيّة فقط، وإنما أيضًا من ناحية الأسلوب الذي تُكتب به، لتشير إلى قدرة الواقع على توجيه الكاتب نحو

أسلوب يناسبه. أبسط ما يمكن أن يُشار إليه في موضوع التشابه، هو المقارنة بين ثلاث روايات كُتبت عن حادث

واحد، هو اجتياح البلدة القديمة في مدينة نابلس، الذي تطرقت إليه رواية سحر خليفة ربيع حار، وغطّته أيضًا

رواية عفاف خلف لغة الماء، ثم تعاملت معه، في جزء منها، رواية عدوان نمر عدوان عودة الموريسكي من

تنهداته: فبالرغم من أن الأولى كتبت جزءًا من روايتها من خلال مقابلات من عايشوا الحوادث، في مدينة

44   مايا أبو الحيّات، حبات السكّر (رام الله: المؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي،.)2004

45   عدنية شبلي، كلنا بعيد بذات المقدار عن الحب (رام الله: مؤسسة عبد المحسن القطان،.)2004

46   باسمة التكروري، عبور شائك (رام الله: دار البيرق العربي،.)2009

47   العيلة، صورة الذات، ص.38

48   علاء مفيد مهنا، مقدسية أنا (عمان: الأهلية؛ رام الله: مؤسسة عبد المحسن القطان، 2011)، ص.35

49   عفاف خلف، لغة الماء (رام الله: مركز أوغاريت الثقافي،.)2007

50   عدوان نمر عدوان، عودة الموريسكي من تنهداته (رام الله: مركز أوغاريت الثقافي،.)2010

تعرفها جيدًا، وأن الثانية عايشت الأحداث بنفسها، في المدينة ذاتها، فإن التشابه يبدو واضحًا في سرد هذه

الحوادث، ووصف مشاعر الناس ومواقفهم، وخصوصًا ما كانت تفعله النساء، من باب المقاومة، في الأزقة

الضيقة (الأحواش) المحاصرة، التي تتعرّض للاجتياح. أما الرواية الثالثة، التي وازت بين سقوط غرناطة في

التاريخ العربي وسقوط نابلس أمام الاجتياح الإسرائيلي، فقد كان فيها جزء بسيط -ومشابه- لوصف الاجتياح

الذي تعرضت له المدينة. ويتداخل هذا التشابه حين نلاحظ أن القضايا التي تُطرح تكاد تكون واحدة، همّها الأول متصل بالاحتلال:

وصف بشاعته، وكيف يقاوَم، والقضايا التي تتفرّع عنه، والعوامل التي تحدّ من القدرة على مواجهته. وحين

ندرك أن الكاتب الفلسطينيّ لا يزال محكومًا بقضيته، لا يستطيع تجاوزها، خصوصًا عندما تكون هذه القضية

نابضة أمامه، فسوف نلاحظ أن مساحة التحرّك في كتابته أضيق ممّا هو متاح أمام غيره من الكتّاب. مع ذلك، فإن

الكاتب الفلسطيني ما زال يجد ما يقوله في هذا الحيّز الضيق، بسبب حجم المعاناة التي توسع مساحته، وبسبب

ما تحظى به قضيته من اهتمام. هذه المساحة الضيقة هي التي قادت الكاتب إلى البحث عن حركة واسعة داخل النص ذاته، وكانت سببًا في

التوصل إلى أشكال جديدة، يحتمل أن تتسم بالتشابه نتيجة لذلك؛ فمن متابعة الأعمال الروائية التي كتبها الشباب

مثلا، يمكن أن نلاحظ بعض السمات المتشابهة التي تفرضها مساحة الواقع، لا في موضوع المضمون فقط، وإنما

في الشكل الفني للكتابة أيضًا: هناك تحرّك في مساحة زمنية ضيقة على سبيل المثال، تتناسب مع المساحة المتاحة

للحركة، مكانًا أو تفاصيل حوادث، وهو ما يجعل معظم الروايات تحصر حوادثها داخل فترة زمنية قصيرة. إن

رواية عفاف خلف تغطي أيام الاجتياح، بينما تغطي رواية وليد الشرفا بضعة أيام للتأمل والمكالمات الهاتفية، ولا

يكاد الزّمن يُلمس في رواية داليا طه، بينما يمتد هذا الزمن شهورا قليلة في رواية مشهور البطران، في حين كانت

روايات الأجيال السابقة تمتد زمنيًا سنوات طويلة. كما يمكن أن يلاحَظ أن كثيرًا من هذه الروايات يحوّل الشخصيات إلى رموز، إلى الدرجة التي يجري فيها تجاهل

أسمائها. وحين يكون ذلك، فهو يتمّ بقصد واع. إن وليد الشرفا مثلا يكتب عن الصديق والشهيد والزوجة

والشاعر، من دون أن يسمّي أحدًا منهم؛ أما داليا طه، فتكتب عن (هو وهي) من دون أسماء أيضًا، وهو ما

يحدث في كثير من الأعمال الروائية التي تميل نحو الحداثة في الشكل، من غير أن ينسحب ذلك على تلك التي

كتبت بتسلسل زمني عادي للحوادث، أو بطريقة تقليدية. لكن أبرز ما يمكن أن يلاحَظ، في موضوع التشابه،

هو السرد من خلال أصوات متعددة، وهو سمة تغطي معظم الروايات الصادرة خلال السنوات الأخيرة،

سواء أكانت تسير على النمط التقليدي في الكتابة بتسلسل زمني، أم تحاول أن تخرج عنه. هذا الأسلوب قد

يأتي من خلال تبادل الأصوات، كما في رواية وليد الشرفا، التي يتحدث فيها الصديق المهاجر بصيغة الأنا، ثم

يخاطب الصديق الباقي، لينتقل السرد إليه، وهكذا في تبادلية ممتعة، تجعل التركيز في متابعة الأصوات المتعددة

أمرًا ضروريًا. ويكون تعدد الأصوات واضحًا في رواية عفاف خلف؛ فغالبًا ما يبدأ صوت جديد مع فصل جديد، وقد تلجأ

الرواية إلى الرسائل من أجل الانتقال إلى الصوت التالي، بينما تتداخل الأصوات في رواية داليا طه إلى الحدّ الذي

يصعب معه التوصل إلى معرفة الراوي في بعض الأوقات، ربما بهدف مزج الشخصيتين المتحابتين (هو وهي)

مزجًا عضويًا حين تلتقيان، خصوصًا مع وجود شخصية ثالثة غير واضحة تمامًا، يمكن اعتبارها (قرين هو)،

حين تتصارع الرغبة في الحضور مع الرغبة في الغياب، ليكون الأسلوب تجربة مقصودة، من دون أن يكون هناك

زعم نقديّ بأنه ناجح، لما يحدثه من غموض. بسبب هذا التعدد، غالبًا ما يكون تركيز الأعمال الروائية على حادث معنيّ، يُنظَر إليه كممثل لكلّ الحوادث

التي تمرّ بقضية الوطن، لذلك لا يكون التوجه إلى القضية الكلية صارخًا أو مباشرًا، كما كان الحال في الكتابات

السابقة، لأن الوطن هنا هو واقع الحال، لا تصوّر له من خارجه. إن الرواية الجديدة تتحدث عن الانتفاضة

مثلا، في مكان وزمان محدّدين، أو تتحدث عن اجتياح احتلاليّ، في زمان ومكان محدّدين، أو عن ضرورة حياتية

تدفع إلى العمل داخل إسرائيل، أو تدفع إلى الهجرة، وهي بالتالي تأخذ ما هو خاص، للتعبير عامّ هو عام،

وهو الصراع المستمرّ مع الاحتلال، في كلّ حالاته. وتأسيسًا على ذلك، يمكن القول إن تدينّ نسبة الروائيات

الفلسطينيات في الماضي آخذة في التغير في المرحلة الجديدة، لأن عدد الروائيات في الجيل الجديد من الكتاب،

حسب ما رصده د. خواجة، يناهز الثلث، ويصل إلى النصف بين الأسماء الجديدة، ومن بين ذلك أسماء بارزة في

هذا الفن الآن، وهو ما لم يحدث خلال عهود سابقة للرواية الفلسطينية. ولعلّ هذا سبب أننا نلاحظ توجهًا نسويًا في الكتابة الروائية، يحمل ملامح يشير إليها النقد النسويّ، من ناحية

المضمون: فهي تدعو إلى حرّية المرأة (وإن كانت التطلعات في ذلك محصورة داخل حدود لا تصدم المجتمع، إلا

في حالات نادرة)، ومساواتها بالرجل؛ كما أنها تتحدّث عن نضالها جنبًا إلى جنب مع الرجل، وبذلك تقدّم المرأة

في أدوار جديدة في هذا الإطار، خصوصًا ما يتصل باهتمامها بالدعم الاجتماعي لمن يعانون بسبب الاحتلال،

كالأسرى الذين يشكلون لكثرتهم ظاهرة في المجتمع الفلسطيني: زيارة لهم في الأسر، أو عناية بالرسالة التي

تركوها وراءهم، كما هو واضح في رواية مايا أبو الحيات حبات السكر. أما من ناحية الشكل، فإن اللغة النسوية

يمكن تمييزها في الكتابات النسوية ببساطة، إضافة إلى بعض السمات النسوية الأخرى في هذه الكتابة. مجمل القول أن هناك جيلا جديدًا من كتّاب الرواية الفلسطينيين، يكتب من داخل الصراع، انطلاقًا من فهمه

لهذا الصراع، ويكتب بشكل جديد، ملامحه تبرز بوضوح، وهو يشكل تيارًا جديدًا في الكتابة الروائية، فلسطينيًا

وعربيًا، حتى وإن كانت هذه الملامح تشير، بسبب ظروف القهر التي يعيشها الكتّاب تحت الاحتلال، إلى أنها ما

زالت تسير في مجال محاصر، قد تأتي لحظة تفجّر فيها محيطه، وتنطلق إلى آفاق أبعد.

المصادر والمراجع

المصادر أبو الحيات، مايا. حبات السكر. رام الله: المؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي،.2004. عتبة ثقيلة الروح. رام الله: مركز أوغاريت الثقافي،.2011 أبو شومر، توفيق. الصبي والبحر. رام الله: مركز أوغاريت الثقافي،.2009 الأطرش، ليلى. مرافئ الوهم. رام الله: مركز أوغاريت الثقافي،.2005 البطران، مشهور. آخر الحصون المنهارة رام الله، مركز أوغاريت الثقافي،.2005 بنورة، جمال. انتفاضة. عمان: دار الشروق،.1998 التكروري، باسمة. عبور شائك. رام الله: دار البيرق العربي،.2009 الجنيدي، أماني. قلادة فينوس. رام الله: وزارة الثقافة الفلسطينية،.2009 حبايب، حزامة. قبل أن تنام الملكة. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2011 حرب، أحمد. الصعود إلى المئذنة. عمان: دار الشروق،.2008 حميد، حسن. مدينة الله. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2009 خليفة، سحر. باب الساحة. بيروت: دار الآداب،.1990. الميراث. بيروت، دار الآداب،.2004. ربيع حار. رام الله: مركز أوغاريت الثقافي،.2004. أصل وفصل. بيروت، دار الآداب،.2008. حبّي الأول. بيروت، دار الآداب،.2010 سرحان، نمر. ثلاثية روائية. رام الله: دار الشروق،.2004 شبلي، عدنية. كلنا بعيد بهذا المقدار عن الحب. رام الله: مؤسسة عبد المحسن القطان،.2006 الشرفا، وليد. القادم من القيامة. رام الله: مركز أوغاريت الثقافي،.2008 طه، داليا. عرافو السواد. رام الله: مركز أوغاريت الثقافي،.2007 عدوان، عدوان نمر. عودة الموريسكي من تنهداته. رام الله: مركز أوغاريت الثقافي،.2010 عمامة، عدنان. الولد سلمان. دمشق: دار الجليل للنشر والدراسات والأبحاث الفلسطينية،.1984 عوض، أحمد رفيق. آخر القرن. القدس: اتحاد الكتاب الفلسطينيين،.1999 العيسة، أسامة. المسكوبية. رام الله: مركز أوغاريت الثقافي،.2010 المدهون، ربعي. السيدة من تل أبيب. بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2009

مسلم، أكرم. سيرة العقرب الذي يتصبب عرق.ًا رام الله: مؤسسة عبد المحسن القطان،.2008 مهنا، علاء مفيد. مقدسية أنا. رام الله: مؤسسة عبد المحسن القطان،.2011 نصر الله، إبراهيم. قناديل ملك الجليل. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2012 وادي، فاروق. منازل القلب. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.1997 يونس، جمال. الرأس. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.1986 المراجع أبو أصبع، صالح خليل. الرواية الفلسطينية والمنفى. أبو ظبي: اتحاد كتاب وأدباء الإمارات،.2001 [وآخرون.] نحو دراسة تأصيلية للرواية الفلسطينية المعاصرة. رام الله: مركز أوغاريت

الثقافي،.2000 أبو بكر، وليد. الكتابة بنكهة الموت. رام الله: وزارة الثقافة الفلسطينية،.2009 [وآخرون]، المرأة والأدب. رام الله: مركز أوغاريت الثقافي،.2007 أحمد، حفيظة. بنية الخطاب في الرواية النسائية الفلسطينية. رام الله: مركز أوغاريت الثقافي،.2007 الأسطة، عادل. أدب المقاومة: من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات. غزة: وزارة الثقافة الفلسطينية،.1998 أيوب، محمد. الشخصية في الرواية الفلسطينية المعاصرة. القدس: اتحاد الكتاب الفلسطينيين،.1997. الزمن والسرد القصصي في الرواية الفلسطينية المعاصرة. القاهرة: دار سندباد للنشر والتوزيع، الجواريش، عنان. حركة التجريب في الرواية الفلسطينية. الخليل: جمعية العنقاء الثقافية،.2003 خواجا، علي حسن. في استنطاق الرواية الفلسطينية المعاصرة. رام الله: مركز أوغاريت الثقافي،.2009 الديك، نادي ساري. علامات متجددة في الرواية الفلسطينية. عكا: مؤسسة الأسوار،.2001 الشحادة، يوسف. الرواية الفلسطينية في الضفة والقطاع. رام الله: وزارة الثقافة الفلسطينية،.2009 كناعنة، شريف [وآخرون.] في الثقافة، الهوية، والرؤيا: وقائع مؤتمر الثقافة الفلسطينية في الداخل. عكا: مؤسسة

الأسوار،.2007 شقير، محمود. قراءات في أدب فلسطيني جديد. رام الله: مركز أوغاريت الثقافي،.2008 العيلة، زكي. المرأة في الرواية الفلسطينية. رام الله: مركز أوغاريت الثقافي،.2002. صورة الذات وصورة الآخر في الرواية الفلسطينية في الأرض المحتلة. رام الله: مركز بيت المقدس

للأدب،.2007 الغزاوي، عزت. تأملات نقدية في نماذج من الأدب الفلسطيني المعاصر. رام الله: مركز أوغاريت الثقافي،.2001 ياغي، عبد الرحمن. في النقد التطبيقي مع روايات فلسطينية. عمان: دار الشروق،.1999