تصوّرات الدِّين والثقافة والعولمة تبريرًا للحوار أو للقطيعة بين الشعوب
Religion, Culture and Globalization: Grounds for Dialogue or Division
الملخّص
* أكاديمي جزائري، مخبر البحوث الاجتماعية والتاريخية في جامعة معسكر.
Abstract
Examining two schools of thought surrounding the concepts of religion, culture, and globalization, Ghammari investigates the differing standpoints between those who idealize these concepts and those who remain cautious of them. In the author’s opinion, these three concepts represent fundamental precepts to an international discussion that seeks to understand the current intellectual discourses taking place in modern times. The study takes a critical, rationalist approach to this investigation in the hope of providing an objective assessment of the opportunities for dialogue between cultures and civilizations in an era dominated by economic and ideological considerations – a dominance that has transformed religion, globalization, and culture into the mere promotion of private and personal interests.
- الثقافة
- الحوار
- الشعوب
- الحضارات
- العولمة
- Religion
- Globalization
- culture
- civilizations
بين خطاب يبجّل المفاهيم الأساسية المعتمدة في هذه الورقة -الدِّين والثقافة والعولمة- وخطاب آخر يحذّر منها، يجد الباحث أن هذه المفاهيم مفاتيح أساسية يمكن أن تساهم في نقاش دولي يسعى إلى فهم التفاعلات الفكرية في العالم الحديث. من هذا المنطلق، تتخذ الورقة موقفًا نقديًا عقلانيًا بين الموقفين السابقين، آملةً أن تساهم في قراءة موضوعية لإمكانات الحوار بين الثقافات والحضارات، في عصر طغت عليه الحسابات الأيديولوجية والاقتصادية، على نحو جعل من الدِّين والعولمة والثقافة في كثير من الأحيان مجرد عناصر للترويج والجذب بغية تنفيذ مشاريع خاصة، وشخصية أحيانًا. توضح الورقة عددًا من المعالم النظرية التي تَسِمُ المفاهيم الثلاثة، إضافة إلى مفهوم الحوار، وذلك في تركيز على المستويات الإجرائية لهذه المفاهيم بما يساعد في تطوير الأطروحة الأساسية. وكما تبينّ الورقة الأشكال التي تكون فيها هذه المفاهيم أسبابًا مباشرة لعدم الحوار وللقطيعة، بل للصراع التراجيدي بين مختلف مكوّنات المجتمع الدولي في كثير من الأحيان، فإنها تتناول أيضًا الأشكال التي تجعل من هذه المفاهيم دعائم وركائز أساسية للحوار والتفاهم بين الشعوب في العصر الحديث. وذلك قبل أن تنتهي إلى الموازنة بين اللحظتين، لتبينّ أن المعطيات الدِّينية والثقافية والعولمية تشجّع، في الوقت الحالي، على القطيعة أكثر ممّا تشجع على الحوار، ومن ثمة تسعى، في ضوء هذا التشخيص، إلى تقديم نظرة استشراف للمستقبل في ما يتعلّق بمسألة الحوار.
معالم نظرية
أستعمل في هذه الورقة مفاهيم ثلاثة، هي الدِّين والثقافة والعولمة، وأنبّه من البداية إلى أنها مفاهيم إشكالية، لا يمكن إيجاد إجماع حولها، ولهذا سأحاول أن أعرض المعاني التي تنسجم مع الطرح الذي سأقدمه في هذه الورقة.
الدِّين
تنطلق مشكلة تعريف الدِّين من تاريخية المصطلح، فإذا كان لكل كلمة تاريخ، بحسب بنسون سالار، فإن تطور مفهوم الكلمة يقدم لنا الكثير من الدلالات للمصطلح كإطار تحل لي. تملك كل اللغات تقريبًا مصطلحًا تعربّ به عن الدِّين؛ إذ نجد: « religion في معظم اللغات الأوروبية، والدِّين في اللغة العربية، و dharma في لغات آسيا الجنوبية، و zongjiao في اللغة الصينية، و shukyo في اللغة اليابانية، و agama في اللغة الإندونيسية، والكثير من الخيارات الأخرى ». بالنسبة إلى مصطلح Religion، يمكن الرجوع إلى مقال سالار، الذي أوضح فيه كيف ساهم الجدل حول استعمال الكلمة الروماني ligare, religare (العلاقة أو الرابطة) أو اليوناني Religio, legere (الجمع أو الضمّ) في تطور مصطلح الدِّين كإطار تحل لي للظاهرة الدِّينية. أمّا بالنسبة إلى المصطلح العربي، الدِّين، فنجد في معجم لسان العربلابن منظور أن المصطلح يأخذ معاني عدة، تشترك في معظمها بشكل أو بآخر في معنى الذل والخضوع، وهذا ما يتماشى مع معنى الدِّين الذي يبقى في نهاية الأمر عبارة عن خضوع وطاعة مطلقة لقوة ما أو لشريعة ما أو لنظام ما؛ ف «الدَّيَّانُ: القهَّارُ وقيل: الحاكم والقاضي... والدَّين: واحد الدُّيون معروف. وكلُّ شيء غير حاضر دَينٌ والجمع أَدْيُن مثل أَعنْيُ و دُيونٌ (والقرض إذلال)، والدِّين: الجزاء والمُكافأَة، والدِّين: الطاعة. وقد دِنْته ودِنْتُ له أَطعته، والدِّين: الإِسلام وقد دِنْتُ به. والدِّين: العادة والشأْن، والدِّين من هذا إنما هو طاعته والتعبد له، ودانه دينا أَي أَذله واستعبده. والدِّين: الذل. والمدَينُ: العبد... ودِنْتُه أَدِينُه دَيْنا: سُسْته، ودِنْتُه: ملَكْتُه، والدِّين: السلطان. والدِّين: الورَعُ. والدِّين: القهر. والدِّين: المعصية، والدِّين: الطاعة». من جهة أخرى، يميّز الجرجاني في التعريفات بين الدِّين والملّة حيث يقول: «الدِّين والملّة، متحدان بالذات، ومختلفان بالاعتبار، فإن الشريعة من حيث إنها تطاع، تسمّى: دِينا، ومن حيث إنها تجمع، تسمّى: ملّة، ومن حيث إنها يرجع إليها، تسمّى: مذهبا، وقيل: الفرق بين الدِّين، والملّة، والمذهب: أن الدِّين منسوب إلى الله تعالى، والملّة منسوبة إلى الرسول، والمذهب منسوب إلى المجتهد». من الناحية الاصطلاحية، وعندما يتعلق الأمر بالمقارنة بين الثقافات على وجه الخصوص، تتنافس التعريفات على توسيع حدود المصطلح وتضييقها، ليضم أحيانًا حتى الجمعيات الرياضية، ويُقصي في أحيان أخرى الديانات الأكثر انتشارًا في العالم، كالبوذية والهندوسية. وهذا ما يتفق تمامًا مع ما قرره نادال Nadel()، إذ يقول «مهما تكن الطريقة التي نريد أن نشمل بها المساحة التي تضم الأشياء الدِّينية، سنجد أنفسنا أمام تحدٍّ خطِر، يتمثّل في تحديد ما يجب أن نضعه في هذا الجانب من الحدود، وما يجب أن نضعه في الجانب الآخر منها».
1 انظر:
3 أبو الفضل محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، 15 ج (بيروت: دار صادر، 1956-1955[])، مادة «دين.» 4 علي بن محمد الجرجاني، التعريفات، مادة «الدِّين والملة».
أمام هذا التحدي لا نملك إالّ أن نفعل مثل كثير من الباحثين، وعلى رأسهم الأنثروبولوجيون، الذين كانوا يلجأون إلى تبنّي تعريف مؤقت يتم تعديله بحسب تطور البحث والدراسة، وبحسب تغريّ المجتمعات والثقافات. فالدِّين، بحسب غيرتس عن طلال أسد و مارك يورغنسماير هو: « -1 نسق من الرموز؛ يعمل على -2 ترسيخ أشكال وتحفيزات قوية، عارمة ومستديمة داخل الإنسان؛ من خلال -3 بناء تصورات عن النظام العام للوجود؛ و-4 ربط هذه التصورات بحالة من التعاطف؛ -5 تجعل هذه الأشكال والتحفيزات واقعية بشكل استثنائي ». من المؤكد أن هذا التعريف لن يحصل على إجماع جميع القراء، لكنه على الأقل يتميز بخاصية مهمة، تتمثل في العموم الذي يوفّر الحدّ الأدنى الذي يسمح بمتابعة الإشكاليات الأساسية التي تدور حول هذا المصطلح كما يسمح بوعيها. ومنه نجد أن الدِّين يصبح مجموعة رموز تساعد على ترسيخ الإيمان، على شكل تحفيزات قوية ومستديمة وشاملة للحياة الإنسانية كلها، وهذا عن طريق تشكيل تصور خاص عن العالم والوجود الإنساني وبناء هذا التصور، ثم ربط الإنسان بهذه البناءات بحالة من التعاطف الشديد، بحيث يحوّل هذا التعاطف التصور العام عن العالم إلى تصور معقول ومقبول حتى لو لم يكن حقيقيًا. إن نوع الخطاب ومحتواه هما اللذان يحددان لنا ما إذا كنا داخل مساحة الدِّيني أو خارجها؛ فعندما تدعو الخطابات إلى الغيبية والتسامي وإلى القوى فوق الطبيعية، فإنها تكون داخل مجال الدِّيني. وتكمن خطورة هذه المقاربة، رغم إجرائيتها، في أنها تجعل من الحدود الفاصلة بين الدِّيني وغير الدِّيني رفيعة إلى درجة يمكن معها أن يتحول أي خطاب تقديسي وتبج لي إلى خطاب ديني. فالمؤرخ عندما يتخلى عن موضوعيته، ويتحدث عن شخصياته وأحداثه بلغة أسطورية فوق طبيعية، يحوّل تاريخه إلى دِين يملك سلطة خاصة؛ سلطة لا تبحث عن الإقناع بالعقل والمنطق، بل تبحث عن الإيمان بالقلب والتعاطف. إنه يحوّل تاريخه إلى نوع من الدِّين، والشيء نفسه بالنسبة إلى الاقتصاد والفن والسياسة، ولعل هذا ما يبرر اعتبار بعضهم الاقتصاد والسياسة أديانًا جديدة، أو أديان القرون الحديثة. علاوة على ذلك، يمكن لهذا النوع من التعريفات أن يقصي بعض الديانات التي تأسست وأقامت لها طقوسًا ومؤسسات ورجال، لا لشيء سوى لأن هذه الديانات تركّز على هذا العالم أكثر من العالم الآخر، أو لأنها تفتقد في نصوصها وتاريخها عنصر الإعجاز (وجود المعجزات): «من الممكن أن نقصي الكونفشيوسية من قائمة الديانات، لأنها نسق من السلوكات والأخلاق التي تركز على هذه الدنيا أكثر من الحياة الأخرى. كما يمكن إقصاء البوذية من قائمة الديانات العالمية، لأنها لا تمتلك عناصر الإعجاز الضرورية الموجودة في الديانات الأخرى». بهذا المعنى يصبح الدِّيني أو اللاديني مرتبطين بنوع الخطاب وشكله ومحتواه. وعندما نطبّق هذا التعريف الإجرائي على عصرنا الحالي، نجد أنه أصبح في إمكان الثقافة والعولمة تغيير مساحة الدِّين من خلال التغريّات التي في مقدورهما إحداثها في محتوى الخطابات؛ فحروب نهاية القرن العشرين تحوّلت بسرعة رهيبة إلى حروب
دينية، تتمّ وتواصل الحروب الصليبية، بفعل الشحنات الدِّينية التي أ لصقت عنوة بالخطابات المرتبطة بهذه الحروب، الأمر الذي جعل رموز البعث في العراق مجاهدين وشهداء، وجعل جورج بوش العلماني قائدًا للقوات المسيحية في العصر الحديث. وفي الوسع أن يكون لمحتوى المصطلح وما يمكن أن يشحن به دور في تنشيط الحوار بين الدّيانات والثقافات أو كبحه، لأن هذا الحوار يبقى مرتبطًا بما نحمله عن الآخر وما يحمله الآخر عنا من تصوّرات، وما نضمره نحن أو الآخر من نوايا أو مشاريع بعضنا تجاه بعض. نجد، من جهة ثانية، أنّ لكثير من المفاهيم المرتبطة بالدِّين تأثيرًا قويًا في مسألة الحوار بين الثقافات والديانات، وعلى رأسها الحريات الدِّينية. وفي زمن العولمة والتعدد الثقافي، أصبح من غير الممكن أن يتطور الحراك البشري الفعلي عن طريق السياحة والعمل، أو الافتراضي عن طريق شبكة الاتصالات العالمية المتزايدة، من دون أن يحدث بين الدّيانات والثقافات احتكاك مباشر أو غير مباشر. ومن هنا أصبح الاحتكاك بين الديانات ومعتنقيها أكثر حدوثًا من ذي قبل. وقد أثار هذا الاحتكاك إشكال الحرية الدِّينية هنا وهناك بشكل ملح. وباتت مشكلات حرية الممارسة الدِّينية في العالم تملأ جرائد الصحف والقنوات التلفزيونية والتقارير الحكومية، إلى درجة أنه أصبح في الإمكان القول إن الأفعال وردود الأفعال، من هنا وهناك، حيال مسألة الحرية الدِّينية أصبحت اليوم الأسلوب المفضّل للحوار بين الديانات. وكل ثقافة تدّعي أنها الأقدر على كفالة هذه الحرية، لكن الواقع يبنيّ في المقابل أنها الأقدر على تكبيل هذه الحرية ومصادرتها؛ ففي الولايات المتحدة مثالً نجد أن الرئيس الأميركي جون تيلر قرر في رسالة سنة 1843، أي منذ أكثر من قرن ونصف قرن من الزمان، أن: «... لكل إنسان الحق في عبادة خالقه حسبما يعتقد أنه الحق، فمكاتب الدولة مفتوحة للجميع بشكل متساو، لا ضرائب تدفع لرجال الدِّين، وحكم الإنسان قابل للخطأ، ولا يجوز أن يعامل كأنه معصوم من الخطأ. المحمدي المسلم إذا جاء بيننا فله امتياز مضمون بنص الدستور أن يعبد ربه تبعًا لأحكام القرآن. والهندي الشرقي له أن يشيد مقامًا لبراهما إذا كان ذلك يجعله سعيدًا... ربما يُضطهد الجسد، وربما يُغل، ومع ذلك يبقى حيًا. ولكن إذا قُيد عقل الإنسان، فإن حيويته وقدراته تفنى، ولا يبقى على الأرض سوى الأرضي. فالعقل ينبغي أن يبقى طليقًا حرًا كالنور والهواء». على الرغم من قوة هذه القناعة وهذا التقرير، فإن واقع الحريات الدِّينية في هذا البلد لم يتغريّ كثيرًا طوال المدة التي تفصل بين زمننا هذا والزمن الذي كُتبت فيه رسالة جون تيلر. والفرق بين الزمنين هو بروز العولمة بقوتها الإعلامية الرهيبة، بحيث أصبح في إمكان الناس أن يعلموا بحدوث التجاوزات ضد الحريات الدِّينية بشكل سريع، ومن ثمة أصبحت إمكانات رد الفعل أسرع ممّا كانت عليه، وهذا ما يطرح في نظري إشكاالً مهماًّ هو: ما هي احتمالات نجاح الحوار بين الدّيانات في ظل العولمة والتعدد والتنوع الثقافي؟ والحال، أن مصطلح الدِّين هو مصطلح مفتاحيّ في هذا المجال، أي إنه يساعد على بحث مكانة الحوار بين الدّيانات في عصر أصبح العالم يتداول المعلومة فيه بشكل سريع، وواسع، حتى لم يعد في مقدور أحد أن يتستر على المعلومات التي يمكن أن تجهض الحوار، وما أكثرها في زمن العولمة.
8 برنارد لويس وإدوارد سعيد، الإسلام الأصولي في وسائل الاعلام الغربية من وجهة نظر أمريكية (بيروت: دار الجيل، 1994)، ص.32 9 للاستزادة حول واقع الحريات الدِّينية في الولايات المتحدة الأميركية انظر: طيبي غماري، «واقع الحرية الدِّينية في الولايات المتحدة الأمريكية» في: الشعائر الدينية: حرية ممارستها حق يكفله الدين والقانون (الجزائر: منشورات وزارة الشؤون الدِّينية والأوقاف، 2011)، ص -269 06.3
الثقافة
يلخص إدوارد سابير الجدل القائم حول تعريف الثقافة، مقترحًا ثلاثة مفاهيم لثلاثة أشكال مختلفة من الثقافة. وسوف أحاول تلخيص موقف هذا الباحث من مفهوم الثقافة، نظرًا إلى أهميته، ثم أحاول تبنّي التعريف الذي يجعل مفهوم الثقافة مفتاحيًا أيضًا في مسألة الحوار بين الدّيانات والثقافات. ومن ثمة يصبح التعريف هنا ذا قيمة استعماليه إجرائية، نسعى من خلالها إلى تجاوز صعوبات الإجماع حول تعريف يقتنع به الجميع. يرى سابير إمكان التمييز بين ثلاثة معانٍأو ثلاث مجموعات معانٍلكلمة «الثقافة». في البداية: « يستعمل مؤرخو الثقافة والإثنولوجيون الثقافة تقنيًا لتشمل جميع العناصر الاجتماعية الموروثة، في حياة الإنسان المادية أو الروحية». بهذا المعنى تصبح الثقافة متزامنة مع الإنسان؛ فكلُّ ما قام به الإنسان وأنتجه منذ حياته البدائية إلى حياته اليوم، يمكن إدراجه داخل مساحة هذا المصطلح. وبهذا المعنى يؤكد سابير أن البشر كلهم مثقفون، بغضّ النظر عن اختلاف مستوياتهم ومعدلات تطورهم ونموهم. فالمتّفَق عليه هو وجود أشكال كثيرة من الثقافات وعدد غير متناهٍمن العناصر الثقافية التي تتساوى في ما بينها من حيث القيمة. وسمو الثقافة أو دنوّها يبقيان مجرد بناءات معرفية أُسست انطلاقًا ممّا يُعرف بمراحل النمو أو التطور البشري. ومن جهة أخرى يؤكد سابير أن مصطلح الحضارة قادر على تويلّ عبء هذا المعنى التقني للثقافة بشكل جيد. من هذا المنطلق، يصبح من غير الممكن الحديث عن حضارة أفضل من غيرها، بل يكون من الأسلم الحديث عن حضارة سبقت غيرها، ووفرت لها بفعل التراكم الحضاري والثقافي ما يمنحها الامتياز عنها، وبذلك تبقى كل حضارة لاحقة مدينة للسابقة، فالحضارات أشبه بالأجيال، الابن يبقى ابن أبيه ويبقى مدينًا له حتى وإن أصبح أفضل منه حاالً. يشير المعنى الثاني، وهو المعنى الأكثر استعماالً، بحسب سابير، إلى الأنماط المتّفَق عليها في المجتمع والتي « تتأسس على تحسينات فردية مبنية على حد أدنى من المعرفة والتجربة المشتركة، التي تنتج ردود أفعال نمطية محددة بشكل خاص من خلال العادات والتقاليد المتوارثة». ومن ثمة تصبح الثقافة بهذا الشكل فردية وخاصة ومتنوعة في آن واحد. وهي فردية لأنها تقوم على أساس مجهود فردي للوصول إلى الفرد المثقف، ذي القدرات المتفاوتة مع قدرات غيره من الأفراد على تحسين ما وصله من معارف وما عاشه من تجارب ليؤسس شخصيته الخاصة. وهي خاصة لأنها تستمد خصوصيتها من ارتباطها بأنماط الفعل وردود الفعل التي تتأسس عبر الأجيال في مجتمع من المجتمعات، وتتمظهر في السلوكات الفردية، مؤسسةً بذلك ما يُعرف بالشخصية، ولهذا تكون الثقافة في هذا المستوى فردية. وهي متنوعة، لأن أنماط الفعل وردود الفعل الفردية تختلف باختلاف المجتمعات، ومن ثمة تأتي مسألة الغيرية والاعتراف بحق الآخر في الاختلاف، حتى وإن كان هذا الاختلاف يبدو لنا غير معقول، أو غير قابل للانسجام مع عقلانيتنا الخاصة. في هذا المستوى يكون في إمكاننا الحديث عن الثقافة العربية أو الثقافة الإسلامية أو الثقافة الأميركية، كوحدات مختلفة وأحيانًا متناقضة، لكنها ملزمة بالتعايش بعضها مع بعض من جهة، وكوحدات تصنع اختلاف الأفراد واختلاف شخصياتهم وتؤطرهما من جهة أخرى. وفي المعنى الثاني الذي يطرحه سابير تلتصق الثقافة بالفرد التصاقًا عضويًا، لأنها تؤسسه كهوية شخصية وكهوية غيرية في آن واحد.
11 المصدر نفسه، ص.81
أمّا بالمعنى الثالث، فيقدم إدوارد سابير فهامً للثقافة مختلفًا إلى حد ما، وإن كان اختلاف التجميع والتناقض مع المعنيين الأولين، حيث يأخذ المعنى الثالث من المعنى الأول الممتلكات أو الموروث الجماعي للمجتمع، ويأخذ من المعنى الثاني فكرة تأكيد مجموعة منتقاة من العوامل دون غيرها، بحيث تشير الثقافة، وفق هذا المعنى، إلى « تلك الاتجاهات العامة لتصورات الحياة، والتمظهرات الخاصة للحضارة التي تعطي شعبًا من الشعوب مكانة متميزة في العالم». على هذا المستوى تتحول الثقافة إلى مشروع اجتماعي يمكن أن يكون النواة الأساسية لما يُعرف بالهوية الوطنية، أو الهوية الثقافية لشعب من الشعوب؛ فالمكانة المتميزة التي يشير إليها سابير هنا تعني الاختلاف، أي إن تلك الاتجاهات والتصورات هي التي تصنع تميز شعب من الشعوب من باقي الشعوب التي يتعايش معها في العالم. و « الثقافة عند سابير يجب أن يُنظر إليها كإتقان للأساليب الفردية... وكخلاصة لعبقرية الجماعة التي تنتمي إلى سلالة واضحة».... بهذا يحاول سابير أن يزاوج بين الفردانية والجماعية في مفهوم الثقافة. وأكثر ما يهمنا في هذا الطرح هو أن الثقافة تتأسس على الموروث الإنساني، الذي تحدث عنه سابير في المعنى الأول، وعلى الشخصية الفردية التي تحدث عنها في المعنى الثاني، وعلى العبقرية الجماعية التي بيّنها في المعنى الثالث. وبهذا المعنى نكون قد وصلنا إلى تعريفنا ذي القيمة الاستعمالية، الذي سنحاول أن نقيس من خلاله الفترات التي تكون فيها الثقافة داعمة للحوار، والفترات التي تكون فيها داعمة للقطيعة. ففرص الحوار أو فرص القطيعة تتزايد أو تتناقص بحسب موقف الجماعات والشعوب من التميز والاختلاف اللذين تصنعهما الثقافة. يصنع الإنسان الحوار أو القطيعة انطلاقًا من فعله أو رد فعله تجاه ثقافته وثقافة غيره، أي انطلاقًا من قراءته أو من موقفه من قراءات الآخرين للموروث الإنساني، ولسلوكه أو سلوك غيره الفردي، ولعبقرية جماعته أو الجماعات الأخرى، وهذا ما ينسجم بشكل كليّ مع نظرة إدوارد سعيد لمعنى التفسير: « فكل المعرفة التي تكون حول المجتمع الإنساني (إلى حد ما الثقافة)، وليس حول الطبيعة، هي معرفة تاريخية، ومن ثمة فهي عرضة للحكم والتفسير،... ولكن تلك الظواهر وتلك المعطيات تأخذ قيمتها من التفسيرات التي نعطيها لها،... فالتفسير يرتبط بمن يكون المفسرّ، وإلى من يوجّه هذا التفسير، وما هي أهدافه من هذا التفسير، وفي أي فترة تاريخية يأخذ هذا التفسير معناه... وفي الأخير إنها ترتبط بالتفسيرات التي قدّمها الآخرون، سواء بتأكيد تفسيراتهم، أو مناقضتها، أو مواصلتها، فلا يوجد تفسير من دون سوابق أو من دون ارتباطات بغيره من التفسيرات.»بالشكل نفسه، يرتبط كلٌّ من الحوار أو القطيعة بهذا التفسير الذي نقدمه أو نستقبله بشأن العناصر الثلاثة الأساسية للثقافة المشار إليها أعلاه: الموروث الإنساني، الشخصية الفردية، والعبقرية الجماعية. ويشير واقع العلاقات بين ثقافات العالم وحضاراته إلى أن جميع حالات التفاهم والتنافر بين هذه الثقافات والحضارات مرتبط ارتباطًا مباشرًا بالفهم أو بسوء الفهم لتفسيراتنا للآخر أو تفسيرات الآخر لنا، علامً أن التفسيرات تخضع كليًا للقاعدة التي حددناها سابقًا مع إدوارد سعيد.
12 المصدر نفسه، ص.83
مرة أخرى تُعتبر الثقافة من هذا الباب مفهومًا مفتاحيًا سيساعدنا على فهم العلاقات بين الحضارات والثقافات والدّيانات؛ ففي كثير من الأحيان يتأسس صراع الحضارات على صراع آخر أسماه إدوارد سعيد صراع الجهالات. فعندما يجهل أو يتجاهل شعب من الشعوب ثقافة الآخر، فإنه يبدأ في التفسيرات الناقصة أو المغلوطة، ومن ثمة يصبح من السهل جدًا تبرير العنف الرمزي والفكري والفعلي ضد أي ثقافة أو حضارة، بدعوى التفوق وإنقاذ المتخلفين وإلحاقهم بركب المتفوقين، كما كان الأمر في القديم، أو بدعوى الحفاظ على العالم أو إعادة التوازن إليه، توازن لا يقبل إلاّ تفسيرًا واحدًا بطبيعة الحال، كما هو الأمر في الحاضر.
العولمة
أسال مصطلح العولمة الكثير من الحبر على الرغم من حداثته النسبية، لأن كثيرين يعتبرونه ملْكية مستباحة، يمكن لأي أحد أن يتكلم حولها عن علم أو عن غير علم. وعندما ننتقي الكتابات الجادة المتعلقة بموضوع العولمة، نُصدم بحقيقة مفادها أن نسبة كبيرة من الحبر الذي أسيل في سبيل العولمة تتحول إلى حبر ضائع أو مهدور ليس غير. لهذا، سنحاول التوقف عند معاني العولمة التي توضح هذا المصطلح من جهة، وتشرح من جهة ثانية تلك المعاني التي تجعل من العولمة مفهومًا مفتاحيًا يساعدنا على المضي في تطوير التحليل الخاص بهذه الورقة. يمكن النظر إلى العولمة من وجهين، الأولاقتصادي، وهو لا يهمنا هنا كثيرًا، والثانيثقافي، وهذا هو المعنى الذي سنتوقف عنده، نظرًا إلى الارتباطات العضوية التي تربطه بمصطلحينا السابقين، أي الدِّين والثقافة. تشير العولمة، على المستوى الثقافي، إلى « الانتشار العالمي للأشكال والمعاني الثقافية. ذلك أن المعلومة وتكنولوجيات الاتصال فتحت الكثير من قنوات الاتصال التي تتجاوز الحدود الوطنية لتخلق كمية كبيرة من الصور والعادات الثقافية الجديدة. إنها تتحرك بسرعة حتى وإن كان هناك فروق في كمية المعلومة وشدتها بين مختلف مناطق العالم». يتضح لنا من خلال هذا التصور كيف أن الحراك الثقافي أصبح في عصر العولمة أكثر سرعة، فالحدود الوطنية التقليدية لم يعد لها أي معنى، وأصبح تنقّل المعلومة يتم خارج نطاق سيطرة مختلف وسائل الرقابة المحلية. وعلاوة على هذا، فقد أصبح في إمكان مؤسسات إنتاج المعلومة وتوزيعها التلاعب بمحتواها وبشكلها ونشرها على النحو الذي يمكن أن يؤثّر سلبًا أو إيجابًا في العلاقات بين الشعوب والثقافات والحضارات. فالكل يتذكر أسلوب التسيير الإعلامي الأميركي لفترة ما بعد 11 أيلول/ سبتمبر 2001، والسرعة التي تحققت بها النتائج، الأمر الذي برر لأميركا غزو دولتين مستقلتين واستعمارهما بأقل التكاليف الممكنة، فالقوة الإعلامية في عصر العولمة أصبحت قوة لا تقل أهمية عن القوة العسكرية والقوة الاقتصادية، بل إن هاتين القوتين لم يعد لهما أي معنى من دون القوة الإعلامية. نستطيع انطلاقًا ممّا سبق أن نجزم بأن معنى المحلي ومعنى العالمي يصبحان متداخلين ومتأثرين واحدهما بالآخر؛ فما يحدث على المستوى الاجتماعي المحلي لا يستطيع أن يتخلص من تأثيرات العالمي وضغوطه، وما يحدث على المستوى العالمي لا يكاد يخلو من آثار المحلي: « العولمة من هذا المنظور هي عبارة عن تكثيف للعلاقات الاجتماعية
الدولية، التي تربط بين المحليات المتباعدة، بالشكل الذي يجعل الأحداث المحلية متأثرة بأحداث تمت أو تتم على بعد الكثير من الأميال، والعكس صحيح». إن ما يهمنا بالنسبة إلى هذه الورقة هو مدى قدرة العولمة، من خلال ما توفّره من سرعة في تدفق المعلومة وانتشارها، على التأثير في مسارات الحوار بين الشعوب وبين الحضارات والثقافات والدّيانات، وهذا ما يعني أننا لن نتناول العولمة وآثارها كمعطى إيجابي، بل سننظر إليها انطلاقًا من نوع الأثر الذي تمارسه على الحوار، وهو ما يعني بالضرورة أن العولمة تحتمل أوجهًا إيجابية وأخرى سلبية. فعندما تعرض وسائط الإعلام المختلفة خبرًا يتعلق بإهانة المسلمين في سجن أبو غريب مثالً، تنتقل المعلومة بسرعة مذهلة، تاركة خلفها أثقاالً من الكراهية والعدوانية تجاه كل ما هو أميركي. ولنا أن نتصور موقف جمهور المسلمين من مفكر أو داعية سلام يأتي بعد عرض هذا الحدث، ليحدّث المسلمين عن الحوار والتعاون والتعارف. أعتقد أن في مثل هذه الوضعيات ستكون معركة الحوار والقطيعة محسومة سلفًا لصالح القطيعة.
الحوار
المقصود بالحوار هنا ليس فقط تلك الاجتماعات والمؤتمرات والإنتاجات العلمية التي تظهر هنا وهناك من أجل إبراز الفوائد المشتركة للنقاش، وحتى الجدل بين الحضارات والثقافات والديانات، بل المقصود به أيضًا تلك الأفعال وردود الأفعال التي تقوم بها هذه الجهة أو تلك من أجل تبرير مواقفها واختياراتها. وهذا ما يدفعني إلى القول بوجود شكلين للحوار، الأول، إيجابي يصبّ في دائرة التعريف بالآخر، من أجل فهمه وإيجاد سبل التعايش معه بشكل سلمي ومسالم. وهنا الأمثلة كثيرة حتى وإن لم تكن ذات فعالية كبيرة، كالحوار المسيحي- الإسلامي، وحوارات مؤسسة أديان، والحوارات التي ترعاها اليونسكو... إلخ، إذ بعد كثير من الاجتماعات والمؤتمرات والملتقيات في مختلف أنحاء العالم حول مشروع الحوار بين الدّيانات الذي تبنّته اليونسكو ابتداء من سنة 1995، كانت النتيجة الكبرى المحقَّقة إجماع المشاركين في مختلف حلقات الحوار من مختلف المعتقدات الدِّينية على: - تعليم الشباب قيم احترام الآخر من أجل التعايش في المجتمعات التعددية؛ - تقوية التعارف المشترك بين الدّيانات وتفضيله؛ - ترقية الدراسات التي تهتم بالتفاعلات بين الدّيانات في الماضي والحاضر. على مستوى الحوار الإيجابي، تبقى النتائج متواضعة جدًا؛ إذ لم تتمكن حلقات الحوار المتعددة والمتنوعة من ترقيته إلى مستوى أعلى من مستوى «الشعار الفضفاض والفارغ الذي تتبنّاه الجهات صاحبة القرار من أجل تعويض بعض المصطلحات المشبوهة كالتعدد الثقافي، أو للترويح عن بعض الفئات الناشطة من المجتمع». أمّا الشكل الثانيللحوار فسلبي، ويتأسس على الفعل وردود الفعل تجاه الآخر من أجل إبراز الذات كضحية والآخر كمعتد يجب حشد الدعم للتخلص منه، ويتم ذلك عبر كثير من الأشكال، عن طريق وسائل الإعلام،
كالحملات الإعلامية ضد الأديان، والرد على هذه الحملات من كل صوب، أو عن طريق المؤسسات العلمية والمراكز البحثية المتخصصة، وما تكتبه هنا وهناك ضد هذا الدِّين أو ذاك، أو عن طريق القنوات الدبلوماسية والرسمية من خلال التقارير السنوية التي تنشرها دول كأميركا، وتجمعات دولية كالاتحاد الأوروبي حول الأديان والحريات في العالم، وردود الأفعال الدفاعية للدول المعنية بهذه التقارير. غير أن «الحوار ليس مجرد محادثة، بل إنه لقاء بين الشعوب، ومن ثمة فإنه يعتمد على الثقة المتبادلة، والمطالبة باحترام هويات الآخرين وسلامتهم، ويتطلب إرادة طيبة لمسائل التأويل الشخصي للواقع والأحداث، والانفتاح في الوقت نفسه على تأويلات الآخرين». من هذا المنطلق يتأسس هدف هذه الورقة المركزي على البحث في إمكانية تحقُّق الحوار بهذه الشروط في ظل الدِّيناميكية المتسارعة، بفعل عولمة الدّيانات والثقافات. ولا يخفى على أحد أن الدِّين والثقافة أصبحا في عصر العولمة من الموضوعات التي تحتل الأهمية الأولى على جميع الأصعدة، الإعلامية والعلمية والدبلوماسية. وعليه، فإن أي فعل حول مسائل الدِّين والثقافة، في ظل ما توفره العولمة من انتشار واسع واستهلاك سريع وقدرة غير محدودة على التلاعب والتآمر، قد يكون فعالً داعامً ودافعًا للحوار الإيجابي بين الحضارات والثقافات والدّيانات، كما يمكن أن يكون سببًا في القطيعة والحوار السلبي بين هذه الحضارات والثقافات والديانات، ومن ثمة جاء عنوان هذه الورقة الذي يجمع بين الدِّين والثقافة والعولمة كثالوث يبرر الحوار أو القطيعة بين الشعوب.
لحظة القطيعة
إن للبدء بلحظة القطيعة ما يبرره؛ فتاريخ العلاقات بين الحضارات والدّيانات والثقافات يشير إلى القطيعة أكثر ممّا يشير إلى الحوار. وتاريخ الإنسانية حافل بالمآسي التي تسببت فيها رغبة حضارة من الحضارات في بسط نفوذها بالقوة على باقي الحضارات المجاورة، أو حتى البعيدة. من هنا سأتوقف عند لحظة القطيعة، لأبنيّ كيف تساهم مصطلحاتنا الثلاثة في دعم فرصها. الاستشراق والقطيعة كانت بدايات الاستشراق الأولى مع بطرس المكرَّم في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، وهو الذي أطلق أول مشروع لفهم الإسلام، من خلال تعلّمه اللغة العربية وترجمة القرآن إلى اللاتينية، وكتابة مصنّفات حول السيرة النبوية بهذه اللغة، بغرض معرفة العدو وتجاوز إخفاقات المسيحية أمام الإسلام، سواء في الفتوحات أو في الهجمات الصليبية؛ إذ إن « الجهد الأساسي للباحثين الكنسيين الأوائل لفهم الإسلام كان مؤسسًا على مبدأ ‹إعرف عدوك لتهزمه»›. تواصلت موجات الاستشراق مع المستكشفين الأنثروبولوجيين والمستشرقين، الذين ظلوا أوفياء لمبدأ «إعرف عدوك لتهزمه»، إالّ أنهم غريّوا وجهة الولاء إلى حدّ ما، من خدمة المسيحية الأوروبية إلى
20 راهب فرنسيّ بندكتيّ، مصلحُ رهبنة كلوني في فرنسا سنة 1122، عُرف باسم Pierre le Vénérable، أمّا في الثقافة العربيّة المسيحيّة، فقد عُرف باسم بطرس المكرَّم.
خدمة القوى الاستعمارية: « لقد استُعمل الاستشراق كتابع للاستعمار، فالمعرفة التي كان يوفرها حول الشعوب المستعمرة كانت تقدم للمستعمرين الوسائل التي تمكّنهم من ضمان انصياع الشعوب المستعمرة للقوى الأوروبية». بعد انهزام الحركة الاستعمارية، وفي إثر الانتقادات العلمية الموجَّهة إلى الاستشراق والمستشرقين، تغريّت الأبحاث شيئًا ما، وتحوّل المستشرقون إلى الدراسات الإسلامية والشرق الأوسطية والإسلامولوجيا، فحدث التغيير على مستوى تسميات الاختصاص، إالّ أن الجوهر والأهداف والولاءات بقيت ثابتة. ذلك أن الجوهر بقي هو نفسه تقريبًا مع بعض التغيرات المنهجية التي فرضتها التطورات التي عرفتها العلوم الاجتماعية والإنسانية بعد الحرب العالمية الثانية. أمّا الهدف، فيتمثّل دائامً في معرفة العدو الاحتياطي الذي قُدِّم كبديل للتهديد الشيوعي من أجل تأكيد السيطرة الغربية المزمنة. وفي حين أن الولاءات تحولت من القوة الاستعمارية إلى القوى الغربية، تبقى الثقافة اليهودية-المسيحية القاسم المشترك بين القوى المسيحية والقوى الاستعمارية والقوى الغربية. ما يدفعنا إلى اعتبار الاستشراق بأشكاله القديمة والحديثة مكونًا أساسيًا للحظة القطيعة، هو تلك الأعمال الاستشراقية الضخمة التي حاولت أن تؤسس على نحو علمي ومعرفي لصراع أزلي بين الخير اليهودي-المسيحي والشرّ الإسلامي. وعلى الرغم من وجود اتجاه استشراقي قدَّم خدمات منهجية وعلمية جليلة للمعرفة والثقافة الإسلامية، باعتبارها جزءًا لا يمكن تجاوزه من الحضارة الإنسانية، فإن اتجاهًا استشراقيًا آخر لم يعمل إالً على توسيع الهوة، والبحث عن الأدلة من داخل التراث الإسلامي والعربي، لتأكيد الشكوك اليهودية-المسيحية نحو الإسلام والمسلمين. وفي هذا الصدد يؤكد إدوارد سعيد أن أعمال المستشرقين « تؤكّد بلا حذر على شخصنةالكيانات الكبرى المسماةالغرب والإسلام فيجري التعامل مع مسائل هوياتية معقدة من هذا النوع كأنها في عالم أفلام كرتونية يتصارع فيها بباي وبلوتو بلا رحمة، بحيث يكون الأول، وبشكل دائم، ممثالً للخير المطلق، وتكون له الغلبة في جميع الحالات». إذا ما كان من متطلبات الحوار الجاد والإيجابي، كما أوصى بذلك كثير من المؤتمرات، تقوية التعارف المشترك وتعميق الثقة المتبادلة بين الشعوب والحضارات والثقافات والدِّيانات، فإن ما قام به الكثير من الأعمال الاستشراقية القديمة والحديثة كان يصب دائامً في عكس الاتجاه، لأن هذه الأعمال لم تعمل إالّ على تعميق الجهل بالآخر ومن ثمة تقوية الشك، بحيث لم يعد المسلمون يثقون حتى بالمستشرقين من ذوي النوايا الطيبة، وأصبح الكل بالنسبة إليهم مصدر خطر، لأنهم يعملون بشكل أو بآخر على التلاعب بمقدسات المسلمين خدمة لأهداف الثقافة اليهودية-المسيحية. الدِّين والقطيعة يعتبر عدد من المفكرين، خاصة الغربيين، أن الدِّين سيكون أرض المعركة في الأزمنة المقبلة. وعندما نتتبّع الصراعات
23 يعود الربط بين اليهودية والمسيحية في مصطلح واحد (اليهودية-المسيحية = Christian - Judeo) إلى الوحدة التاريخية بين الديانتين، والتحالفات الاستراتيجية التي وحّدت بينهما، وإلى العلاقات الاجتماعية الوثيقة بين أتباع الديانتين، لدرجة أنه أصبح من الصعب التمييز بين المجتمعات المسيحية والمجتمعات اليهودية. 24 شخصنة = جعل الأمور شخصية Personifying.
المسلحة الكبرى في العالم، تلك التي اندلعت في كثير من المناطق بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، نجد أن الدِّين كان حاضرًا دومًا بشكل أو بآخر، الأمر الذي يدعونا إلى اعتباره واحدًا من العناصر الأساسية المحددة للحظة القطيعة. وحتى في الحالات التي لا تكون فيها هذه الصراعات مرتبطة بالدِّين بشكل مباشر، فإن الأيديولوجيا، وبتحالف مصلحي مع وسائل الإعلام، تحوّل، بشكل سهل وسريع، كل شيء، بما في ذلك حرب العصابات والأعمال الإجرامية العادية، إلى حروب دينية مقدسة، تستدعي التجنيد الشامل لأتباع هذا الدِّين أو ذاك. ما يشجع الدِّين على المساهمة في إدامة لحظة القطيعة، هو موقف الشعوب من الدِّيانات، ومحاولة كل واحد من هذه الشعوب فرض موقفه على الآخر بالقوة. ولتوضيح هذه الفكرة، سنتوقف عند العلاقة بين المسلمين والغرب، وكيف أن موقف كل واحد من الآخر، ومحاولة كل منهما إرغام الآخر على قبول موقفه، هما اللذان يساهمان في تأزّم العلاقة بينهما، ويجعلان من حالة الصراع بينهما حالة مزمنة. والحال، أننا نجد تعارضًا واختلافًا بين موقف المسلمين والغربيين من المسألة الدِّينية. ويعرض الباحث محمد توزي نتائج تقرير أنا ليند 2010، حيث يرى أن في دول أوروبا الشمالية، كالسويد وألمانيا، يخصص 1.6 في المئة و 2.6 في المئة على التوالي مكانة للدِّين في تربية أولادهم. وفي دول كفرنسا وإسبانيا، يعتبر 06 في المئة و 07 في المئة أن القيم الدِّينية يجب أن تكون ضمن القيم التي من الضروري نقلها إلى الأطفال عن طريق التربية والتنشئة الاجتماعية. أمّا في دول جنوب المتوسط وشرقه، فنجد أن 23 في المئة في سورية و 50 في المئة في مصر يرون أن الدِّين يجب أن يكون ضمن القيم الواجب نقلها إلى الأطفال. والمسلمون يمنحون الدِّين الإسلامي مكانة مركزية في حياتهم، فالإسلام في نظر المسلمين دين شامل جميع مناحي الحياة؛ أمّا بالنسبة إلى الغربيين، فالدِّين يحتل مكانة هامشية، علامً أن تهميش الدِّين ماض عندهم في التزايد من سنة إلى أخرى. انطلاقًا من هذين الرأيين، يبرز الموقف الثاني الذي يشير إلى موقف المسلمين والغربيين بعضهما من بعض، علامً أنه موقف أملاه موقفهما الأول من الدِّين، إذ يعتبر المسلمون أن الإسلام هو الدِّين الذي يجب أن يسود الكون، ومن ثمة فكل مخالف له هو مخالف للحقيقة بعيد عن الصواب، وآيل للهلاك، ولذا وجب إنقاذه حتى ولو باستعمال العنف. من الجهة الأخرى، يعتبر الغربيون أن المسلمين، وبسبب موقفهم هذا من الدِّين، ظلوا خارج الحداثة، أو أنهم دخلوا إلى الحداثة بشكل مأساوي، لأنهم قاموا بتحديث مجتمعاتهم من عدة جوانب، اجتماعية وتقنية واقتصادية، لكنهم لا يزالون، على مستوى القيم الحداثوية، خارج الحداثة، ولا يزالون متشبثين بشكل مَرضَي بماضيهم الدِّيني، بشكل يثبتّهم في التخلف. من هنا، وجب إنقاذهم حتى ولو استدعى الأمر استعمال العنف أيضًا. إذًا نحن أمام تطرفين يريد كلّ واحد منهما أن يتغلب على الآخر، وهذا ما يجسد في نظري القطيعة: « في الحوار بين الثقافات، تكون العلاقة بين الإسلام والغرب أساسية. فالإسلام هو مسمّى مشترك، نشير من خلاله إلى العالم الإسلامي كله بالرغم من تنوعه: مصطلح عام يصب فيه المخيال التاريخي الغربي الكثير من اللاشعور. ويشير هذا المصطلح إلى مجتمع تكون فيه الدولة والسلطة منظمتين وفق القيم الدِّينية التي يمليها القرآن. ولكن الحداثة هي أيضًا مسمى مشترك، يشير إلى المجتمع المؤسَّس على القانون البشري، لا القانون الإلهي، على العدالة القضائية وعلى التساوي في فرص
27 المخيال= Imaginary مصطلح تأسس في الثقافة الغربية، وعلى وجه الخصوص، في علم النفس على يد جاك لاكان، ثم استوعبه باقي العلوم الاجتماعية، وبخاصة علم الاجتماع للدلالة على التصورات الجماعية التي يؤسسها المجتمع كنتيجة لتفاعلاته المختلفة مع كل ما يحيط به، والتي يتبنّاها كمؤطر جماعي يوجه مساراته الاجتماعية والثقافية والحضارية. للتوسع أكثر، انظر: Malek Chebel, L’Imaginaire
الوصول إلى مناصب التمثيل السياسي، مثلها مثل الإسلام، الذي يُعتبر تمثيالً ثابتًا لحقيقة متباينة وديناميكية، فالحداثة هي أيضًا اختزال ثابت للحقائق المتنوعة». في ظل الأحكام المسبقة والمفاهيم الاختزالية المتبادلة، لا يمكن إالّ الحديث عن القطيعة، بل عن تعميق القطيعة؛ فما دام المسلمون يعتبرون أنفسهم أهل الحقيقة المطلقة، والغربيون يعتبرون أنفسهم ا المّك الحصريين للحداثة وقيمها، فإن جميع محاولات الحوار لا تعدو أن تكون ديكورًا تزيَّن به اللحظات الدبلوماسية التي تضطر الفريقين إلى الالتقاء بفعل ضغط السياسة والاجتماع والاقتصاد. تستغل الدوائر العلمية والدوائر السياسية، الغربية على وجه الخصوص، هذه العلاقة المتأزمة بين المسلمين والغربيين، من خلال البحث عن حلفاء محتملين، يُراهَن عليهم من أجل إحداث التغيير المرجو في الاتجاه المراد. وبالفعل، يقسم الغرب المسلمين إلى أصوليين متطرفين وآخرين وسطيين ومسالمين، ويراهنون على الإسلام الوسطي من أجل إقناع المسلمين بتبنّي مبادئ الحداثة الغربية، يقول لويس: « الحركة التي تُدعى هذه الأيام بالأصولية ليست هي النموذج الإسلامي الوحيد. هناك نماذج أخرى متنورة ومتسامحة يمكن أن تساعد على إلهام الإنجازات العظيمة للحضارة الإسلامية في الماضي. ونحن نأمل أن هذه النماذج سوف تنتصر مع مرور الوقت. ولكن قبل أن تحسم المسألة سيكون هناك صراع قاس لا نستطيع أن نفعل تجاهه سوى القليل إن لم يكن لا شيء». إن المتتبع للخطاب الإعلامي، وحتى العلمي، الذي يهتم بالعلاقة بين المسلمين والغربيين، يلاحظ بكل وضوح هذه النزعة التميزية بين إسلامين: إسلام يجب محاربته بلا هوادة، وإسلام يجب استيعابه بذكاء، ليتفادى الغرب تضخّم صفوف الجناح الأول، وليكتسب حلفاء من الداخل ينوبون عنه في محاربة ما يُعتبر الشرّ المحدق بالحضارة الغربية. إنها نوع من الاستراتيجيا الحربية الاستباقية، التي يراد من ورائها نقل الحرب بعيدًا عن حدود الغرب الطبيعية: « على شاكلة غيره من الأديان، عرف الإسلام فترات نفخ فيها روح الكراهية والعنف في أتباعه، ومن سوء حظنا، أن جزءًا من العالم الإسلامي -ليس كله، بل ولا يشكل الأغلبية- لا يزال يرزح تحت وطأة هذا الميراث، ومن سوء حظنا أن غالبية -وليس كل- هذه الكراهية والعنف موجهة ضدنا في الغرب». إن مساهمات الأكاديميين في توسيع الهوة بين المسلمين، تصب في توسيع الهوة بين المسلمين والغربيين في الوقت نفسه. والمسلم اليوم، وبفعل ما أتاحته العولمة من نقل سريع للمعلومات، أصبح أكثر قدرة على الملاحظة والمقارنة، وأسرع في الاستنتاج، وأصبح الغرب من حيث لا يدري يدفع حتى ما يسمّيه الإسلام الوسطي دفعًا نحو التطرف. ذلك أن الحداثة التي يريدها الغرب للمسلمين ليست في نظر الكثيرين إالّ غطاء للاستغلال والاستعمار، ودليلهم في ذلك مساندة الحضارة الغربية للأنظمة التي تخدم مصالحها حتى ولو كانت مجافية لقيم الحداثة التي يبشر الغرب بها. والأكاديميون الغربيون يتحدثون « باختزال على نحو غير مسئول عن شيء ما يدعى ‹الإسلام›، باستخدام هذه الكلمة المفردة، يبدو أنهم يعتبرون الإسلام شيئًا بسيطًا يمكنهم أن يطلقوا عليه تعميمات إجمالية تجسد ألفية ونصف من التاريخ الإسلامي، ويصدروا، دون خجل، تلك الأحكام المتعلقة بالتضاد بين الإسلام والديمقراطية، والإسلام وحقوق الإنسان، والإسلام والتقدم».
29 لويس وسعيد، ص.31 03 المصدر نفسه، ص.11-10 1 3 إدوارد سعيد، الآلهة التي تفشل دائما، ترجمة حسام الدِّين خضور (دمشق: التكوين للطباعة والنشر، 2003)، ص -44.45
في المقابل، نجد السياسيين الغربيين يتعاملون بلا تحفظ ولا حرج مع أولئك الذين يصفهم الأكاديميون بأعداء الديمقراطية وحقوق الإنسان والتقدم. مرّة أخرى نجد أنفسنا في جو لا يشجع إالّ على القطيعة والتنافر. فبعد انتهاء الحرب الباردة، وبعد تأكيد الهيمنة الأميركية على الغرب وتجسيدها، اتجه معظم تفكير الغربيين نحو تشخيص ما يعتبرونه العدو الاحتياطي الذي جاء ليخلف التهديد السوفياتي، فكانت النتيجة العظمى للأبحاث التي قامت بها مخابر ومراكز الغرب حول المسلمين، هي المزيد من الشك والريبة والخوف والتعصب. لقد برز في الغرب بعد الحرب الباردة: « إجماع حول الإسلام المنبعث أو الأصولي، أنه التهديد الجديد الذي حل محل الشيوعية...، بل على العكس دفعهم إلى الجوقة التي تردد وجهة نظر السياسة السائدة، يسرعونها إلى تفكير متحد أكثر، وتدريجيًا إلى إحساس غير عقلاني أكثر، ‹أننا› مهددون ‹منهم› والنتيجة تعصّب وخوف، بدل المعرفة والمصالح المشتركة للأمم والشعوب». إن أهم مؤشر على خطر هذا النوع من الفكر على مختلف مسارات الحوار، أو على الأقل على العلاقات بين الثقافات والحضارات، هو العودة القوية، في الكثير من الدول الغربية، لليمين المتطرف الذي خبا ضوؤه عشرات السنين؛ عودة غذتّها أفكار عدد من الأكاديميين الذين لم يقوموا إالّ بتلطيف وعقلنة البشاعات التي كان يؤمن بها الفاشيون والنازيون. العولمة والقطيعة يحدد غيدنز للعولمة أربعة أبعاد أساسية: نظام الدولة الوطنية، ونظام التقسيم الدولي للعمل، ونظام الاقتصاد الرأسمالي الدولي، والنظام العسكري العالمي. وتتمثل المهمة الأساسية لأنصار العولمة اليوم في البحث في كيفيات خلق الانسجام بين هذه الأبعاد الأربعة، من خلال توحيد معالم الدولة الوطنية، وإخضاعها لمعايير وقيم وحتى لمنظومة قانونية عالمية مشتركة وموحدة، عن طريق دفع الدولة الوطنية إلى المصادقة على الاتفاقات الدولية، كاتفاقات حقوق الإنسان، وحقوق الأطفال، وحقوق المرأة، علامً بأن الكثير من هذه الاتفاقات يتعارض جزئيًا أو كليًا مع بعض القيم والمعايير والقوانين المحلية. أمّا بالنسبة إلى باقي الأبعاد، فيجري تجسيدها من خلال عدد من المنظمات الدولية، كمنظمة العمل الدولية، ومنظمة الأمم المتحدة، والمنظمة الدولية للتجارة: « فالعولمة كبُعد جديد للوجود الإنساني، لا يمكنها أن تتجسد كلية، إالّ إذا تأسست على قيم متقاسمة عالميًا». ولكن كيف يمكن تقاسم هذه القيم؟ وهل يكون الاشتراك في القيم عن طريق الحوار؟ أم عن طريق القوة والقسر؟ تشير المؤشرات الأولى لبداية القرن الواحد والعشرين إلى أن هناك رغبة في فرض شكل محدد من القيم، هي قيم الحداثة الغربية، التي كثيرًا ما تختلط مع القيم اليهودية-المسيحية، وكل من يرفض هذا الشكل يصنَّف ضمن محور الشر أو ضمن مصادر تهديد الحضارة الغربية أو اليهودية-المسيحية. ويمكن حصر هذه المؤشرات في: -1 الحرب الاقتصادية غير المعلنة التي تشنها منظمة التجارة الدولية من أجل إدراج الاقتصاديات التي تنشط خارج الفضاء اليهودي-المسيحي كروافد مدعمة ومطعمة للاقتصاد الغربي أو اليهودي-المسيحي،
23 المصدر نفسه، ص.45
53 تشير الطروحات الحديثة إلى الارتباطات القوية بين جميع القوى الاجتماعية المختلفة، سياسية واقتصادية وثقافية ودينية. أمّا الربط بين الاقتصاد والديانتين اليهودية والمسيحية، فهو من باب أن الاقتصاديات المسيطرة على العالم اليوم هي الاقتصاديات التي تنتمي، أو يمتلك رأس مالها اليهود والمسيحيون، بحيث لم يعد في إمكاننا نفي علاقة الاقتصاد بالصراعات الدِّينية، فالمقاطعة الاقتصادية للسلع التي تعتقد المجتمعات الإسلامية أن رأس مالها يهودي ومسيحي، هي اليوم من بين أهم أسلحة الصراع بين الثقافتين الإسلامية واليهودية-المسيحية.
وفي المقابل معاقبة كل اقتصاد يحاول أن يكون منافسًا له (الاقتصاد الصيني، اقتصاديات نمور آسيا، والاقتصاديات الإسلامية)؛ -2 الحرب الإعلامية المنظمة والممنهجة ضد الإسلام والمسلمين، وهي التي أدت إلى تزايد الإسلاموفوبيا، والتالي إقناع الغربيين، ومن بعدهم المسلمين أنفسهم، بضرورة تعميم الثقافة اليهودية-المسيحية كملاذ وحيد وأوحد يضمن للعالم الأمن والسلام (الإساءة إلى الرموز الإسلامية، الإساءة إلى المسلمين، استعمال صورة نمطية سلبية للإسلام وللمسلمين في السينما والإعلام اليهودي-المسيحي)؛ -3 الحرب العسكرية ضد كل من لم تنفع معهم الحربان الاقتصادية والإعلامية، من أجل ترويض هذه الأنظمة وإرغامها على الانسجام مع القيم العالمية أو اليهودية-المسيحية (الحرب على العراق، الحرب على أفغانستان، الحرب على ليبيا، قرع طبول الحرب على إيران، الحرب على لبنان). هذه المؤشرات كلها تدخل في منطق الهيمنة الغربية، أو لنقُل الأميركية، باعتبار أن أميركا تسيطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على التحالف الغربي؛ منطق لا يعمل إالّ على تعميق القطيعة. إنه منطق تأسس منذ زمن طويل وأعلنه الرئيس الأميركي هاري ترومان منذ سنة 1947 يجب أن يتبنّى العالم كله النظام الأميركي، لأن النظام: « هذا لا يستطيع أن يعيش في أميركا إالّ إذا أصبح نظامًا عالميًا». وبالفعل، هذا ما تحقق اليوم للولايات المتحدة الأميركية بنسب متفاوتة، فبعد مرور ما يزيد على نصف قرن على هذا التصريح، نلاحظ أن أميركا تسيطر على جميع مجالات الحياة، من الموضة إلى الأفلام إلى المال، إذ إنها تسريّ العالم ثقافيًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا وعسكريًا بشكل لم نشهد له مثيل منذ عهد الهيمنة الرومانية؛ فالولايات المتحدة، بتعداد سكاني يقلّ عن 5 في المئة من سكان العالم، تمثّل ما يقارب ربع النشاط الاقتصادي العالمي. وهي تقود أيضًا الثورة الإعلامية، إذ تُعد ما يقارب 75 في المئة من «النوبليين» في العلوم والطب والاقتصاد، وتسيطر أيضًا على التجارة والأعمال والبنوك، كما تسيطر من حيث عدد الأبحاث الجامعية ونوعيتها. من يتأمل هذه الوضعية، والمكاسب التي حققها الغرب عمومًا وأميركا خصوصًا، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، يدرك بسهولة أن دعاوى الحوار ليست إلاّ تهديدًا لهذا الشكل من العولمة، ومن ثمة، يساعد جو القطيعة أكثر على استمرار هذا الشكل من العولمة، الذي يدر أرباحًا ومكاسب لا يمكن التنازل عنها بسهولة. وهذا بالفعل ما أدركته شعوب العالم الإسلامي، وحتى الكثير من القيادات السياسية؛ إذ اعتبر الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي في أحد خطاباته أن: « العولمة هي قوة هدّامة تهدد الحوار بين الثقافات، فالنظام العالمي الجديد والعولمة اللذان تريد بعض القوى أن تفرضهما على العالم الإسلامي، يشبهان إلى حد ما الاستعمار الجديد، هذه الإمبريالية تهدد التفاهم المتبادل بين الدول، وتهدد الاتصال والحوار بين الثقافات ”.
63 الإسلاموفوبيا = Islamophobia مصطلح أسسه تقرير Runnymede Trust سنة 1991 للدلالة على العداء غير المؤسَّس ضد المسلمين، ومن ثمة الخوف والكراهية لجميع المسلمين أو لمعظمهم. للتوسع أكثر انظر: Jonas R. Kunsta, David L. Sam and Pall
83 النوبليين = الحاصلين على جائزة نوبل.
40 المصدر نفسه، ص.281
لعل أهم الأضرار التي يمكن للعولمة أن تلحقها بالحوار بين الثقافات، هو القدرة الهائلة على سرعة نقل المعلومة ونشرها، بحيث أصبح المسلم يعرف كل ما يقوله الآخر عنه، والعكس صحيح، ومن ثمة أصبح رد الفعل أكثر سرعة وتطرفًا وإضرارًا بالعلاقات بين الشعوب والثقافات. لقد كان ما قيل عن الإسلام والمسلمين ورموزهما في العصور الوسطى أخطر وأبشع من الإساءات إلى الإسلام التي نسمع عنها اليوم، والتي بلغت ذروتها مع الرسومات الكاريكاتورية وتصريحات البابا بندكت السادس والفيلم الهولندي؛ ففي العصور الوسطى كان الأوروبيون يتداولون في ما بينهم قصصًا شعبية وروايات وأشعارًا، مليئة بالإساءات إلى الرسول محمد (ﷺ) ولأتباعه؛ ففي أخف هذه الخرافات المتداولة وطأة، كان يقال عن الرسول أنه مجرد كاردينال مسيحي انشق عن البابوية وأسس لنفسه ولأتباعه دينًا جديدًا، أمّا في أثقلها، فكانوا ينعتون المسلمين بالهمجيين والأوباش، ويرمون رسولهم بالشذوذ الجنسي. كما روجوا لفكرة الانتقام الإلهي من رسول المسلمين، حيث كانوا يتداولون في ما بينهم أن الرسول مات ميتة فيها الكثير من العبر لمن أراد أن يتجرأ على الله وعلى المسيحية.... مع ذلك، لم تكن هناك ردود أفعال قوية، لأن المسلمين لم يكونوا يعلمون بهذه الإساءات، أو أنهم كانوا يعلمون بها بشكل متأخر، وهذا ما قضت عليه العولمة، بحيث أصبحت المعلومة تُنقل إلى المسلمين مباشرة، ومن ثمة أصبح رد الفعل أسرع وأشد راديكالية، وكثيرًا ما يتناسى المسلمون أن إساءات جمة قيلت للرسول وهو حي يرزق. فالعولمة اليوم، وبقدراتها الهائلة على نقل المعلومة، تساهم بشكل مباشر في تعميق الخلافات بين الشعوب، بل وتخلق تصدعات لا يمكن رأبها. إن الإساءة إلى المسلمين ورموزهم ممارسة متجذرة في الثقافة اليهودية- المسيحية، التي لا تعترف أصالً بالدِّين الإسلامي، وهي في نظري من ثوابت الحوار السلبي بين الأديان، التي زادتها العولمة قوة وراديكالية، سواء من حيث الفعل أو من حيث رد الفعل. قبل العولمة، كان الهدف من الإساءة إلى المسلمين تبرير الكراهية ضدهم وتقويتها، من أجل تجنيد المزيد من الأتباع لمقاومة المد الإسلامي الزاحف آنذاك، ومنع المسيحيين من التحول إلى الإسلام. أمّا الإساءات في عهد العولمة، فتبنّت، إضافة إلى هذا الهدف، هدفًا جديدًا، خطِرا ومستفِزًا في الوقت نفسه، فلم يعد الغرب يسيء إلى المسلمين من أجل تبرير الكراهية ضدهم وتقويتها، ولا من أجل تبرير عنف المسلمين والعنف ضد المسلمين فحسب، بل إنه يريد أيضًا أن تصبح القيم!!! المشمولة بهذه الإساءات مشتركة بين جميع ثقافات العالم. والأكثر استفزازًا من هذا أنه يريد من المسلمين أن يتقبّلوا هذه الإساءات ويعترفوا بها كنقائص يجب عليهم التخلص منها، حتى يُسمح لهم بالاندماج في الثقافة العالمية أو المعولمة، أي الثقافة اليهودية-المسيحية.
لحظة الحوار
الحوار هو عبارة عن تبادل للآراء والأفكار بالدرجة الأولى، لكنه أيضًا أسلوب يسمح لنا بتحديد هوياتنا وهويات الآخرين؛ فما يقال عني أو يُفعل بي هو في نهاية المطاف تحديد للأنا بالنسبة إلى الآخر، وتحديد للآخر بالنسبة إليّ، ومن ثمة يمكننا القول إن تحديد محتوى الأنا، أي هوية الأنا، أو محتوى الآخر، أي هوية الآخر، هو لبّ الحوار بين الحضارات والدّيانات وجوهره. وبهذا المعنى، ليس الحوار مجرد اجتماعات يجري فيها السعي إلى تقريب الرؤى، كما سبق وبيّنا، بل إنه جميع الأفعال وردود الأفعال التي تساهم في بناء الأنا وفي بناء الآخر.
انطلاقًا ممّا سبق، يمكننا القول إن الحرب على المسلمين والهجمات «الإرهابية» على الغرب، هي شكل من أشكال الحوار بنتائج مزدوجة؛ إذ يساهم هذا الحوار في بناء الأنا والآخر من جهة، ويساهم من جهة ثانية في إثارة أشكال جديدة من الحوار: حوار ذاتي/حوار مع الآخر؛ حوار دفاعي/حوار هجومي؛ حوار علمي/حوار إعلامي؛ حوار سياسي/حوار ديني. فالحوار بين الحضارات والثقافات والديانات ينبني تقريبًا على واحدة من هذه الثنائيات، أو على مجملها. تشير الثنائية الأولى إلى تساؤل مهم يتعلق بهوية من نحاور: هل الأولوية في أن نحاور الآخر، أم في أن نحاور ذواتنا؟ ينطلق هذا التساؤل من مسلَّمة مهمة هي أن الثقافات والدّيانات، وبالرغم من انسجامها الظاهري، تتميز بالتعدد والتنوع الداخلي، وهو ما يجعل مسألة الحوار الداخلي مسألة جوهرية وذات أولوية. أما الثنائية الثانية، فتتعلق بمحتوى الحوار: هل نحاور الآخر من أجل إثبات حسن نيتنا أم من أجل إثبات سوء نية الآخر، وهذا انطلاقًا من انعدام الثقة، الذي يمثّل القاسم المشترك في جميع حلقات الحوار بين الثقافات والدّيانات. الثنائية الثالثة تطرح إشكالية عقلانية الحوار: هل يجري الحوار على أسس علمية ومنهجية، يراد من ورائها تحقيق نتائج مفيدة للجميع، أم أننا نريد معالجة إعلامية، تتوقف عند البروتوكولات والدبلوماسية، ولا تسعى إالّ إلى نتائج سطحية يُقصد من ورائها تغطية عثرات الدوائر السياسية والأمنية؟ وفي الثنائية الرابعة، تطرح مسألة الدِّيني والمدني: هل يُقصد بالحوار التقريب بين الثقافات، باعتبارها جزءًا من الحياة المدنية، ومن ثمة هو حوار مفتوح على جميع الفاعلين الاجتماعيين، أم أنه حوار ديني يُقصد من ورائه التقريب بين الديانات، ومن ثمة لن يكون هذا الحوار مفتوحًا إالّ لرجال الدِّين؟ وفي هذا المستوى تُطرح مسألة مكانة رجال الدِّين ومركزهم في النسق الاجتماعي لهذه الجهة أو للجهة الأخرى، علامً أن هذا المركز وهذه المكانة يتحكمان في نتائج الحوار تحكامً شديدًا. تشير هذه الثنائيات إلى تعقّد مسألة الحوار وصعوبتها؛ فالحوار تحدٍّ كبير وغير معروف النتائج. إنه مغامرة يمكن أن تحمل الكثير من المفاجآت: « مثُل الحوار وتطلعاته لا تترجم دومًا إلى حقيقة، فمن جهة تتمركز تحفظات المسلمين حول اعتبارهم الحوار شكالً معدالً من أشكال الإمبريالية المسيحية الجديدة، أو استعمار ثقافي، كما أن هناك الكثير من المسيحيين ممّن يعتبرون الحوار مع المسلمين نوعًا من الرومانسية البريئة، التي تنتهي بالاصطدام بخطر التطرف الإسلامي، فالالتزام بالحوار هو تحد كبير لا يخلو من المخاطر». إن أكبر تحدٍّ يواجه لحظة الحوار هو قدرتها على محو آثار لحظة القطيعة التي استمرت قرونًا من الزمن، ومن ثمة تصبح مسألة معرفة الذات والآخر، وإعادة جسور الثقة بينهما، مسألة محورية في أي مسار للحوار. ولهذا يمكننا أن نتفهم المسار البطيء والنتائج الهزيلة التي حققتها مشاريع الحوار التي أُعلنت في كثير من المحافل الدولية. الاستشراق والحوار تواصلت الموجة الاستشراقية عبر الزمن بالأشكال نفسها المعلنة في لحظة القطيعة، ولكن هذه المرة، وعوضًا عن شعار «إعرف عدوك حتى تهزمه»، أصبحنا أمام شعار آخر هو «إعرف الآخر حتى تتعايش معه». وعندما نمعن النظر في الأعمال المنجزة بشأن الإسلام في الماضي وفي الحاضر، نجد، بالرغم من التوجهات العدائية التي جرى
توضيحها سابقًا، الكثير من التفاعل الإيجابي بين الثقافتين. إذ إن الغرب اليهودي-المسيحي، وبالرغم من تعنته في رفض الاعتراف بفضل الحضارة الإسلامية، نجده قد استقر في نهاية المطاف على الاعتراف لأهل الفضل بفضلهم، كما لا يستطيع المسلمون اليوم إنكار فوائد الحضارة الغربية على حاضرهم، أتعلق الأمر بالنواحي التقنية أم المعرفية أم الاجتماعية وحتى السياسية: « في إسبانيا وصقلية، حيث تعايش المسلمون والمسيحيون واليهود جنبًا إلى جنب لقرون، ومن خلال الاحتكاك بين أوروبا (خاصة أوروبا الجنوبية) والأراضي الإسلامية لغرب آسيا وشمال أفريقيا، عن طريق التجارة والحج، وبالرغم من الحروب الصليبية والعداء الدِّيني المستمر، كان هناك تفاعل ثقافي حقيقي، فكان التبادل الثقافي قويًا، خاصة في حوض المتوسط». بهذا المعنى يمكن أن يكون الاستشراق وسيلة للتعارف بين الحضارات، لأنه سمح بنقل الثقافة الإسلامية إلى الغرب، وهو ما قدّم إلى الغرب الأدلة الدامغة على عدم صحة الادعاءات العنصرية التي روّجها السياسيون والعسكر والأيديولوجيون ضد المسلمين. فحتى لو كانت هذه الأدلة العلمية محصورة في دوائر علمية مغلقة، فهي تمكنت عبر الزمن من اختراق المجتمع الكلي، حتى اقتنع الغربيون بفضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الغربية، باعتبار أنها كانت المصدر الأول لإعادة تشكيل أوروبا وبنائها في القرون الوسطى: « ترى ماريا روزا مينوكال في كتابها الصادر سنة 1987، تحت عنوان الدور العربي في تاريخ الأدب الوسيط: الإرث المنسي، أن الغربيين يشعرون بنوع من الحرج في الاعتراف باحتمال أن يكونوا مدينين بشكل كبير للعالم العربي، أو أن العرب كانوا عاملًا مركزيًا في بناء أوروبا الوسيطة».... بهذا المعنى فقط يمكن أن يكون للاستشراق أو للدراسات الإسلامية دور في التقارب بين الحضارات، لأنهما يقدمان إلى العالم الغربي صورة إيجابية عن العالم الإسلامي، وهو ما يسمح بالتعارف أكثر، ومن ثمة بسط الثقة بين الجانبين بما يمهد لحوار حقيقي. إن الحوار بين الثقافات الديانات يخضع لأبعاد متعددة: أخلاقية واقتصادية وسياسية، وبحسب تفضيل المتحاورين لهذا البُعد أو ذاك، تكون قيمة مصداقية الحوار ونسبتها. فإذا كان الحوار يخضع لأبعاد اقتصادية أو سياسية أمنية، فإنه سيكون حوارًا استراتيجيًا لا يُقصد من ورائه التقارب، بقدر ما يُقصد كسب حلفاء جدد ومؤقتين لتثيبت سياسات أمنية أو اقتصادية تعود بالفائدة لجهة على حساب جهات أخرى. أمّا إذا كان الحوار مؤسسًا على بُعد أخلاقي، فإن توجهاته ستكون « إنسانية وأخلاقية موجَّهة نحو المصلحة المشتركة،.. أي لإيجاد حلول مشتركة، فعن طريق الحوار بين الثقافات يمكن أن نكتشف المعنى المشترك للإنسانية، والإحساس المشترك للعدالة». بالرغم من ميل هذا التوجه إلى المثالية، فإنه يبقى السبيل الأوحد لبدء حوار حقيقي، يسعى إلى فائدة جميع الجهات بشكل عادل. ومن دون هذا التوجه، تبقى محاولات الحوار مجرد مناورات يسعى من ورائها إلى تخفيف الضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية. الدِّين والحوار لا يمكن أن يكون الدِّين عنصرًا فعاالً في الحوار بين الحضارات إالّ إذا وضِعت جميع الشحنات الأيديولوجية المرتبطة به جانبًا؛ فارتباط الدِّين بالسياسة يقلل كثيرًا من احتمالات الحوار والالتقاء بين الشعوب والثقافات،
44 المصدر نفسه، ص.33
وعندما نربط الدِّين بالسياسة وبالأيديولوجيا لا نحصد إالّ التشنج. إن أهم ما يفسر تشنج العلاقة بين الدِّيني والسياسي هو التعارض الجوهري بينهما، حيث إن لكل واحد منهما مجال تدخله، فالصراع يبدأ عندما تتداخل الصلاحيات بينهما، ويحاول كل واحد منهما السيطرة على الآخر، محاوالًاستعماله لإضفاء الشرعية على الأفعال والنشاطات والمشاريع التي يقوم بها وتبريرها: « الدِّين يمتلك الحقيقة الوحيدة والمطلقة؛ أمّا السياسة فتبحث عن الحقيقة المتعددة والنسبية. فالدِّين يدّعي تبيان الطريق نحو النجاة الأزلية، أمّا السياسة فتبحث عن توجيه الناس في العالم الدنيوي، وربما لهذا السبب تحدد مفهوم العلمانية كرفض للخلط بين المجالين، من خلال إرسال الدِّين إلى الحياة الخاصة، وتخصيص السياسة للمصالح الدنيوية للأفراد والجماعات». إن استعمال الدِّين من أجل تبرير هيمنة السياسة، أو استعمال السياسة من أجل تبرير هيمنة الدِّين، يعنيان بكل بساطة تفتيت الحقيقة الدِّينية المطلقة إلى كثير من الحقائق النسبية؛ أو اختزال الحقائق النسبية المتعددة في حقيقة واحدة مطلقة، وفي كلتا الحالتين نكون أمام واحد من تطرفين: تطرف ديني أو تطرف سياسي. إن عدم وجود إجماع حول ذاك التفتيت أو هذا الاختزال هو الذي يفسر لنا العلاقة المتشنجة بين الدِّيني والسياسي في جميع الحضارات والديانات التي عرفتها البشرية. من هنا، لا يمكن لأنصار ديانة من الديانات أن يكونوا شركاء حقيقيين في حوار مثمر ما لم يكن لديهم اقتناع بوجود حقائق أخرى غير تلك التي يؤمنون بها. وهنا يمكننا أن نعود إلى موقف المسلمين من المسيحيين أو العكس. فبالرغم من اعتراف المسلمين بنبي المسيحية ()، فإن عقائدهم تشكك في الديانة المسيحية وتتهمها بأنها ديانة محرفة، ومن ثمة ليست الديانة المسيحية في شكلها الحالي جزءًا من الحقيقة من منظور المسلمين، وبالتالي المسيحيون ملزمون بتبنّي الحقيقة الإسلامية. ومن جهة المسيحية الأمر أخطر كثيرًا، لأن العقائد المسيحية لا تعترف بنبي المسلمين ولا بدينهم، ومن ثمة فإن المسلمين في منظور المسيحية ملزمون بتبنّي الحقيقة المسيحية إذا ما أرادوا النجاة. في ظل هذه الأدلجة الدِّينية، إذًا، لا يمكن أن نتكلم إالّ على حوار المجاملات، الذي لا يُقصد من ورائه الوصول إلى حقيقة مشتركة، تعترف لكل جهة بعقائدها وطقوسها؛ إنه حوار دعوي أو تبشيري، فالمسلمون المنخرطون في الحوار لا يقومون بذلك إالّ من باب أن الحوار جزء من الواجب الدعوي لعلماء المسلمين، لعل الله يهدي على أيديهم بعض المسيحيين، أو لنقُل نخبة المسيحيين، وبالشكل نفسه لا يشارك المسيحيون في هذا الحوار إالّ من باب أنه جزء من واجبهم التبشيري، لعل الله يُعَمِّد على أيديهم بعض المسلمين، أو لنقُل نخبة المسلمين. من هنا جاءت الدعوات المتكررة للمتحاورين من أجل نشر جو من الثقة والتعارف قبل الشروع في الحوار، ولم تنجح حتى الآن جولات الحوار بمختلف الصيغ في تحقيق هذا الهدف الجوهري والضروري لمواصلة مسيرة الحوار. ومع ذلك، نقول إن إرادة الحوار تفرض على جميع الأطراف معاودة المحاولة، لعل تكرار المحاولات يكسر يومًا ما حاجز الشك والخوف من الآخر. وفي الوضع الراهن، وحتى يستمر الحوار، حتى في صورته الشكية والحذرة، يُطلب من الشركاء التركيز على الإيجابيات في كل جهة، وتأجيل ما يعتبرونه من سلبيات الآخر إلى مراحل أخرى يكون فيها الطرفان أكثر قدرة على تقبّل أحدهما الآخر. العولمة والحوار يمكن للعولمة، بالمعنى الذي حددناه لها، أن تمارس على الحوار ضغطًا سلبيًا، على نحو ما بيّناه في لحظة القطيعة، لكنها ربما تساعد في الوقت نفسه على نجاح الحوار وتطويره. إن ما تتيحه العولمة من تدفق سريع للمعلومة
يسمح باختصار المسافات، وحتى التصورات، بين مختلف جهات الحوار. لا يمكن لهذا الأثر الإيجابي أن يتحقق إالّ إذا استُعملت العولمة وسيلة تسمح للمحلي بأن يصبح أكثر عالمية؛ أي عوضًا عن محاولة تعميم القيم الفكرية الخاصة بجهة من الجهات على العالم أجمع، يكون الأسلم هو السماح للقيم المحلية بأن تكون أكثر عالمية ممّا يعطي ل الإنسان (بأل التعريف) كثيرًا من الاختيارات بحيث يمكن أن يعمّق قيمه وثقافته المحلية بما يراه مناسبًا وإيجابيًا في الثقافات والقيم العالمية. في ظل هذا الشكل من العولمة، يمكننا الحديث عن الحوار؛ عولمة تساعد المحلي على الانتشار ليعانق العالمي، وتعتبر العالمي في الوقت نفسه مجرد خيار يمكن أن يفيد المحلي ليصبح أكثر فعالية. إن التعامل مع العولمة وقيمها كأنها الحقيقة المطلقة التي يجب على الجميع تقبلها بلا اعتراض، ليس إالّ عامالً من العوامل التي تزيد من شك الشعوب وحذر بعضها من بعض.
موازنة اللحظتين وخاتمة
لاحظنا من خلال التحليل السابق للمصطلحات الثلاثة، الدِّين والثقافة والعولمة، أن فرص القطيعة وفرص الحوار تبقى متساوية من الناحية النظرية، لكن انطلاقًا من التجربة العملية، تبقى فرص القطيعة أكبر كثيرًا من فرص الحوار، حتى وإن برز في السنوات الأخيرة كثير من النوايا ومشاريع النوايا الحسنة، التي غالبًا ما تصطدم كلها بواقع يكرس الكراهية والتنافر والإقصاء المتبادل. فالإرث الذي خلّفته قرون من الحروب العسكرية والثقافية والاقتصادية بين مختلف الشعوب والثقافات لا يمكن تجاوزه بمجرد بروز هذه النوايا الطيبة، بل يحتاج إلى إرادة تجاوز الذات والانغلاق المرضَي على الأنا المضخم، إذا ما أردنا حوارًا حقيقيًا لا حوارًا بروتوكوليًا ينتهي بالتصافح وبابتسامات عريضة لا يمكنها أن تخفي عن المتحاورين الحقيقة المُرّة. وعندما نوازن بين اللحظتين، نلاحظ أن القطيعة بين الشعوب والثقافات والديانات استمرت زمنًا طويالً، وهذا ما يعني أنها رَسخَت في مخيال الفاعلين المطالبين بالحوار اليوم الكثير من الأحكام المسبقة، والكثير من الشكوك والحذر، ومن ثمة فإن لحظة الحوار تحتاج إلى الكثير من الوقت في المستقبل من أجل وضع حد للقطيعة أوالً ومحو آثارها ثانيًا. ربما يبدو هذا الكلام طوباويًا، لكنه الحقيقة العقلانية التي لا تقفز على الواقع، لأن فرص القطيعة أكثر من فرص الحوار بكثير: « يوجد بين الشمال والجنوب مشكلة ثقة، لم تتوقف عن التزايد في العشرية الأخيرة. ترتبط مشكلة الثقة هذه بمشكلات حقيقية تتطلب حالً، وترتبط أيضًا بتصوّر سلبي للآخر. فمن أجل أن نأمل في تحسن إيجابي في السنوات القادمة، يجب العمل على المشاكل التي يمكن حلها، والبحث عن حلول متوازنة ومستديمة، خاصة مشاكل الشرق الأوسط، كما يجب العمل على التصورات والعقليات؛ إنها مسؤولية القيادات السياسية، والإعلام، والمثقفين والأساتذة». تبدو خطة أمين معلوف الحوارية قوية وصعبة التحقيق في الوقت نفسه؛ قوية لأنها تحدد بدقة متناهية، ومن دون مراوغة، سبل نجاح الحوار، وعلى رأسها السعي الصادق إلى حل بعض المشكلات العالقة، خاصة ما تعلق منها بالشرق الأوسط. وما يبيّنه لنا الواقع العربي والإسلامي بعد أحداث الربيع العربي هو أن القوة الغربية فضّلت القيام بالعلاج الذي يضمن لها مصالحها في المنطقة على الحل الذي يمكّن شعوب المنطقة من العيش في أمان ولو
لفترة وجيزة من الزمن. ويتخل القوى الغربية عن حلفائها التقليديين في تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية بهذه السرعة، مع محافظتها في الوقت نفسه، على صداقاتها القديمة والحميمة مع قوى عربية أخرى ليست أكثر ديمقراطية من تلك التي زالت أو تلك التي هي في طريق الزوال، هو مؤشر قوي على أن طرفًا أساسيًا في الحوار، وهو القوى اليهودية-المسيحية، لا يزال يفكر بالعقلية الاستعمارية التي جسّدها الجنرال الفرنسي ديغول حين قال «لا توجد صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، بل توجد مصالح دائمة»؛ فما دامت العقلية الغربية تعمل وفق هذه المنهجية، فإن خطة أمين معلوف ستكون صعبة التنفيذ لأنها تتعرض لنقاط جوهرية لا يمكن أن حتُ ل بالحوار الإيجابي. مع ذلك كله، تبقى هذه الخطة، في تصوري، ممثّلة للحد الأدنى لأي عملية حوار ناجحة لا تريد أن تقفز على الواقع. في الأخير يمكننا القول إن المفاهيم الثلاثة، الدِّين والثقافة والعولمة، توفر حتى اليوم مجال خصبًا لتقوية القطيعة بين الشعوب، ولا أتوقع أن تتغير الأمور كثيرًا في المستقبل القريب في ظل ما تم عرضه من معطيات حول واقع القطيعة والحوار بين الشعوب. مع ذلك، يبقى الأمل قائامً مع المحاولات من هذا الطرف أو ذاك، فحتى وإن كانت هذه المحاولات لا تحظى بالثقة اللازمة لنجاحها، فإنها تبقى مفيدة من باب أنها تُبقي باب الأمل في التقارب بين الشعوب مفتوحًا.