العدالة أولاً :من وعي التغيير إلى تغيير الوعي
Dialectic Justice First: From Awareness of Change to Changing Awareness
الملخّص
تجد هذه الورقة أنَّ العدالة هي المطلب الذي يوحّد حركات الانتفاض العربي الراهنة وتتركّز فيه جميع مطالبها الأخرى. كما تجد أنَّ العدالة ذاتها هي الخيط الناظم الذي يجمع رجال الفكر و السياسة في العالم العربي-الإسلامي المعاصر، إذ رأوا، في كتب رحلاتهم إلى الغرب كما في كتاباتهم التنويرية في القرن التاسع عشر، أنها السبب الذي يفسر تقدّم الغرب وتأخر العرب، بحضورها وغيابها على التوالي .
Abstract
This paper argues that justice is the primary demand unifying the ongoing Arab uprisings, and that justice represents the locus of all the other demands of the popular uprisings. The author also claims that “justice” is the common thread among all the major thinkers and politicians in the contemporary Arab-Muslim world who have stressed that justice is the main difference between the progress of the West and the decline of the Arabs. As a basis for its argument, the paper compares the Arab uprisings to revolutions that toppled Communist and military regimes in other countries, focusing on the differences between the two, especially the Arab popular movements, which exhibited a theoretical spontaneity, an absence of a leadership, and a multitude of chants. Finally, this study recounts the failures of post-independence Arab states, which were eventually revealed as a mere rule of despotism, and that the Arab state had combined the worst of two legacies: the legacy of the colonial state (a veneer of modernity) and the pre-colonial state (traditional relations and modes of thought). The paper ends by questioning the Arab uprisings’ ability to constitute a veritable moment of rupture that would signal a decisive shift and an in-depth transformation capable of engendering a second Arab Nahda (Renaissance), a path that requires the guidance of rational thought, which is the only solution to the rampant disease of “spontaneity”.
- الغرب
- الانتفاض العربي
- تغيير الوعي
- التغيير
- Dialectic
- Justice
- Changing Awareness
تجد هذه الورقة أنَّ العدالة هي المطلب الذي يوحّد حركات الانتفاض العربي الراهنة وتتركّز فيه جميع مطالبها الأخرى. كما تجد أنَّ العدالة ذاتها هي الخيط الناظم الذي يجمع رجال الفكر والسياسة في العالم العربي-الإسلامي المعاصر، إذ رأوا، في كتب رحلاتهم إلى الغرب كما في كتاباتهم التنويرية في القرن التاسع عشر، أنها السبب الذي يفرسّ تقدّم الغرب وتأخر العرب، بحضورها وغيابها على التوالي. تقارن الورقة بين حركات الانتفاض العرب والعسكرية في غير بلد. وتلتقط وجوهًا من الاختلاف بارزةً تَسِمُ الانتفاض العربي بالعفوية النظرية، وغياب القيادة، واختصار الفعل في شعارات قليلة. وهي تقدّم جردة لعثرات دولة الاستقلال وإخفاقاتها، وتكشف عن أنها دولة استبداد في حقيقة الأمر، وأنها احتفظت بأسوأ ما في إرثين اث ين: إرث الدولة الاستعمارية (حداثة ظاهرية) وإرث الدولة ما قبل الاستعمار (أنماط فكرية وعلاقات تقليدية). وتختم بتساؤل حول قدرة حركات الانتفاض العربية على أن تكون علامة فارقة على انتقال حاسم وتغيير جوهري جديرين بأن يعدّا بواكير نهضة عربية ثانية، وتشترط لذلك وجود الفكر كبوصلة ضرورية ودواء لعلاج داء العفوية السائد.
تمهيد
رفعت حركة الانتفاض التي شهدها الشارع العربي في السنتين المنصرمتين لائحة مطالب، فيها الاعتراض والرفض من جهة، والمطالبة بتحقيق رغبات جامحة من جهة أخرى. فالاعتراض والرفض يلوّحان بقبضة يد قوية وصراخ ينبعث من الأعماق: لا للقمع، لا للفساد، لا لاقتصاد الريع، لا للاستبداد. والمطالبة تنادي بالكرامة، والمساواة في الفرص، واحترام حقوق الانسان، وبالعدالة الاجتماعية. ربما كانت هناك
فوارق جزئية، تختلف بين هذا البلد العربي أو ذاك من البلدان التي عرفت الانتفاض، فهي في تونس غيرها في مصر، وهي في ليبيا على غير ما كانت عليه في المغرب، وهي في الحركات الخجولة في مناطق من دول الخليج العربي مغايرة بعض الشيء للمطالبة في الجزائر، في الوقت القصير الذي حدثت فيه قبل أن يتم خنقها في المهد. غير أن هذه الحركات تلتقي في مطلب واحد يوحّد بينها؛ مطلب يصح القول فيه إنه يلخص جميع المطالب المشار إليها: العدالة. ذلك أنّ العدالة في حركة الانتفاض العربي هي الشعار الذي تنصهر في جوفه المطالب كلها، فكأنه ينوب عنها جميعها في تنوّعها وتعددها، فهو مفرد ينوب عن الجمع، كما يقول النحاة العرب. إذًا، لو شئنا أن نجعل لهذا الانتفاض عنوانًا لقلنا إنه العدالة أولا. غير أني أزعم أن العدالة، من حيث هي هدف يكون التطلع إليه نشدانًا لما هو مفتقد في الوجود السياسي والاجتماعي، لم تكن شعارًا موجَّهًا في «الربيع العربي» فحسب، بل إن البحث عن العدالة في مختلف تجلياتها كان أيضًا الخيط الناظم الذي وحّد بين رجال الفكر والسياسة في العالم العربي- الإسلامي المعاصر. وقد تساءل المفكرون العرب المعاصرون عن السبب الذي كان الغرب بموجبه قويًا والعالم العربي- الإسلامي ضعيفًا متخلفًا، فكان الجواب أن السر يكمن في تحقق العدالة «هناك» وغيابها «هنا». ذلك أن تحقق العدالة في الغرب، في مقابل هيمنة الاستبداد في العالم العربي هو ما يفسر عند أولئك المفكرين (مع اختلاف الرؤى التي يصدرون عنها) حال «التقدم» التي يتمتع بها الغرب، في مقابل واقع «التأخر» الذي يضطرب فيه العرب. نقول إذًا إن نظرًا جديدًا في فكر النهضة يحملنا على التقرير بأن الإشكالية التي حكمت الفكر العربي الاسلامي في الفترة التي نتواضع على نعتها بالنهضة هي إشكالية العدالة المفتقدة. ثم إن جملة الأسباب الثقافية والاجتماعية والسياسية تقضي بأن الفكر العربي المعاصر لا يزال محكومًا بالإشكالية ذاتها. تتباين النظرة بين المرحلة السابقة على استعمار البلاد العربية، في جميع أشكال ذلك الاستعمار، والمرحلة التي شهدت استعادة تلك البلاد استقلالها وعرفت بناء دولة الاستقلال أو بناء الدولة الوطنية، لكن المطلب ظل واحدًا والتشوف إلى ما بقي مفتقدًا مع انتهاء عهد الاستعمار ظل قائامً، بل لعل الشعور بالظلم وغياب العدالة أصبح أكثر حدة وأكثر عمقًا. فهل في الإمكان أن نقول إن حركة «الربيع العربي» تعاود ربط الاتصال بفكر النهضة العربية؟ وهل في وسعنا أن نرى في هذه الحركة جراثيم نهضة جديدة، جراثيم تشي بمقدم النهضة العربية الثانية؟ سؤالان اثنان لا تدّعي هذه الورقة تقديم الجواب الشافي عنهما بل إنها تتطلع فقط إلى المساهمة في ذلك، في محاولة إلقاء أضواء كاشفة تستمد قبسها من هذه الحركة التي لا تزال تعتمل في الشوارع وفي النفوس، وتحمل على طرح عديد من الأسئلة والقيام بالمراجعة وإعادة التفكير.
الانتفاض والعدالة والربيع
لا شك أن أكثر النعوت شاعرية في أحاديث الصحافة العربية والدولية عن الحركة الشبابية التي اجتاحت العالم العربي في السنتين الماضيتين هو نعت «الربيع العربي». ربما وجب الاعتراف بأن هذا النعت فرض نفسه على الكتابة الجامعية كذلك، ما دامت نصوص ومؤلفات فردية وجماعية، في العالم العربي وخارجه، قد تعودت على استعمال هذا النعت. غير أنني من الذين يُبدون تحفظًا عن ذلك ويفضّلون الحديث، بالأحرى، عن الانتفاض العربي. تحدّث بعضهم، في بداية الانتفاض، عن «زلزال سياسي» ضرب مناطق من الخارطة العربية، وهو كناية عن القوة المدمرة وغير المتوقَّعة. وفضّل بعض آخر، تعبيرًا عن الدهشة حيال ما وقع، تعبير «التسونامي السياسي»، في حين أن بعضًا آخر لم يجد وصفًا لما يقع أفضل من لفظ «الانفلونزا السياسية التي تضرب العرب». والسمة الأساسية في الانفلونزا هي أنها، في الأغلب الأعم، مجهولة المصدر، كما أنها لا تستجيب لدواء من
الأدوية بل هي تتفاعل، سلبًا وإيجابًا، مع القدرات الذاتية للجسم على المقاومة ومجاوزة الحالة المرضية. ومن هذه الناحية بالذات تبدو المقارنة وجيهة: فهذه الانتفاضات التي لا يزال العالم العربي يشهدها هي أشبه بالمرأة الحامل التي لا أحد يعلم نهاية الحمل عندها. وهي اختبار للجسم السياسي العربي ولقدرته على المقاومة، مع إضافة بسيطة مفادها أن هذا النوع من الانفلونزا لا يُعرف له لقاح مضاد، بل لا أمل في الوصول إلى اختراع المصل المضاد، وبالتالي فالخطر الداهم موجود دومًا، ولا سبيل إلى إبعاده. الحق أن نعت الربيع لا يحمل، في الحالة العربية، ما للربيع من إيحاءات اللهم ما كان من حضور قوي للشباب العربي في حركات الانتفاض في مختلف البلاد العربية التي أسلفنا الإشارة إليها. غير أن الحضور الشبابي في الوطن الغربي معطى إحصائي أوالً، فنسبة الشبيبة في هذا الوطن لا تقل عن الستين في المئة. وربما ينبغي أن نعلم كذلك أن نعت الربيع، مقترنًا بالثورة، أو بالتمرد على الأقل، قد ظهر أول ما ظهر في بلدان المعسكر الشيوعي القديم التي أعلنت الرغبة في إطاحة النموذج الماركسي-اللينيني (بعض جمهوريات الاتحاد السوفياتي سابقًا، مثل بلغاريا وبولونيا وتشيكوسلوفاكيا القديمة...). كما أنه انتشر في البلدان التي عاشت التجارب الفاشستية ردحًا من الزمان (البرتغال، إسبانيا، اليونان، بعض دول أميركا اللاتينية...). فالربيع في البلاد المذكورة، أتى بعد شتاء طويل كساه الصقيع وغلّفه الضباب الكثيف الذي حجب الرؤية كلية، ولفّته أسوار عالية من الأوهام الأيديولوجية. وفي العالم العربي، أو في مناطق منه على الأقل، ما يشبه ذلك، غير أن الاختلاف بين دول العالم العربي وما أشرنا إليه من دول هو اختلاف في الطبيعة لا في الدرجة، كما يقول الفلاسفة؛ فالشأن في أغلب الدول غير العربية المشار إليها غيره في العالم العربي: قامت الأنظمة الشمولية في الأولى عقب ثورات وقودها الأيديولوجيا الماركسية في الغالب الأعم من الأحوال، أمّا في العالم العربي، فإن الدول التي انتفض الشباب العربي في وجهها هي أنظمة أعقبت استعادة الدول العربية موضوع الانتفاض لاستقلالها؛ إنها أنظمة سياسية أعقبت الحكم الاستعماري مباشرة، وهي، من حيث المبدأ، دول الاستقلال، غير أنها أصبحت، كما سنرى في القسم الموالي، دولا للاستبداد. ثمّة وجه آخر يجعل التماثل متعذرًا بين الانتفاض العربي والثورات التي أطاحت الأنظمة الشيوعية والعسكرية في البلدان غير العربية من البلاد التي ألمحنا الإشارة إليها، وهو الأخذ بالمنظومة الليبرالية في الدول الأخيرة والمناداة بوجوب الأخذ بنظام اقتصاد السوق وسلوك الطريق الرأسمالي، مع مراعاة الوضوح التام في ذلك، في حين أن في دول الانتفاض العربي عفوية في النظرية (بل ربما وجب الكلام على غياب كيلّ للنظرية). وحيث كان الشأن في الدول غير العربية متصالً بالتنظيم السياسي القوي والعميق وبوجود أحزاب قوية شديدة الالتحام بالعمل السياسي وبالجماهير، أحزاب تمتح من تقاليد سياسية عميقة وسابقة على المرحلة الشيوعية أو على الهيمنة العسكرية، كانت الحال غير ذلك في العالم العربي جملة. الحق أن أكثر الأحزاب السياسية في دول الانتفاض العربي تنظيامً وادعاء للقدرة على تأطير الوعي العربي وقيادة القوى الحية في البلاد (وتلك هي الحال في كلٍّ من المغرب ومصر على الأقل)، أبانت عن ضعف شديد، وعن مفاجأة كبرى بما وقع، وعن اندهاش تام من السرعة التي تم بها ذلك على وجه الخصوص. صحيح أن بعض تلك الأحزاب استطاع أن يقوم باحتواء جزئي للحركة أو بتأييدها ومباركة فعلها، غير أن الواقع يشير إلى أن حركة الانتفاض العربي تتسم بالعفوية النظرية، وتتصف بغياب القيادة القوية والزعامة الكاريزمية، وأن الفعل فيها كان خيُتصر في شعارين اثنين أولهما «إرحل» (رفض واعتراض)، وثانيهما «العدالة» في شموليتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، بل إنها انتقلت بسرعة مذهلة من المطالبة اجتماعيًا إلى المطالبة سياسيًا. تكتسي حركة الانتفاض العربي سمة العفوية من اجتماع عاملين اثنين، نقف عند كل منهما وقفة قصيرة.
العامل الأول، هو أنها كانت خلوًا من التوجه الأيديولوجي، فكان ذلك-كما سنرى- مصدر قوة وضعف معًا. وفي توضيح لهذه الفكرة، أرجع إلى مقال نشرتُه في جريدة الشرق الأوسط (ضمن مقالات عدة كنت أجتهد فيها بمواكبة ما يجري في الساحة العربية عمومًا وفي ميدان التحرير في القاهرة خصوصًا). طرحت في المقال المشار إليه السؤال التالي: ماهي الأيديولوجيات التي يمكن القول عنها إن ميدان التحرير قد أعلن موتها؟ والقصد بالسؤال هو التنبيه إلى الأيديولوجيات التي غابت عن الميدان كلية، أو في ما كان أساسيًا فيها، فتبين لي أن الأمر يتعلق بأيديولوجيا القومية العربية من جهة أولى، وبالأيديولوجيا الماركسية-اللينينية من جهة ثانية، ثم، في نواح أساسية لم تغب كلية، بالأيديولوجيات السلفية الجهادية أو تلك التي يقرب منها هذا النعت. لم يكن في ميدان التحرير وجود لشعارات الوحدة العربية، ولا رفض للتجزئة، بل لم يكن هنالك على الإطلاق ذكر ل«الأمة العربية» وما اتصل بالقاموس القومي العربي. بيد أن حضور العروبة كان قويًا فاعالً، وبالتالي هناك عروبة لا قومية عربية، وأحسب أن هذا هو أحد الدروس الكبرى التي يتعين استخلاصها من حركة الانتفاض العربي. كذلك لم ترتفع في الميدان (ولا في الشوارع العربية التي شهدت تجليًا للحركة) شعارات تدين الإمبريالية العالمية وأخرى تمجد الطبقة البروليتارية وثالثة تدين البرجوازية والفكر البرجوازي ورابعة تنبه إلى أنماط الصراع الطبقي، غير أن هنالك شعارات تطالب بالعدالة الاجتماعية وأخرى تطالب بإلغاء اقتصاد الريع وثالثة تدين الفساد. وأخيرًا، لم ترتفع في الميدان (ولا في غيره من الشوارع العربية) أصوات تهتف «الإسلام هو الحل»، أو تنادي بوجوب «تطبيق الشريعة» وما في هذا المعنى، غير أن الإسلام كان حاضرًا من خلال الصلوات الجامعة وصلاة الجمعة. وبالتالي، يمكن القول إن هنالك إسلامًا متغلغالً في الكيان العربي دينيًا وثقافيًا معًا (والحديث هنا عن الأيام الحاسمة التي سبقت نزول الإخوان المسلمين إلى الميدان. أمّا الشأن بالنسبة إلى الحركات الإسلامية في كلٍّ من تونس والمغرب، فآخر، وهو ليس واحدًا بالنسبة إلى الحركة الانتفاضية في كلا البلدين)، وليس هنالك في عمق الوجدان العربي حضور ولا تفاعل مع أطروحات الإسلام السياسي. أمّا أن «غياب الأيديولوجيا» (وربما وجب الحديث بالأحرى عن الأيديولوجيا المهيمنة) كان مصدر قوة في حركة الانتفاض العربي، فهو يعني أن ذلك الغياب استطاع أن يوحّد الأصوات، ومن ثم استطاع مطلب العدالة (وهو المطلب الذي كان الاجتماع حوله) أن يوحّد بينها. لنقُل إن ذلك الغياب خلق المناخ الضروري الذي كانت الحركة تتنفس فيه وتقوى؛ إذ أصبح شعار «العدالة أولا » مفردًا ينوب عن الجمع كما سبق أن أشرنا. أمّا أن الغياب كان، في الوقت ذاته، مصدر ضعف، فهو ما يجعل الحركة في حال من التخبط والتردد ويجعلها عرضة لخطر الاستيلاء عليها أو تهريبها لمصلحة الجهة التي تمتلك القدر الهائل من التنظيم والقدرة على المناورة، وليس فقط لأنها تحظى بتأييد قوة (أو قوى أجنبية) أو لوجود صفقة ما غامضة. العامل الثانيالذي يشي بوجود العفوية في حركة الانتفاض العربي هو أن «نظرية المؤامرة» كشفت عن حدودها وتهافتها؛ ذلك أن التحليلات السياسية الجادة أظهرت قوة المفاجأة عند القوة الأجنبية المقصود الإشارة إليها، وإن لم يكن ذلك مانعًا من المبادرة إلى ركوب القطار بعد أن انطلق من المحطة، كما يقال في التعبير الفرنسي. هذا من جهة أولى، أمّا من جهة ثانية فقد ظهر فساد الفكرة التي ظلت تعمل في الوعي العربي زمنًا غير قصير، مثلما أنها غدت نوعًا من العقيدة عند كثير من الدارسين العرب وغير العرب. فأمّا الفكرة الخاطئة، فهي التي تقضي بأن العرب استثناء في التاريخ، وأن عقدًا وثنيًا يربطهم برفض الديمقراطية ويحملهم على قبول نقيضها. وأمّا
العقيدة المتفشية، بل الأيديولوجيا التي صادفت غير قليل من القبول والاستحسان من جانب عدد كبير من المثقفين العرب قبل غيرهم، فهي تلك التي تقضي بأن الاستبداد هو في نهاية المطاف سمة من سمات الشخصية العربية، إذ إن للاستبداد جذورًا ثقافية عميقة. الحق أن حركة الانتفاض العربي أفلحت في البرهنة عن خطأ فكرتين، تعمل كلٌّ منهما على شل الفكر العربي وجعل الفعل والعمل من أجل التغيير يحاطان بسياج سميك من الأوهام. الفكرة الأولىهي فكرة «المؤامرة»، أو اليد الأجنبية التي لا يملك المرء حيالها من الأمر شيئًا، وإنما هي جبرية لا انفكاك منها. والثانية هي تلك الجبرية الأخرى التي تقضي بالحكم على الحالة العربية بأنها حالة تستعصي على الديمقراطية ولا تنفك من قبول الاستبداد؛ إذ إن قبول الاستبداد أحد المكونات الأساسية في الشخصية العربية. وفي هذا المعنى يصح القول عن حركة الانتفاض العربي إنها حركة تحرير، حركة يمكن التقريب بينها وبين حركة المطالبة بالاستقلال الوطني التي استطاعت أن تكون عامالً إيجابيًا في الفعل العربي المعاصر. فهل يصح القول فيها كذلك إنها وارث شرعي لفكر النهضة العربية وترجمة له على الصعيد العملي من حيث ما تقوم به من التنبيه إلى خطر الاستبداد، فتجعل من رفضه شعارها الأسمى إذ تنادي بالعدالة أوالً؟
العدالة والنهضة العربية
لا يتسع المجال للقول في الفكر العربي في عصر النهضة ولا للقول في عصر النهضة ذاته، فقد سبق أن توسعنا في القولين بعض التوسع في دراسات لنا، غير أننا نقول في عبارات موجزة، نوطئ بها لما نحن في هذا الجزء بصدده من حديث عن الفكر العربي في عصر النهضة، من حيث إن الإشكال المحوري فيه كان قضية العدالة الحاضرة «هناك» (أي في الغرب الأوروبي) والغائبة «هنا» (أي في البلاد العربية الاسلامية): إن عصر النهضة قد مر بمرحلتين اثنتين، المرحلة الأولىهي تلك التي تمثّلها الرحلة العربية صوب أوروبا، وهي على وجه الخصوص الفترة التي تمتد بين ثلاثينيات القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. أمّا المرحلة الثانية، فترجع إلى بداية العشرية الأولى إجماالً، بمعنى أن الرحلة الأوروبية وتدوينها استمرا بعد ذلك. نحن إذًا أمام نصوص في غاية الأهمية بالنسبة إلى موضوعنا، كتبها أصحابها في عشرينيات القرن الماضي، ونحن، من جهة أخرى، أمام نصوص تنويرية شديدة الأهمية ترجع إلى ثمانينيات القرن التاسع عشر. فالعبرة عندنا بغلبة نوعية النصوص في فترة من الفترات، وإن يكن من الصعوبة، بل من المتعذر، على مؤرخ الفكر أن يقطع في تاريخ الأفكار وتطورها بتواريخ دقيقة ونهائية. وطبيعة المقاربة التي نحن بصددها تتطلّب منا وقفة قصيرة عند كلتا المرحلتين. يُعتبر الرحالة العرب المعاصرون، وقد كانت أوروبا وجهتهم الأساسية -ومن ثم نحن نتحدث عن الرحلة «الأوروبية»- الرواد الأوائل لفكر النهضة العربية. ويرجع ذلك إلى سبب واضح وإلى سبب آخر أقل وضوحًا. فأمّا السبب الأول، فهو أن الرحلة الأوروبية كانت تعبيرًا عن الصدمة الحضارية الكبرى عند المفكر العربي، فهي الصدمة الفعلية التي مكّنته من مشاهدة البون الهائل بين ما يوجد عليه الغرب الأوروبي من قوة وتقدم وما كان عليه العرب والمسلمون، عربًا وغير عرب، من تأخر؛ تأخر مزدوج: تأخر أول عن
ركب الإنسانية، ممثَّلة في الغرب الأوروبي وقد مضت بعيدًا في التقدم المادي والفكري، وتأخر آخر عن الإسلام مقارنةً بالصورة المشرقة التي كان الوعي الإسلامي يرسمها للعصر «الذهبي». من ثم سيكون عن تبين الفوارق هذه طرح السؤال النهضوي فعالً: لماذا تقدم الغرب وتأخر العرب والمسلمون عامة (عرب وغير عرب)؟ فالرحالة أبدوا دهشتهم تجاه هذا التباين، وأغلبهم التمس لذلك الأسباب، ويظل الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي أول من طرح السؤال، وكانت رحلته الباريسية خلال السنوات الأربع التي استغرقتها البعثة الطلابية التي كان عضوًا فيها (1834-1830) مناسبة لتدوين ملاحظات ثاقبة وطرح أسئلة مقارنة غاية في الأهمية. ثم توالت الرحلات بعد ذلك من تونس والمغرب وبلاد الشام، وكانت دوافع الرحلة صوب أوروبا مختلفة، كما أن مُددها كانت متفاوتة (بين شهرين أو نحو ذلك والسنة الواحدة أو أكثر قليالً). وليس من شأننا هنا، بطبيعة الحال، الخوض في الجزئيات والتفاصيل ولا النظر في الفوارق الموجودة بين الرحالة المغاربة والمصريين وغيرهم، غير أننا نجمع القول ونوجزه في الفقرة الموالية. نقول في البدء كلمة يسيرة في ما نعتبره من الأسباب غير واضح، بمعنى أن الانتباه إليه قليل. إن الرحلة إنباء عن الرحالة أكثر ممّا هي إخبار عن البلد موضوع الرحلة، ذلك أن الرحالة يتنقل في البلاد التي يزور وهو حامل لزاد ثقافي معرفي ولمخزون وجداني، وهذا الزاد المعرفي وذاك المخزون النفسي هما بالنسبة إليه بمنزلة المنظار الذي يرى العالم من خلاله. بعبارة أخرى، إن ما يثير انتباهه هو ما كان «غريبًا عجيبًا»، أي غير مألوف. أمّا ما كان مألوفًا لديه فهو موجود في بؤرة الشعور، فلا يسترعي الانتباه. يمكن القول إذًا إن المشاهدة، إذ تكون حضورًا للغريب والعجيب (وبالتالي لغير المألوف)، فهي تصدم الوعي وتحمله على الانتباه والمقارنة: بين ما كان مألوفًا لديه، فهو يجيزه، وما كان غير ذلك فهو يرفضه أو، على الأقل، يتساءل عنه. وبالقدر الذي يكون فيه الرحالة منشغالً بالبلد الذي ينتمي إليه ويأسى لحاله، تكثر أسئلته وتتنوع المقارنات التي يقوم بها. والرحالة العرب المعاصرون هم جميعهم من الذي كانوا يحملون من البلد الذي ينتمون إليه همومًا كثيرة، فهم «اكتشفوا» أوروبا من خلال الجيش الأوروبي الغازي أو المحتل (حملة نابليون على مصر، هزيمة إيسلي سنة 1844 بالنسبة إلى المغرب...)، أمّا في الرحلة، فالأمر يتعلق بالرؤية «رأي العين». في مدوّنات الرحالة العرب إلى أوروبا ملاحظات تتعلق بالاكتشافات العلمية وبالمنجزات التكنولوجية، وهُم لا يملكون حيالها إخفاء الدهشة والإعجاب، وهي عندهم من أسباب التقدم الذي يتوقون إليه ويتمنون أن يروه في بلدهم. وفي نصوص الرحلة الأوروبية ذكر لما يراه الرحالة مقبوالً يتعين الأخذ به أو الاقتباس منه، مثلما أن من العادات الاجتماعية ما يعتبرونه قبيحًا ينبغي اجتنابه والتمسك في المقابل بعادات البلد الذي قدم الرحالة منه. غير أن ما يعنينا في ما نحن بصدده من نظر في السؤال النهضوي، كما قلنا سابقًا، هو ما يتعلق أساسًا بقضية العدالة القائمة «هناك» والغائبة «هنا». وإذ لا يتسع المجال لبسط كاف للفكرة التي أود إيصالها، فإنني أكتفي بإشراك القارئ في التمعن في النصين القصيرين التاليين. كان الشيخ رفاعة الطهطاوي، كما ألمحنا إلى ذلك، شاهدًا على حوادث 1830 التي صادفت إقامته في باريس إمامًا للبعثة الطلابية المصرية. وقد كان على اطّلاع بما كان يجري في الساحة، متابعًا لما تنشره الصحف اليومية (وذلك يدخل في باب «الغريب والعجيب»). يقول الطهطاوي: «فلما كانت سنة 1830، وإذا بالملك قد أظهر عدة أوامر، منها النهي عن أن يظهر الإنسان رأيه وأن يكتبه وأن يطبعه بشروط معينة، خصوصًا للكازيطات اليومية، فإنه لابد في طبعها من أن يطلع عليها من طرف الدولة (...) فصنع وحده ما لا ينفذ إالّ إذا كان صنعه ما غيره (...) فظهر بعض كازيطات الحرية أمر بعصيان الملك والخروج عن طاعته ومعددة لمساوئه وفرقت على
الناس من غير مقابل». والقصد عند الطهطاوي أن الاستبداد بالرأي وتنكّب سبيل العدالة بالتالي قد بدر من الملك، فكان سببًا للثورة عليه. وفي عبارة وجيزة يضيف رحالة مغربي زار فرنسا أربع عشرة سنة بعد التاريخ المذكور، فهو إذن يعقب على ما كتبه الطهطاوي قائالً: «وإن جار سلطانهم، فضالً عن كبير من كبرائهم، أو خرج عن القانون في أمر ما، يكتبونه في الكازيطة ويقولون إنه ظالم وليس على الحق». وأمّا النص الثاني، فأقتبسه من الرحلة التي دونّها الرحالة المغربي الآنف ذكره. يقول الصفار: «أمر لنا السلطان بسرد العساكر واستدعانا للفرجة فيها مبالغة في إكرامنا والاعتناء بنا ظاهرًا، لأنه لا يفعل ذلك إالّ لمن هو عنده في حظوة، وزيادة في تبكيتنا والتنكيت علينا باطنًا (...) مضوا (يقصد بعد انتهاء الاستعراض) وتركوا قلوبنا تشتعل نارًا لما رأينا من قوتهم وضبطهم وحزمهم وحسن ترتيبهم ووضعهم كل شيء في محله». ولحسن الترتيب ووضع الشيء في الموضع الذي جعل له نعت معلوم في الوعي الاسلامي هو العدل، وهو المعنى الذي تفيده العبارة اليونانية ويقصده أرسطو في حديثه عن الوسط العادل. وقريبًا من هذا المعنى نقرأ عند رحالة مغربي آخر زار أوروبا في ستينيات القرن التاسع عشر، فيكتب: «ويدركون المراتب عندهم بالمزايا: فمن ظهرت له مزية وهو عسكري استحق بها أن يكون مقدمًا، وإن كان مقدمًا استحق أن يكون قائد مائة (...) ولا ترى أحدًا منهم يدرك التقدم بغير المزية. ولا يخطر في خاطر أحد من الرؤساء أن يقدم أحدًا في العسكر لكونه صديقه أو قريبه». ومعنى ربط الترقية (أو التقدم، كما يقول الرحالة المغربي) بالمزية، أي الاستحقاق كما نقول في عبارتنا اليوم، هو تحقيق العدالة. وإذن يمكن القول، إجماالً، إن نوال التقدم والرفعة في عين الرحالة العربي إلى أوروبا في القرن التاسع عشر، يرتبط بشرط تحقق العدل في الأحكام والعدالة في الحياة الاجتماعية بين المواطنين ارتباط علة بمعلول. لقد كان رحّالتنا يقرأ في أوروبا ما كان يفتقده في العالم العربي، من دون أن يصرّح بذلك على النحو الذي تحمله دلالة كلماته. القصد عندنا بالكتابات التنويرية هو النصوص التي كتبها المفكرون العرب المسلمون خاصة. كان «الإصلاح» في القرن التاسع عشر شعارًا رفعه المصلحون المسلمون؛ فباسم الإصلاح كانوا يخططون لبرامج العمل، وبداعي الإصلاح، وهذا بيت القصيد عندنا، كانوا يحبّذون اقتباس ما عند الغرب من نظم سياسية من حيث إنها تعمل على تحقيق العدالة، ذلك الغائب الذي يشرح أسباب التأخر عند المسلمين وإليه يرجع التقدم عند الغرب الأوروبي. كذلك نجد من مفكري الإسلام في القرن التاسع عشر إجماعًا على انتقاد نظم الحكم القائمة في البلاد الاسلامية، والعالم العربي في جملتها بطبيعة الأمر. وغني عن البيان أن الاسم الأول الذي يستوقفنا في هذا الصدد هو المفكر السوري عبد الرحمن الكواكبي في كتابه الشهير طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، والتفسير الأول العام الذي يقدمه المفكر المسلم لسبب التأخر الذي أصبح عليه المسلمون، في مقابل التقدم الذي حققه الغرب «هو تحول نوع السياسة الإسلامية، حيث كانت نيابية اشتراكية (أي ديمقراطية) تمامًا فصارت بعد الراشدين، بسبب تمادي المحاربات الداخلية، ملَكية مقيدة بقواعد الشرع الأساسية ثم صارت أشبه بالمطلقة». وطبقًا لما يرى صاحب طبائع الاستبداد أنه معيار العقل يقول عن الاستبداد إنه «تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تبعة». معنى تصرف المستبد عند الكواكبي إذًا هو نفي حق الجماعة في إبداء الرأي ورفض مبدأ التمثيلية، وهو يربط سلوك المستبد بالجهل من جهة أولى وبالخنوع والاستكانة من جهة ثانية. إن قبول الاستبداد
أول درب الانحطاط، بل إنه سبب فقدان الأمة استقلالها ووقوعها فريسة بين يدي المستعمر، «فإذا لم تحسن أمّة سياسة نفسها أذهلّا الله لأمّة أخرى تحكمها، كما تفعل الشرائع بإقامة القيم على القاصر أو السفيه (...) وهكذا لا يظلم ربك أحدًا». والاستبداد ليس قدرًا مقدّرًا على أهل الاسلام، بل إن في الإمكان رفعه، بيد أن برنامجًا كامالً ومنسجامً ينبغي لذلك. والمفكر الإصلاحي يجعل لذلك البرنامج مبادئ ثلاثة يقوم عليها: المبدأ الأول، المؤسس للمبدأين الآخرين، قاعدة تقضي بأن «الأمّة التي لا يشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية». والمبدأ الثاني قاعدة أخلاقية كونية مفادها أن «الاستبداد لا يقاوم بالشدة، إنما يقاوم باللين والتدرج». والمبدأ الثالث يقضي بوجوب «تهيئة ماذا يستبدل به الاستبداد ». نعلم أن البرنامج الإصلاحي للشيخ محمد عبده، أحد الرموز الكبرى للفكر الاصلاحي العربي الإسلامي المعاصر، يتضمن أوالً وأساسًا التجديد الديني الذي يفيد الإصلاح في نهاية المطاف والغاية منه الرجوع بالإسلام إلى الحال الأولى التي كان عليها، حال النقاء الأصلي كما يحدده الإصلاحيون المسلمون ويجمعون عليه. والسبيل إلى الإصلاح الحق عند الشيخ المصري هو العمل على إحداث إصلاحات في النظم والمؤسسات التعليمية، وهذا من جانب أول، والقيام بمراجعات انتقادية شاملة للعادات الاجتماعية السائدة التي تبعد بالمسلمين عن «المحجة البيضاء» من جانب ثان. ولكنا نعلم كذلك أن الإصلاح السياسي، بتوسط إصلاح المؤسسة السياسية الأولى، يظل مكوّنًا أساسًا من مكوّنات البرنامج الإصلاحي عند الشيخ محمد عبده؛ ذلك أن الإصلاح على الحقيقة لا يتأتى إالّ بالإصلاح الشامل للمؤسسة السياسية، وتلك هي الإفادات التي نخرج منها من القراءة الفاحصة لمجمل ردود محمد عبده على فرح أنطون التي يضمها كتاب الإسلام والنصرانية في معركة العلم والمدنية. يمكن القول إن ما توسع فيه صاحب كتاب طبائع الاستبداد يظل حاضرًا بقوة، وإن كان مجمالً، عند معاصره وزميله في المدرسة الواحدة الشيخ محمد عبده، وذلك دليل على محورية القضية السياسية في الخطاب العربي الإسلامي المعاصر. ومدار المسألة السياسية هو، كما حاولنا تبنيّ ذلك، التشوف إلى العدالة مطلبًا وسبيالً إلى تحقيق النقلة التي يكون بموجبها الانتقال من حال التأخر (كما كان الحديث عنه في الفكر العربي في عصر النهضة) إلى حال التقدم، الحال التي جعلتهم «أقوياء» هناك وجعلتنا «ضعفاء» هنا، في العالم العربي، كما في عبارة سلامة موسى.
دولة الاستقلال دولة الاستبداد
يوم أقدم محمد البوعزيزي على إيقاد النار في جسمه، في تلك المدينة المنسية من الجنوب التونسي، كانت بضع وخمسون سنة قد مضت على استعادة تونس استقلالها، وكان الشأن كذلك بالنسبة إلى دول أفريقيا الشمالية ومعظم الدول العربية. وفي عبارة أخرى، يجوز القول إن الأطفال الذين ولدوا في العالم العربي في عهد الحرية المستعادة أصبحوا كهوالً، أبناؤهم هم الشباب الذين خرجوا في التظاهرات العارمة التي أشعلت حركة الانتفاض العربي. كان الأجداد، في أربعينيات القرن الماضي وخمسينياته يهتفون للحرية ويطالبون الاستعمار بالرحيل، ويحلمون بتشييد الدولة الوطنية، دولة الحرية والحداثة والعدالة الاجتماعية، وها هم الأحفاد يطالبون الحكام الوطنيين بالرحيل، ويندّدون بالفساد والاستبداد والظلم وغياب العدالة، بكل أصنافها، غيابًا كليًا. هي إذًا حصيلة سيئة ومؤلمة معًا، وخيبة أمل عميقة ينتهي إليها المواطن العربي بعد أزيد من نصف قرن على قيام دولة الحرية والاستقلال.
يتجلى سوء الحصيلة في مظاهر بادية للعيان وفي مرارة تستشعرها البيوت جميعها، إالّ ما كان من استثناءات قليلة، بل ربما نادرة في بعض الأحوال؛ فالتعليم الذي كان أمل المواطنين، غداة الاستقلال، في إحداث نقلة اجتماعية، كفَّ عن أن يكون «مصعدًا اجتماعيًا» (كما يقول علماء الاجتماع)، ينقل المواطن من حالة دنيا إلى مرتبة أعلى تحقق الكرامة، بما يوفره التكوين من فرص عمل ومن ارتقاء في مدارج السلّم الاجتماعي وأصبح بعيدًا من ذلك أشد ما يكون البعد؛ فمستوى التعليم، إجماالً، عرف نزوالً لا يكاد يتوقف، إذ إن المستوى المعرفي للتلميذ في الصف العاشر مثالً أصبح دون ما كان عليه تلميذ الصف الخامس قبل ثلاثة أو أربعة عقود، والجامعة، تلك التي تُعَدّ في أغلب الدول العربية من الإنجازات الكبرى في عهد الاستقلال المسترجع، أصبحت في واقع الأمر مجاالً كبيرًا لتخريج العاطلين من العمل (أو «الحيطيون» -أي الذين يستندون بظهورهم إلى الحائط طوال النهار- كناية عن الفراغ التام، كما يقول الإخوة الجزائريون)، فلست تعدم وجود خريج جامعي عاطل من العامل في أسرة من الأسر العربية. والمثير للغضب حقًا هو أن الإحصاءات التي تتعلق بالبطالة، في أغلب الدول العربية، تظهر أن النسبة ترتفع ارتفاعًا حادًا في أوساط خريجي الجامعة، وتنزل نزوالً سريعًا عند العاطلين من ذوي المستويات التعليمية المتدنية، بل عند من كانوا قد خلوا من كل تأهيل مدرسي، دع عنك المستوى العلمي الضعيف وكيفيته، وعن الإمكانات المتوافرة في التكوين والإعداد. والفساد واقع قائم، يتجلى في أكثر مظاهر الفساد سوءًا: انتشار الرشوة، فهي تكاد في عموم انتشارها تبلغ البنية القوية الأسس. ضعف السلطة القضائية وخضوعها، في أحوال كثيرة، للسلطة التنفيذية خضوعًا تامًا يغدو معه استقلالها وهمًا، ودواليبها مفككة وحركيتها بطيئة وثقيلة معًا. والإدارة، في عجزها الشديد عن الاستجابة للرغبات الأولية والبسيطة للمواطنين، وفي تفشي الرشوة في أغلبها، تعمّق الشعور بالإحباط. وانتشار اقتصاد الريع والإفادة من الزبونية والمحسوبية يضرب الاقتصاد الوطني في العمق، إذ يحول دون السير الطبيعي للتجارة وعجلة المال والاقتصاد، ويساهم في الارتفاع المتنامي للمديونية الخارجية، فضالً عن الشعور العارم بالظلم الذي يحْدثه في النفوس. أمّا حقوق الانسان، فهي على حال تعكس هذا الواقع، ومنظمات حقوق الإنسان في الوطن العربي هي بين رصد للخروق الكثيرة التي تصيب تلك الحقوق بكيفية متصلة وبين تعرض للقمع والمضايقة. وليست أحوال المجتمع السياسي بأفضل، والصورة عمومًا لا تبعث على الاستبشار ولا تذكي الأمل في النفوس؛ فهي أيضًا بين تزوير تقابل به في نتائج الانتخابات (إن وجِدت)، وانعدام واضح للديمقراطية داخل بناها، فكأن قادة الأحزاب والمقدمين فيها يعيدون إنتاج الصورة التي يقومون بانتقادها (الزبونية، التزوير، توريث السلطة، فساد التدبير...). قد تطول لائحة تعداد مظاهر الفساد وأصناف الظلم وانسداد الأفق، غير أنها تفضي في الأحوال كلها إلى الحصيلة الواحدة: خيبة الأمل في دولة الاستقلال. الحق أن السوء أبلغ من ذلك، إذ إن أنماط الممارسات التي سارت عليها الدولة العربية في المرحلة التي أعقبت استعادة الاستقلال تحمل على القول إن دولة الاستقلال انكشفت، في الواقع المعيش، عن دولة يحق القول عنها، بالأحرى، إنها دولة الاستبداد. لماذا كانت هذه الدولة كذلك، وكيف وصل بها السوء إلى الدرجة التي اندفع الشباب في حركة الانتفاض التي نتحدث عنها إلى رفع شعار «إرحل «؟ كانت الدول العربية ليلة الاستعمار تصارع للخروج من عصر الانحطاط التي ظلت عليه أزمنة متفاوتة. وكان بعض قليل من تلك الدول بصدد إدخال بعض الإصلاحات على النظم المالية والإدارية للدولة، وكذا بصدد مراجعة خجولة للتعليم مقررات ومناهج، في حين أن أغلبية الدول الأخرى (ما كان منها كيانات قديمة عريقة، وما استُحدث لاحقًا في إثر عمليات التجزئة الاستعمارية تارة، وبموجب اختيارات غداة انتهاء عهود الانتداب أو الحماية أو الاستعمار المباشر تارة أخرى) كانت قبيل الاستعمار غارقة في بنى العصور الوسطى ونُظمها. وفي
الجملة، يصحّ القول إن حلول الاستعمار بالبلاد العربية أحدث في البنى الاقتصادية والسياسية شرخًا عميقًا، وسرّع صيرورة التحديث لدواع استعمارية صرف، في حين أن النظم الاجتماعية ظلت في الغالب على ما كانت عليه في العهود الغابرة، بمعنى أن مسار التغيير سيصيب هذه البنى الأخيرة نتيجة لما حصل من خلخلة مفاجئة في النظم المالية والسياسية. وبالتالي، كانت بداية الدخول في الأزمنة الحديثة بداية عنيفة من جهة، ولم يتم الإعداد لها من جهة أخرى، وكانت مرتبطة بالاستعمار من جهة ثالثة. وفي هذا المعنى يجب الاعتراف بأن الاستعمار لم يكن سلبًا مطلقًا، بل كان سلبًا يحمل الإيجاب في جوفه من حيث إن سيرورة التحديث ارتبطت به. وقد كان حدث الاستعمار بداية للدولة الحديثة في الوطن العربي، إذ قام الاستعمار، رغامً عنه، بعملية اختزال تاريخي لمصلحة الدولة العربية الحديثة من حيث هي نظم ومؤسسات لا من حيث هي نمط سياسي وتعاقد اجتماعي بين أطراف متحالفة، ومن حيث إن التحديث تثوير وتغيير للنظم الاجتماعية السائدة ولنظام العلاقات الاجتماعية القائمة. فالدولة العربية دولة حديثة في مظاهرها الخارجية (البيروقراطية، والإدارة العقلانية، والمؤسسة العسكرية القارة، واحتكار العنف وبسط النفوذ على الرقعة الترابية المعروفة حدودها بدقة... إلخ.)، لكنها تنتمي إلى العصور الوسطى والأزمنة ما قبل الحديثة في العلاقات التي تقيمها مع أبناء البلد، فهُم رعايا لا مواطنون، وبالتالي لم يبلغوا بعدُ سن الرشد بل لعلهم لن يبلغوه قطّ. يمكن القول في كلمة جامعة إن دولة الاستقلال كانت تحمل إرثين اثنين تحتفظ بأسوأ ما فيهما معًا: إرث الدولة الاستعمارية، وإرث الدولة العربية قبل-الاستعمارية. وقد ظلت الدولة العربية تعمل بموجب هذه الازدواجية: حداثة في الظاهر، ونمط فكر وذهنية سياسية ينتميان إلى العهود السابقة على الاستعمار في الباطن. وأحسب أن إدراك هذه الطبيعة مفتاح لفهم دولة الاستقلال في الوطن العربي، على نحو ما نحاول الاقتراب من طبيعة هذه الدولة في الفقرات الموالية. رفعت الدولة العربية غداة الاستقلال شعار بناء الدولة الوطنية: بناء الاقتصاد الوطني، تعميم التعليم وإجباريته، توفير أسباب الرعاية الصحية والاجتماعية، وحماية البلاد، وبناء المؤسسات السياسية وحمايتها. وينبغي أن نأخذ في الحسبان، قبل متابعة التحليل، جملة معطيات. أولا، إن البلدان العربية، غداة استعادة الاستقلال (وقد كان في الأغلب استقلالا مشوَّهًا وناقصًا)، وجدت نفسها أطرافًا غير مباشرة في الحرب الباردة بالنظر إلى الاختيارات السياسية التي أقبلت عليها، وبالتالي انتمائها الضمني إلى أحد المعسكرين المتصارعين. لذلك، كان الوضع وضع تبعية أيديولوجية. ثانيًا، كانت البلدان العربية في وضع الدولة التي تغريّ نظامها بموجب انقلاب عسكري تارة، وفي حال الدولة التي تعيش تحت وطأة الخوف من الانقلاب العسكري تارة أخرى. وكانت الدولة ثالثًا تعيش أحوال الاضطراب الاقتصادي والتحدي القائم في الهوة السحيقة التي تفصل بين مستلزمات بناء الدولة الحديثة (حيث الجيش، وأسلاك الشرطة المتنوعة، والإدارة المتضخمة باستمرار تقتطع من الميزانيات أنصبة عظمى)، ومقتضيات التعليم، والصحة، وتشييد التجهيزات الاقتصادية الأساسية... وهذه تستدعي أمواالً وتجهيزات، فهي تصرف النظر عنها أو تقلل من شأنها، دعك من الفساد في التسيير. فماذا بعد هذا عن الممارسات الفعلية التي أقدمت عليها الدولة العربية في ما كان متصالً بالحريات، ومراعاة حقوق الإنسان، والمشاركة السياسية، والكرامة التي كان الكفاح الوطني ضد الاستعمار من أجلها؟ وفي كلمة جامعة، تبقينا في دائرة ما نحن بصدده من حديث: ماذا عن العدالة؟ ماذا عن الديمقراطية؟ إذا استثنينا المغرب والأردن ودول الخليج العربي الست، فنحن نجد أن الدولة العربية، غداة الاستقلال، كانت على العموم دولة الانقلاب العسكري من جهة أولى، وتبني نظام الحزب الواحد أو إلغاء الحزبية جملة وتفصيلا
من جهة ثانية، وهي في أغلبها دولة ترفع شعار القومية العربية وما اتصل بالشعار من شعارات الاشتراكية والحرية والعدالة الاجتماعية. وحيث كان كذلك، فنحن نقترح الوقوف عند نصيّن قصيرين ودالّين معًا. نقتطف هذه الجمل من «مشروع الميثاق» كما صاغه الرئيس جمال عبد الناصر: «إن الحرية السياسية، أي الديمقراطية، ليست هي نقل واجهات دستورية شكلية... إن واجهة الديمقراطية المزيفة لم تكن تمثّل إلاّ ديمقراطية الرجعية، والرجعية ليست على استعداد لأن تقطع صلتها بالاستعمار أو توقف تعاونها معه... إن ذلك كله يمزق القناع عن الواجهة المزيفة ويفضح الخديعة الكبرى في ديمقراطية الرجعية ويؤكد عن يقين أنه لا معنى للديمقراطية السياسية من غير الديمقراطية الاقتصادية أو الحرية في صورتها الاجتماعية». غير أن هذه «الديمقراطية الاجتماعية» سرعان ما تغدو في الخطاب القومي العربي بديالً من الديمقراطية، وإن الأمر ليغدو مقايضة بين «ورقة الانتخاب» و«رغيف الخبز»، بين «الحرية في صورتها السياسية» (=هي المقصودة بديمقراطية الرجعية في الخطاب الناصري، ذاك الذي يفيد زوال الأحزاب السياسية ويدين الحزبية «ربيب الرجعية»... إلخ.) وبين المهمات المستعجلة وهي الوحدة والاشتراكية ومقاومة الرجعية. بعبارة أخرى، إن الديمقراطية تصبح قضية تقبل الإرجاء دومًا، ومن ثم تتحول -برمّتها- إلى قضية ثانوية، هامشية، بل ربما إلى مطلب يناوئ القضايا الجوهرية التي تنتظر الأمة حلوالً لها. ذلك ما يعربّ عنه، في النص الثاني الذي نقترح الوقف عنده، أحد المفكرين القوميين النابهين: «حرية التعبير والتفكير التي ينبغي أن تتاح ضمن المجتمع العربي السائر في طريق الديمقراطية الصحيحة هي الحرية التي لا تتعدى الأهداف الأساسية للديمقراطية ولا تتناقض مع المبادئ الكبرى للحياة القومية (...) ما دامت الحرية أصالً، وما دام الوجود العربي وجودًا قوامه وحدة أجزائه والعمل لتحقيق التضامن والوحدة بين هذه الأجزاء، فمن الطبيعي أن تكون الحرية المباحة حرية لا تناقض العمل للهدف الاجتماعي الاشتراكي وللهدف القومي العربي. ومعنى هذا بوضوح أن حدود الحرية في مجتمعنا العربي ينبغي أن تكون حدود الدعوة القومية العربية». إذًا، نحن أمام أيديولوجيا تنظر إلى الاستبداد الكامل، فهي تمدّه بجميع المبررات الضرورية. غير أن المشكل هو أن دولة القومية العربية ستراكم الخيبة تلو الأخرى، وستستجمع أنواع الفشل كلها: في تحقيق الوحدة العربية، وتحرير فلسطين، وتأمين رغيف العيش، وفي تحقيق العدالة الاجتماعية والديمقراطية الاقتصادية. ستصبح الدولة القومية العربية دولة الاستبداد بلا مقابل. على أن الدولة العربية في البلاد الأخرى ليست أكثر بهاء وإشراقًا، وإن تكن أقل قتامة، وهامش الحرية فيها أوسع؛ ذلك أن مبررات الخوف من «المؤامرة» التي يحيكها المعسكر الشيوعي تارة، والولايات المتحدة الأمريكية ذاتها بتوسط الجيش تارة أخرى، أو التقاء قد يحدث بين الجيش وأيديولوجية القومية العربية طورًا، تدفع جميعها في اتجاه تبرير الاستبداد بصور مغايرة في الظاهر ومتشابهة في الباطن. ما نريد أن ننتهي إليه هو أن الدولة العربية لم تكن بعد نيل الاستقلال دولة الاستبداد فقط، ولم تكن الديمقراطية فيها في حال المعاناة والضيق الشديدين فحسب، بل إنها كانت أيضًا دولة العجز عن تأمين فرص الشغل والتعليم الناجع، وعن محاربة الفساد، وبالتالي إرساء الأسس السليمة للدولة الحديثة. يمكن القول إن حركة الانتفاض العربي نتاج طبيعي، منطقي، لدولة ظلت تحمل بذرة الفساد في جوفها؛ دولة فشلت في تحقيق مطلب العدالة، ذاك الذي جعل منه الفكر العربي في عصر النهضة عامالً أساسًا يفسر أسباب التقدم والقوة «هناك»، ويشرح غيابه دواعي التأخر والضعف «هنا». فهل يمكن القول إذًا إن في حركة الانتفاض العربي ما يحمل على القول بأن في هذه الحركة انتسابًا إلى فكر النهضة العربية، أو فيها على الأقل ما يشي بمقدم نهضة عربية ثانية؟
خاتمة
بلغ الفساد في دولة الاستبداد (= دولة الاستقلال) درجة يبدو فيها أن تلك الدولة أصبحت قابلة للتفكك والزوال، وجاءت حركة الانتفاض العربي لتعلن حلول اللحظة الحاسمة. وبلغ الوعي بالفساد والشعور بالظلم درجة النضج التي انتقل فيها الوعي إلى الفعل الجماعي، وتم فيها اختصار المطالب كلها في مطلب أسمى يعربّ عنها، أو قل إن المطالب اتجهت نحو الاجتماع والتكاثف في حقل واحد ينظمها، هو مطلب العدالة، وأتى الوعي في الصورة التي تعكس الواقع في تشابكه وتعقده، بل وفي غرابته من بعض الوجوه. جاءت الحركة خارج العمل الحزبي المنظم، لأن الأحزاب كانت، إجماالً، على النحو الذي أشرنا إليه في القسم السابق (الضعف، غياب الديمقراطية الداخلية، عجز القيادات الموجودة) ومن ثم كانت الحركة عفوية، وكان في العفوية ضعفها وقوتها معًا. وقد أفادت الحركة من الثورة التكنولوجية في ميدان التواصل ومن شبكات التواصل الاجتماعي. ومن المفيد أن نتحدث في هذا الصدد عن مكر التاريخ: ذلك أن الانتشار السريع للشبكة العنكبوتية في العالم العربي كان، أساسًا، من أجل خدمة المال والأعمال، ومن مستلزمات الحداثة الضرورية لاقتصاد الدولة الحديثة، مثلما كان ضروريًا للخدمات الأمنية، غير أنه تحوّل إلى أداة كان لها من الدور ما نعلم في حركة الانتفاض العربي في جميع البلدان التي عرفت الانتفاض. ومن المظاهر القوية التي كانت الحركة تعكس فيها الواقع القائم هو الحضور القوي (والمفاجئ، كما في حالة مصر تحديدًا) لتيارات الإسلام السياسي واحتلال مراكز القيادة أوالً، ثم الانتقال السريع، ثانيًا، إلى تحقيق المكاسب الانتخابية. أمّا الغرابة التي يتحدث عنها بعضهم والدهشة التي ينظر بها إلى ما وقع هما ما كان من تصوير حركة الانتفاض على النحو التالي: نشأت الحركة ونمت بسرعة غريبة في العالم الافتراضي، ودولة الاستبداد في غفلة عن ذلك، وقام بالحركة شباب كان الاعتقاد السائد من جانب من هم أقل منهم شبابًا أنهم لاهون ومنصرفون كليًّا عن السياسة وعن الانشغال بها، واستطاع دهاة «الاسلام السياسي» أن يجنوا من الحركة المكاسب العظمى (بل إن التعبيرين اللذين كثر انتشارهما في أوساط عديدة هما: سرقة الثورة وتهريب الثورة). فهل يمكن القول إن حركة الانتفاض العربي، بكل هذا الزخم الذي تحمله وبالتناقضات التي تشتمل عليها، ومن حيث الوعي الذي تحمله، إعلان وتبشير بالنهضة العربية الثانية، التي أكثر بعض المثقفين العرب من التحدث عنها في السنوات الماضية؟ لا شك أن في حركة الانتفاض العربي ما يشي بحدوث نقلة نوعية في الوجود العربي؛ شيء ما أشبه بالجدار السميك قد تهاوى، وفي الوجود العربي الراهن ما يحمل على القول إن هناك ما قبل الانتفاضات العربية وما بعدها، فما حدث هو بالفعل علامة فارقة. لا غرو كذلك أن وعيًا قد حصل بالتغيير، وكما هو الشأن في التحولات الكبرى، فإن احتمالات شتّى تظل قائمة، وهذا الانتصار الظاهر لبعض تيارات الإسلام السياسي والوصول إلى السلطة التنفيذية وامتلاكها نوعًا من الامتلاك ليس لانهائيًا ولا كليًا، وربما أصبح الإسلام السياسي في موقف يجعله أمام ضرورة القيام بمراجعات شاملة، أمام نقد ذاتي ضروري، فقد تدور العجلة في حركة عكسية في السلوك الانتخابي، على نحو ما جرى في مصر، خاصة أن الكثير من التصويت العقابي والنتائج المحصل عليها لا تعني البتة انتصارًا، وفي الأفق نذر كثيرة، والمرحلة لا تزال حبلى بالغريب والمدهش، والتحديات أمام تيارات الفكر السياسي عظمى واحتمالات الفشل والنكسة واردة، بل هي تفوق مرتبة الاحتمال. ستكمل حركة الانتفاض، بعد أسابيع قليلة، سنتها الثالثة، ولا يزال الداء الذي نرى أنها تشكو منه قائامً، داء العفوية وغياب الوضوح النظري. وفي عبارة قصيرة جامعة، نقول إن ضعف حركة الانتفاض العربي يقوم في غياب العماد الثقافي الذي يسندها، وحيث يكون الأمر كذلك فإن خطر الانتكاسة يظل قائامً. الآن، وفيما حركة الانتفاض العربي تشكّل وعيًا بالتغيير الذي أخذ يسلك طريقه في الوجود وفي الوعي العربيين، فإنها بحاجة إلى مجاوزة الوعي الحاصل. نعم، ربما جاز الحديث عن بواكير نهضة عربية ثانية، لكن الشرط الأول في النهضة هو الفكر الذي يكون بمكانة البوصلة التي تدل على الطريق، وهذه قضية أخرى.