دستور المملكة المغربية لسنة 2011 في ضوء الربيع العربي جدلية الثابت والمتحول
The 2011 Moroccan Constitution in Light of the Arab Spring: Dialectic of Permanence and Change
الملخّص
يشكّل الدستور عملا مركّبًا يهندس المعادلة الثلاثية المتمثّلة في السلطة والقيم والثروة، كما يرتّب التفاعلات السياسية وميزان قوّتها على هيئة مقتضيات تحدِّد قواعد اللعب بين مختلف مستويات النظام المباشرة وغير المباشرة، وهو ما يجعله مفتوحًا على فعل التفسير ومخاطر التأويل بحسب عامليّ الزمان والمكان، وبحسب رجحان ميزان القوة إلى فائدة هذا الطرف أو ذاك. ومن هذا المنطلق، فإن الصياغة الدستورية، في معناها السكوني، لا تعني إيجاد قواعد ثابتة لموضوع ديناميكي متغير باستمرار، بل هندسة مرنة مجهزة بمقومات لوحة للقيادة تضمن السير العادي للمؤسسات الدستورية، وتعمل على ضمان التوازن.
Abstract
Al- Ghali offers an in-depth analysis of Morocco’s constitution in light of the Arab Spring stressing the complex structure of a constitution that balances three key factors: authority, values, and wealth. Constitutions also arrange political interactions and the balance of powers through basic principles that dictate the rules of the game between the various systems of governance, both direct and indirect. This leaves the constitution open to interpretation and exegesis, taking into account issues such as space and time and the imbalances of power. In this regard, a constitutional draft, in its static definition, does not mean the formation of fixed principles that govern an ever-changing and dynamic field. Rather, it is a flexible structure that not only contains control mechanisms for the proper functioning of constitutional bodies, but also maintains the balance between them. Against this backdrop, and following an analysis of various constitutional drafts, al-Ghali presents an analytical model for the determination and comparison of permanence and change within Morocco’s 2011 constitutional reform.
- الثورة
- المتحول
- الثابت
- النظام
- الربيع العربي
- المملكة المغربية
- Morocco’s constitution
- the Arab Spring
- authority
- values
- wealth
جدلية الثابت والمتحول
يشكّل الدستور عمالً مركّبًا يهندس المعادلة الثلاثية المتمثّلة في السلطة والقيم والثروة، كما يرتّب التفاعلات السياسية وميزان قوتّها على هيئة مقتضيات تحدِّد قواعد اللعب بين مختلف مستويات النظام المباشرة وغير المباشرة، وهو ما يجعله مفتوحًا على فعل التفسير ومخاطر التأويل بحسب عامليّ الزمان والمكان، وبحسب رجحان ميزان القوة إلى فائدة هذا الطرف أو ذاك. ومن هذا المنطلق، فإن الصياغة الدستورية، في معناها السكوني، لا تعني إيجاد قواعد ثابتة لموضوع ديناميكي متغير باستمرار، بل هندسة مرنة مجهزة بمقومات لوحة للقيادة تضمن السير العادي للمؤسسات الدستورية، وتعمل على ضمان التوازن. ليس الدستور، إذًا، مجرد عمل معياري اختزالي لأهم محاور الإصلاح السياسي، بل هو عمل قادر على وضع الإطار العام وتحديد الأهداف والمبادئ الأساسية، التي تكون لها القدرة على التكيّف مع التحولات بقصد الاستفادة من الفرص المتاحة أو الممكنة، والتحكم في المخاطر المتوقَّعة وغير المتوقَّعة. ما نخلص إليه من طرحنا مختلف هاته الاهتمامات في الصناعات الدستورية، هو نموذج تحليلي من أجل قياس الثابت والمتحوِّل في الإصلاح الدستوري المغربي لسنة 2011 وتمفصلاته كفعل، لنرى ما إذا كان يعكس قيمة مضافة تتماشى ومقاصد الثورات العربية، أم أنه مجرد تحصيل حاصل من حيث نوعية مقتضياته في الأمور المرتبطة ببنية السلطة.
مقدّمة
يُعتبر رصد موضوع الثابت والمتحوِّل في التفاعلات السياسية والتحولّات الدستورية التي يعرفها النظام المغربي، من الموضوعات التي تثير اهتمام الباحثين وقلقهم المعرفي. وعليه، يجد اختيارنا لمعالجته سنده في المحاولات ذاتها الهادفة إلى فهم ما يجري، وقياس الطبيعة النوعية والكمية للتحوّل واتجاهات التطور، أخذًا بعين الاعتبار مختلف الأنساق والسياقات والتفاعلات والرهانات والاستراتيجيات.
سياق اختيار موضوع الورقة
ميّز الدستورانية المغربية، منذ حصول الدولة المغربية على استقلالها سنة 1956، أنها لم تعرف مسارًا متناسقًا ومتكامالً، حيث شهدت ظروف التنزيل جداالً واسعًا بين مختلف القوى السياسية حول موقع الملك في النظام السياسي والدستوري، على اعتبار ما شهدته الحقبة التاريخية بين سنة 1956 (تاريخ الاستقلال) وسنة 1962 (تاريخ وضع أول دستور للمملكة) من تدافع سياسي ونقاش واسع حول اتجاهات النظرية السياسية التي ستحدّد كيفية تأسيس السلطة وممارستها وانتقالها داخل النظام السياسي المغربي من خلال طرحين متباينين: الطرح الأولمثّله الملك والموالون له من خلال نظرية الملَكية التي تسود وتحكم، أي نظام الملَكية الدستورية؛ الطرح الثانيمثّلته القوى السياسية المعارضة، خاصة تلك التي تمثّل التوجه السياسي اليساري، من خلال نظرية الملَكية التي تسود ولا تحكم بناء على نظرية السيادة للأمّة، أي نظام الملكية البرلمانية. قاد ضعف التوافق السياسي، كآلية سياسية لإدارة الصراع على السلطة وتدبيره في التجربة المغربية، إلى تفكّك بين مختلف القوى السياسية وسوء استثمار لطاقاتها وجهدها لمواجهة وضعية ما بعد الحصول على الاستقلال، ورهان بناء الدولة الوطنية من الناحية السياسية من خلال دستور تأسيسي متوافَق عليه، ومن الناحية الاجتماعية- الاقتصادية مواجهة وضعية متخلّفة مطبوعة بالفقر والهشاشة والحرمان والإقصاء من خلال بنى تحتية ضعيفة أو معدومة، وولوج إلى الخدمات الأساسية التي تتراوح بين الضعف والغياب، في ظل وضع سعت فيه الدول المتقدمة إلى بسط هيمنتها وفرض نموذجها الاقتصادي والاجتماعي والأيديولوجي والحضاري من خلال مسمّيات كثيرة: نظرية التحديث السياسي؛ نظرية التنمية الاقتصادية؛ نظرية الثقافة السياسية؛ نظرية التحوّل الديموقراطي.. وغيرها. ففي ظل وضع سياسي اتّسم على المستوى الداخلي بالتوتر بين مختلف القوى السياسية منذ سنة 1956 حتى أواسط تسعينيات القرن العشرين، من خلال قناعة أكون أو تكون، وفي ظل وضع دولي متقلّب بفعل عامل التجاذبات والتقاطبات بين مختلف القوى المتحكمة الإقليمية أو العالمية، نشأ النسق السياسي المغربي على ثنائية الصراع بين النموذج الحداثي من جهة، وهو يطرح نموذجًا (Paradigm) للتنمية السياسية يقوم على عقلنة السلطة من جهة، وذلك بإحلال السلطة السياسية الفعلية التشاركية ذات البعد الوطني، وعلى النمط التقليداني من جهة ثانية، وهو نمط يستمد أسسه من الاعتبارات الدينية والعائلية والوراثية.
أهمية الورقة البحثية
تروم الورقة قياس مدى درجة التحوّل السياسي والدستوري التي طرأت على تدبير السلطة السياسية منهجًا وموضوعًا في المملكة المغربية، وذلك في اتجاه تحقيق القطيعة مع الأنساق التي كانت قائمة، أو تحقيق التغيير في إطار استمرارية الأنساق السلطوية القائمة نفسها، منطلقين في ذلك من التراكمات العلمية التقييمية لجغرافية الإصلاحات الدستورية وخريطتها، وهي الإصلاحات التي خلصت إلى كون الدساتير المتعاقبة، التي أشرف الملك الحسن الثاني على وضع تصورها السياسي منذ أول دستور سنة 1962 والدساتير المراجعة الموالية (1970؛ 1972؛ 1992)، تميّزت بالتوجيه التحكمي من ناحية الموضوع، وهو التوجيه الذي جسده منطق الملَكية التي تسود وتحكم (الملكية الدستورية). وقد انطلقنا كذلك من مختلف العوامل السلبية للتجربة السياسية المغربية من خلال ما راكمته من نقاط ضعف أو مخاطر أو تهديدات، ومن مختلف العوامل الإيجابية على مستوى نقاط القوة والفرص المتاحة أو الممكنة المتراكمة، خصوصًا بعد المراجعة الدستورية لسنة 1996، التي شكّلت فرصة أعادت ترتيب العلاقة بين الملَكية والموالين لها من جهة، وأغلب القوى السياسية الوطنية التي كانت محسوبة على المعارضة من جهة ثانية، حيث ستعرف لأول مرة مبادرة استفتائية دستورية معروضة نتيجة تصويت شهدت شبه إجماع مختلف القوى السياسية عليها، وهو ما أرشّ على بداية عهد جديد في العلاقات السياسية يسير في اتجاه ترسيخ تقاليد توافقية لتدبير فعل السلطة بناء على مبادئ التشاركية والشفافية والمسؤولية وحكم القانون والفعالية والنجاعة في الأداء.
المشكلة البحثية للورقة
إلى أي حد يمكن اعتبار أنّ دستور 2011 يشكّل قطيعة مع الدساتير المغربية السابقة، أو يشكّل مجرد تحوّل في سياق الاستمرارية؟ وإلى أي حد خرج الاستفتاء الدستوري لفاتح تموز/ يوليو 2011 عن سياق المنطق الذي يعتبر الاستفتاءات بمنزلة العملية التوليدية لتبرير مشروعية السلطة القائمة، وإضفاء نوع من التحديث السياسي عليها؟
فرضيات الورقة
الفرضيةالأولى: لم تستطع مقتضيات دستور 2011 تحقيق اختراقات أساسية لإعادة هندسة العلاقة بين السلطة السياسية ومختلف الفاعلين الآخرين خارج نطاق الملَكية الدستورية، التي ما زال الملك يحتفظ فيها بسمو مركزه من خلال قوة وصلابة سلطاته المدنية والدينية في آن. الفرضية الثانية: بالرغم من نشوء الاعتقاد بأن دستور 2011 يشكّل تقاطعًا بين الملَكية البرلمانية والملَكية
الدستورية على مستوى النص، فإن مرور عام واحد على بداية تفعيل مقتضياته أثبت حفاظ الملك على مكانته المحورية في الهندسة الدستورية، واحتفاظه بصلاحيات أساسية واستراتيجيا في إدارة البلاد وتدبيرها. الفرضية الثالثة: يبقى دستور 2011 غير كاف بمفرده لتفسير معادلة الثابت والمتحوّل، على اعتبار أوعية التفسير الموازية الأخرى والمتمثّلة في طبيعة الثقافة السياسية السائدة وعلاقة المصالح والقوة داخل المجتمع، التي تبقى محددة وأساسية في تحقيق معادلة التوازن.
منهج التحقق من فرضيات الورقة البحثية
للتحقق من الفرضيات المعلنة، جرى الاعتماد على المنطلقات المنهجية التالية: أولا: اختيار بعض المؤشرات النوعية كوحدات لقياس درجات التحوّل أو الثبات في النظام السياسي والدستوري المغربي بناء على معيار الملَكية الدستورية، ومعيار الملَكية البرلمانية من خلال قياس مؤشر حدود التطور في علاقات السّلطات (التشريعية، التنفيذية، القضائية) بعضها ببعض؛ ثانيًا: الاعتماد على نموذج تحل لي يركز على: - تحليل مقارن لمضمون مختلف النصوص الدستورية والخطاب السياسي المصاحب لها، في ارتباط بجدلية الفعل والخطاب، أي النص/الممارسة؛ - تحليل فعل التأثير والتأثّر، فعل الثابت والمتحوّل، في سياق منطق تحل لي يعتبرها سياسات عامة تعكس فعل السلطة/ الحرية في مظاهر ضعفها وقوتّها، في فرصها والمخاطر التي قد تبزغ عن انحرافات ممارستها.
التصميم
أولا: تداعيات الربيع العربي والخطوات الملَكية الاستباقية على دستور 2011؛ ثانيًا: حفاظ الملك على موقعه الدستوري كممثل أسمى؛ ثالثًا: محدودية الدستور الجديد في الارتقاء بدور البرلمان كمتغريّ أصلي في معادلة السلطة؛ رابعًا: المقاربة الحقوقية في دستور 2011، ومحدودية الجيل الثالث في الدستورانية المغربية؛ خامسًا: مدى صلاحية خيار الديمقراطية التشاركية كآلية للحد من مركزية السلطة.
تداعيات الربيع العربي والخطوات الملَكية الاستباقية على دستور 2011
يطرح قياس الثابت والمتحوّل في سياق حديثنا عرض بعض الخطوات غير المسبوقة التي قام بها الملك من أجل امتصاص حدّة الضغوطات الناتجة من تداعيات الربيع العربي، وبالتالي التحكم في مخاطرها غير المتوقَّعة على
وضعه الاعتباري والمادي والرمزي الذي يضمنه له الفصل 19 من دستور 1996، وإدارتها في اتجاه كسب الوقت من أجل صوغ دستور لا يهدد وضع الملَكية كفاعل يسود ويحكم. بعد نجاح الثورة في تونس بتخليّ الرئيس زين العابدين بن علي عن السلطة قسرًا، بهروبه خارج البلاد يوم 12 كانون الثاني/ يناير 2011، ونجاح ثورة 25 يناير المصرية بتنحّي الرئيس محمد حسني مبارك عن منصبه في 11 شباط/فبراير 2011، تأسست حركة 20 شباط/فبراير 2011 في المغرب كحركة شعارها إسقاط الفساد والاستبداد. ونظرًا إلى الوضع العربي السياسي الذي كان يسير في اتجاه بزوغ الحركات الثورية المنادية بسقوط الأنظمة الاستبدادية وبتضامنها في ما بينها، واعتبارًا لتزايد الدعم الشعبي المادي والمعنوي في المغرب للحركة التي كانت تطالب بتشكيل ملَكية برلمانية تمكّن من الحدّ من سلطات الملك الدينية في المجال السياسي، ووضع دستور جديد يتكئ على أسس ديمقراطية، وحلّ البرلمان، وإقالة الحكومة، أقدم الملك محمد السادس على اتخاذ خطوات استباقية هدفها سحب البساط من تحت الحركة والحدّ من التصاعد المطرد لمشروعيتها في مختلف الأوساط المغربية، وخصوصًا مختلف القوى الإسلامية واليسارية والأمازيغية الداعمة لها. تمثّلت هذه الخطوات الاستباقية في اتخاذ قرارات هدفها خلق الاعتقاد بأن الملك يسير في اتجاه الحدّ من سلطاته الدينية في الحياة العامة للمواطنين: تمثّلت الخطوة الأولىبالإعلان في 3 آذار/ مارس 2011 عن إصدار ظهير جديد يرتقي بالمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان -الذي تأسس عام -1990 من مؤسسة استشارية، كانت قد وجِّهت إليها مجموعة من الانتقادات ركزت على محدودية دورها في ضوء التحولات والمتطلبات المعاصرة التي تفرضها هندسة العلاقة الحقوقية بين الدولة ومواطنيها، إلى مجلس وطني لحقوق الإنسان يكون مؤسسة قائمة الذات لا مجرد هيئة، ويحظى بهيكلة وصلاحيات وفق المعايير الدولية باعتماد آليات جهوية للدفاع عن حقوق الإنسان وصونها في تنظيمه وممارسته اختصاصه في إطار الاستقلالية والمسؤولية، كحادث يجسّد التزام المملكة المغربية بحماية حقوق المواطنين وحرياتهم وتشبّثها باحترام التزاماتها الدولية في ما يتعلق بحماية حقوق الإنسان والنهوض بها.
استنتاج أساسي أول
أتى استبدال المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان استجابة لمطالب مجموعة من الهيئات والمنظمات المدنية والسياسية، من أجل الحفاظ على دعمها والتحكم في مخاطر رفعها سقف مطالبها،
وهو ما قد يسير في اتجاه التقائها الموضوعي مع مطالب حركة 20 فبراير المطالبة بإسقاط الفساد والاستبدادِ كصورة للإصلاح الشامل، أولى من القيام ببعض الإصلاحات الفردية أو المعزولة. وتمثّلت الخطوة الثانية في خطاب 9 آذار/مارس الذي وجّهه الملك محمد السادس إلى الشعب مباشرة وطرح فيه التصور الجديد لجيل الإصلاحات السياسية التي سيؤطّرها دستور جديد يستند إلى مرتكزات أساسية تتمثل في: - توطيد مبدأ فصل السّلطات وتوازنها، وتعميق دمقرطة المؤسسات وتحديثها وعقلنتها في إطار نظام ملَكية دستورية وديمقراطية وبرلمانية واجتماعية؛ - برلمان نابع من انتخابات حرة ونزيهة يتبوأ فيه مجلس النواب مكانة الصدارة بصلاحيات موسَّعة كفيلة بنهوضه بمهامه التمثيلية والتشريعية والرقابية؛ - حكومة منتخَبة بانبثاقها عن الإرادة الشعبية، المع عنها من خلال صناديق الاقتراع، وتحظى بثقة أغلبية مجلس النواب؛ - تكريس تعيين الوزير الأول من الحزب السياسي؛ الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. - تقوية مكانة الوزير الأول، كرئيس لسلطة تنفيذية فعلية، يتولى المسؤولية الكاملة على الحكومة والإدارة العمومية، وقيادة البرنامج الحكومي وتنفيذه؛ - تقوية آليات تخليق الحياة العامة، وربط ممارسة السلطة والمسؤولية العمومية بالمراقبة والمحاسبة؛ - تكريس مكانة المعارضة، والاعتراف بدور المجتمع المدني في إطار الديمقراطية التشاركية.
استنتاج أساسي ثان
يعتقد محلل مختلف محاور هذه الخطوة الأساسية الثانية، كمبادرة للإصلاح الشامل من خلال الخطاب الملكي، أن يعتقد دستور 2011 لن يكون سوى دستور للملَكية البرلمانية بامتياز، لما لذلك من معان في الحد من سلطات الملك الدينية أو المدنية في المجال السياسي السلطوي، خصوصًا أنه تم لأول مرة الاعتماد على لجنة استشارية موسّعة تشرف على صوغ الدستور، وهي التي اعتمدت بدورها مقاربة تشاركية واسعة في مسلسل الإعداد، شملت مختلف الأحزاب السياسية والهيئات المدنية والسياسية، وقت كان الملك ينفرد بصوغه. تمثّلت الخطوة الثالثة في إحداث مؤسسة الوسيط كمؤسسة وطنية مستقلة ومتخصصة، أنشئت من أجل تعزيز حماية حقوق الإنسان وصونها في المملكة المغربية في إطار علاقة الإدارة بالمواطن، وذلك بمقتضى الظهير رقم 25-11-1 بتاريخ 17 آذار/ مارس 2011 كمنهجية في تحديث مؤسسة ديوان المظالم، تماشيًا مع الإصلاحات الجديدة، وتحقيقًا للتكامل المنشود بين كلٍّ من المجلس الوطني لحقوق الإنسان ومؤسسة الوسيط ومواكبة للمعايير الدولية في هذا الباب.
نشير في هذا السياق، وفي اطار التجاذب بين الحقل الديني الذي يهيمن عليه الملك والحقل المدني السياسي المتاح بين مختلف الفاعلين، إلى أنه كان هناك في عام 2000 مبادرة في عهد حكومة عبد الرحمان اليوسفي لتأسيس مؤسسة الوسيط، تُعنى بالعلاقة بين الإدارة والمواطن من خلال مقتضيات الفصل 52 من دستور سنة 1996، لكن سرعان ما سيجري إعلان إقامة مؤسسة ديوان المظالم من طرف الملك بناء على مقتضيات الفصل 19 من دستور سنة 1996، على اعتبار أن المؤسسة الملَكية، وفي نطاق إمارة المؤمنين، تعتبر مثل هاته الأمور داخلة في حكم رعاية الحاكم لرعيته، وبالتالي لا يحتمل أن يكون هناك بينه وبينهم وسيط.
استنتاج أساسي ثالث
يُستفاد من خطوة استبدال مؤسسة ديوان المظالم، التي يرمز اسمها إلى الحقل الديني كمجال ظل حكرًا على الملك منذ قيام الدولة المغربية الحديثة على الأقل، باسم مؤسسة الوسيط التي يدل اسمها على حمولات مدنية، الرغبة في إضعاف مشروعية حركة 20 فبراير كحركة ثورية ضد الفساد والاستبداد، وخلق الاعتقاد بأن الملك يسير في اتجاه إعادة الاعتبار إلى ما هو مدني لا ديني في معادلة تدبير الشأن العام.
حفاظ الملك على موقعه الدستوري كممثّل أسمى
شكّل الفصل 19 على طول مختلف الدساتير المراجَعة نظرية في الحكم تقوم على مشروعية مركّبة بين الوراثي والديني والقانوني، فجعلت من الملك مركز جميع السلطات العادية (القضائية، التشريعية، التنفيذية) وغير العادية (الدينية والروحية). لكن مع تداعيات الربيع العربي؛ التي جعلت مختلف الأنظمة السياسية الوراثية في الوطن العربي في أزمة بنيوية من خلال تآكل مشروعياتها، حاول دستور 2011 تجاوز مخاطر الفصل 19 والفصل من داخله بين ما هو ديني وما هو مدني سياسي من خلال الفصلين الجديدين 41 و 42 من دستور.2011 يتضح من خلال تحليل مضمون الفصل 41 أن للملك الألقاب التالية: - أمير المؤمنين؛ - حامي حمى الملّة والدِّين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية؛ - رئيس المجلس العلمي الأعلى، الذي يتولى دراسة القضايا التي يعرضها عليه. وبصفته الجهة الوحيدة المؤهلة لإصدار الفتاوى التي تُعتمد رسميًا في شأن المسائل المحالة إليه، استنادًا إلى مبادئ الدِّين الإسلامي وأحكامه ومقاصده..
إن مقارنة الفصل 19 بالفصل 41 تجعلنا نستخرج ما لي: أولا، احتفاظ الملك بصلاحياته الدينية مثلما كانت في الفصل 19، بل تعزيزها عبر إضافة صلاحيات دينية جديدة من خلال رئاسة المجلس العلمي الأعلى كمؤسسة دستورية دينية جديدة في الدستور المغربي هي الوحيدة المؤهلة لإصدار الفتاوى، يفسرّ قدرة المؤسسة الملكية على خلق الاعتقاد لدى الأحزاب اليسارية أنه هو القادر لوحده على حمايتها من استغلال الدِّين في السياسة من طرف الأحزاب المحسوبة على التيار الإسلامي. ثانيًا، عَمِلَ الفصل 41 على تجميع صلاحيات الملك الدينية وتأطيرها من دون أن يحدد علاقاتها بالمجالات المدنية السياسية المرتبطة بحياة المواطنين والمواطنات من خلال سؤال من يحدد الآخر. ثالثًا، احتفاظ الدِّين بمكانته المركزية في هرمية السلطة، وذلك من خلال ديباجة الدستور التي تؤكد أن الهوية المغربية تتميز بتبوّء الدِّين الإسلامي مكانة الصدارة فيها، والفصل الثالث الذي يعتبر الإسلام دين الدولة. من خلال تحليل مضمون الفصل 42، نجد أن هذا الأخير ينظّم صلاحيات الملك المدنية لا الدينية، بصفته رئيس دولة من خلال كون: - الملك رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمّة، - الملك هو الضامن لدوام الدولة واستمرارها، - الملك هو الحكم الأسمى بين مؤسساتها، - يسهر على احترام الدستور، وحُسْن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صون الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة.
الملك هو ضامن استقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة
أثبتت الممارسة في أول اختبار لتفعيل دستور 2011، وذلك بعد الانتخابات التشريعية في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011 أن المؤسسة الملَكية احتفظت بقوتّها على مستوى تدبير نتائج هاته الانتخابات من خلال التحكم في تحديد أسماء مجموعة من المرشحين لشغل المناصب الوزارية، والضغط لمنع أسماء أخرى من الاستيزار. هذا على المستوى العضوي، أمّا على المستوى الموضوعي، فقد بقيت المؤسسة الملَكية متحكمة في بعض الوزارات التي تعتبرها استراتيجية، منها الأمن والدفاع والأوقاف والشؤون الإسلامية، حيث يُعتبر المعينون أشخاصًا من دون انتماء سياسي ومعروفين بولائهم للمؤسسة الملَكية. في قراءة أخرى لمحورية دور الملك، صادق مجلس النواب يوم الثلاثاء 8 أيار/مايو 2012 على مشروع القانون
في المجلس الحكومي.
تعطي صلاحيات التعيين فيها إلى إداراتها الداخلية. التنظيمي رقم 02.12، المتعلق بتطبيق أحكام الفصلين49 و92 من الدستور، والمتعلق بتحديد لائحة بعدد المناصب العليا أو السامية في المؤسسات العمومية، والمقاولات الاستراتيجية التي يعنيّ الملك مسؤوليها بعد المداولة في اجتماع مجلس الوزراء، بناء على اقتراح من رئيس الحكومة، وبمبادرة من الوزير المعني، الذي يمارس وصاية على هذه المؤسسات والمقاولات، إضافة إلى المؤسسات والمقاولات التي سيتم التداول في شأنها
يظهر من حيث التنصيص أن الدستور الجديد يعكس التصور الجديد للعمل الحكومي، الذي أصبح أكثر فاعلية بحكم الاختصاصات المخوَّلة إلى الحكومة في مجال التعيين في المناصب العليا، التي أصبحت تشمل 1181 منصبًا عوض 17 منصبًا خلال الممارسة الدستورية 1996. وبحسب القانون التنظيمي المشار إليه أعلاه، فإن الوظائف التي يعنيّ مجلس الحكومة شاغليها تشمل 51 مؤسسة حكومية، بالإضافة إلى 17 منصبًا ساميًا، في حين أن لائحة المؤسسات والمقاولات الحكومية التي يعود فيها قرار التعيين إلى الملك تتوزع بين 20 مؤسسة حكومية استراتيجية و 19 مقاولة حكومية استراتيجية، في حين أن باقي المؤسسات التي لم يشر إليها القانون
يظهر مرة ثانية أنه تم تقليص اختصاصات الملك في مجال التعيين في المناصب العليا، حتى انحصرت، بموجب القانون التنظيمي 02-12 في 93 منصبًا، لكن تعيينات الملك من حيث النوعية تبقى «استراتيجية» على اعتبار أنها تمس القطاعات الاقتصادية والاجتماعية الحية والمنتجة في الدولة المغربية. والخلاصة، هنا، هي على النحو التالي: - يتضح من خلال الصياغة على مستوى المضمون والحمولات الصريحة أو الضمنية أن الفصل 19 لم يجرِ التخلي عنه، بل جلّ ما هناك هو عمل تقني تمثّل في اعادة هندسته من حيث الشكل من خلال الفصل 41 والفصل 42، بشكل حيُافَظ من خلالهما على تعزيز موقع المؤسسة الملَكية دينيًا ومدنيًا لتأطير فعل السلطة وتوجيهه داخل المملكة المغربية في الحالات العادية أو غير العادية. - إن غياب تحديد مصفوفة الانتقال من الحقل الديني إلى الحقل المدني السياسي بشكل واضح بالنسبة إلى الملك داخل الوثيقة الدستورية الجديدة، يجعلنا نحتفظ بالخلاصات ذاتها التي تعتبر أن الحقل الديني مازال متغريًّا أصليًا في معادلة السلطة داخل المملكة المغربية. - يتضح من المعطيات أعلاه أن الثابت يبقى هو الممارسة والمتحوّل هو النص الذي تتغير صياغاته وتركيباته من دون المساس ببنية السلطة، حيث يحتفظ الملك بدوره المحوري في مختلف المؤسسات الدستورية ذات الطبيعة السياسية أو الإدارية أو الاقتصادية أو المالية.
محدودية الدستور الجديد في الارتقاء بدور البرلمان كمتغير أصلي في معادلة السلطة
نشير إلى أن دستور 2011 جاء بمقتضيات مهمة في هذا السياق، يمكن التعامل معها كمؤشرات لقياس الثابت والمتحول، وتتمثّل في: - أضحى البرلمان المصدر الوحيد للتشريع الذي اتسع مجاله. - أصبح البرلمان كذلك مسؤوالً عن التوازن المالي، في الوقت الذي ظلت الحكومة مستأثرة به منذ دستور سنة - أصبح من اختصاص البرلمان تقييم السياسات العمومية. - يصادق البرلمان، المنعقد بدعوة من الملك، في اجتماع مشترك لمجلسيه، على مشروع مراجعة بعض بنود الدستور من دون عرضها على الاستفتاء. لكن إلى أي حد يمكن لقراءة هذه المقتضيات أن تساعد على فهم ما هو صريح وما هو ضمني داخلها، وبالتالي قياس درجة تطورها في الاتجاه الذي سيعزّز عمليًا دور المؤسسة التشريعية كسلطة لا كجهاز وظيفي فقط؟ من ناحية أنَّ البرلمان أضحى المصدر الوحيد للتشريع الذي اتسع مجاله، لم يكن البرلمان المغربي المختص الوحيد بالتشريع، بل كان الملك بدوره يمارس هذه السلطة بمقتضى ظهائر، لكن الفقرة الأولى من الفصل 70 من
دستور 2011 ستنص على ما لي: «يمارس البرلمان السلطة التشريعية»، في حين كان الفصل 45 من دستور 1996 في فقرته الأولى ينص على: «يصدر القانون عن البرلمان بالتصويت». يتضح من قراءة تحليلية مقارنة لهاتين الفقرتين أن الفصل 70 من دستور 2011 الجديد ارتقى بالبرلمان إلى سلطة تشريعية، لكن هل ذلك كاف للقول إنه أصبح المتخصص الوحيد من بين السلطات الدستورية كمصدر وحيد للتشريع، أي كمصدر وحيد للتصويت على القوانين؟ يظهر من خلال تحليل المنطوق أنه غير كاف، على اعتبار أنه بناء على مختلف نصوص الدستور التي تتحدث عن صلاحيات الملك، ليس هناك ما يمنعه صراحة من التشريع بشكل عام بمقتضى ظهائر. وقد كان نص الخطاب الملكي، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية من الولاية التشريعية التاسعة في 12 تشرين الأول/ أكتوبر 2012، صريحًا في أثناء سياق الخطاب بالإقرار المباشر أن البرلمان أضحى هو السلطة التشريعية الوحيدة المختصة بمجال التشريع، إذ ورد في خطاب الملك محمد السادس ما لي: «... ما تعزز بتأسيس برلمان جديد٬ إن في مستوى مكانته أو في نظامه أو في سلطاته. وعلاوة على المنزلة الرفيعة التي يحظى بها في الصرح المؤسسي الدستوري، فإنه أضحى مصدرًا وحيدًا للتشريع الذي اتسع مجاله. فضالً عمّا أصبح له من اختصاص في إقرار عدد كبير من القوانين التنظيمية»...وهو ما يعني أن على الرغم من عدم وجود مقتضى صريح يمنع الملك من التشريع، فإنه لم يعد من خلال هذا الخطاب مجال للتأويل على اعتبار أن الإقرار جاء من الملك نفسه بأن البرلمان أضحى هو المصدر الوحيد للتشريع. كما أن من المؤشرات الأساسية التي تدل على توسيع مجال التشريع من الناحية الكمية في مقابل المجال التنظيمي، كون البرلمان أصبح هو المختص بوضع المبادئ الأساسية التي تحكم وتقيد إعداد الحكومة للتقسيم الانتخابي، حيث المبدأ المعروف: من يتحكم في التقسيم الانتخابي يتحكم فعالً في صناعة الخرائط الانتخابية. ومن المؤشرات النوعية كذلك تعديل مهم مسّ قدسية الخطب الملكية. فقد نص الفصل 28 من دستور 1996 على أن: «للملك أن يخاطب الأمّة والبرلمان ويتلو خطابه أمام كلا المجلسين، ولا يمكن أن يكون مضمونه موضوع أي نقاش». لكن الصيغة الحالية في الفصل 52 من دستور 2011 أصبحت كالآتي: «للملك أن يخاطب الأمّة والبرلمان، ويتلو خطابه أمام كلا المجلسين، ولا يمكن أن يكون مضمونه موضوع أي نقاش داخلهما». تشير المقارنة بين النصين إلى أن الخطب الملكية الموجهة إلى الأمّة والبرلمان في الفصل 28 متّعت الخطب الملكية بحصانة مطلقة، إذ لا يمكن مناقشة مضمونها من طرف أي جهة، بينما الصياغة الجديدة في موضوع الخطب الملكية من خلال الفصل 52 الجديد، جعلت الحصانة مقتصرة على عدم تشكيل الخطب الملكية موضوعًا لأي
نقاش داخل مجلسي البرلمان فقط، وهو ما يفيد بأنه ليس هناك أي منع صريح لمناقشتها من طرف الأمّة. هذا التحول يمكن اعتباره طفيفًا لكنه مهم في اتجاه كسر النمطية الدستورية المطبّقة للحصانة المطلقة للخطب الملكية من أي نقاش مهما يكن مصدره، وهو ما كان في السابق مكرَّسًا بقوة. ومن ناحية أنَّ البرلمان أصبح مسؤوالً عن التوازن المالي الذي ظلت الحكومة مستأثرة به منذ دستور سنة 1962، يأتي هذا في سياق توسيع خريطة المجالات التي تدخل في نطاق ممارسة سلطة البرلمان التشريعية (أي مجال القانون) وتوضيحها بدقة، وهو ما سيساعد مستقبال على جعل المؤسسة التشريعية صاحبة دور أساسي وأصلي في مسلسل إعداد السياسات العمومية ومراقبتها، وبالتالي عقلنة المجال التنظيمي بجعله أكثر تحديدًا وتدقيقًا، حيث للمجال التنظيمي دائامًامتياز الاختصاص بالمواد التي لا يشملها اختصاص القانون. وهذه مقدمة أساسية قادت إلى التخفيف من الهيمنة الحكومية في المجال المالي؛ إذ نص الفصل 77 من مشروع الدستور على أن كلاًّ من البرلمان والحكومة يسهر على الحفاظ على توازن مالية الدولة، وأن للحكومة حق الرفض لكن مع بيان أسباب ذلك، في الوقت الذي كان فيه الفصل 51 من دستور 1996 يجعل هذا الحق سيفًا مسلطًا من طرف الحكومة لرفض مختلف التعديلات والمقترحات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان، بحجة التوازن المالي، ومن دون أي بيان للأسباب.
المقاربة الحقوقية ومحدودية الجيل الثالث في الدستورانية المغربية
شكّل الدستور الجديد لسنة 2011 طفرة نوعية في تاريخ الدستورانية المغربية من حيث الإنتاج النصي؛ إذ ارتقى بمسألة حقوق المواطنين من الجيل الأول في البناء الدستوري، جيل الإعلان أو الإقرار الذي كان هاجسه التنظيم المؤسساتي للحقوق من خلال توضيحها بإعلانها، والجيل الثاني، الذي حاول سد النقائص المترتبة عن الجيل الأول بوضع الضمانات الأساسية لحماية الحقوق من الشطط والتجاوزات، إلى المشروع الحالي الذي وضع أسس دستور ينبني على فكرة التمكين الحقوقي والسياسي للمواطنين والمواطنات. فالعبرة كل العبرة في تمكّن المواطنين من حقوقهم وتمتعهم بها، وليس في إقرارها فقط بإعلانها أو وضع ضمانات لا يقوى المواطن على استعمالها. يلاحَظ من خلال قراءة نوعية وكمية في دستور 2011 أن عدد الحالات التي جرت من خلالها الإحالة إلى قانون تنظيمي أو عضوي يصل إلى 24 إحالة، في حين أن في دستور 1996 لم يتجاوز عدد القوانين التنظيمية المنصوص عليها حوالي العشرة. لكن، ما هي الأسباب العملية التي قادت إلى هذا المنحى في الصياغة الدستورية؟
نطرح في هذا السياق مجموعة من التفسيرات: - تبنيّ أن سقف مطالب حركات المجتمع المغربي السياسية والمدنية في سياق الربيع العربي كان مرتفعًا جدًا، من خلال المشاريع المقترحة التي تم التقدم بها إلى اللجنة التي أشرفت على إعداد مشروع الدستور. وعليه، شكلت القوانين التنظيمية وسيلة لإدارة مختلف المقترحات وتدبيرها من حيث الاعتراف بها، لكن التحكم في إدارة حمولاتها وتدبيرها والتحكم في انعكاساتها، كل ذلك سيتم من خلال الخطوة الثانية المتمثّلة في التفعيل من خلال القوانين التنظيمية التي ستساعد على التحكم في عامل الزمن ومساعدة النظام القائم على التحكم في مخاطرها عليه. - الإحالة على كثرة القوانين التنظيمية تعزز من جديد مقولة السبات التوافقي العميق، ومقولة عدم قدرة الفاعلين السياسيين اليوم في المغرب على نسج علاقات للثقة في إطار سلوك الفعل والتفاعل المبني على الاختلاف وعلى التناوب في الإدارة والحكم خارج إطار التوافق الذي انطلق مند سنة 1998، مع تعيين زعيم حزب الاتحاد الاشتراكي الذي كان معروفًا منذ سنة 1962 بمعارضته الصريحة لنظام الملَكية الدستورية الذي أرساه دستور 1962. فالديمقراطية الحقة يجسدها الصراع والتنافس المؤسساتي الحقيقي من داخل المؤسسات الدستورية كفضاء عمومي مؤسساتي لإدارة تعدد التيارات والأيديولوجيات وتدبيره. - التنصيص على كثرة القوانين التنظيمية يمكّن النظام القائم من وسائل التحكم عن بُعد، رغم أن الفصل 86 من دستور 2011 ينص على ضرورة عرض مشاريع القوانين التنظيمية المنصوص عليها في هذا الدستور وجوبًا، قصد المصادقة عليها من ق بل البرلمان، في أجَل لا يتعدى مدة الولاية التشريعية الأولى التي تلي صدور الأمر بتنفيذ هذا الدستور، وهي خمسة أعوام على أبعد تقدير، على اعتبار أنه يخلق الاعتقاد أن النظام السياسي القائم منح الحق للطرف المطالب من خلال مداخله input()، ولكن يتحكم في مستوى آخر في مخارجه output()، على اعتبار أنه لا يمكن إصدار الأمر بتنفيذ القوانين التنظيمية إالّ بعد أن تصرح المحكمة الدستورية بمطابقتها للدستور، والملك يتوفّر على تأثير كبير من خلال تعيينه ستة أعضاء من مجموع 12 عضوًا تتشكّل منهم هذه المحكمة. - ولكن يلاحَظ في المقابل أن بعض المؤسسات الدستورية الجديدة المنصوص عليها، وخاصة المجلس الأعلى للأمن، لم يتم التنصيص على تنظيمه بمقتضى قانون تنظيمي رغم حساسيته وأهميته، ولكن فقط بمقتضى نظام داخلي يحدد قواعد تنظيمه وسيره. وعليه، فإنَّ سلوك المضي بالسمو بمجموعة من المؤسسات إلى مرتبة دستورية إنما تمليه الرغبة في تكريس التراضي والتوافق المكتوب كآلية في إدارة وتدبير المرحلة الحالية، التي أعتقد أن مؤشراتها دالة على أنها مازالت انتقالية. والخلاصة، هنا، هي أنَّ كثرة الإحالات على ربط مجموعة من الموضوعات الدستورية بضرورة صدور قانون
تنظيمي يحدد الشروط الشكلية والموضوعية لإجرائها وتفعيلها، إنما يكشف تحواّل في سلوك النظام القائم وأسلوب إدارته. وبذلك التحكم المباشر لتحقيق نتيجة معيّنة تم تغييره بالتوجيه التحكمي أو التوجيه عن بُعد لتحقيق النتائج نفسها.
مدى صلاحية خيار الديمقراطية التشاركية كآلية للحدّ من مركزية السلطة
يلاحَظ أن السلطة المركزية كانت خلال مختلف العقود السالفة هي المستأثرة بمسلسل إعداد السياسات العامة وتنفيذها. وعليه، أثبتت الديمقراطية التمثيلية من خلال النخب المنتخبة في البرلمان وفي المجالس الترابية محدوديتها في الإجابة عن مختلف توقّعات المواطنين والمواطنات وتطلعاتهم. وقد حاول الدستور الحالي معالجة هذه الإشكالية بهدف الحد من مخاطرها على التوازن المؤسساتي، والحد من الفجوة المتسعة بين السياسيين والمواطنين من خلال تبنّي نصوص دستورية صريحة تجعل من الديمقراطية التشاركية منهجًا جديدًا لإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمواطنين، ومدخالً أساسيًا لضمان مشاركة فاعلة للمواطنين والمواطنات والناس في السياسات العمومية، وهو ما يدخل بدوره في إطار الديمقراطية المحلية. نصت ديباجة دستور 2011 على أن الهدف يكمن في تأسيس دولة حديثة، مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة. ونصّت الفقرة الثانية من الفصل الأول على أن النظام الدستوري للمملكة يقوم على أساس فصل السّلطات، وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وهو ما يعني أن الديمقراطية التشاركية تشكّل منهجًا استراتيجيًا في الحكم على اعتبار تصدرها للدستور والتنصيص عليها في الفصل الأول، الذي يحدد طبيعة النظام السياسي كملَكية دستورية وديمقراطية وبرلمانية واجتماعية، من مرتكزاتها الديمقراطية التشاركية. وما يعنيه تبنّي الديمقراطية التشاركية كمنهج جديد في الإدارة والحكم، من خلال دستور 2011، هو الاستفادة من مزاياها التي تتمثّل في الاعتبارات التالية: - تُعتبر الديمقراطية التشاركية نظامًا منهجيًا في مجال التنمية يمكّن الأفراد والجماعات عبر مسلسل مؤسساتي تواصلي من تحديد حاجاتهم وأهدافهم والتزاماتهم على المستوى المحلي أو المجالي. ويؤدي هذا المسلسل إلى قرارات مركزة تأخذ بعين الاعتبار، وبحسب الإمكان، آراء وتطلعات المجموعات والأطراف المعنية كافة. - تُعتبر الديمقراطية التشاركية نظامًا يعمل على تثمين دور الوسطاء الاجتماعيين وتفعيله في مسلسل السياسات العامة. - تُعتبر الديمقراطية التشاركية مجموعة من الإجراءات والوسائل والآليات الكفيلة بتحقيق مشاركة فعالة للمواطنين والمواطنات، بصفتهم المباشرة أو غير المباشرة، في القرارات العامة التي تهم شؤون حياتهم، وكانت بزغت إلى جانب الديمقراطية التمثيلية، بهدف مصاحبتها وتجاوز بعض النقائص التي أفرزتها تطبيقاتها العملية، من أجل تصحيح انحرافاتها وتقويمها، إذ يكمن الهدف في تعزيز أسس الحكم الصالح (الحكامة) ووسائله.
- تُعتبر الديمقراطية التشاركية إطارًا لمساهمة السكان في عملية صنع السياسة على نحو يعزز الثقة بين الدولة ومختلف مؤسساتها والمواطن، من أجل التعاون على إعطاء الحلول المناسبة للمشكلات المطروحة في مختلف مراحل صنع القرار حتى تدقيق تدبيره وتقييم نتائجه. وعليه، من أجل تحقيق مختلف هاته المقاصد، أعطى دستور 2011 مكانة أساسية للمجتمع المدني في مسلسل السياسات العامة؛ فالفصل 12 من الدستور الجديد نص مباشرة على أن الجمعيات والمنظمات غير الحكومية تساهم في إطار الديمقراطية التشاركية في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية، وكذا في تفعيلها وتقييمها. والسلطات العمومية ملزمة بإحداث هيئات التشاور الكفيلة بتحقيق ذلك الدور. وفي السياق ذاته، نصّ الفصل 33 على إحداث مجلس استشاري للشباب والعمل الجمعوي يعمل على تحقيق الأهداف التالية: - توسيع مشاركة الشباب وتعميمها في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد؛ - مساعدة الشباب على الاندماج في الحياة النشيطة والجمعوية، وتقديم المساعدة إلى أولئك الذين تعترضهم صعوبة في التكيف المدرسي أو الاجتماعي أو المهني؛ - تيسير ولوج الشباب إلى الثقافة والعلم والتكنولوجيا، والفن والرياضة والنشاط الترفيهي، مع توفير الظروف المواتية لتفتُّق طاقاتهم ا الخّقة والإبداعية في جميع هذه المجالات. فالفصل 14 الجديد اعترف أول مرة صراحة بحق المواطنين والمواطنات بتقديم اقتراحات في مجال التشريع. ونص الفصل 15 الجديد كذلك على حقهم في تقديم عرائض إلى السلطات العمومية كآلية أساسية للتواصل المؤسساتي بين الإدارة والمواطنين من أجل تحقيق سياسات عامة مندمجة ومتكاملة. ومن أجل حكامة أفضل، وفي إطار الديمقراطية التشاركية، تم إفراد الباب الثاني عشر تحت عنوان الحكامة
الجيدة الذي نص في فصله 170 على أهمية مجلس استشاري للشباب والعمل الجمعوي في النهوض بالتنمية من بين الآليات الأساسية في تحقيق ديمقراطية القرب، كمنهج جديد في السياسات العامة من أجل الإجابة بفعالية عن حاجات الناس. والفصل 139 جديد وفّر للمواطنين والجمعيات إمكانية تقديم عرائض، الهدف منها مطالبة المجالس الترابية المنتخبة (البلديات، الجهات...) بإدراج نقطة تدخّل في اختصاصها ضمن جدول أعمال دوراتها. والخلاصة، هنا، هي أنّه يتضح من خلال هذه الترسانة القانونية الدستورية أن هناك إرادة قوية، من حيث إنتاج النصوص التي تعربّ عن المنهجية الجديدة التي تم اعتمادها في الحكم، لتبنّي سياسات عامة تنطلق من المواطن ولأجله، وهو ما يتيح الاعتقاد بأن التدبير الجديد العام ينبني على التحرر من المركزية الشديدة في القرارات المتخذة التي تعني المواطنين والمواطنات. ويكمن المتحول، إذًا، في المزاوجة النصية بين الديمقراطيتين التشاركية والتمثيلية في هندسة السياسات العمومية، لكن الثابت يكمن في طبيعة الوضع القائم الذي يعكس الثقافة النسقية المحافظة السائدة، التي تقود بقوة الواقع إلى تهميش المؤسسات المعاصرة السياسية أو المدنية، وإفراغها من محتواها.