جمال الدّين الأفغاني:آراؤه، كفَاحُه،وأثره في نهضَة الشّرق
Jamal al-Din Al-Afghani: His views, his struggle and his impact on the East renaissance (1947)
الملخّص
هذه المحاضرة القيتها في النادي الرياضي الأدبي بنابلس وفي القدس وغزة واللد، إحياءً لذكرى المصلح الاجتماعي الخطير السيد جمال الدين الافغاني بمناسبة مرور خمسين عامًا على وفاته. وقد رأيتان اطبعها وانشرها ليكون للقراء من سيرة جمال الدين ما يلهمهم العمل في سبيل المجموع وتقدمه، ومن رسالته ما يحفزهم إلى التماس طريقه في النضال والكفاح.
Abstract
This lecture was delivered at the Sport Literary Club in Nablus, Jerusalem, Gaza, and Lid in memory of the eminent social reformer Jamal al-Din al-Afghani on the fiftieth anniversary of his death. The author thought it fitting to print and publish it to inspire readers with the biography of Jamal al-Din to work for the progress of all and for his message to stimulate them to emulate his struggle.
- جمال الدّين الأفغاني
- نهضَة الشّرق
- النضال
- الكفاح
- Jamal al-Din al-Afghani
- the Renaissance of the East
- Jerusalem
- Gaza
هذه المحاضرة
وتقدمه، ومن رسالته ما يحفزهم إلى التماس طريقه في النضال والكفاح.
الافغاني من زعماء الاصلاح في القرن التاسع عشر للميلاد ومن أركان النهضة الذين كان لهم الفضل الكبير في ايجاد الوعي السائد الآن في مختلف ديار الشرق والاسلام. كان في جهاده يرمي الى ايقاظ الشرق عن طريق العلم والثقافة وتنقية العقائد من الخرافات والى مناهضة الاحتلال والاستعمار ورفع كابوسهما عن الاقطار المنكوبة بهما، كما كان يهدف من كفاحه الى اتحاد هذه الاقطار في اتقاء الاخطار المحدقة بها لتستطيع السير مع قافلة الشعوب الراقية والمساهمة في خدمة الانسانية ورفع
القيتها في النادي الرياضي الأدبي بنابلس وفي القدس وغزة واللد، إحياءً لذكرى المصلح
الاجتماعي الخطير السيد جمال الدين الافغاني بمناسبة مرور خمسين عامًا على وفاته. وقد رأيت
ان اطبعها وانشرها ليكون للقراء من سيرة (جمال الدين) ما يلهمهم العمل في سبيل المجموع قدري حافظ طوقان
نابلس
مستوى الحضارة. وليس موضوعنا أن نتحدث عن حياته الخاصة ونشأته بالتفصيل فهذا ما لا نحاوله. لكننا سنتناول بعض آرائه وأفكاره ونعرضها مع الشرح والتعليق، ومن خلال هذه تتجلى رسالته في الحياة وكفاحه في ادائها على افعل وجه واكمل صورة. وقبل التعرض لآرائه وافكاره ورسالته لا بد لنا من سرد ترجمة حياته بإيجاز متناه للوقوف على البيئة التي نشأ بها وللتعرف على المحيط الذي خرج منه. نشأ في الأفغان في بيت عظيم كان لبعض رجاله سيادة
على جزء من الأراضي الأفغانية تستقل فيها وتحكمها.
وقد سلب احد ملوك الأفغان الامارة من هذا البيت
ونقل والد السيد جمال الدين وبعض اعمامه الى كابل. وفي كابل درس الافغاني العلوم الاولية. وفي سن
الثامنة عشرة سافر الى الهند فأقام سنة وبضعة أشهر
درس خلالها الرياضيات والطبيعيات والتصوف
والفلك والفلسفة. بعد ذلك ذهب الى الحجاز لأداء
فريضة الحج. وطالت مدة سفره إذ انتقل أثناء ذلك
الى مختلف البلاد والاقطار. رجع الافغاني بعد اداء الفريضة الى الافغان ودخل
في سلك الحكومة وانغمس في منازعات سياسية
على من يتولى الأمارة وآثر جانبًا على جانب فانتصر
في بعض المنازعات وهُزم في غيرها. وأخيرًا انتصر
الجانب المعادي لجمال الدين فخاف الغدر والانتقام
فرحل الى الهند حيث مكث ثلاثة أشهر بث خلالها
الكثير من الآراء الحرة والأفكار الجريئة. وقد انزعج
الانكليز من هذا كله فأوعزوا اليه بالارتحال فذهب
الى الآستانة. ولكن إقامته فيها لم تطب للمسؤولين
فاضطروه الى الجلاء عنها فجاء مصر وكان ذلك
عام 1871. وهنا نظر الافغاني الى الحال الذي عليه
مصر فرأى ان المجال واسع وان الأرض صالحة
لبذر البذور. مكث في مصر ثماني سنوات كانت اخصب ايامه
وانفعها ثمرًا واصلحها غرسًا. واخيرًا وفي عام
1879 صدر امر باخراج السيد الافغاني ففارقها
الى الهند وفيها كتب رسالته في إبطال ونفي مذهب
الدهريين. وابيح له بعد ذلك أن يذهب الى اي بلد
يشاء فاختار الذهاب الى اوروبا فزار لندن وباريس
حيث وافاه الشيخ محمد عبده وتعاونا على اصدار
جريدة تدعو الى الوحدة الاسلامية تحت لواء الخلافة
العظمى. وقد جرى له اثناء إقامته في فرنسا مباحثات
مع الفيلسوف الفرنسي «رينان» وسيأتي الحديث عنه. وشعر شاه ايران بحاجته إلى جمال الدين فاستقدمه
فسار الى طهران وكان موضع الحفاوة والرعاية. لكن
ذلك لم يطل إذ تنكر له الشاه وتغيرت سيرته معه
فاستأذنه في السفر فسافر الى روسيا وزار عواصمها.
وبقي فيها موضع الاجلال والاحترام مدة من الزمن
لكن جرأة جمال الدين وصراحته دفعت القيصر الى
إخراجه من روسيا، وكان الإخراج بلطف بالغ. خرج من روسيا وجال في اوروبا فاجتمع في لندن
وباريس على عظماء الرجال وكبار الساسة والعلماء
والفلاسفة. وصدف أن اجتمع ثانية في فرنسا بشاه
إيران الذي اعتذر للسيد عما بدر منه في إيران في الزيارة
الأولى ودعاه لمرافقته فأجاب جمال الدين وذهب الى
العجم. وفي هذه الأثناء سن القانون الأساسي لمملكة
فارس (بناء على طلب الشاه) على اساس تشكيل
حكومة دستورية مقيدة. ومن الطبيعي ان يرفض
الشاه هذا الدستور وقد خشي على نفوذه من جمال
الدين فنفر منه وأمر بإخراجه من الأراضي الايرانية
بالقوة فخرج منها إلى العراق فإنكلترا. وفي أواخر عام 1892 رحل إلى الآستانة بطلب من
السلطان عبد الحميد. وهنا طالت مدة إقامته فيها
صرفها في الوعظ والارشاد ونشر التعاليم الحرة
والآراء الجريئة. وفي عام 1897 اصابه السرطان
فقضى عليه. رحمه الله. يظهر لنا من هذه الترجمة الموجزة ان جمال الدين
نشأ في بيئة حافلة بالقلاقل والمصاعب وأنه انغمس في
حياة مضطربة مليئة بالاضطهاد والمتاعب. وقد كان
لهذا كله ولسياحاته ودراساته الأوضاع والأحوال
اثر كبير على اتجاهاته فكسب من ذلك دراية وخبرة
ومعرفة أيدها اشراق في قريحته وذكاء في مداركه وقوة
في فطرته وشخصيته. وأرى إخلاصًا للحق ان أشير الى ناحية هامة تتعلق
بآرائه وتعاليمه. قد لا تجدون في بعض آرائه شيئًا
جديدًا وقد ترون تعاليمه وافكاره عن دول الغرب
وعن الاستعمار شيئًا معروفًا عندكم ليس فيه ما يثير
الدهشة. ولكن إذا نظرتم الى الظروف التي نشأ فيها
الأفغاني وروح العصر الذي ظهر فيه والى الأوضاع
الشاذة في سائر الممالك في الشرق من جهل يكاد
يكون شامالً واضطهاد للحرية وخنق للأفكار، إذا
نظرتم الى هذا كله بعين الاعتبار واستعرضتم مواقفه
الجريئة وصراحته المتناهية مع ذوي النفوذ ورجال
السياسة في اوروبا واصحاب الجبروت والطغيان في
الشرق لوجدتم أن الأفغاني شجاع، مصلح جريء،
ذو عقلية سابقة لزمنها، أدرك رسالته نحو الشرق
والانسانية جمعاء فقام يعمل على التمهيد لتحقيقها
بمواهبه وعقله وقلبه. الأفكار عند الأفغاني تتوالد وتتكاثر من كل ما يقع
تحت سمعه وبصره «له سلطة على دقائق المعاني
وتحديدها وابرازها في صورها اللائقة بها كأن كل
معنى قد خلق له» وهو كتلة من النشاط والحيوية
وشعلة من الذكاء والحماسة لا يهدأ ولا يكل. يريد أن
يؤدي رسالة ويريد تحرير شعوب الشرق والاسلام
واتحادها. وكيف الطريق لأداء الرسالة؟ انها التعليم
في كل مكان ينزله. فقد كان يقول بالتعليم في بيته وفي
بيوت أصدقائه وفي القهاوي وسائر المجتمعات على
أنواعها من شعبية وأرستقراطية. جاء مصر وأقام فيها بعض السنين ولعلها من
أبرك السنين على مصر وعلى الشرق. فقد بدأ
نشاطه في التعليم، وعن هذا الطريق بذر البذور
فنمت وأثمرت ثمرات هي من عوامل يقظة
الشرق واندفاعه في التحرر والانطلاق. كان يلقي
في بيته دروسًا علمية منتظمة في المنطق والفلسفة
والتصوف. وكان يمتاز على علماء الازهر ومعلميه
في كونه توفق في عرض هذه الموضوعات وجعل
فصولها وبحوثها نقاط ارتكاز، «يستند عليها في
شرح أفكاره وآرائه والتبسط في مناحي الفكر
والتطبيق على الحياة الواقعة». لهذا لا عجب إذا
تأثر بها كبار رجال الاصلاح ونخبة الشباب في
ذلك الوقت أمثال (محمد عبده، عبد الكريم سلمان،
اللقاني، سعد زغلول، والهلباوي وغيرهم). لقد وجد هؤلاء عند جمال الدين شيئًا جديدًا غير
الذي ألفوه في الأزهر. وجدوا أن جمال الدين ذو شخصية قوية، تجزم في الحكم ولا تتردد، تحكم في صحة ما يصح وبطلان ما يبطل، «تربط جزئيات الحياة العملية والعلمية كلها برباط واحد يفتح النوافذ كلها بعضها على بعضها حتى تتألف منها وحدة». ولم يكن الأفغاني يكتفي بالتعليم في بيته بل لجأ بالإضافة (إلى التعليم في البيت) إلى إلقاء الدروس في حلقات أوسع ومجتمعات أكبر تكون أعم أثرًا وأكثر نفعًا. كان
من رواد حلقاته هذه البارودي والمويلحي وأخوه ومحمد عبده واللقاني وسعد زغلول وعلي مظهر وأديب اسحاق وسليم نقاش وغيرهم من الشباب من مختلف الطبقات والأعمال. في هذه الحلقات والمجتمعات كان التوجيه قويًا في تحويل مجرى الأدب
ونقله من حال إلى حال حتى أصبح وسيلة للتعبير عن إحساس الجماهير والدفاع عن حقوقهم. يريد الأفغاني من تدريسه في هذه الحلقات أن يكوِّن رأيًا
عامًا ذا أثر قوي على الحكومة والمسؤولين. يريد الأفغاني من دروسه هذه أن يقتنع الشعب بحقه في الحكم وأن ينتزع هذا الحق انتزاعًا من الحاكمين
المغتصبين. إن هذه الطرق التي اتبعها الأفغاني في التعليم، في البيت وفي الحلقات والمجتمعات، قد ساعدت على توسيع العقول وإيجاد آفاق جديدة في فهم العلم وحقيقته وتقديس الحرية في البحث وعلى خلق شخصيات قوية تخلص للحق ولا تخاف
الجهر، كما كانت عامالً في يقظة الجماهير وتقوية إيمانهم بحقهم في الحياة وتبصيرها بكيانها وحيويتها وواجباتها. كان الأفغاني شجاعًا إلى أبعد الحدود، لا يهاب
أحدًا، يجهر بما يعتقد ويدعو إلى ما يرى فيه الخير لا
يُرهبه حاكم أو سلطان، وكانت شجاعته هذه نقمة
عليه إذ اضطرته (كما ظهر لنا) لترك بلاده ومبارحة الهند والابتعاد عن مصر وغيرها من الأقطار. وليس بعجيب أن يكون هذا مصيره فهو يرى أن السجن في طلب الحق من الظالمين والعتاة رياضة،
والنفي في ذلك السبيل سياحة، والقتل شهادة، وهي
أسمى المراتب. كان للافغاني في اول حياته آمال كبار وأهداف بعيدة
تتجه نحو خير البشرية وسلام العالم. وكان يرى أن
البلاء المنصب على البلاد والتفرقة المستحكمة في
سائر الامصار ليست إلا أثرًا من آثار بعض رجال
الدين ونتيجة لسوء توجيههم وتصرفاتهم ونواياهم.
لقد رأى بعين البصيرة النافذة أن الارض التي يعيش
عليها الانسان – وهي من أصغر الاجرام وهباءَة في
هذا الكون الواسع العريض – لا توجب هذا التناحر
وهذا الاختلاف بين الناس. وان أصحاب المطامع
والاهواء وذوي النفوذ هم من عوامل الانقسام
والفوضى السائدين في مختلف الاقطار والديار. ثم
يوضح آراءه ويسترسل فيقول: «... ورجعت الى
أهل الارض وبحثت في أهم ما فيه يختلفون فوجدته
الدين... فأخذت الاديان الثلاثة وبحثت فيها بحثًا
دقيقًا مجردًا عن كل تقليد منصرفًا عن كل تقيد مُطلِقًا
للعقل سراحه...» وقد وجد الافغاني بعد البحث
وامعان الفكر أن الاديان الثلاثة على تمام الاتفاق
في المبدأ والغاية وانه «إذا نقص في الواحد شيء من
أوامر الخير المطلق استكمله الثاني – وإذا تقادم العهد
على الخلق وتمادوا في الطغيان وساءت الكُهَّان فهم
الناموس او انقصوا من جوهره أتاهم رسول فأكمل
لهم ما أنقصوه واتم بذاته ما أهملوه». وهنا لاح له
بارق أمل كبير وهو أن يتحد أهل الاديان مثل ما
اتحدت (الاديان) في جوهرها وأصلها وغايتها. وبهذا
الاتحاد (على حد قوله) يكون البشر قد خطوا نحو
السلام خطوات كبيرة في هذه الحياة القصيرة، ويقول
بعد ذلك «... وأخذت أضع لنظريتي هذه خططًا
وأخط أسطرًا وأحبر رسائل للدعوة، كل ذلك وأنا
لم أخالط أهل الاديان كلهم عن قرب ولا تعمقت في
أسباب اختلاف حتى أهل الدين الواحد وتفرقهم
فرقًا وشيعًا وطوائف...» لكنه لما علم أن دون اتحاد
أهل الاديان هوات عميقة وصعابًا ليس من السهل
التغلب عليها... عندئذ أدرك (كما يقول) أن أي رجل
يجسر على مقاومة التفرقة ونبذ الاختلاف وإنارة أفكار الخلق بلزوم الائتلاف والرجوع الى أصول الدين الحقة، هو ذلك الرجل قاطع أرزاق المتجرين في الدين، وهو الكافر الجاحد في عرف الضالين والمسيطرين على مصائر الشعوب. انتهى علم الافغاني الى هذا الحد وتوصل بإدراكه الى هذه النهاية. وهنا يقول: «... انقلبت أفراحي بالخيال أتراحًا ورجعت عن نظريتي والفشل ملء
إهابي وجبتي...» والافغاني لا يقف. وكيف يقف وهو المتقد حماسة وحيوية، فلقد جمع ما تفرق من الفكر ونظر الى الشرق وأهله وفكر في تشخيص الداء وتحري الدواء، فوجه همه الى ذلك والى الاصلاح على قدر الامكان. ولهذا لا عجب إذا رأيناه ينفر من الانقسام بين الشيعة والسنية. وفي رأيه أن هذه التفرقة لا موجب لها بل هي من صنع أصحاب الاهواء والمطامع والملوك والامراء. وهو لم ينكر أيضًا أن هناك عامل الجهل الذي كان له (ولا يزال) الاثر الكبير في ما نراه من التحزب لصحابي أو ولي مما أدى إلى نزاع بليغ زاد في تفكيك المسلمين وانحلال الروابط بينهم. ولسنا بحاجة الى القول إن الافغاني – وهذه روحه وآماله البعيدة – لا يعرف تعصبًا، وهو إن رأيناه يدعو
الى الدين وإلى الالتجاء إلى الدين في كثير من الاحيان فما ذلك إلا لأنه يرى فيه قوة عظيمة يمكن استغلالها لاثارة الجماهير وإيقاد حماستهم ليرفعوا عنهم ضغط الاستعمار ويتخلصوا من السيطرة الغربية. الافغاني يؤمن بالحق ويخلص له. وقد أثر هذا على سلوكه وتصرفاته، فبينا هو متواضع مع الناس لدرجة الذل إذا هو متكبر مع الملوك والأمراء لدرجة التجبر. كان يندفع في الحق والجهر به أمام من لا يلائمهم ذلك من ذوي النفوذ والسلطان. وكثيرًا ما أوقعه هذا
السلوك في مشاكل وصعاب ما كان ليعيرها اهتمامًا
أو التفاتًا.
ذهب الافغاني الى روسيا بقصد التعرف على شؤون
المسلمين فيها ودراسة أحوالهم – وكان معروفًا
بعدائه لسياسة انكلترا – فأولاه المسؤولون في روسيا
الاجلال واستقبلوه بالترحاب والتكريم. دعاه
القيصر وتحادث معه طويالً، وقد سأله (القيصر)
عن سبب اختلافه مع شاه العجم. فذكر جمال الدين
رأيه في الحكم الدستوري وضرورة اتباعه وأن الشاه
ينفر من ذلك. وهنا قال القيصر: «انني أرى الحق
في جانب الشاه، إذ كيف يرضى ملك من الملوك أن
يحكم به فلاحو مملكته» فأجاب جمال الدين بجرأة
وصراحة: «أعتقد يا جلالة القيصر أن عرش الملك
إذا كانت الملايين من الرعية أصدقاء له خيرًا من أن
يكونوا أعداء يترقبون الفرص ويكمنون في الصدور
سموم الحقد ونيران الكراهية...» فعلَتْ عند ذلك
وجه القيصر علامة غضب فقطب حاجبيه ولم يطل
الحديث بعد ذلك مع جمال الدين بل قام من مجلسه
وودع جمال الدين بغير الشكل الذي استقبله به ثم
أوعز القيصر لرجاله أن يسرعوا متلطفين بإخراجه
من روسيا. كان الافغاني قوي الحجة نافذ البصيرة يجذب مخاطبه
اليه ويرضخه لبرهانه، وقد قال عنه محمد باشا
المخزومي وهو من الذين لازموه وعرفوا الكثير عن
سجاياه وصفاته: «الافغاني عظيم النفس كبير الهمة
محب الخيرَ للبشر، يحمل كل من يخاطبه على العظائم
ويذلل لديه المصاعب. وهو صحيح العقيدة شديد
التمسك بحكمة الدين ينفر من التقليد في المذاهب.
وكان مجتهدًا وله في اجتهاده بعض الغرابة لمخالفته
المألوف من وجهة التفسير. يقدم حيث يحجم الناس
ويتكلم حيث يسكتون رغبة أو رهبة». يقول الافغاني ان لا موجب لسد باب الاجتهاد وانه
إذا كان المتقدمون قد سمحوا لأنفسهم أن يخالفوا
قول من تقدم فاستنبطوا وقالوا ما يتفق وزمانهم، فَلِمَ
نقف، ولم لا نسير على طريقهم نستنبط كما استنبطوا
ونقول ما يوافق زماننا. ويتابع عرض رأيه في ذلك
فيقول: «ما معنى أن باب الاجتهاد مسدود؟ وبأي نص سُدَّ؟ ومن قال لا يصح لمن بعدي أن يجتهد
ليتفقه في الدين ويهتدي بهدي القرآن وصحيح الحديث والاستنتاج بالقياس على ما ينطبق على العلوم العصرية وحاجات الزمن وأحكامه؟ إن الفحول من الائمة اجتهدوا وأحسنوا. ولكن لا يصح أن نعتقد أنهم أحاطوا بكل أسرار القرآن. واجتهادهم فيما حواه القرآن ليس إلا قطرة، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء من عباده...» ويرى الافغاني أن سد باب الاجتهاد من عوامل تأخر المسلمين. وأن على المسلمين من أصحاب الاطلاع الواسع والعقول النيرة المرنة أن يجتهدوا وأن يسايروا الزمن في الاجتهاد وأن لا يكونوا جبناء في إذاعة ما يعتقدونه ويرونه في صالح الجماعة أو في جانب الحق
حتى ولو كان ذلك مخالفًا للرأي العام. وقد أعجب الأفغاني بالدكتور شميل لجرأته وبث ما يعتقده حين
قال بنظرية «داروِن» وكتب فيها وهو «يقدر فيه عدم تهيبه من سخط المجموع لما يجهله من حقائق العلم». ما كان الافغاني ليحجم عن إبداء رأيه ولو كان مخالفًا للمألوف. وهذا ما جعل بعض معاصريه ينظرون اليه كمارق من الدين وخارج على أحكامه. سئل مرة عن رأيه في الاشتراكية في زمن كان البحث فيها إلحادًا وخروجًا على التقاليد والعرف والأحكام
المرعية. وكان جريئًا في جوابه لاعتقاده أنه الحق،
وأن الحكمة تقضي أن لا يمتهن الرأي أو النظام لقلة الأتباع والنصراء، بل أن ينظر اليه بعين البحث والنقد الصحيحين. قال الأفغاني: إن الاشتراكية – وكان ذلك قبل سبعين عامًا – «لا بد وأن تسود في العالم يوم
يعم فيه العلم الصحيح ويعرف الانسان أنه وأخوه من طين واحد أو نسمة واحدة وأن التفاضل إنما يكون بالأنفع من المسعى للمجموع وليس بتاج أو نتاج أو مال يدخره أو كثرة خدم يستعبدها أو جيوش يحشدها وغير ذلك من عمل باطل ومجد زائل».
والسيد الأفغاني لم يترك عمالً خطيرًا لخير النوع
وخاصة لخير الشرق إلا واقتحمه بجرأة بلغت الغاية بل وتعدتها الى التهور في كثير من الأحايين. عمل بلسانه وقلمه على ايقاظ الشرق ولا سيما المسلمون لأنهم كما كان يقول هو العنصر الغالب بأكثريته في الشرق، ولهذا فيقظتهم يقظة الشرق ونهوضهم نهوضه. ولا يقوم للشرق كيان إلا إذا انتبهت الاكثرية وفاقت من سباتها ونهضت من كبوتها. وهو يرى أن لا مفر لنهوض الشرق وتقدمه من القيام بحركة ثورية عامة تزيل طغيان الغرب على الشرق وتقضي على هيبته وسطوته. كان للافغاني رسالة يرى في ادائها عبادة هي أسمى العبادات فقام يعمل على تحقيقها بتوجيه جهوده اليها وحشْد مواهبه في سبيلها. لقد جعل همة إنهاض
الشرق ليستعيد مكانته ويلحق بالأمم الراقية فيساهم في خدمة المدنية ورفع مستواها. لقد دعا الشرقيين والمسلمين الى حل عقولهم من قيود الأوهام والى الاصلاح الديني والعلمي والى توحيد المساعي والجهود ليتمكنوا السير بخطى واسعات نحو الحرية واحراز الحق في الحياة الكريمة. وفي سبيل تحقيق هذه الغايات والأهداف نراه قد انقطع بكليته الى الجهاد والنضال والكفاح فلم يتخذ زوجة ولم يلتمس كسبًا،
فبث في نفوس الذين اتصلوا به روحًا حية وبذر بذورًا
في مختلف الأقطار انتفع من إزهارها الشرق ولا يزال ينتفع منها ومن نموها في جهاده وكفاحه. والواقع أن ما نراه الآن من يقظة عند العرب إنما ترجع إلى الأفغاني وتلامذته من أصحاب المواهب والرسالات الذين عملوا على ايقاظ شعوبهم وإنهاضها. والسيد الأفغاني (كما يرى السيد رشيد رضا) هو موجد النهضة الاجتماعية في مصر من الجهتين العلمية والسياسية. وقد نفخ فيها روحًا من روحه «ونقلها
من طور الى طور، ولكنه تركها في سن الطفولية وقد خلف عليها وصيه ووارث علمه وحكمته الأستاذ الامام الشيخ محمد عبده».
لقد درس الأفغاني الشرق درسًا وافيًا وبحث في علله
وأمراضه فوجد «أن أقتل أدْوائه وما يعترض في سبيل
توحيد الكلمة فيه داء انقسام أهله وتشتت آرائهم واختلافهم على الاتحاد، واتحادهم على الاختلاف، فقد اتفقوا على أن لا يتفقوا. ولا تقوم على هذا لقوم قائمة». وقد عمل جمال الدين على ايقاظ الهمم وبعث العزائم وإلفات النظر إلى الخطر الغربي المحدق بالشرقيين والآخذ بخناقهم فدعاهم الى جمع شتاتهم والاتحاد وتوحيد الجهود والجهاد. وعلى الرغم من العقبات التي كانت في طريقه والمصائب التي انتابته والمكاره التي أصابته، على الرغم من كل ذلك لم يقنط ولم يصل اليأس الى نفسه، بل كان يواصل السعي للوصول الى ما يصبو اليه ويرى في مواصلة السعي لذلك لذة وراحة وطمأنينة. لم يكن جمال الدين يجزع من العسف المحيط بالشرق ولا من الضغط النازل به ولا من المظالم المنصبة عليه، بل كان يرى في هذا كله بوارق خير يرجو منها الالتحام والاتحاد. فكان يقول «بالضغط والتضييق تلتحم الأجزاء المبعثرة». وجمال الدين فهم الشرق وخبره وأدرك أسباب تأخره وانحطاطه. وقد عرف الداء فوصف الدواء فكان أول من قال به وأشار اليه. قال الأفغاني ان أمراض الشرق قد أتت من مطامع الغرب وانها قد دخلت اليه من باب خمول الشرقيين. وقد أوضح طرق الغرب في إضعاف الروح وقتل
المواهب وأبانَ أسلوبه العجيب «لاضعاف لغة القوم والتدرج بقتل التعليم القومي وتنشيط القائلين من الشرقيين بأن ليس في لسانهم العربي أو الفارسي أو الأوردو الهندي آداب تؤثر ولا في تاريخهم مجد يذكر...» وقد وصل الاتقان في أساليب الغرب حدًا
جعل بعض الشرقيين يرون أن المجد كل المجد لهم «أن ينفروا من سماع لغتهم وأن يتباهوا بأنهم لا يحسنون التعبيرَ بها وأن ما تعلموه من الرطانة الأعجمية هي
منتهى ما يمكن الوصول اليه من المدركات البشرية». وهو يرى أن لا جامعة لقوم لا لسان لهم. ولا لسان
لقوم لا آداب لهم ولا عزة لقوم لا تاريخ لهم، ولا
تاريخ لقوم إذا لم يقم منهم أساطين تحمي وتحيي آثار
رجال تاريخها فتعمل عملهم وتنسج على منوالهم.
وهذا كله يتوقف على تعليم وطني يكون بدايته
الوطن ووسطه الوطن وغايته الوطن. ويجب أن
يكون الوطن في مفهوم الشرقيين كقاعدة حسابية،
اثنان فاثنان تعملان أربعة، فلا تستطيع المذاهب أو
الطوائف أن تدعيها خاصة ولا أن تحاول نقضها. والأفغاني يرى أن الوهم من اكبر العوامل في تقهقر
الشرقيين وركونهم لسيطرة الغرب فلولا الوهم لما
كان للغرب سلطان على الشرق ولما استكان الشرق
لحكم الغرب. والوهم يثبط الارادة ويميت العزائم
كما يجلب الشر بأنواعه. وفي اللحظة التي يرتفع بها
الوهم عن أعين الشرقيين يزول الطغيان الغربي
وتتكشف الحقائق فلا يعود هنالك غرب حاكم
وشرق محكوم. ويعرض بعد ذلك آراءه في الجبن
فيرى أنه أساس الوهم وهو موجدهُ بل هو علة العلل
والداء المنتشر في الشرق. والجبن (كما يقول الأفغاني)
يتنافى مع الايمان فلا يمكن لأحد أن يجمع بين الدين
الاسلامي وبين الجبن في قلب واحد. والجبن من
أسباب نجاح الغرب في سيطرته واستغلاله، وفشل
الشرق في نيل أمانيه واستقلاله. وعلى هذا نراه
يدعو الشرقيين الى الثورة وأن يؤمنوا بحقهم وأن
لا يتوانوا عن بذل الأرواح والأموال في سبيل إعلاء
كلمة الحق. والافغاني يرى أن نجاح محمد علي باشا الكبير في
حكم مصر قام على الشجاعة والايمان فقد سار
بمصر في مضمار التمدن والحضارة وأدخلها في
(طور من أطوار المدنية) وتقدم بالبلاد تقدمًا لم تصل
اليه الأقطار الشرقية في ميادين الزراعة والصناعة
والتجارة والتعليم. وليس عجيبًا أن يعجب الأفغاني بمحمد علي باشا
وأن يعتبره من نوابغ الدهر ومن عظماء التاريخ،
فالعظيم يقدر العظيم، والفضل يعرفه ذوو الفضل.
لقد آمن محمد علي باشا بحق مصر في الحياة الكريمة
وآمن برسالتها نحو الشرق والانسانية فسار بها – بعد
أن نزع الجبن واستأصل الوهم من نفسه – في معارج
التقدم والخلود. والافغاني يؤمن بالشعب وبحق الشعب في حكم نفسه
يؤيد ذلك رفضه عرش السودان حين عرضه عليه
اللورد ساليسبوري إبان ثورة المهدي. فقد استدعت
الحكومة البريطانية جمال الدين لتسأله رأيه في المهدي
وظهوره، فشخص إلى لندن واجتمع بالمسؤولين
من رجال الحكم وبعد مجادلات ومناقشات قال
اللورد ساليسبوري للأفغاني: «إن بريطانيا تعلم
مقدرتك ونحن نقدر رأيك قدره ونحب أن نسير مع
حكومات الاسلام بمودة وولاء على قدر ما تسمح
لنا به الظروف والأحوال. لذلك تصورنا أن نرسلك
الى السودان بصفة سلطان عليه فتستأصل جذور
فتنة المهدي وتمهد السبيل لاصلاحات بريطانيا
فيه». فقال جمال الدين: «... تكليف غريب. وسفه
في السياسة ما بعده سفه، اسمح لي يا حضرة اللورد
أن أسألك: هل تملكون السودان حتى تريدون أن
تبعثوا اليه بسلطان؟ مصر للمصريين والسودان جزء
متمم له...» وليس لإنكلترا الحق في تعيين أمير أو
سلطان وإنما يعود هذا الحق الى صاحبه، إلى الشعب
في مصر والسودان. وقد تجلى إيمانه بحق الشعب في الحكم حين كلفه الشاه
في ايران أن يسن القانون الاساسي لمملكة فارس فسن
القانون على أساس مملكة دستورية واعطى الحق في
انتخاب الحكومة الى الشعب. وهنا قال الشاه لجمال الدين: «أيصح أن اكون كأحد
أفراد الفلاحين وأنا ملك الملوك شاهنشاه...» فقال
جمال الدين: «اعلم يا حضرة الشاه أن تاجك وعظمة
سلطانك وقوائم عرشك ستكون بالحكم الدستوري
أعظم وأنفذ وأثبت مما هي الآن. وأن الفلاح والعامل
في المملكة أنفع من عظمتك ومن أمرائك وأن الملك
يقوم على هؤلاء وهم أصحاب البلاد واسمح
لاخلاصي أن أؤديه صريحًا قبل فوات الوقت»... يرى الافغاني أن صلاح الحكومة يقوم على صلاح الشعب فلن تستقيم حكومة ولن تسير في اتجاه سليم اذا لم يكن هناك رأي عام يراقبها ويرهبها. وفي رأيه أن صلاح النفوس والعقول أساسي وجوهري لا تستقيم الامور إلا عليه. وعندئذ تصلح الحكومة وتصبح أداة حية مثمرة منتجة فيها مزايا العمران والتقدم. لقد نظر الى احوال الحكومات بعين البصيرة التي تكشف الحجب فتبين له قبل ان يتبين لغيره ان سنن التدريج ومقتضيات الفطرة ستعمل على زوال الحكم المطلق والتفرد بالسلطة، وان عوامل الزوال تكون بالقضاء على الجهل وافشاء العلم بين سائر طبقات الامة. والقوة المطلقة عند الافغاني تتنافى مع العدل. فالعدل لا يكون الا مع القوة المقيدة المستمدة من الحكم الديمقراطي الصحيح. والقانون يجب ان يستند على
ارادة الشعب الذي يملك حريته قوالً وعمالً. نستعرض الآن رأيه في العلم الصحيح والتمدن وما يجب ان يؤديا اليه. يرى الافغاني ان العلم الصحيح هو العلم الذي يثمر ويأتي بنتائج في صالح الجماعة. وان الافراد او الامة او الاشياء او المكتسبات العلمية لا تقدر الا بنسبة ما يترتب على ذلك من فوائد ومنافع. والمدنية او العلم ليس في المدن الكبيرة او الابنية الشامخة او المصانع بل (على رأيه) ان التمدن او العلم الصحيح هو الذي يمكن الانسان ان ينتهي به عن الفساد في الأرض وسفك الدماء ويصل عن طريقه الى سلام ورخاء. وعلى هذا لا يقال لأمم الغرب انها متمدنة وذات علم صحيح ما دامت غارقة في الدماء وساعية الى الفساد بالاستعمار والاستغلال فهي تسير بالعلم والحضارة الى التدهور والافلاس. كان الأفغاني لا يرى الاستعمار لغة واصطلاحًا،
مصدرًا واشتقاقًا إلا من قبيل أسماء الأضداد،
وهو أقرب الى الخراب والتخريب والى الاسترقاق
والاستعباد منه الى العمار والعمران والاستعمار. والاستعمار بمعناه ومبناه (كما يقول) هو تسلط دول أقوياء علماء على شعوب ضعيفة جاهلة فاذا زال الضعف وزال الجهل من أمة ارتفع عنها الاستعمار وانزاح كابوسه. وزوال الضعف تعقبه القوة. وهذه القوة كامنة في الأفراد لا يظهرها إلا الاتحاد ولا يخفيها إلا التفرق. فمن رام من الأمم الخلاص ممن أذلها واستعمرها فليس هناك غير طريقين: طريق الاتحاد وهو ما يوصل الى الغاية وينقذ من البلاء، وطريق العلم الصحيح الذي ينير السبل ويزيد في بأس الأمة ويعلي من شأنها. نأتي الآن الى مقام الأفغاني عند رجال التاريخ والاجتماع في أوروبا وأميركا فنجد أنه كان محل التقدير والاحترام والاعجاب. اجتمع السيد الأفغاني «برينان» الفيلسوف الافرنسي الشهير وحصل بينهما جدال حول العرب والاسلام. ولسنا الآن في مجال عرض هذا الجدال وتفصيلاته، ولكن يؤخذ من أقوال رينان في رده على رد الأفغاني، أنه (أي رينان)
معجب بجمال الدين، وقد وقع في نفسه وقعًا عظيامً
وأثر فيه تأثيرًا قويًا حتى قال: «... وقد يخيل إلي من
حرية فكر الأفغاني ونبالة شيمه وصراحته – وانا أتحدث اليه – أني أرى أحد معارفي من القدماء وجهًا
لوجه. واني أشهد ابن سينا أو ابن رشد أو واحدًا من
العظام الذين ظلوا قرونًا عدة يعملون على تحرير الانسانية من الاسار...». وقد درس الكاتب الأميركي الشهير «لوثروب ستودارت» تعاليم الأفغاني واطلع على آرائه فخرج بالقول «إن خلاصة تعاليم الأفغاني تنحصر في أن الغرب مناهض للشرق» وأن على الشرق أن يتحد لدفع عدوان الغرب... وأنه لا سبيل إلى ذلك إلا باكتناه أسباب تقدم الغرب والوقوف على تفوقه ومقدرته... أما جولدزيهر وبراون وغيرهما فيرون أن
الأفغاني كان خطيبًا فيلسوفًا وكاتبًا صحفيًا وسياسيًا
قديرًا وأن أثره بالغ في الحكومات الاسلامية «وأنه
كان يرمي الى تحرير الممالك الاسلامية من السيطرة
الأوروبية وانقاذها من الاستغلال الأجنبي كما
يرمي الى ترقية شؤونها الداخلية بالإدارات الحرة
المنظمة...» وجماع القول: كان الأفغاني باعث النهضة الشرقية
وعنوانها، ومنشئ فكرة المقاومة وصاحبها. تجسمت
فيه اليقظة حياة وحركة، وآمن برسالته الخالدة نحو
الشرق والانسانية فسعى اليها قوالً وعمالً. وضع
أساس الحركة التحريرية في الشرق ورسم منهاجها
وعليها سار العرب والشرق يستمدون منه القوة
والاقدام ويستلهمون العزيمة والالهام. لقد أنفق الأفغاني في سبيل الشرق حياة ما أعنفها
وأقساها!! ونفخ في ديار الشرق من روحه ما أيقظها وقوَّاها؛ وصبَّ عليها من فيض حيويته ونضاله ما ألهمها
طريقها ومسرْاها. أحيى النفوس بعد أن كانت نائمة؛ وحرر العقول بعد أن كانت خاملة؛ وحرك القلوب بعد أن كانت جامدة. فهو الآن فكرة باقية، وهو الآن معنى خالد. فكرة
الثورة والنضال، ومعنى التضحية والكفاح، في سبيل
الشرق وخلاصِه، وكرامة الشرق واعلاء كلمته.
الهوامش
سنة 1910، لأسرة ثرية عريقة، ذات اهتمام بالقضايا الوطنية
والسياسة، وبشؤون الفكر والعلم. تلقى علومه الابتدائية
والثانوية في كلية النجاح الوطنية، وتخرج فيها سنة 1924.
وبعدها، في سنة 1929، حصل على درجة البكالوريوس في
الرياضيات من الجامعة الأمريكية في بيروت. عاد بعد ذلك إلى
مدينته نابلس، وعنيّ أستاذا للرياضيات في كلية النجاح. وهناك
تفرغ للدراسة والبحث في الفلك والذرة والعقل والعلوم عند
العرب. وفي سنة 1950، تسلّم إدارة هذا المعهد الوطني وعمل
على تطوير الكلية إداريا، وعلميا، فوسّع إطار التعليم فيها لتصبح
مشتملة على معهد لإعداد المعلمين والمعلمات سنة 1965. أسهم
في ميدان الفكر العلمي بعدد كبير من الكتب وبعدد أكبر من
المحاضرات التي ألقاها في الأندية الثقافية والمجامع العلمية، في
العواصم العربية، القاهرة، ودمشق، وبيروت، وعمان، وبغداد،
وغيرها، كما اشترك فيما يقرب من عشرين مؤتمرًا علميًا عقدت
في بعض دول أوروبا وآسيا وأفريقيا، فضلا عن المؤتمرات العلمية
العربية. وكان موضع تقدير المؤسسات الثقافية والمجامع العلمية
في فلسطين وغيرها، فشارك بعضوية عديد من هذه المجامع
والمؤسسات، ومنها: عضوية الهيئة الإدارية للجنة الثقافية العربية
في فلسطين منذ سنة 1945 (دعت هذه اللجنة عام 1946
إلى إقامة «معرض الكتاب العربي الفلسطيني الأول» في بيت
المقدس)؛ وعضوية المجمع العلمي العربي في دمشق؛ وفي القاهرة
نائب رئيس الاتحاد العلمي العربي، وعضو مجمع اللغة العربية،
ورئيس لجنة المصطلحات العلمية في المؤتمر العربي الرابع، وعضو
المجلس العلمي العربي للذرة؛ أما في الاردن، فكان عضو المجلس
الأعلى للتعليم، ورئيس الجمعية الأردنية للعلوم، من سنة 1955
حتى تاريخ وفاته، ورئيس اللجنة الأردنية للتعريب والترجمة
والنشر من سنة 1961 حتى 1967 (بعد نكسة حزيران/ يونيو
1967 حيل بينه وبين حضور جلسات هذه اللجنة وظل عضوًا
فيها حتى تاريخ وفاته)، عضو مجلس البحث العلمي الأردني،
عضو مجلس أمناء الجامعة الأردنية منذ أن تأسست في عمان سنة
1962، عضو البرلمان الأردني مرتين من 1950 إلى 1954 عن
محافظة نابلس، وزير الخارجية الأردنية من 1964/7/6 حتى
1965/2/12، وخلال وجوده وزيرًا للخارجية اشترك في
مؤتمرين من أهم المؤتمرات التي انشغلت بالقضية الفلسطينية
والصراع - العربي الاسرائ لي، 1: هما – مؤتمر القمة العربي
الثاني، 2 مؤتمر دول عدم الانحياز. تحقق على يده اعتراف –
الأردن بالجمهورية اليمنية والتقارب بين الأردن والجمهورية
العربية المتحدة. كما مثل الأردن سنة 1965 في المؤتمر الآسيوي
الأفريقي للفكر العربي الذي انعقد في لاهور. على المستوى الدولي
كان الدكتور قدري طوقان عضوًا في جمعيات العلوم الرياضية
والمستشار للدراسات العربية في معهد آسيا بالولايات المتحدة.
وعضو المجمع العلمي لدول البحر الأبيض المتوسط في إيطاليا.
وفي سنة 1964 أقيم في الجامعة الأمريكية في بيروت «مؤتمر
الدراسات العربية ” الذي يتناول في كل سنة موضوعًا يحاول أن
يوضح دور العرب فيه خلال المئة سنة الأخيرة. وفي ذلك المؤتمر
ألقيت ست محاضرات تناول فيها المحاضرون العرب الموضوع
من مختلف جوانبه وجرت حولها اثنتا عشرة ساعة من النقاش،
وقد كان موضوع المحاضرة التي ألقاها قدري طوقان في المؤتمر
“ تاريخ العلم وما أسهم به العرب خلال المئة سنة الأخيرة».
وتتويجًا لعطاءاته العلمية استحق قدري حافظ طوقان عن جدارة
التكريم في حياته وبعد مماته فنال عديدًا من الأوسمة والجوائز
التشجيعية والتقديرية. وفي يوم الجمعة السادس والعشرين من
شهر شباط/ فبراير سنة 1971 توفي في إحدى رحلاته خارج
الوطن، في مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت إثر نوبة قلبية
حادة، ومساء السبت الواقع في 27 شباط/ فبراير نقل جثمانه إلى
عمان جوًا، وصباح الأحد المصادف 28 شباط/ فبراير 1971
نقل جثمانه إلى نابلس عن طريق جسر دامية، ودفن في المقبرة
الشرقية إلى جوار ابن عمه المرحوم الشاعر إبراهيم طوقان.
كتب في كثير من الصحف والمجلات الفلسطينية والعربية، مثل
المقتطفوالرسالة والثقافة والأديبوالعرفانوالأماليوغيرها،
وكذلك في جريدة فلسطينفي يافا. اتجه الجانب الأكبر من جهوده
إلى إبراز القيم العلمية الباقية في تراثنا العربي الإسلامي. وفي سبيل
نشر روائع السلف الصالح، أصدر حتى آخر حياته ما يقرب من
خمسة وعشرين كتابًا كلها في التراث العلمي العربي، وقد بدأ هذا
الجهد الكبير ببحث صغير عن أثر العرب في الرياضيات حصل
به العام 1929 على بكالوريوس في العلوم من الجامعة الأمريكية
في بيروت، ثم أصبحت حياته تعميقًا وتطويرًا لهذا البحث في
بقية كتبه التي نذكر منها: تراث العرب العلمي في الرياضيات
والفلك (1941)؛ نواح مجيدة من الثقافة الإسلامية (1936،
بالاشتراك مع جماعة من المؤلفين المصريين)؛ الكون العجيب
(1943)؛ الأسلوب العلمي عند العرب (1946)؛ بين العلم
والأدب (1946)؛ جمال الدين الأفغاني (1947)؛ العيون في
العلم (1948)؛ بعد النكبة (1950)؛ وعي المستقبل (1953)؛
الخالدون العرب (1954)؛ تراث العرب العلمي (1954)؛
بين البقاء والفناء: في الطاقة الذرية (1955)؛ النزعة العلمية
في التراث العربي (1956)؛ ابن حمزة والتمهيد إلى اللوغارتمات
(1958)؛ مقام العقل عند العرب (1960)؛ أثر العرب في تقدم
علم الفلك (1961)؛ العلوم عند العرب والمسلمين (1961)؛
الروح العلمية عند العرب والمسلمين (1962)؛ نشاط العرب
العلمي في مائة عام (1964)؛ حيوية العقل العربي في نقد الفكر
اليوناني (1965)؛ أبو حيان البيروني (1966)؛ وغيرها. كما أن له
مشاركات علمية هامة في تحرير الدليل الببليوغرافي للقيم الثقافية
العربية، القاهرة 1965، والموسوعة العربية الميسرة، القاهرة
1965، ودائرة معارف فؤاد البستاني، بيروت. النصّ من أجمل النصوص السهلة المركّزة المختصرة لأفكار أحد
أهم روّاد النهضة العربية، فإنه يكتسب أهميته أيضًا من إشارته
الواضحة إلى انتعاش الحركة الثقافية العربية في فلسطين قبل قيام دولة إسرائيل. (التحرير)