قاموس أوكسفورد للعلوم الاجتماعية:كَلِمٌ إحدى عشرةَ في الدستور والدستورية
The Oxford Dictionary of the Social Sciences: Constitution and Constitutionalism
الملخّص
الدستور هو القانون الأساسي أو مجموعة القواعد والمبادئ الأساسية التي تحكم نظامًا من الأنظمة. وتُدَوَّن هذه القواعد في معظم البلدان في وثيقة مكتوبة واحدة الدستور، مع أن القواعد الأساسية يمكن أن تكون قارّةً أيضًا في العرف المتراكم والممارسة والسوابق القضائية والقانون العادي ،القانون العام، أو قانون العُرف والعادة. وثمة عدد قليل من البلدان، مثل بريطانيا وإسرائيل والمملكة العربية السعودية، ليس لديها دساتير مكتوبة، وهي تعتمد بدلاً من ذلك على العُرف والسابقة في تنظيم سياساتها المعتادة. وفي مثل هذه الحالات، يكون البرلمان أو الملك هو الحاكم بالمعنى التقني، مع أنهما يكونان في العادة مقيّدين بقواعد غير رسمية.
Abstract
Constitution and Constitutionalism: The Basic Law or set of fundamental rules and principles that govern a polity. In most countries, these rules are recorded in a single written document (the constitution), although basic rules may also reside in accumulated custom, practice, judicial precedents, and ordinary law. A few countries, such as Britain, Israel, and Saudi Arabia do not have written constitutions; instead they rely on convention and precedent to regulate ordinary politics. In these cases, the parliament or monarch is technically sovereign, although ordinarily they are bound by informal rules.
- الدستور
- الدستورية
- القانون
- الأنظمة
- Constitution
- Constitutionalism
- Law
- The Oxford Dictionary
- the Social Sciences
ترجمة ثائر ديب **
الإرادة العامة)general will(هو المصطلح الذي استخدمه جان جاك روسو للتعبير عن مصالح الجماعة وقيمها الأساسية المشتركة. ويحظى روسو بمكانة محورية في تراث طويل من البحث في كيفية اجتماع آراء الأفراد والتوصّل إلى صنع القرار على نحوٍ جمعي مشروع. وقد ميّز روسو بهذا الصدد بين اجتماع الآراء أو المصالح الفردية («إرادة الجميع») والإرادة العامة، التي رأى أنها ذات طبيعة موحّدة. وفي اعتقاد روسو أن الإرادة العامة لا تتعالى على تباينات الأفراد ولا تعربّ عامّ هو الأفضل بالنسبة إلى الجماعة فحسب، بل تتعدّى ذلك إلى كونها ما يكشف عن هذه الجماعة بوصفها جماعة. وقد سعى روسو، مثل أفلاطون وعدد من المفكّرين الكلاسيكيين، إلى التوصّل إلى طريقة يمكن من خلالها التفريق بين أشكال الإرادة الجمعية الحقّة والزائفة. وبخلاف أفلاطون، استخفّ روسو بالدور الذي يمكن للخطاب السياسي أن يؤديه في تشكيل هذه الإرادة، ورأى بدالً من ذلك أن من الممكن القبض على الإرادة العامة وفهمها من خلال التبرصّ المباشر. وبحسب روسو، فإنّ قلّة من البشر وحسب هي التي بلغت من الاستنارة ما يكفي لتبنيّ الإرادة العامة، ويعود ذلك جزئيًا إلى ما يترتّب على التطور الاجتماعي من تفاوت وتفاضل. وهذا ما يطرح عددًا من المصاعب الشهيرة في عمل روسو: فبغية دفع البشر إلى تبنيّ الإرادة العامة، طرح روسو الحاجة إلى مشُرِّع مستنير يقوم بدور مؤسِّس في إقامة مؤسسات وطنية. وبذلك، فإنه على الرغم من السيادة التي تعود إلى الشعب، فإن هذه السيادة متُارَس بالضرورة، وبصورة مؤقتة على الأقل، من قِبل فرد يدرك حاجات هذا الشعب على مستوى أرفع من المستوى الذي تتيحه في العادة حركة المصالح. وعند روسو، فإن السلوك تبعًا للإرادة العامة وبالانسجام معها هو المعيار الوحيد للشرعية
السياسية. وفي حين أن ذلك يسمو بمفهوم سيادة الشعب، إلا أنه يعارض فكرة الحقّ الرفيع المتعالي المنسوبة إلى غالبية المقترعين وسواها من الإجراءات العملية في الحياة السياسية الديمقراطية. وهذا ما يزيده وضوحًا تأكيدُ روسو أن الحكومة قد تكون على حقّ، بصرف النظر عامّ يمكن أن تبدو عليه في الظاهر مصلحة الجماعة أو حتى مصلحة الأغلبية، وذلك إذا ما كانت بفعلها هذا تخدم مصالح الشعب الحقّة. وفي مثل هذه الظروف، فإنّ الأفراد أو الجماعات قد «تُقرْسَ على أن تكون حرّة»، وهذه صيغة وجدت تطبيقها العنيف في دكتاتورية الفضيلة التي فرضها روبسبيير، في الثورة الفرنسية، ولاحقًا في شمولية القرن العشرين، كما يشير بعض المعلّقين. لدى تناول التمييز بين الإرادة الخاصة والإرادة العامة، دشّن روسو أيضًا حوارًا فلسفيًا مه حول طبيعة الحرية، التي تُفْهَم هنا (ولدى كلٍّ من كانط وهيغل) على أنها فرار من الخضوع للرغبة الفردية باتجاه قانون عقلاني وشامل من صنع المرء ذاته (أكان فرديًا أم بوصف هذا المرء عضوًا في مجتمع). وقد حاول يورغن هابرماس، في نظريته في شأن المجال العام، أن يوفّق بين تصوّر روسو للإرادة العامة والإلحاح الكلاسيكي على الحوار؛ واقترح إجراءً يمكن للأفراد من خلاله أن يتخطوا تركيزهم على المصالح المحضة عبر خطاب عقلاني- نقدي يمكنه أن يحدّد الحقّ من وجهة نظر الجميع (انظر المجال العام والمجال الخاص). كما ساعد التعارض الذي أقامه روسو بين الإرادة العامة والآراء الجمعية المشوّهة لدى المجتمعات القائمة بالفعل على صوغ التمييز بين الجماعة (community Gesellschaft)، حيث تمثّل الجماعة الروابط الطبيعية و/أو الشرعية الحقّة، في حين يمثّل المجتمع تلك الضروب من الترتيب الاجتماعي الصنعي والمتفاوت. ومفهوم إميل دوركهايم للمجتمع، بوصفه كالً أكبر من مجموع أجزائه، يدين لروسو بالكثير، شأنه في ذلك شأن القومية الحديثة بوجه أعمّ، وهي التي تتّكئ إلى رؤيا روسو في ما يتعلق بعلاقة دون توسّط بين الفرد والأمة.
التبعية) dependency(
غالبًا ما يُستَخْدَم هذا المصطلح لوصف ما يَسِمُ العلاقات بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة من عدم التكافؤ في القوة وأشكال السيطرة الاقتصادية. وكانت نظرية التبعية قد ظهرت من أعمال أندريه جندر فرانك و«اللجنة الاقتصادية لأميركا اللاتينية التابعة للأمم المتحدة» بإشراف راؤول بريبيش. ورأى منظّرو التبعية، ردًّا على نظريات التنمية والتحديث التي أشاعت أن البلدان الفقيرة سوف تتّبع حتامً مراحل التنمية الاقتصادية الغربية، أن هذه البلدان الفقيرة واجهت «تخلّفًا» منهجيًا في إطار الاقتصاد العالمي، وأن ذلك قد نجم عن نماذج التعاون بين العالم الأول ونخب العالم الثالث السياسية والاقتصادية، تلك النماذج التي زادت ثراء الشركات المتعددة الجنسية ووكلائها المحليين لكنها أفضت إلى تدهور مستويات المعيشة بالنسبة إلى غالبية سكّان العالم الثالث. كما لاحظ منظّرو التبعية، استنادًا إلى تحليلاتهم الواسعة للإمبريالية، أن البلدان الفقيرة مضطرة إلى الاعتماد على بيع بلدان المركز المتطورة المنتجات الأولية، بشروط مجحفة عمومًا، واستيراد السلع المُصنَّعة من هذه البلدان. وقد دعا منظّرو التبعية، في مواجهة هذا الضرب من اختلال التوازن البنيوي وسيطرة النخب المتعددة الجنسيات والمحلية على عملية التنمية، إلى الاشتراكية، والنزعة الحمائية، واستبدال الواردات. وقد طُبِّقَت برامج اقتصادية من هذا النوع في عدد من البلدان النامية في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته. وغالبًا ما نجحت هذه البرامج في تعزيز التصنيع، إلا أنها لم حتُ دث في معظم الحالات نموًا متوازنًا أو تحسينًا في شروط التبادل مع الغرب. وعمومًا، حلّت التجارة الحرة وتناقص التدخّل الحكومي في الاقتصاد محلّ هذه السياسات في ثمانينيات القرن العشرين، بضغط من الحكومات الغربية، والشركات المتعددة الجنسية، والمؤسسات
الدولية، ومثال «الأمم الصناعية الجديدة» في شرق آسيا. غير أن نقّاد العلاقات الاقتصادية الدولية غير المتكافئة لا يزالون هناك، وقد انضموا في الغالب إلى نظرية المركز- المحيط ونظرية النظام – العالم.
التمثيل representation()
هو النيابة عن شخص أو جماعة أو شيء، أو الرمز إليه، أو العمل من أجله. ويُسْتَخدَم هذا المصطلح في مجال واسع من السياقات وبمعانٍمختلفة؛ ففي العلوم الاجتماعية، يبرز تقليدان واسعان من تقاليد البحث في التمثيل واستقصائه: (1) طبيعة التمثيل الرمزي، أو العلاقة بين اللغة والواقع، و (2) فهم التمثيل السياسي فهامً صحيحًا، أو كيف ينبغي للأفراد أن ينوبوا عن الجماعات أو الدوائر الواسعة في الأنظمة الديمقراطية. تُعَدُّ مسألة الكيفية التي تقوم بها الكلمات مقام الأشياء من بين المسائل الأقدم في الألسنية، إذ تعود إلى نظرية أفلاطون في التوافق الطبيعي بين الكلمات والأشياء. غير أن الألسنية البنيوية الحديثة لدى فرديناند دي سوسور ورومان جاكوبسون وسواهما، قطعَت مع هذا التأكيد. وتعامل سوسور مع اللغة بوصفها شبكة اعتباطية من الدوال، التي لا تتحدد بأي علاقة جوهرية تربطها بموضوعاتها بل باختلافها عن الدوال الأخرى. وكان فلاسفة الوعي قد طرحوا قضايا مشابهة في ما يخصّ العلاقة بين التجربة الحسّية والواقعي: هل تمثّل الحواسُ الواقعَ في الوعي، أو هل المعطيات الحسّية هي الواقع الفعلي ذاته؟ ولهذين السؤالين كليهما تطبيقات تتعلق بتناول العلوم الاجتماعية ك من الموضوعية والحقيقة. وكان التياران ما بعد الحديث وما بعد البنيوي في العلوم الاجتماعية قد قوّضا العلاقة العرفية بين المراقب والواقع، خاصةً عبر تفكيك مزاعم اللغة أنها تقول الحقيقة. لكن هذا التفكيك لم ينه العلوم الاجتماعية، بل عمل بوجه عام على اشتداد وعي الذات لدى القيام بتلك النشاطات الأساسية المتمثّلة في الوصف، والشرح، وبناء النظريات أكثر بكثير مما كان عليه الحال في الماضي. إن طبيعة التمثيل في السياسات الديمقراطية هي موضوع خلاف قديم يعود إلى القرن الثامن عشر. والسؤال الأساسي هنا هو هل كان الانتخاب لشغل منصب معنيّ يفرض مسؤولية تمثيل آراء دائرة معيّنة أو حزب معنيّ، أم أنه يخوّل الممثّل أو النائب أن يعمل على نحوٍ مستقل أو بالانسجام مع المصلحة العامة الأوسع؟ ومن بين أقوى الوثائق الباكرة حول هذا الموضوع دفاع إدموند بورك عن استقلال الممثّل أو النائب، على أساس أن الضمير الفردي يوفّر أفضل أساس لإطلاق الأحكام السياسية. ورأى بورك أن ذلك كفيل بردع المصالح الضيقة عن سدّ الطريق أمام مصالح الجماعة العامة. أمّا أنصار وجهة النظر المعاكسة – التي ترى أن التمثيل يشتمل على تفويض محدد من قبل الناخبين- فدافعوا عن رابطة عضوية بين الشعب وممثليه. غير أن ذلك يطرح كثيرًا من الأسئلة المتعلقة بكيفية جمع الآراء وقياسها، وما إذا كان ذلك يقتضي حرمان المقترعين لصالح المعارضة من التمثيل. ومع أن قلّة من البشر اليوم هي التي تنظر إلى الإنابة الانتخابية نظرة ضيقة، فإن جداالً وثيق الصلة بذلك لا يزال يطبع السياسات الانتخابية في الولايات المتحدة الأميركية وسواها من المجتمعات التعددية. فمن جهة أولى، هناك التصور الوصفيللتمثيل، الذي يعني أن على الهيئة النيابية أن تعكس على نحو متناسب أصناف الهوية البارزة في المجتمع، مثل العرق والجنس والإثنية وما إلى ذلك. وتدافع وجهة النظر هذه عن الفكرة التي مفادها أن لجماعات الهوية المختلفة مصالح مختلفة وممثلين مختلفين، وأن نموذجًا للتمثيل عادالً لا بدّ أن يعربّ عن هذا التنوع والتعدد. وهناك، من جهة ثانية، التصور الجوهري، الذي يرى أن في مقدور الأفراد فهم مصالح البشر الذين يختلفون عنهم وتمثيلهم. ومن بين الاعتراضات الرئيسة على التمثيل الوصفي أنه يعزّز جوهرانية الجماعة، ويؤكد بصورة زائفة تجانسَ المصالح داخل كلّ جماعة. أمّا النماذج الجوهرية فتواجه الصعوبة التي تتمثّل في أن أصناف الهوية تقومبدور مهم في المشهد السياسي، وأن أبناء أقليات معيّنة يعانون إقصاءً حقيقيًا عن السلطة. وتكون هذه المشكلة حادّة على نحوٍ خاص في البلدان التي يقوم فيها التمثيل على الأكثرية البسيطة، ويستأثر فيها الفائزون بكل شيء، ويكون فيها ممثل واحد
لكلّ حيّ، كما في الولايات المتحدة الأميركية. وهذا الضعف الذي يعانيه التصور الجوهري هو الأساس الذي قام عليه التمثيل النسبيوسواه من الآليات الانتخابية في بلدان أخرى. يقدّم بعض تيارات النظرية الديمقراطية نقدًا أعمق للحكم التمثيلي أو النيابي ذاته. وأحد أبكر وأقوى هؤلاء النقّاد روسو، الذي رأى أنه لا يمكن للأفراد على نحو مشروع أن ينيبوا آخرين للتصرف في سيادتهم. وألحَّ روسو على أن الديمقراطية التمثيلية لا تفسح المجال إلا أمام لحظة مقتضبة من السيادة الشعبية حين يختار المواطنون ممثليهم. أمّا بين الانتخابات، فيكون المواطنون خاضعين عمليًا لسلطة سيدة موجودة في غير مكان. ولا يزال نقد روسو حاضرًا في الجدالات المعاصرة التي تدافع عن ديمقراطية المشاركة والديمقراطية المباشرة، التي ترى أن الانخراط المتواصل في العملية السياسية ضروري للحفاظ على استقلال الفرد وإمكانية إخضاع الدولة للمحاسبة.
التوافقية consociationalism()
إجراءات دستورية تقصد حماية الأقليات أو ضمان إنصافها في المجتمعات العميقة الانقسام. ذلك أنه حين تكون الانقسامات السياسية راسخة وبيّنة، يمكن لحكم أكثرية بسيطة أن يحوِّل الجماعات الأصغر إلى أقليات دائمة لا تسيطر على مصائرها السياسية أيّ سيطرة. وكان بعض المجتمعات التي تتميز بتعددية واسعة، مثل هولندا وكندا وماليزيا، قد حاولت أن تحلّ هذه المشكلة بوسائل شتّى، من بينها ضمان التمثيل في الحكومة، وأشكال من الاستقلال الذاتي للجماعات المختلفة، وإعطاء الأقلية حقّ الفيتو في المجالات ذات الحساسية من مجالات السياسة العامة. ومع أن مثل هذه الإجراءات يحدّدها الدستور عادةً في الأنظمة التوافقية، فإنها قد تُتَّخَذ أحيانًا في أنظمةِ حكمٍ أكثرويةٍ قوية وسيلةً لتوطيد العلاقة بالأقليات.
الجمهورية republic()
يشير معظم التعريفات إلى حكم تمثيلي، محدّد دستوريًا تكون فيه السيادة للناخبين. وغالبًا ما يوضع الحكم الجمهوري، في هذا السياق، قبالة الديمقراطية، خاصة حين تعني هذه الأخيرة حكم الأغلبية وتويلّ الشعب صناعة القرار بصورة مباشرة أو عبر الاستفتاء العام. وقد أدّى التمييز بين الاثنين دورًا كبيرًا في تاريخ الحكومة الأميركية. وتقف المخاوف من طغيان الأكثرية خلف كثير من الجدالات الباكرة في شأن الدستور، وكان حقّ الانتخاب في الأصل قد جُعِل ضيّقًا، في محاولةٍ لقرَصِْ المشاركة على النخبة الاجتماعية. كما برزت نقاط تقابل أخرى في بعض الأعمال التي تناولت الحكم الجمهوري والثقافة السياسية الجمهورية المرتبطة به. وثمة تراث أو تقليد مهم من تقاليد البحث التاريخي والاجتماعي في المجال العام قام باستكشاف الفروق بين الثقافة السياسية الجمهورية والثقافات السياسية الليبرالية والديمقراطية والقومية التي أعقبتها في القرن التاسع عشر (انظر المجال العام والمجال الخاص). وتنزع هذه الضروب من التناول إلى الإلحاح على قيمة التروي والتمحيص في القضايا العامة ممّا يقوم به متساوون أو أنداد في المجتمع المدني، بخلاف ظهور تلك الجماهير التي يزوّرها الإعلام بما تحمله من آراء. كما تلحّ أيضًا على فكرة الفضيلة الجمهورية – أي ذلك الجهد المبذول للارتفاع فوق المصالح الشخصية سعيًا وراء الخير العام- بعكس التصور الليبرالي الذي يرى إلى الحكومة على أنها وسيط بين المصالح الفردية وكابح لها. ومن المنضوين في إطار هذا التقليد البحثي كلٌّ من يورغن هابرماس وحنة أرندت وغوردن وود. يُستخدَم مصطلح الجمهورية أيضًا بصورة أشد تهلهالً في عدد من السياقات الأخرى. وقد اعتمد الفكر الجمهوري على خبرة اليونان القديمة ونظريتها السياسية، التي استقصت كثيرًا من أشكال الحكم الجمهوري والديمقراطي. فعلى الرغم من الاختلافات التاريخية الكبيرة، كانت لدى أفلاطون وأرسطو مخاوف مماثلة من الحكم الشعبي أو حكم الرعاع. كما ساهم أرسطو أيضًا ب«قانون» الجمهوريات الصغيرة الشهير الذي ترك أثره على قَدْرٍ كبير من تفكير القرن التاسع عشر في هذه المسألة؛ إذ
رأى أرسطو أن التمحيص والتروي بين المتساوين اجتماعيًا يقتضيان درجةً من الاتصال المباشر الذي يجعل من الصعب الدفاع عن الجمهوريات الكبيرة.
الحقوق rights()
هي مطالب مشروعة، أو حريات، أو سلطات، تمّ تصورها في الأصل من حيث حمايتها الفرد إزاء الحكومة، لكنها تُثار الآن على نطاق واسع حيثما يسعى الفاعلون السياسيون، أو الاقتصاديون، أو الاجتماعيون إلى تحديد مكانهم في المجتمع. وتُفْهَم حقوق الإنسان، في معظم استخداماتها، على أنها حقوق كونية تشمل البشر جميعًا، في حين تُفْهَم الحقوق المدنية على أنها مرتبطة بأبناء دولة معيّنة أو مجتمع معنيّ (مع أنه يُفرْتَض بكل دولة أن تعترف بكلّ حقوق الإنسان وتحفظها). وغالبًا ما اتّسم التقليد أو التراث السياسي الديمقراطي الغربي بتطور أنظمة الحقوق الفردية المفروضة وتوسّعها. وقد وردت الخطوط العامة لهذه البنية في البداية في نظرية العقد الاجتماعي لدى جون لوك وجان جاك روسو، وسواهما. ثم تمأسست لاحقًا في وثائق مثل إعلان الاستقلال الأميركي (1776)، ووثيقة الحقوق (1791)، والإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان (1789). ثم باتت واضحة في تقاليد النزعة الدستورية ولدى سلسلة من الحركات الاجتماعية التي كافحت لتوسيع مدى الحقوق السياسية والاجتماعية التي تتمتّع بها الجماعات المقصية (من لا يملكون، النساء، الأقليات، وهلمجرًا). وقد كان لهذه الضروب من تأكيد الحقوق طابع سلبي سائد؛ إذ طرحت حرية الفرد وخلاصه من أشكال الاضطهاد والسلطة التعسفية. وهذا المنظور هو الذي يقف وراء تعداد الحقوق الشهير «حق الحياة، والحرية، والسعي وراء السعادة» في إعلان الاستقلال، الذي جاء كتنويع على تصوّر لوك الأسبق للحقوق الطبيعية في الحياة والحرية والتملّك. كما أنه يقف وراء حقّ المشاركة في النظام السياسي، حيث يحوز البشر (مهما تكن أهليتهم) حق الكلام بحرّية، وحق التجمّع والتصويت والتقدّم لشغل المناصب، أي جميع أوجه مفهوم تقرير المصير الذي هو مفهوم أوسع وأعقد. وما يسري عبر هذه الجدالات حول الحقوق – وما لا يزال قضية بلا حلّ في كثير من السياقات- هو السؤال عن مصدر الحقوق؛ فهل الحقوق هبات «غير قابلة للتصرف» تهبها الطبيعة (أي حقوق طبيعية أو إنسانية) أم أنها سياسية واجتماعية (أي مجموعة من الأعراف المجسّدة في المجتمع والمتوقّفة عليه)؟ وقد تطورت المذاهب التي تقول بالحقوق الطبيعية من تقاليد القانون الطبيعياليونانية – الرومانية، والمسيحية بصورةٍ مباشرة أكثر، تلك التقاليد التي وصفت الحدود الطبيعية التي تحدّ السلوك البشري والواجبات البشرية. والحقوق الطبيعية، من هذا المنظور، هي حقوق غير قابلة للتصرف وسابقة على السياسة. وهي قائمة على سلطة تتعالى، من حيث المبدأ، على التاريخ و/أو المجتمع. وإحدى النتائج الأساسية المترتّبة على هذا التمييز هي أن الحقوق المرتكزة إلى العرف قد لا تنطبق إالّ على أبناء نظام معنيّ (كحقّ التصويت في بلد معنيّ). ويسير إعلان الاستقلالعلى هذا الغرار في إقامته معظم ما يشتمل عليه من مطالب سياسية على أساس حقوق الرعايا البريطانيين. أمّا الحقوق الطبيعية، بخلاف ذلك، فهي ذات طابع شامل أو كوني، وبذلك تتعالى على حقوق الدول الحصرية وخصوصيات الثقافات. وهذا ما يضع المدافعين عن حقوق الإنسان، في الجدالات المعاصرة، على الطرف المقابل في بعض الأحيان لطرف المدافعين عن التقاليد الثقافية أو السياسية المحلية، الذين يطالبون أيضًا بحقّ تقرير المصير وحق الاستقلال. ثمة اعتباران كبيران يحضران في أي نقاش لهذا الأمر، الأولاعتماد الحقوق الجوهري على بنية قانونية قادرة على فرضها، والثانيطبيعة المطالب الحقوقية التي تطورت على مرّ التاريخ. والنقطة الأولى هي نقطة أساسية في ظهور خطاب حقوق الإنسان الحديث، الذي هو ذاته إفصاح القرن العشرين عن المطالب الحقوقية السياسية والاجتماعية الكونية التي تعود في التاريخ إلى إعلان حقوق الإنسان. ولقد غدا الدعم الدولي لحقوق أساسية معيّنة أولوية بالنسبة إلى عدد من
الجمعيات والأعراف الدولية، خاصةً الأمم المتحدة بعد عام 1945. كما ساهمت الحركات المناهضة للاستعمار وإقامة إطار قانوني دولي لمحاكمة من وقفوا وراء الهولوكوست في خطاب الحقوق الشامل أو الكوني، شأنها في ذلك شأن حركات متنوعة دعت إلى حقوق سياسية واجتماعية متكافئة ضمن الكيانات السياسية أو الدول، كحركات الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأميركية، ومن بينها حركة حقوق النساء. وفي سبعينيات القرن العشرين، راحت حقوق الإنسان تحظى بتأثير مهم في سلوك الدول، ونافست في بعض الأحيان أفكار الواقعية السياسية السائدة. وأدّت المنظمات غير الحكومية، مثل منظمة العفو الدولية، دورًا متزايد الأهمية في لفت انتباه العالم إلى الانتهاكات التي تتعرض لها مهمات سلطة الدولة التقليدية، وإلى زرايتها بواجب حماية الأفراد، خاصةً من التعذيب والحجز القسري، وغيرهما من صنوف الإساءة، إالّ أن هذا الدور يتداخل أيضًا مع الإشارة إلى أشكال أخرى من الحقوق التي انبثقت منذ القرن التاسع عشر. ومن بين أهمّ الأمور التي يركّز عليها هذا التطور كلٌّ من الحقوق الاقتصادية والسياسية؛ فقد بدأ تحديد الحقوق الاقتصادية والمطالبة بها مع الماركسية والاشتراكية والنقابية في القرن التاسع عشر، وتطورت لاحقًا بصورة رسمية مع ظهور دولة الرفاهية الحديثة. واشتملت على حقوق محدّدة صراحة، مثل الرعاية الصحية والتقاعد وأمن العمل والتعليم والاستجمام... إلخ. أمّا الحقوق الاجتماعية، فظهرت في مطالبات متنوعة بالمساواة شكلت أساسًا لقيام حركة النساء وغيرها من ضروب الكفاح الهادف إلى إنهاء استبعاد الأقليات وإقصائها. والحقوق الاجتماعية التي عادةً ما تثير فكرة الكرامة أو الاحترام أو الاختلاف، هي عمومًا أصعب من حيث تحقيقها (بل من حيث تحديدها أيضًا في بعض الأحيان) من الحقوق السياسية والمدنية القارّة. ومنذ ستينيات القرن العشرين وسبعينياته، كان ثمة مزيد من الضغوط باتجاه أنواع أخرى من الحقوق، خاصة مع ما أدّت إليه العولمة من روابط ممتدة بين البلدان والجماعات. ومن بين هذه الحقوق حق الاختلاف الثقافي والحفاظ على البيئة.
حكم القانون rule of law()
هو المبدأ الذي يقول إن السلطة ينبغي أن متُارَس تبعًا لقواعد وإجراءات يتم التفاهم عليها وتنطبق على جميع أعضاء الكيان السياسي، بمن في ذلك موظّفو الدولة. ويقتضي حكم القانون هيئة قضائية مستقلة قادرة على فرض القوانين حتى في مواجهة كبار المسؤولين في الدولة. ولهذا السبب، فإن هذا المفهوم وثيق الارتباط بمبدأ فصل السلطاتفي التقليد السياسي الغربي. ومع أن حكم القانون ليس مقتصرًا على الديمقراطية، فإنه شرط مهم من شروطها، وبذلك يقوم بدور كبير في الدراسات التي تتناول التحولالديمقراطي. الدستور والدستورية
(constitution and constitutionalism)
الدستور هو القانون الأساسي أو مجموعة القواعد والمبادئ الأساسية التي تحكم نظامًا من الأنظمة. وتُدوَّن هذه القواعد في معظم البلدان في وثيقة مكتوبة واحدة (الدستور)، مع أن القواعد الأساسية يمكن أن تكون قارّةً أيضًا في العرف المتراكم والممارسة والسوابق القضائية والقانون العادي (القانون العام، أو قانون العُرف والعادة). وثمة عدد قليل من البلدان، مثل بريطانيا وإسرائيل والمملكة العربية السعودية، ليس لديها دساتير مكتوبة، وهي تعتمد بدالً من ذلك على العُرف والسابقة في تنظيم سياساتها المعتادة. وفي مثل هذه الحالات، يكون البرلمان أو الملك هو الحاكم بالمعنى التقني، مع أنهما يكونان في العادة مقيّدين بقواعد غير رسمية. ويمكن للدستورية أن تشير إلى السياسة التي متُارَس في ظلِّدستور، أكان مكتوبًا أم غير مكتوب، وتعني ببساطة أن حكم القانون هو موضع احترام. وعادةً ما يميّز علماء السياسة بين أشكال الدستورية القديمة وأشكالها الحديثة؛ ففي الدستورية القديمة كان الحاكم مقيّدًا بكثير
من الاتفاقات المحدّدة مع مختلف الفاعلين الاجتماعيين، وهي اتفاقات يمكن أن تكون مكتوبة أو قائمة على العرف وحده. وكانت هذه الممارسة شائعة في أوروبا العصور الوسطى، وتشكّل إنكلترا بعد الماغنا كارتا (الوثيقة العظمى (1215)) مثاالً لذلك. أمّا عصر الدستورية الحديثة، فيمكن القول إنه بدأ مع الثورة الإنكليزية عام 1688 وترسّخ مع الأعراف الدستورية الأميركية والفرنسية عام 1787 وعام 1791، على التوالي. ومنذ ذلك فصاعدًا، نزع الحكم والحاكم إلى أن يكونا عاميّن موحّدين، رسمييّن، ومحصّنين بالدساتير. وعلى الرغم من أن الدساتير تتنوع تنوعًا واسعًا، فإنها تكاد تكون جميعًا مشتملة على عناصر أساسية معيّنة: (1) إعلان المبدأ الأيديولوجي في المقدمة، أو الديباجة، عادةً؛ (2) وصف شكل الحكم، خاصة طبيعة مؤسساته الأساسية والعلاقات في ما بينها والإجراءات التي يتّبعها في سنِّ القوانين؛ (3) تعداد الحقوق، وتحديد ما لا يستطيع الحكم أن يضيّق عليه (مثل حقّ الكلام أو حقّ الاجتماع) أو ما ينبغي للحكم أن يوفّره (مثل حقّ الغذاء أو حقّ العمل) سواء للأفراد أو للجماعات؛ (4) الطرائق التي يمكن عبرها تعديل الدستور، الأمر الذي يكون على الدوام أصعب من إقرار التشريع العادي. ولقد نزعت الدساتير، بعد ما يزيد على قرنين من وضعها وصوغها، إلى أن تكون أطول وأكثر تفصيالً، سواء في تحديدها ما يحوزه الحكم من سلطات أو في إشارتها إلى الحقوق الفردية. وعادةً ما يجري تفسير الدساتير وفرضها، في معظم البلدان، من خلال شكل من أشكال المراجعة القضائية. قوة الدساتير هي في النهاية من قوة الدستورية التي تشكّل أساسها؛ أي من قوة ذلك الإيمان الجمعي بأولوية القانون الدستوري. ولطالما كانت الشروط التي يتمّ في ظلّها وضع الدساتير أو إلغاؤها أو تعديلها أو تعليقها بصورة مؤقتة واحدًا من الاهتمامات الأساسية التي تُعنى بها النظرية السياسية، بدْءًا من التقليد المسمّى تقليد العقد الاجتماعي عند توماس هوبز وجون لوك. وكما لاحظ الأب سييَس لدى مساهمته في وضع مسوّدة أول دستور فرنسي ثوري (وكان قصير الأجل)، فإن وضع دستور يكاد أن يكون هو ذاته أمرًا «غير دستوري». وقد أطلق سييَس على عملية وضع دستور جديد اسم السلطة المكوِّنة) pouvoir constituant (، وهي لحظة سياسية استثنائية يعمل فيها الشعب مباشرة، في حين أطلق على الحكومة التي تخلقها تلك الوظيفة اسم السلطةالمكوَّنَة pouvoir () constitué، التي تعمل ضمن حدود السياسة العادية. ومع أن الدساتير الجديدة لا تزال تُكْتَب، فإنَّ كثيرًا من الديمقراطيات الجديدة، بما فيها بولندا وجنوب أفريقيا، أفلحت في تغيير النظام السياسي عبر تعديل القواعد التي ينطوي عليها الدستور القديم، متفادية بذلك أي تعطيل لحكم القانون.
المجال العام والمجال الخاص
(public sphere and private sphere)
للمجال العام الحديث معنيان مترابطان: فهو يشير إلى النقاش المفتوح بين أعضاء مجَْعٍ ما بشأن اهتماماته المشتركة، كما يشير إلى ما تمارسه الدولة من نشاطات أساسية في تحديد تلك الجماعة. ولهذا التصور المزدوج ما يوازيه بالنسبة إلى المجال الخاص؛ فهذا الأخير هو في آنٍمعًا ما يقع خارج نطاق الدولة وما يعني الغايات الشخصية المميزة عن الخير العام، أو ال res publica وما تشير إليه من مسائل ذات اهتمام عام مشروع. يعود أول النقاشات التي تناولت الانقسام بين المجالين العام والخاص إلى اليونان القديمة، حيث كان ما هو عاميشير إلى السياسة وما هو خاصيشير إلى مجال العائلة ومجال الحياة الاقتصادية. وقد عاد المنظّرون السياسيون المحدثون إلى فكرة العام في محاولاتهم تنظير الحكم الديمقراطي؛ فمنذ القرن الثامن عشر فصاعدًا، نسبت النظرية السياسية الليبرالية إلى المجال العام سلسلة من الوظائف الديمقراطية: مهمة تقويم الآراء وصوغها؛ مناقشة معنى السياسة وإعادة تعريفها؛ وإجبار الدولة على تسويغ أفعالها. لعلّ يورغن هابرماس أبرز المنظّرين المعاصرين
لهذه الوظائف السياسية؛ فبحثه التاريخي الباكر في التحوّل البنيوي الذي اعترى المجال العام منذ القرن الثامن عشر كان بحثًا أساسيًا بالنسبة إلى جميع الجدالات اللاحقة. والسؤال السياسي الأساسي الذي يطرحه المجال العام هو، بالنسبة إلى هابرماس، كيف يمكن تعزيز المشاركة الواسعة النطاق والمتكافئة إلى هذا الحدّ أو ذاك في الخطاب العقلاني النقدي حول غايات المجتمع الحقّة. وهو يرى أن المجال العام خُلِقَ عمومًا لأغراض تتعلق بتناول مسألة الدولة وتلك الضروب من القضايا العامة التي يمكن أن تتوجه إليها أو تتعلق بها سياسة الدولة؛ فالمجال العام يقوم على (1) تصوّر للخير العام بوصفه متميّزًا من المصلحة الخاصة؛ (2) مؤسسات اجتماعية، مثل الملْكية الخاصة، تمكّن الأفراد من المشاركة في المجال العام مشاركة مستقلة؛ و (3) أشكال من الحياة الخاصة، خاصةً العائلة، تُعِدُّ الأفراد للتصرّف كذوات عقلانية نقدية مستقلة في المجال العام. وثمة تناقض وضعف – ليس في نظرية هابرماس فحسب بل في التصور الليبرالي الذي تحلله وتشتمل عليه جزئيًا أيضًا – ينبعان ممّا مفاده أن المجال العام يتوقّف على تنظيم الحياة الخاصة، ما قبل السياسية التي تمكّن المواطنين من الارتفاع فوق الهويات والمشاغل الخاصة، وتشجّعهم على ذلك. ولقد تلقى هابرماس، شأنه شأن المحتفين الآخرين بمفهوم القرن الثامن عشر للمجال العام، قدرًا كبيرًا من النقد وجّهته إليه الباحثات النسويات، اللواتي لفتن الانتباه إلى الانقسام الجنوسي (الجندري) العميق تاريخيًا بين المجالين العام والخاص، وهو الانقسام الذي استندت إليه حرية الذكور السياسية. تُعَدُّ حنّة أرندت من بين المنظّرين المحدثين النافذين الذين تناولوا المجال العام، وقد ركّزت في كتابها الشرط الإنساني (1958) على قدرة الفعل العامة والجماعية الرامية إلى خلق العالم الذي يتقاسمه المواطنون. ولقد اعتمدت أرندت على كلٍّ من المصادر اليونانية القديمة والأميركية في حقبة الثورة لكي تطور رؤية إلى الحياة العامة بوصفها أساسية بالنسبة إلى الجماعة الأخلاقية التي تعيش في جمهورية. وكان لأفكارٍ مماثلة عن المجال العام الجمهوري المعافى نفوذ كبير في الدراسات التاريخية الأميركية، خاصةّ في أعمال ج. غ. أ. بوكوك، وبرنارد بايلين، وغوردن وود. ومثل أرندت، يلح باحثو «التوليف الجمهوري» هؤلاء على الطبيعة السريعة الزوال التي تتمتع بها النزعة الجمهورية وما شهده القرن التاسع عشر من ظهور سريع لنموذج المجال العام الليبرالي والقومي والتمثيلي المتنوّع (بدالً من النموذج القائم على المشاركة). وهم بهذا ينضمّون إلى تيار فكري واسع من اليسار واليمين على حدٍّ سواء، يأسف للتدهور الذي أحاق بالمجال العام في الفترة الحديثة، وهي ظاهرة عادةً ما تُقْرَن بنشوء مصالح خاصة على حساب الاهتمام بالخير العام، وكذلك بتقهقر الخطاب العام العقلاني في ما يخصّ الشؤون العامة. غير أن هنالك بعض الأبحاث الجديدة التي قطعت شوطًا في تحدّي هذه المعالجة للحقبة الجمهورية كما لو كانت عصرًا ذهبيًا. يتناول البحث المعاصر المتركّز على المجال العام عددًا من القضايا المهمة: اتساع المشاركة السياسية؛ وجود مجالات عامة متعددة أو متداخلة؛ تأثير وسائل الاتصال الحديثة؛ ونوعية الخطاب النقدي العقلاني وعلاقته بالنشاطات المشكّلة للثقافة. وهذه القضايا هي أيضًا موضع بحث في النقاشات التي تتناول المجال العام الدولي، وتلحّ على موضوعات مثل حقوق الإنسان والتحول الديمقراطي وتدفّق رؤوس الأموال والاستثمارات. والسؤال الأساس في ما يتعلق بالمجال العام هو التالي: إلى أي مدى يمكن للخطاب الجمعي أن يحدّد شروط الحياة الاجتماعية؟ وهو سؤال حاسم بالنسبة إلى الأبحاث البازغة في هذا الميدان.
المجتمع المدني civil society()
هو مجال النشاط والاجتماع الحرّين الذي لا تنظّمه الدولة. ولفكرة المجتمع المدني جذور جليلة، من بينها الحريات التي ادّعتها المدن القروسطية، والتمييز بين القانون المدني والقانون الجنائي (علاقات الحكم التي تشكّلت طوعيًا بين الأفراد ومطالب المجتمع في
مواجهة العناصر المسيئة، على التوالي). وقد دخل هذا المصطلح الفلسفة السياسية والنظرية الاجتماعية في بداية الحقبة الحديثة كطريقة لوصف قدرة الجماعات السياسية خارج الدولة على تنظيم ذاتها. فإذا ما كان لدى المجتمع مثل هذه القدرة، فإن من الأفضل النظر إلى «الشعب» الذي يضمّه هذا المجتمع بوصفه مصدر الشرعية السياسية، وليس مجرّد موضوع للحكم. وفي بعض الاستخدامات الباكرة – خاصةً لدى الأخلاقيين الاسكتلنديين، مثل آدم فيرغسون وآدم سميث- كانت فكرة المجتمع المدني تشير إلى جميع قدرات التنظيم الاجتماعي غير المرتبطة بالدولة. ومن الأمثلة الأساسية على ذلك، السوق الحرّة؛ فطابع التنظيم الذاتي الذي تتمتّع به السوق لدى هؤلاء المفكّرين الرأسمالين الأوائل، كان يدلّ على إمكانية قيام التنظيم الاجتماعي من دون توجيه من طرف الدولة. غير أن من الأساسي أن نميّز، كما يرى تشارلز تايلور، بين فرعين مختلفين من فروع الخطاب الذي يتناول المجتمع المدني؛ ففي حين سار أحد هذا الفرعين على خطى فيرغسون وسميث في تأكيد الطابع الاقتصادي للمجتمع المدني، سار الفرع الآخر على خطى شارل لويس مونتسكيو وجان جاك روسو وأليكسيس دوتوكفيل في الإلحاح على العلاقات الاجتماعية ودخول الفاعلين المستقلين إليها. فالمجتمع المدني، تبعًا لهذا التصوّر، هو مجال الروابط أو التجمّعات الوسيطة التي تقف بين الفرد والدولة. وكان هيغل وبعده ماركس قد نظرا إلى هذه الأنماط من الروابط أو التجمعات على أنها جزئية في جوهرها: فالمجتمع المدني هو مأثرة برجوازية ناقصة، مفعمة بالمصلحة الخاصة وحافلة بالاغتراب. وهي تقرصّ عن التكامل الأخلاقي والسياسي الكامل الذي كان يتمتع به الإغريق القدماء أو الذي ينبغي أن يتمتع به مجتمع المستقبل الأحسن تكوينًا. غير أن أنطونيو غرامشي تصوّر المجتمع المدني كنطاق تتنازع فوقه الهويات الجزئية وتتواجه ضروب المنطق الرأسمالي، وهو ما يفسح المجال أمام ضرب خصب من التنظير الماركسي الجديد في شؤون المجتمع المدني والثقافة والأيديولوجيا، ويمهّد السبيل أمام نظرية نقدية في تناول المجال العام والمجتمع المدني (كما هو الحال لدى مدرسة فرانكفورت). ولقد أشار المفكرون ذوو القناعة التعددية والجماعوية) communitarianism)، من توكفيل فصاعدًا، إلى أن البشر يجدون في الوحدات الاجتماعية الجزئية، مثل الكنائس والنوادي والدوائر الحزبية وحتى فرق البولينغ، تلك القدرة على إطلاق الصوت الجماعي وإمكانية إقامة العلاقات المتمايزة والمباشرة بين الأشخاص. ومثل هذه الروابط الوسيطة يُرى أيضًا كدفاع حاسم عن الهويات المميزة التي يتهدّدها المجتمع الجماهيريوعن الديمقراطية ضد الأوليغارشية (حكم الطغمة) والتوتاليتارية (أو الشمولية). في الأعوام الأخيرة استرعى مفهوم المجتمع المدني اهتمامًا شديدًا ومعمّقًا. ذلك أن خطاب ما بعد العام 1989 حول ضروب الانتقال إلى الديمقراطية راح يستخدم هذا المصطلح في تناول المصادر المتعددة التي تقع خارج الدولة بالمعنى المباشر، وتوفّر بدائل لتنظيم الدولة الحياة الجمعية. بل إن شعار «إحياء المجتمع المدني» كان صيحة الانطلاق لدى الجماعات الأوروبية الشرقية المعارضة للشيوعية في الأعوام التي أفضت إلى ثورات عام 1989. غير أن ك من الخطاب الشعبي والخطاب الأكاديمي نادرا ما ميّز بين دور الأسواق الذاتية التنظيم إلى هذا الحد أو ذاك وأدوار شبكات العلاقات بين الأشخاص، والحركات الاجتماعية، والخطاب العام. وثمّة التباس وغموض مماثلان يسِمان الأدبيات التي تتناول المجتمع المدني الدولي وأدوار المنظمات غير الحكومية. ولقد أدّى معنى المجتمع المدني البعيد عن مسألة السوق دورًا حاسامً في إحياء الجماعوية وفي تطور النظرية النقدية ونظريات المجال العام.
المساواة equality()
مفهوم المساواة بين البشر هو واحد من أعمدة الفكر الاجتماعي في عصر الأنوار، وهو تاليًا بؤرة تراث طويل من الجدال والصراع بين نظرات متنازعة إلى
الحكم والعدالة الاجتماعية. وتعكس المكانة المركزية التي يحتلّها هذا المفهوم في النظرية الاجتماعية الغربية تلك العلمنة التي اعترت الفكرة المسيحية عن المساواة أمام الله، كما تعكس تحدّيًا للإيمان المسيحي بحتمية التفاوت في الحياة الدنيا. وكان منظّرو العقد الاجتماعي الأوائل، مثل توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو، قد أقرّوا تفاوت المواهب الطبيعية (مع أنهم اختزلوا هذه المواهب إلى أدنى الحدود في بعض الأحيان)، إالّ أنهم ألحّوا على تساوي الأفراد أمام مؤسسات المجتمع المدني والسياسي. وقد أفضى هذا بقوة إلى تحميل الدولة مسؤولية إقامة المساواة والحفاظ عليها، فكان قَدْرٌ كبير من تاريخ الغرب السياسي الحديث عبارة عن صراع ممتد حول ما يقتضيه مثل هذا الدور. وهذا هو سياق الجهود التي جرت لإزالة الانقسامات الاجتماعية المتعددة (مثل المراتب القائمة على المنزلة والمكانة في الإقطاعية، والرقّ، والمكانة الخاصة التي تحتلّها الكنيسة، ومكانة النساء المتدنّية)، فضالً عن كونه سياق تلك الجدالات التي جرت حول تباين البشر من حيث تكافؤ الفرص وتكافؤ الدخل (والرغبة في تحقيق مثل هذه الضروب من التكافؤ). ثمّة ثلاثة معانٍللمساواة مميّزة نسبيًا تركت أثرها في معظم الجدالات التي جرت في الغرب حول العدالة الاجتماعية، وأدّت إلى كثير من الانقسامات في الحياة السياسية الغربية: (1) المساواة أمام القانون؛ (2) تكافؤ الفرص (الذي غالبًا ما يٌقْرَن بالميريتوقراطية، أو نظام الجدارة والاستحقاق)؛ (3) تساوي الثمار أو الأحوال. تعني المساواة أمام القانون أن هوية الفرد ومنزلته وأصله لا أهمية لها في قضايا العدالة والحياة العامة، ذلك أن القانون يتعامل مع الأفراد على نحوٍ مجرّد، أكانوا مُدَّعين يطالبون بتعويض أم مُدَّعى عليهم متّهمين بارتكاب فعل جرميّ. ويعني تكافؤ الفرص أن يكون لدى جميع الفاعلين الاقتصاديين الفرصة ذاتها في شَغْل المناصب المتعددة في المجتمع؛ فالمنصب، من حيث المبدأ، يُمْنَح تبعًا للموهبة والجهد لا تبعًا للمنزلة الاجتماعية الموروثة أو الثروة. أمّا تساوي الثمار، فيشير إلى التوزيع المتساوي للخيرات في المجتمع، الأمر الذي لطالما شكّل مثالً أعلى للمجتمعات الشيوعية، بصرف النظر عن تطبيقه. ويُنْظَر إلى المعنيين الأولَين على أنهما أساسيان بالنسبة إلى الديمقراطية والاقتصاد الحر؛ أما المعنى الثالث فهناك قدْر كبير من الاختلاف في شأن الدور الذي يمكن أن يضطلع به. ويبقى التراتب الاقتصادي المتضافر مع الطبقة والعرق والجنس والمنطقة والدِّين والإثنية ملمحًا أساسيًا في جميع المجتمعات تقريبًا، كما يبقى ذلك العامل المحدِّد القوي لما ينجزه البشر في حيواتهم. وفي حين تقبل المجتمعات كلها ببعض اللامساواة، فإنها تختلف في طريقة اعتبارها لهذه اللامساواة ملائمة أم لا وفي درجة هذا الاعتبار. كما تختلف المجتمعات أيضًا في درجة قبولها للإرث كأساس لغياب المساواة. وبوجهٍعام، فإن المجتمعات الحديثة لا تشجّع على عدم المساواة الموروث، وتلحّ على المكافأة تبعًا للجدارة والاستحقاق. ومع أن النموذج الميريتوقراطي (القائم على الجدارة والاستحقاق) هو ذلك النموذج الصاعد الآن، فإن قَدْرًا هائالً من البحث الجاري في العلوم الاجتماعية مُكرَّس لفهم الآليات التي تُنْتج نماذج الثراء والفقر عبر الزمن، خاصةً تلك التي تحبط الحراك الاجتماعي على الرغم من وجود سياسات اجتماعية تهدف إلى خلق منفذ إلى الثروة (التعليم العام، بصورة رئيسة). وفي هذا السياق، غالبًا ما يشير مصطلح العدل إلى «توزيع الفرص والمكافآت توزيعًا عادالً». كان ظهور خطابات الاختلاف الإيجابي من طرف جماعات الأقلية المتعددة (خاصة في الولايات المتحدة) قد أزاح مجال المساواة من مفهوم «المعاملة بالمثل» القديم إلى نماذج جديدة من المساواة الثقافية وعدالة إعادة التوزيع. ويعكس دَعْم مثل هذه الإجراءات نوعًا من انقشاع الوهم الشديد في ما يتعلّق بقدرة الدولة على ضمان بقاء المجتمع الميريتوقراطي، مع أن مثل هذه الإجراءات غالبًا ما تُعْلَن بوصفها سُباُلً تمكّن من الوصول إلى مستقبل ميريتوقراطي أصيل.