العودة إلى تفاصيل المؤلَّف تكوّن العراق الحديث:جدل المجتمع والثقافة، والداخل والخارج

تكوّن العراق الحديث:جدل المجتمع والثقافة، والداخل والخارج

The Creation of Modern Iraq: The Dialectic of Society and Culture

سمير عبد الرسول العبيدي

Samir Abdel-Rasoul al-Obeidi

الملخّص

إنَّ كتاب محمد جبار إبراهيم يكاد يمثل أول دراسة جادة في تطورات البنية الاجتماعية والاقتصادية وتأثيرها في الفكر السياسي العراقي الحديث؛ إذ طرح المؤلف فيه نظرية مفادها، أنَّ العوامل الداخلية قد أدت الدور الأكبر في هذا المضمار، مخالفًا كل الدراسات والأبحاث المختصة بهذا الموضوع والتي ركزت على دور العوامل الخارجية.

Abstract

This book by Mohammed Jabbar Ibrahim al-Jammalis probably the first serious study on the developments of the social and economic structure and its effect on modern Iraqi political thought. The author proposes a theory suggesting that the internal factors played the larger role in this arena, which is contrary to all the studies and research on the subject focused on the role of external factors.

الكلمات المفتاحية:
  • العراق الحديث
  • الثقافة
  • المجتمع
Keywords:
  • Modern Iraq
  • Society
  • Culture
  • The Dialectic

الكتاب الكاتب: محمد جبار إبراهيم الجامّل مكان النشر: بغداد تاريخ النشر 2010: الناشر: بيت الحكمة عدد الصّفحات 272:

الكتاب الذي بين أيدينا هو في الأصل رسالة ماجستير كُتبت بأشراف أ. د. كمال مظهر أحمد، وحازت درجة الامتياز عقب مناقشتها في كلية الآداب جامعة بغداد (2007)، وهي تتعرض لموضوعات في غاية الأهمية، في سياقٍ من اهتمام الدراسات الأكاديمية المتزايد المفرط بالشأن السياسي ثم الاقتصادي، وإن بدرجة أقل. على الرغم من التوسع النسبي في حجم الدراسات

جدل المجتمع والثقافة، والداخل والخارج

: بُنية العراق الحديثة: تأثيرها الفكري السياسي 1869 - 1914

التي عالجت التطورات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في العراق الحديث والمعاصر خلال الفترة الماضية، فإنَّ ذلك الاهتمام لم يكن كافيًا أو شافيًا، لاسيما فيما يخص الجوانب الثقافية والفكرية. وما يزيد الأمر أهمية، غياب الدراسة التحليلية لدور البنية الاجتماعية والاقتصادية الحديثة في عملية تكوين الأفكار والأيديولوجيات السائدة لدى مختلف الفئات العراقية. يستثنى من ذلك، بقدر ما يتعلق الأمر بالموضوع، التحليلات القيمة التي تضمنتها،

عرضًا، بعض النتاجات الرصينة مثل كتاب حنا بطاطو الشهير عن العراق. حاولت بعض الدراسات الأكاديمية تفسير السبب الذي يقف وراء الغياب المشار إليه، ورأت أن العوامل الاجتماعية والاقتصادية الداخلية كانت أعجز من أن تنتج حالة فكرية ثورية في المجتمع العراقي، وبذلك تركت الباب مفتوحًا للعوامل الخارجية، أو تركت المجال رحبًا أمامها. وقد قام منهج هذه الدراسات على أساس أنَّ تهميش دور العوامل الداخلية وتدخلها في عملية تكوين الأفكار الحديثة، يعود لدورها السلبي المثبط لنشر الأفكار الخارجية بصورتها الأصلية المتطورة في المجتمع العراقي. وغاب عن بال أصحابها أن الفكر في الأصل وسيلة لا غاية، وأن الخلفيات الاجتماعية – الاقتصادية المختلفة للفئات العراقية هي التي تملي عليها تصوراتها الخاصة إزاء مثل تلك الأفكار على وفق انسجامها مع تطلعاتها. ذلك أنَّ الصورة التي يتم عليها تخيل مضمون العقائد والأفكار وتأويله ومنحه الحياة وتعبئته جماهيريًا وعيشه تتأثر إلى أقصى الحدود بتموجات الأساس الاجتماعي. وحتى لو نجحت تلك العقائد أو الأفكار بتأكيد امتلاكها درجة عالية من الاستقلال الذاتي إمّا لقدسية مصدرها، وإمّا لاستلابها من مجتمعات متطورة، فإنها تتجلى في النهاية عبر سلسلة من المفاهيم المحلية للمجتمع في تحول مستمر. والحال، إنَّ كتاب محمد جبار إبراهيم الجامّل يكاد يمثل أول دراسة جادة في تطورات البنية الاجتماعية والاقتصادية وتأثيرها في الفكر السياسي العراقي الحديث؛ إذ طرح المؤلف فيه نظرية مفادها، أنَّ العوامل الداخلية قد أدت الدور الأكبر في هذا المضمار، مخالفًا كل الدراسات والأبحاث المختصة بهذا الموضوع والتي ركزت على دور العوامل الخارجية. الجديد في هذا الكتاب أيضًا، هو المعالجة الشيقة للبنية الحديثة في العراق من حيث عوامل نشأتها ومصادر قوتها، والعلاقات التي ناغمت بين عناصرها المتمثلة بالمثقفين ثقافة غربية وعناصر البيئات الصناعية والتجارية والمالية ليصل المؤلف إلى تحديد طبيعة سوسيولوجية السلطة التي تمتلك مفاتيح القوة في تاريخ العراق الحديث والمعاصر. قُسم الكتاب إلى تمهيد وثلاثة فصول: تناول التمهيد أوضاع العراق السياسية والاقتصادية والاجتماعية بصورة موجزة، للوصول إلى تصور واضح عن شكل المجتمع القديم قبل الأحداث التي تتابعت منذ العام 1869. وعالج الفصل الأول التطورات الاقتصادية والاجتماعية والعوامل المرتبطة بها وفي مقدمتها التجارة الخارجية، إذ عملت على رسملة العلاقات الإنتاجية التقليدية العراقية للبنى الاقتصادية، كما تابع الانعكاسات الاجتماعية على التطورات الاقتصادية لفئات المجتمع العراقي. واختصّ الفصل الثاني بمسألة تحديث المجتمع العراقي والمعوقات الأساسية التي اصطدمت بها هذه العملية. أمّا الفصل الثالث فعني بدراسة الظروف والعوامل الداخلية وتحليلها، لا سيما تلك التي طرأت عقب ثورة الاتحاديين ودورها التحريضي للفئات العراقية المختلفة. ما يقصده الكتاب ب«البُنية الحديثة» هو تلك المجموعة المتشابكة من العناصر والعلاقات ذات المنافع المتبادلة، والتي يشكل وجودها الأساس المادي والفكري لعملية تطوير المجتمع. وتتضمن هذه العناصر المثقفين ثقافة حديثة (الإنتلجنسيا) وعناصر البيئات الاقتصادية الحديثة (الصناعية والتجارية والمالية). وهذه الاعتبارات تظهر بصورة ناصعة في أحداث الحقبة الممتدة بين عامي 1869 (افتتاح قناة السويس وتسارع توسع التجارة الخارجية التي أنتجت سلسلة من العمليات المتلاحقة أدت إلى حدوث تحولات اقتصادية وتصدعات اجتماعية في المجتمع العراقي) و 1908 (الثورة الاتحادية التي

دفعت بمحاولات ترجمة التطلعات الاجتماعية العراقية المختلفة للظهور على أرض الواقع). يفترض المؤلف أنه كان للعوامل الداخلية في المجتمع الأثر الأكبر في عملية تكوين الفكر العراقي الحديث، خصوصًا الفكر السياسي، نظرًا إلى علاقته المباشرة والحيوية بولاءات المجتمع البنيوية. لذلك، كان التقرير النهائي لطبيعة الأفكار والمفاهيم السياسية السائدة مرتبطًا إلى حدّ بعيد بحقيقة التوافقات التي تمت بين الفئات المتنفذة العراقية (الملاّك وأصحاب الأراضي الزراعية)، والفئات العراقية الصاعدة (التجار والمثقفين – الإنتلجنسيا)، وبمستوى النتائج التي حققتها فئة المثقفين – الإنتلجنسيا في عملية صراعها مع المنظومة الفكرية التقليدية للمجتمع العراقي. استهل المؤلف كتابة بتوطئة (ص -13 25) تطرق فيها بشكل مقتضب إلى النخبة السلطوية وتركيبة المجتمع العراقي خلال الفترة) 1869-1831(أي منذ سقوط حكم المماليك (1831-1750) في العراق وعودة الهيمنة العثمانية المباشرة وحتى افتتاح قناة السويس. أمّا الفصل الأول، «البنية الاجتماعية – الاقتصادية العراقية 1914-1869(ص » 80-27 فعالج)، التطورات الاقتصادية والاجتماعية والعوامل المرتبطة بها، وفي مقدمتها توسع التجارة الخارجية التي عملت على رسملة العلاقات الإنتاجية التقليدية العراقية وبناها الاقتصادية (البدوية والريفية والحضرية)، وتابع انعكاساتها الاجتماعية على فئات المجتمع العراقي، في رصد لطبيعة العملية التاريخية التي دخلها العراق منذ العام 1869 وما شهده من افتتاح قناة السويس بوصفها أقصر طريق مائي بين موانئ المحيطين الأطلسي والهندي، وهو ما أدى إلى تقريب المسافة بين تلك الموانئ بمقدار 15-8 ألف كيلو متر قياسًا بالطريق السابق الذي كان يدور حول القارة الأفريقية. وبذلك انخفض الوقت اللازم للسفر من أوربا وإليها بما يتراوح بين النصف والثلثين، وانخفضت رسوم الشحن أيضًا بمعدلات حادة. على سبيل المثال، انخفضت رسوم الشحن من أزمير إلى لندن في المدة الممتدة من عام 1835 إلى عام 1876 بما يعادل النصف تقريبًا. واستمر الانخفاض مع بعض حالات التوقف حتى العام 1914. وهذا يعني، بالبداهة، الاختراق الرأسمالي لبيئة عراقية بدائية يمكن أن توصف، في أحسن الأحوال، بأنها ما قبل رأسمالية، وما استدعاه هذا الاختراق من رد فعل تمثل في حركة الصراع الداخلي بين القوى الاجتماعية القائمة ومصالحها، وخضوع تلك البيئة نفسها للقوى الرأسمالية الجديدة. وقد مارست العملية التاريخية تلك دورها الذي اضطلعت به عبر قناتين رئيسيتين: الأولى، خضوع الفائض الزراعي العراقي لسيطرة رأس المال العالمي، عبر رأس المال التجاري. والثانية، تحفيز تلك العملية ذاتها قوى التغيير في داخل تلك البيئة الزراعية – التجارية من خلال خلق الظروف المنطقية لنشوء وتطور علاقة الملكية الخاصة، الموجهة نحو السوق، أي خلق اللبنة الأولى لهذا الإنتاج الرأسمالي بسِمتها المحلية. تجلّت هذه العملية التاريخية المعقدة في العراق العثماني عندما بانت حقيقة التناقض الأساسي الذي يحكم التصرف بالأرض، والذي أدى إلى صراع أسفر عن تدهور كل من المشيخة وأنماط الإنتاج التقليدية المتمثلة بالإقطاع القبلي، ونشوء علاقات الإنتاج الجديدة القائمة على أساس الملْكية الخاصة، التي تمثّلت زعامتها اجتماعيًا بالشيوخ السابقين، والملاّك الغائبين، من أغنياء المدن والتجار ورجال الدِّين. توصل المؤلف إلى استنتاجات مهمة مفادها أن توسع التجارة الخارجية المطرد على حساب الصناعة المحلية وتسخير الزراعة لهذا الغرض عملا على هيمنة الكومبرادور والملاّك على أصحاب الحرف والزراعة، أي إن هذا التغيير جاء لصالح فئة دون أخرى. عنى استمرار تدفق البضائع الأجنبية إلى الأسواق المحلية بالنسبة إلى أصحاب الحِرف والصناعة اطّراد

عملية انحدار غالبيتهم من كونهم أصحاب محلات أو ورش إلى مجرد عمال مهرة أو أجراء، وصل عددهم إلى الآلاف، ممن كانوا يعملون لصالح مؤسسات تكيفت مع الوضع الاقتصادي الرأسمالي الجديد أو انتفعت منه. وقد شكل هؤلاء العمال بداية نواة الطبقة العاملة في العراق. وكما كان هنالك نوع من التقارب والترابط ما بين الكومبرادور وأصحاب الأراضي الزراعية، فيما يتعلّق بتسويق منتجات الأرض، كان هناك أيضًا تنافس وتسابق بين ا المّك العقاريين والتجار من جهة وشيوخ ورؤساء العشائر (أي الإقطاعيين القدماء) من جهة أخرى، من أجل الحصول على الأراضي الزراعية، الأمر الذي يفرسّ، بين أشياء أخرى، احتفاظ الأراضي بقيمتها وتضاعفها. إن زيادة الطلب على المنتجات الزراعية هي التي أعطت المبررات الكافية والملحة لأن تكون الأرض سلعة رائجة، ولأن تستثمر بروح تجارية. وبقدر ما وفّر هذا النظام الزراعي التجاري الجديد وضعًا مريحًا للمنتفعين منه، سلب حق أفراد العشائر في الملكية التي كانت تضمنها لهم الأعراف القبلية على أساس مفهوم الديرة الذي تراجع لصالح مفهوم الإقطاع التجاري. أدى توسّع التجارة الخارجية إلى إعادة رسم صورة فئات المجتمع العراقي وفق الشكل الجديد لتوزّع القوة الاقتصادية. وكما أنتج فئة جديدة هي الكومبرادور، ودفع بآلاف العمال ليكونوا نواة الطبقة العاملة، فقد جعل من ملْكية الأرض (وسيلة الإنتاج الرئيسة) معيارًا جديدًا وحاسامً لظهور بقية فئات المجتمع من ملاّك غائبين (سواء من سكان المدن، أم من الشيوخ) وسراكيل، وقد دخل الطرفان مع فئة معدمي الأرض، أي الفلاحين الذين فقدوا أراضيهم في علاقة إنتاجية سِمتها الأساسية استغلال قيمة قوة عملهم لإشباع حاجات الأسواق الرأسمالية. ونتيجة لذلك أصبحت القوة الاقتصادية حكرًا للفئات الاجتماعية المنتفعة الجديدة. وهذا ما يدفعنا إلى أن نخلص إلى القول إن عامل التجارة الخارجية سار بالمجتمع العراقي على طريق التعددية الطبقية، التي توقفت وتيرتها على مستوى التناقضات التي أثارها هذا التوسع. تناول الفصل الثاني (ص. 80-144) مسألة تحديث المجتمع العراقي في إطار الحكم العثماني، وتتبع الإصلاحات في الدولة العثمانية وانعكاسها على عملية تحديث المجتمع العراقي والمعوقات الأساسية التي اصطدمت بها هذه العملية، سواء كانت مؤثرات خارجية أو داخلية، وذلك في محاولة لتحديد صاحب المسؤولية الأكبر في تقرير مصير تلك العملية، وبحث القيمة التي لإنجازات فئة المثقفين – الإنتلجنسيا في خدمة عملية التحديث. ويمكن تعريف التحديث بأنه مجموع العمليات التي تستهدف إحداث تغييرات في جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والأيديولوجية، أي جملة التغييرات التي ترنو إلى الخروج من المجتمع التقليدي المحلي الضيق. ذلك أن القيم التقليدية في أي منظومة اجتماعية تشكل، في العادة، عقبة كأداء تقف في طريق تنمية المجتمعات المتخلفة، الأمر الذي يوجب التخلي عنها لصالح تبنّي قيم التحديث واعتمادها في النظرية والتطبيق بغية اكتساب القدرة على التعامل المرن والمتكيف مع الظروف والمتغيرات الجديدة التي يفرزها الانفتاح على العالم الخارجي الواسع. لقد فشلت المحاولات الإصلاحية التي حاولت من خلالها فئة المثقفين – الإنتلجنسيا مواءمة المجتمع مع معاييرها العصرية، الأمر الذي نجم عن محدودية تأثير التحديث الحكومي. ولم تكن المكتسبات الاجتماعية المرتبطة أشد الارتباط بالعامل الاقتصادي الخارجي كافيةً لإيجاد شروط مثل هذا التغيير الثوري. وظلت عملية تكييف المجتمع مع متطلباته الاقتصادية أسرع نوعًا ما من نظيرتها الاجتماعية. وبذلك حرمت الانتقائية هذا التحديث من القسم الأقدر على خدمة هذه العملية قياسًا بسواه. وربما كان يمكن تسهيل

مهمة تحديث المجتمع العراقي عن طريق آخر، لولا نكوص الفئة الصناعية، تلك المنطقة الرخوة في البرجوازية العراقية. وبتعبير آخر، فإن أهم العوامل الأساسية التي أعاقت تحديث المجتمع العراقي هي: عدم كفاءة سياسة الإصلاح الحكومية نتيجة وقوع التحديث تحت وطأة التسييس، وفشلها في التوفيق بين هدفها المركزي ورغبتها بتهيئة الفرصة أمام القطاع الخاص في التوسع، مما أنتج ظاهرة هروب رأس المال العراقي إلى الخارج، وزاد الأمر تعقيدًا استمرار حالة الاستنزاف الحكومي لموارد الولايات العراقية؛ نقص رأس المال الصناعي الذي أدى دورًا معيقًا ومثبطًا لمبادرات الفئة الصناعية في استثمار خبراتها في المشاريع الرأسمالية؛ العامل الاقتصادي الخارجي الذي عمل على تطويع الفئات البرجوازية وتدجينها لصالح خدماته، بحيث أصبحت جزءًا من تركيب آلياته الإنتاجية والاستهلاكية. المحصلة، إن ما يعنيه تطور عمليات التمايز الاقتصادي لمكونات المجتمع من دون أن يكون أساسَ ذلك إنتاج صناعي أو معرفي حديث، هو احتفاظ أغلبية تلك المكونات بجوهر تكوينها السوسيولوجي القبلي المتخلف، وما يؤدي إليه هذا التناقض من خلخلة اجتماعية أو فقدان توازن اجتماعي عمل بدوره على تأزيم عملية تحديث المجتمع العراقي. وهذا هو الضوء الذي ينير لنا أسباب ما تبدو عليه عملية تحديث الولايات العراقية من وضوح في الشكل أكثر منها في المضمون. أمّا الفصل الثالث، الموسوم «تأثير البنية الاجتماعية – الاقتصادية في الفكر السياسي العراقي الحديث 1914-1908(ص» 205-145)، فقد عُني بدراسة الظروف والعوامل الداخلية وتحليلها، لاسيما تلك التي طرأت عقب ثورة الاتحاديين، ودورها التحريضي للفئات العراقية المختلفة، ثم أثرها في نشأة الفكر السياسي العراقي الحديث المتعلق بشكل الحكم المفضل، ومبدأ العدالة الاجتماعية، والمفاهيم الأخرى المختلفة المتعلقة بفكرة الحرية. وأهم الاستنتاجات التي يمكن أن نصل إليها على هذا الصعيد، هي: - فشل السلطة العثمانية في تقديم هوية جامعة، الأمر الذي غذّى الاستقطابات المحلية وكرّس مبدأ السيادات الاجتماعية (مدينية أو عشائرية) على حساب السيادة الوطنية. - اعتماد الفئة المثقفة في ترويج أفكارها وتفعيل محاولاتها الإصلاحية على أسلوبين رئيسيين: الأول، هو التقرب من أصحاب القرار والعمل معهم؛ والثاني، هو التحالف مع الفئة المحافظة صاحبة الحظوة الاجتماعية والمال السياسي. - من خلال مقارنة بسيطة بين الولايات الثلاث (بغداد والبصرة والموصل)، نصل إلى استنتاج مفاده أن البصرة كانت أكثر الولايات نجاحًا في تقديم ما يمكن أن يوصف بالهوية، على الرغم من بدائية تكوينها، غير أن الذي ضمن ديمومتها هو أساسها المادي القائم على العلاقات شبه الرأسمالية والتسويات الطبقية. هكذا، يتبنيّ أنّ كلّ ذلك وسواه إنمّا يعكس، من دون ريب، تأثر الفكر العراقي السياسي الحديث بالتحولات التي طرأت على البنية الاجتماعية – الاقتصادية في أواخر العهد العثماني، وتحديدًا مع قيام الثورة الاتحادية عام 1908. ومع أنَّ الثورة المذكورة لم تسمح بغير سيادة الاتجاه الفكري التوفيقي، فقد كان ذلك بحد ذاته نقله نوعية تحققت لصالح تفعيل عملية تطوير الفكر السياسي العراقي اللازم لتكوين أسس المجتمع العراقي الحديث. يختتم المؤلف كتابه بالتشديد على أن التغيرات العميقة التي حصلت في المجتمع العراقي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين وحتى اندلاع الحرب العالمية الأولى (1918-1914) هي محصلة المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية الناتجة بصورة رئيسة من العامل الاقتصادي الخارجي، وقد أدت إلى قلب تدريجي للتوازن في العلاقات الاجتماعية

تمثَّل أبرز مظاهره بصعود فئات اجتماعية جديدة. غير أنّ هذا الحراك الاجتماعي سمح في الوقت ذاته ببقاء البنى القديمة المستغلة. ولم تعرف الولايات العراقية ثورات ناتجة من مطالب الطبقات الاجتماعية المحرومة التي تؤثر في امتيازات الفئات المتنفذة، لأن هذه الأخيرة تمكنت من تجديد نفسها. وما من شيء أدل على ذلك من بروز الإقطاع التجاري الذي هو في حقيقته حالة وسطية ناتجة من عملية تكيفية حيال إفرازات العامل الاقتصادي الخارجي. وقد سهل هذا التجديد الروابط التي سرعان ما قامت بين ملاّك الأراضي وعناصر البيئات التجارية والمالية. كانت الفئات التي اكتسبت وضعًا ماديًا ومعنويًا مرتفعًا في المجتمع العراقي ممتنّة للأوضاع القائمة، لذلك أصبحت تخشى التغيير أكثر مما تتمناه. وقد أثارت مخاوفها المتغيرات الاجتماعية والفكرية الطارئة بعد انفجار ثورة الاتحاديين، مما دفعها إلى الاستعانة بعناصر من بيئة المثقفين – الإنتلجنسيا التي أُسقط في يدها بسبب فشلها في ترويض الرأي العام العراقي. إن بقاء طبقتي الفلاحين والعمال متسمة بشعور عميق بفقدان الأمن المتولد عن الفقر والحاجة الدائمة وفقدان الثقة تجاه العالم الخارجي، جعل الدفاع عن مصالحها الخاصة بالجماعة (العشيرة) أقوى من الاهتمامات الفكرية والاقتصادية الأوسع. ولقد تضافر ذلك مع خيبة أمل فئة المثقفين – الإنتلجنسيا من نتائج العمليات التحديثية، ليعمل على نجاح القوى المحافظة في استقطاب كثير من أفراد هذه الفئة الأخيرة وضمهم تحت جناحها، مما كان يعني فعليًا إضعاف أصوات البقية، وانحراف المثقفين عن أداء رسالتهم أو على الأقل تضاؤل طموحاتهم الفكرية، خاصةً أولئك الذين فضلوا هذا الحل على خيار التهميش. ونظرًا إلى الصراع المحدود، بل المجهَض، بين مصالح طبقتين سعت كل منهما لإحراز مكاسب أوسع في إطار البنية الاجتماعية القائمة من دون أن تطرح مبدئيًا أمر تغييرها، كان من الطبيعي أن يسود الاتجاه التوفيقي الطروحات الفكرية. هكذا، فضّل المثقفون، لتحقيق أفضل مستوى ممكن من الديمقراطية الاجتماعية، الدعوة إلى مبدأ التكافل الاجتماعي بدالً من راديكالية الملْكية الاشتراكية. وكان هناك شبه إجماع بين النخب العراقية (التقليدية والحديثة) على المطالبة «باللامركزية الإدارية»، التي أثبتت مراعاتها للمصالح البنيوية للفئات المتنفذة، تلك الفئات التي لم تهضم مفهوم الحرية إلا في معناه العام، المحدود، والمقيدة باعتمادها التراتبية الاجتماعية، مسقطة من اعتباراتها صورة الليبرالية الغربية الأكثر تطورًا، إذ كانت تراها ذات ثمن أكبر مما يمكن احتماله. كذلك، تأكد أنَّ الليبرالية الاقتصادية كانت أكثر حضورًا في طروحات المثقفين من بقية معاني الحرية ومفاهيمها. وما كان ذلك ليحصل لولا أن هذا المفهوم الليبرالي الاقتصادي يحسن، بخلاف معظم مفاهيم الحرية الأخرى، حماية امتيازات الفئات المتنفذة والتعبير عن تطلعات النخب التجارية الصاعدة. بالتالي، يمكننا أن نفهم لماذا انفردت «جمعية البصرة الإصلاحية» بمطالبة الحكومة العثمانية بأن يكون الوالي عراقيًا. وصار من الواضح أن ظهور معايير مزدوجة في المجتمع العراقي كان يدفع بالطروحات الفكرية السياسية إلى الميل في نسقها العام نحو التناقض. والمحصلة، أن بروز المفاهيم المذكورة بتجلياتها النهائية، هذه المفاهيم التي هي القواعد الأساسية للفكر العراقي السياسي الحديث، كان نتيجة محضة للتحولات الاجتماعية – الاقتصادية داخل المجتمع العراقي. وهو ما يمكن تلمسه بوضوح أكثر لدى قيام الحكم الوطني في العراق 1921/8/23(–

الهامش: