تقرير المؤتمر السنوي الثاني للعلوم الاجتماعية والإنسانية آذار/مارس 2013 ما العدالة في الوطن العربي اليوم؟
The Second Annual Conference of Social Sciences and Humanities held by the Arab Center for Research and Policy Studies (Marc
الملخّص
عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مؤتمره السنوي الثاني للعلوم الاجتماعية والإنسانية في الدوحة في الفترة 30آذار/مارس 2013 . وتمحور المؤتمر هذه السنة حول موضوعين، لكلٍّ منهما مسار منفصل وجلسات جدلية خاصّة تحت سقف المؤتمر السنوي، وهما الاندماج الاجتماعي وبناء الدولة والأمّة في الوطن و ما العدالة في الوطن العربي اليوم ؟.
Abstract
The ACRPS convened the Second Annual Conference for the Social Sciences and Humanities in Doha on 30-31 March, 2013. The two themes of the conference this year, each with separate sessions and discussions, were "The Dialectic of Social Integration and the Building of Nation and State in the Arab Homeland" and "Justice in the Arab Homeland Today".
- العدالة
- الوطن العربي
- الأمة
- Justice
- Arab Homeland
- The Dialectic of Social Integration
31-30 آذار/مارس 2013 “ما العدالة في الوطن العربي اليوم؟”
عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مؤتمره السنوي الثاني للعلوم الاجتماعية والإنسانية في الدوحة في الفترة 1-303 آذار/مارس 2013. وتمحور المؤتمر هذه السنة حول موضوعين، لكلٍّ منهما مسار منفصل وجلسات خاصّة تحت سقف المؤتمر السنوي، وهما: «جدلية الاندماج الاجتماعي وبناء الدولة والأمّة في الوطن العربي»، و«ما العدالة في الوطن العربي اليوم؟».
المحاضرتان الافتتاحيتان
بدأ المؤتمر يومه الأول بمحاضرتين افتتاحيتين ترأس جلستهما د. النور حمد، أُولاهما «عن ليبرالية في لبنان تتحصّن بدمج الأفراد في طوائفهم» ألقاها د. أحمد بعلبكي، وتنتمي إلى مسار المؤتمر الخاص ب «جدلية الاندماج الاجتماعي وبناء الدولة والأمّة في الوطن العربي»، وثانيتهما «العدالة في حدود ديونطولوجيا عربية» ألقاها د. فهمي جدعان، وتنتمي إلى المسار
في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
الثاني «ما العدالة في الوطن العربي اليوم؟» الذي يغطّيه هذا التقرير. سبق المحاضرتين ترحيب د. عزمي بشارة بالمشاركين والضيوف، وإشارته إلى المؤتمر بوصفه تقليدًا سنويًا يُقام في التوقيت نفسه من كلّ سنة، ويرمي إلى توطيد العلاقة مع الباحثين العرب في إطار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الذي هو مؤسسة عربية عابرة للحدود تبحث في القضايا والشؤون العربية بأجندة عربية. ويشكّل المؤتمر منبرًا لهذا البحث، إضافة إلى كونه محاللأبحاث «الجائزة العربية للعلوم الاجتماعية والإنسانية»، حيث يجري توحيد موضوعات المؤتمر والجائزة كلّ سنة، وهي موضوعات عقد المركز العزم على اختيارها عابرة للتخصّصات. وقد أشار د. بشارة إلى أن غرف البحث لا المؤتمرات هي التي تنتج الفكر، لكن هذه الأخيرة تشكّل مناسبة للتفاعل والتنسيق، وإثارة الأفكار، وترتيب المبادرات المشتركة، وقد تحفّز البحث وإنتاج الفكر.
أمّا محاضرة د. فهمي جدعان الافتتاحية، «العدالة في حدود ديونطولوجيا عربية»، فبدأت بالإشارة إلى أن مصطلحي «العدل» و»العدالة» لا يدالّن على المعنى نفسه في الأصل، لكنهما اختلطا في الاستخدام العربي المعاصر، كما في استخدام د. جدعان نفسه الذي يأخذهما بمعنى «توفير حقّ الغير، واستيفاء الحق منه»، مع ما يلحق بهذا المعنى من متعلّقات ووجوه ترتبط بالدولة والمجتمع، وتتوخّى بيان ما هو مناسب وواجب لحياة اجتماعية عربية، علامً بأن «الواجب» و«المناسب» و»الملائم» هي المعاني التي تشير إليها السابقة «ديو» في مصطلح «ديونطولوجيا» الذي جاء في عنوان المحاضرة. ولقد عرضت المحاضرة بصورة وجيزة لمفهوم «العدل» في المعطيات التاريخية العربية الإسلامية، وصوالً إلى العصر الحديث، واستمرار مفهوم العدل باحتلال مكانة مركزية لدى مفكري النهضة العرب، بتأثير من الفكر الليبرالي الغربي الحديث، مقترنًا بمفهوم الحرّية. وذلك قبل تلمّس هذا المفهوم عند سيد قطب وناصيف نصّار، ثمّ الانتقال إلى جملة النظريات المتداولة اليوم في الفضاء العالمي. وهنا يعرض د. جدعان لجون راولز الذي غدا العدل معه محل نظر معمّق، كما يعرض لوِل كيمليكا، حيث يوافق هذا الأخير في دعوته إلى نظرية تعددية في العدالة، تستند إلى أبرز النظريات الكبرى التي تناولت العدالة في الفكر الغربي المعاصر: النظرية النفعية، نظرية المساواة الليبرالية، النظرية الليبرتارية، النظرية الماركسية، النظرية الجماعوية، النظرية النسوية. وفي النهاية، يعود د. جدعان إلى الربط بين الفضاءين الغربي والموروث، داعيًا إلى نظرية عربية في العدالة تتمثّل المنجز الغربي وتستوعبه.
خلفية نظرية ومفاهيم
خُصّصت الجلستان الأولى والثانية، بعد ذلك، لعرض الخلفية النظرية والمفاهيم الخاصة بالعدالة. وترأس د. ابراهيم العيسوي الجلسة الأولىالتي اشتملت على محاضرتين، أُولاهما للدكتور مراد دياني، بعنوان «أصالة اتّساق الحرّية الاقتصادية والمساواة الاجتماعية في نظرية العدالة، أو استقراء معالم النموذج الليبرالي المستدام لما بعد الربيع العربي»، وثانيتهما للدكتور سعيد بنسعيد العلوي بعنوان «العدالة أوالً: من وعي التغيير إلى تغيير الوعي». يستقرئ بحث د. دياني الوعي بقيم الحرّية والكرامة والمساواة المؤسسة لنظرية العدالة من خلال تعلّمها بالممارسة في الثورات الجارية في الوطن العربي، والتي لم تستطع بعدُ استيعاب أبعادها المعرفية المركّبة، والمساهمة في توطينها الإبستيمي في البلاد العربية، في ظلّ غياب مقاربات معيارية تربط الحراك المجتمعي والسياسي بأولويات البناء الاقتصادي والاجتماعي في المرحلة المقبلة. وهذا ما يطمح البحث إلى المساهمة فيه من خلال مناقشة إشكالية أساس، هي اتّساق الحرّية والمساواة داخل إطار النموذج الليبرالي الذي يظلّ اليوم مبهامً في العالم العربي اقتصاديًا وسياسيًا وفلسفيًا، كما يظلّ متّسامً بسوء فهم عميق. وهو يرى أن بداية انحسار وطأة الرأسمالية المتوحشة التي تعاني أزمة أيديولوجية حقيقية، تمثّل فرصة سانحة لجلاء طبيعة النموذج الليبرالي الاجتماعي العميق، ومساءلة ماهية البُعد الاجتماعي والديمقراطي داخل الاقتصاد، وصوالً إلى ما يدعوه النموذج الليبرالي المستدام الذي ينطوي على مقاربة للعدالة قائمة على شعار الثورة الفرنسية «حرّية، مساواة، إخاء»، تُدْخِل مبدأ الإخاء الاجتماعي مبدأً ثالثًا يكمل مبدأي الحرّية والمساواة اللذين يردان في نظرية «العدالة كإنصاف» عند جون راولز. كذلك ينطلق بحث د. سعيد بنسعيد العلوي من انتفاض الشارع العربي، ويشبّه ميدان التحرير بالأجورا اليونانية، ويتناول شعاراته التي دارت حول كلمتين هما «ارحل» و«العدالة» (لا للفساد، لا للظلم). ويرى د. العلوي أن ميدان التحرير أعلن موت أيديولوجيا القومية العربية ليُعلي في المقابل
من شأن الوعي العربي والعروبة، وأعلن موت الأيديولوجيا الماركسية، لا المادّية التاريخية بمعناها العلمي، ليُعلي من شأن العدالة وإدانة الفساد، كما أعلن موت أيديولوجيا الإسلام السياسي، على الرغم من الحضور البارز للجُمَع وصلاة الجماعة. انتقل د. العلوي بعد ذلك إلى تناول العدالة والعدل في التراث النهضوي العربي، خاصة لدى الرحّالة العرب الذين قصدوا الغرب (رفاعة الطهطاوي ومحمّد الصّفار...) ولدى الإصلاحيين العرب (الأفغاني ومحمد عبده...)، وذلك قبل أن يعود إلى دولة الاستبداد التي يجد أنها تبدو في ظاهرها حديثة لكنها مقامة على بنى عميقة ومهترئة إضافة إلى استبداديتها، الأمر الذي انتهى بها إلى حصيلة سلبية في كلّ ما وعدت به، من التعليم إلى الحكامة. ويشير د. العلوي أخيرًا إلى مكر التاريخ (بالمفهوم الهيغلي) الذي انطوت عليه الثورة المعلوماتية، وإلى عفوية الانتفاض العربي التي ينقصها العماد النظري والثقافي، وتنطوي على مخاطر جدّية، ليختم بما يبعث على الأمل، وبالبدائل التي قد تقلب السلب إلى إيجاب، من إقامة الدولة المدنية، والحياة السياسية السليمة، والنظر إلى الإسلام كثقافة بالمعنى الواسع، والفصل بين السياسة والدِّين، والتشديد على التجديد الديني، والإيمان بدور الثقافة والمعرفة. وفي إطار الخلفية النظرية والمفاهيم أيضًا، ترأّس د. أنطوان سيف الجلسة الثانية التي اشتملت على ثلاث محاضرات، كانت أُولاها للدكتور محمد الحدّاد بعنوان «جدلية العدالة والحرّية في ضوء الثورات العربية»، وثانيتها للدكتور عبد العزيز لبيب بعنوان «إحراجات العدالة في وضع استثنائي»، وثالثتها للدكتورة نجمة حبيب بعنوان «العدالة والاشتراكية ومفهوم المساواة في الكتابات العربية المعاصرة». أشار د. الحدّاد في محاضرته إلى التباس مفهومي الحرّية والعدالة وارتباطهما، وإلى مراوحة محاضرته بين أمرين لا تجمع بينهما علاقة مباشرة: الأول، هو المتابعة المباشرة لما حصل في الثورات العربية، خاصةً تونس، والثاني، قراءته كتاب أمارتيا سن فكرة العدالة، الذي يعدّه مقابلةً لكتاب جون راولز نظرية العدالة. ينطلق د. الحدّاد من أن الثورات العربية هي انتقال ديمقراطي لا يُقاس على مثال ما حصل في فرنسا وروسيا وإيران، بل على مثال ما حصل في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية. وهذا ما يقلّل من أهمية الحزب والأيديولوجيا، ويزيد من أهمية حقوق الإنسان التي تنطوي عليها هذه الثورات التي لا تنسجم بالضرورة مع التعريف الكلاسيكي للثورة (بمعنى الانتقال الطبقي)، كما يزيد من أهمية فكرة العدالة الانتقالية، مع الإشارة إلى أن هذه الأخيرة يصعب أن تُفْلِح إن لم يكن ثمة تصور للعدالة ككل. يرى د. الحداد أيضًا أن العدالة في الثورات العربية كانت، مثل هذه الثورات، مطلبًا عفويًا (أي محدّدًا بالسلب)؛ إذ يعرف البشر ما لا يريدونه، بما في ذلك إسقاط النظام، من دون إدراك لما يريدونه بالضرورة أو من دون اتّفاق عليه. ويتناول د. الحداد الاستبدادين «الحديث» و»القديم» ويقارن بينهما. كما يميز بين الاستبداد كواقعة موضوعية وشعور الناس به. ويرى أن ما كان ضعيفًا في تاريخنا هو الشعور بالاستبداد لا الاستبداد ذاته. ويبنيّ أن الاستبداد الشرقي الضعيف يقوم على الفرد (الفرد مع العشيرة أو الفرد مع جهاز بيروقراطي)، وهذا ما يضعف الدولة ويجعله يسقط بسرعة (مثال مصر وتونس)، حيث يختلف هذا الاستبداد الشرقي الضعيف عن الدولة الحديثة التي تنجح في عقلنة الضعف، بخلاف الدول ما بعد الاستعمارية التي لم تبق تقليدية ولم تَغْدُ حديثة، الأمر الذي أدّى إلى سقوطها من دون أن يعني ذلك سقوط فكرة الدولة ذاتها. ويرى د. الحداد أن التحدّي الخطِر الذي يواجه الثورات العربية هو الانتقال إلى البداوة السياسية وإسقاط الجماهير السلطة التي تمارس عليها العنف لتنتقل إلى الوراء، إلى سلطات كانت مبرَّرة
بالأعراف، والتحصّن بآليات سلطة أقل عنفًا لكنّها قائمة على مبادئ مخالفة للمساواة والحرّية الفردية والإيمان بالمؤسسات، الأمر الذي يفضي إلى تفكّك المجتمع بدالً من إقامة الدولة العادلة. وفي عودة إلى كتاب أمارتيا سن، يجد د. الحداد أن أهميته تكمن في نقد الفلسفة التي قامت عليها فكرة العدالة من كانط إلى راولز؛ إذ انطلق هذا التفكير كلّه من البحث عن قواعد مطلقة أو مؤسسات مثالية لتحقيق العدالة. أمّا الربط بين الكتاب والربيع العربي، فيكمن في أن الجماهير لم تعد تؤمن بأن هناك منطلقات نظرية أو مرجعيات مطلقة أو مثالية تشكّل أساسًا. ويعرض د. الحداد للأمر الأساس هنا بالقول إن هناك طلبًا عالميًا على العدالة، وإن الثورات العربية قد تتّجه في هذا الاجتّاه الكوني لتتلاحم مع هذا الفكر العالمي وهذه الحاجة العالمية لتحقيق العدالة. أمّا في حال حصول العكس، فسوف يعني ذلك عودة إلى العدالة القديمة التي تهيمن فيها الأعراف، ويضعف فيها الإحساس بالاستبداد. ويأتي بحث د. عبد العزيز لبيب، «إحراجات العدالة في وضع استثنائي: شذرات في «اللامقوَّل» أو في ما لا يتقوّم النظر فيه بمنهج الاستدلال»، ليشير إلى أن اختيار أسلوب «الشذرات» ناجم عن أن القول في ما يُعَدّ «حالة استثنائية » في حقل ممارسات العدالة وما يتّصل بها من مسائل عملية يأتي، كذلك، مصحوبًا بالاستثناء في حقل البيان والبلاغة. ذلك أنَّ الكتابة بالشذرات تمتلك القدرة على التنبيه إلى «الفراغات الحقوقية» وعلى تشخيصها. وما يقصده د. لبيب بالعدالة في أوضاع استثنائية هو حالات مثل العدالة في المرحلة الانتقالية، والقضية الفلسطينية والقانون الدولي المتعلّق بها كمصدر الّعدل، وسجن أبو غريب وسيادة عدالة المنتصر لا عدالة المحتل التي لها قوانينها في النهاية، وغوانتانامو، حيث جرى ابتداع استثناء فاق جميع الاستثناءات عبر مقولة «العدو المحارب». وما يستنتجه من هذه الحالات هو أن الاستثناء بات معماّمً وصار القاعدة في النظام العالمي. ويبنيّ د. لبيب ماهية الاستثناء ومناسباته وتعالقاته الدلالية في سياق فكرة العدالة، خاصّة في حالات الأزمة والطوارئ والإنقاذ الوطني والحرب والثورة والانقلاب العسكري والحالة الانتقالية التي تحظى براهنية كبيرة في بعض البلدان العربية، وهي جميعًا حالات تَعِدُ مسودّة د. لبيب بأن تشرحها في ضوء مفهوم العدالة حين تتّخذ هذه المسودّة صيغتها النهائية. أمّا محاضرة د. نجمة خليل حبيب، «العدالة والاشتراكية ومفهوم المساواة في الكتابات العربية المعاصرة: الرواية نموذجًا»، فتعلّل في البداية سبب اتخّاذها الرواية نموذجًا بما لدى الروائيين من قدرة على التغلغل في أعماق روح بلدانهم ونفسيتها، ورسم شخصيتها، وتسجيل أحلامها وكفاحها وبحثها عن السعادة، فضالً عن تمهيد الرواية للثورات وصنعها المستقبل، وكونها السلعة الثقافية الشعبية السهلة التناول. وذلك قبل أن تنتقل إلى تناول مفهوم العدالة وأنواعها (الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والجنائية والمطلقة) في الرواية العربية، متّخذة على هذا الصعيد رواية اللص والكلاب لنجيب محفوظ نموذجًا، وتناول مفهوم المساواة وحقوق الإنسان في الرواية العربية من خلال رواية بهاء الطاهر الحب في المنفى، ثم حقوق المرأة ومساواتها بالرجل، حيث يغدو النموذج أدب سحر خليفة، والاشتراكية في الرواية العربية من خلال الرؤية الإسلامية المتمثّلة في رواية علي أحمد باكثير الثائر الأحمر، لتنتهي بالرؤية العلمانية للعدالة كما عربّت عنها رواية الثلج يأتي من النافذة لحنّا مينه. وبهذا يجتهد بحث د. حبيب في الكشف عن الدور الذي قامت به الرواية العربية في نقل المعلومة إلى العامة، وفي تثقيف الناس وتعريفهم بحقوقهم وبالطريق إلى تحقيقها. وقد تبنيّ لها أن الرّواية العربية
اضطلعت بدور كبير في تثوير المجتمع الذي يتجىل اليوم في الانتفاض على الحكّام المستبدّين.
افتتاح رسمي
جرى، بعد الجلسة الثانية، افتتاح المؤتمر رسميًا بكلمة للدكتور عزمي بشارة جمعت بين موضوعي المؤتمر: العدالة والاندماج الاجتماعي، وطرح فيها السؤال: ما العدالة في السياق العربي المعاصر؟ وتطرّق إلى تاريخ المفهوم: من تفسير العدالة بضدّها (منع الرشّ الكامن في الظلم) إلى معناها الموجب المرتبط بدلالات مشتقّة من التساوي والتعادل، وعرض لمفهوم العدالة عند أفلاطون وأرسطو والمعتزلة وابن تيمية وزينون الرواقي وشيشرون وجستنيان وفي القانون الروماني وجستنيان... وصوالً إلى الثورة التي أحدثها الفكر الحديث منذ نظريات العقد الاجتماعي. بعد هذا السرد الذي يعرض لإقامة العدالة على أساس المساواة الطبيعية، يأتي د. بشارة إلى سرد تحوّل تاريخي أدّى إلى توسيع العدالة بإقامتها على أساسي المساواة الاجتماعية والحرّية، أكان في الفكر الديمقراطي والليبرالي الغربي أم في فكر النهضة العربية (عند الطهطاوي مثالً). بيد أن الربط المكين بين العدالة والاندماج الاجتماعي (وهما جناحا المؤتمر السنوي الثاني) يأتي مع إشارة د. بشارة اللافتة إلى مسألة الهوية التي لا يمكن لأي مفهوم للعدالة في سياق بناء الدّولة الحديثة أن يتجاهلها. وهنا يطرح د. بشارة سؤاالً بالغ الأهمية: إذا اعترفنا بوجود كيانات حقوقية داخل الدولة غير المواطنين، كالملّة والجماعة القومية والثقافية والأقاليم، فهل يحقّ لهذه الجماعات أن تمارس سلطة على المواطنين؟ وهل يمكن أن تكون حقوقها على حساب حقوق المواطن؟ تلت ذلك كلمة لسعادة الشيخ عبدالله بن علي آل ثاني، رئيس جامعة حمد بن خليفة. ثم تلا د. كمال عبد اللطيف تقرير لجنة الجائزة العربية للعلوم الاجتماعية والإنسانية لهذا العام، وأشار إلى أن الترشيح شمل مختلف الأقطار العربية، بمجموع 141 ترشيحًا (80 في موضوع جدلية الاندماج الاجتماعي، و 61 في موضوع العدالة). وبعد التقويم الأولّي للترشيحات، استقرّت المنافسة على 6 مشاريع أبحاث في جدلية الاندماج الاجتماعي من فئة الباحثين، و 5 أبحاث ضمن فئة الباحثين الشباب في الموضوع نفسه. أمّا ترشيحات موضوع «ما العدالة؟»، فقد استقرّت على 7 أوراق في فئة الباحثين، وورقة واحدة في فئة الباحثين الشّباب. وقد ارتأت اللجنة وضع الأبحاث كلّها ضمن خانة واحدة ليصبح مجموعها 8 أبحاث. هكذا، أصبح عدد الترشيحات في موضوعي الجائزة وفئتيها 19 مشروعًا توزّعت بين الدول العربية إلى 5 من المغرب، و 3 من فلسطين، و 3 من مصر، و 3 من الجزائر، و 2 من تونس، و 2 من موريتانيا، و 1 من الكويت، و 1 من اليمن. وأكّد د. كمال عبد اللطيف أنه بعد استيفاء الترشيحات شروط الجائزة وقواعدها، ومرورها عبد مراحل التحكيم والتقويم المقرّرة، خلصت لجنة الجائزة إلى قرار حجب الجائزة لهذه السنة عن الأبحاث المقدّمة في الموضوعين معًا، أكان في فئة الباحثين أم في فئة الباحثين الشّباب، وذلك لعدم استجابتها للمعايير المحدّدة في سلّم التقويم المنصوص عليه في لوائح تقويم الجائزة. وفي ختام تقرير لجنة الجائزة، أعلن د. ك امل عبد اللطيف أن موضوعي الجائزة للسنة المقبلة، هما: «التاريخ وتاريخ الراهن بالذات»، و«التنمية الاقتصادية العربية». وقد تلت ت الوة تقرير الجائزة محاضرة للمستشار طارق الب رشي حول حركية تشكّل الجماعات السياسية.
العدالة الانتقالية
شهدت الجلسة الثالثة التي ترأّستها د. فريدة بناني محاضرتين، الأولى للدكتور كمال عبد اللطيف بعنوان «العدالة الانتقالية والتّحولات السياسية في المغرب: تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة»، والثانية للدكتور عبدالحي مودن بعنوان «العدالة الانتقالية والسلطوية: نموذج المغرب». أشار د. عبد اللطيف إلى أن مفهوم العدالة، الذي هو مفهوم أساس في الفكر الفلسفي، بات يُقدَّم بطرق جديدة ابتعدت به عن مفهومه الكلاسيكي، وأجرت عليه تحولّات أساسية منذ القرن العشرين فصاعدًا. قسم د. عبد اللطيف بحثه إلى قسمين، الأول نظري، هو عبارة عن خلفية تتناول مرجعية العدالة، خاصّة جهد جون راولز وما أثاره من مناظرة في هذا الموضوع، وحرصه على أن يكون موصوالً بالتقليد الفلسفي الحديث لعصر الأنوار، ومحاولته تطوير مكاسب نظرية العقد الاجتماعي ومعطيات من المنظومة الأخلاقية الكانطية بغية استيعاب متغيرات المشهد السياسي الأميركي والعالمي عمومًا، وكذلك جهد المركز الدولي للعدالة الانتقالية الذي يتجىلّ في أدبياته وبروتوكولات عمله وتفاعلات خبرائه، حيث قدّم هذا المركز معطيات مهمّة مبنية على تجارب للعدالة الانتقالية في البرازيل وأوروبا وجنوب أفريقيا وأميركا اللاتينية... إلخ. وكلّها تجارب تتميز بإبراز الطابع المحليّ قبل إدماج العناصر المحلية واستيعابها في إطار عام. أمّا القسم الثانيمن بحث د. عبد اللطيف، فيقوم على تناول تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب، حيث يتوقّف أمام أبرز مكاسبها ومنجزاتها، بعد التوقّف أمام حادث يفترض أنه من أقوى الحوادث في خلخلة كثير من أركان النظام القمعي في الغرب، ألا وهو جلسات الاستماع إلى ضحايا حقوق الإنسان التي عُقدت في 23 و 24 كانون الأول/ ديسمبر 2004، واستمرت في الأشهر الأولى من سنة.2005 أمّا محاضرة د. عبد الحي مودن، فتناولت، من خلال نموذج المغرب، تدبير الإرث السياسي العنيف، في إطار مقاربة العدالة الانتقالية التي أخذت تتبلور كتجربة جديدة منذ بداية ثمانينيات القرن العشرين، وتحولت إلى نموذج طبّقته دول كثيرة (أكثر من 53 دولة)، حيث البحث عن بدائل للعدالة العقابية عن الجرائم السياسية، ومحاولة تحقيق المصالحة بين الأطراف المتعارضة من خلال تدابير الكشف عن الحقيقة، وجبر الضرر، والحفاظ على الذاكرة الأليمة، والالتزام بالتخليّ عن العنف في تدبير الخلافات السياسية. وفي هذا السياق، ركّزت المحاضرة على الحالة المغربية، وأثارت مسألة المصالحة في ظل السلطوية وآفاق ترسيخ حقوق الإنسان باعتبارها مبادئ سلمية في الممارسة السياسية.
العدالة في التراث
ترأّس د. حمدي عبد الرحمن حسن الجلسة الرابعة التي قُدّمت فيها ورقتان، الأولى «العدالة في الفكر السياسي التراثي: الحدّ والمحدودية» للدكتور أمحمد جبرون، والثانية «خطاب العدالة في كتب الآداب السلطانية» للدكتور إبراهيم بوتشيش. توخّى د. جبرون في دراسته تقدير «القيمة التّاريخية» لمفهوم العدالة في التراث العربي، وامتحان إمكان المراهنة عليه في بناء المستقبل جزئيا أو كلّيًا، وذلك من خلال تتبّعه نظرية العدالة في الفكر السياسي التراثي (لدى الفقهاء والمتكلّمين والفلاسفة)، وحدود نظرية العدالة في هذا الفكر السياسي التراثي بضروبه المختلفة، ومحاولة الإصلاحيين العرب تجديد مفهوم العدالة (حيث يتّخذ الإمام محمد عبده نموذجًا)، في إطار اصطدام العدالة التراثية بالحداثة، بغية جلاء أطروحة العدالة لدى عبده وحدودها. وتفتح دراسة د. إبراهيم بوتشيش ملف خطاب العدالة في كتب الآداب السلطانية، لأنه على الرغم من قيمة الدراسات الحديثة التي تناولت الآداب
السلطانية بالدرس وحفرت فيها حفرًا معرفيًا عميقًا، فإن الكلام على نظام العدالة في الكتابات السلطانية لا يزال مشروعًا غير مكتمل. وتنطلق الدراسة في سبرها أغوار موضوعها من ثلاثة أسئلة مركزية تتناول -1 مفهوم العدالة في متون الآداب السلطانية وشكل بنائه وحدوده والموجّهات الناظمة له، ومدى إمكان الكشف عن نظامه بوصفه قوالً سياسيًا؛ -2 المرجعيات المولّدة لخطاب العدالة لدى مؤلّفي الآداب السلطانية؛ -3 استكشاف ما إذا كان ثمة موقع لحقوق الإنسان في خطاب العدالة لدى الكتّاب السلطانيين، الذين حاولوا التوفيق بين تفرّد الحاكم «العادل» بالسلطة، والإقرار – في الآن ذاته – ببعض حقوق الرعية. هكذا تتناول الدّراسة أربعة متون من كتب الآداب السلطانية، هي نصيحة الملوك لأبي الحسن علي بن محمد، والتبر المسبوك في نصيحة الملوك لأبي حامد الغزالي، والإشارة في تدبير الإمارة للقاضي أبي بكر المرادي الحضرمي، والشهب اللامعة في السياسة النافعة لأبي القاسم بن رضوان المالكي، حيث يتّضح الحضور القوي للسلطان بما هو طرف مهيمن ومنتج لنظام القول في العدالة، حتى خيُيَّل للقارئ أن العدالة هي السلطان والسلطان هو العدالة.
جلسة ختامية
شهد المؤتمر، قبل الجلسة الخامسة أو الختامية، عرضًا لبعض نتائج المؤرشّ العربي حول المواطَنة والمساواة. وفي الجلسة الخامسة، التي ترأستها د. هناء الجوهري، كان ثمة محاضرتان، الأولى للدكتور محسن بوعزيزي بعنوان «العدالة في عيون السجناء: بحث في التمثلّات الاجتماعية»، والثانية للدكتور باسم سرحان بعنوان «عدم المساواة تجليًا لعدم العدالة في التنمية العربية». تتّخذ دراسة د. بوعزيزي من السجن مثاالً تطبيقيًا لتناول معضلة العلاقة بين العدالة والحرّية؛ تلك المعضلة التي لا يزال الإنسان يصارع من أجلها منذ عصور. وبذلك، فإهنّا تولي العدالة الجزائية، كما تظهر في عيون السجناء، اهتمامًا خاصًّا، لتدلف من تمثّل السجين هذه العدالة الجزئية بلغته البسيطة إلى الإشكاليات الفكرية والفلسفية الكبرى المألوفة بشأن العدالة، من قبيل العدالة بوصفها إنصافًا، والمساواة أمام القانون، والمساواة الاجتماعية، والمساواة في الفرص وتوزيع الثروة. وتندفع هذه الدراسة، من ثمَّ، إلى التفكير في ربط ممكن بين العدالة الجزائية والعدالة الاجتماعية، وفي التلازم بين اللامساواة والإقصاء. أمّا ورقة د. باسم سرحان، فجاءت في الحقيقة دراسة في سوسيولوجيا التنمية العربية من منظور السياسات التنموية المتّبعة عربيًا، وما ترتّب عليها من نتائج، ولاسيما افتقارها إلى العدالة الاجتماعية وتعميقها عدم المساواة والفروقات الاجتماعية والاقتصادية بين مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية ذات الدّخل المتوسط في البلدان العربية خلال العقود.2010-1980 وقد اعتمدت الدراسة منهجًا يقوم على قياس المفاهيم النظرية للعدالة الاجتماعية والتنمية الشاملة المعتمدة فيها بواسطة المؤرشّات الكمّية المعتمد عليها دوليًا، مثل مدى التقدّم المحرز في القضاء على الفقر المطلق، ومدى نجاح عملية التنمية في خفض معدلّات البطالة بين السكان (ولاسيما الشباب)، ومدى تضييق فجوة عدم المساواة في الداخل. وخلصت الدراسة إلى أن العدالة في التنمية في البلدان العربية المدروسة في الفترة المحدّدة كانت تعاني خ الً كبيرًا بسبب انحياز سياسات التنمية واستراتيجياتها إلى مصلحة أصحاب رأس المال والأثرياء والأقوياء في المجتمع، الأمر الذي يبرّر وصفها بأنها عملية إنماء غير متوازن، وتنمية فاشلة، لعدم مراعاتها مصالح قطاع كبير من السكان. ولا بدّ من الإشارة أخيرًا إلى ما شهدته قاعات المؤتمر وخارجها من حوارات ونقاشات غنية، ومن تفاعل نقدي ثرّ لا يقوم إنتاج المعرفة من دونه.