شكيب أرسلان:محاضرتان في دمشق 1937
Shakib Arslan: Two lectures in Damascus (1937)
الملخّص
ينتمي شكيب أرسلان 1870 - 1946 إلى المرحلة وجيل المثقفين اللذين شهدا تداعي الرابطة العثمانية-الإسلامية، وتكوّن المرحلة وجيل الفكرة أو الهوية القومية العربية . كان أرسلان في البداية عثمانياً يدعو إلى الحفاظ على «الدولة العلية » سنداً أمام أخطار التفتت وأخطار الاستعمار الأوربي اللائحين في الأفق التاريخي آنذاك، ولذلك وقف ضد ثورة الشريف حسين عام 1916 منذ البداية. مثلما وقف ضد المؤتمر العربي الأول المعقود في باريس عام 1913فأصدر كتابه إلى العرب: بيان للأمة العربية حول حزب اللامركزية معارضاً المؤتمر المذكور.
Abstract
Shakib Arslan (1870-1946) belongs to a period and generation of intellectuals who witnessed the collapse of the Ottoman-Islamic League and the formation of the period and generation of the idea, or identity, of Arab nationalism. Arslan started out as an Ottoman calling for the preservation of the Sublime Porte as a bastion against the risks of fragmentation and European colonialism that both loomed on the horizon at that historic moment. Consequently, he opposed the revolt of Sharif Hussein in 1916 from the outset and was also against the First Arab Congress held in Paris in 1913, and published his book “To the Arabs: A Statement to the Arab Nation on the Decentralized Party” in opposition to that Congress.
- المثقفين
- الأمة العربية
- شكيب أرسلان
- الرابطة العثمانية
- Shakib Arslan
- Intellectuals
- Arab Nation
- Ottoman League
إيضاح
ينتمي شكيب أرسلان (1946-1870) إلى المرحلة وجيل المثقفين اللذين شهدا تداعي الرابطة العثمانية-الإسلامية، وتكوّن المرحلة وجيل الفكرة أو الهوية «القومية العربية». كان أرسلان في البداية عثمانيا يدعو إلى الحفاظ على «الدولة العلية» سندا أمام أخطار التفتت وأخطار الاستعمار الأوربي اللائحين في الأفق التاريخي آنذاك، ولذلك وقف ضد ثورة الشريف حسين عام 1916 منذ البداية. مثلما وقف ضد المؤتمر العربي الأول المعقود في باريس عام 1913. فأصدر كتابه إلى العرب: بيان للأمة العربية حول حزب اللامركزية 1332 ه - 1913 م معارضاًالمؤتمر المذكور. بعد خروج الأتراك وتداعي الإمبراطورية العثمانية وجامعتها الإسلامية وتحقق مخاوف أرسلان وتياره، صار شكيب أرسلان من دعاة النهضة الفكرية العربية والقومية الجديدة مثل ساطع الحصري (1968-1880) وآخرين. والمقالان النادران التاليان (محاضرتان في دمشق) يعرضان خطه الجديد، شأنهما شأن مقال آخر عام 1940 عنوانه: «العروبة جامعة كلية». كما يحتوي المقال الثاني «الوحدة العربية» تنبهه وتنبيهه إلى خطر الأتراك ومطامعهم في المنطقة العربية، وفي سورية تحديدا، مع أن شكيب أرسلان كان من أقوى المدافعين عن الائتلاف مع الأتراك في ظل اللحمة العثمانية – الإسلامية. ومصدر المقالين مثبت في نهاية كل منهما. أما بعد، وبالمناسبة: بعد انهيار الرابطة العثمانية الإسلامية كان لدى جيل أرسلان والحصري رابطة أو هوية بديلة عن الرابطة المنهارة، هي الرابطة أو الهوية «القومية العربية»، أما جيلنا الذي يكاد يشهد تداعي الرابطة القومية العربية، فما هو البديل لديه، وأي لاحم اجتماعي وفكري أو هوية جديدة سيخترع يا ترى؟! محمد كامل الخطيب
نهضة العرب العلمية في القرن الأخير
محاضرة الأمير شكيب أرسلان بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد
لقد تكلمنا منذ أيام في النادي العربي عن نهضة العرب السياسية وسيرهم في طريق الاتحاد فيما بينهم اقتداءً بغيرهم من الأمم اللائي كن مفككات مبعثرات، فما زلن يسعين في الانضمام إلى أن أصبحن كتلة واحدة. ونحن نتكلم الآن عن نهضة العرب العلمية التي هي في الواقع أساس النهضة السياسية مختارين لهذه المحاضرة مكان المجمع العلمي الذي هو المنبر الطبيعي للمباحث العلمية كما اخترنا النادي العربي منبرا للكلام عن الوحدة العربية التي هي من مباحثه، وإنما كان الفرق بين البحثين أن الواحد منهما سياسي صرف لا يجوز الخوض فيه إلا بالمقدار الذي تسمح به المصلحة، وأن الآخر علمي بحت يقدر أن يستقصي فيه الباحث ما شاء دون أن يتعرض لمحذور أو يعرض أمته لضرر، وبهذه المناسبة أعلن أني آسف بل جد آسف من أن أرى بعض إخواننا معتقدين أن الإنسان إذا حاضر في باب السياسة وجب عليه أن يفرغ جعبته من أولها إلى آخرها، وأن يجهر بكل ما يدور في خلده كما لو حاضر في باب العلم، فهذا لا شك مذهب من يسميه الإفرنج «بالولد الهائل»، ومن ليس في الواقع جديرا بأن يطرق باب السياسة أصلا بل بين هذا والسياسة ما بين المشرق والمغرب، فنحن لا نرضى أن نكون من الأطفال الهائلين ولا من الذين لا يعرفون إلى أين يذهب الكلم، بل نحن ولله الحمد من أمة اشتهرت بالمرونة والدهاء وسرعة اللحظ، وقد جاء في أمثالها: اللبيب من الإشارة يفهم، ولقد كان هاديها الأعظم صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوة ورّي بغيرها، ومنا الذي يقول ومن لم يصانع في أمور كثيرة يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم وقائل هذا البيت هو الذي قال فيه سيدنا عمر رضي الله عنه أنه أشعر العرب لقوله: ومَن ومَن. ثم أبدأ بالكلام عن نهضة العرب العلمية فأقول: منذ عشر سنوات (أي سنة 1927) اقترح عليّ الطيب الذكر الأستاذ يعقوب صروف صاحب مجلة المقتطف، الذي انتهت إليه رئاسة المجلات العلمية، أن أكتب إلى المقتطف شيئا في موضوع النهضة الشرقية في هذه الخمسين سنة الأخيرة، فكتبت يومئذ فصلا ظهر في أجزاء المقتطف من تلك السنة وراق العلامة المشار إليه كثيرا، وقد بدأته بما لي: لا حاجة بنا إلى القول بأن أجلى مجالي هذه النهضة كان في العلم والتعليم، وعندي أنه لا نهضة للأمم سوى النهضة العلمية، فإذا وجدت هذه، جاءت سائر النهضات من سياسية وعسكرية واجتماعية واقتصادية، الخ.... آخذا بعضها برقاب بعض. فإذا قلنا إن الشرق الأدنى نهض نهضة علمية، كفينا تعداد سائر مظاهر نهوضه ومعارج رقيه، لأن العلم وحده هو المفتاح وبه وحده الدخول إلى داخل البناء، وكل نهضة لا يكون ظهيرها العلم، فما هي إلا ساعة وتضمحل؛ وقد يقال إن نهضة شرقنا هذه ضئيلة لا تستحق أن تذكر بالقياس إلى معالي الأمم الراقية، وإننا لا نبرح متخلفين بمساوف شاسعة عن أمد أوربة وأميركة واليابان، فلماذا نشغل أنفسنا بما لا يشغل حيزا في التاريخ العام؟ وعلى هذا نجاوب أنه ليس العلم متعلقا بالكمال وحده، ولا البحث موقوفا دائما على ما بهر النهى وبلغ سدرة المنتهى، وإنما العلم هو ما تناول الدرجات كلها الدنيا منها والقصوى، والبحث هو الذي به توزن مقادير الأشياء وتحدد نسبة بعضها إلى بعض ونسبتها إلى الوقت، ثم إننا إذا تحرينا الحقيقة وجدنا الشرق العربي قد اجتاز في هذه الخمسين سنة في طريق العلم والحضارة الحديثة ما لم يتهيأ لأوربة أن تجتازه قبلا في أطول جدا من هذا الردح من الدهر، وذلك أنه من الطبيعي أن يسهل على المتأخر ما لا يسهل على المتقدم، لأن المتقدم قد يضطر أن يمهد الطريق ويسير، وأما المتأخر فما عليه إلا أن يلحقه ويسير على طريق مذلل أمامه.
محمد علي الكبير مؤسس النهضة
فالنهضة الشرقية العربية نسميها بالعربية إخراجا لما سواها من نهضات الشرق كنهضة اليابان والصين في الشرق الأدنى بحذائنا قد بدأت في الواقع منذ أكثر من مائة سنة لعهد محمد علي عزيز مصر فهو أول من لحظ الخطر الحائق من جراء جموده على أساليب العمران القديمة وجعل نصب عينه حُديّا الغرب في أساليبه الجديدة حتى يتأتى للشرق أن يقاتل الغرب بسلاحه ويدفعه عنه ويستقل بنفسه، إذ كانت سنّة الله منذ وجد العمران على سطح هذه الكرة أنه كلما تقوى جانب منها، سطا على الآخر واجتاحه وضرب عليه الذلة والمسكنة. فمحمد علي هو المؤسس الحقيقي لهذه النهضة الشرقية العربية ليس بوادي النيل فحسب، بل في البلاد التي تجاور هذا الوادي المبارك وفي مقدمتها سورية، وأول ما استنشق السوريون ريح الحضارة الحديثة إنما كان في زمن محمد علي وفي زمن غزاة ولده إبراهيم باشا للشام، ثم انكفأ إبراهيم باشا إلى مصر سنة 1840، وبقيت في سورية آثار الانتباه ونزعة التجدد، وجدَّ السوريون، لا سيما أهل الساحل منهم، ينشدون أسباب المدنية الغربية لما رأوا فيها من القوة والرفاهية، وأنس المرسلون الأميركيون هذا الاستعداد في أهل سورية، فأسسوا في بيروت كليتهم الشهيرة التي كانت النبراس الأول الذي استضاءت به سورية، ولا يزال هذا النبراس يزهر في آفاق الشرق إلى يومنا هذا. ورأت أمم أخرى (كالفرنسيين والألمان والطليان والروس) أن أرض سورية قابلة جدا لبذور المعارف، فبثوا فيها المدارس والكتاتيب وكل ذلك كان يبدأ في بيروت ثغر الشام البسام، ففي بيروت، والحق يقال، ابتزغ زرع العلم العصري وأخرج شطأه ثم أنبت في جميع الشامات ثم فيما جاورها واستغلظ على سوقه يعجب الزراع الأوربيين أنفسهم، واضطرت الدولة العثمانية أن تفتح المكاتب الرشدية والإعدادية في سورية، وأن تقبل كثيرين من شبانها في مكاتبها العالية في القسطنطينية فتخرج فيها ألوف من الناشئة منهم من تقلدوا مناصب ملكية أو عدلية، ومنهم أطباء وصيادلة، ومنهم ضباط نبغوا في الفنون العسكرية وامتازوا بين الأقران. إن ضباط العرب في العراق وسورية واليمن كلهم ممن تخرج في مكتب (بانغالتي) في الآستانة، وقد يزيدون على ثلاثة آلاف ضابط، فيما يقال. ومع أن النهضة العلمية في مصر لم يكن الأصل فيها لا الكلية الأميركية ولا الكلية اليسوعية في بيروت ولا مكاتب الدولة في الآستانة، لا ينكر أن مصر كانت ميدانا لجياد القرائح السورية، وأن أنبغ الذين تخرجوا في بيروت إنما ظهروا واشتهروا وتعلقت قناديلهم بمصر؛ هذا كما أن لمصر على الشام فضل تخريج عدد لا يحصر من أبناء هذه في العلوم اللغوية والشرعية بالجامع الأزهر وتخريج عدد كبير من أطباء سورية بالقصر العيني، فما زال كل من القطرين المصري والشامي يشد الواحد منهما الآخر في كل ضرب من ضروب الرقي العقلي، وقلما جد في أحدهما شيء إلا سمعت رجع صداه في الآخر. على أن النهضة الشرقية العربية، وإن كان قد ذر قرنها منذ قرن فأكثر، لم تسر هذا السير الحثيث إلا في الخمسين سنة الأخيرة التي شهدها كاتب هذه الأحرف بجميع صفحاتها، وذلك لأني بدأت بالكتابة في الصحف وبمرافقة الحركة العلمية في سيرها منذ 25 سنة متوالية، فلي الحق إذا بأن أدعي معرفة تاريخ هذه النهضة وما دخل فيه من التطورات على قدر ما يستطيع خادم أمين للعلم زاول عمله في مكافحة الجهل طوال مدة خمسين سنة دون أن يتخلف يوما واحدا.
الصحافة
لا نزاع في أن الصحافة العربية كانت من أقوى عوامل هذه النهضة بما أثارته من الحركة الفكرية ونقلت من أخبار الغرب الناهض إلى أهل الشرق النائم، وقد كان بحسب معلوماتي، وربما أكون مخطئا في بعضها، أول جريدة عربية صدرت في الشرق، جريدة الوقائع المصرية بعهد محمد علي. ولكن بقيت سورية مدة طويلة
لا تصدر فيها جريدة، ويقال إن أول جريدة صدرت في بلادنا هي جريدة «حديقة الأخبار» أنشأها خليل أفندي الخوري، من شعراء لبنان في وقته، وذلك سنة 1860، ثم أصدر المعلم بطرس البستاني الشهير نشرات وطنية في بيروت لذلك العهد، ولم يلبث أن نشر جريدة أسبوعية باسم الجنة، ثم جريدة يومية باسم الجنينة ثم مجلة شهرية باسم الجنان، وقد التزم هذه المادة في التسمية لمناسبتها مع اسمه «البستاني». وكان اليسوعيون قد أصدروا في بيروت جريدة باسم البشير تغلب عليها المباحث الدينية الكاثوليكية، ثم أصدر القس لويس الصابونجي جريدة النحلة، وأصدر غيره جريدة اسمها النجاح، وأصدر الأمريكيون جريدة اسمها النشرة الأسبوعية، ثم تحرك المسلمون فأصدروا جريدة سموها ثمرات الفنون، وكانت تصدر بإدارة الشيخ عبد القادر القباني، وقد تولى تحريرها في البداية العلامة الشيخ يوسف الأسير، ثم خلفه عليها العلامة الشيخ إبراهيم الأحدب الطرابلسي، وهذا كله كان بين 1860 و 1880، أي في مدة عشرين سنة، فوجدت في بيروت في ذلك العهد عدة مطابع، وصارت تطبع الكتب العربية بعد أن كان طبع الكتب العربية منحصرا في مطبعة بولاق المصرية وغيرها من مطابع مصر، وكانت قد صدرت في الآستانة في أثناء حرب القريم سنة 1855 جريدة مرآة الأحوال وذلك بأمر الدولة وتولى تحريرها رزق الله حسون الكاتب الشهير، وقد وقعت إلي عدة نسخ كانت باقية عندنا من تلك الجريدة فيها أخبار حرب القريم وغيرها من الأخبار، ومما أتذكره أنه كان عند ذكر خديوي مصر يلقبه بسعادة عزيز مصر، وأظن أن جريدة مرآة الأحوال هذه هي الجريدة العربية الثانية بعد تقويم الوقائع المصرية، وقد بقيت تصدر في عاصمة السلطنة العثمانية عدة سنوات، إلى أن فرّ رزق الله حسون من الآستانة إلى أوربة على حادثة جرت معه، وقيل فيها إنه اختلس مالا للدولة فلاذ بالفرار، وكان أحمد فارس الشدياق في باريس فقدم إلى الآستانة وأنشأ جريدة «الجوائب» المشهورة، فكانت في وقتها أشهر جريدة عربية في العالم، وكان لها مشتركون في جميع الأقطار الإسلامية، نظرا لبراعة كاتبها أحمد فارس المعدود من أكبر كتاب القرون الأخيرة؛ وأما رزق الله حسون، فبعد أن فر إلى أوربة، نشر كتابا تحت عنوان «النفثات» نال فيه من الدولة العثمانية، ومن صاحب الجوائب، فأشار هذا إلى كتاب النفثات بقوله: «كان حسون لصا وله سرقات، فانقلب صلا وله نفثات». وأظنني غير مخطئ إذا قلت إنه لذلك العهد أو بعده بقليل ظهرت جريدة في تونس اسمها «الرائد التونسي» وظهرت جريدة أخرى في مصر باسم وادي النيل، وربما يكون قد صدر في مصر جرائد أخرى لم أسمع بها، ولست محاولا في هذه العجالة الإحاطة بأسماء جميع الجرائد العربية التي صدرت وتواريخ صدورها، إنما أنا أذكر الآن أشهرها على سبيل التمثيل، وأقول: إنه لما انتشت جريدة الجوائب بمكان أحمد فارس من علم اللغة وبراعة الإنشاء وسعة المدارك كانت عاملا قويا من عوامل النهضة العربية الأدبية، وصار صاحبها يطبع في الآستانة من نفائس الكتب العربية التي كانت مجهولة، والتي اطلع عليها في خزائن كتب القسطنطينية ما أعجب به العالم العربي كله، لا سيما أنه نشرها بالطبع الجميل، وربما كانت خدمته للثقافة العربية بهذه المطبوعات من الدرجة الثانية عن خدمة مطبعة بولاق، وإني قد أدركت، وأنا ابن ثلاث عشرة سنة أو اربع عشرة سنة، عهد أحمد فارس في أواخر عمره وكان لا يزال، وقد بلغ من العمر عتيا، يخدم هذه اللغة الشريفة التي كان من أعلامها، ومن شاء أن يعلم مدى براعة أحمد فارس ومبلغ بلائه في سبيل اللغة العربية والوطن العربي، فليراجع مجموعة كنز الرغائب في منتخبات الجوائب، فهي كتاب يحتوي على سبعة مجلدات لا يمكن أن يستغني عنه من أراد الاطلاع على الحركة العلمية العربية والحركة السياسية العالمية بين 1760.1880
الحركة العلمية
ولنعد إلى سير الحركة العلمية في سورية فنقول: إنه إلى حد سنة 1880 كانت الجرائد منحصرة في بيروت لا تتعداها إلى غيرها من مدن سورية، ولم يكن في دمشق سوى جريدة رسمية للولاية باسم (سورية) وبعد ذلك بكثير أصدر مصطفى واصف جريدة اسمها (الشام)، وبعده أصدر الأستاذ كرد علي جريدة سياسية في دمشق اسمها (المقتبس)، وكذلك كانت جريدة رسمية لولاية حلب باسم (الفرات)، وكل من جريدتي سورية والفرات كان نصفها بالتركي والنصف الآخر بالعربي، وقلما كانت تنشر شيئا خارجا عن الأخبار الرسمية. وكانت في بغداد جريدة رسمية اسمها (الزوراء) على هذا النمط أيضا. وأما بيروت فكانت لا تزال على تقدمها في طريق العلم والعرفان، وأول مدرسة داخلية في بيروت، كانت المدرسة التي أسسها المعلم بطرس البستاني ثم أخذت كل من الطوائف المختلفة التي في ساحل سورية تؤسس مدرسة داخلية في بيروت، فكانت للروم الكاثوليك مدرسة يقال لها (البطريركية) وللموارنة مدرسة يقال لها (الحكمة) وللمسلمين مدرسة يقال لها (السلطانية) تولى إدارتها مدة من الزمن العلامة الشيخ حسين الجسر الطرابلسي صاحب الرسالة الحميدية في التأليف بين العلم والدين، وكان اليهود ايضا أسسوا مدرسة داخلية باسم المدرسة (الإسرائيلية) كان يديرها زاكي كوهين. وكان اليسوعيون قد أنشأوا الكلية (اليسوعية) مناظرة للكلية الأمريكية؛ وكان في لبنان مدرسة فرنسية في كسروان يقال لها (مدرسة عينطورة) انتفع منها كثير ممن اشتهروا في إتقان اللغة الفرنسية، ثم شرع أساقفة الموارنة يؤسسون مدارس لأبناء طائفتهم فكانت مدرسة (قرنة شهوان) ومدرسة (غزير) لبني زوين، ومدارس أخرى متعددة، وقد كان للموارنة من قبل هذا مدارس قديمة أكليريكية مثل مدرسة عين ورقة ومدرسة مار عبدا هرهريا ومدرسة مار يوحنا مارون، وكان للكاثوليك مدرسة في الشوير، وقد اطلعت على مطبوعات قديمة ترجع إلى مئة سنة أو أكثر جرى طبعها في كسروان بمطابع للموارنة، منها مطبعة دير سيدة طاميش، وكان الموارنة من القديم يطبعون بالعربية والسريانية. ولا يجوز أن ننسى المدرسة التي قام بإنشائها الأمير ملحم أرسلان بمساعدة سعيد بك تلحوق لطائفة الدروز في قرية عبية، فقد كانت من أقدم مدارس لبنان، يرجع تأسيسها إلى سنة.1862 وكانت تقبل الطلبة مجانا لاعتمادها في نفقاتها على الأوقاف التي ألحقها بها الأمير المشار إليه، ولما تولى قائمقامية الشوف ابن عمه الأمير مصطفى زاد الاعتناء بها وانتدب لها م الأساتذة مثل العلامة الشيخ أحمد عباس البيروتي وأمثاله، وهي هي نفس المدرسة التي يشرف على إدارتها الآن الأستاذ عارف النكدي مدير العدلية في الدولة السورية بما اشتهر به من الدراية والأمانة وعلو الهمة. ثم نقول: إنه كان ازدياد عدد الجرائد متساوقا مع ازدياد عدد المدارس. فظهرت في بيروت بعد الجرائد المتقدم ذكرها جريدة لسان الحال لصاحبها خليل سركيس، وجريدة التقدم التي كان يتولى تحريرها أديب إسحق الكاتب المشهور في وقته، وجريدة المصباح التي أنشأها المطران يوسف الدبس مؤسس مدرسة الحكمة، وعهد بإدارتها وتحريرها إلى نقولا أفندي النقاش من أعضاء مجلس الأمة العثماني؛ وإلى بولس زين من أدباء الموارنة، وكانت مجلة المقتطف قد صدرت في بيروت لصاحبيها العلامتين الدكتور يعقوب صروف والدكتور فارس نمر ومن أول نشأتها كانت مجلة راقية حافلة بالفوائد العلمية والصناعية والتاريخية واللغوية. ومما لا جدال فيه أن للمقتطف أثرا بليغا في عموم النهضة العربية ولا ينكره إلا كل مكابر ومن مساعي العلامتين الشهيرين صروف ونمر تأسيس مجمع علمي في بيروت سمّوه المجمع العلمي الشرقي
قد ضم نخبة العلماء والأدباء الذين كان يشار إليهم بالبنان في ذلك الوقت، ولم يكن هذا المجمع أول مجمع علمي في بيروت بل قد سبقه جمعية علمية تأسست قبل ذلك بنحو من عشرين سنة، كان رئيسها الأمير محمد الأمين أرسلان، وكان من أعضائها الشيخ يوسف الأسير والشيخ إبراهيم الأحدب والشيخ ناصيف اليازجي والمعلم بطرس البستاني صاحب دائرة المعارف والسيد حسين بيهم وسليم أفندي رمضان وغيرهم من علماء ذلك الوقت وأدبائه. وفي نواحي سنة 1884 فيما أتذكر كان الشيخ عبد المجيد الخاني الأديب الدمشقي البارع جاء إلى بيروت فذكر ما رآه فيها من الرقي الفكري وسرد أسماء جرائدها نظما فقال: ثمرات مقتطف الجنان بشيرها بلسان مصباح التقدم قائل ظل المعارف وارف في أرض بيرو ت ورهط الفضل فيها قائلثم أنشأ علي بك ناصر الدين مجلة اسمها الصفاء صارت فيما بعد جريدة سياسية ولا تزال إلى هذا اليوم قائمة حق القيام بخدمة العلم والأدب، وقد كان لي فيها أول مقالة صدرت من قلمي وذلك سنة 1885، وأصدر عبد القادر أفندي الدنا جريدة باسم بيروت كان كتب فيها الأستاذ البليغ السيد مرتضى الجزائري ابن أخي المغفور له الأمير عبد القادر.
ثمانون جريدة سورية
ولكن عدد الجرائد لم يزدد هذا ازدياد الرائع إلا بعد إعلان الدستور العثماني، ومن قبله صدرت جريدة طرابلس التي كان ينشئها الشيخ حسين الجسر، ولم يكن جريدة سواها تصدر في غير بيروت من مدن سورية، إلا أنه لما أعلن الدستور العثماني وتقررت حرية الصحافة، أخذت الجرائد تنتشر بسرعة عظيمة. فلما نشبت الحرب الكبرى كان ينشر في سورية وفلسطين ثمانون جريدة موزعة بين بيروت ولبنان ودمشق وطرابلس واللاذقية وحمص وحماة وحلب وصيدا وحيفا ويافا والقدس، وكانت تظهر في هذه البلاد مجلات شهرية وأسبوعية لا تقل عن بضع عشرة مجلة، ولا نجد لزوما لسرد أسماء جميع هذه الجرائد وهذه المجلات. وهذا أول دليل على سرعة الرقي العلمي في سورية، وليس في الكلام أفصح من الأرقام، فوفرة الجرائد دليل على وفرة عدد القراء، دليل على صدق عمل المدارس، نعم إنه لا يزال عدد الأميين كثيرا في هذه البلاد وربما بلغ مع الأسف 60 بالمائة، ولكن المظنون بحسب ما نراه من إقبال الأهلين على تعليم أبنائهم أنه لا يمضي عشر سنوات حتى ينزل عدد الأميين إلى 20 بالمائة. وقد كان في بيروت بضع عشرة مطبعة فتضاعف هذا العدد مرتين وثلاثا، وتأسست مطابع كثيرة في سائر المدن السورية، وليس عمل هذه المطابع كله منحصرا في طبع الجرائد، بل هي تقوم بطبع الكتب التي لا تطبع إلا إذا كان أصحاب المطابع يجدون لها عددا كافيا من المشترين. وإن مكانة الصحافة الآن في سورية ولبنان بالقياس إلى عدد أهلها لا تقلّ عن مكانة الصحافة في أوربة. فأما في مصر، فمما لا شك فيه أن الصحافة أرقى منها في سورية لأن ثروة مصر أعظم من ثروة سورية بكثير، وقد كان في أثناء ثورة عرابي باشا أي سنة 1882 يصدر في مصر بضع جرائد لا غير منها الأهرام واللطائف والمفيد وغيرها. فما زال عدد الجرائد يرتقي إلى أن تضاعف مرارا، وإن بعض جرائدها اليومية تصدر بثماني صفحات أو ست عشرة صفحة. ومنها جرائد مصورة كثيرة وربما تطبع الواحدة من جرائد مصر الكبرى من 03 إلى 40 ألف نسخة، وقد أكد لي أحد الإخباريين الأوربيين الذين يراسلون الأهرام من أمهات الجرائد المصرية أن هذه الجريدة لو وضعت في جانب صحف باريس في الإتقان وسعة النفقات وكثرة القراء لكانت معادلة لأحسنها. ولما كانت الأمثال أحسن مظهر لحقائق الأشياء وأبلغ مؤثر في النفوس، رأيت الآن إيراد مثال وقع معي، وكنت قد ذكرته في مجلة المقتطف، ومنه يتبين الفرق الهائل بين حالة الصحافة في مصر منذ 40 سنة وحالتها منذ عشرين سنة:
قلت في المقتطف: إنني كنت زرت مصر سنة 1890، وكنا نجتمع في مجلس الإمام الشيخ محمد عبده، وأكثر ما كنا نسمر عند سعد باشا زغلول، وهو يومئذ سعد أفندي زغلول وكان من المحامين المشهورين بمصر، وكان ينتاب تلك الحلقة شيخ شخت الخلقة اسمه الشيخ علي يوسف، إذا أتى جلس في آخر المجلس ساكنا ولبث أكثر المجلس مستمعا، تكاد تترثي له لضعفه ولمسكنته، وكان قد بدأ بإصدار جريدة اسمها المؤيد، كانت تظهر مرتين بالأسبوع وهو يعجز أن يجعلها يومية إلا أن هذا الرجل على ضؤولة جسمه كانت بادية عليه سيماء الهمة والعزم، فزرته مرة في مطبعة المؤيد فرأيته جالسا على مقعد رث لا يسع أكثر من ثلاثة جلوس بعضهم ملزوز إلى بعض، وأمامه منضدة بدون غطاء عليها من بقع الحبر ما يهول الناظر، وهو يعالج تحرير مقالته في دخول العام الهجري الجديد حينئذ، ولا يعرف كيف يصوغها، وكانت بجانب الغرفة غرفة ثانية فيها المطبعة، وبين الغرفتين باب مفتوح وأنا من مكان جلوسي أرى منضدي الحروف من خلال ذلك الباب يصفون الحروف، ثم إني رأيت الشيخ عليا في تعب زائد مع مقالته هذه عن الحول الجديد، وهو يكتب ويطلش ويمحو، فقلت له: لو قلت كذا وكذا... فأجابني: بالله عليك تكتب أنت هذه الافتتاحية، فكتبتها أمامه، هذا وبعد 20 سنة من ذلك العهد جئت إلى مصر.
المؤيد تطبع 30 ألف عدد
وأنا ذاهب إلى حرب طرابلس فماذا وجدت؟ وجدت جريدة المؤيد من أعظم الجرائد اليومية في مصر، تطبع في كل يوم من 20 إلى 03 ألف نسخة، ووجدت إدارة المؤيد تكاد تكون قصرا من قصور الأمراء، فيها الزرابيّ المبثوثة والطنافس الحريرة الفاخرة، بدلا من ذلك المقعد الحقير، عليه ذلك الغطاء القديم من الشيت بدون حشوة، ووجدت مطبعة بخارية من أكبر المطابع كان صاحب المؤيد اشتراها بخمسة آلاف جنيه، مع أن تلك المطبعة القديمة التي رأيتها من قبل ما كانت لتساوي.100 جنيه ثم وجدت الشيخ علي يوسف نفسه من أكتب كتّاب مصر وأسيلهم قلما، فضلا عن أني وجدته عينا من أعيان مصر وأشهرهم ذكرا، ولم يغفل الشيخ عن أن يذكرني بزيارتي الأولى عندما كان على تلك الحالة الرثة، وأن يقابل بها حالة الترف التي رأيته عليها يوم زيارتي الثانية، فهذا المثال البارز كاف لقياس درجة الرقي الفكري في الشرق.
انتشار الصحافة في العالم الإسلامي
ولقد كانت الصحافة العربية فيما مضى منحصرة في القطرين المصري والشامي، فصارت الآن منبثة في جميع الأقطار العربية. ففي العراق بضع عشرة جريدة ومجلة منها ما هو في بغداد ومنها ما هو في البصرة، وكذلك ظهرت جرائد في الحجاز قد كان أولها جريدة القبلة في زمن الملك حسين. ولما استولى ابن سعود على الحجاز، استبدل بها أم القرى، ثم ظهرت جريدة اسمها صوت الحجاز في مكة وجريدة ومجلة في المدينة المنورة، وصدرت جريدة الإيمان للحكومة اليمانية في صنعاء، وصدرت جرائد عربية وراء البحار أشهرها جريدة حضرموت في جاوة، كما أنه يوجد في الهند مجلة عربية اسمها الضياء للأستاذ مسعود الندوي. أما في المهجر، فإن للعرب نحوا من 03 جريدة ومجلة: منها ما هو في أمريكة الشمالية وما هو في أمريكة الجنوبية، وفي المهاجر العربية هناك من الكتّاب والشعراء والأدباء والأطباء والفلاسفة نفر تفخر بهم أوطانهم، وهم جزء متمم للعالم العربي الأدبي لا يتم إلا بهم، وإني أشبه الجاليات العربية في وسط هاتيك الأمم الأجنبية التي تحصى بمئات الملايين بجزائر عربية صغيرة في أوقيانوس من العجمة لا نهاية له، وقد احتفظت مع ذلك هذه الجزائر الصغيرة بلغتها العربية وآدابها وأذواقها ومنازعها ومشاربها، وهذا لعمري برهان الأصالة والنبالة وعلو الهمة، فإن الذي يخجل بوطنه وقومه ليس بإنسان، وفي نيويورك شارع كبير خاص بالعرب تجد فيه على أبواب المخازن
العناوين العربية فوق الإنكليزية، وتنظر المطاعم العربية التي تطهو من المآكل الشرقية المتنوعة ما يكون قد درس بتمامه في البلاد العربية الأصيلة. وإنك لتسمع الموسيقى ثمة العربية كيفما توجهت، سواء من المغنين أو من الآلات الحاكية، وإذا نظرت إلى النوافذ وجدت فيها الأصص من الفخار فيها الرياحين وأكثرها من الحبق الذي يقال له الريحان في دمشق وفي لبنان الحبق، ويظهر أن العرب يأخذون هذه الريحانة أينما ذهبوا في الأرض، فإني قد وجدتها بكثرة في إسبانية وهي حافظة اسمها العربي، فيقول لها الإسبانيول «هبقة» أي حبقة. ومن غرائب ما سمعته عن اعتصام السوريين بعاداتهم القومية وهم في المهجر أن كثيرين منهم يسكنون في حارات على حدة، وربما بنوا قرى منفردة لأنفسهم، وذلك ليكونوا أحرارا في ممارسة عاداتهم التي كانت لهم في بلادهم الأصلية، فإذا حصلت أعراس عندهم حسبتها واقعة في نفس سورية بما فيها من الأغاريد والأناشيد والزغاريد وما يقال له في لبنان «التراويد»، وقد حضرت في نيويورك عرس فوزي بك البريدي من زحلة، وقد اجتمع فيه أبناء العرب فخلت نفسي في زحلة أو في أية بلدة من لبنان. وكذلك قيل لي إنهم في الأماكن التي يسكن فيها السوريون على حدة يمارسون عاداتهم الأصيلة بالمآتم فتندب النساء من جهة حول الميت، ويندب الرجال من جهة أخرى، وهم يذهبون ويجيئون وبأيديهم المناديل يهزونها في الهواء، وهي ما كان العرب يقولون له المآلي، واحدتها مئلاة، إلا أن بقاء هذه الحالة عند السوريين المهاجرين لا يعدو العصر الحاضر، لأن أعقابهم مع الأسف ذائبون، إلا ما ندر، في الجنسية الأمريكية، وقلما رأينا من ذراريهم المولودين في أمريكة من يعرف اللغة العربية، لا سيما الذين أمهاتهم من هناك، وقد عالج بعضهم هذه الحالة وحاولوا استبقاء اللغة العربية بين المولودين في أمريكة من أبنائهم، وفتحا مكاتب وكتاتيب علمت بوجود اثنين منها في ديترويت مشيغن، وحدثوني عن غيرها، ولكن هذا العوز لا ينسد، مع الأسف، ببضعة كتاتيب، فالسوريون الذين في أمريكة الشمالية يزيدون على 200 ألف نسمة، وهم في الأمريكيتين جميعا أكثر من نصف مليون. وقد قيل لي إن أعلى المهاجرين العرب همما من جهة الاحتفاظ بلغتهم هم مهاجرو العرب في البرازيل الذين عندهم مجلات راقية وجرائد مفيدة كما يوجد ذلك في نيويورك، ولم يتقصروا في البرازيل على بعض الكتاتيب لاستبقاء عروبة أبنائهم، بل أسسوا هناك، لهذا الغرض، مدارس عالية يدرس الطلبة فيها العربية الفصحى إلى جانب اللغة البرتغالية التي يتكلم بها أهل البرازيل. أما إذا بقيت أبواب المهاجرة مسدودة على العرب في أمريكة الشمالية، فلا يمضي عليهم هناك أكثر من نصف قرن حتى ينقرض منها، مع الأسف، كل شيء أصله عربي، ويصير وجود العرب في تلك القارة خبرا من الأخبار التاريخية.
الصحافة العربية في شمالي أفريقية
ولنعد إلى حديث الصحافة العربية الذي كنا في صدده فنقول: إن شمالي أفريقية قد نهض في العصر الحاضر نهضة أكيدة، وكثرت فيه الجرائد العربية والمطابع وسائر أدوات النشر التي تعول عليها كل أمة ناهضة، ولم يكن في بادئ الأمر بغير تونس جرائد عربية مغربية، وقد تقدم ذكرنا لجريدة الرائد التونسي التي كانت تصدر فيما أذكر من قبل احتلال فرنسة لتونس، أي منذ ستين سنة. وبعد ذلك صدرت في تونس جرائد أخرى، وفي يومنا هذا تصدر في تونس عدة جرائد ومجلات راقية كالزهرة والنهضة والصواب والمجلة الزيتونية وغيرها. وأما الجزائر فقد كانت تصدر فيها منذ خمسين سنة جريدة عربية واحدة اسمها المبشر، وأظنها كانت الجريدة الرسمية للحكومة. إلا أن الأهالي منذ بضع عشرة سنة نشروا جرائد متعددة في مدينة الجزائر وفي قسنطينة، أتذكر منها «البلاغ» و«وادي تراب»، وأما اليوم فمن أشهرها جريدة البصائر ومجلة الشهاب، ولم يقتصر إخواننا التوانسة والجزائريون على نشر أفكارهم
في الصحف العربية التي أصدروها، بل لأجل إمكان تفاهمهم مع الفرنسيس المحتلين لبلادهم وللمطالبة بحقوقهم، عمدوا إلى نشر جرائد وطنية غربية إسلامية باللغة الفرنسية، وذلك على نسق مجلتنا العربية المنهج الإفرنسية الملهج «لاناسيون آراب». ومثل ذلك وقع في المغرب الأقصى، الذي كانت السلطة مانعة فيه الأهالي الوطنيين من نشر الجرائد بتاتا، خلافا للأجانب، فقد كان ولا يزال لم يؤذن لهم في ذلك، بل كان محظورا إدخال الجرائد العربية الصادرة في البلاد الأخرى إلى المغرب، وربما عوقب من وجد قارئا لجريدة كهذه. إلا أن الأهالي لم يزالوا يعترضون على السلطة من أجل هذا الضغط الشديد على حرية القراءة في بلادهم حتى سمحت من سنوات لبعض الأدباء بإصدار مجلة علمية في الرباط اسمها المغرب، أذنت لها في الظهور على شرط أن تكون موالية للحكومة، فاضطر الحزب الوطني في المغرب إلى إصدار مجلة إفرنسية في نفس باريز باسم المغرب Magreb جعلوا إدارتها بيد ضيف سورية الحالي روبير جان لونغة، الذي جاهد هو وأبوه كثيرا في النضال عن المسلمين الذين تحت حكم فرنسا وفي منحهم جميع الحريات التي لهم الحق فيها، فلما ظهرت مجلة مغرب، وأقبل شبان ذلك القطر العزيز ينشرون فيها باللغة الإفرنسية من المقالات القيمة والآراء السديدة ما أحدث تأثيرا عظيما في نفس باريس، انتقمت السلطة من تلك المجلة بمنعها من دخول المغرب نفسه، فأصبحت في المقيم المقعد مع الوطنيين الذين كانت ترأسهم عصبة العمل القومي، ومنذ سنتين تمكن السيد محمد بن الحسن الوزاني، من زعماء النهضة الوطنية في المغرب، من إصدار جريدة في فاس باللغة الفرنسية سماها عمل الشعب وجعل مديرها إفرنسيا حتى لا تتمكن السلطة من تعطيلها. فلما ظهرت هذه الجريدة وأخذت تناضل عن حقوق الأهلين وتناقش بشدة الصحف الفرنسية الصادرة هناك، أمرت السلطة بتعطيل هذه الجريدة خلافا للقانون، فبقي أهل المغرب يئنون هذا الضغط إلى أن تولت فرنسة، والحمد لله، الوزارة الشعبية في السنة الماضية، فراجعتها عصبة العمل القومي في موضوع حرية الاجتماع والكتابة. وما زالت المراجعات مستمرة بإصرار إلى أن أذنت السلطة لعصبة العمل القومي بإصدار جريدتين إحداهما بالعربية اسمها الأطلس، يتولى تحريرها السيد محمد اليزيدي، وأخرى بالإفرنسية اسمها العمل الشعبي يحررها السيدان أحمد بلافريج وعمر عبد الجليل من زعماء الحركة الوطنية المغربية. وصدرت أيضا جريدة عمل الشعب للسيد محمد بن الحسن الوزاني، وجريدة أخرى بالعربية يقال لها الوداد. كما أنه صدرت في تطوان من المنطقة التي يحتلها الإسبانيول جريدة الحياة للسيد عبد الخالق الطوريس ومجلة السلاح للسيد محمد داوود. وأما في طرابلس الغرب فلم يكن أيام الدولة العثمانية غير جريدة الولاية الرسمية، وفي الوقت الحاضر توجد جريدة للحكومة في طرابلس وأخرى في بنغازي، ولكن الطرابلسيين يقرؤون الجرائد العربية التي ترد إليهم من الشرق والغرب بلذة زائدة، ولا عجب، فإن علاقتهم من جهة الشرق مع مصر والشام ومن جهة الغرب مع تونس هي علاقات أقطار شقيقة. وفي زنجبار من شرقي إفريقية مطبعة سلطانية من قديم الزمن، اطلعنا على كتب مطبوعة فيها، ومؤخرا وصلت إلينا جريدة عربية صادرة في جزيرة زنجبار هذه. فهذه هي لمحة دالة عن الصحافة العربية في الخمسين من السنين الأخيرة لا نزعم فيها الإحاطة وإنما نجتزئ بالإشارة التي تعطي القارئ صورة صحيحة عن هذا البحث. وبالجملة، فالصحافة العربية كانت من أعظم عوامل نهضة العرب ولا تزال تتقدم إلى الأمام.
المدارس في العالم العربي
إن الجرائد ليست وحدها هي المقياس الكافي لأجل إعطاء صورة صحيحة عن درجة الرقي، بل المقياس الأكبر هو المدارس، فمدينة بيروت مثلاوعدد سكانها نحو من 200 ألف نسمة فيها من المدارس والجامعات ما لو قرنته بجامعات أوربة ومدارسها لم تكن قاصرة عنها، وربما كانت زائدة عليها إذا
روعيت نسبة عدد السكان. وقد كنت منذ 25 سنة في مدينة نابلس التي لم يكن أهلها يزيدون على 25 ألف نسمة، فبحثت عن عدد المتعلمين في هذه البلدة فكانوا 2000 من الأحداث في المكاتب الأميرية، وأحصينا عدد طلاب المدارس العالية في الآستانة، فبلغوا مائة شاب. فإذا نظرنا إلى عدد أهالي نابلس، وجدنا عدد طلاب العلم من أهلها لا يقل عما يجب أن يكون في أية بلاد راقية. وليس هذا المثال وحيدا في بابه، بل له أمثلة كثيرة في سورية وإن كنت لا أزال أتأسف من بقاء الأمية في البلاد إلى هذا الوقت أكثر مما كنت أظن، وذلك بغلبة البوادي والقرى المفتقرة إلى التعليم، ولم يكن هذا كله من تقصير الحكومة وفقد إرادة العمل، وإنما للميزانية المالية العمومية دخل في نزول درجة التعليم عما يجب أن تكون، ومن الغريب أن الأمية في مصر لا تزال أكثر منها في سورية، بالرغم من أن بين القطرين بونا شاسعا في درجة الثروة. أما تقدم التعليم في سائر البلاد العربية، فأكثر ما برز منه للعيان بمدة قصيرة هو في المملكة العراقية، لا سيما بعد أن حصلت على استقلالها. فإنه في وقت قصير أنشئت في العراق عدة مدارس عالية كدار المعلمين في بغداد والموصل ومدرسة الطب والثانوية المركزية وعدة مدارس ثانوية متوسطة، وعدد لا يحصى من المدارس الابتدائية، وفي العراق المدارس المسماة (رياض الأطفال)كثيرة، وهي أرقى من أمثالها في سورية، والفضل يرجع في إتقان هذه الرياض إلى المربي العربي الكبير الأستاذ ساطع الحصري. ثم بلغني أن الكتبية من القاهرة وغيرها يصدّرون كل سنة مقادير جسيمة من الكتب المدرسية إلى العراق وأن هذا يزداد عاما فعاما. أما في سورية، فجامعتها العلمية تتألف من كلية الطب وكلية الحقوق والمدرسة التجهيزية الكبرى للبنين، ومن فروعها دار المعلمين الابتدائية والعالية، ومدرسة تجهيزية أخرى للبنات وفيها دار للمعلمات أيضا ومدارس ابتدائية كثيرة. وفي حلب مدرسة تجهيزية ومثلها في دير الزور ومثلها في حماة وأخرى في حمص. ولو كانت الميزانية المالية كافية، لقطعت سورية في أقصر وقت أبعد مرحلة في طريق التعليم، وهذا ما نأمل الوصول إليه في غير بعيد من الزمن، ولا سيما بعد أن نالت البلاد استقلالها، فإنه لا يرجى نهضة علمية إلا بنهضة سياسية، فهاتان توأمان دائما. وقد بلغني من وزير المعارف الدكتور الكيالي أنه لما ضاقت مكاتب الحكومة في السنة عن استيعاب جميع الأولاد الذين يريد أهلوهم إدخالهم فيها، أوصى الوزير مديري المدارس الابتدائية بتسجيل جميع من يريد الدخول فيها، كما أوصى مديري الكتاتيب الأهلية الحرة بأن يقبلوا كل من يأتيهم على أن تؤدي إليهم الحكومة النفقات اللازمة، فيقظة الأمة، ولا سيما بعد استقلالها الحديث، غير محتاجة إلى استدلال.
المجمع العلمي في دمشق ومصر
ولا يجوز لنا أن ننسى ذكر مجمعنا العلمي هذا الذي كان أول مجمع على نسق أكاديميات أوربة في الأقطار الشرقية. فإنه يضم نيفا ومائة عالم شرقي ومستشرق كلهم من ذوي الشهرة الطائرة، سواء في الغرب أو في الشرق. وللمجمع مجلة علمية من أرقى ما صدر من المجلات في العربية وأدقها بحثا وأحسنها أسلوبا وأجمعها للنوادر وأحفلها بالفوائد، ولا يستغني متخصص في العربية إذا أراد جد الاطلاع عليها عن اقتناء مجموعة هذه المجلة منذ صدورها. وقد سبقت سورية مصر في تأسيس هذا المجمع، ولكن مصر عادت فسدت هذا العوز بتأسيس مجمعها الحالي، فكلا المجمعين الشقيقين يخدم هذه اللغة الشريفة وثقافتها بكل ما أوتي من قوة ووسائل. ولنا الأمل بأن يسير المجمعان معا إلى الأمام خطوات واسعة، وأن حكومتي القطرين تشد أزرهما بالمال إلى الحد الذي يمكنهما من القيام بخدمات جلى للعربية والعروبة، كما هو الشأن في أكاديميات الممالك الأوربية، فإن أمام العرب مهمات عظيمة في إثارة دفائن عقولهم وكشف دارس مدنيتهم والتنقيب عن دقائق تاريخهم لا يقوم
بها إلا هذه المجامع العلمية التي هي أيضا لا تقوم إلا بتوفير أقساطها من الميزانية المالية. ولست متعرضا الآن إلى الكلام عما قام به المجمعان الشامي والمصري من الخدمة اللغوية بإيجاد الألفاظ التي تقتضيها حاجة العصر، وإحياء ما وجد منها في لغتنا بتطبيقه على المعاني المناسبة له، فإن من شاء أن يعرف طائلا من هذا الأمر يقدر أن يراجع مجلات هذين المجمعين. وإنا نكون غفلنا عن الحق وأهملناه جانبا إذا كنا لا نقول إنه في القرون الأخيرة، لولا بقاء الأزهر والأموي والزيتونة والقرويين لم يكن بقي أثر من آثار اللغة العربية، فضلا عن الشريعة الإسلامية، فهذه المساجد الأربعة هي التي في الدرجة الأولى قد وقت هذه اللغة من الدثور، وهذه الشريعة من البوار، وقد كانت الفوضى في القرون الأخيرة المذكورة قد نسفت عمران هذه البلدان إلا بقايا تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد، وتسلط على هذه الأقطار ولاة أتوا على الحرث والنسل، وهدموا كل شيء وطمسوا كل رسم، ومع هذا فقد بقيت هذه المساجد الأربعة بنوع خاص مع مساجد أخرى كانت تجري مجراها تقيم العربية على أركان، وتصد غارات الجهل عليها وعلى الشريعة بقدر الإمكان، فكيف تثبت هذه الشريعة وهذه العربية في وسط هذا الزوال؟ وكيف بقيتا في بهرة هذا الفناء مدة تزيد على أربعة أو خمسة قرون تعاور العالم الإسلامي فيها الانهيار من كل جانب، إن هذا لعجب عجاب. ولا شك أن ثبات الشريعة واللغة في وجه هذه الصدمات السياسية التي تدكدك الجبال هو الدليل الكافي على متانة أصولهما ورسوخ قواعدهما وغزارة القوة الحيوية التي فيهما. وفي مصر، عدا الأزهر، معاهد كثيرة للعلم، مثل الجامعة المصرية ومدرسة القضاء الشرعي ومدارس الحقوق والهندسة والزراعة مما لا يتيسر لي استقصاؤه الآن، وإنما أشير إلى نتائجه الباهرة. فإنه لا يكابر مكابر في أن الحركة السياسية الأخيرة التي جرت في مصر في الشتاء الماضي وانتهت باستقلالها، بالرغم من معارضات الإنكليز تحت مختلف العلل، إنما كانت ثمرة هذه المدارس، لأن الذين تولوا هذا الأمر هم العشرة آلاف طالب الذين ثاروا في القاهرة ثورة الرجل الواحد وتنجزوا الاستقلال التام لوطنهم تنجز المستميت، باذلين من دونه دماءهم بذل السخي لماله.
أثر الزيتونة والقرويين والأموي
وكما قام الأزهر بالواجب الذي عليه في مصر، وكان أشبه بالصخرة العالية التي كانت تتكسر عليها أمواج الجهل والفوضى، كذلك كان جامع الزيتونة في تونس وجامع القرويين في فاس والجامع الأموي في دمشق. ومنها ومن المساجد الأخرى خرج العلماء الأعلام والمصابيح الذين أناروا الإسلام في دياجي ذلك الظلام، ومن هؤلاء أيضا خرج أولئك العلماء الوطنيون الذين أرادوا إدخال العلوم العصرية في البلاد والتحقق بمعارف الأوربيين حتى لا يبقى الشرق مقصرا عن الغرب، فكانت الجامعات والمدارس العصرية الكثيرة وكان إرسال البعثات العلمية إلى أوربة من أيام محمد علي إلى اليوم.
النهضة العلمية والدعوة الوهابية
ولا يظن ظان أن الحركة التعليمية في جزيرة العرب قد بقيت كما كانت عليه قبل. فأما في نجد والحجاز فلا يخفى أن الدعوة الوهابية توجب حمل جميع الناس على التعليم بدون استثناء، وهو عندهم بمقام الجهاد. فترى المعلمين والفقهاء يجوبون الحواضر والبوادي ويفتحون الكتاتيب للأحداث، وربما شرقت قبائل من العرب وغربت والمعلمون معها حتى لا ينقطع التعليم بالرحيل، فالأمية في البلدان الخاضعة لسلطان ابن سعود ستكون نادرة، ولكن يعترض بعضهم قائلا: إن هذا التعليم النجدي لا يساعد الرقي المدني، بل هو من النمط القديم الجامد الذي ليس فيه كبير جداء
لأهل هذا العصر، وهذا القول مردود من وجوه؛ أولا أن النجديين يلتزمون تعميم القراءة والكتابة في البدو والحضر، فزوال الأمية هو بنفسه درجة عالية من العلم، ثم إنهم يحفظون أحداث القرآن الكريم ويفسرونه لهم بعد رشدهم، وأي كتاب حث على العلم والتعليم والسير والنظر أكثر من القرآن، وأي كتاب قدس العلم والعلماء ونوه بالحكمة والحكماء أكثر من القرآن.
الإصلاح والعمران في المملكة السعودية
ثم إن منزع النجديين في الدين منزع إصلاح وترقية وتنقية، ومشربه بعيد بالمرة عن الخرافات، فهو مشرب إصلاحي مستحب جدا في العصر الحاضر. وإذا سألت الأوربيين أنفسهم قالوا لك: إن مثل هذا المشرب هو الذي فك قيود الأفكار وحل عقال العقول في أوربة. وكان فاتحة عهد الارتقاء، وكثيرا ما أطلق الأوربيون على الوهابيين لقب (بروتستان الإسلام)، ثم إن هذا الملك عبد العزيز بن سعود إمام الوهابيين القائم بتنفيذ مبادئهم، لا يقف عن قبول أي علم نافع أو اختراع عصري مفيد؛ فهو يجهز مملكته بجميع طرق العمران الحديثة، وعنده التلغراف السلكي واللاسلكي في جميع بلاده، وعنده التليفون والراديو، وعنده السيارات الكهربائية تسير في طول البلاد وعرضها حتى صارت تلك الأرض الشاسعة تطوى طي السجل للكتاب. ومن أعمال ابن سعود اعتناؤه بالصحة العمومية وتعويله فيها على الوسائل العصرية الحديثة، وقد بدأ استخدام الطيارات في الجيش، ولو كانت ميزانيته المالية تأذن له في الإنفاق كما يشاء لما سبقه في هذا الميدان سابق، ولكانت الأدوات العصرية في جيشه لا تقل عن مثلها في أي جيش أوربي، ولكن المال قوام الأعمال، ثم إذا كان المراد من العلم والتعليم هو إيجاد الأمنة في السوابل، فلا يكون في هذا المعنى أرقى من مملكة ابن سعود، لأن الأمن العام ضارب أطنابه في بلاده كلها، وواصل إلى الدرجة التي يتحدث عنها المؤرخون في الكتب بعد أن كانت تلك الصحارى أشبه بمسبعة تزأر فيها الضواري من كل فج. وبالاختصار، فالوهابيون يقبلون كل إصلاح ما لم يصادم الدين، والعلم والدين لا يتصادمان في الحقيقة إلا عند من لم يحسن فهم كل منهما.
النهضة العلمية في اليمن
أما اليمن فإنه يضارع مملكة ابن السعود في أمرين: عموم التعليم والأمن الشامل، فقد بلغني أنه لا يكاد يوجد في اليمن قرية تخلو من فقيه يعلم الأحداث القراءة والكتابة، وأنه لا توجد مدينة ولا قصبة في اليمن إلا فيها حلقات تدريس للعلوم والشرعية. فالأمية في اليمن نادرة، نعم لا يوجد هناك من يعتني بالعلوم العصرية إلا نادرا، وهي علة قد تزاح قريبا، لأن العلوم الأدبية لا بد أن تثير حركة في الأفكار وتجعل نهضة في النفوس، وهذه من شأنها أن تهتف بنشدان العلوم الطبيعية، وذلك كما جرى في مصر والشام وغيرهما. هذا وإمام اليمن يحيى بن محمد بن حميد الدين هو بنفسه عالم فاضل متبحر سيال القلم لا يغرب عن باله شيء مما يجب لترقية بلاده، ولذلك نراه مهتما بالمدرسة العسكرية التي في صنعاء، وعنده معمل سلاح صغير شاهدته بعيني أنا وزميلاي هاشم بك الأتاسي رئيس الجمهورية السورية والحاج أمين الحسيني مفتي القدس الشريف ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى، وعلمنا أن هذا المعمل يقدر أن يعمل البنادق وعلف البنادق كما يصنعونها في أوربة. ورأينا مصنوعات هذا المعمل عيانا، ولنا الأمل بأن تتسع دائرة هذا المعمل، وأن يتأسس في البلدان العربية معامل أسلحة كثيرة تكون وافية بحاجات أهلها، ولا ننسى أن العراق والشام والمملكة السعودية في مقدمة الأقطار العربية التي تحتاج إلى مثل هذه المعامل، لأن على العرب واجبا لا يجوز أن يغفلوا عنه طرفة عين، وهو أن لا يكونوا عيالا على أوربة في التسلح، فإنه إن أمكنهم ذلك في زمن الحرب، استطاعوا أن يدفعوا
الأخطار عن بلادهم وخير للأرض أن تستغني بمائها عن مياه غيرها التي يجوز أن تنقطع عنها.
الشعر والشعراء
أما اللغة العربية من حيث هي، فقد طارت في هذه الخمسين سنة الأخيرة بجناحين وصارت إلى جلالها الماضي وعنجهيتها القديمة، فكثر في السنين الأخيرة سواد الكتاب والشعراء حتى صاروا يحصون بالمئات إن لم يكن بالألوف، ونبغ منهم فحول يقدر الإنسان أن يلزهم في صفوف المنشئين والشعراء من أهل القرون الأولى للإسلام عندما كانت اللغة في إبان سورتها فلا تنظر في جريدة إلا تجد فيها من النظم الفائق والترسل الرائق لشبان لم تسمع في عمرك بأسمائهم، هذا عدا المفلقين والعباقر الذين سارت بذكرهم الركبان وحفظ الرواة من شعرهم كما يحفظون شعر المتنبي وأبي تمام، ولم يكن منذ خمسين سنة بمصر والشام والعراق والمغرب معشار العدد الذي نجده في يوم الناس هذا من هذه الطبقة الراقية في الأدب منذ خمسين سنة أو ستين سنة فما قبل. وكان إذا نبغ شاعر أو بزغ كاتب، ضرب به المثل لتفرده وخلو الجو من حوله، والحال أنه لو نشرته اليوم من قبره، وعرضته في الجمع، لوجدت أمثاله يعدون بالعشرات، وإن كانت لا تزال له طلاوة، فهذه الطلاوة لا ترتفع به إلى صفوف العبقريين، وإنما تجعله في صف المجيدين، وقد كنا في سورية لا نعرف شاعرا أحسن من ناصيف اليازجي اللبناني، الذي نبغ في بيروت وصارت له تلك الشهرة الطائرة باستحقاق، وهو لو وجد في زماننا هذا لما كان إلا واحدا من جماعة، وكان في بيروت من الشعراء المجيدين عمر الأنسي البيروتي يقرأ الإنسان شعره بلذة. وكان قبل الأنسي واليازجي أمين الجندي وبطرس كرامة، كلاهما من حمص ولهما قصائد كسبا بها شهرة لا تزال لهما إلى اليوم، ولو أنهما عاشا في هذا العصر لم تكن لهما هذه الشهرة بالرغم من إجادتهما، وعلو طبقتهما، وقد سأل الأمير بشير الشهابي أمير لبنان في وقته الشيخ أمين الجندي عن المعلم بطرس كرامة قائلا له: ما نسبة المعلم بطرس إليك في الشعر؟ فأجابه: نسبة الثعلب إلى الأسد. ولم يكن هذا الجواب صحيحا لأن لبطرس كرامة من الشعر لا سيما الغزل والنسيب ما لا يقل رونقا عن شعر الجندي. وكان في بغداد ثلاثة شعراء أو أربعة اشتهرت أسماؤهم في بلادنا مثل عبد الباقي العمري وصالح التميمي وعبد الحميد الموصلي وعبد الغفار الأخرس. وكان أكثرهم شهرة عبد الباقي العمري وعبد الحميد الموصلي هنا بسبب مراسلاتهما مع ناصيف اليازجي. كما أن شهرة صالح التميمي كانت بسبب المناقشة التي وقعت بينه وبين بطرس كرامة، وهذه الطبقة، وإن كانت تعد من الطبقة العالية في الأدب، فإن الذين جاءوا بعدها ردوها إلى الوراء، فبعد أن كانت من المجلين صارت من المصلين، اللهم إلا إذا حسبنا الشاعر الأرزي الذي لا يلز هؤلاء في قوته، ومن قبله ابن معتوق الذي كان يضارع الشعراء الأولين. وأما في مصر فما بدأ الشعر ينهض إلا بنبوغ محمود صفوت وبعده محمود سامي وهو صاحب النهضة الشعرية الكبرى. وقد أجمع مؤرخو الأدب على أنه مجدد الشعر العربي في هذا العصر، وأنه الذي أعاد إليه ديباجته الأولى التي كانت القرون الأخيرة لا تعرف منها شيئا، وما كان شوقي وحافظ وغيرهما من شعراء مصر إلا مبعوثين في عالم الأدب بأنفاس محمود سامي العالية، واليوم لا يكاد يحصى عدد المجيدين من شعراء مصر وأغرب منه نبوغ شعراء في السودان لا يقل شعرهم في الإجادة عن شعراء الأقطار العربية الأخرى. وقد نبغ في تونس في القرن الماضي محمد قباد وهو صاحب تشطير (أفاطم لو شهدت ببطن خبت) الذي دخل فيه مدخلا لا يفترق عن الأصل، والذي له قصائد أخرى جياد. وجاء بعده شعراء في تونس لم أعلم منهم أحدا بلغ مداه. وقد هبت ريح الأدب في هذا العصر في أرجاء الجزائر والمغرب الأقصى، وظهر شعراء ومترسلون يمكن أن يضعهم القارئ
في صعيد واحد مع شعراء الشرق. ومهما قيل في ترقي الشعراء في هذا العصر الأخير، فأعظم منه كان ترقي الكتابة التي لم تتقدم في فصاحة الألفاظ وتنقيح الجمل فقط، بل علت ببلاغتها وحسن أسلوبها وتشبعها بالمعاني الكثيرة التي أوجدتها الحركة العلمية الحديثة فأديل من الصناعة اللفظية والسجع الرنان بالمسحة العلمية والإنشاء المرسل الملآن، وهذا النوع من الكتابة هو أصعب أنواعها لمن أراد أن يسمى كاتبا، ولا نزاع في أن ترقي كل من فني الشعر والكتابة في الأدب العربي قد كان وليد النهضة العلمية العامة التي حملت المتأدبين على مراجعة أحسن ما كتب العرب وخلفوه في زوايا المكاتب فسمت الهمم بسبب هذه النهضة العلمية إلى طبع الكتب التي لا تزال مجهولة، أو مما ينحصر اقتناؤه في بيوت الأمراء والكبراء فصارت هذه الكتب من مثل ترسل ابن المقفع والجاحظ وأمثالهما مشاعا بين جميع عشاق الأدب، وكانوا كلما قرأوا كتب الأوربيين شعروا بحاجة إلى مادة أغزر من اللغة العربية وأساليب أطلى وفنون أبدع ومجال أوسع، فكأن اللغات الأجنبية هي نفسها قد كانت الحافز الأعظم على إتقان العرب المحدثين للغتهم وارتوائهم من معينها، ولا عجب في ذلك، فالعلم يزيد بعضه بعضا سنّة الله في خلقه.
الفقه الإسلامي
هذا ما كان من جهة الأدب العربي، وأما من جهة الفقه الإسلامي فلا نقدر أن نقول إنه تقدم إلى الأمام، بل رجع في الحقيقة إلى الوراء، وذلك باستغناء الناس عنه بعلم الحقوق منذ ترجمت الدولة العثمانية هذا العلم عن قوانين أوربة إلى التركية والعربية. ومن عادة الناس أن يكون أكثر انشغالهم بما ينفعهم في دنياهم، وليس كل العلم طراز مجالس. نحن أولاء قد أدركنا في أواخر القرن الماضي طبقة عالية من علماء العلوم الشرعية في دمشق مثل الشيخ محمود الحمزاوي والشيخ سليم العطار والشيخ بكري العطار والشيخ سعيد الأسطواني والشيخ الطنطاوي والشيخ علاء الدين عابدين والشيخ محمد البيطار وأخيه الشيخ عبد الرزاق البيطار والشيخ طاهر الجزائري والشيخ عبد الغني الميداني والشيخ محمد الخاني والشيخ جمال الدين القاسمي وغيرهم. وكان الناس يستفتونهم في النوازل ويعولون على آرائهم في الدين والدنيا، فلما انتشرت العلوم العصرية، ومنها القوانين الأوربية المترجمة التي عملت الدولة بها، صار إذا مات واحد من هؤلاء الفقهاء لا يخلفه غيره، وما زال الأمر كذلك إلى أن كادت هذه الطبقة تنقرض بالمرة. وكذلك كان في بيروت الشيخ محي الدين اليافي والشيخ يوسف الأسير والشيخ إبراهيم الأحدب، وفي طرابلس الشيخ حسين الجسر والشيخ محمود نشابة، فمات كل هؤلاء ولم يخلفهم أحد، وصار النبوغ للمحامين الذي تخرجوا في المدارس الأوربية أو في مكاتب الدولة العثمانية. والمحامون بمصر أكثر منهم بالشام لما في مصر من استبحار العمران. إلا أنه نظرا لوجود الأزهر ومدرسة القضاء الشرعي في مصر، بقي حملة العلوم الشرعية فيها أكثر منهم في سورية، وكان الواجب على هذه الأمة في كل قطر أن لا تهمل هذا العلم الذي هو من مفاخر الثقافة العربية ومن محاسن تاريخها والذي لا يستغني عنه المسلمون في المعاملات الدنيوية، فضلا عن المسائل الاعتقادية.
الطب والأطباء والصيدلة
وأما الطب فهو من العلوم التي يقوم عليها المشارقة أكثر من غيرهم ويوفقون فيها. ومن الأطباء الشرقيين من يقيمون الآن في أوربة ويشتهرون بالنبوغ بين أهلها. وقد كانت الدولة العثمانية من الدول الراقية في علم الطب حتى يقال إنها في الدرجة الخامسة بالنسبة إلى الدول الأخرى، وقد نبغ فيها عدد كبير من الأطباء الجراحين يعدون في الطبقة العليا بالنسبة إلى
أطباء أوربة وجراحيها أنفسهم، منهم أتراك ومنهم عرب ومنهم أروام ومنهم أرمن. ولا نقدر أن نقول إن سورية متأخرة في حلبة الطب هذه عن غيرها، بل إني أتذكر أنه لما نشبت الحربة العامة، واحتاجت الدولة إلى أطباء لجيشها ساقت إلى الجيش 200 طبيب ذي شهادة من جبل لبنان وحده وبقي عدد كبير منهم في البلاد. واليوم قد ازداد هذا العدد على ما كان عليه قبل، وبلغني أن في دمشق وحدها اليوم (150) طبيبًا، وإنا نرى خريجي مدارس الطب من السوريين يتعاطون صنعتهم هذه في مصر والعراق والسودان والحجاز وغيرها. وما يقال في الطب يقال في الصيدلة التي لها ممثلون كثيرون من أبناء سورية. وكذلك بدأ كثير من الشبان يدرسون في أوربة علم الجراثيم (البكتريولوجية).
منافسة سورية للبلاد العربية
وما من علم يجدّ في أوربة إلا أقبل عليه الشرقيون كما أقبل الغربيون وأخذوا منه بنصيب. فالمباراة إذا جارية بكل ما يمكن من الهمة. على أن سورية في علم الطب وتوابعه هي ذات المركز الأول في البلدان العربية، وذلك لسبقها غيرها إلى ورود حياض العلوم الكونية، فلا مصر ولا العراق ولا جزيرة العرب ولا إيران ولا المغرب تضارع سورية في هذا الموضوع. ولكن نحن على ثقة أن جميع البلاد العربية من الآن إلى ثلاثين وأربعين سنة تصير متساوية بعضها إلى بعض في درجة الرقي العلمي. ومن العلوم التي يمتاز بها العرب، ولا سيما السوريين منهم، العلوم العددية. وقد نبغ الكثيرون ممن لا نقدر على إحصاء أسمائهم، نذكر منهم على سبيل التمثيل الشيخ محمد الطيبي في دمشق والمعلم بطرس البستاني والمعلم أسعد الشدودي في بيروت وغيرهم. ولما كان السوريون من أقوى أمم الأرض على التجارة، كان علم الحساب من العلوم التي يتخصصون بها بطبيعة الحال. وكذلك في مصر لا ينكر ترقي العلوم الرياضية التي مصر من مراكز ازدهارها، بل نقدر أن نقول إن المهندسين فيها أكثر منهم عددا في سورية، نظرا لأن الزراعة في وادي النيل أرقى بكثير منها في سورية. بقي علينا أن ننظر كيف يكون اتجاه الأمة العربية في المستقبل من جهة الثقافة! أتأخذ بالثقافة الغربية ولوازمها ومتمماتها إلى النهاية، أم تبقى معتصمة بثقافتها الشرقية الأصلية لا تبغي بها بدلا ولا عنها حولا أم تأخذ من الثقافتين معا وتجعل من ذلك ثقافة خاصة لا شرقية ولا غربية! هذا سؤال يرد كثيرا من خواطر الباحثين وكل منهم يذهب في الجواب مذهبا. وأظن أن ثقافة العرب المستقبلة ستكون عصرية آخذة من التجدد بأوفى نصيب، لكن مع الاحتفاظ التام بالطابع العربي، وهذه أشبه بما سبق للثقافة العربية في زمن بني العباس وفي زمن بني أمية بالأندلس حينما نقل العرب حكمة اليونان إلى لغتهم واطلعوا على علوم فارس والهند فجعلوا من هذه الثقافات الثلاث ومن الثقافة العربية الأصلية ثقافة جديدة عالية كانت أرقى ثقافة في القرون الوسطى، لكنها كانت زاهرة بطابعها العربي الذي لم يكن يفارقها بحال من الأحوال، وهكذا ستكون ثقافة العرب بعد اليوم غير جامدة على القديم الذي ثبت للعرب المحدثين وجوب التعديل فيه والإضافة إليه، ولن تكون منسلخة من القديم جاهدة في التبرؤ منه على النحو الذي نحاه الأتراك الكماليون الغالبون على تركية اليوم. ولكنها تكون ثقافة جامعة بين القديم والجديد، مختارة من كل شيء أحسنه مع بقاء الصبغة العربية التامة غير المفارقة للعرب، وذلك على النحو الذي نحاه اليابانيون الذين اقتبسوا جميع علوم الأوربيين ولم يغب عنهم منها شيء ولا فاتهم من صناعات أوربة دقيق ولا جليل، ولبثوا مع ذلك يابانيين أصلاء في لغتهم وأدبهم وطربهم وطعامهم وشرابهم وجميع مناحي حياتهم، وحسب العرب قدوة للاقتداء ومثالا للاحتذاء هذه الأمة اليابانية العظيمة التي لا يوجد أشد منها رجوعا إلى قديم ولا آخذا منها بحديث.
والآمال معقودة بأنه ستكون في الشرق الأدنى نهضة عربية علمية تضاهي النهضة العلمية التي رأيناها في الشرق الأقصى.
لماذا تأخر الشرق الأدنى عن الأقصى
وإن كان الشرق الأدنى قد تأخر عن الأقصى في درجة الرقي العصري، فلم يكن ذلك كما يتوهم بعضهم من جمود الأمم الشرقية العربية وتفوق اليابانيين عليهم في حب العلم ونشدان وسائل القوة، وإنما كان الموقع الجغرافي للبلاد العربية قد عرضها من هجوم الأجانب وغاراتهم المتوالية لما لم يتعرض له اليابانيون بسبب تقاصي ديارهم وبعد مزارهم بحيث خلا لهم الجو وتمكنوا من أن يتعلموا ويتهذبوا آمنين على حوزتهم، وهذا فرق طالما غفل عنه الناس ولم يتفطنوا لخطورته، فحملوا بسبب غفلتهم عنه على الشريعة الإسلامية وجعلوها، ظلما وعدوانا، هي المسؤولة عن هذا التأخر، والمسؤول الحقيقي في الواقع هو الاعتداء الأجنبي المتواصل الذي يتيسر في الشرق الأدنى ما لا يتيسر في الشرق الأقصى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته شكيب ارسلان المصدر: مجلة مجمع اللغة العربية، م. 15 ج 11 12، كانون أول 1937 الأمير شكيب أرسلان
الوحدة العربية
بسم الله الرحمن الرحيم كلمة الناشر ألقى صاحب العطوفة الأمير شكيب أرسلان في النادي العربي في دمشق محاضرة قيمة عن الوحدة العربية ضمّنها النادر الطريف من علمه الغزير وخبرته الواسعة. وقد أذنت لنا هيئة النادي العربي الموقرة بنشرها ليعم نفعها وهي صفحة رائعة حافلة بالآراء السديدة حول الوحدة العربية المنشودة حقق الله الآمال ووفقنا لنشر كل صالح مفيد محمد ياسين عرفة
محاضرة عطوفة أمير البيان الأمير شكيب أرسلان
التي ألقاها في ردهة النادي العربي في الساعة الثامنة والنصف من مساء الاثنين في 37/9/20 قبل أن أبدأ بالكلام على موضوع المحاضرة التي أريد أن ألقيها أستميح مخبري الجرائد الرجاء بأن لا ينشروا منها شيئا قبل اطلاعي عليه وإجازتي نشره، وذلك حتى لا يقع معنا مثل ما وقع في خطبتنا التي ألقيناها في جامع حلب والتي من أجل كلمة واحدة جرت سهوا على قلم واحد من مخبري الجرائد ثارت تلك الضجة المعلومة عندكم، وشرع بعض الناس يحملون علينا تعنّتا وتحاملا دون أن يروا إمضاءنا على تلك الخطبة ودون أن يعلموا أصل الكلام، فالتزمنا أن نوضح الحقيقة أربع مرات في الصحف لإزالة سوء فهم مصدره غلطة واحدة من مخبر جريدة، وبعد هذا أقول: بعض المفكرين يرون أن الإكثار من التكلم على القضية العربية ودوام الخوض في حديث وحدة العرب ليسا من المصلحة في شيء، لأن الأعداء الكثيرين الذين
يتربصون الدوائر بالأمة العربية يتخذون من ذلك سببا لإيجاد العثرات في طريق هذه الوحدة، ولعرقلة هذا المشروع بجميع الوسائل التي لديهم. وأنا لا أرد هذا الكلام على إطلاقه، فإنه ليس من الحزم أن نبوح بكل ما عندنا في هذه القضية، وليست السياسة في عرض كل شيء على الجمهور، وقد ورد في الحديث الشريف «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان» ومن قديم جاء في الأمثال «ما كل ما يعلم يقال»، وقد سبقت لي جملة في إحدى الجرائد «إن من الأمور ما يجب أن لا يتجاوز البحث فيه الجدران الأربعة من البيت في أجواف الليالي تحت الأيمان المغلظة التي تندق من دونها الرقاب» وجعلت مرة عنوان إحدى مقالاتي: «لنقُل قليلا ولنفعل كثيراً». ولكن الأمر بعدم التحدث عن القضية العربية لا أوافق عليه أصلا، لأن الأمة العربية لما تبلغ من الثقافة والاستعداد ونضج الأفكار في الوقت الحاضر ما يؤهلها لفهم جميع ما تحتاج إلى معرفته في موضوع الوحدة دون أن يتحدث إليها الناس فيه، ضتىقلامو عنالام اله اوحضويو، هقئاقد اله اوحشيرو فإذا بقي هذا الحديث مطويا على غرة توهم الكثيرون من العرب أن ليس هناك مشروع يقال له مشروع الوحدة العربية. إذن يتعين علينا أن نبحث في هذا الموضوع علنا ونجيل فيه قداح الفكر، وأن نخبر الناشئة الجديدة بما عندنا فيه ونطلعهم على البضاعة التي في مخزننا مما يتعلق بهذا البحث حتى إذا انصرفنا من هذه الدنيا يكونون على علم بمقدماته وكيف وصلنا من القضية إلى ما وصلنا إليه، فربما وجدوا عندنا حقائق يصعب عليهم الاطلاع عليها إذا فارقنا الحياة ولم نشافههم بها من الآن. نبدأ بالقول: هل الوحدة العربية ضرورية للعرب أم لا؟ فإنه من الأمور المنطقية أن الإنسان لا يقدم على عمل إلا إذا اعتقد ضرورته له، وما لم يعتقد هذه الضرورة فغير معقول أن يقدم عليه فضلا عن أن يتجشم له المشاق، فهل وحدة العرب السياسية هي من الأمور الضرورية لحياة العرب؟ أم هو مشروع معدود من الأمور الكمالية قد يستغني عنه العرب ولا يستحق أن تتوجه إليه الهمم وأن تضرب إليه آباط الإبل؟ الجواب عن هذا أننا إذا أنعمنا النظر في حالة العرب الحاضرة ومواقعهم الجغرافية ومطامع الدول المحيطة بهم سواء في الشرق أو في الغرب، وجدنا وحدة العرب هي لهم ضرورة من الضرورات الحيوية حتى يعيشوا آمنين وحتى يستوثقوا من مستقبلهم ولا يتعرضوا للمصائب التي سيحدثها لهم بقاؤهم مفككين مبعثرين كما هم الآن. إن العصر الحديث بما فيه من عناصر الجشع وسياسة التكالب المستمر على أملاك الضعفاء أصبح غير متحمل إحراز نصيب شريف من الحياة للأمم الصغيرة أو للأمم التي تفكك أوصالها قد جعلها في حكم الأمم الصغيرة، ولو كانت هي في الأصل كبيرة، وقد يقال إن كثيرا من الأمم الصغيرة تعيش في أوربة معيشة الأمم الكبيرة ولا نجد الكبير هناك قادرا على التهام الصغير. والجواب عن هذا أنه في نفس أوربة لا نزال نجد الدول والأمم الصغيرة في خوف دائم على استقلالها، وكثيرا ما وقع أن بعضها صار عرضة لغارات الأمم الكبرى كما وقع في أوائل الحرب العامة عندما دخلت الجيوش الألمانية إلى بلجيكا عنوة مجتازة منها إلى فرنسا. وكما حصل مع اليونان عندما احتلتها دول الحلفاء بالرغم من حكومتها الشرعية وجعلت بلادها مجالا لحركاتها العسكرية. ولو أردنا استقصاء الأمثال على عبث الدول الكبار بحقوق الدول الصغار لطال بنا المقال واستغرق ذلك مجلدات، على أنه لا ينكر أن في أوربة نعرة أوربية حرة غالبة على الأوربيين، وكثيرا ما تقف بمطامع الدول العظام وتردها إلى الوراء، حتى أنك لتجد عند الدول الكبيرة أناسا قائمين من أنفس رعاياها إذا رأوها تحدث نفسها بالاعتداء على دولة صغيرة ثاروا في وجهها، ففي أوربا إذا رأي عام أوربي يغار على الجنس الأوربي أيا كان ويتوجه في أكثر الأحيان لحفظ التوازن وللدفاع عن الضعيف من الأوربيين مما قد حفظ إلى يومنا هذا
كيان هذه الدول الصغار التي لا تقدر هي بنفسها أن تساوي في القوة تلك الدول الكبار إذا أرادت أن تعتدي عليها، لكن ما يقال عن أوربة لا يقال عن آسية وأفريقية اللتين جرت عادة دول أوربة أن تعتدي على كل ما تقدر أن تعتدي عليه منها بدون حرج. وإذا وقع شيء من ذلك لا نجد الرأي العام الأوربي ثائرا كما يثور في حال اعتداء إحدى الدول الكبرى على دولة أوربية ضعيفة. فلو فرضنا أن دولة أوربية مدت يدها إلى مملكة من الممالك العربية وقضت على استقلالها فإن أوربة لا تهتز لهذا الأمر ولا تقوم وتقعد كما لو حصل مثله على مملكة أوربية ولنا على ذلك شواهد متعددة، فلم يعد ممكنا إذن أن يعيش العرب آمنين في أوطانهم ما داموا مليونا في هذا القطر ومليونين في ذاك القطر وثلاثة ملايين في ذلك القطر، وكل منها لا يربطه بالآخر غير النطق بالضاد، فأنتم تعلمون القوى العظيمة الهائلة التي عند دول الاستعمار اللائي منها ما يقود مائة مليون من البشر ومنها ما يتولى أربعمائة مليون وهلم جرا. لا أمل في ثبات العرب أمام دول كهذه إلا إذا كانوا متحدين جبهة واحدة في وجه الأجنبي الطامح بحيث لا يكونون في كتلتهم هذه أقل من عشرين مليونا وبحيث يعلم الأجنبي أن اقتحام هذه الكتلة في عقر دارها، وهي متحدة قلبا وقالبا مجهزة بأسباب الدفاع اللازمة، يكاد يكون النجاح فيه محالا. وقد رأيتم أيها الإخوان في السنة الماضية كيف أن الحبشة مع شدة بأس رجالها ومع أن أهلها يبلغون عشرة ملايين تقريبا لم تقدر أن تثبت في وجه إيطالية أكثر من ستة أشهر. وبعد هذا أقول أن الأخطار التي تتهدد العرب والتي توجب وحدتهم جميعا وتقضي بسرعة على هذه الوحدة تنحصر في ثلاثة: الأول: هو الخطر الشمالي المعني به خطر الترك الذين يتهددون شمالي سورية وشمالي العراق والذين ينتظرون نشوب حرب أوربية حتى يحققوا ما بأنفسهم من المطامع في بلادنا، ولا عبرة بما يؤكدونه بين وقت وآخر من حسن نيتهم بحق البلاد العربية، فهذه هي شنشنة جميع الدول، وهي أن يقولوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، فلو كان عند الترك من حسن النية ما يزعمونه ما كانوا اضطربوا ذلك الاضطراب العظيم عندما سمعوا بأننا ننوي توحيد العراق مع سورية، فلم يكن ثمة شيء يخشى منه عليهم، وليس في نية العرب أن يتجاوزوا بمقدار سنتيمتر على الترك، وكل ما يطمحون إليه هو أن يسلموا من تجاوز الترك، فلما بلغ الترك أن الملك فيصل شارع في قضية توحيد القطرين الشقيقين أنذروه بأنه إذا بقي مصرا على مشروعه هذا فإنه يجد تركية وإيران والروسية متفقات على منعه بالقوة، قالوا له هذا في وجهه، وقد حدثني هو بذلك، أفهذا كلام جيران لهم شيء من حسن النية بحق العرب؟ أنا لا أتكلم عن الشعب التركي نفسه فإنني أدري جيدا أن هذا الشعب لا ينوي لنا إلا الخير كما أننا نحن لا ننوي له إلا الخير، ولا نرضى أن دولة جنبية تستولي على تركية أو تهيض من جناحها، وكم فرح العرب يوم استقلال تركية وطردها اليونان من بلادهم، وإنما أتكلم عن الحكومة التركية الحاضرة التي عندي من الدلائل أكثر من واحد على أنها تضمر لسورية وللعراق غير ما تظهر. وما دام الشعب التركي طائعا لحكومته الحاضرة، مسايرا لها في سياستها فإننا نعرف أن تركية غير مأمونة الجانب، وأنها قد تهجم علينا بأول فرصة إذا رأت نفسها مطلقة اليد، ولعمري إذا نشبت حرب أوربية فالمعاهدات الدولية الحاضرة تصبح حبرا على ورق، فلنكن إذن على حذر من جهة الشمال، ولنكن مستعدين للدفاع عن ذمارنا إذا خطر ببال الترك أن يغدروا بنا. الخطر الثاني هو من جهة الشرق وهو خطر قد يمكن أن يتأتى من جهة إيران لولا الجامعة الدينية التي تربط الإيرانيين بالعرب والتي من أجلها وقفت مؤخرا إيران إلى جانب العرب في قضية فلسطين، ويمكن أن يتأتى من جهة الإنكليز الذين غلبوا على عمان والكويت والبحرين، ثم في الأيام الأخيرة غلبوا على حضرموت والمكلاّ وجوارهما.
الخطر الثالث: هو الخطر الأوربي الغربي ومصدره لا يحتاج إلى بيان لأنه جائز الوقوع من عدة جهات كلما سنحت الفرصة لدولة استعمارية عظيمة لا يكون عندها مانع من أن تبسط إلينا يد الاعتداء، وربما حصلت المساومات فيما بينهن على بلداننا، فلم يبق لنا سوى الجهة الجنوبية بمأمن من الخطر، ولا عجب في ذلك فإن الجهة الجنوبية هي جهة عربية بحتة بل هي بنت العرب والعروبة، وهي التي لا بدلنا من الاتحاد معها حتى نأمن على أنفسنا وتأمن هي على نفسها، وليس فيما أقول عن هذه الأخطار الثلاثة أسرار يجب الحرص على كتمانها لأن الخطر الشمالي قد بدت لنا نواجذه عيانا في مسألة اسكندرونة، وطالما صرح رجال الترك حتى ذوو المناصب الرسمية منهم بأنهم لا يرضون بوحدة العراق وسورية، على حين أن هذه المسألة لا تعني الترك أصلا وأن العرب لم يتدخلوا ولا يتدخلون في أمور تركية الداخلية، وليس بسر أيضا كون الأوربيين طامحين بطبيعتهم إلى استعمار كل بلاد يقدرون عليها. فنحن إذن مضطرون بعد أن حاقت بنا الأخطار من الجهة الشمالية والشرقية والغربية أن نتحد اتحادا عسكريا واقتصاديا وسياسيا يضمن لنا البقاء ويقف بأطماع الطامعين فينا، لأن الطمع طبيعي في النفس البشرية لا يصده غير القوة، وليس هذا الاتحاد السياسي العسكري الاقتصادي مما يستلزم الاتحاد الإداري ويوجب تمام اندماج مملكة بأخرى، بل الوحدة العربية ممكنة بسهولة مع إبقاء كل من العراق وسورية والمملكة العربية السعودية ممالك مستقلة بإدارتها الداخلية، وقد رأينا في الماضي كيف كان اتحاد النمسا والمجر وكل منها مستقلة بإدارتها فلنتخذ هذا مثالا أمامنا. وعندنا مثال آخر وهو اتحاد دول الائتلاف الصغير وهي رومانية واليوغوسلافية والتشيكوسلوفاكية فإن كلا منها هي مستقلة تمام الاستقلال عن حليفتيها. ولكن بين الدول الثلاث المذكورات محالفة عسكرية واتفاق في أمور اقتصادية كثيرة مما جعل هذه الدول قوة كبيرة في شرقي أوروبة يحسب حسابها ويتهيبها جيرانها، فإذا كنا نحن السوريين متحدين مع إخواننا العراقيين أو مع إخواننا النجديين والحجازيين أو مع إخواننا اليمانيين فإن أمامنا مثالا نحتذيه. وما علينا إلا أن نعقد فيما بيننا معاهدات أشبه بما كان بين النمسة والمجر أو بالأقل أشبه بما هو اليوم بين رومانية وتشيكوسلوفاكية ويوغوسلافية ولقد تم بعض هذا الاتحاد العربي وذلك بالمحالفة العسكرية التي جرت بين العراق من جهة والحجاز ونجد من جهة أخرى ثم دخل فيها اليمن أخيرا فكانت دولا عربية ثلاثا متحدات في وجه كل من ينوي بأحدها شرا. ولم يمنع انضمام سورية إلى شقائقها الثلاث المذكورات سوى حداثة عهد سورية بالاستقلال وكونها الآن في دور انتقال فإذا دخلت المعاهدة السورية الإفرنسية في دور العمل وصارت سورية من جملة أعضاء جمعية الأمم فلا يبقى ما نع من صيرورة الدول العربية الثلاث أربعا يتكون من مجموع تبعتها عشرون مليونا، وبديهي أن فلسطين وشرقي الأردن هما أيضا داخلان في هذا البرنامج، فإن كنا الآن لا نتكلم عنهما في موضوع هذا الاتحاد العربي فليس لأنهما غير داخلين فيه بل هما من أركانه كما هي سورية وإنما نحن اليوم في إنقاذهما من الخطر الصهيوني الحائق بهما، ومن المعلوم أن درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، فرجاؤنا من كرم الله أن ينتهي أمر فلسطين باستبقائها بلادا عربية كما هو حقها وتتلاشى آمال اليهود الطامحين إلى تهويدها، وحينئذ تصير فلسطين من جملة أركان الاتحاد العربي الذي نحن في صدده. وكذلك توجد في أطراف جزيرة العرب أمارات كثيرة مثل لحج والنواحي التسع وحضرموت وظفار وسلطنة عمان وأمارة البحرين وأمارة الكويت وغيرها، فهذه كلها أسرع إلى الاتحاد العربي من الماء إلى الحدور، وذلك بمجرد تحققه بين الدول الأربع الشام والعراق ومملكة ابن السعود ومملكة اليمن، وعند اتحاد جميع هذه البلدان يبلغ العرب الذين فيها من العدد لا أقل من ثلاثة وعشرين مليونا من الأنفس، فإذا وجدت مصر في شرقيها ثلاثة وعشرين مليونا
عربيا متحالفين تحالفا عسكرياًاقتصادياًاجتماعيا متحدين كتلة واحدة في وجه كل مناوئ فلا نظن أنها تتردد في أن ترتبط مع هذه الأمة العربية الكبيرة ارتباطا متينا وثيقا عسكريا واقتصاديا. وتصير عندنا بذلك جبهة شرقية هائلة يربو عدد أهلها على خمسة وأربعين مليون نسمة، وإذا تم هذا الاتحاد وسيتم إن شاء الله فلا يبقى أحد منا نحن العرب غير آمن في سربه واثق في مستقبله، وهذه الوحدة العربية تسرع بهذه الأمة في جميع هذه الأقطار إلى نشدان أسباب الرقي بحذافيرها واستكمال وسائل القوة بأنواعها فلا يتم هذا الاتحاد حتى تراها كلها مجهزة التجهيز الدولي اللازم في كل معنى من معاني الحياة. وإن كان هذا التجهيز بطيئاًاليوم فما ذاك إلا لعدم تحقق الوحدة السياسية بالفعل، ولكون الأجانب لا يزالون يعملون نفوذهم في أطراف هذه البلدان وأحيانا في أحشائها فيعرقلون سير وحدتها ويقيمون مختلف العوائق في وجه نهضتها. فأما لبنان الذي كثيرا ما نسمع الاعتراضات على تلكؤه في لانضمام إلى سائر البلاد العربية فإنه قطر عربي بحت من جهة الثقافة واللغة، ولكنه ينشطر إلى شطرين في منحاه السياسي أحدهما يتولى الدول الأوربية ولا يأمن إلا تحت ظل سيادتها، والآخر ينظر إلى الشرق وإلى العالم العربي ولا يأمن إلا في حمى العروبة، وكل من الشطرين مناوئ للآخر، ولكن الرجحان بينهما إنما يكون من عمل الزمن الذي إذا ساعد الوحدة العربية وأدخلها في طور الفعل لم يمتنع لبنان كله أن يكون من أركانها. وإن قصر العرب عن تحقيق أمنيتهم هذه بقي لبنان على خطته الحاضرة وربما حمد الأوربية، وبالإجمال فليس لعشاق هذا المشروع اليوم أن يجعلوا لبنان من أهدافهم القربى، لأن وحدة العرب إنما تبدأ في مركز قوتها ولبنان ليس مركزة قوة لها وإنما هو مركز تردد فيها: القوة تقضي به والعجز يمنع منه. وأما شمالي أفريقية فهو عبارة عن أقطار عربية متصلة دينها الإسلام وثقافتها لا تختلف في كثير ولا قليل عن ثقافتنا، وإن البربر الكثيرين الذين يسكنون في بعض تلك الأقاليم الواسعة لم يخرجوا عن كونهم أمة عربية، فقد ترجحت عروبتهم من جهة التاريخ وإنهم من أصل سامي إلا قليلا منهم، والجميع يدينون بدين العرب الذي هو الإسلام ويشعرون مع العالم الإسلامي بشعور واحد في السراء والضراء، فنحن مع شمالي أفريقية بجميع قلوبنا، وأهل شمالي أفريقية هم معنا بجميع قلوبهم، ولا نفرقهم عن أنفسنا في شيء كما أنهم لا يفرقونا عن أنفسهم في شيء، ولكن وحدتنا معهم لا تتعدى الوحدة الدينية واللغوية والثقافية والاجتماعية، فإذا جرى تجاوز على دينهم أو لغتهم فالعالم الإسلامي عموما والعالم العربي بخاصة ينهضان للذب عنهم، لأن هذا من الحقوق العمومية، وفي نفس جمعية الأمم مقرر كون الدفاع عن حرية الأديان والألسن هو من المبادئ التي ينبغي لعصبة الأمم أن تعنى بها، فأما الوحدة السياسية بيننا وبين شمالي أفريقية فليس من الممكن البحث فيها بالنظر إلى أوضاع تلك البلاد الحاضرة، وهي أوضاع تختلف اختلافا بعيدا عن أوضاع البلاد العربية الشرقية، وذلك أن هذه مطلقة الأيدي لا يعوزها سوى صحة العزيمة حتى تتحد كتلة واحدة، بخلاف تلك التي لا تزال مقيدة بقيود ثقيلة ويكون في غير مصلحة أهلها تعرضنا نحن إلى مصيرها السياسي، وغاية ما يمكننا أن نقول: إن هذا المصير هو عائد إلى أهلها دون غيرهم يختارون لأنفسهم ما يشاؤون من مصير سياسي، والعالم العربي والعالم الإسلامي من ورائه يعطفان عليهم بمجامع قلوبهما عطفهما على أخلص البلاد العربية الإسلامية، وإن كنا لا ندخل هذه الأقطار في برنامج الوحدة العربية الشرقية فلم يكن ذلك من قبيل الاستئثار بمصلحة الشرق الإسلامي دون الغرب الإسلامي فإنهما واحد، وإنما كان ذلك لأن الحكم في الموضوع السياسي العائد إلى المغرب منوط بإرادة أهله، والحقيقة أن هذه الأمة هي هي أينما وجدت وأنها (شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية). ثم نقول إن وحدة العرب التي نتكلم عنها لا يمكن أن تقع دفعة واحدة بل هي كسائر المشروعات العظيمة
غير قابلة للتحقيق إلا تدريجيا، سنّة الله في خلقه ولن تجد لسنّة الله تبديلا، وهذا التدريج في إتمام مشروع الوحدة لا يقتصر على الكمية بل هو شامل للكيفية أيضا، فمن جهة الكمية نقول إننا لسنا قادرين على أن نحقق وحدة الأقطار العربية في الشرق في سنة واحدة بل إن هذا الأمر يقتضي سنوات غير قليلات، وهذا إن رافقته الهمم العالية والعزائم المشبوبة، فالمرحلة الأولى منه قد اجتيزت بتحالف اليمن والدولة السعودية والعراق تحالفا عسكريا، والمرحلة الثانية ستكون بانضمام سورية وشرقي الأردن وفلسطين إلى هذا الحلف العربي الذي انعقد القسم الأول منه. وأما من جهة الكيفية فلا يخفى أنه يتعذر ربط جميع هذه الحكومات العربية المتباعدة بأقطارها المحرومة إلى الآن من السكك الحديدية الكافية وذلك برابطة واحدة تكون هي هي في كل قطر منها، بل الرابطة فيما بينها يكفي منها في مبدأ الأمر الاتحاد العسكري والاقتصادي ثم إن الزمن وانتشار العلوم يكفلان فيما بعد تحقيق تلك الرابطة على الوجه الذي نراه اليوم في الممالك الأوربية التي كانت من قبل مفككة مبعثرة كما هم العرب اليوم. إذن لا بد من التدريج في هذه الوحدة سواء من جهة الكمية أو من جهة الكيفية، ولكن قولنا بالتدريج لا يعني بذلك أننا سنقضي قرونا وأعصرا حتى نجعل وحدتنا هذه حقيقة من الحقائق، فإنها ولله الحمد سائرة بين العرب بسرعة الكهرباء، وكل من عرف سورية وفلسطين من عشر سنوات وشاهدهما الآن وجد نمو الفكرة العربية فوق كل تصور ورأى أن البلاد قطعت من هذه الناحية أشواطا ما كان يظن أنها تقطعها في مائة سنة، وكذلك بلغ من شيوع هذه الفكرة بين العرب البادية الأميين أن صاروا يتحدثون بها في الصحراء وأن بيوت الوبر كبيوت المدر صارت تضم السامّر كل ليلة لأجل التحدث عن الوحدة العربية، والحال أن ألفاظا كهذه لم يكن يسمعها الناس في الماضي من أصلها فضلا عن أنهم إن سمعوها لا يفهمون لها معنى، فسرعان ما صارت اليوم موضوعا للأسمار ومتجها لجميع الأفكار. ولقد كنت منذ ثماني سنوات في الحجاز فرأيت من نهضة الشبان هناك وغرامهم بحديث الوحدة العربية ما يفوت كل ما كنت أتوقعه، فقد كانوا في كل مأدبة وفي كل اجتماع يلقون الخطب الفياضة بهذا الحديث المستعذب وينتدبونني أن أتكلم فيه وأطيل الكلام ما شئت حتى يشفوا ما في صدورهم منه، وكذلك عدت إلى الحجاز منذ ثلاث سنوات فرأيت النهضة العربية قد ازدادت على ما كانت من قبل، ولما ذهبنا إلى صنعاء اليمن وجدنا مع الدهشة هذه الحالة بعينها مع أن اليمن كان في الماضي بعزلة تامة عن هذه المواضيع فأصبح اليوم لا يفترق عن غيره من أقطار العرب مستنجزا هذه الوحدة التي أيقن جميع العرب أن حياتهم تتوقف عليها ولا ننكر أنه قد كان للصحافة العربية اليد الطولى في نشر هذه الأفكار وبها اجتازت هذه القضية ما اجتازته من المراحل، ولكن لا يجوز أن نقتصر في وسائلها على عمل الصحافة وعلى مناهج التعليم بل هناك وسائل أخرى لا تقل بالا عن الوسائل الأدبية وهي تسهيل المواصلات وتعبيد الطرق للسيارات ومد السكك الحديدية التي تطوي المسافات فإن هذا من شروط توحيد الأقطار، وتوحيد الأقطار هو من أسباب توحيد القلوب. فالقلوب لا تتقارب بين الشعب الواحد بمجرد اتحاد اللهجات، بل يشترط له تقريب الديار والبيئات. ولقد كان (كافور) مؤسس الوحدة الإيطالية يعنى بمد السكك الحديدية في إيطالية قبل أن تمت وحدتهم ببضع عشرة سنة، فلما اشتبكت في إيطالية خطوط الحديد وقربت بين مختلف أقطارها تقاربت بين أهلها الأفهام وتوحدت المبادئ وصار الاتحاد على طرف الثمام، فما مضت بضع عشرة سنة حتى تمكن (كافور) وزير مملكة (البيا مونت) من ربط سائر الممالك الإيطالية بعضها ببعض بأيسر جهد، وكلكم يعلم أن دولة نابولي التي كان أهلها عشرة ملايين فأكثر قد انضمت إلى الوحدة الإيطالية وثارت وأعلنت إسقاط حكومتها في يوم واحد على يد (غاريبالدي) الذي كان يقود جيشا لا يزيد على ألف مقاتل، فكون
جيش لا يزيد على ألف مقاتل يسقط دولة سكانها عشرة ملايين يدل على أنه كان الاعتقاد بضرورة الوحدة غالبا على جميع الأفكار هناك. وإن الأمة النابولية كانت مستعدة لهذا الأمر من قبل مجيء غاريبالدي. فالبلاد كانت حبلى لا بد لها بعد تمام مدة الحمل من أن تضع. إننا في قضية الوحدة العربية كنا آخذين بسياسة عملية لا تعبأ بغير النتائج ولا تعتمد على النظريات المجددة؛ ولذلك لا نفتأ نراجع ملوك العرب الثلاثة عبد العزيز بن سعود ويحيى بن محمد بن حميد الدين وفيصل بن الحسين الذين في أيديهم بلاد العرب المستقلة حتى يقتنعوا بوجوب التحالف فيما بينهم على وتيرة دول ءاج الم الامطو، ةبوروأ يقشر في يغرصلا فلتائلاا الملك فيصل رحمه الله إلى أوربة وتحدثنا إليه في موضوع إزالة الجفاء بينه وبين ابن سعود وقلنا أن الوحدة العربية لن تتم ما دام هذا الجفاء مستحكما بين هاتين الأسرتين وإنه بمكانة من الغيرة على العرب وغرامه اللازم بالسعي في نهضتهم لا يكثر عليه مد يدالمصافحة إلى من كان عدوه بالأمس، فإن هذه العادات الداخلية والمشاحنات العائلية يجب أن تذوب بأجمعها في بوتقة الاتحاد العربي الذي هو ضرورة كلية لأجل اتقاء العرب غارات الأجانب على بلادهم، وكان فيصل قبل أن تقرر استقلال العراق بينه وبين إنكلترة ربما أتى إلى أوربة وتوارى من وجهنا حتى لا نحدثه بشيء لم يكن له قبل به، ولكنه في سنة 1930 جاء إلى إنكلترة ثم إلى ألمانية ثم إلى سويسرة وأراد ملاقاتي وكنت يومئذ سائحا في إسبانية فأوعز إلى زم لي الجابري (*) بأن يبرق إلي طالبا قدومي عليه سريعا، وكرر هذا الطلب بالبرق حتى أقنعت بأنه لو لم يكن ثمة أمر ذو بال لما وقع منه هذا الإلحاح في استقدامي إليه فجئت من إسبانية إلى (أنطيب) من جنوبي فرنسة واجتمعنا هناك به وكان معه بعض بطانته وزم لي السيد الجابري، فبقينا ثلاثة أيام نتكلم عن القضية العربية ونتصفح وجوهها وماذا يجب أن نتذرع به لأجل جعلها حقيقة ثابتة في الداخل والخارج فأجمعنا على أن الشرط الأول لذلك هو زوال المنافسة بين البيت الهاشمي الحجازي والبيت السعودي النجدي، وأنه من بعد تمهيد هذه العقبة لا يمنع العرب مانع من أن يسيروا سيرا حثيثا في طريق الوحدة، وما تفارقنا حتى كتبت أنا إلى الملك ابن السعود أروي له جميع ما تقرر بيننا وبين الملك فيصل وذكرت له أنه يكون في مصلحة آل سعود ومصلحة العرب أجمعين تناسي تلك الضغينة التي بين البيتين وإحلال الإخاء محلها، وقد صادف كتابي هذا هوىً في نفس جلالة عبد العزيز فاقتنع بلزوم هذا التآخي وهذه المحالفة لاسيما أنه لم يكن له ثأر عند الملك فيصل وإخوته، وإنما كان هؤلاء هم الموتورين، ولكن الجرائد الوطنية في ذلك الوقت عندما رأت الملك فيصل أرسل وزيره نوري السعيد إلى مكة للاتفاق مع ابن السعود تسرعت في حكمها بأن هذه الحركة إنما هي دسيسة إنكليزية مقصود بها القضاء على الاستقلال الباقي للعرب، وهو استقلال ابن سعود وأخذت هذه الجرائد سواء في مصر أو في الشام أو في فلسطين أو في بيروت أو في العراق، تحمل الحملات الشداد على هذا المشروع الذي توهمت أنه مشروع إنكليزي لا ريب فيه وتظهر ما فيه من الخطر على العرب وكل هذا بمجرد توهم لا عبرة به، وكان قد وقر هذا الوهم في نفوس أصحاب تلك الجرائد بما سبق في بلادنا من الدسائس الأجنبية التي جعلت الكثيرين منا لا ينظرون إلى عمل من الأعمال العامة إلا وضعوا نصب أعينهم أنه صادر عن دولة أجنبية وأنه مكيدة استعمارية. ولقد بالغت هذه الأمة في حمل كل حركة وطنية على الدسائس الأجنبية في بلادنا حتى أضر ذلك بمصلحة العرب الحقيقية، وكان الواجب على مفكري العرب ألا يفرطوا في سوء الظن وأن يعلموا أن الأمة يجب عليها أن تميز بين الخير والشر وتفرق بين ما يضرها وما ينفعها، فإذا تحققت لديها فائدة أحد المشروعات السياسية التي تقوم بدراستها وجب عليها أن تختاره بدون أن تنظر هل هو مطابق لمصلحة الدولة الفلانية أم لا؟ وسواء طابق أم لم يطابق فالذي يتحقق أنه خير للعرب يجب أن يكون رائد العرب، فالأمة العاقلة
الرشيدة جديرة بأن تعرف خيرها من شرها بصرف النظر عما هنالك من مختلف الأهواء. فلما قامت تلك الضجة حول مشروع التحالف بين ابن سعود وفيصل، أثار ذلك شبهة في خاطر جلالة الملك عبد العزيز فاقتصر في محادثاته مع نوري باشا السعيد على بعض المسائل المتعلقة بحسن الجوار بين المملكة السعودية والمملكة العراقية ورجع نوري باشا غير فائز بكل ما أراده الملك فيصل: فكتب المرحوم إلى كاتب هذه الأحرف يقول لي: ألم أقل لك أن مدارك هذه الأمة السياسية لا تزال غير ناضجة وأنهم قد يتلقون مشروعنا هذا على غير وجهه وتذهب فيه الظنون كل مذهب؟ أفلا ترى هذه الجلبة القائمة الآن من جراء دعوتنا جارنا ابن سعود إلى الاتحاد معنا؟ فأجبته ببرقية من لوزان أقول له فيها: «إلى الأمام ولا تخف، فإن الحق لا بد أن يتغلب على الباطل.» ثم أزهقت بعد ذلك قلمي فقضى في مدة وجيزة على تلك الأوهام التي لم يكن الباعث عليها سوى شدة ما كان قد كابده أبناء الوطن من المؤامرات الأجنبية؛ وأوضحت أن هذا الأمر الذي كنا في صدده لم يكن فيه شيء من دسائس إنكلترة ولا كانت إنكلترة من الدول اللائي ترغب فيه وإنما هو مشروع قررناه مع الملك فيصل في «انطيب» وجعلناه مبدأ للوحدة العربية مباشرين العمل فيه على سبيل التجربة حتى إذا نجحت التجربة تقدمنا منه إلى غيره، وقد رددنا على أولئك الذين كانوا مثبطين للمشروع متشائمين به بناء على استنتاجات غير صحيحة، ومتى كانت المقدمات فاسدة فالنتائج لا بد أن تكون فاسدة، مثلها. فالقضية كانت عندهم هي هكذا: فيصل لا يمكن أن يأتي بعمل إلا إذا أشارت عليه به دولة إنكلترة، فدولة إنكلترة لا يمكن أن تشير بعمل يكون فيه خير للعرب، إذن فالمشروع الذي يقوم به الآن فيصل ليس فيه خير للعرب، فالمقدمة التي معناها أن فيصل لا يصنع شيئا إلا إذا وافق هوى إنكلترة هي منقوضة بدليل أنه لو كان ذلك كذلك لما كان فيصل يتقاضى إنكلترة الاعتراف باستقلال العراق وهو في الواقع ليس من مصلحة إنكلترة التي كانت جعلت العراق من مستعمراتها، فكما أن فيصل أصر على هذا الأمر وهو ليس من مصلحة إنكلترة وقد أجابته هذه إلى طلبه بعد جهاد سياسي استمر أكثر من عشر سنوات، كذلك فيصل كان يقدر أن يرغب إلى خصمه القديم ابن سعود في الصلح والحلف بدون أن ينظر هل هذا من مصلحة إنكلترة أم لا؟ وعلى فرض أن إنكلترة لها كلمة في الموضوع فإنه غير خاف على أحد أن الإنكليز بدهائهم المعروف ليس من عادتهم أن يصادموا التيارات القومية التي يرونها جارفة كل ما يعترضها ويرون المسير معها أنفع وأيسر عليهم من مقاومتها بالقوة، وعلى كل حال فذلك المشروع العربي البحت، وهو التحالف بين العراق من جهة والحجاز ونجد من أخرى كان فكرة عربية خالصة تقرر العمل لأجلها بيننا وبين الملك الفقيد والسعي وراءها عند ابن سعود لتكون براعة استقلال هذه الوحدة العربية. ولقد استفرغنا جعبة الأدلة التي عندنا في مخاطبة الملك عبد العزيز لأجل إقناعه بلزوم هذا التحالف وأشرنا في مراجعاتنا الكثيرة له إلى ما يتهدد العرب من أخطار الاستعمار إذا لبثوا متفرقين متدابرين كما كان. ونحمد الله على أن الملك الحازم الرشيد المتوقد الذكاء عبد العزيز بن سعود تفطن لهذا الأمر فيما بعد ورآه صوابا وعقد مع العراق المحالفة التي كان قد تردد في عقدها قبل ذلك بثلاث أو أربع سنوات، والأمور مرهونة بأوقاتها. ولقد ازداد الملك عبد العزيز ثقة بحكمة المرحوم الملك فيصل وذلك بعد وفاته رحمه الله وقال لي مرة: إن فيصل هو أعقل من عرف من رجالات الأمة العربية، وكان فيصل يوم وفاته بعينه قد حادثني طويلا في موضوع القضية العربية وقال لي: لولا ابن سعود لذهبت جزيرة العرب من أيدينا، هكذا كان إنصاف فيصل في حكمه وإخلاصه في خدمة أبناء جلدته وهو الذي كتب إلي قائلا: إنني «أشهد أمام الله والناس بأنك أنت أول من تكلم معي من العرب في الوحدة العربية» وكتابه هذا محفوظ عندي في جملة
مكتوبات ربما تنشر بعد ذهابي من هذه الدنيا خدمة للتاريخ وتعريفا بكيفية تطور هذه القضية، كما أن عندي إضبارة كبيرة من الكتب الصادرة من ملوك العرب الآخرين يمكن أن يعرف منها معظم تاريخ المسألة العربية في النصف الأول من القرن الرابع عشر للهجرة. ولقد كنت مدة بضع عشرة سنة دائبا في التقريب بين جلالة ابن سعود وجلالة الإمام يحيى حتى صار ابن السعود إذا رآني مقبلا يقول: «جاء الإمام يحيى» وكذلك كان الإمام يحيى يعتقد أنني أشد الناس نضالا عن ابن سعود في جميع قضاياه. وأخيراًاقتنع الاثنان بأنني لم أكن مناضلا إلا عن المصلحة العربية العامة لا غير، وبالرغم من كل ما بذلته من المساعي، أدى النزاع بينهما إلى الحرب سنة 1934 فانتدبت في جملة الوفد الذي ذهب للصلح بينهما، وهو مؤلف من الحاج أمين الحسيني وهاشم بك الأتاسي رئيس جمهورية سورية الحالي ومحمد علي باشا علوبه من نظار مصر السابقين وهذا الفقير إليه تعالى، وقد أمكن الله من الصلح بواسطة حب كل من الملكين لحقن الدماء وجمع شمل العرب. وانعقدت بينهما معاهدة هي أشبه بمحالفة منها بمعاهدة سلام، ولم يمض على ذلك أكثر من ثلاث سنوات حتى دخل الإمام يحيى في المحالفة العربية التي كانت قد انعقدت بين المملكة السعودية والعراق فصارت جامعة للملكة السعودية والعراق واليمن أي أصبحت ثلاثية بعد أن كانت ثنائية. ومما يحسن وقعه عند كل ناطق بالضاد أن الإمام يحيى فوض مؤخرا إلى الملك ابن سعود تمثيله لدى الدول في قضية فلسطين إثباتا للتضامن العربي، وتوطيدا للحلف الذي تم بين الممالك الثلاث، والقارئ يرى هنا هذه السرعة المدهشة في تقدم القضية العربية، ويعلم كيف أن هؤلاء الملوك الثلاثة بعد أن كانوا منذ عشر سنوات أو نحوها كل منهم يعمل منفردا حذرا من أخيه ولا يثق تمام الثقة في جاره صاروا ينضحون بأجمعهم عن قوس واحدة ويتكلمون مع الدول الأوربية باسم الأمة العربية أينما كانت، لا فرق عندهم بين شامها ويمنها ونجدها وعراقها وأصبح الشبه عظيما بينهم وبين دول الائتلاف الصغير المتحالفات في شرقي أوربة فمن كان يحلم بهذا من قبل؟ لا جرم أن قضية فلسطين وما جرى فيها من تهور الإنكليز واليهود خلافا لكل عقل ولكل عدل قد خدمت القضية العربية العامة أكثر من جميع العوامل واستفزت هذه الأمة من مشرقها إلى مغربها وأوجدت بينهم من التكافل ما لم يكن يحلم أحد بمثله لو لم توجد هذه النازلة القاسية وقبلا قيل: إن الأمة التي لا تتخلل تاريخها المصائب لا يمكن أن تصير أمة. بقي علينا أن نقول إن كثيرا من أبناء جلدتنا لا يزال غالبا عليه التشاؤم إلى يومنا هذا بالرغم من سرعة سير قضيتنا إلى الأمام، خلق يعده بعضهم من باب الحزم والحيطة، والحال أن الحزم شيء والتشاؤم شيء آخر والتفريق بينهما سهل، فليس من الحزم كلما شرعنا في مشروع مطابق للعقل مماثل لمشروعات كثيرة سبقته وليس فيه ما يستحيل إجراؤه أن نقوم وننعي العمل فيه ونثبط السعي وراءه وننعته بأنه خيال أو بأنه فوق أن ينال. فإذا كنا نحن أولاء الذين يهمنا قبل الجميع أمر الوحدة العربية التي هي مسألة حيوية لنا أن نسارع إلى القول بأنها مستحيلة، فكيف يمكننا إذن أن نقنع غيرنا بهذه الوحدة وأن ننهض بالأعمال التي تجعل هذه الأمة جديرة بتاريخها الأحفل ومجدها الأقعس ولغتها الفصحى وبسائر المزايا التي تملكها. إن العرب فيهم النجابة والصلابة وخفة الحركة وحدّة الذهن وأصالة الرأي وكرم الخلق وعلو الهمة وتمام القابلية لكل ما يرقي الأمم؛ وفيهم مع ذلك العدد الجم الذي يجعلهم من أكبر الأمم إذ يبلغون في هذا العصر نحوا من سبعين مليون نسمة بين آسية وإفريقية، وبأيديهم أوسط البقاع وأقدمها تاريخا وأذكاها تربة وأكثرها اعتدالا وأفرطها إلى حوض المدنية، فالمدنية البشرية إنما نبتت في البلاد التي هي اليوم مساكن العرب، وفن الكتابة الذي لا تتصور الحضارة بدونه قد وضعه العرب في اليمن على أحد القولين وعلى القول الآخر هو من
وضع الفينيقيين الذين لم يخرجوا عن كونهم عربا في الأصل، وبلاد العرب من الجنوب إلى الشمال حافلة بآثار العمران المدهشة التي تنطق بما يقدر عليه العرب إذا سمت هممهم إلى المجد، ولا يزال العرب في نفس قابليتهم التي كانوا فيها لا يعوزهم سوى الانتهاض والارتياض والانضمام بعضهم إلى بعض، فماذا الذي يا ليت شعري يحمل هؤلاء المتشائمين على القول بأن الوحدة العربية إنما هي ضرب من الخيال وإن تحقيقها من دونه نقل الجبال، وأي سبب معقول يقدر هؤلاء أن يستظهروا به على تشاؤمهم هذا؟ ومن الناس من كتب أن اتحاد سورية والعراق غير ممكن من الجهة الحقوقية، وهذا أغرب من الأول. فمتى كانت الانقلابات الدولية والنهضات الشعبية يتوخى بها المطابقة لعلم الحقوق؟ وهل نهضة بولونية لاستئناف كيانها السياسي كانت مطابقة للحقوق؟ وهل نهضة إيرلندة التي نالت بها استقلالها الحالي كان موافقا لقانون إنكلترة! إن الحقوق الدولية التي يبنى عليها استقلال الشعوب إنما هي مجرد إرادة الشعب ونهضته العلمية لا غير، وما سمعنا بأمة مغلوبة على أمرها حصلت على حريتها واستقلالها بعلم الحقوق. وكذلك من غرائب ما سمعناه من الاعتراض على مشروع الوحدة العربية قول بعضهم أن الدول الأجنبية لا تسمح به، فإذا كنا لا نقدم على عمل من الأعمال إلا إذا كانت الدول الأجنبية تسمح لنا به، فلماذا أقدمنا إذن على طلب الاستقلال وأرقنا في سبيله الدماء الزكية ولم نبال بخراب البيوت وذهاب الأموال؟ وهذا الاستقلال الذي نلناه بهذا الثمن الوجع لم تكن الدول الأجنبية المتغلبة علينا لتهواه ولا لترضى به، فكيف نجعل الأجانب حكما في قضية الوحدة، ونحن لم نجعلهم حكما في قضية الاستقلال وما الفرق، ليت شعري، بينهما؟ إن كلا من المشروعين أمر حيوي للعرب، فكما بذلنا النفوس والنفائس في سبيل الأول، يجب علينا إذا ألجأ الأمر أن نبذل النفوس والنفائس في سبيل الثاني، لاسيما أنه لا يعترض هذا من العقبات ما كان يعترض الأول، فنكون مثل العبد الذي إذا أريد على عمل من الأعمال أجاب: استأذنوا لي من سيدي حتى أعمله، كلا لم نكن ولن نكون عبيدا حتى نستأذن الأجانب في أمر وحدتنا. ثم ينسى القائلون بأن هذا المشروع هو من باب الخيال أنه لو كان كذلك لما حسبت الدول له هذا الحسبان كله، ولاسيما الدول اللائي تطمح إلى بلاد العرب فإن الخيال لا يخيف أحدا، وما يخيف رجال السياسة سوى الحقائق، ورجال السياسة المحنكون هم أدهى من أن يرتاعوا لأشباح باطلة وأخيلة مضمحلة، على أن هذه الهواجس التي تجول في صدور بعض الدول من أجل مشروع الوحدة العربية ليست سوى آثار الجشع الاستعماري الذي لم ينفع قط أهله والذي كانت الحرب الكونية العامة أحد آثاره، فلو تأمل أرباب الأطماع من رجال السياسة بعين الروية لوجدوا الوحدة العربية خيرا لهم وضمانا كافلا لعدم التنافس، فالاقتتال فيما بينهم ولا يوجد شيء ضروري للسلم في الشرق الأدنى وبالثاني في أوربة أكثر من وحدة العرب السياسية والعسكرية لما فيها من إزالة التنافس الدولي. إذن قضيتنا هذه قضية سلمية عمرانية مدنية مبنية على حفظ الذمار منعا للقتال الذي أكثر ما يقع على أسلاب الضعفاء، قضيتنا هذه قائمة بعوامل داخلية وخارجية كل منها ضروري لنجاح المشروع، أما العوامل الداخلية فهي همتكم أيها الشبان الذين عليهم اعتماد الوطن في مستقبله، وهي أخذ البلاد العربية بالأسباب المادية والمعنوية الكافلة لنهضتنا وارتقائها ووحدة الشعوب بين أقسامها. وأما العوامل الخارجية فهو ما يحدث من وقت إلى آخر من الأزمات السياسية العامة والمنافسات الدولية التي يجد من خلالها العرب فروجا كثيرة يتمكنون بها من الوصول إلى مرادهم، وهي هذه المنافسات الدولية التي رأينا محمود آثارها في السنة الماضية في الاعتراف باستقلال أعز البلاد علينا وأغلاها لدينا، فكل نوع من هذين النوعين له تأثيره في تأمين سبيل الوحدة كما كان له تأثيره في تأمين سبيل الاستقلال،
وعلى العاقل أن لا يقصر في اهتبال الغرر وانتهاز الفرص كلما سنحت، وأن يحذر دائما من التهور في السيئات والاندفاع في عداوة الأعداء على الإطلاق، فكثيرا ما بلغ بنا خرق سياستنا أن جمعنا بين الأضداد ونبذنا إلى الجميع على سواء، وأن لا يكون بالعواطف والأهواء ولكن بالحسابات الدقيقة، وكثيرا ما يحتاج الحازم إلى كظم غيظه في الموقف التي يكون مضطرا فيها إلى اختيار أهون الشرين، وبهذا أختم كلامي راجيا أن هذا المشروع المقدس الذي نحن في صدده يتم بحسب برنامجنا المرسوم من قبل وتقر به عيوننا ونحن في هذه الحياة، وإذا لم أعش حتى أراه حقيقة مجسمة فيوشك أن أبشر به وأنا تحت التراب فليست العبرة في حياة الأفراد إذا كانوا، وإنما العبرة هي في حياة الأمم، فلتكن إذا كلمتنا دائما: لتحيى أمتنا العربية!
المصدر
كراس مستقل بعنوان الوحدة العربية طبعته مكتبة عرفة – دمشق في مطبعة الاعتدال بدمشق، 1937، والكراس هو محاضرة من اثنتين ألقاهما شكيب رسلان في دمشق سنة 1937، وكانت الأولى في «المجمع العلمي العربي في دمشق» (نهضة العرب العلمية في القرن الأخير) وقد صار اسمه اليوم: مجمع اللغة العربية. والثانية في «النادي العربي» وهو ناد أسس في دمشق بعد خروج الأتراك وتأسيس الحكومة العربية سنة 1918، وضم نخب المثقفين المنضوين حديثا تحت الفكرة القومية الوليدة، ولا يزال هذا النادي قائما في مكانه عند جسر فكتوريا في دمشق، لكن نشاطه محدود منذ فترة. النصان كاملان ولم نفعل شيئا إلا تصحيح الأخطاء المطبعية وبعض الإيضاحات، وقد حافظنا على طريقة الترقيم والتنضيد لأننا نعتبر ذلك من روح الكاتب والعصر.