العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الإسلاميون في طور تحوّل من الديمقراطية الأداتية إلى الديمقراطية الفلسفية حالة حزب العدالة والتنمية المغربي

الإسلاميون في طور تحوّل من الديمقراطية الأداتية إلى الديمقراطية الفلسفية حالة حزب العدالة والتنمية المغربي

Islamists in a State of Transition: A Case Study of Morocco’s Justice and Development Party

امحمد جبرون

Mohamed Jabroun

الملخّص

تقيم ثورات الربيع العربي حقائق فكرية وسياسية تضطر القوى والتيارات الفكرية العاملة في الساحة العربية، ومنها التيار الإسلامي، إلى إعادة تأسيس ذاتها وإعادة صوغ مفاهيمها وتصوّراتها. ولعلّ « الديمقراطية » أن تكون أبرز محلّ لهذه المراجعة، ففيها تتكثّف غايات الحراك الثوري على هيئة مطالب سياسية وحقوقية ملموسة تدعو إلى ترجمة القيم الديمقراطية التي أنتجتها الثورة إلى إجراءات سياسية ملموسة.

Abstract

The revolutions of the Arab Spring have incited key intellectual and political movements in the Arab world, deeply influencing the state of Arab affairs and prompting these movements, including that of Islamists, to re-invent themselves and revise their own ideologies and perceptions. Democracy, then, presents a key starting point for reexamination. It is in democracy that the demands raised by the revolutionary movement coalesce and take the form of tangible, political, rights-based demands, giving birth to democratic values and their translation into concrete political action. This new regional landscape presents the Islamists with an opportunity to move from an instrumental definition of democracy (one defined by the instruments of elections, political pluralism, and peaceful transitions of power) to a more fundamental, philosophical understanding of democracy (defined by concepts of liberty, secular law and equality based on citizenship). The author here presents the case of the Moroccan Justice and Development Party and exemplifies through this case study the willingness of Islamists to renew their beliefs and revise Islamic jurisprudence.

الكلمات المفتاحية:
  • الإسلاميون
  • الديمقراطية الأداتية
  • الديمقراطية الفلسفية
  • العدالة
Keywords:
  • Moroccan Justice and Development Party
  • Rights Based Demands
  • Arab Spring

تقيم ثورات الربيع العربي حقائق فكرية وسياسية تضطر القوى والتيارات الفكرية العاملة في الساحة العربية، ومنها التيار الإسلامي، إلى إعادة تأسيس ذاتها وإعادة صوغ مفاهيمها وتصوّراتها. ولعلّ «الديمقراطية» أن تكون أبرز محلّ لهذه المراجعة، ففيها تتكثّف غايات الحراك الثوري على هيئة مطالب سياسية وحقوقية ملموسة تدعو إلى ترجمة القيم الديمقراطية التي أنتجتها الثورة إلى إجراءات سياسية ملموسة. يشكّل هذا بالنسبة إلى الإسلاميين فرصة للانتقال من مفهوم الديمقراطية الأداتي والشكلي (الذي تجسّده أدوات الانتخاب والتعدّدية السياسية والتداول السلمي للسلطة) إلى جوهر الديمقراطية الفلسفي (الذي تجسّده مفاهيم الحرية والقانون الوضعي والمساواة على أساس المواطنة). وهذه الفرصة هي ما يرصد الباحث استعداد الإسلاميين لاغتنامها، على مستوى الاجتهاد والتجديد، من خلال مثال محدّد هو حزب العدالة والتنمية المغربي.

مقدّمة

من القضايا الخلافية الأساسية بين الإسلاميين وغيرهم في العالم العربي، قضية الديمقراطية؛ فقد اهتّم كثيرون، لاسيما الليبراليون منهم، الحركة الإسلامية بسوء نيّتها تجاه الديمقراطية، وإيمانها التكتيكي بها ليس غير، واستخدموا لهذه الغاية حزمة من الأدلة والشواهد التي تؤيد حكمهم. ومن ناحية أخرى، بذل الإسلاميون قصارى جهدهم لإثبات جدارتهم بوصف الديمقراطية، وقدّموا أمام هذا الادعاء مجموعة

من الحجج النظرية والعملية. وبالرغم من طول أمد هذا النقاش، وتعدد منظوراته، فقد استمر سوء الفهم والتفاهم، وبقي كل طرف يلوك أطروحاته من دون تغيير كبير. بالعودة إلى أطوار هذا النقاش، وتأمُّل مرافعات الأطراف المختلفة، في ضوء ما استقر في الأذهان مفهومًا للديمقراطية، يبدو أن كل فريق من الفرقاء المتصارعين ممسك بطرف من الحقيقة؛ فالإسلاميون صادقون في ادعائهم الديمقراطية بالنظر إلى محتواها الأداتي والشكلي، والليبراليون صادقون في اتهاماتهم بالنظر إلى المقتضيات الفلسفية للديمقراطية. ويُعتبر هذا النقص في القناعة الديمقراطية للإسلاميين «معقولاً» بالنظر إلى مستوى النضج الديمقراطي للشعوب العربية، ونسبية وجود «مجتمع سياسي» عربي في ظل الاستبداد، وهو ما جعل الديمقراطية للكثير منهم (الإسلاميين) مشروعًا غير مكتمل، يتحين الفرص التاريخية للاكتمال. ويشكل «الربيع العربي» أهم هذه الفرص في الفترة المعاصرة، بما يسهّل انتقال الإسلاميين وغيرهم نحو الديمقراطية انتقاالً حاسامً. إن «المفهوم الأداتي» للديمقراطية لدى الإسلاميين يعكس حجم «المتاح التاريخي» في ظل الاستبداد، وأحد مفردات قاموسه السياسي، ولا يعكس أبدًا حجم المتاح شرعًا واجتهادًا. وبحكم هذا الارتباط البنيوي، فإنه قاصر عن الاستجابة الشاملة للاستحقاقات الديمقراطية للربيع العربي. وما يشهده العالم العربي اليوم من أحداث وتطورات، يشكل ظروفًا مثالية لإحداث القطائع والانتقالات الكبرى على صعيد الفكر والممارسة باتجاه الحداثة السياسية والديمقراطية الحقَّة، وعلى رأس المعنيين بهذا التحول الحركات الإسلامية. وإذا كان هذا الانتقال متيسرًا وغير مكلف لكثير من التشكيلات السياسية، فإن الأمر مختلف تمامًا بالنسبة إلى الإسلاميين؛ فالسعي إلى إقرار الديمقراطية الفلسفية تعوقه عدة مفهومات شرعية، ومن أشد المبادئ والمعايير الديمقراطية إشكاالً في الفكر السياسي الإسلامي، ومن زاوية المرجعية الإسلامية، مبادئ: الحرية، ووضعية القانون، والمساواة. وسنحاول خلال هذه الدراسة تسليط الضوء على الإسلاميين في طور تحولهم من الديمقراطية الأداتية إلى الديمقراطية الفلسفية، انطلاقًا من حالة حزب العدالة والتنمية المغربي، الذي يشكل تجربة نوعية بين تجارب الإسلاميين العرب، وذلك من خلال المحاور التالية: مفهوم الديمقراطية الأداتية لدى الإسلاميين؛ الإسلاميون وضرورات التحول؛ الإسلاميون من الديمقراطية الأداتية إلى الديمقراطية الفلسفية.

الديمقراطية الأداتية لدى الإسلاميين

انفتح الخطاب الإسلامي باحتشام على مفهوم الديمقراطية في الربع الأخير من القرن العشرين، وظهرت في ثناياه مجموعة من النصوص الفكرية والبيانات السياسية، التي توظف هذا المفهوم توظيفًا خاصًا ومميَّزًا. ومع تقدم السنين وإشراف القرن العشرين على الانتهاء، اكتسب الخطاب الإسلامي بشأن الديمقراطية هويته، وهيئته المستقلة. وترجع أسباب هذه الصحوة الديمقراطية-الإسلامية بشكل عام إلى عاملين رئيسيين: - اشتداد وطأة الاستبداد على الحركة الإسلامية، ومعاناتها الشديدة من القمع ومصادرة الحريات. وفي هذا السياق يقول راشد الغنوشي، تعليقًا ونقدًا للمواقف السلبية لبعض الإسلاميين من الديمقراطية: «وإن عجبي لشديد، من أناس مطحونين بالديكتاتوريات، مقهورين بالاستبداد، وهم مع ذلك، بدل أن يتصدوا لخصمهم الحقيقي: الاستبداد، نراهم يختلقون مشكلات مع الديمقراطية»؛ - المناظرات المفتوحة حول النظام الديمقراطي بين الحركة الإسلامية من جهة والتيار العلماني من جهة

أخرى، حيث كانت الحركة الإسلامية وما زالت في نظر قطاع عريض من النخبة العلمانية متهَمة في صدق نياتها تجاه الديمقراطية، وهو ما دفعها إلى توضيح موقفها تجاه هذه القضية وتأصيله، من خلال مجموعة من الأعمال والتنظيرات. لقد تمخض هذا الحراك الفكري والثقافي لدى الإسلاميين عن مجموعة من المواقف والخطابات حول الديمقراطية، يصب أغلبها في الاحتفاء بالبُعد الأداتي والتقني للديمقراطية، ويقصي بُعدها الفلسفي. ومن بين الأسماء الفكرية الكبيرة، التي ساهمت نوعيًا في هذا الحراك، وتميزت بأفكارها ووجهات نظرها نذكر د. حسن الترابي، وعالم المقاصد أحمد الريسوني، والشيخ راشد الغنوشي، وغازي صلاح الدين، والشيخ عبد السلام ياسين.... ويكاد يجمع هؤلاء الرموز على أن الديمقراطية تنزيل لمبدأ الشورى، الذي عرفته الثقافة والتاريخ الإسلاميان، وبالتالي أقصى ما تطلبه هذه الفئة من الإسلاميين من الديمقراطية، مع وجود القناعة الشورية، جملة من الأدوات والإجراءات، حيث يتقلص مفهومها إلى صيغ وأشكال تنفيذية، من شأنها تحقيق غايات الشورى، ومقاصدها الأخلاقية والسياسية. الشورى في نظر الريسوني هي «مبدأ وقاعدة أخلاقية وحقوقية، وأظن أن الديمقراطية ما هي في جميع العصور إلا تنظيم وتنزيل لمبدأ الشورى، اتخذ تنظيم الشورى أشكاالً متعددة أشهرها وأنضجها وأكثرها الآن انتشارًا هو الشكل الديمقراطي... الديمقراطية هي صيغ تنفيذية وأشكال تنظيمية لمبدأ الشورى الذي هو مبدأ من حق جميع الناس الذين يجمعهم شيء وتجمعهم مصلحة معيّنة أو قضية معيّنة». وهذا الموقف نفسه نجده في وثائق حركة التوحيد والإصلاح المغربية، التي ترأسها الريسوني بين عامي 1996 و 2002؛ ففي وثيقة الرؤية السياسية، تؤكد الحركة فهمها الأداتي أو التقني للديمقراطية؛ فهي «صيغ وأشكال لممارسة الشورى، وذلك يعني الرجوع إلى الأمة وإقرار سيادتها في إطار ما لا يتعارض مع الأحكام الشرعية». غير بعيد عن المغرب، وتحديدًا في تونس، ميز الشيخ راشد الغنوشي بين المضمون الفلسفي للديمقراطية وبُعدها الأداتي، واعتبر هذا الأخيرَ مت امً للشورى، وتنزيالً لها، ف «إذا استطعنا أن نحرر هذه الأداة من المضمون الفلسفي المادي، فعمَرها الإيمان بقيمه؛ عُمِّرت بالتقوى، عندئذ نستطيع أن نقول إن الديمقراطية هي بضاعتنا التي رُدَّت إلينا، هي الشورى، باعتبار أن الشورى في الإسلام، ظلت في معظم عهوده، قيمة أخلاقية تصلح للوعظ والإرشاد في أيام الجمعة، ولم تتحول إلى نظام سياسي، في حين أن الغرب قد طور الشورى وحولها إلى نظام سياسي». قريبًا من هذه المواقف، نجد موقف د. حسن الترابي، الذي لا ينكر إفادة الحركة الإسلامية في السودان من الديمقراطية، أكان على مستوى كيانها الداخلي أم على مستوى حركتها في المجتمع، لكنه في المقابل لا يعتبر المنهج الإصلاحي الديمقراطي مطلق الصلاحية والنفع، ويعترض عليه من ناحيتين: ناحية الحرية الإباحية التي يقدسها، والجنوح الواضح نحو ممارسة السلطة المطلقة، بعيدًا عن قيد الإيمان وحكم الشرع. ولا يخفى على القارئ النبيه أن هذه الاعتراضات هي أساسًا اعتراضات على الجوهر الفلسفي للديمقراطية، ومن ثم، لا يتردد الترابي، من باب الحرص على الشفافية، في إعلان نية الحركة في التحفظ على بعض جوانب الديمقراطية،

وفي هذا الصدد يقول: «لا تتنكب الحركة للديمقراطية باستخفاف أو غدر، ولكنها لا تتوهم أن الإصلاح كله ودائامً ديمقراطي المنهج». إن الديمقراطية في الفكر الحركي الإسلامي، وانطلاقًا من هذه الأمثلة، هي مجموعة من الإجراءات، والتقنيات، والأدوات المجردة من مصاحباتها الفلسفية، التي تضبط عمليات اختيار القادة والمسؤولين، والنواب البرلمانيين، والرؤساء...، وتؤطر عمليات اتخاذ القرار، وتداول الرأي... في التنظيمات والمؤسسات والدولة. وهي بهذا التحديد، لا تتعدى كونها مجرد تحديث لمفهوم الشورى الإسلامي، الذي بقي تاريخيًا في إطار المبادئ العامة، ولم يتعداه إلى النظم والإجراءات. وقد اصطلحنا على هذا النوع من الديمقراطية ب الديمقراطية الأداتية، نظرًا إلى غلبة الجوانب التقنية والأداتية عليها، وطرحها المتعمَّد للمتعلقات الفلسفية. إن التحفظ والتردد اللذين أبدتهما الحركة الإسلامية تجاه الديمقراطية بمعناها العام يرجعان في الأساس إلى بعض مقتضياتها الفلسفية، وخاصة ما تعلق بمبادئ: الحرية، ووضعية القوانين، والمساواة. وقد أثارت هذه المبادئ، ولا تزال تثير، كثيرًا من التحديات للحركة الإسلامية، خاصة بعد التطورات القيمية والسياسية والثقافية التي شهدها العالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين، بحكم الاحتكاك بالغرب، والانفتاح الثقافي، والعطش إلى الحداثة.

الإسلاميون وضرورات التحوّل

«الشعب يريد...»: الشعب لا الرعية، الشعب لا القبيلة، الشعب لا الفئة أو الطبقة...، إنه شعار «الربيع العربي» الذي يكثف معناه جميع الشعارات الأخرى من قبيل إسقاط الاستبداد، إسقاط الفساد، الحرية... إلخ. فلأول مرة تعربّ الشعوب العربية عن إرادتها بشكل مباشر، ومن دون وسائط، أكان من النخبة أم من «ممثلين عنها»، وبصورة ثورية تذكّرنا باللحظات الاستثنائية لميلاد الديمقراطيات في التاريخ. فخروج الشعوب العربية إلى الشوارع مردّدة شعار «الشعب يريد...» هو من منظور علم السياسة لحظة فارقة في تاريخ العرب الحديث والمعاصر، أسست لشرعية سياسية جديدة، جمعت في ثناياها أهم أوصاف الشرعية الديمقراطية. لقد خرج المحامي والطالب، والعامل والفنان، والتاجر والصانع، والمرأة المحجبة وغير المحجبة...، خرج اليساري والليبرالي والإسلامي...، خرج المسلم والمسيحي، خرج الشعب بأوصافه المهنية والأيديولوجية والدينية...، خرج «الكلّ» إلى الشارع مرددًا بصوت واحد «الشعب يريد إسقاط النظام»، ولم يفهم من هذا الشعار، الذي وحّد القلوب والعقول في صعيد واحد وآن واحد، تنازل طرف عن خصوصياته واختياراته لصالح طرف آخر.

الوحدة الرائعة التي جسّدها شعار «الشعب يريد»، هي في الجوهر وحدة موقف منحاز إلى التنوع والاختلاف وليس العكس، فالذين ثاروا في الشوارع والحارات ضد الاستبداد، ونادوا بسقوط أنظمته، فعلوا ذلك من أجل خصوصياتهم «الضيقة»، المادية والفكرية والسياسية، الشيء الذي يعكس المدلول الديمقراطي للربيع العربي. إذا أردنا تكثيف مطالب هذا الحراك الثوري واختصارها في قيم سياسية وحقوقية ملموسة، لن نجد ما هو أبلغ تعبيرًا من قيمة الديمقراطية، باعتبارها جماع ما تفرَّق من قيم الاجتماع السياسي الحديث، التي تندرج تحتها كل المشاعر والشعارات الثورية، والأشكال والمبادرات السياسية؛ فالجماهير التي تدفقت في الشوارع والساحات والميادين، تدفقت من أجل الحرية بأبعادها المختلفة: حرية التفكير، حرية التعبير، حرية التجمع، حرية الاعتقاد... إلخ، باعتبارها أسمى مظاهر حقوق الإنسان، وباعتبارها في الوقت نفسه الصيغة البسيطة والشاملة للديمقراطية؛ إذ لا حرية من دون ديمقراطية، ولا ديمقراطية من دون حرية. كما أنها تدفقت من أجل العدالة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والمساواة، وسيادة الشعب. من ثم، فشرعية النظام السياسي الجديد، القادر على إشباع الرغبات الثورية للشارع، متوقفة بالدرجة الأولى على كفاءته في ترجمة القيم الديمقراطية التي أنتجتها الثورة إلى إجراءات وسياسات ملموسة. وفي هذا السياق يُعَدّ صون هذه القيم وتنميتها والبناء عليها في سائر القرارات، والبرامج السياسية والتنموية، مسألة حيوية بالنسبة إلى الحكام الجدد، مهما يكن نسبهم الفكري والأيديولوجي. إن القوى السياسية والتيارات الفكرية العاملة في الساحة العربية قبل حلول «الربيع» مدعوة إلى إعادة تأسيس ذاتها، وإعادة صوغ مفاهيمها وتصوراتها بما يتوافق مع الحقائق الفكرية والسياسية التي شيدتها الثورة؛ فالمفاهيم والنظريات الإصلاحية، التي كانت تشتغل بها القوى السياسية العربية قبل الثورة، فقدت الكثير من معقوليتها ومبرراتها الواقعية. الإسلاميون في هذا السياق، شأنهم شأن غيرهم من التيارات، مجربَون على التحوّل، والقيام بجهد من أجل الملاءمة بين منطلقاتهم الدينية ومفاهيمهم الإصلاحية من جهة، وشرعية النظام السياسي الذي أقرته الثورة من جهة ثانية، وأي تردد أو تأخر في هذه الملاءمة من شأنه تفويت فرصة سانحة للانتقال التاريخي الحاسم نحو الحداثة السياسية. ويمكن اختصار الحوافز الموضوعية الكامنة وراء حاجة الإسلاميين إلى الانتقال نحو الديمقراطية الحقَّة في ثلاثة محاور: الواقع والموقع والبنية الاجتماعية-الاقتصادية. -1 الواقع تمخض الحراك الثوري الذي شهدته بلدان الربيع العربي عن واقع سياسي جديد، يختلف جذريًا عامّ كان سابقًا. ومن أبرز أوصاف هذا الواقع واختياراته: النظام الديمقراطي؛ التنوع العقدي والأيديولوجي؛ التطلع الكبير إلى الحرية والعدالة والمساواة وسيادة الشعب. أ- النظام الديمقراطي لقد التفَّت القوى والأحزاب الوطنية، والنخب، وهيئات المجتمع المدني (الأهلي)... المؤطرة لفعاليات الثورة على النظام الديمقراطي، وفضّلته على غيره، في سياق بناء الدولة؛ إذ ليس هناك أقدر منه على استيعاب الاختلاف

والتنوع اللذين كشف عنهما الحراك الثوري وعلى صونهما، وقد حصل التلاقي بين جميع الفرقاء موضوعيًا، ومن دون تنسيق أو تدبير مسبق، حول أفضلية النظام الديمقراطي في هذه الحالة، وما يشبهها. ب- التنوع العقدي والأيديولوجي إن التنوع الذي جسّدته شعبية الثورة يتجاوز التنوع السياسي الذي ألفناه، والمتعلق – عادة - بتباين وجهات النظر حول القضايا والشؤون العامة، إلى ما هو أعمق من ذلك، بحيث يطاول المستوى العقدي والأيديولوجي والثقافي؛ فالظروف الجديدة التي أحدثها الربيع العربي نقلت التنوع العقدي والأيديولوجي في المجال العربي من المجاز إلى الحقيقة، وأماطت اللثام عن الكثير من التعبيرات التي كانت مضمرة، وغير قادرة على الإفصاح عن ذاتها، الشيء الذي لا يمكن تدبيره إالّ من خلال مقاربة ديمقراطية. ج- الحرية إن هذا المبدأ من الثوابت الرئيسة التي أعرب عنها السياق الثوري العربي، وكانت الحرية، كما أسلفنا، من الحوافز الأساسية للثورة على أنظمة الاستبداد، ومن الشعارات الأكثر إثارة لحماسة الشباب في أثناء الثورة. ونظرًا إلى أهميتها الاستراتيجية في الاجتماع السياسي الذي أسسه «الربيع»، فهي تسمو على غيرها من المبادئ، وغير قابلة للنقض أو المصادرة من طرف أي جهة من الجهات. -2 الموقع كان الإسلاميون قبل الربيع العربي قوة سياسية معارِضة معارَضةً خجولة، وذلك بحسب درجة انفتاح أنظمة الاستبداد وتسامحها، فكانوا يكتفون بتسجيل المواقف وتدبيج البيانات بالعبارات الرنانة والملهمة للأعضاء والمتعاطفين...، ويؤطرون بعض الفعاليات السياسية.. إلخ.، غير أن الثورات التي شهدها عدد من البلدان العربية غريّت تمامًا مكانة الإسلاميين، ونقلتهم من دون مقدّمات إلى مربّع السلطة، إلى جانب حلفاء وقوى من تيارات سياسية أخرى. إن الموقع السياسي للحركة الإسلامية اليوم، والمنزلة التي أنزلتها إياها الإرادة الشعبية، وضعا الكثير من تصوراتها ومواقفها موضع تساؤل؛ فالقناعات والرؤى التي صيغت أيام الاستبداد لم تعد قادرة على توجيه الممارسة في زمان الثورة، كما أن هذه الأخيرة طرحت على أنظار الإسلاميين مجموعة من الأسئلة والتحديات الجديدة. -3 البنية الاجتماعية-الاقتصادية ارتبط ظهور قيم الديمقراطية وما يتعلق بها من ممارسات بالمدينة منذ عهد اليونان وإلى اليوم، باعتبار هذه القيم فضاء للعيش المشترك بين جماعة من المواطنين، تجمعهم المصالح لا الأنساب أو أي شيء آخر، إلى درجة يمكن معها اعتبار «الديمقراطية ناموس المدينة». ولم يخرج العالم العربي الحديث عن هذه القاعدة/ الحكم، بحيث أظهرت التطورات السياسية في المئة عام الأخيرة تناسبًا مطردًا بين الطلب على الديمقراطية ورسوخ المدنية، أي تعدد المدن واتساعها وكثافة ساكنتها. إذا كانت الديمقراطية -بحسب ما يُظهر تاريخها- نتيجة حتمية للتطورات الاجتماعية-الاقتصادية المرتبطة أساسا بالمدينة، فإن التطور الذي شهده معظم العالم العربي في العقود الأخيرة اجتماعيًا -اقتصاديًا، بالإضافة إلى عوامل أخرى مرتبطة به، شكّل سببًا عميقًا للديمقراطية التي نتجه نحوها ببطء منذ أعوام. وبالتالي، فإن

الثورة التي شهدتها بلدان الربيع العربي هي أداة تاريخية من بين مجموع أدوات فرضتها الظروف والأحوال من أجل استعادة الطابع التقدمي للتاريخ العربي، الذي حرّفه الاستبداد. كانت أنظمة الاستبداد العربية أولا، ثم الأحزاب والحركات السياسية ثانيًا، بما فيها الحركة الإسلامية، مفارقة بدرجات متفاوتة للحقيقة الاجتماعية-الاقتصادية، وتبعًا لهذا الفرق والتفاوت مسّتها طبائع الاستبداد، ومن ثم، شكل المعطى الاجتماعي-الاقتصادي للمجتمعات العربية، وتحديدًا المدينة العربية، للإسلاميين ولسواهم حافزًا غير مباشر، إلى جانب الحوافز المباشرة الأخرى، للتحول نحو الديمقراطية بمختلف أبعادها. إن مفهوم الديمقراطية لدى الإسلاميين، وهو ما حاولنا إجلاءه في الفقرة السابقة، لا يتحمّل هذه التغريّات الجذرية والاستراتيجية في الاجتماع السياسي العربي، التي هيّأها الحراك الثوري وأرسى قواعدها، فطرح المضامين الفلسفية للديمقراطية. أمّا الاقتصار على أبعادها التقنية أو الأداتية، فلا يسعف في بناء النظام السياسي الديمقراطي الذي تتطلع إليه الشعوب العربية؛ فمكانة الإسلاميين في المستقبل، وبلوغ مشروعهم الإصلاحي مداه، مرتبطان أشد ما يكون الارتباط بقدرتهم على دمقرطة فكرهم السياسي، وإعادة تأسيس مفاهيم الحرية والمساواة والسيادة الشعبية في خطابهم، بما يسهّل عليهم عملية الاندماج في الحداثة السياسية وتسهيلها، وفي انتظار حصول ذلك على مستوى الفكر والنظرية، ينخرط الإسلاميون عمليًا في أكثر من بلد في عمليات البناء الديمقراطي، وفق المبادئ التي صاغها «الربيع العربي»، ولا يستطيعون التملص من ذلك، بحكم المواقع التي بوأهم إياها الحراك الشعبي، ومساهمتهم الفاعلة في المنجز الثوري.

الإسلاميون، من الديمقراطية الأداتية إلى الديمقراطية الفلسفية

إن ضرورات التحوّل نحو الديمقراطية الفلسفية، التي تطرّقنا إليها في الفقرة السابقة، أتعلّقت بالواقع أم بالموقع أو البنية الاجتماعية- الاقتصادية، لا تترك للإسلاميين مجاالً للتهرّب من الاستحقاق الديمقراطي. وتكشف التفاعلات السياسية والثقافية...، التي شهدتها بلدان الثورة في الشهور القليلة الماضية، صعوبة هذا التحوّل وعسره. الجدير بالذكر في هذا المقام هو أن ممارسات الإسلاميين السياسية اليوم واختياراتهم العملية في ما يتعلق بالديمقراطية هي سابقة لممارستهم النظرية وخطابهم الثقافي ومتقدمة عليهما؛ فمن السهل على المتتبّع العام قبل الباحث الوقوف على مفارقات الخطاب والممارسة حول الديمقراطية لدى الإسلاميين في «فصل الربيع»، وتأويل ذلك تأويالً سلبيًا، ومن ثم يحتاج الأمر إلى بعض الوقت حتى يتخلص الخطاب الإسلامي من مفارقاته بشأن الديمقراطية، وفي انتظار ذلك سنعطي الأولوية للأعمال على الأقوال. أثار الحراك الثوري الذي يعيشه عدد من البلدان العربية طائفة من القضايا ذات الصلة بالديمقراطية، تتعلق أساسًا بالنظام الديمقراطي ومستلزماته، والحريات، والتعددية السياسية، ودولة القانون، والشريعة والتشريع... إلخ.، الأمر الذي تسبّب في جملة من التوترات السياسية، كشفت عن صعوبات العراك الديمقراطي. وقد ساهمت

الديمقراطية الأداتية كقناعة لدى الإسلاميين في تجاوز جزء مهم من هذه الصعوبات، وخاصة تلك المتعلقة بمبدأ تداول السلطة سلاْمً، والانتخاب، والتعددية السياسية، والاحتكام إلى الإرادة الشعبية...، غير أنها تعاني صعوبات أخرى، وخاصة تلك المتصلة بالديمقراطية الفلسفية، وتحديدًا قضايا الحرية والشريعة والقانون الوضعي والمساواة. هكذا، فإن تحوّل الإسلاميين من الديمقراطية الأداتية إلى الديمقراطية الفلسفية، في ظل نظام ديمقراطي تعددي قائم على التداول السلمي للسلطة، مرتبط أشد ما يكون الارتباط بالموقف من القضايا السالفة. -1 الحرية تُعتبر الحرية من أهم مبادئ الديمقراطية، ولا يمكن تصوّر الأولى من دون الأخرى. وقد كرس الحراك الثوري العربي مكانتها على رأس مطالب الشعوب العربية، غير القابلة للتأجيل، غير أن النقاش القوي والواسع بين الحساسيات الثقافية المختلفة المكوِّنة للمجتمع العربي كشف عن الطابع الإشكالي والمعقّد للحرية، والانقسام الحاد حولها، خاصة بين الإسلاميين والليبراليين؛ فكل طرف من الأطراف المتصارعة يحاول أن يفرض مفهومه الخاص للحرية على الآخرين، مستغالًالأجواء الثورية التي تعيشها بلدان الربيع. إن إشكالية الحرية في السياق العربي من منظور الديمقراطية الفلسفية تتجسد في إصرار كل طرف من الأطراف المتخاصمة على ممارسة حريته بإطلاق، وبالتالي الإضرار بالطرف الآخر؛ فالليبرالي يتجاهل من خلال ممارسته الحرية الفردية بشكل متطرف، أكان التجاهل عن قصد أو غير قصد، إضراره بالمتدين، كما أن هذا الأخير قد يقع في الخلل نفسه فيما هو يمارس حريته. السؤال الحيوي الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: كيف يمكن أن نتيح لطرفين أو أكثر ممارسة حرياتهم من دون الإضرار بعضهم ببعض؟ إن الدولة في النظام الديمقراطي هي مقتضى وظيفي، عقلاني، للتعاقد الطوعي بين المواطنين، خدمة للمصالح المشتركة بينهم، في إطار جغرافي معي، وليست مقتضى أخلاقيًا تمليه أحكام أخلاقية معيّنة. ويستلزم هذا التعاقد المساهمة ببعض الحرية الفردية (أو التنازل عنه) بما يخدم العيش المشترك؛ فانطلاقًا من هذا التعريف تتشكل مفاهيم الحياة العامة، وتُرسَم حدودها مثل: السلطة العمومية، والتشريع، والسياسة، والمواطنة...، وبالتالي فإن أي اقتراض من الحريات الفردية لصالح الحريات العامة، لا تعلله المصلحة المشتركة، هو اقتراض غير شرعي، وباطل. فعلى سبيل المثال، إن إخراج لباس المرأة من مجال الحريات الفردية وإدخاله ضمن الحريات العامة التي يطاولها التشريع، من دون تعليل مصلحي عقلاني، هما ضرب من ضروب الاستبداد والقمع والاستعباد. يتيح لنا التمييز بين مفهومي الحريات العامة والحريات الخاصة، وتبعًا لذلك التمييز بين الفضاءين العام

والخاص، إمكان الوقوف على أصل النزاع حول هذا الموضوع في السياق العربي؛ فالحريات التي قد ينتج من ممارستها صراع ثقافي وسياسي وأضرار اجتماعية هي «الحريات العامة» التي يحتضنها الفضاء العام. من ثم، يرتبط تفادي الأضرار الاجتماعية التي قد تنجم عن الممارسة العشوائية للحريات العامة، أساسًا، بتعريف الحريات العامة وتنظيمها وتقنينها. والجهة الوحيدة المخوَّلة القيام بهذا العمل الحساس هي الدولة من خلال السلطة التشريعية، التي بإمكانها إحداث التوافق وإعطاء الشرعية للحريات العامة، ورفع الضرر المحتمل حدوثه بفعل ممارستها، وذلك من خلال القانون. وبهذا المعنى يقول جون ستيوارت ميل: «كلما تعنيّ ضرر، واقع أو محتمل، إمّا للفرد وإمّا للعموم، ينزع الفعل الذي قد يتسبب في الضرر من حيّز الحرية ليلحق بحيّز الأخلاق أو بحيّز القانون». بمعنى آخر، ينزع من حيّز الحريات الخاصة ويدخل حيّز الحريات العامة، التي تقع تحت طائلة التشريع؛ فالقانون في الجوهر تجسيد للحرية لا قمع لها. إن المقاربة المثلى لموضوع الحريات العامة في اللحظة التاريخية التي تجتازها الأمة العربية هي المقاربة الديمقراطية القائمة على احترام الإرادة الشعبية، وحفظ حقوق الأقلية، وسلطة القانون، فإلى أي حدّ احترم الإسلاميون المقاربة الديمقراطية في تعاطيهم مع مطالب الحرية، التي عبرت عنها الشعوب العربية أو أطياف منها؟ لقد شهدت بلدان الربيع العربي، وتحديدًا المغرب وتونس ومصر، توترات ثقافية وإعلامية متعدّدة بين الإسلاميين والحداثيين على خلفية المواقف المتباينة من قضايا الحريات. وسنحاول في ما يلي متابعة أطوار هذه التوترات والنقاش العمومي الذي احتدم حولها، وتقييم الميول الديمقراطية لمختلف الأطراف المساهمة فيه، في واحد من أهم هذه البلدان، وهو المغرب. عرفت المملكة المغربية في الشهور القليلة الماضية، وبالتزامن مع بلوغ الإسلاميين السلطة، نقاشًا عموميًا مستفيضًا حول عدد من القضايا المتصلة بالحريات، ومن أبرزها: قضية حرية الإعلام بمناسبة إخراج الحكومة دفاتر التحملات الخاصة بقنوات القطب العمومي (القناتين الأولى والثانية)؛ وقضية حرية الفن بمناسبة تنظيم مهرجان موازين في الرباط؛ وقضية الحرية الجنسية والحق في الإفطار العلني في رمضان...إلخ. وقد انقسم الرأي والموقف من هذه القضايا بين تيارين رئيسين: التيار الإسلامي الذي يمثّله عدد من الجمعيات والشخصيات الدعوية والحركية الإسلامية، والتيار الحداثي (لفيف من الليبراليين واليساريين)، ويتكوّن هو الآخر من مجموعة من النشطاء المدنيين والسياسيين والحقوقيين، من أبرزهم حركة مالي، وجمعية بيت الحكمة، وحركة اليقظة المواطنة، والجمعية المغربية لحقوق الإنسان، والمركز المغربي للحريات والحقوق... إلخ. وقد بقي النقاش الذي دار حول هذه القضايا نقاشًا مجتمعيًا، إعلاميًا، ولم يتطور إلى معارك سياسية بين التيارين إالّ في حالة «دفاتر التحملات»، التي سارع الجميع إلى احتواء تداعياتها السياسية. أ- حرية الإعلام أعدّت الحكومة المغربية في شخص وزارة الاتصال، التي يقودها مصطفى الخلفي (من حزب العدالة والتنمية) دفاتر تحملات خاصة بالإعلام العمومي الذي تموله الدولة. وقد أثارت مضامين هذه الدفاتر حفيظة عدة

جهات في المغرب، ورأت فيها تهديدًا للديمقراطية وقيم الحداثة، وفي مقدمتها حرية التعبير. ومن أهم النقط الخلافية التي تركز حولها النقاش: وضع اللغة الفرنسية، وحجم البرامج الترفيهية، والإفراط في العناصر البرنامجية، وهو ما اعتبره البعض تضييقًا على المهنيين...، ومن ثم دعا إلى مراجعتها بما يوافق هذه القيم، ويحفظ التنوع والتعددية الثقافية للمملكة. إن رد فعل القطب الحداثي على دفاتر التحملات التي أعدّها الوزير الإسلامي مصطفى الخلفي، وهو الردّ الذي تجسّد في الخرجات الإعلامية لمسؤولي قنوات القطب العمومي والمعارضة البرلمانية وبعض الهيئات المدنية، أقنع الحكومة في شقّها الإسلامي المنتمي إلى العدالة والتنمية بمراجعتها بحثًا عن التوافق، وحفاظًا على استقلالية الإعلام العمومي ومهنيته. وقد أوكلت مهمة مراجعة هذه الدفاتر إلى لجنة حكومية يرأسها وزير السكنى والأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية نبيل بن عبد الله، المحسوب على التيار الحداثي. ب- حرية الفن أثير في الشهور القليلة الماضية بعض القضايا المرتبطة بالحرية الفنية. وحظيت تلك القضايا باهتمام كبير ومتابعة إعلامية واسعة، وكان من أبرزها: مهرجان موازين، الذي تحتضنه مدينة الرباط، ويستضيف سنويًا عددًا من الفنانين العالميين المرموقين، كشكل من أشكال انفتاح المملكة على ثقافة العالم؛ وحادثة تلفّظ إحدى الممثلّاث المسرحيات بكلام فاحش أمام الجمهور... إلخ. لقد انقسم الرأي العام المغربي انقسامًا واضحًا إزاء هاتين القضيتين وغيرهما، بين فريق اعتبر هذه الوقائع تعبيرًا عن الحرية الفنية والثقافية، التي يتعارض تطورها مع منطق التحكم والرقابة، وفريق آخر اعتبرها مسًّا بالمشاعر الأخلاقية للمواطنين، وعدوانًا على الثقافة الوطنية. إن موقف الإسلاميين في هذا السياق يندرج ضمن الفريق الثاني، الرافض للحرية المتفلتة من عقال الدين والأخلاق العامة، والرافض -أيضًا- لسياسة الانفتاح غير المنضبط. غير أن مقاربتهم للإشكالية لم تتعد الحدود المسموح بها ديمقراطيًا، فإذا كانوا قبل تجربة السلطة داعين بإلحاح إلى إلغاء مهرجان موازين، على سبيل المثال، فإنهم اكتفوا من موقع السلطة بالصمت، والتجاهل، باعتبار المهرجان مبادرة مدنية تقف وراءها هيئة مدنية وهي جمعية مغرب الثقافات، التي لا تستفيد من التمويل العمومي سوى بنسبة ضئيلة جدًا، ومن حقها ديمقراطيًا التعبير عن قناعاتها، ومن ثم، لم يصدر عنهم أي شيء يمكن تأويله بأنه سعي إلى المنع. ج- الحريات الفردية (الجنس، الخمر، إفطار رمضان) إن الحريات الفردية مصونة ومحفوظة في إطار النظام الديمقراطي، الذي يحرص على عدم التدخّل في حريات

الأفراد، ولا يسعى -من حيث المبدأ- إلى تقنينها أو تقييدها، ويركز في المقابل اهتمامه على الحريات العامة. ينصرف مفهوم الحريات الفردية إلى تعبيرات مختلفة، غير أن أكثر هذه التعبيرات إثارة للخلاف والنقاش العمومي في السياق المغربي خلال العام الجاري، الحريات الجنسية، وحرية الإفطار العلني في رمضان، وحرية تعاطي الخمور... إلخ. والجدير بالذكر في هذا السياق أن جلّ هاته الحريات تقريبًا يعاقب عليها القانون الجنائي المغربي. وقد اكتفى إسلاميو السلطة إزاء هذه الدعاوى بالإنكار الإعلامي، ولم يتجاوزوه إلى المنع أو القمع. إن موقف الإسلاميين من هذه الدعاوى على وجه العموم واضح مبدئيًا؛ غير أن الاتفاق الظاهر بينهم خيُفي اختلافات جوهرية على مستوى الرؤية، فتيار منهم يستدعي القاموس الشرعي في التعامل مع الظاهرة، ويطالب بوضع حدّ لأصحاب هذه الدعاوى وإنزال العقوبات الشرعية بهم، وعلى رأس هذا التيار بعض شيوخ السلفية المفرج عنهم حديثًا، بينما يستخدم تيار آخر المقاربة الديمقراطية الحقوقية في الرد على دعاوى الحريات الفردية، مستخدمًا مفاهيم الحريات العامة، وسلطة القانون، ومنطق الأغلبية، والذهنية الجمعية. وينتسب معظم أقطاب هذا التيار إلى الإسلاميين المعتدلين الذين يحتل بعضهم مواقع في السلطة وقد تفشى الخلاف بين الرؤيتين أكثر من مرة، وتحدثت عنه وسائل الإعلام. صفوة القول هي أن الجدل الإعلامي المتنوع الذي عاشه المغرب في الشهور القليلة الماضية، بشأن قضايا متصلة بالحرية، يشكل وثيقة ملموسة وموضوعية لمعاينة استعدادات الإسلاميين للديمقراطية الفلسفية. وفي هذا الاتجاه، أظهر مختلف تلوينات الخطاب الإسلامي بشأن الحرية تباينًا جوهريًا على مستوى الرؤية بين تيارين رئيسين: تيار سلفي يقصر الحرية على المباح شرعًا، ويهاجم دعاة التحرر بمفاهيم فقهية-شرعية، تضع المتحررين في دوائر الكفر والفسق والعصيان، وتيار وسطي-معتدل، يقارب موضوعة الحرية بمفاهيم ديمقراطية، مرتكزًا على التمييز بين الحريات العامة والحريات الخاصة، وسلطة القانون باعتباره أسمى تعبير عن الحرية، وأولوية الجماعة على الفرد... إلخ. ومن ثم، فإن ما بقي من شكوك حول مدى رسوخ القيم والمبادئ الديمقراطية لدى الإسلاميين المعتدلين، نابع -أساسًا- من اقتصار رفضهم أو تعطيلهم للأطروحة السلفية، وأحكامها، وقاموسها على الاعتبارات السياسية، والتجاوز العمد – في تقديرنا - للقضايا الشرعية التي تثيرها، وذلك من قبيل الموقف من دعوى الإفطار العلني في رمضان، أو دعوى حرية الممارسة الجنسية... إلخ.، وهل

هذه الدعاوى – كدعاوى - حق من حقوق الإنسان (حرية التعبير) المحفوظة في إطار النظام الديمقراطي، أم هي دعاوى للمروق والفسوق تستوجب إنزال العقاب بدعاتها. على سبيل المثال، يقر حزب العدالة والتنمية في أطروحته التي صادق عليها مؤتمره السابع مبدأ الحرية العقدية، وحرية الإبداع، وحماية الحريات الفردية والجماعية، انطلاقًا من قاعدة «لا إكراه في الدين» التي هي «قاعدة ذهبية قوامها أنه لا يجوز ولا يمكن اللجوء إلى أي شكل من أشكال الإكراه في الدين عقيدة وشريعة وأخلاقًا، وأن هذه القضايا تقدم بالأساس من خلال الإقناع والاقتناع، وأنها مجال للضمير والفكر والوجدان وليست مجاالً لسلطة الدولة أو إكراهات القانون، فإنه من باب أولى أن يشمل هذه القاعدة مجال الالتزام الديني حيث لا إكراه على العبادات، ومجال الثقافة حيث لا إكراه في الفن والإبداع، والسلوك اليومي للمواطن حيث لا إكراه في الزي واللباس». ولا يجوز لأحد أن يمارس «الإكراه» إلا الدولة من خلال القانون، في حالة المساس بحرية الآخرين والنظام الأخلاقي العام. غير أن تنزيل هذه القاعدة في سياقها من منظور شرعي، وبالرغم من الاحتياط لها المتمثّل في التقيد بالقانون، تواجهه صعوبات حقيقية، تتعلق، من جهة، بأحكام فقهية صريحة وواضحة من قبيل حكم الردة، وإنكار المعلوم من الدِّين بالضرورة، وأحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... إلخ، المفعمة بمعاني الإكراه، وتتعلق من جهة أخرى بالممارسة العملية والمتطورة لمجموعة من الحريات الفردية، وفي بعض الحالات على الضد من القانون، الأمر الذي يظهر محدودية قاعدة «لا إكراه في الدين»، ويدعو إلى الاجتهاد؛ فمهما يُبذل من جهد سياسي لتجاوز المآزق، التي تعوق التوجه نحو الديمقراطية، فإن مكاسب الديمقراطية تبقى محدودة ومهددة ما لم يعززها الاجتهاد والتجديد الديني، في مستويين اثنين: مستوى نقد المنظومة السلفية وتفكيكها، ومستوى التعايش مع الآخر. بالتالي، إذا كانت وجهة النظر الأولى مقطوعًا بلا ديمقراطيتها، ولا تقيم وزنًا للمفاهيم الديمقراطية، فإن وجهة النظر الثانية نجحت في التكيف مع معايير الديمقراطية، خطابيًا وعمليًا، وناهضت – سياسيًا - دعاة الحرية المطلقة بالدعوة إلى دمقرطة هذه الحرية. وتحظى هذه المقاربة باحترام الأغلبية الاجتماعية وموافقتها، وهو ما مكّنها من السيادة والحكم، إذ إن معظم الأحزاب الإسلامية المشاركة في السلطة في بلدان الربيع العربي تنحدر من هذا الجذر. غير أن نقطة ضعفها الوحيدة، التي تهدد جميع هذه الاستعدادات الديمقراطية التي أبانت عنها، تكمن في ضعف تأصيلها الشرعي-الفقهي، نظرًا إلى صدورها عن الإسلام وشريعته، وأي تأخر في هذا الباب من شأنه إحياء النزعات السلفية الكامنة لدى التيارات المعتدلة، وإجهاض التحول الديمقراطي للإسلاميين المعتدلين. -2 الشريعة والتشريع أو الصراع على وضعية القوانين من الخصوصيات الإسلامية التي تشوش على توجّه الإسلاميين الديمقراطي في العهد الحالي الاستناد إلى الشريعة الإسلامية والسعي الحثيث إلى تطبيقها، وهو ما يتعارض مع الطبيعة الوضعية للتشريع في النظام الديمقراطي. وقد تسببت هذه الخصوصية في كثير من «الحروب الكلامية» بين الإسلاميين وخصومهم في السنوات القليلة الماضية؛ فالسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق: هل التعارض بين الشريعة والصفة الوضعية للتشريع الديمقراطي تعارض حقيقي، موضوعي، أم تعارض وهمي قائم على سوء فهم مزدوج للشريعة من طرف أنصارها وخصومها؟

إن الشريعة الإسلامية في نظر الكثيرين من الناحية السياسية هي مجموعة من الأحكام والقوانين الشرعية المنصوص عليها في كتاب الله أو سنّة رسوله الكريم، أو التي انتهى إليها الاجتهاد الفقهي الإسلامي، وتهم مجالات الحياة المختلفة. يرى هؤلاء أن الشريعة الإسلامية تستمد قوتّها وصوابها السياسي من مصدرها التشريعي الأول، الذي هو تنزيل من عند الله، خالق كل شيء، لا من عقلانية الإنسان وتحرياته من أجل جلب المنفعة ودفع المفسدة، وهي بحكم ذلك أقدر على معرفة خبايا الإنسان وفطرته، وبالتالي الأقدر على سوسه وقيادته إلى شاطئ النجاة في الدنيا والآخرة. ويشيرون إلى أنها تختص، دون سائر الشرائع، بصلاحيتها المطلقة لكل زمان ومكان، وتعدّي أحكامها عالم الشهادة إلى عالم الغيب. أمّا القانون في النظام الديمقراطي، فهو – بحسبهم - وضعي بالضرورة، باعتباره محصلة العقلانية السياسية، يجسد مصلحة عامة متوافق حولها طوعيًا، بين مجموعة من الأطراف والقوى المكوِّنة للنسيج الاجتماعي. ويستمد القانون قوته وشرعيته، من تعبيره الصادق عن المصلحة العامة، ومن سلوكه السبيل الديمقراطي قبل إقراره. وخلافًا للشريعة يعكس القانون حقائق السياسة، ودرجة تطور المجتمع في لحظة تاريخية معيّنة، فهو لا يدعي الصلاحية المطلقة، التي قد تجعله فوق شروط الزمان والمكان. ومن ثم، ترجع إشكالية الإسلاميين مع الديمقراطية -من هذه الزاوية- إلى إيمانهم الديني بسمو الشريعة الإسلامية على جميع القوانين الوضعية، وصلاحيتها المطلقة المجردة عن الزمان والمكان، هذا من ناحية، وترجع من ناحية أخرى إلى إلحاح النظام الديمقراطي على الصفة الوضعية للقوانين والتشريعات، وبالتالي ربما جيُهض التشبث بالشريعة جل محاولات التكيف مع متطلبات النظام الديمقراطي، كما أن الاستسلام لمبدأ وضعية القوانين قد يُفقدهم هويتهم، ويُلحقهم بالصف العلماني. إن إرهاصات الديمقراطية لدى الإسلاميين في ما يتعلق بموضوع الشريعة و«وضعية» القوانين تتجىلّ أساسًا في محاولات بعضهم إعادة تعريف الشريعة بشكل وضعي يساعد على المواءمة بين الشريعة والديمقراطية. وفي هذا الاتجاه، يُعتبر حزب العدالة والتنمية المغربي نموذجًا للحزب الإسلامي الديمقراطي في العالم العربي، إذ حاول منذ ظهوره في صيف 1996 الاستجابة لمتطلبات الديمقراطية، وقام بجهد تأصيلي استثنائي، مقارنة بجواره الإقليمي والعربي. وقد انتهى، بعد حوالى 15 عامًا من العمل السياسي والفكري، إلى فهم خاص لكلٍّ من الشريعة والقانون هو فهم تكاملي يحفظ لكل منهما وصفه اللازم، أي القدسية والوضعية، الأمر الذي أتاح لحزب العدالة الانخراط في الاستحقاق الديمقراطي العربي من دون عقد أو ثُغر فكرية كبيرة. تستند رؤية حزب العدالة والتنمية لمسألة الشريعة والقانون إلى عنصرين اثنين: - توسيع مفهوم الشريعة، وجعله شامالً ومستوعِبًا لمعطيات العقيدة والأخلاق والأحكام، فتصبح إقامة الشريعة مسؤولية المجتمع بأسره لا مسؤولية الدولة أو سلطة القانون. وحزب العدالة والتنمية يحقق من خلال هذا التعريف الموسع مقصدين حيويين: فهو من جهة يحمّل المجتمع المسؤولية الكبرى في تطبيق الشريعة، ومن جهة أخرى يقلل من شأن نظام العقوبات (الحدود) في إطار منظومة الشريعة. - التمييز بين مجال الشريعة ومجال القانون، ويجعل الحزب لكل منهما فلسفته الخاصة، «فإذا كانت الشريعة تضع المبادئ العامة وبعض الأحكام التفصيلية، فإن مجال القانون هو صياغة نصوص تشريعية أو تنظيمية. وهي العملية التي ينبغي أن تتولاها هيئة مخول لها حق التشريع في المجتمع بطريقة ديمقراطية».

استنادًا إلى هذين العنصرين، استطاع حزب العدالة والتنمية «وضعنة الشريعة»، أي جعلها وضعية. وقد بلغت هذه المقاربة ذروتها في المؤتمر السابع للحزب المنعقد في حزيران/ يونيو 2012، حيث أثبت في الأطروحة التي تقوم عليها مرجعية عليا للسلوك السياسي للحزب خلال هذه المرحلة، ما يلي: «ننظر إلى الدولة باعتبارها دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية، دولة يحكمها القانون، مصدره الأسمى الشريعة الإسلامية في معناها الشامل الذي يتضمن العقيدة والأخلاق والأحكام، أي باعتبارها مجاالً لعمل المجتمع بأسره، ولا يقتصر على سلطة الدولة أو سلطة القانون، والتي لا ينبغي فهمها فهامً مشوهًا يختزلها في نظام العقوبات، وإنما في أحكامها ومقاصدها القائمة على إقامة العدل والمساواة بين البشر، وبين النساء والرجال، وفي قيم الشورى والديمقراطية وضمان حق المواطنين جميعًا في الحياة الحرة والكريمة، وقانون مرجعيته العليا المرجعية الإسلامية والمعايير الكونية للحقوق والحريات المتعارف عليها عالميًا والمقررة دستوريًا وصياغته صياغة بشرية وضعية تتغير بتغير الظروف والأحوال ويتطور مع تطورات الحياة البشرية». عمومًا، أمست الشريعة الإسلامية بعد المحاولة الاجتهادية التي طاولتها مرجعية عامة وسامية، شأنها شأن المواثيق الدولية، موضع حرص الدول على احترام مقاصدها وغاياتها الكبرى، ويرجع إليها حسب الظروف والأحوال في استلهام القوانين، وهو ما مكّن من الحفاظ على الطابع الوضعي للعملية التشريعية، وبالتالي رفع العوائق أمام التيار الإسلامي للاندماج في العهد الديمقراطي الذي ولجه العرب، واستنبات العقلانية السياسية الإسلامية التي تُعتبر أس الحداثة والدولة الديمقراطية، وتعني الاحتكام إلى العقل والمصلحة في تدبير المشترك العمومي، وإقصاء سواهما من العوامل، إلا ما غلَّب العقل صوابه.

-3 المساواة إن مبدأ المساواة من المفاهيم الأصيلة في الديمقراطية، التي لا مجال لتصوّرها من دونه، ويُعتبر ظهوره في المجال السياسي حدثًا سياسيًا كبيرًا، أنهى عصورًا من التمييز والتفاوت السلبي بين أبناء الشعب الواحد. وتتحقق المساواة السياسية بين أفراد الشعب بالقضاء على جميع أشكال التمييز السلبي بينهم على أساس الجنس، أو العرق، أو الدِّين، أو الطبقات، واعتبارهم في المقام الأول مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات. والمساواة الديمقراطية شديدة الصلة بالحرية، ويعرف كل منهما الآخر، فلا مساواة بلا حرية ولا حرية بلا مساواة. ويهم هذا المبدأ الدولة والمجتمع على حد سواء، فلا مساواة سياسية من دون مساواة اجتماعية، والعكس صحيح. إن المساواة بهذا المعنى في السياق العربي المعاصر تواجه مجموعة من المشكلات، يرجع معظمها إلى رسوخ عدد من مظاهر التمييز السلبي بين المواطنين في الوسط الاجتماعي والسياسي العربي، على أساس الجنس والعرق والدين، وذلك لأسباب ثقافية وتاريخية؛ فعلى سبيل المثال، ما زالت المرأة أقل من الرجل حظًا في الوطن العربي، وتعاني التمييز السلبي على أكثر من صعيد. كما أن بعض الأقليات الدينية والثقافية تعاني هي الأخرى عدم المساواة سياسيًا أو ثقافيًا أو اجتماعيًا. وبالتالي، فإن مستقبل النظام الديمقراطي في العالم العربي مرتبط أشد ما يكون الارتباط بتحقق مجموعة من التطورات المختلفة، وعلى رأسها إقرار مبدأ المساواة السياسية والثقافية والاجتماعية بين أفراد الأمة. والدول العربية تراكم في هذا الاتجاه -ومنذ عقود- إنجازات متفاوتة، فبعضها قطع أشواطًا كبيرة في المساواة

القانونية بين الجنسين، ويعضها الآخر حقق تقدمًا في مجال المساواة بين الأعراق... إلخ. لكن مهما يكن حجم هذا التقدم/التراكم المتحقق، فإن الشروط التي هيّأها الربيع العربي تشكل حافزًا موضوعيًا وتاريخيًا لتحقيق طفرة كبيرة على درب المساواة، بما يسهّل عملية الانتقال الديمقراطي الشامل، ثقافيًا واجتماعيًا وسياسيًا. إن التحول الديمقراطي الذي يعيشه معظم البلدان العربية يفرض على القوى السياسية الفاعلة والمترددة في أخذها بمبدأ المساواة، حسم موقفها اتجاهه، وإعلان دخولها في منطق النظام الديمقراطي، وعلى رأس هذه القوى الأحزاب والحركات الإسلامية، التي يسبب لها مطلب المساواة حرجًا أخلاقيًا وسياسيًا كبيرًا، من ذلك -على سبيل المثال- أن تطبيق المساواة المطلقة بين الجنسين، إذ يُعتبر شرطًا للمواطَنة الكاملة والصحيحة، ينقض بشكل صريح ومباشر بعض الأحكام الشرعية الخاصة بعلاقة المرأة والرجل. تبعًا لذلك، فإن الحرج الذي يعانيه الإسلاميون مع مبدأ المساواة هو حرج مزدوج، يتعلق -من جهة- بكونه أحد مبادئ النظام الديمقراطي، التي لا غنى عنها، ويتعلّق -من جهة أخرى- بمصادمته لبعض أحكام الشريعة الإسلامية، فكيف تدبّر الإسلاميون أمر هذا الحرج الشرعي والديمقراطي؟ في هذا التطور الانتقالي، لم يواجه حزب العدالة والتنمية المغربي الانتقالي أسئلة حرجة في موضوع المساواة، التي قد تضعه وجهًا لوجه أمام الأحكام الشرعية، وأقصى ما طرح عليه خلال هذه المدة القصيرة ما عُرف في المغرب بقضية «المناصفة»، ويُقصد بها إشراك النساء على قدم المساواة مع الرجال في تحمّل المسؤوليات الحكومية وغيرها من الوظائف العليا، تنفيذًا لنصوص الدستور الجديد، إذ لم تحوِ الحكومة الجديدة، التي يرأسها الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، سوى وجه نسائي واحد (بسيمة حقاوي)، وفي منصب وزاري اجتماعي (وزارة الأسرة والتضامن). إزاء هذه القضية، أعلن حزب العدالة والتنمية أن المناصفة أحد أهداف حكومته، التي سيعمل من أجلها طوال ولايته، كما أن توزير المرأة الوحيدة في الحكومة كان من اقتراحه، نافيًا عن نفسه تهمة التأخير المقصود للمرأة عن الحكومة التي يرأسها، وأن أحزاب التحالف الأخرى، بما فيها حزب التقدم والاشتراكية الذي يعتبر نفسه حارسًا لقيم الحداثة في حكومة الإسلاميين، لم تقترح من نسائها أي مرشحة للمناصب الحكومية. بناء على ذلك، يعتمد حزب العدالة والتنمية، في مسعى إلى تحقيق المساواة والمناصفة بين الجنسين، «مقاربة التمييز الإيجابي كإجراء انتقالي وضروري يمكّن من إنصاف النساء وتعزيز قدراتهن وتدارك المسافة التي فرضها الإقصاء التاريخي... إن تمكين النساء اعتمادًا على التمييز الإيجابي، ينبغي أن يتأسس على مقاربة تكاملية تقوم على إقرار الإنصاف والعدل، ومراعاة مختلف مكونات الأسرة والتكامل بينها». وتنزيالً لهذه القناعة، مكّن حزب العدالة والتنمية النساء في مؤتمره الأخير ممّا يزيد على 40 في المئة من مقاعد برلمان الحزب (المجلس الوطني).

إجماالً، يبدو حزب العدالة والتنمية المغربي منخرطًا، وبكفاءة، في مشروع التسوية بين الرجال والنساء، والرفع من القدرات التنافسية لهؤلاء، لكي يتمكن من الاضطلاع بأدوارهن التنموية والإصلاحية إلى جانب الرجل، ولا يؤثر في هذا التوجه ومصداقيته بعض الخصوصيات الشرعية كتلك المتعلقة باقتسام الإرث أو الولاية في الزواج... وغيرهما.

خاتمة

«الإسلاميون في طور تحوّل»، حقيقة سياسية وفكرية، وحكم واقعي، انتهينا إليه من خلال رصد «ديالكتيك» الفكر والواقع في المشروع الإصلاحي لدى الإسلاميين المعتدلين، انطلاقًا من موضوع الديمقراطية؛ فالتحوّل التاريخي الكبير الذي يعيشه الوطن العربي منذ شهور، وما زال مستمرًا، هو، بالإضافة إلى كونه تحواّلً في البنى والأنظمة السياسية، تحوّل في الأفكار والقناعات ومنهجيات الإصلاح، مسَّ جل القوى الاجتماعية الفاعلة في الوطن العربي، بمن فيها الإسلاميون. إن تداعيات الربيع العربي الفكرية والسياسية على الحركات الإسلامية كثيرة ومتنوعة، ويمكن رصدها في أكثر من عمل، غير أن أقوى هذه التداعيات تلك المتعلقة بمفهوم الديمقراطية، وقد حاولنا في هذه الدراسة رصد التقدّم الذي أحرزه الإسلاميون بمناسبة حلول الربيع في اتجاه الديمقراطية. لقد انتقل الإسلاميون بشكل شبه حاسم، في أجواء الثورات العربية على أنظمة الاستبداد من الديمقراطية الأداتية، التي تجسّدها أدوات الانتخاب، والتعددية السياسية، والتداول السلمي على السلطة...، إلى الديمقراطية الفلسفية التي تجسّدها مفاهيم الحرية، والقانون الوضعي، والمساواة، حيث تبدد في هذه الأجواء الكثير من الشبهات والتحفظات الإسلامية على الديمقراطية، بعد أن كانت تشكل عقبات كأداء أمامها. ويُعتبر حزب العدالة والتنمية المغربي، من خلال أطروحاته المختلفة في العمل السياسي، وآخرها أطروحة المؤتمر السابع، نموذجًا لغيره من الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية في العالم العربي في الأخذ بالديمقراطية في أبعادها التقنية والفلسفية؛ إذ استطاع ابتكار وجهات نظر متماسكة حول المفاهيم - الأساس للديمقراطية، توفّق بين هويته الدينية ومقتضيات الاجتماع السياسي الحديث: - في موضوع الحرية: تمكّن هذا الحزب من مقاربة إشكالية الحريات عمومًا والحريات الفردية خصوصًا بمنهج ديمقراطي، قائم على التمييز بين الحريات العامة والحريات الخاصة، ووجوب احترام الإرادة العامة، مع الالتزام بحفظ حقوق الأقليات وحرياتهم من خلال القانون. - في موضوع الشريعة والتشريع: جعل هذا الحزب التشريع من اختصاص الأمة من خلال ممثليها في المجالس النيابية، معتبرًا إياه ممارسة وضعية صرفة، متأثرة بالأحوال والظروف، في حين جعل الشريعة مرجعية عامة، ذات سلطة مصدرية، شأنها شأن المواثيق الدولية وغيرها من المصادر. - في موضوع المساواة: يعتبر حزب العدالة والتنمية المساواة حقًا من حقوق المواطنة التي يتساوى فيها الجميع، بغضّ النظر عن جنسهم أو عرقهم أو دينهم أو انتمائهم الطبقي. وحرصًا منه على هذا المبدأ، يحاول، من خلال سياسة التمييز الإيجابي، رفع حظوظ المرأة، ومستوى حضورها سياسيًا واجتماعيًا. بل الأبلغ من هذا كله، موقفه من التمييز الديني بين الجنسين؛ إذ لم يكتف إزاءه بلافتة الشرعية الدينية، بل عزز هذه الأخيرة بالشرعية الديمقراطية، وجعل التمييز ترجمة للإرادة العامة لا إكراهًا دينيًا لمجموع المواطنين.