جدلية العدالة والحريّة،في ضوء الثورات العربية:الديمقراطية باعتبارها عدالة القرن الحادي والعشرين
The Dialectic of Justice and Freedom in Light of the Arab Revolutions: Democracy as the Justice of the 21st Century
الملخّص
تقدّم الورقة قراءةً لحوادث الربيع العربي ،و استشرافًا لمستقبله على أساس الربط بينه وبين بعض الأفكار الحديثة في فلسفة العدالة، كما تستعرض بعض جوانب فكرة العدالة في التراث العربي، لتميّز بين ما يبدو صالحًا للاستمرار اليوم وما يبدو قابلاً للتجاوز، مع تشديد على أنَّ فكرة العدالة في التراث العربي كانت مطروحة بمعزل عن مبدأ الحرية. وتناقش الورقة في إثر ذلك الإمكانات المستقبلية للربيع العربي، تلك الإمكانات التي تراوح بين أن يمثّل هذا الربيع بداية حركة كونية لمواجهة العولمة الحالية القائمة على مبادئ ظالمة، فيصبح بذلك نموذجًا مرجعيًا لتحقيق العدالة والحريّة بين الشعوب، وبين أن يتجه إلى الانغلاق وتفعيل النمط التقليدي للعدالة المنفصلة عن الحريّة، أو العدالة على حساب الحريّات.
Abstract
This paper presents a reading of the Arab Spring’s events and an attempt to forecast its future by examining the relationship between the ongoing social movements and various contemporary ideas concerning the philosophy of justice. This study also examines some of the notions of justice that have arisen in the Arab tradition in order to distinguish the elements that are likely to persist from those that are likely to be surpassed and replaced. It also stresses the fact that the concept of justice in the Arab tradition was developed in isolation from the principle of freedom. Subsequently, the paper discusses the Arab Spring’s future potential—ranging from constituting the onset of a global movement against the existing form of globalization, which is based on unjust principles and, therefore, the central target of those seeking justice and freedom—to turning toward isolationism and the traditional Arab notion of justice, which is separate from freedom, or even turning toward justice at the expense of freedom. Finally, the paper presents the conditions that must be met in order to ensure that the demands of justice and freedom will overlap as part of a continual dialectic between the two concepts.
- الديمقراطية
- الحرية
- التراث العربي
- الربيع العربي
- العدالة
- The Dialectic
- Justice
- Freedom
- Arab Spring
(الديمقراطية باعتبارها عدالة القرن الحادي والعشرين)
تنطلق هذه الورقة، في تناولها قضية العدالة في سياق الانتفاضات العربية الراهنة، من التفريق بين حسّ العدالة الذي عبرّ عنه الربيع العربي ومضمون العدالة الذي سيتأسس شيئًا فشيئًا على مدى سنوات وربما عقود، وقد ينجح أو يتعثّر أو يفشل. كما تنطلق من ضرورة اضطلاع المثقف المنخرط في الحراك الثوري والملتزم بمطالب الجماهير الثائرة بدوره التاريخي في صوغ ذلك المضمون المستقبلي لحالة وجدانية جماعية عبرّت عن نفسها بقوّة الأعاصير. وتقدّم الورقة قراءةً لحوادث الربيع العربي، واستشرافًا لمستقبله على أساس الربط بينه وبين بعض الأفكار الحديثة في فلسفة العدالة، كما تستعرض بعض جوانب فكرة العدالة في التراث العربي، لتميّز بين ما يبدو صالحًا للاستمرار اليوم وما يبدو قابالً للتجاوز، مع تشديد على أنَّ فكرة العدالة في التراث العربي كانت مطروحة بمعزل عن مبدأ الحرية. وتناقش الورقة في إثر ذلك الإمكانات المستقبلية للربيع العربي، تلك الإمكانات التي تراوح بين أن يمثّل هذا الربيع بداية حركة كونية لمواجهة العولمة الحالية القائمة على مبادئ ظالمة، فيصبح بذلك نموذجًا مرجعيًا لتحقيق العدالة والحريّة بين الشعوب، وبين أن يتجه إلى الانغلاق وتفعيل النمط التقليدي للعدالة المنفصلة عن الحريّة، أو العدالة على حساب الحريّات. وأخيرًا، تقدّم الورقة ما تراه شروطًا لتحقيق الالتقاء بين مطلبي العدالة والحريّة في إطار الجدل المتواصل بينهما، كي يتحقّق مع الربيع العربي ما فشلت في تحقيقه ثورات سابقة وما حلمت به فلسفة العدالة الحديثة -من كانط إلى رولز- من دون أن تجد السبيل إلى تحقيقه.
مقدّمة
لا يدّعي هذا المقال تقديم توصيف أكاديمي-بالمعنى الدقيق للكلمة- لمفهومي العدالة والحريّة بعد التطورات التاريخية التي تشهدها المنطقة العربية. فالموضوعية العلمية تقتضي عادة أالّ يحلّل حادث معنيّ قبل أن يكتمل ويستقرّ ويصبح موضوعًا منفصالً عن الذات الدارسة. والحال، أن الدارس العربي في
الوضع الراهن هو جزء من الموضوع متأثّر تأثرًا مباشرًا بتطوراته وتداعياته، فلا يملك غير تقديم استشرافات للحادث تتقاطع مع متابعته -بصفته باحثًا- لآخر تطورات الفكر الإنساني في قضية العدالة، ومع الالتقاء الذي يتوقّعه بين المخزون الثقافي للجماهير الثائرة والمشروع المستقبلي الذي ستبنيه هذه الجماهير بثورتها. من المعلوم أن من شأن الحوادث الكبرى أن ترجّ الفكر العلمي وتدفعه إلى مراجعة بعض مسلمّاته وتعديلها، وهذا ما كان توماس كون قد أطلق عليه عبارة «التغيير البراديغمي»، وهي عبارة تجاوزت مجال العلوم الطبيعية لتجد الحظوة في مجال الفلسفة والعلوم الإنسانية. فالربيع العربي سيغريّ كثيرًا من مسلمّات الثقافة العربية، والراجح أنه سيتعدّاها إلى التأثير في الثقافة العالمية عامة. وتُعَدّ مساهمة المثقف العربي في قراءة الحادث جزءًا من مخاض التغيير الذي سيطاول الثقافة عندما تخرج من المجردات وترتطم بتعقّد الواقع وبانفتاح المجال على إمكانات متباينة حول المستقبل، تراوح بين التفاؤل والتردّد والتشاؤم. ممّا لا شك فيه أن قضية نجاح الربيع العربي أو فشله لن حتُسم قبل سنوات طويلة آتية، وأن ما سيترتّب على هذا الربيع من تغييرات وما سيحدّده من معالم جديدة في المنطقة العربية لن يتشكّلا بقرارات سياسية، حتى ولو مثّلتها حكومات شرعية أو مجالس وطنية. فالحراك الاجتماعي العميق هو الموجّه الحقيقي للمستقبل؛ ذلك أن الثورات العربية لم يقرّرها الساسة ولا المثقفون، وسيظلّيوم 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010 تاريخًا رمزيًا لانطلاقة الربيع العربي؛ ففي ذلك اليوم أقدم الشاب التونسي محمد البوعزيزي (من منطقة «سيدي بوزيد» المهمّشة) على إحراق نفسه بعدما صادرت منه الشرطة بضاعته، وهو البائع المتجوّل الذي كان يحصّل قوت يومه ببيع الخضروات على الطريق. ولم يكن البوعزيزي منتميًا إلى حزب سياسي، ولم يقرأ كارل ماركس ولا سيّد قطب، بل لم يختر من تلقاء نفسه أن يكون بطالً، ولا كان يحلم بأن يرتبط اسمه بأهمّ حوادث القرن الحادي والعشرين عربيًا وعالميًا. ولئن خضعت هذه الحادثة لإخراج رومانسي حجب عنها بعض الحقائق وأضاف إليها معلومات غير دقيقة، فإننا نعلم أن جميع الثورات ارتبطت بحوادث تتجاوز الحقيقة التاريخية الدقيقة، مثل حادثة اقتحام «الباستيل» التي عُدّت رمز الثورة الفرنسية والتي تختلف صورتها المقروءة من منظور ميثولوجيا الثورة عن صورتها المقروءة من منظور التحقيق التاريخي الدقيق. بيد أن المهمّ في تعلّق الضمير الجمعي العربي بحادثة البوعزيزي تحديدًا هو كونها تختزل روح الربيع العربي، بما هو انتفاضة عفوية من أناس عادييّن يطالبون بالعدالة ويرفضون الظلم والقهر والاستبداد. لا شكّ في أنَّ العدالة لم تكن تتحدّد بالإيجاب في ذهن البوعزيزي، ولا في أذهان الآلاف المؤلفة من الجماهير التونسية والعربية التي ملأت الساحات وأطاحت أنظمة الحكم القائمة. ولا شك في أنهم لم يطرحوا على أنفسهم سؤال «ما العدالة؟»، وإنما كان يحرّكهم شعور قويّ بضرورتها، غذّته في نفوسهم وقائع الحياة اليوميّة لا الكتب والنظريّات. فلئن اتفق الجميع على أن العدالة محور مطالبات الربيع العربي، فليس في استطاعة أحد أن يقرّر ما العدالة في الوطن العربي اليوم؟ ذلك أن الربيع العربي عربّ عن شعور بالعدالة، أمّا مضمون العدالة في ذاته، فإنه سيتأسس شيئًا فشيئًا وعلى مدى سنوات وربما عقود، وقد تنجح عملية التأسيس هذه، لكن من الوارد أيضًا أن تتعثر وقد تنتهي إلى الخيبة والفشل.
العدالة: من الإحساس إلى المضمون
إن أفضل رابط بين الربيع العربي باعتباره فعالً وجدانيًا شعبيًا، ونظرية العدالة باعتبارها تأمالً فلسفيًا مجرّدًا، يتجسّد -في تقديرنا - من خلال كتاب صدر قبل أقلّ من سنة من انطلاق الربيع العربي، ألّفه المفكر الهندي أمارتيا سِن، الحائز جائزة نوبل للاقتصاد سنة 1998، ويحمل هذا الكتاب المتميّز عنوان فكرة العدالة. يُعَدّ هذا الكتاب عصارة تفكير سِن في قضية العدالة على مدى خمسة عقود، وعنوانه يعارض أهمّ كتاب أُلّف في فلسفة العدالة في النصف الثاني من القرن العشرين، وهو طبعًا كتاب جون رولز المشهور نظرية العدالة. للانتقال الحاصل في العنوان من كلمة «نظرية» إلى كلمة «فكرة» دلالة بالغة، وهو يعربّ عن الالتقاء غير المقصود الذي نراه بين ما بلغه سِن من تفكير في قضية العدالة، وما برشّ به الربيع العربي على أرض الواقع من آمال في قضية العدالة، أو لنقل بعبارة أخرى: إنّنا نرى تقاطعًا عجيبًا بين الزاوية التي سعى سِن من خلالها إلى تجديد التفكير الفلسفي في قضية العدالة والمقاربة العملية الميدانية التي أفرزتها حوادث الربيع العربي. طبعًا، لم يكن هذا الالتقاء مقصودًا، فلا سِن كان يتنبّأ بالثورات العربية ولا الثورات العربية كانت تعرف كتاب فكرة العدالة. بيد أننا ننطلق من مصادرة أن الربيع العربي جزء من رفض كوني لنظام العولمة الحالي المتميّز بالظلم والإجحاف؛ لذلك رأينا العدوى تنتقل سريعًا إلى مدريد ولندن وموسكو لتحاصر «وُول ستريت»، القلب النابض للرأسمالية العالمية المتوحشة. وعلى هذا الأساس، علينا أالّ نفاجأ بطرح القضايا نفسها في فضاءات مختلفة وفي صيغ متنوعة. فنحن نعيش في عالم معولم، لم تكن فيه الأنظمة الاستبدادية العربية إالّ جزءًا من أخطبوط النظام العالمي الجائر. إن إحدى الأفكار الأساسية التي دافع عنها سِن في كتابه المذكور هي أن الفلسفة الحديثة (الغربية) فشلت-منذ إيمانويل كانط، صاحب أسس ميتافيزيقا الأخلاق، إلى رولز صاحب نظرية العدالة - في تقديم الحلّ الملائم لقضية العدالة. والمطلوب اليوم، كما يرى الكاتب، أن تتحوّل هذه القضية من التجريد الفلسفي إلى التحليل المباشر للوقائع، ومن احتكار الغرب لقضية العدالة وتنصيب نفسه مرجعًا في تحديد ضوابطها، إلى انفتاح هذه القضية على مساهمات جميع التقاليد الثقافية للشعوب والحضارات، وعلى التراث الإنساني عامة وخاصة منه التراث الشرقي. يدعو سِن في كتابه المذكور إلى تحويل وجهة السؤال في موضوع العدالة. فقد كان شغل المفكّرين في السابق أن يقدّموا تصوّرهم بشأن النظام الأمثل الذي يحقّق العدالة، بينما يقترح سِن أن يصاغ السؤال على النحو التالي: ما هي الإمكانات العملية لدعم العدالة وتقليص حالات الظلم؟ وعلى هذا الأساس، يرى سِن أن مقاربته تختلف جوهريًا عن نظريات العدالة التقليدية من كانط إلى رولز، في ثلاث نقاط: فهي لا تدّعي تقديم تصوّر لمجتمع يتسم بالكمال (المدينة الفاضلة) أوالً، وتسلّم بإمكان تعدّد الشرعيات في الموضوع الواحد، وبتباين وجهات النظر بما يلغي ادعاء طرف واحد امتلاك الحقيقة ثانيًا، وتمنح الأولوية للسلوك الفعلي للأفراد على دور المؤسسات في تحقيق العدالة. لقد اعترف سِن لرولز بفضل الأستاذ على تلميذه؛ فهو الذي حبّب إليه الخوض في موضوع العدالة، وقد أهدى سِن كتابه هذا إلى روح رولز، وأشاد في مواضع عديدة بأهمية أفكاره وأعماله. بيد أن المطّلع على أعمال رولز يدرك أن هذه الموجّهات الثلاثة التي وضعها سِن للعدالة مناقضة تمامًا لتوجهات رولز، ولنظريات العدالة عمومًا، تلك التي تظن أنها تستطيع أن تقدّم صياغات مطلقة وموحّدة للعدالة، وأن
تحسم قضية العدالة بإقامة المؤسسات العادلة، بصرف النظر عن إمكان التعارض الجذري بين ما تعلنه هذه المؤسسات وما يحدث حقيقة على أرض الواقع. ففي مجال المؤسسات الدولية، يقدّم سِن مثال «الأمم المتحدة»؛ فهي مؤسسة قائمة على طموح تحقيق العدالة، لكنها عاجزة عن فرضها في العلاقات الدولية. والمهم في هذه الحالة أن نحلّل حقيقة العلاقات الدولية بدل أن نناقش الأنظمة الداخلية لمؤسسات الأمم المتحدة. ولا ينكر سِن دور المؤسسات، فمن دونها لا تحصل العدالة، لكنه يشدّد على ضرورة متابعة السلوك الواقعي للبشر. كما أنه لا ينكر أهمية العقلانية، لكنه ينفي إمكان تقديم حلّ عقلاني واحد لكل قضية. ونراه يستعير من جون ستيوارت مِل تعريفًا عمليًا للديمقراطية، يتمثّل ببساطة في أن تكون الديمقراطية قائمة على «المساجلة » Discussion()؛ فسواء تعلّق الأمر بالمجتمع الواحد أو بالمجتمع الدولي، فإننا نجد في عديد من القضايا وجهات نظر متباينة يمكن لكلّ واحدة منها أن تقدّم براهين معقلنة على صحّتها وشرعيتها. بيد أن المهمّ في النهاية أن يحسم المجتمع الاختلاف بالحوار والمفاوضة، وأن يوفّر الظروف التي تسمح لجميع الأطراف بإبداء الرأي. وهو يرى أن أكثر الآراء تطرفًا وانغلاقًا سيضطر آنذاك إلى بناء خطابات معقلنة كي تكون قادرة على الخوض في الحوار العام، وبذلك تعقلن مطالبها وأطروحاتها. ولئن كانت الديمقراطية تقوم على مؤسسات، فإن نجاحها لا يتحقّق إالّ بإطلاق المجال لهذه المساجلة بين جميع الأطراف المعنيّة في ظل تكافؤ الفرص وتبادل وجهات النظر. ويعارض سِن بشدّة نظرية صدام الحضارات التي تعتبر أن الحضارات غير الغربية لا يمكن أن ترقى إلى مستوى العدالة الغربية القائمة على العقل والحرية والديمقراطية، لكنّه يعارض – بالشدّة نفسها - احتكار الغرب التفكير في موضوع العدالة، وإهماله تراث الأمم الأخرى. ويقدّم أسئلة عديدة تشهد بثراء التراث الهندي الذي ينتمي إليه في موضوع العدالة، ويدعو إلى فتح المجال للاستفادة من التراث الإنساني عامة. وكان في الوقت ذاته حريصًا على إبراز أهمية فكر الأنوار «الأوروبي» في تحقيق نقلة نوعيّة في مجال التفكير في قضية العدالة. غير أنه يؤكد أن فكر الأنوار ليس كتلة موحدة، بل إنه ينقسم منذ بداياته إلى تيارين رئيسين هما: تيار يُطلَق عليه اسم «التعاقدي»، لأنه ينطلق أساسًا من فكرة العقد الاجتماعي، وهو يضمّ مفكرين بارزين مثل توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو وإيمانويل كانط وجون رولز، وتيار يُطلَق عليه اسم «المقارني»، لأنه يقوم على منهج المقارنة بين أوضاع مختلفة، تاريخيًا أو جغرافيًا، ويهتم بالجوانب العملية لمقاومة الظلم أكثر من اهتمامه بالبناءات النظرية المتعلقة بالعدالة، ومن ممثليه آدم سميث وكوندورسيه وبنتام وكارل ماركس وجون ستيوارت مِل. وفي الإجمال، ينزّل سِن مقاربته لموضوع العدالة في إطار الاستمرارية مع هذا التيار الثاني، مع إضافة الانفتاح للتراث العالمي (غير الغربي)، كي يعيد تأسيس السؤال في العدالة، ويخرجه من الصياغات النظرية المجردة و«الواحدية» إلى صياغات عملية تقبل الاختلاف والتعدّد.
العدالة: من المأزق الفلسفي إلى الفعل الميداني
نرى أنّ مقاربة سِن تلتقي التقاء رائعًا -وإن لم يكن مقصودًا- مع مطلب العدالة كما طرح في الربيع العربي، وكما تواصل – في إثر ذلك - في حركات «الساخطين» les indignés() في الغرب. فقد خرج هذا المطلب من احتكار المؤسسات والمناقشات المجردة لفلاسفة القانون ومتخصّصيه، ليصبح مطلبًا عمليًا. كما خرج من احتكار الغرب ومفكّريه ليصبح مطلبًا عالميًا، ومن احتكار اللغة الفلسفية النمطية القائمة على واحدية الحكم العقلي، ليصبح مطلبًا مصوغًا بلغة متنوعة وتعددية تستوعب ثقافات الشرائح الاجتماعية المختلفة والشعوب ذات الثقافات المتنوعة.
قبل أن نعود إلى الربيع العربي لقراءته من منظور التطورات الأكثر حداثة التي طرأت في شأن العدالة في الفكر الإنساني (معارضين بذلك الحداثة التقليدية لبعض العلمانيين العرب البؤساء الذين أدانوا الربيع العربي، إضافة إلى معارضة التقليديين الذين يسعون إلى سجن الربيع العربي في عباءاتهم الرثّة)، لندقّقْ النظر في بعض المسائل التفصيلية التي تقوم عليها محاججة المفكّر الهندي المرموق. إن نظرية سِن لا تنخرط في ما يدعى «التعادلية الثقافية»؛ فهي، على خلاف ذلك، نظرية تعتبر الثقافات جميعًا متعاضدة ومتكاملة في الجواب عن سؤال واحد هو سؤال العدالة. والتعقّل هو السبيل إلى تقديم هذه الإجابة، لكن العقل ليس أحاديًّا، ولا ينفي أهميّة المشاعر والأحاسيس، بل إن قضية العدالة مرتبطة في كثير من الأحيان بإحساس قوي بوجودها أو غيابها. لهذا السبب انتفض التونسيون؛ إذ شعروا بالظلم، مع أن تقارير المؤسسات المالية الدولية كانت تعتبر الاقتصاد التونسي نموذجًا حيُتذى به في المنطقة. ويمكن أن تشعر أطراف متعدّدة بالظلم مع أنها لن تتفق في تحديد ماهية العدالة إذا طُلب منها أن تفعل. ومع ذلك، فإن العقل يظلّ الحكَم الأخير في المسألة، وذلك لسببين: أوالً، لأننا لا ندعو أمرًا ما ظلامً إالّ إذا تيرسّ تفاديه بواسطة الجهد الإنساني؛ فموت مئات البشر بسبب زلزال يعدّ كارثة لا ظلامً، أمّا موت مئات البشر بسبب المجاعة فيعدّ ظلامً. وإذا ما حصلت المجاعة لأسباب طبيعية (الجفاف مثالً)، كان إحساسنا بالظلم أقلّ من تجويع سجين مثالً حتّى الموت. وعليه، فإننا نقوم دائامً بمحاججة عقلية حتى نميّز بين ما هو عادل وما هو ظالم، ونرتّب درجات الظلم... إلخ. ولْنفترض الآن أنَّ عند طرف مع شعورًا صادقًا بالظلم، لكنه يعجز عن تقديم محاججة مقْنعة بوجهة نظره، أو أنه لا يرغب في ذلك أصالً (مثال: اعتماد العنف للدفاع عن قضية عادلة)، فهل تشمله ديمقراطية المساجلة التي دعا إليها سِن؟ سنرى لاحقًا كيف أجاب رولز عن هذا السؤال المزعج الذي يعود إلى الصيغة التقليدية: هل من حقّ أعداء الديمقراطية أن يتمتّعوا بها؟ أمّا جواب سِن، فهو التالي: إن فتح المجال لديمقراطية المساجلة سيدفع الأطراف كلها إلى محاولة الاستفادة من مسار المساجلة، وهو ما يجعلها تقوم بجهد لعقلنة إحساسها ومطلبها. ومن شأن ذلك أن يساهم في حلّ الخلافات المستعصية في المجتمع الواحد أو في القضايا الدولية المعقدة. ولا ينتقص سِن من استعمال العقل، لكنه يدعو إلى أن يكون هذا الاستعمال تعدّديًا ومنفتحًا وقابالً لتدرج عملية العقلانية، لأن من يحدّد الإحساس بالظلم ليس الفيلسوف أو القانوني وإنما الإنسان العادي الذي يرتطم بالظلم في حياته اليومية. ثانيًا، لا يكتفي سِن بطرح بديل من النظرية المؤسساتية للعدالة، لكنه يسعى إلى إثبات استحالتها العملية، مستعمالً ثلاث حجج: أولاها، أن إمكان حسم القضايا الخلافية باتفاق معقلن في رؤية المجتمع العادل ليس مؤكَّدًا؛ فربما تتنافس وجهات نظر عدة، تحظى كل واحدة منها باستدلالات عقلية حصيفة. والواقع أن رولز نفسه تفطن إلى هذا الأمر، فسعى إلى إعادة صوغ نظريته الواردة في كتابه المشهور نظرية العدالة، وألّف كتاب العدالة كإنصاف، لكنه لم يكن مقنعًا بذلك، ولم ينجح في إعادة الصوغ. ثانيتها، إن إمكان الوصول إلى إجماع ليس مؤكَّدًا، إذا ما كان موضوع النقاش متعلّقا بقضايا متعالية ومجرّدة. بل يمكن المضيّ إلى أبعد من ذلك والتشكيك في ضرورة ذلك الإجماع من الأصل، بما أنه إجماع على قضية مجرّدة، وبما أن الخلاف سيعود من جديد حالما ننتقل في التجريد إلى الحكم على المواقف العملية. ويشبّه سِن ذلك النوع من الإجماع باتفاق نقاد الفنّ على
أن «الجوكندا» هي أعظم لوحة في التاريخ، فهذا الإجماع لن يفيد شيئًا إذا كنّا نحاكم لوحة لفنّان معاصر أو نريد مثالً أن نقارن بين بيكاسو ودالي. النتيجة هي أن العدالة لا تُبنى بإقامة المؤسسات العادلة ووضع القواعد المجرّدة، على الرغم من أهميّة ذلك، وإنما تقوم خاصة بمتابعة الحالات الواقعية والإنصات إلى أحاسيس الناس وشعورهم بالعدالة من عدمه؛ فليس المهمّ أن نضع نصب أعيننا إقامة مجتمع الكمال، لكنّ المهمّ التخفيف من حالات الظلم التي يعيشها جزء من البشر ويكتوون بعواقبها. ولقد حصل التطوّر البشري في أغلبه من منطلق هذا التفكير الواقعي، فحركة إلغاء الرقّ مثالً في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كانت تدرك أن إلغاء الرقّ لن ينهي جميع أشكال المعاناة الإنسانية، لكنها كانت ترى أنه حتى لو لم يصبح العالم الخالي من العبودية عاملَ كمال، فإنه سيكون أقلّ ظلامً من عالم يسمح باستعباد البشر. هنا تبرز أهمية الانفتاح على تقاليد غير التقاليد الغربية في التفكير في العدالة. ويستعرض سِن مثالً آراء الفيلسوف الهندي القديم مانو الذي ميّز في مبادئ العدالة بين ما دعاه «نيتي» و«نيايا»؛ فالمبدأ الأوّل يتعلّق بالتصرّف الشخصي، والمبدأ الثاني يتعلق بالوضع المؤسساتي، والعدالة تتحقّق بالتوازن بينهما، فإذا وجد أحدهما دون الآخر أو طغى هذا على ذاك انخرم مبدأ العدالة. يمكن مثالًالتراجع عن سلوك عادل إذا كانت نتيجته الإضرار بمؤسسة العدالة كلّها، كما لا فائدة في مؤسسة العدالة إذا لم يصاحبها السلوك العادل؛ فالفلسفة الهندية القديمة كانت أكثر واقعية في رؤيتها للعدالة. ويمكن – بالمثل- أن نجد في التراث العربي الإسلامي الكثير من الموجّهات والأفكار الجديرة بالاستلهام، أكان في الفلسفة الأخلاقية القديمة أم في الفكر التشريعي القديم، بشرط تأسيس قراءة جديدة للتعامل مع هذا التراث، فنوظّفه من أجل الحاضر ومن أجل التطلعات المستقبلية للجماهير الثائرة، ولا نحكم على أنفسنا بالسجن في سياقه التاريخي. هذه العملية الدقيقة هي التي ستحوّلنا أيضًا من الجدل المجرّد بشأن التراث، ولا سيما أنه طغى على الساحة الفكرية العربية منذ ثلاثة عقود، إلى التعامل العملي مع هذا التراث من أجل إصلاح الحاضر.
العدالة: من محورية المؤسسة إلى محورية الإنسان
نرى أن الفكر الفلسفي الحديث اتجه في موضوع العدالة – حتى الآن - نحو قصر اهتمامه على إقامة المؤسسات، الوطنية منها أو الدولية، أتعلّق الأمر بالتنظيم الداخلي للمجتمع الواحد أم بتنظيم العلاقات الدولية. لكننا ندرك أن مجتمعات عربية كثيرة أقامت منذ فترات الاستقلال مؤسسات ذات شكل حديث، مثل البرلمانات والحكومات والمحاكم الدستورية والهيئات المختلفة، من دون أن يترتب على ذلك كله سيادة العدالة بين المواطنين. بل على العكس من ذلك، أصبحت تلك المؤسسات آلة ضخمة تخنق المواطن وتطمس مطالباته بالعدالة، وتسعى إلى أن تنتزع منه الشعور الفطري بالظلم، بما تُظهره من بهرج لا يستفيد منها شيئًا. ثمّ إن تضخم تلك المؤسسات يمثّل في ذاته عبئًا ماليًا ثقيالً على المواطنين. ونرى الأمر ذاته في مستوى العلاقات الدولية؛ فلا شك أن عصبة الأمم ثم الأمم المتحدة قامتا بدور إيجابي في احتواء بعض النزاعات الدولية، لكنهما فشلتا في إدارة الكثير منها أيضًا، ولم تقتربا من تجسيد العدالة في مستوى العلاقات بين الدول والشعوب. وقد ذهب بعض المفكرين المعاصرين إلى ضرورة قيام نوع من الحكومة الكونية لتحقيق العدالة، وهذا يعدّ من باب الشروط التعجيزية. أمّا الفيلسوف توماس ناجل T. Nagel()، فقد رفض طرح قضية العدالة الدولية من الأصل، ورأى أنها تخرج عن إطار التفكير الفلسفي الممكن. ورولز نفسه لم يهتمّ
بهذه المسألة اهتمامًا عميقًا في مؤلفه الرئيس نظرية العدالة، وسعى إلى تدارك الأمر في مؤلفات لاحقة مثل السلم والديمقراطية: حقوق الشعوب والعقل العمومي، لكنه لم يتجاوز وضع بعض القواعد العامة ذات الطابع الإنساني، مع أن المطلوب ليس تخفيف معاناة المظلومين بالشفقة عليهم ولا بوعدهم أيضًا بقيام المدن الفاضلة، وإنما المطلوب هو تخفيف جزء من معاناتهم على الأقلّ، بما يجعل عالمهم أكثر عدالة. لكأنّ الربيع العربي بذلك جاء ليقول: قامت المؤسسات ولم تقم العدالة، وكتبت النصوص القانونية الجميلة ولم يعل صوت القانون، وأُدرجت حقوق الإنسان في المقرّرات المدرسيّة من دون أن تتوقّف المظالم اليومية والانتهاكات الصارخة، وابتُدعت ألفاظ رنانة بشأن العدالة ولم يغنم المواطن منها شيئًا. لذلك جاء الربيع العربي في شكل احتجاجات شعبية لا في شكل برامج إصلاحية مؤسساتية. وتغريّت الدساتير في جميع بلدان الربيع العربي، بل تغريّت الرايات أيضًا في أغلب الحالات، إيذانًا ببناء جديد لمؤسسات الدولة؛ فالثورة -كما يقول عزمي بشارة- ليست «دورة خلدونية من فقدان عصبية إلى نشوء أخرى، ولا دورة مستمرة من البداوة إلى الحضارة». ومن منظور الضمير الجمعي العربي، لن تتحقّق الثورة إالّ بتحقّق القطيعة مع «الاستبداد الشرقي الضعيف» ومؤسساته الواهية. لقد سبق لي أن استعملت هذه العبارة وأطلقتها على النظام السياسي القائم قبل الربيع العربي. وهي قائمة على مقابلة «استفزازية»، فكيف يجتمع الاستبداد والضعف في آن واحد؟ بيد أن حوادث الربيع العربي جاءت لتأكد هذه الحقيقة؛ إذ انهارت أنظمة الاستبداد بسرعة فاجأت الثوّار أنفسهم، فضالً عن مفاجأتها للعالم الخارجي، وهو ما يؤكد صفة الضعف في ذلك النظام على الرغم من الدرجة العالية من الاستبدادية التي كان يتميز بها. وقد كان انتشار التفسيرات العجائبية للربيع العربي نتيجة من نتائج تلك المفاجأة؛ إذ ذهب بعضهم إلى اعتبار الربيع العربي مجرّد مؤامرة أميركية حُبكت ونُفّذت من الخارج، واعتبر بعضٌ آخر أن الربيع العربي معجزة حاصلة ببركات الشيوخ والإخوان. بيد أن التحليل العلمي هو الذي يفرسّ لنا حقيقة الأمر، ويبنيّ لنا كم كان ذلك النظام استبداديًا جثم على صدور الشعب عقودًا من الزمن، وكان أيضًا ضعيفًا تهاوى كأوراق الشجر في الخريف. يقوم الاستبداد الشرقي على قوّة النظام الحاكم لا على قوّة الدولة، بل إن النظام الحاكم يعمل باستمرار على إضعاف الدولة لجعلها مجرّد أداة طيّعة لخدمة مصالحه ورغباته. وهو في الآن ذاته يعمل على جعل الدولة واجهة أمامية لحجب تلك المصالح والرغبات، ويسعى إلى منح قراراته كلها صيغًا شرعية الشكل وإن تكن فاقدة المضمون. وتمثّل الانتخابات بالتأكيد المثال الأكثر بروزًا لذلك؛ ففي النظم التقليدية الأصلية، تلك التي كانت سائدة قبل القرن التاسع عشر، لم يكن النظام الحاكم ذو الطبيعة الاستبدادية يشعر بالحاجة إلى مؤسسات أو إعلان دستور أو تنظيم انتخابات، أو حتى إقامة نظام إداري على النمط الحديث، تُفصل فيه الوزارات والمصالح بعضها عن بعض. ولم يكن يحتاج إلى شكلانيات قانونية معقدة، بل كانت «القوانين» هي التعليمات التي تُعطى في الغالب بشكل شفوي أو هي الترتيبات السائدة بمقتضى العرف. إن الاستبداد التقليدي يستمدّ «عدالته» من النظام التقليدي ذاته، ويعتمد آليات للبقاء والسيطرة مستمدة من طبيعة النظام الاجتماعي القديم، ومن تقبّله لما يبدو للمراقب الخارجي إخ الً بالعدالة في كثير من الأحيان. على العكس من ذلك، يشعر الاستبداد الحديث بالحاجة إلى اتخاذ آليات «حديثة» وسيلة للظهور بمظهر النظام العادل، مع إدراكه زيف تلك العدالة وشكلانيتها، وذلك لأنه لا يطبّق تلك الآليات إالّ ظاهرًا، فيسنّ دستورًا
لا يلتزم به، وقانونًا يستثني نفسه من الخضوع له، وينظ م انتخابات يحدّد نتائجها قبل التصويت. ولقد كان الإصرار على تنظيم انتخابات دوريّة مزيفة أفضل تعبير عن تلك الحاجة، على الرغم من الوعي بأنها لا تُقنع الرأي العام الداخلي ولا الرأي العام الخارجي. يحتفظ الاستبداد «الحديث» من الاستبداد «القديم» بجوهر الاستبداد، أي اعتماد الرأي الفردي والمزاج الشخصي، وتُضاف إليه الرغبة في إخراج القرار الاعتباطي بمظهر حديث. وهو يستفيد بذلك من مسارين للخضوع الاجتماعي، أحدهما مسار الطاعة التقليدي ذو الجذور العميقة في الثقافة القديمة؛ إذ تقوم العدالة على رؤية أبويّة تراتبية، فيتعامل جزء من المجتمع مع الاستبداد على أنه قضاء وقدر، وأن الحاكم الظالم هو في مقام الأب الشديد في معاملة أبنائه، وأن حاكامً غشومًا خير من فتنة تدوم، وأن طاعة ولي الأمر واجبة والخروج عليه حرام... إلخ. والآخر مسار حديث، يتصرف بمقتضاه الجزء الحديث من المجتمع (أي الطبقة الوسطى التي نشأت مرتبطة بالتحديث الإداري والتعليمي) طبقًا لمبدأ احترام القانون باعتباره مرجع العدالة وتجسّدها، مع الفصل بين الدافع إلى التقنين، وهو الإرادة الاعتباطية للحاكم، وعملية التقنين ذاتها التي قد تحظى بجميع الصفات الحديثة، ويصوغها خبراء كبار في الحقوق، وتدور في مؤسسات تعمل بطريقة مضبوطة ومحترمة. ويسعى النظام الاستبدادي «الحديث» إلى الاستفادة من نوعين من الطاعة، ليضمن – من جهة - خضوع الأغلبية، التي مازالت مرتبطة بالآليات الاجتماعية والثقافية القديمة، له، وخضوع الأقلية التي نشأت في ظل عملية التحديث الإداري والتعليمي (لكنها توقفت في المستوى السياسي)، وليبدو أمام العالم – من جهة أخرى، وبالخصوص - في صورة النظام العادل، ذلك أنه لا يتسنّى له الاستمرار من دون الاندماج الاقتصادي والقانون في العالم المعولم، المترتّب على الثورة الصناعية الكبرى وعلى علاقات التبادل اللامتكافئ وعلى القانون الدولي القائم، بدوره، على عدم التكافؤ، والكيل بمكيالين. وبما أن «الشرعية الدولية» قائمة على الشكلانيات أكثر ممّا هي قائمة على المضامين، فإن ورقة التوت التي يتسرتّ بها الاستبداد «الحديث» على استبداده، مع بقاء أغلب أجزاء الجسم عارية، تكفيه لتكون بطاقة دخول إلى مؤسسات الشرعية الدولية والاعتراف به دبلوماسيًا لا أخلاقيًا. ذلك أن هذا الاعتراف «الدولي» يصبح في ذاته آلية من آليات تحقيق الاعتراف الداخلي به. فالشرعية الديمقراطية تفرض أن يعترف النظام الدولي بنظام حكم معنيّ، لأن الغير اعترف به (في انتخابات حرّة مثالً)، أمّا الاستبداد الشرقي الضعيف، فهو يضمن اعتراف الشعب به من خلال ما يناله من اعتراف من جانب النظام الدولي. يبدو تعقيد مسار الشرعية – مبدئيًا - ترسيخًا لقوّة الاستبداد؛ فإذا كان الاستبداد القديم قائامً على آلية داخلية بحت، ومرتبطًا بنمط اجتماعي وثقافي واحد، فإن الاستبداد «الحديث» أصبح يزاوج بين الطاعة والبيعة من جهة والانتخاب والقانون من جهة أخرى، وبين طقوسيّات الولاء الداخلي والاعتراف الدبلوماسي الدولي. إذًا، يبدو أن الشرعية التي كانت قائمة على مرتكز واحد أصبحت قائمة على ثلاثة مرتكزات في الآن ذاته: التقليدي والحديث والخارجي. غير أن تعقّد هذا النظام هو الذي يؤول به إلى الضعف والتهاوي؛ لذلك كان الاستبداد الشرقي ضعيفًا لأنه يرتكز على أعمدة ثلاثة متناقضة لا يمكن أن تحقق العدالة. ففي الحالات العادية يمكن أن يحارب النظام على الجبهات الثلاث في الآن ذاته ليستفيد منها، لكن في حالات الأزمة، تصبح الجبهات الثلاث متعارضة؛ فالسعي إلى إطفاء غضب القطاع التقليدي يؤدي إلى زيادة التوّجس في القطاع العصري، والعكس بالعكس أيضًا. ومن شأن محاولة استدرار العواطف الشعبوية بخطابات الخصوصية والأصالة أن تعطل الاندماج المطلوب في العولمة، والعكس بالعكس أيضًا. فحالات الأزمة تجعل الاختيارات صعبة ومتضاربة، ولا سيما إذا حدثت الأزمات في عهد «هرم الدولة» (أي هرم النظام)، بحسب عبارة ابن خلدون.
كيف السبيل إلى الدولة العادلة؟
سيظل مطلب العدالة قاصرًا بالتأكيد، إذا لم يتجاوز الربيع العربي الحتميّة الدورية الخلدونية، فيسقِط نظامًا هرمًا ليقيم نظامًا آخر يعيد آلياته نفسها ولو بعد حين؛ فتحقيق العدالة تحقيقًا ثوريًا لا يعني الانتقال من سلالة من الحكام إلى سلالة أخرى، وإنما يعني الانتقال من آليات في ممارسة الحكم إلى آلية أخرى. لقد ابتدع المحتجون في تونس شعارًا أصبح معروفًا في العالم كله: «الشعب يريد إسقاط النظام». ويمثّل الشعار في ذاته نقلة نوعية في الخطاب الاحتجاجي العربي، بما أنه لم يُقتبس من أيديولوجيات، بل من بيت لشاعر تونس الأكبر أبي القاسم الشابي «إذا الشعب يومًا أراد الحياة/ فلا بدّ أن يستجيب القدر». وقد «أراد» الشعب إسقاط النظام، وحقّق مراده، وأسقطه بمعنى أنه أسقط رموزه المحسوسة. وكان يسهل على الشعب أن يتوحّد في الإرادة والعمل ما دام الهدف ذا طبيعة محسوسة (الدكتاتور وعائلته). أمّا إسقاط النظام بمعناه العميق، فهو أبعد من ذلك وأصعب مناالً. وإذا ما اقتصرنا على الجانب السياسي في القضية، وهو الجانب الذي لا يعدو أن يكون جزءًا من كلّ، فإن إسقاط المستبد يوفّر فرصة تاريخية نادرة للتخلص من الاستبداد ذاته، ويحول دون السماح بظهور مستبدّ جديد بعد سنوات، أو دون تقاسم الاستبداد بين مجموعة تحتكر تمثيلية الثورة. ولا يمكن الحديث عن ثورة إالّ في ظل تحقق الهدف الثاني؛ فالثورة قطيعة مع الماضي، وماضي الاستبداد قديم جدًّا في المجتمعات العربية الإسلامية. وواقع الاستبداد العربي مستمر من الفتنة الكبرى إلى القرن الحادي والعشرين. وقد اقترن الحكم بالسيف، وتماهت السلطة مع العنف في الثقافة السياسية لمجتمعاتنا، حتى إنه لا يكاد يوجد حاكم عربي أو مسلم اختار أن يترك كرسي الحكم عن طواعية منذ أربعة عشر قرنًا؛ إذ كانت ولاية كل حاكم تنتهي بموته أو باغتياله. وقد ظلّ الحكم خاضعًا لمبدأ الوراثة حتى في الأنظمة الجمهورية. إذا، لن تقطع الثورات العربية مع النظام إالّ إذا نجحت في إقامة «الدولة العادلة»، لكنها يمكن أن تفشل في ذلك أيضًا، وتنتهي إلى انهيار الدولة، وقيام ما ندعوه بالبداية السياسية، ولا سيما أن إحدى خصائص العولمة تتمثّل في إلغاء الدور السيادي للشعوب بتفكيك سيادات الدول. ومن المعلوم أن اتجاهات ثلاثة رئيسة تتنازع التصوّر الحديث لقضية الدولة ذاتها: الاتجاه الأول، تطوّري، يعتبر ظاهرة الدولة ظاهرة اجتماعية تاريخية تطوّرت بتطوّر الحياة الاجتماعية للبشر؛ فبناء الدولة يتدعم مع جنوح المجتمع إلى مزيد التعقيد والتنظيم، والدولة -على هذا الأساس- هي حتمية تتّجه نحوها المجتمعات كلها. وقد اعتبُر تأسيس الدول الوطنية -بعد نجاح ثورات التحرّر في العالم العربي- خطوة في ذاك الاتجاه، بمعنى الانتقال من الاجتماع السلطاني إلى الدولة الحديثة. الاتجاه الثاني، ينفي عن الدولة طابع الضرورة، ويعتبر أنها شكل من الأشكال الممكنة للتنظيم الاجتماعي. وعلى هذا الأساس، يقدّم بيار كلاستر مثالً في كتاب المجتمع ضد الدولة نقدًا قويًا للاتجاه التطوري، ويقسّم السلطة إلى نمطين، نمط الأداء القهري الذي يتجسّد في الدولة على النمط الغربي، والقائم أساسًا على مبدأ احتكار الدولة للعنف، وشرعنة هذا العنف إن كانت الدولة هي التي تمارسه، ونمط الأداء غير القهري الذي يتجسّد مثالً في قبائل الهنود في أميركا الجنوبية (وقد كانت محور دراساته الأنثروبولوجية). وقد بنيّ كلاستر أنها استطاعت أن تنظم الاجتماع على مدى عقود من دون الحاجة إلى الدولة. واستعادت هذه الأفكار قيمتها وأهميتها مع موجة العولمة، لأن العولمة تسعى إلى تقوية المجتمعات ضد الدولة.
الاتجاه الثالث، ينفي عن المجتمعات الإسلامية تحديدًا السير في طريق الدولة على النمط الغربي، وذلك لأسباب ثقافية عميقة وقديمة، ترتبط بالاختلاف الجذري بين طبيعة الثقافة المسيحية والثقافة الإسلامية، ومن أبرز المدافعين عن هذه الأطروحة هو برتراند بادي. إذا طرحنا المسألة من منظور تطوّري (التيار الأول)، بدت الثورات العربية كأنها وضعت حدًّا للدولة الحديثة الناشئة مع الاستقلال. فهذه الدولة لم تنشأ في شكل حديث، بل نشأت مشوّهة، ونمت مشوّهة، وهرمت مشوّهة. أستعرض هنا مثاالً أعتبره نموذجيًا في بيان حالة الانفصام والازدواجية التي ميزت بناء الدولة الحديثة. لقد ألقى الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة (2000-1903) خطابًا أمام المجلس القومي التأسيسي عندما أعلن في 1 حزيران/ يونيو 1959 دستور الدولة الناشئة بعد الاستقلال. كان ذلك الخطاب رائعًا بكل المقاييس، ويختزل جميع طموحات جيل الاستقلال في دولة حديثة وديمقراطية. وإذا أعدنا قراءته اليوم، سنقف مشدوهين من تلك القدرة الاستشرافية الهائلة التي تميّز بها بورقيبة، ففي اليوم الذي كان يعلن فيه قيام الدولة الجديدة، تنبّأ بمصيرها بدقة. قال بورقيبة في ذلك الخطاب إن الدولة يتهدّدها خطران، أولهما أن تتغلب الشهوة الفردية على مؤسسات الدولة، وثانيهما أن لا تضمن تلك المؤسسات عملية انتقال سليمة للسلطة. وعندما نقرأ الخطاب بعد أكثر من ستين سنة من تاريخ إلقائه، نرى أن هذا هو بالضبط ما حصل في تونس: تغلبت نزعة الاستبداد ببقاء بورقيبة في السلطة أكثر من ثلاثين سنة، ثم انتقلت السلطة بطريقة غير سليمة إلى خلَفه. تُرى، كيف أمكن أن يجتمع في شخص بورقيبة أمران متناقضان: فهم جيّد لطبيعة المشكلة واستشراف دقيق للمخاطر المحدقة ببناء الدولة من جهة، وسلوك سياسي أدّى إلى نقض أسس الدولة وإيقاعها في براثن تلك المخاطر، بعد أن قاد بورقيبة نفسه مسار نشأتها؟ وإذا طرحنا المسألة من منظور أنثروبولوجي (التيار الثاني)، نلاحظ كيف أسفرت الثورات العربية عن توجّه قويّ لمنازعة شرعية الدولة، وليس فقط النظم الحاكمة، وذلك بإعادة الاعتبار إلى الشرعيات التقليدية للسلطة، أو ما دعاه كلاستر آليات السلطة غير المهيمنة وغير العنيفة (مع أنها في الحقيقة تمارس أنواعًا أخرى من العنف الرمزي والمادي)، مثل الأسرة والقبيلة والانتماء الجهوي والحميّة الدينية... إلخ، وذلك من منطلق أنها أكثر قابلية لتحقيق العدالة، مع أنها تتناقض مع العدالة في جوانب أساسية، مثل تكريسها دونية المرأة. إن الدافع إلى هذا الحنين القوي إلى الماضي هو، في الجزء الأكبر منه، تمرّد على آليات سلطوية بدت مهيمنة وعنيفة، ولم تنجح في إقناع جزء كبير من الناس بعدالتها ولا حتى بفائدتها. وتبدو هذه الظاهرة جلية في جميع الحالات؛ فبعض البلدان العربية التي استبَقت غضب الشارع بتنظيم انتخابات ذات قدر ما من الصدقية فوجئت بتنامي الظاهرة العشائرية والطائفية في توجيه الشأن السياسي، بل احتكاره أحيانًا (الكويت مثالً بعد الانتخابات التي نُظمت في إثر الغزو العراقي). ففي العراق مثالً، حيث سقطت الدولة والنظام بسبب الهجوم العسكري الخارجي، سرعان ما تحوّلت عمليّة إعادة تأسيس الدولة إلى محاصصة بين الطوائف والعشائر. وفي تونس ومصر، البلدين المتميزين بالتراث العريق في مجال انتظام الدولة، تراجعت هيبة الدولة حتى بعد قيام حكومات شرعية منتخبة، وتنامى نفوذ الرموز الطائفية أو العشائرية أو الجهوية أو الدينية، وأصبحت الدولة مضطرة إلى مسايرة تلك الرموز، أو الاستعانة بها في تحقيق وظائفها الأساسية، مثل الأمن. وإذا جمعنا المنظورين، التطوّري والأنثروبولوجي، في تحليل القضية، أمكن أن نستنتج ما يلي: إن الاستبداد
الشرقي الضعيف يختلف عن المجتمع التقليدي، من جهة أنه مضطر إلى توظيف قدر كبير من العنف والهيمنة، بسبب عجزه عن الإقناع بأنه حكم عادل. كما أنه يختلف عن الدولة الحديثة من جهة أنه عاجز عن احتكار العنف وشرعنة الهيمنة. من هنا، يصبح مطلب العدالة هو المطلب المحوري في مواجهة هذا الاستبداد الشرقي الضعيف؛ فالعدالة لدى الجماهير الثائرة ليست مشروعًا طوباويًا لمجتمع خال من العنف والهيمنة، لكنها مشروع تقييد العنف والهيمنة بالعدل. وهي ليست مشروعًا طوباويًا لمجتمع من دون دولة، لكنها مشروع ينزع عن الدولة صفة الاحتكار أو السعي إلى تحقيق هذه الصفة. بيد أن مطلب العدالة في هذه الحالة هو مطلب بالسلب، بمعنى أنه لا يحتوي على مضمون محدّد؛ إنه يعلن فقط رفض مسار سابق، ويلتجئ إلى ذاكرة أسبق منه بدافع الحنين، وتدفعه الرغبة في الثأر أكثر من التعبير عن عزم حقيقي لاستعادة بنى الماضي التنظيمية. لذلك، كان «تأثيث» مطلب العدالة وتحويله من السلب إلى الإيجاب ومن الفراغ إلى المضمون أمرًا مصيريًا في تحديد مستقبل الربيع العربي.
من المدينة الفاضلة إلى الديمقراطية باعتبارها عدالة
يبدو البديل معروفًا مبدئيًا، إنه النظام الأقل سوءًا الذي ابتدعته البشرية، ونعني بذلك الديمقراطية. وهي لم تنشأ من داخل التراث العربي والإسلامي، وإنما ارتبطت بتجارب مجتمعات أخرى قبل أن تصبح قيمة كونية مشتركة. يتعنيّ حينئذ تطويع هذا التراث كي يتقبل الديمقراطية بعمق، ولا يجعلها شعارًا لإخفاء على استبداد جديد. ونرجو أن يدخل العرب عصر الديمقراطية بفضل رياح التغيير التي تهبّ الآن في كل مكان، وتطيح العتاة، أو تدفع بغيرهم إلى الإصلاح العميق. لكن ينبغي أن نتواضع ونقرّ بأننا ندخل هذا العصر متأخرين، مقارنة بأغلب شعوب الأرض؛ إذ سبقنا بعضهم قرونًا عدة. ونحن لا نعيد اختراع هذا النظام، لكن من فرط طول عصر الاستبداد لدينا، لم نبدأ إالّ اليوم بالاستفادة ممّا خبره غيرنا قبلنا. وللقبول بالديمقراطية تبعات لا بدّ أن نعرف إنْ كنا حقًا نرضى بالانصياع إليها، ومنها جعل الانتماء على أساس المواطنة والمساواة بين جميع المواطنين في الحقوق الأساسية، بصرف النظر عن الجنس والدِّين والمذهب والعرق والانتماء الجهوي. وسيواجه هذا البديلَ اعتراضان أساسيان يرتبطان بتصوّر قديم للعدالة، وهما: - وهْم المدينة الفاضلة بديالً من الديمقراطية التي هي نظام الممكن والنسبي. - الخلط بين جذور العدالة في التراث الوطني، والصورة التاريخية للعدالة كما سادت في عهود غابرة، وهي صورة تجاوزها التاريخ في جوانب كثيرة. ليست الديمقراطية نظامًا للكمال، ولا تعني العدالة في الدولة الديمقراطية الفضيلة المطلقة كما تصوّرها الفلاسفة القدامى، ومنهم المسلمون في مدنهم الفاضلة. ينبغي أن نحتفظ من التراث الأخلاقي العربي -ومن الفارابي تحديدًا- بفكرتين أساسيتين، وهما أن العقل قادر على الحكم على الأفعال وتصنيف الحسن منها والقبيح، وأن الإنسان كائن أخلاقي لأنّه قادر على اختيار أفعاله. وفي ما عدا ذلك، فإن علينا أن نتخلىّ عن النظرة المثالية والإطلاقية التي ميزت الفلسفة الأخلاقية عند القدامى. فالعقل المؤهل للحكم على الأفعال يمكن أن يقدّم أكثر من وجهة نظر مشروعة (مثلما قال سِن في نقده لكانط ورولز). وعليه، فإن على العقل العربي أن يستوعب مبدأ التعدديّة.
ويتمثّل التجيلّ الحديث لحريّة الاختيار في حادث الثورة، باعتباره تعبيرًا عن اختيار جماعي رافض للظلم والحيف، ومطالب بالعدالة. وعندما يقول الفارابي في المدينة الفاضلة إن إدراك السعادة العظمى منوط بتخلص النفس الناطقة من قيود المادة وأغلال الضلال، فإن في إمكاننا نحن المعاصرين أن نحوّل هذه الرؤية من إطارها القديم الدافع إلى التوحّد والزهد، وأن ننزلّها في إطار جديد يعتبر قيود المادة وأغلال الضلال هي ما أحاط بالمواطن من دوائر التكبيل والتعجيز، بسبب النظم الاستبدادية العريقة في العالم العربي، وهو ما يجعل مساهمته في المسار الديمقراطي طريقًا إلى هذه السعادة العظمى التي برشّ بها الفلاسفة. في هذا الإطار، تتحوّل العدالة من مشروع طوباوي إلى عقد حقوق وواجبات، يتميّز بالنسبية والقابلية لإعادة التفاوض بشأنه، ولكن من دون عنف، وفي كنف ما يوفّره كل نظام ديمقراطي من فرص تعديل نفسه بنفسه، عبر تداول السلطة وانتقالها السلمي بمقتضى أحكام الدستور، وإمكان تعديل الدستور نفسه إذا دعت الحاجة إلى ذلك. ومن المهمّ بمكان أن تتحوّل فكرة العدالة من سياقها القديم ذي الطبيعة الفلسفية الطوباوية إلى فهم حديث ونسبي يجعلها عقدًا من الحقوق والواجبات ملزمًا للمتعاقدين ومتغريًّا بحسب المستجدّات. العدالة بهذا الشكل تتحقّق بقيام دولة القانون، تلك التي تجمع -في الآن ذاته- بين الحقوق والواجبات، وتضمن التوازن بينها، لأن الواجب الذي لا يقابله حقّ يتحوّل إلى قهر، والحقّ الذي لا يقابله واجب يتحوّل إلى فوضى وانحلال. ودولة القانون هي التي تنجح في تجنب القهر والفوضى معًا، وهي « المدينة الفاضلة» للعصر الحديث، وينبغي أن تكون الهدف الأسمى للثورات العربية. يجدر في هذا المجال ذكْر أن لكلمة «حقّ» دلالات متعدّدة؛ فهي تُستعمل أحيانًا بمعنى العدالة Justice()، وتقابل في حالات الكلمة المشتقة من اللاتينية Droit، وفي حالات أخرى كلمة Vérité (حقيقة). ويمكن أن نلاحظ، على سبيل التعميم، أن الاستعمال الغربي الطاغي يدور حول المعنيين الأوّل والثاني، فيما الاستعمال العربي الطاغي يدور حول المعنيين الثاني والثالث، لأنه يتمسّك بطرح القضية السياسية في بُعد أخلاقي بحت، وينشد أوضاعًا مثالية. ولئن تجسّد هذا الفهم عبر الإحالة على الفلسفة الأخلاقية التراثية، أو من خلال الاستنجاد بالنقد الماركسي للدولة الليبرالية (باعتبارها دولة الحقوق الصورية التي لا توفّر العدالة)، فإن النتيجة واحدة، وهي الإصرار على طلب المطلقات في تاريخ إنساني لا يمكن أن يخرج على قواعد النسبية، حتّى في اللحظات الثورية التي تفتح المجال رحبًا للأحلام الإنسانية المشروعة. ولو اقتصر الأمر على مجرّد التمسّك بوهم المدن الفاضلة القائمة على العدالة المطلقة لهان الأمر، لكن الخطر يكمن في أنَّ طلب المطلق يؤدي إلى تفويت فرص تحقيق الممكن، فضالً عن أن المطلق يفترض دائامً مرجعية عليا لتحقيقه، وهو ما نجده لدى الفارابي عندما تصوّر الرئيسَ في المدينة الفاضلة في شكل صورة المنفرد بالحكم والحكمة، وما نقف عليه في ثورات حديثة لما ضحّت بالحريات من أجل العدالة فخسرت هذا وتلك، وذلك عندما جسّدت المطلق في شكل الحزب الطليعي (الثورات القومية) أو ولاية الفقيه (الثورة الإيرانية). فلئن لم تكن الديمقراطية دولة العدالة المطلقة، فهي النظام الذي يوفّر الفرص الواقعية بالاقتراب أكثر ما يمكن من مثُل العدالة. ولا يغير الديمقراطية أالّ تكون دولة الكمال، لأنها تفتح المجال لتوسيع دائرة الممكن، عبر تحقيق المزيد منه باستمرار وبوعي المواطنين واختيارهم ومشاركتهم.
ولا يُعدّ استلهام التراث الفلسفي القديم في موضوع العدالة حنينًا إلى الماضي أو موقفًا رجعيًا، وإنما يتنزّل في ما دعا إليه سِن من ضرورة فتح قضية العدالة على تراث الأمم غير الغربية، وتعديل النظرة الحديثة القائمة منذ كانط إلى رولز، تلك التي تعتبر أن العدالة تتحقّق بمجرد إقامة المؤسسات العادلة لا غير. فالتجربة تبنيّ أن المؤسسات القائمة على أسس وقوانين عادلة، يمكن أن تنتج الظلم إذا سيطر عليها أشخاص لا يحترمون مبادئ العدالة. من هنا كان فتح قضية العدالة على التراث غير الغربي فتحًا لها على فكرة الأخلاق الفردية والجهد الذي يقوم به الفرد للسموّ بنفسه. وقد يذكّر هذا بالقدوة والكاريزما، بالمعنى الذي طرحه عاملِ الاجتماع الألماني ماكس فيبر في دراساته لأنماط المجتمع التقليدي، لكن الفارق واضح، وهو أن إدخال جرعة من الأخلاقيات في مجال السياسة لا يعني تحويل الموضوع السياسي إلى موضوع أخلاقي، أو التضحية بالمؤسسات وإلقاء العهدة على الأفراد لتحقيق العدالة. وبالمثل، فإن استلهام التراث التشريعي القديم في موضوع العدالة لا يمثّل دعوة إلى تطبيق الماضي على الحاضر، ولا إجبار الحاضر على الدخول في قوالب الماضي؛ إنه يجعل قضية العدالة أقرب إلى الثقافة المألوفة للمواطن وإلى مجموع الرموز والمصطلحات التي تخاطب عقله ووجدانه من منطلق مخزونه الثقافي العميق، فيصبح المواطن حارس العدالة قبل أن تحميها الدولة ومؤسساتها. لكنّ ذلك مشروط أيضًا بمراجعة تصوّرات العدالة في ذلك التشريع، لأنها تصوّرات وأحكام متنزّلة في واقع أزمنة ومجتمعات ماضية. لقد ذكرنا سابقًا أن توجّه الجماهير العربية نحو نظُم القيادة التقليدية المتجسدة في العودة القوية إلى الزعماء القبليين والروحييّن والعصبيات الأولية (الأسرة، الطائفة، العشيرة...)، إنما مردّه إلى فقدان الثقة بآليات العدالة «الحديثة» القائمة على مؤسسات أُفرغت من محتواها (دساتير تعدّل بحسب إرادة الحاكم؛ قوانين لا تطبَّق بالمساواة بين الجميع؛ برلمانات لا سلطة لها... إلخ). بيد أن تلك المرجعيات التقليدية لا تخلو بدورها من صور الحيف، مثل اتّسامها بدونية المرأة مقارنةً بالرجل، وتمييزها المواطنين بحسب أديانهم ومذاهبهم. باختصار، إننا نعلم جميعًا أن العدالة قديامً لم تُطرح في إطار ما ندعوه اليوم المواطنة، ولم تكن هذه الفكرة، أي المواطنة، معروفة ولا متضمَّنة في الفكر التشريعي القديم، مثلما كانت فكرة الديمقراطية غائبة عن الفكر الأخلاقي القديم. ثمة إذ ذاك جهد هائل لا بدّ من بذله، ومخاطرة كبرى لا مفرّ من الإقدام عليها؛ فاللحظة التي تضعف فيها الدولة غير العادلة يمكن أن تكون لحظة مبرشّة بإعادة تأسيس الدولة على قاعدة العدالة، كما يمكن أن تكون لحظة تفكيك الدولة والعودة إلى الدورات الخلدونية للعصبية بما هي النقيض لمشروع الثورة. لا يمكن الحديث عن عدالة من دون إقرار بالمساواة السياسية والاجتماعية بين الرجل والمرأة، وبين المسلم وغير المسلم، وهذا أمر ليس من اليسير تحقيقه، غير أننا نجزم بأن غياب المساواة يترتب عليه غياب المواطنة، وغياب المواطنة يترتب عليه غياب الديمقراطية، وغياب الديمقراطية يترتب عليه غياب العدالة. لقد كان سِن على حقّ عندما دعا إلى البحث عن مَواطن الالتقاء بين الحداثة (أي مشروع الأنوار بحسب تعبيره) والتراث الشرقي؛ فهذا الالتقاء هو الذي يدعّم مطلب العدالة. أمّا إذا تحوّل إلى تنازع، فإنه سيجعلنا نواجه -في العالم العربي- الفرضية الثالثة لمصير الدولة، تلك التي يدافع عنها برتراند بادي وأنصار نظرية صدام الحضارات. ويمكن اختزال هذا الوضع بعبارة خلدونية: إننا سنرتدّ حينئذ إلى البداوة السياسية، أي انحلال المجتمع إلى كيانات مجزأة ومتنافرة، يدير كلٌّ منها عدالته بطريقته الخاصة. ومن الضروري التشديد أيضًا على أن التضحية بقضية الحرية من أجل العدالة ستؤدي في أرجح الاحتمالات
إلى انهيارهما معًا، كما حصل مع الثورة الإيرانية. ولقد كان معنى الحرية في التراث التشريعي القديم ينحصر في نقيض العبودية؛ إذ لم تكن الأحكام عادلة بين الحرّ والعبد، كما لم تكن عادلة بين المسلم والذميّ وبين الرجل والمرأة. غير أن مطلب الحرية اليوم يتجاوز قضية العبودية التي أصبحت في ذمّة التاريخ، ليعيد طرح العلاقة بين حقوق الجماعة وحقوق الفرد. ففي التراث التشريعي القديم، كانت قضية العبودية مقدَّمة على مطلب الحرية؛ لذلك ضاق مجال الحريّات. أمّا المجتمع الحديث، فيقلب المعادلة بينهما، ويجعل حريّة الفرد هي الأصل، وتقييدها بضرورات الجماعة هو الاستثناء. وتترتّب على هذا القلب حتامً نتائج مهمة في تحقيق العدالة، وقد لا تكون مقبولة بسهولة في وعي الناس، بسبب الخلط السائد في أذهانهم بين قيمة العدالة والأنظمة التفصيلية التي جسدتها في أزمنة غابرة. فحرية المرأة تقتضي أن نصنّف خارج مجال العدالة كل ما يضيّق عليها مجال المساهمة في الحياة العامة، من حق التعلم والعمل إلى حقّ الترشح لأعلى المناصب، ومنها رئاسة الدولة أو الحكومة. وتقتضي حرية المعتقد أن نبطل العمل بحدّ الردّة، ونجرّم جميع أشكال التكفير والاعتداء على البشر باسم العقائد، إلى غير ذلك من المراجعات التي تقتضيها العدالة عندما تُطرح في عصر الحريات، وهي غير عدالة المجتمعات القديمة.
خاتمة
إن العدالة التي تستحق أن تصنّف فعالً ثوريًّا يقطع مع ماض طويل من الاستبداد في العالم العربي، هي تلك التي تستجيب لثلاثة شروط: أولا، أن تكون عدالة استحقاق، بمعنى أنها تحلّ بفضل ثورات جماهيرية، ولا يمنحها للشعب قائد أو حزب أو قوة حامية؛ فالشعب هو صانعها، والمؤتمَن عليها، والمتعهّد بها. ثانيًا، أن تكون عدالة حريّة، بمعنى أنها تنبع من ثورات تضمنت مبدأ الحرية بشكل قوي، ولا يمكن أن تضحّي بهذا المبدأ مهما يكن المقابل، حتى لو كان العدالة ذاتها. ولا ضرورة لحشر المواطن العربي في زاوية الاختيار الحصري بين مطلبين ضروريين، بل ينبغي أن متُنح الثورة تميّزها التاريخي بصفتها أوّل حادث يقوم بالجمع بين مبدأي العدالة والحرية في الآن ذاته. ثالثًا، ستكون عدالة مساواة، لأن الثورات العربية حشدت النساء والرجال والأغلبية والأقليات في الميادين، وبالتالي من حقّ الجميع أن ينعم بثمارها، ولن تتحقّق العدالة بالانتصار لأطراف وإقصاء أخرى في المقابل. هناك إذًا مآلان ممكنان للربيع العربي، أولهما أن يصنع الشعب عدالته الجديدة، والشعب هو مجموع المواطنين، بصرف النظر عن الاختلافات الدينية أو المذهبية أو العرقية أو اللغوية أو الجنسية. وثانيهما أن تبرز عصبية جديدة تمثّل دور السلطة الأبوية الجديدة، فيتواصل الدور الخلدوني بهرم دولة وقيام الدولة الجديدة على الأسس والآليات عينها. وفي الحالة الأولى، يمكن القول إن الثورة أسّست الدولة العادلة، أمّا في الحالة الثانية، فيمكن القول إنها استمرار لنظام الاستبداد الشرقي الضعيف، وللدور الخلدوني للدولة التي تبدأ بالقوة ثم تنتقل إلى الترف (الفساد) ومنه إلى الهرم، معيدة إلى ما لانهاية هذه الحلقة المفرغة، ومحققة ما قاله المؤرخ العربي الشهير من أن «الدولة في الغالب لا تعدو أعمار ثلاثة أجيال»، في انتظار ثورة آتية.