العودة إلى تفاصيل المؤلَّف العدالة في وضع استثنائي:ملاحظات في مآزقها الدُّوَليّة

العدالة في وضع استثنائي:ملاحظات في مآزقها الدُّوَليّة

Justice in a State of Exception: A Commentary on Justice and its Failures

عبد العزيز لبيب

Abdelaziz Labib

الملخّص

ينطلق هذا البحث من حالتين استثنائيتين بارزتين، هما معتقل غوانتانامو وقضية فلسطين، ليستكشف ما يعتري عالم العولمة الحالي من إحراجات على صعيد العدالة وإحقاق الحقّ. وما يكشفه من ذلك كلّه –كما من مراجعة أدبيات الاستثناء على مرّ تاريخ الأفكار ومن العودة إلى تاريخ الرأسمالية بعد مرحلتها الإمبريالية وصولا إلى بنيتها الجديدة اليوم- هو أنّ العالم الحالي الواحد من عدّة أوجه قد أوغلت فيه الاستثناءات على نحو صار معه الاستثناء يجري مجرى القاعدة، وصار يُقال إنّ العالم كلّه محكوم بالاستثناء الذي مهما ظهر بمظهر المؤقَّت، فهو ضرب من الاستراتيجيا البعيدة المدى وضرب من التقنين والتشريع الذي تعمّ آثاره المكان وتدوم في الزمان

Abstract

In order to examine the inconsistencies of justice witnessed in our globalized world, this study begins with two famous “cases of exception” to international justice—Guantanamo Bay’s detention center and the question of Palestine. A review of the literature on “states of exception” throughout the history of ideas, and an investigation of the history of capitalism since the emergence of imperialism reveals that today’s world, which has become globalized and unified in many respects, has seen so many exceptions that the “exception” has become as effective as the “rule”. The entire world is now ruled by exceptions that present themselves as “temporary,” which is a long-term strategy that aims to gradually change laws and create lasting effects. This study argues that discourse on “the state of exception” in the field of justice imposes exceptions on language and rhetoric, ultimately causing even the division papers into a specific structure, such as using paragraphs to separate ideas. Such a structure stems from the belief that narration is more likely than causal arguments to expose the failures and “embarrassments” of justice and the existing “juridical gaps” even though argumentation is the most fitting method to approach other questions of rights and politics.

الكلمات المفتاحية:
  • العدالة ، التشريع ، فلسطين ، الرأسمالية ، الإستراتيجيا.
Keywords:
  • State of Exception
  • Justice
  • the inconsistencies of justice

ينطلق هذا البحث من حالتين استثنائيتين بارزتين، هما معتقل غوانتانامو وقضية فلسطين،

ليستكشف ما يعتري عالم العولمة الحالي من إحراجات على صعيد العدالة وإحقاق الحقّ. وما

يكشفه من ذلك كلّه – كما من مراجعة أدبيات الاستثناء على مرّ تاريخ الأفكار ومن العودة إلى تاريخ

الرأسمالية بعد مرحلتها الإمبريالية وصوالً إلى بنيتها الجديدة اليوم - هو أنّ العالم الحالي الواحد من

عدّة أوجه قد أوغلت فيه الاستثناءات على نحو صار معه الاستثناء يجري مجرى القاعدة، وصار

يُقال إنّ العالم كلّه محكوم بالاستثناء الذي مهما ظهر بمظهر المؤقَّت، فهو ضرب من الاستراتيجيا

البعيدة المدى وضرب من التق ين والتشريع الذي تعمّ آثاره المكان وتدوم في الزمان. واللافت، على مستوى المبنى والصَّوغ، أنّ هذا البحث ينتبه إلى أنَّ الخطاب في ما يُعَدُّ «حالةً

استثنائية» في حقل ممارسات العدالة إنما يفرض استثناءً في حقل البيان والبلاغة، وهو ما جعل

البحث يأتي في هيئة مقاطع وشّذَرات، الأمر الذي يجعل قدرتها على بيان مآزق العدالة أو

«إحراجاتها» والتنبيه إلى «الفراغات الحقوقية» وتشخيصها بالسرد أجدى من مجرد الاستدلال

عليها بمقتضى التسلسل السببي، على الرغم من أن الاستدلال يظل أولْى وأصوب في سائر

مسائلِ الحقّ والسياسة.

« حريّ بالمرء أحيانًا أن ينُصَّ على الأمور العبثية؛ ولكن ينبغي أن يكون ذلك بلين

وبالمرور مرور الكرام، وأن يكون ذلك بالنسبة إلى تاريخ الفكر الإنساني فقط،

وهو الذي ينكشف لنا انكشافًا يكون أفضل في شواذَّ فريدةٍ معيّنةٍ منه في أكثر

الأعمال معقوليةً. وإن نسبة هذه الشواذّ عند دارس الأخلاق كنسبة تشريح المسْخ

عند مؤرخ الطبيعة: فهي تفيده أكثر ممَِّا تفيده دراسةُ مائةَ فرد بعضُهم يشبه بعضًا»

ديدرو، مقالة «إنسيكلوبيديا»، الإنسيكلوبيديا، 1771-1752

استهلال: سرديّة الاستثناء

-1 هناك جزيرة من جزر بحر الكاريبي يُقال إن أهْلها البسطاء لم يعرفوا سابقًا لا لفظَ العولمة ولا

معناها، بل كانت الجزيرةُ كل ها، وكانت خلجانهُا البهيّة عالمَهم وكان العالمُأجمعُ مكانًا يتسع لهم

ولسائر الناس. هذا ما كانوا يدرونه أو يظنونه فكانوا يتغنّون به. وكان من بينهم شخصٌ يُدْعى خوسيه

(جوزي) مارتي (1895-1835)، الذي حال ضنَكُ عيشِ أسرته دونه ودون تعليمه. ولكنه تعلم، ثم صار

فيلسوفًا وحقوقيًا وصحافيًا وشاعرًا وبطالً يقود مقاومة بلاده ضد الاستعمار فنُفي إلى إسبانيا؛ وفي منفاه تحصّل

على الإجازة في الفلسفة. ثم عُفِيَ عنه فترحل كثيرًا إلى أن عاد إلى الجزيرة فعاد إلى المقاومة ومات في ساحة

المعركة، وقد ترك قرابة الثلاثين مجلدًا. ومما تقوله أشعارُه وقد لمح على شاطئ غوانتانامو فتاةً ريفيةً حسناء تمر

قبالته لا مُبالية:

أنا إنسان مخْلصٌ من حيثُ ينْمُو النّخيل

قبل أن أموت، أريد أن أسكبَ أبياتًا غوانتاناميرا، غواخيرا، غوانتاناميرا [...] من هذا القصيد الأول الذي قيل إن جوزي مارتي استلهمه من أهازيج أندلوثيا (الأندلس) اقتبس الفنان جوزيتو

فارنانداز، في سنة 1928، غنائيةً، وسَمها ب أبيات بسيطة، تترنم بالحرية وبجمال خليج غوانتانامو؛ ثم صرّفها

الشعراء والمغنّون أو نسجوا عليها روايات متنوعة حتُ ىصَ بالعشرات، فصار أهلُ الجزيرة ثم الفنانون الكبار

والناس في العالم كله يرددونها بلا كلل، وهي الشهيرة بأغنية «غواخيرا غوانتاناميرا» («ريفية» غوانتانامو). فما

بالك أيضا أنَّ ذلك الخليج الهادئ الجميل كان ملجأ عزيزًا للحرية يأوي إليه من أراد حمايةَ نفسه من الاضطهاد

والظلم والعنف، مثلما فعل الهايتيون منذ قرون وحتى وقتنا هذا. ولكن حدث أنّ «جارًا» قويًّا تسوَّغ على وجه الإيجار ولمدة لا محدودة موضِعًا صغيرًا من مالكه؛ موضعًا كأنه

نقطة لا سُمْك لها على خارطة تلك الجزيرة وذلك الخليج؛ وحصل التسويغُ في شروط قاهرة منذ ما يزيد على

القرن بقليل؛ ومعناه أن مستثمره والمنتفع الحالي منه ليس هو ذاته مالكه الحقيقي ولا صاحب السيادة الدائمة

عليه. ولقد شاء «عقل التاريخ» الماكر أنْ تُفَرِّق بين المؤجِّر والمستأجر علاقةُ العدو بالعدو حتى خشيت البشريّةُ،

في زمن الحرب الباردة وأزمة خليج الخنازير، أن تؤدي الأزمةُ إلى كارثة نووية. في مثل هذا الموضع الذي صار

غريبًا وغامض الهوية حتى بان على هيئة أرضه التوحش واستغرقته العزلة والوحشة، وكأننا به صار معلقًا ما

بين الأرض والسماء، يُقام ضربٌ لا نمطيّ من العدالة هو أيضا كأننا به معلق بين الاثنين فلا هو بالسماوي

المطلق فيؤجَّل أمرُه إلى يوم الحساب، ولا هو بالدنيوي النسبي فيَجري مجرى العدالة الإنسانية. لا هذا ولا ذاك:

لا أخلاق السماء ولا سياسة الأرض. وإنما في محتشد قائم في ذلك الخليج وعلى مقربة من قاعدة بحرية لقوة

إمبراطورية عظمى قائمة بالخليج، حتُ شَدُ مئات من الذوات البشرية المميزة ب«طبائع» مخصوصة كالهيئة واللسان

والمعتقد. المحتشدُ هو إذًا سجنٌ لمعتقلين غير أميركيين يُشتبه فيهم بارتكاب جريمة الإرهاب الدولي، وهو أيضًا

مكان محكمة استثنائية لمقاضاتهم. وهكذا، وتحت عناوين متنوعة، لكنها متقاربة المعنى والمقصد، ك«العدو

1 المقصود كوبا كما سيتضح من السرد.

المقاتل» و«الإرهاب الدولي» أو الانتماء إلى «محور الشر»، يُدخَل المتهمُ معتقلَ غوانتانامو، مذنبًا كان أو بريئًا.

فالصفة الجنائية لا تُلحَقُ بذاتية المتهم، أو بهويته كما يقال، إلحاقًا يحصل من خارجها، أي من فعل من الممكن أن

يفعله هو أو يفعله غيره، وإنما هي متضمَّنة في المعنى الشامل الذي لا ينعت فردًا بعينه أو فئة محدودة بعينها، بل

يميّز ويَعمُّ مجموعةً بشرية أكبر وعرقًا برمّته وديانة بأكملها: تكون الصفة هنا، إذن، من ذات الموصوف أو من

هويته. على هذا النحو يعمل منطق الإقصاء العام؛ فلو أنّه سِيقَ إلى حدوده القصوى وطُبِّق على الحالة الماثلة

أمامنا لكان على محتشد غوانتانامو أن يتسع لمئات الملايين من البشر وأن يشملهم جميعًا. ومن ثمة تصبح الصفةُ

تسميةً جامعة مانعة عوضًا عن التسمية الجارية؛ ويتبادل الحدّان، الجوهر والصفة، وظيفتيهما، وتنقلب الصفة

إلى جوهر: الإرهابي [هو] عربي أو مسلم، فيحصل أن ينفصل الموصوف [الإرهابي] عن الصفة [عربي/مسلم]

ويستقل، ويَستغني عنها؛ ومع ذلك يظل متضمنًا إيّاها ودالاًّ عليها. فكلمة «إرهابي» كافية للدلالة على الغائب.

أمّا إذا عرَض عارضٌ فكان أنّ المتهم بالجناية لا تنطبق عليه التسمية الجامعة المانعة، وهي «إرهابي [عربي]» أو

«إرهابي [إسلامي]»، أو قُلْ «الإرهابي» بإطلاق، عاد الربط بين الصفة والموصوف بالتصريح لا بالإضمار؛ وأكثر

من ذلك مالت العبارة المنطوقة إلى التدقيق مع الإبقاء على التمييز كأنْ يقال، مثالً، «من بين الإرهابيين المعتقلين

يوجد شخص من جنسية فرنسية»: يؤدي، هنا، لفظ «جنسية» وظيفة الفصل الدلالي بين الإرهاب والهوية

الشاملة (الفرنسيون). ليس للإرهابي، في هذه الحالة، من الهوية الفرنسية سوى الوضع القانوني (الجنسية)، إذْ

تُستثنَى منه سائرُ العناصر، كالمنشأ، واللسان «الأصيل»، والذهنية، والثقافة عامة، والديانة، بل حتى الأرض

والدم في نظر بعض الأيديولوجيات، أو يُسترتَ عنها. وهو ما يفيد أيضًا بأن الفرنسيين ليسوا إرهابيين بالذات، أو

بالتعريف؛ وهذا حُكْم صادق ومعقول، غير أنّ العبارة تتضمن شرطًا مستترًا ومسكوتًا عنه يستثني من الحكم

جماعات أخرى أو قُل «هويات» أخرى كالعرب والمسلمين اليوم. وقبل الإسلامي كان الشيوعي أو البلشفي

القابض على السكين بفكَّيْه هو الإرهابي وهو الشر الأعظم؛ ثم جاء دور اليهودي؛ ثم المقاوم الفرنسي ضد

النازية؛ وقُبَيْل المقاوم الفرنسي ومن بعده بالخصوص كان المقاوم الفلسطيني والجزائري والجنوب الأفريقي.

والسرد يطول. -2 أوصاف الخليج، وأوصاف محتشد غوانتانامو، كما نقلتها قلةٌ قليلة من الحقوقيين والمحامين الجريئين الذي

زاروه أو مروا به، تنعته ب «الضدّ يوتوبيا» anti-utopia() أو «الديستوبيا » dystopia(). ويجوز هنا أن نضيف

وصفًا ثالثًا نافِيًا سالبًا يَصِف المحتشدَ ب»اليوكرونيا» (لا -زمانية، أو التاريخ البديل، uchronia)؟ من هنا

يُفهم ملَِوكيف أنّ القضاء المدني الأميركي، وفي مقدمته الحقوقيون البارزون، أخذه الارتباك وحتى الحيرة من

الوضع العدلْي لشروط الاعتقال والمقاضاة: باسم أيّ قانون مسنون وبمقتضى أي ميزان للعدالة يُقاىضَ معتقلو

غوانتانامو، بصرف النظر عاَمّ نوى الفردُ الواحدُ منهم، أو دبّر، أو فعل، أو لم ينو، ولم يدبّر، ولم يفعل؟ والداعي

إلى الحيرة هو، تحديدًا، وضع «اللاّ-مكان» الذي هو، على الصعيد الحقوقي والتشريعي المحض، «مكان»

المحاكمة؛ وبديهي أنْ لا قضاء عادالً ومعقوالً بلا هوية مكانيّة واضحة، وهي التي من علاماتها الرئيسة أن

2 عندما دخلت الليبرالية الرأسمالية أوج أزمتها في عصر الثورات خلال الثلث الأول من القرن العشرين، واستعر هوَسُها من الثورة،

انقلبت إلى فاشية؛ فبلغ تمييزها السياسي والأيديولوجي بين «الصديق والعدو» درجة حادة يعبر عنها المشهد التالي من فيلم Novecento

(1900)» للمخرج الإيطالي برتولوتشي: [يتكلم مناضل فاشي يمثله الممثل روبرتو دينيرو فيقول مخاطبا جمهرة من حزبه] «إذا بان لكم

أن قطًا قد أصيب بعدوى الشيوعية فلا تظنوه قطًا بل قولوا إنه شيوعي»، ثم أخذ أمامهم قطًا وشده إلى حائط وجرشه برأسه جرشة

واحدة فمات لحينه موتة بشعة. حينئذ تجيشت الغرائز والخيالات، المخاوف والآمال، وذهبت الجمهرة إلى القتل وحرق دور الشعب بمن

يأوي إليها من مدرسين وكهول يتعلمون الكتابة والقراءة ويتدربون على المواطنة. يدوم الفيلم 320 دقيقة، وهو على جزأين، وشاهدناه

في سنة صدوره.)1976(

يكون مكانُ المحاكمة تابعًا لتشريعات البلد الذي يُقاضي المتهمين، أو في بلد أجنبيّ له من القواعد والإجراءات

ما يجيز اعتقال الغير ومقاضاته من قِبَل بلد أجنبي. لكن الاعتقال والمحاكمة في محتشد غوانتانامو هما من قبيل

مُقاضاة الغير من قِبَلِ غيرٍ، وتحت «سيادة»، أكانت حقيقية أم وهمية، لغير ثالث. وإنها لَقضية لا هي في داخل

الولايات المتحدة الأميركية، ولا هي في خارجها. فجرَت شروطُ الاعتقال وتقنياته، وجرت شروط المحاكمات

وتقنياتها بتسويغات استثنائية قصوى لا سابق لها، على ما نعلم. -3 كانت العصور ما قبل الرأسمالية، والمنعوتة ب«المظلِمة»، تظن أن الأنفس، وهي في دنياها، ليس ممكنًا أن

تبلغها المحاسبةُ ولا المراقبة والمعاقبة، بحكم استعصاء الضمير على ولوج محاكم التفتيش إليه، اللهم أن يعترف

الضمير بنفسه. يتبع ذلك أن جسد المتهم هو ما كان يمكن تملكه وتعذيبه لا رغبةً في التعذيب، وإنما لبلوغ

الضمير وإكراهه على الاعتراف. ثم إنه، مع الرأسمالية و«أنوارها»، صارت الأنفس مَكْمَنًا ومرْمى مباشريْن

للمراقبة والترويض والمعاقبة، فتحرر الجسدُ، ولو نسبيًا، من ضروب التعذيب بمقدار ما يقتضيه الشرط

الرأسمالي العام. كان هذا قبل أن يُكتشَف اللاّوعي. غير أن معتقل غوانتانامو جمع بين رضَْ يبَْ التّملّك والعنف

الجسَدِيّ منهما والنفساينِّ، بينما نَصْبُ الحريةِ النيويوركيُّ الشاهقُ يُطلُّ عليه من بعيد. فكانَ أنّ «الضمير الإنساني

الكوني» أصابته الصدمةُ، وأصابه الذهولُ والعجزُ. وذلك هو فعل من أفعال العولمة، لا من حيث ما هي

بالذات، وإنما لانقيادها السياسي للأمر الإمبراطوري الجديد imperium romanum(). -4 وهذا ما قد يجوّز لكتابة هذه المقالة بأن تأتي في شكل ملاحظات ومقاطع أو، إن شئنا، شذَرات، وذلك لأنّ

الخطاب في ما يُعَدُّ حالةً استثنائية في حقل ممارسات العدالة يأتي، مِثاْلً بمثل، مصحوبًا بالاستثناء في حقل البيان

والبلاغة. فرُبّ كُسور وتشَظِّيات في العدالة تعربّ عنها الكتابةُ بأسلوب المقاطع والشّذَرات فتكون قدرتها على

التنبيه إلى «الفراغات الحقوقية» وعلى تشخيصها بالسرد أجدى من مجرد الاستدلال عليها بمقتضى التسلسل

السببي، على الرغم من أن الاستدلال يظل أولْى وأصوب في سائر مسائل الحقّ والسياسة. والقصد من هذه

الطريقة بيانُ مآزق العدالة أو «إحراجاتها» كما يقول الفلاسفة.

في الاستثناء وفي بعض أحواله

-5 [في الحالة الأولى]: أربكت المسائلُ القانونية، والفقهية القانونية، المتصلة بمكافحة الولايات المتحدة الأميركية

للإرهاب الدولي، ومنها ما يتصل بالوضع الخصوصي الذي لمحتشد غوانتانامو، النظامَ التشريعي والعدلي

الأميركي ومعه النظام القانوني الدولي. لقد نصبت أمامهما الإحراج تلو الآخر؛ وليس مردّ ذلك إلى نزعة تتلاعب

3 قد توحي الفكرة بإحالة إلى ميشال فوكو، و إلى مؤلفه المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن؛ والأمر ليس كذلك إلاّ مصادفةً. وعلى أيّ حال،

لم يكن «الفضاء» الثقافي الذي تتنزل فيه دراستنا هذه من انشغالات فوكو المنحصرة في داخل «الثقافة الغربية» كما كان ينصّ بنفسه على

ذلك مرارًا. الفكرة أتتنا مباشرة من لابييه دو مابلي (Abbé de Mably › l) الذي انشغلنا به في أطروحتنا (1983) والذي استشهد به

فوكو في كتابه المذكور. وستكون لهذا البحث، في ختامه، عودة إلى مابلي وهو القائل في مؤلفه في التشريع أو مبادئ القانون (1776): «إن

العقاب، إذا أمكنني الكلام على هذا النحو، ينزل، على الأحرى، بالنفس لا بالجسد». انظر: Oeuvres complètes Gabriel de Mably,

de l’abbé de Mably, collections spéciales, 15 vols, nouvelle édition imprimée sur ses manuscrits autographes, et augmentée de ses oeuvres posthumes en 3 volumes (Paris: Guillaume et Cie, libraire, 1821), vol. 9: De la législation, et des principes des lois.

4 راجع الفصل الخامس الموسوم ب«تدبير العالم وتدبره: بين الإمبراطورية وجموعها» من الكتاب القيّم: صالح مصباح، مباحث في

التنوير موجودا ومنشودا: «تجرأ على استعمال عقلك» (بيروت: جداول، 2011)، ص -196 229. ونشكر، بالمناسبة، صديقنا صالح

مصباح على قراءته نصنا هذا قبل نشره وعلى ما أدلاه لنا من ملاحظات وجيهة.

بهما أو تُعَلِّق العمل بهما بعنوان الطوارئ، أو تؤولهما لمصلحتها لرجحان موازين القوى الدولية لها فحسب، بل

لأنها طامحة إلى بدء وضع قانوني جديد. إن طبيعة الرأسمالية بعد «المرحلة الإمبريالية»، والأزمات/الثورات التي

خلخلت وجددت رأس المال وسيروراته المحلية والعالمية وأعادت تقسيم العمل على الصعيد المحلي والعالمي،

وبدّلت هيئة قوة العمل بأن همشت نسبيًا ما كان ينعته الاقتصاد السياسي التقليدي بالعمل المنتج، وألحقت

أشكالَ رأس المال التقليدية برأس المال المالي والمُضاربي الجديد المعضود بتكنولوجيات الاتصال وشبكاته

الافتراضية الأكثر امتدادًا وتشعبًا وتسارعًا وحينيّة ودقة، فتغيرت بسبب ذلك دورة رأس المال واستحدثت فيه

توزيعات جديدة للربح والخسارة، وقواعد جديدة في الشرعي واللاشرعي؛ والتحولات العميقة التي بدّلت

طبائع السلع، وجرّت إلى دائرة التسليع والتبادل حتّى المعارفَ وآداب الحياة (الإثيقا) والأذواق، ومحت، ولو

نسبيًا، الحدود بين الخصوصي والعمومي، بين الفردي والاجتماعي، على نحو لا سابق له، ومسخت، أكثر من

أي وقت مضى، حاجات البشر الطبيعية متعًا استهلاكيةً اصطناعيةً وشبهَ استطيقية، واستوعبت زمانَ التاريخ

في المكان والجغرافيا فمسّت مسًّا شديدًا قِوامَ الثقافة والسياسة وأعادت تعريف الهيئات والأجسام الاجتماعية

والتنظيمات السياسية بدءًا بالدولة والسيادة القومية وانتهاء إلى الأحزاب والنقابات؛ إنّ كلّ ذلك شكل بنية

دينامية بدلت وجه المعمورة على الجملة، وكأنَّ العالم قد خُلِق خلقًا جديدًا، كما كان يمكن لابن خلدون أن يقول

لو كان بيننا. وهكذا يمكن المرء أن يرى، من زاوية محددة وبنسبة معينة، ما كان أفقًا للاشتراكية «المناضلة» وقد

حققته، ويا للمفارقة، «قوانين» السوق الرأسمالية، ولكن حققته من منظور مختلف وبمعايير للعدالة والإنصاف

مضادة تمامًا لمثُل الاشتراكية النظرية. كل شيء صار يُلزم بتغيير المنزلات والوضعيات والهيئات؛ وما على

السياسة إلاّ أن تنصاع لقوانين السوق الصامّء. ولقد انصاعت. وما على التشريع وعلى الحق أيضًا إلاّ أن ينصاعا

بدورهما؛ ولذلك صار ينبغي، كائنًا ما كان عنفُ التحوّل، تغيير روح الشرائع التي وُلدت مع «مولد» الرأسمالية

ذاتها؛ وينبغي تغيير روح «التنظيمات» أو قُلْ «روح التكوين»، أي الدستور؛ ولكن ما السبيل إلى ذلك؟ لا بد

من البدء بخلخلة وضع القانون الجنائي والجزائي بتغيير مفهوم الجريمة والعقاب. لا بد من أن يصيب التغيير

صميم الأشياء، ماهية العدالة وشروط تحقيقها وحدودَها القصوى. ولكأننا في البدء قُبالة قابيل وهابيل. وهَهُنا

يُطِلّ علينا الاستثناء الأعظم والأشد فحشًا بما هو حالة ذهنية مُثْلىَ للاختبار. ومن بين حالات الاستثناء هناك

حالةُ محتشدِ غوانتانامو التي ساقها السرد السابق. ألاَ إنها حلَالةٌ اختبارية قصوى فيفيزياء العدالة. -6 نقول إن إصابة العدالة في ماهيتها يحصل بواسطة خلخلة القانون الجنائي وقلبه بالكليّة. ينبغي لأجل ذلك

نقل العدو بما له من حقوق وواجبات من دائرة العلاقة العدائيّة ذات الطابع الجيوسياسي والعسكريفي المقام

الأخير إلى دائرة الجريمة من دون خسران الطابع التعميميالذي يتّصف به موضوع السياسة والحق، وتتصف

بهما مقاصدهُما. يتبع ذلك أنّ الطرف الذي يحدّده العدو المقابل كهدف للمكافحة ينبغي أنْ يستحيل إلى عدوّ

لا متعنيّ ولا مُعرَّف. من هنا يُفهم تفنّن النظام الإمبراطوري الجديد في اختراع تسميات أو قُلْ شعارات كافية

وشافية في تقديره، ونحن قد ذكرنا بعضها. أمّا السائد منها في أيّامنا هذه فهو «الإرهاب الدولي» و«الإرهابيون

5 لكأننا ببرنشتاين وكاوتسكي ينتصران بَعْدِيًّا على لينين وعلى روزا لكسمبورغ في المناظرة التاريخية الشهيرة التي عرفها اليسار الأوروبي

في بداية القرن العشرين، والحال أن مُنظِّرَيْ الأممية الثانية، برنشتاين وكاوتسكي، هما القائلان بأن للرأسمالية إمكانات التطور الدينامية

والمتناقضة من غير حاجة للقطيعات الثورية العنيفة.

6 بالنسبة إلى مسألة القانون الجنائي وأهمية تعالقه مع المسألة الدستورية، انظر:

Jean-Claude Paye, «Dictature ou état d’exception permanent?,» Multitudes: Revue politique, artistique, philosophique (11 Février 2009), «Le Rôle constituant du droit pénale», sur le site: <http://multitudes.samizdat.net/Dictature-ou-etat-d- exception>.

الدوليون»، وأشياء أخرى من هذا القبيل، وهي تسميات هلاميّة؛ فإن لم تكن كذلك فإهنّا على الأقل قابلة

للتأويل على أهنّا هلاميّة. إنّ هذا الطابع المُبهَم الذي يوسَمُ به الإرهابُ وساْمً مقصودًا يُفْصِحُ أيضًا عن حقيقة

الطابع المبهم الذي يسِم النظامَ الإمبراطوري الكوكبي نفسَه ويواتيه أتمّ المواتاة. أضف إلى ذلك، من ناحية

أخرى، أنّ بنية «القاعدة» − تنظيامً متحركًا وقابالً للتّذرّر الجغرافيّفي بقاع كثيرة من العالم، وقابالً أيضًا لانتساب

المجموعات له أو تبنّيه لها − لا تقلّ هلاميّتُها عن هلاميّة توْأَمِها الإمبراطوري. ومعنى ذلك أنّ مكافحة الولايات

المتحدة الأميركية وحلفائها ضد الإرهاب تستسيغ التسميات الهلاميّة بقصد استراتيجي، وهو سيادة العالم في

كل بقاعه. فنُّ السياسة وفنّ الحرب يستسيغان هما أيضًا فنّ البلاغة والخطابة والإقناع. وربمّا ليس هناك أفضل

من اختراع عبارات من قبيل «الحرب على محور الشرّ» أو «الحرب على الإرهاب الدولي» للإشارة إلى عدوّ لا

يُراد تعيين وجوده وتحديد مكان وجوده حتّى لكأنّنا بالقوة الإمبراطورية كالجارح الكبير الذي يطارد ظلّه فوق

أحراش متشابكة ومعتّمة؛ علامً أن قائمة العناصر المكونة للمحاور قد تتغير بحسب الظرف والتحالفات؛

لكن التسمية العامة ثابتة. ومقصد أميركا من هذا الضرب من التعميم السالب عوضًا عن التخصيص الموجب،

إنمّا هو نمذجة وقوْلبة مستهلكة؛ فضالً عن استدامة الخوف. ومفاد الأمر أن التعميم والهلامية يتناقضان مع

مبادئ أساسية في التشريع والقانون الجاري بها العمل كونيًا: اليقين من وقائعية الجريمة، وتحديد هوية المذنب،

وتناسب العقاب. أما المساس ولو بواحد منها فهو مساس بالعدالة وحياد عنها. -7 ومعلوم أن مفهوم العدو - كما يتعنيّ في القانون الدولي وحق الأمم، أو في قانون الحرب والسلم خصوصًا

وما طرأ على كل ذلك من تغييرات وتعديلات وتحسينات خلال  تاريخ الحرب والسلم الطويل- يُستعمَل في

حالة الحرب وحالة اللاّسلم بين دولة وأخرى لنعت كل جيش نظامي مرئي ومعلوم لدولة قائمة وله أزياؤه

وقيادته. وهذا هو العدو الشرعي أو القانوني. ومعنى القانونية هنا أن للعدو المحارب حقوقًا وواجبات

وسننًا من العدالة تجرى بتراتيب مضبوطة هذبتها وحسنتها الاتفاقيات الدولية الحديثة. لكن أشكال مقاومة

جيش الاحتلال الأخرى، وكذلك حروب العصابات والحروب الثورية والتحريرية، كانت مستثناةً من هذه

السنن والأعراف فكان يحكمها قانون الغاب و«عدالة» الأقوى والمنتصر. بيد أن الأمر عرف تحوالً بالغًا في

الحقبة المعاصرة لنا، خاصة بعد الحرب العالميّة الثانية، إذْ أدّى الاعترافُ بالمقاومة ضد جيش يحتل بلاد الغير،

والاعتراف بالحروب الثورية والتحريرية، إلى أن يكتسب العدو غير النظامي وغير القانوني وضعًا قانونيًا

وحقوقيًا معينًا. صار الاستثناء من القاعدة أكثر شفافيةً وصارت آثارُه أقلَّ وطأة على المغلوب. -8 غير أنّ الحال بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية -على إثر حوادث 11 أيلول/سبتمبر 2001، وهي

على قدر كبير من الاستقواء السياسي والعسكري بعد حرب الخليج الأولى، وعلى هشاشة نسبية من جهة أزمة

نمط تكوينها العام- هو أن تستثني عدوها الآني والمباشر، وعلى وجه أخصّ، مهاجمي مركز التجارة العالمي

والبنتاغون، والمنظمات الإسلامية العسكرية غير النظامية، كطالبان والقاعدة، التي سوف يحمل عليهم التحالف

الغربي حربًا شاملة في أفغانستان. لا بد إذن من اللجوء إلى الاستثناء، لا من القاعدة فحسب، بل ومن مجمل

7 لا يعني ذلك أن طرفي النزاع متفقان من حيث المواقع والمقاصد على الأقل، وإنما وجود هذا مشروط بوجود ذاك. وقد يحصل أن يتبادلا

المنافع. كما أن الاقتدار الإمبراطوري له قفَاه أو «وجه العملة المقلوب»، كما تقول العبارة الأجنبية الشائعة، وهو موطن ضعفها إذْ يستشعر

المركز الإمبراطوري (واشنطن اليوم) أي حركة مارقة عن سلطانه في أي بقعة من بقاع العالم.

8 انظر: أحمد فتحي سرور، حكم القانون في مواجهة الإرهاب (القاهرة: [د. ن].، 2007)، يمكن الاطلاع على الدراسة المطولة لرئيس

مجلس الشعب المصري السابق على الموقع الإلكتروني:

<http://www.hccourt.gov.eg/elmglacourt/mkal/12/mkala_srour.html>.

الاستثناءات «الصغرى» السابقة أيضًا. ينبغي على الاستثناء أن يكون أكثر راديكالية حتى ل نَظُننَّه يَلُفّ على

القاعدة وينطوي عليها وينغلق. وهنا تحديدًا يخرج النظام الأميركي على المجموعة الدولية وعلى شعوب العالم، وعلى مواطني أميركا على وجه

الخصوص، شاهرًا قانونًا لا سابق مثال له، ألا وهو قانون باتْرِيُوتْللولايات المتحدة الأميركية الذي صادق

عليه الكونغرس على عجل ومن دون نقاش يُذكر ووقّعه الرئيس بوش في تشرين الأول/أكتوبر 2001 (USA

Patriot Act)، وتسميته الكاملة هي «قانون لأجل توحيد أميركا وتقويتها بتوفير الأدوات المواتية لإعاقة الإرهاب

ومواجهته». وأمّا ما ينفرد به هذا القانون ويسبق إليه فهو ابتداعه لمقولة جديدة في تعيين العدو وتسميته، وهي

مقولة «العدو المقاتل اللاشّرعي». وهذا الضرب من العدو يمتنع عن التصنيف: فلا هو بعدو الحرب، فيُعامَل

معاملة المحارب النظامي أسيرًا أو معتقالً أو حمُاكاَمً أحيانًا كمجرم حرب؛ ولا هو بالإرهابي غير المحارب وغير

النظامي فتجري عليه إجراءات الاعتقال والمقاضاة غير الحربية. إنه مسلوب من الحقوق الإنسانية التي يضمنها

القانون الدولي والعرفي وحتى القانون الوطني الذي للأعداء المحاربين، ولكن ينبغي، من جهة مقابلة، أن تُسلّط

عليه أساليب الحرب، بالمعنى الدقيق للكلمة، وما عليه إلاّ أن يتشيّط آثارها وويلاتها. وهكذا فإن إعلان الحرب

على الإرهاب الدولي ومحور الشر، من قبل أقوى دولة في عالم اليوم وأعرق ديمقراطية في الأزمنة الحديثة تدرب

فيها البشر على الحرية والمواطنة، هو إعلان حرب على عدوّ يُنعت بالمحارب وهو ليس بدولة. إن الجندي النظامي

المحارب لا يُشتبَه فيه لأنه مرئي، فيُقتَل أو يؤسر مسلحًا أو يستسلم بنفسه في ميدان المعركة. وأما «العدو المقاتل

غير الشرعي» فيُفْعَل به ولو على وجه الشُّبهة أو الظنّ، أكان مسلحًا وفي ساحة فعلته أم لم يكن. وتطاوِل الشبهة من

قاربه أو حاذاه أو بادله شيئًا بعلمه أو من دون علمه. ولا تميز هذه الشبهة بين الأجنبيّ والمواطن الأميركي، ولا بين

تنظيم إرهابي ودولة عضو في الأمم المتحدة ولكن تعتبرها أميركا دولةً راعية للإرهاب. لا شك البتة، على صعيد الحالة التي نحن بصددها، في أن السياسة لا العدالة هي التي تُعنَيّ وتصنّف وتضع

المعايير والأحكام. بعد هذا يدرك المرء كيف أن قانون باتريوتأصاب مرماه السياسي، ومسّ جوهر العدالة،

وغريّ وضع القانون الجنائي والجزائي بأن شرّع للجان والمحاكم العسكرية وأجاز لها ما ليس من اختصاصها؛

وهيأ للسلطة التنفيذية الشكل القانوني لممارسة الخروقات، إذْ أبطل العمل بمبدأ العدالة الأنغلو ساكسوني

الأساسي والعريق، وهو مبدأ «ليَشْخُصْ [ليحضرْ] الموقوفُ بكيانه أمام القاضيِ » habeas corpus(). وعلى

العكس تمامًا من هذا المبدأ العظيم، على صعيد العدالة وحقوق الإنسان، الذي أخرج الموقوف من «السجون

السوداء» و«آبار النسيان» Oubliette, black hole, dungeon() يعيده إليها قانون باتريوت؛ وهي ممارسة لم

تشمل سجن غوانتانامو فحسب، بل سجونًا سرية وسجونًا «طائرة» وسجونًا «مُبْحِرة» بأميركا وببلدان موالية أو

تابعة لها في أوروبا وغيرها. ومن هنا نفهم آراء رشُّ اح قانون باتريوتباعتباره، من ناحية أولى، تفكيكًا للحريات

والحقوق، وتنصيبًا للدكتاتورية؛ وباعتباره، من ناحية ثانية، «الصيغة المعيارية المواتية لعقلية الحرب». يختل

9 بتعلات مثل هذه شُنًّت الحرب على أفغانستان، وشُنت الحرب الثانية على العراق. وفي العراق لم يكن هناك لا تنظيم قاعدة ولا أسلحة

دمار شامل؛ وشَنُّ الحرب هو، في حد ذاته، دليل على غياب هذه الأسلحة، إذْ لو كانت هناك أسلحة من هذا الطراز لما أقامت أميركا

الحرب، وبتلك الطريقة على الأقل. ولكن هذا شأن آخر لا يخص هذا المقال.

10 Wanda Mastor, «L’Etat d’exception aux États-Unis: Le USA Patriot Act et autres violations « en règle»  de la Constitution,» dans: Cahiers de la recherche sur les droits fondamentaux: Pouvoirs exceptionnels et droits fondamentaux (Caen: Université de Caen-CRDF, 2008), p. 64. Annuaire international de justice constitutionnelle (Paris: Economica; Aix-en- ونشر البحث أيضًا تحت العنوان المذكور في:.Provence: Presses universitaires d’Aix-Marseille, 2008), pp. 461-475

التوازن بين السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية لمصلحة هذه الأخيرة فتحوز على ما تنشده،

وهو التّمكّن من ذاتَوِّيَّتيها السياسية ومن إرادَوِيّتها الحربية فيكون بين يديها وحدها حسم القرار في نهاية المطاف.

وهذا تحديدًا هو المنشود من الوضع الاستثنائي: حسم القرار decision(). على هذا النحو، اخْتُلِق وصفُ «العدو المقاتل» لمجاوزة الاستثناءات المانعة الجامعة. هذا العدو من طراز جديد

لا هوية حقوقية واضحة له. ومن لا هوية له، على هذا الصعيد، هو من لا تواصل لوغوسي (منطقي) معه: إنه

مجرد كائن من الكائنات النّامية، كما يعرّفه أرسطو في كتاب الجيم من الميتافيزيقا؛ وهو ما سنعود إليه لاحقًا.

وبداية التعتيم على هوية العدو تكون بالتعتيم على مكان وجوده كما قلنا. ولكن ملَّا كانت كل حرب حقيقة إنما

ضد عدو محدد معلوم، ومن أجل أرض وفضاء محددين معلومين، فإن القصد من التعتيم هو حمل الحرب في كل

مكان من العالم، إذْ في العالم كله إمكانية إرهاب أو قُل، بلغة القدماء، فيه إرهاب بالقوة. -9 وهنا تنقلب ضرورة الاستثناء الذي تقرره القاعدة ويشرع له القانون مسبقا منتقلةً من حدّها الموضوعي

إلى حدها الذاتي، فلا يعود السؤال ما هو الوضع الموضوعي الذي يبيح الاستثناء وإنما مَن الذييقرر الضرورة

التي تجاوز النواميس الجارية؟ ينبغي، إذن، أن تتدخل ذاتية صاحب السلطان في إعادة تعريف واعتبار ما هو

ضروري. إن صاحب السيادة هو الفيصل في الاستثناء: إذ لا سيادة إلاّ لمن يقرر الحالة الاستثنائية، على نحو ما

يرى كارل شميت. ما دامت الحال كذلك، فإن صاحب الأمر الإمبراطوري يضع نفسه فوق قانون بلده، وفوق الشرعية الدولية

وفوق سنن العدالة المعلومة: فيبدأ باستثناء نفسه استثناءً إيجابيًا بأن يصنف نفسه رقيبًا ساميًا على «محور الخير»،

وجيُري استثناءً سلبيًا لعدو يصنفه في «محور الشر». وملَّا كان أرسطو، في كتاب السياسات، قد استثنى كائننيْ

اثننيْ من ناموس الاجتماع المدني والمواطَنة وهما: إمّا قوة قادرة قديرة متعالية، وإمّا وحش (صعلوك) متوحد

عاجز عن التأنّس، فإن القوة الامبراطورية في وقتنا هذا تستثني، من جهة أولى، نفسَها ك«إلَِه فانٍ»، بعبارة هوبز؛

وتستثني الإرهابي كعدو عنيف وبربري و«مارق عن القانون» فلا تنطبق عليه إجراءات العدالة الاعتيادية. صحيح أن صاحب القرار السياسي، في ضوء «فينومينولوجِيَاه» التي جئنا على بعض ملامحها البارزة، يظهر

بمظهر من استغرق العدالةَ في ذاتيته فنفاها بمقتضى سلطانه وهواه، ولكن ينبغي على الوصف ألاّ يتوقف عند

هذا الحدّ؛ إذْ ملَّا وضع صاحبُ السيادة نفسَه فوق أشكال العدالة الجارية والمعترف بها، أثبتها، بالمقابل، في ذاته

هو، باعتبار نفسه هو العادل وجمُْري العدالة في العالم، فيبتّ ويحكم. وليست الأيديولوجيا «المحافظة الجديدة»

بلا سند شبه «فلسفي لاهوتي»، وذلك من خلال التعالق الذي يقيمه خطابها بين العدالة والخير الأسمى، مهما

بدا الخطاب عاميًا، بل وقِيلَ، في بعض الأحايين، إنه ساذج؛ وهو من العلامات الفاشية الممكنة. ومهما يكن من

أمر، نلفي أنفسنا قُبالة حالة من حالات الك لّيانيّة (الشموليةِtotalitarism). وليس هناك تصوّرٌ أشدُّ كليانيةً من

أن يتمثّل كائنٌ مُتَناهٍنفسَه تجسيامً لمعيار لا متناه أو لكائن لا متناه. -10 [في الحالة الثانية]: كان، من قَبْل، أوّل ما انطرح قُبالة الفكر السياسي العربي الحديث من منظور العدالة

11 Carl Schmitt, Théologie politique: 1922, 1969, trad. de l’allemand par Jean-Louis Schlegel, bibliothèque des sciences humaines ([Paris]: Gallimard, 1988), p. 16.

لمزيد من الشرح راجع المقال النريّ الصادر في مجلة مدرسة الترشيح العليا بليون (فرنسا) حول نزعة حسم القرار وعلاقتها بنظرية وعلم

Emmanuel Tuchscherer, «Le Décisionnisme de Carl Schmitt: Théorie et rhétorique de la بلاغة الحرب عند كارل شميت:.guerre,» Mots: Les langages du politique, no. 73 (Novembre 2003), pp. 25-41

الدولية ما اشتُهِر نعتُه بقضية فلسطين والمقاومة التي صحبتها والتحمت بها. وقد قيل وكُتب الكثير في هذاِ

الشأن. يكفي القولُ هنا، من منظور سياسة العدالة لا غير، إنها شاهد، في بدئها، على حدود العدالة، بل وعلى

حدود التشريع الدولي أيضًا وهزيمتهما أمام «الواقعة الخام» التي للقوة المغتصِبة؛ وعلى كيف خيُترَق، في لحظة

أولى، القانونُ الدولي الجاري، على الرغم من روح نصه وصراحة عباراته المثبتة لحق الشعوب في تقرير مصيرها

بنفسها؛ ثم على كيف يصير، في لحظة ثانية، مشرّعًا للظلم بالتحيّز للظالم المستقوي بغيره فيمنحه أرضًا وكيانًا

سياديًا مصطنعًا ويحميه من مقاومة المستضعفين المسلوبةُ أرضُهم. هكذا، لكأننا بروح الشرائع وبنصوصها

صيغت من أصلها قصد الإيهام وتمويه الصراع الأيديولوجي والسياسي الفعلي، بل كأننا بها تصير، على صعيد

التأويل الذي به يؤوهّلُا الأقوى، «سلاحًا فكريًا» يُسَوِّغ «التفكيرَ بالسلاح» ليدعم «عدالةَ» الكيل بمكيالنيْ المميزة

بين الشعوب، أو قُلْ سياسةَ الكيل بمكيالين، وهي معروفة. فلا يشك عاقلٌ له دراية ما بأصل النزاع أن صاحبَ

الأرض والحق هو أول ضحايا الأمم المتحدة بقرارها تقسيم فلسطين في سنة 1947، تحت مساومات القوى

العظمى وتهديد الولايات المتحدة ضد من يعترض على المشروع «الأممي». ولم تكن فرنسا ذاتها في مأمن من

التهديد الاقتصادي، وهو ما اضطرها إلى التسليم بالأمر الواقع فتحول موقفها إلى مساند للتقسيم بعد أن كان

ممسكًا. وإن هذه القُنوطية السياسية (كَلْبيّة/أخلاق فَظّة/ cynicism) في تدبير العدل التي تبطل، على هواها،

مفعول القانون القائم، ناسخةً إيّاه بالواقعة الخام، ثم تحول الواقعة الخام إلى نص تشريعي، والتي تتذبذب

بين إثبات قاعدة واستثنائها بحسب المنفعة أو الضرر الذاتيين، هلَِيَ قنوطية تَنوءُ بالتناقض المستحقِر للعدالة

والإنصاف ولأنصارهما من «المستضعفين في الأرض». على هذا النحو، أرادت، وسعت حثيثًا، والحال أن حبرَ

ميثاقالأمم المتحدة لم يجفَّ بعدُ، إلى إرغام الأضعف على التقسيم والتنازل عن أرضه؛ وهو ما ينافي مطلقًا

منطق الحقّ الوارد نصُّه في ميثاقالأمم المتحدة. أمّا مبدأ التقسيم في ذاته، ومن منظور المبدأ الحقوقي الصرف،

فيشترط رضا الطرف المقابل به رضا يكون عن اختيار وبإرادة حرة، وهو ما لم يحصل. وهكذا، بعد عامين فقط

من إنشاء الهيئة الدولية المعتبرة وذات السلطة المعنوية والتشريعية الكبيرة، نرى قرار التقسيم يخرق ميثاقها نصًا

وروحًا ليمنح الغزوَ والاستيطان بأرض الغير منزلةً شرعيةً. فالميثاقينص على حرمة حقوق الإنسان وعلى

حقوق جميع الشعوب والمساواة بينها، بلا تمييز بين الأمم صغيرها وكبيرها؛ كما يدين ويمنع العنف واستخدام

القوة إلاّ في حالة الدفاع عن النفس أو بقرار من مجلس الأمن. وهو ما جعل إسرائيل لاحقًا تكسو كل عدوان

وكل عمل هجومي على المقاومة أو على البلدان العربية، أكانت مجاورة أم غير مجاورة، ببراغماتية «الدفاع عن

النفس»؛ فإن عجزت لجأت إلى تبرير أعمالها الحربية باستباق الأخطار والنوايا الإرهابية. وهذا تحديدًا ما دفع

بالمقاومة، في السنين الأخيرة، إلى تعديل نسبيّ في استراتيجيتها، فبدل الاكتفاء «بالدفاع» عن عدالة قضيّتها

بالإيجاب، أي بمقتضى قواعد وبنود القانون الدولي الداعية إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها دون

وصاية الغير، وإلى الامتناع عن استخدام القوة، زادت المقاومة على ذلك بالتشديد على حجاج حقوقي سالب

ومفاده إدانة دولة الاحتلال بسبب خرقها القواعدَ الدولية الضابطة لالتزامات المحتل ولحقوق المسلط عليه

الاحتلال؛ وقد نجحت المقاومة جزئيًا في ذلك، ومنها حملتها الواسعة لأجل مقاطعة المنتوجات الإسرائيلية،

على وجه الخصوص. -11 يكون الفكر الحقوقي هنا قبالة ضربين من الاستثناء والميز: ضرب سلبي ضد شعب مستضعف حيُرَمُ

من تطبيق القوانين والقرارات الدولية التي في مصلحته، وضرب إيجابي حت مى به دولة غاصبة ومحتلة وتُستثنَى

من تطبيق تلك القوانين والقرارات التي ليست في مصلحتها حتى صار مروقها عن العدالة «مختبرًا» لتجارب

استثنائية متوالية ولتطويرات في القانون الدولي ساهمت مساهمة فعالة، وشيئًا فشيئًا خلال ما يزيد على الستين

سنة، في تعليق العمل بالمعايير الحقوقية ولكأنها هيأت، والفيتو الأميركي يساندها ويحميها في كل مرة، لسياسة

«الأمر الإمبراطوري» الراهن الذي يحكم العالم. وإنها لَنتيجةٌ حاسمة وبالغة الخطورة على صعيد التشريع الدولي

تهيئ لمستقبل وخيم لا في حقل حقوق العرب فحسب، بل أيضًا على صعيد حقوق الشعوب والحقوق الإنسانية

على العموم، من ذلك قرار الأمم المتحدة الذي أصدرته الجمعية العامة في سنة 2005 (1/60) والذي يجيز،

بصريح العبارة في الفقرتين 138 و 139، وبعنوان «مسؤولية [المجتمع الدولي] في حماية السكان من الإبادة

الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية»، يجيز التدخل واستخدام القوة في

حالات استثنائية إذا لزم الأمر. ويعهد القرار إلى مجلس الأمن، أي إلى القوى العظمى في نهاية المطاف، باتخاذ

الإجراءات اللازمة في هذا الصدد. وللمرء أن يتصور ما لموازين القوى من ثقل في تأويل النصوص، وتعيين

الحالات، وانتقاء المناطق الجغرافية، فتأخذ السياسة بزمام الأمور وتعلو على الحق وعلى العدالة فتسريّهما تسييرًا

آليًا أو يكاد، على نحو ما شهدت عليه وقائع معينة ومعروفة. ما يلفت النظر هو سكوت نص القرار الأممي المذكور عن حق السكان الخاضعين للاحتلال الأجنبي في الحماية؛

فليس فيه ما يفيد مسؤولية المجتمع الدولي في حماية السكان والشعوب المحتلّةُ أراضيها من الجرائم المنصوص

عليها. يوجد فارق واضح بين قرار سنة 2005 و«ديباجة» ميثاق الأمم المتحدة، ولكنه فارق له مزيةُ تبيان

الخُلْف الكامن في المنطق العام للتشريع الأممي في ذاته. أمّا على صعيد التطبيق على الحالات الخاصة، فتصيب

اللاّعدالة المستضعفَ، سواء أكان القانونُ عادالً فيُحرَم من حمايته، أم ظالامً فيُسلّط عليه. وفي كلتا الحالتين

يصيبُه السلبُ والاغتراب. ومن خُلْف الممارسات غير العادلة ما يصل العتبةَ القصوى بإبطال مفعول المسؤولية

-وهو مفهوم إثيقي مبهم واتساعي استند إليه وبلوره الفيلسوف الألماني اليهودي هانس يوناس الذي كان

عضوًا مكافحًا في عصابة الهاغاناه بفلسطين (1939-1936) واتخذ منه عنوانًا لكتاب صدر في سنة 1979،

واستقت منه بعضُ السياسات الدولية عددًا من أطروحاته - كأن يتغاضى المجتمع الدولي عن حماية شعبٍ

محتلةٌ أرضه من شطط دولة الاحتلال التي تستولي على ممتلكات أفراده وجماعاته وقُراه، أو تتحيّل على منتوجاته

فتُسَوِّقُها باسمها هي أو باسم شركات متعددة الجنسيات. -12 تتأتى نموذجية الحالة التي نحن بصددها من قدراتها المعرفية الاستكشافية؛ أي من قدراتها على تبنيّ

ما تستبطنه من تلازم بين العيانيّ (الحالة نفسها) والمجرد (القانون العام)، بين التشريعي (الحق، law، right)

والواقعي التجريبي fact()، تلازمًا قد يبلغ حدَّ التحايث. لكنهما لا ينطبقان على كلا الطرفنيْ فيْ النزاع القومي

بإجراء النظام المعياري على نفس النسبة، أي بإنصاف كليهما، وبالخصوص المستضعف المظلوم منهما. ويصل

الخور درجةَ قلبِ العلاقة بين حَدّيْ التقابل، أي بين القانون والواقعة، قلبًا راديكاليًا: فأمّا في حالة الطرف

الأضعف فيكون لحد القانون الأسبقية الزمانية والعُلْويّة المعيارية على حدّ الواقعة، ولكن لا يُعمَل به؛ ومع ذلك،

تظلّ الحالةُ الخصوصيّة في دائرة المعيارية الحقوقية ولو من دون تحقيقها. ومهما كانت خسارة الأضعف، فإنه يظل

محترمًا للشرعية الدولية كاسبًا مع الزمن المزيد من المشروعية ومن الرمزية لمقاومته ظلمَ الأقوى. وهكذا، تستديمُ

مقاومة الأضعف وتتأصل في دائرة القانون الوضعي الحديث. وعلى هذا الأساس الصلب تستديم أنطولوجيا

المقاومة لاحمةً بين الوجود الفعلي وبين الحجة القانونية العقلية، حتى لتتوجس «الدولةُ الواقعيةُ»، بجيشها

الأحسن تنظيامً في العالم، خيفةً من « فكرة » دولة تجاورها. فتعزل المقاومة بجدار، ومعها كل الكائنات الحيّة ما

12 Hans Jonas, Le Principe responsabilité: Une Ethique pour la civilisation technologique , traduit de l’allemand par Jean Greisch, champs: essai; 784 ([Paris]: Flammarion, 2008).

وقد لقي هذا الكتاب الفلسفي الأخلاقي رواجًا منقطع النظير لطرحه قضايا تتعلق بالتكنولوجيا ومصير الإنسان.

هو بشري منها أو غير بشري، وكذلك الكائنات غير الحية؛ وهي لا تعي جيدًا أنها تعزل في ذات الوقت نفسها

في محتشد تدّعي أنه كابوس عليها، ولكن ينزع إليه لاوعيها الجمعي الذي يجد فيه «تجَلُّلَه» (تصعيده) و«امتيازه»

بالفارق والاختلاف اللّذيْن تحفظهما الذاكرة وتدوهّنُما سرديّةُ الاضطهاد. أمّا في حالة الأقوى، فتنعكس الآيةُ،

بحيث يصبح للواقعة الأسبقية الزمانية والعلوية المعيارية على القانون أو على الحقّ، فتخرج الحالةُ من دائرة

القاعدة المعيارية الحقوقية بواسطة استثناءات تجد ما تجد من تعليلات «ما فوق حقوقية» كالذاكرة، والتاريخ

الديني، ومعاداة الأقلية السامية، وجبر الضرر من الاضطهاد الذي لحق بها، وندرة الأرض... إلخ. وما تلك إلاّ

محاججات تراثيّة خاصّة بالتاريخ اليهودي لا تستوي مع ما يدّعيه القانون الوضعي الحديث من كونيّة. أمّا الحجج القانونية الوضعية الخاضعة لمبدأ أنّ الحقوق تسبق الواقعات، فمعروفة كثيرًا في الأدب السياسي

العربي المعاصر منذ سنة 1948. وأمّا المحاججات القائمة، بالأحرى، على منطق الغالب الذي يقلب الواقعةَ إلى

حق، ومن ثمة إلى معيار، وهو مبتدأ القضية، فهي مما يحسن التذكير به، لا على جهة خطابيّة، وإنما على جهة أن

إعمال الفكر في الأصل يُغْني عن إعمال الفكر في الفروع. والقصد هو توضيح كيف أنه في حالة الأقوى صاحب

الغلبة تكون الواقعةُ سابقةً على الحق وعلى القانون، وهو ما يضدّ مبدأ الحق والقانون أصالً ويستحقره حتى

لينقضَه بإطلاق: -13 منظمة صهيونية أجنبية شبه عسكرية تلتقي مقاصدُها الاستيطانية مع مقاصد «وعي شقيّ» غربي يريد أن

يصفّي حسابًا مع نفسه، وتلتقي مصالح ها، أيضًا وبالخصوص، مع مصالح غربية جيوسياسية، فيتوافقان على

إنشاء دولة اصطناعية، حدودها، أكانت كبيرة أم صغيرة، هي حدود موروثة عن تقسيم كولونيالي أسبق حصل

في أثناء الحرب العالمية الأولى وبعدها. فكان مصيرُ الأضعف، وهو الفلسطينيون هنا، هو أن يكون ضحيةً

مرتين: مرة ضحية نظام كولونيالي كلاسيكي، وأخرى ضحية نظام استيطاني مستحدث هو الوارث المباشر

للنظام الأول. إنه، على ما نعلم، الاستثناء الأبلغ في القرن العشرين. وهو استثناء بلا قيد ولا شرط في نظام

العدالة الكونية، تسوّغه بقدر ما تفضحه العبارة الشهيرة التي ذهبت مثالً والقائلة بأنَّ « مَنْ لا يَمْلِك أعطى وَعْدًا

ملَِنْ لا يستحقّ». وتأتي عبارة عبد الناصر من باب الاعتراض على العبارة الشهيرة التي تسوّغ وعد اليهود

بتمليكهم أرضَ فلسطين: «أرضٌ بلا شعب لشعب بلا أرض». وليس أكثر تبليغًا على كيف تصير الواقعةُ هي

الدليل القانوني، ويصير الحادث هو الحقمن هذه العبارة الأخيرة المغرقة في الشطط وفي القنُوطيَّة. طبعًا، توجد سوابقُ في التاريخ، ليس أقلّها اعتبارًا ما حدث خلال استعمار ما كان يُنعت، في بداية الأزمنة

الحديثة، بالهند الغربية، أيْ الأميركيتين، الشمالية والجنوبية. وقد يحدث للمستعِمر والمستوطِن الجديد أن خيُْطِئَ

في الجغرافيا، فكما أخطأ أسلافُ الحركة الصهيونية إذْ نعتوا القارة الجديدة بالهند، ونعتوا سكانها الأصليين

بالهنود، أخطأت، هي بدورها، في الجغرافيا، فاليوتوبيا الصهيونية، سواء ذات المنزع العلماني أو ذات المنزع

الميعاديِّ اليهودي، كانت في البداية تنشد موطنا لتحققها في غير فلسطين؛ ثم لجأت إليها، في آخر المطاف، ملَّا

نالت رضا القوى العظمى وحازت تواطئها. -14 إنها، على نحو ما نتبنيّ، حالة استعمارية استيطانية نموذجية قصوى؛ ففي جوهرها يكون القانون الدولي

مصدرًا للظلم فيتوافق مع اللاعدالة. وإذْ يحصل هذا التوافق بين القانون والجور، يحصل، بالضّد له، أ يْ من

جهة الأضعف المظلوم، توافقٌ بين مشروعية الحق والعدالة. وهَهُنا يبرز التضاد قويًا بين القانونية أو الشرعية

13 راجع مراسلات الرئيس الأميركي جون كيندي والرئيس المصري جمال عبد الناصر: رسالة عبد الناصر، بتاريخ 18 آب/ أغسطس

من جهة الظالم legality() وبين المشروعية أو الأحقية legitimacy() من جهة المظلوم. وإهنّا ملَ ن المناسبات التي

يُضادُّ فيها القانونُ والعدالةُ الواحدَ الآخرَ تضادًا حادًّا. وهي مناسبة تذكر بمثيلاتها الكثيرات في التاريخ

وتزيد عليها. ففي أميركا ظلت «مستوطنات الرجل الأبيض»، لمدة من الزمن، تابعةً لسيادات العروش والقوى

الأوروبية الأصلية. وعلى نحو من الأنحاء، ومن زاوية دقيقة، كانت السيادة سابقةً على الواقعة أو على الحادث

الاستيطاني. أمّا في حالة إسرائيل، فإن الحادث الاستيطاني كان سابقًا على الدولة وعلى السيادة، وكانت الواقعة

سابقة على الحق المزعوم، اللهم أن يقتنع ساذجٌ بخطاب «أرض بلا شعب»؛ وهو ليس، على جهة الحق والعدل،

سوى لغوٍ تلغو به القوة العمياء. ولكنها قوةٌ طبعًا. ومهما يكن من شأن هذه القانونية الجائرة التي حازها التقسيمُ

وبعثُ دولة اسرائيل، فإن هناك ما يقرب من المبدأ الترنسندنتالي في الفلسفة يظل باقيًا، وهو القانون الملزم أو

القانون الآمر jus cogens()؛ وجوهره، كما عيَّنَته اتفاقية فيينا الدولية في سنة 1969، كونه معيارًا آمِرًا أسمى لا

يجوز لأي اتفاقية دولية أو إقليمية أو ثنائية أن تنقضه. إنه الترجمان الحقوقي ل«الضمير الكوني» المبطل للقواعد

المعيارية الأدنى منه إذا ناقضته، من ذلك اعتبارُه كلَّ اتفاقية دولية حصلت عن طريق الإكراه وضادّت حقَّ

تقرير المصير اتفاقيةً ملغاة ولو بعد مرور الزمن. -15 وما يُصدّق قولَنا ليس «يقينًا ذاتيًا» وإنما هو جوهر أيديولوجيا الدولة في اسرائيل. فهي لا تنفك، منذ

نشأتها إلى يوم الناس هذا، بقدر ما تهاجم وتعتدي وتستوطن، تطالب العربَ بالاعتراف وبحق الوجود: «حق

الوجود» هو، إذن، مركز التناقض الأكبر حيث تتداعى وتتهافت الأيديولوجيا لتُلْقي نفسَها بنفسها في حتفها

المحتوم وتعترف بحدود منطقها وبخُلْفه. فليس مركز هذا الحق، كما تعتبره أيديولوجيا الدولة في إسرائيل،

حقًا «في السيادة» أو «في الاستقلال» أو «في الحرمة الترابية» أو «في استقرار النظام السياسي»، وغير ذلك ممَِّا هو

متداول كوْنيًّا، أُممًَا وأقلياتٍ ودُولَا، وإنما هو حقها في «الكَيْنونة» أصالً وبالذات. ومنها «الكيان» الإسرائيلي

الذي يتكلم، كلما استشعر الخوف، بكُلِّه وشموليته لا بجزء من أجزائه أو ببعد من أبعاده. ومعنى ذلك أن

الإنجازية الملفوظية ذات الطابع الهجومي هي في حقيقة الأمر دفاعية، فيُستعاضُ عنها أو تُسْتكمَلُ بتفوق القوة

العسكرية كلما لزم الأمر. أمّا في سائر الحالات الدَّوْليّة فقَلّ وندر أن نرى دولة قوية وذات سيادة قومية حقيقية

ولها، فضالً عن ذلك، قدرةٌ هجوميّةٌ ونوَوِيّة، تتذرع بمبدأ الوجود. إن الرعب من الأفول يستبطن ضربًا شاذًا

من الاعتراف، وضرْبا من «التشكيك الذاتي»والضمني في مبدأ الوجود وأحَقِّيَّته أصالًِ.

مناسبات الاستثناء وتعالقاته الدلالية

-16 عالج هذا الاستعراض، في إطار العلاقة بين القاعدة والاستثناء، حالتين استكشافيّتنَيْ بارزتين من

الاستثناء في حقل العدالة واللاعدالة: فأمّا الحالة الأولى، وهي حالة «آنوميا» غوانتانامو (اللاقانون/ anomia)،

فتخرج بالتفكير عن دائرة القاعدة والاستثناء، أي عن قواعد النّمذجة القانونية والحقوقية المعلومة، وتبتكر

حالةً «لا نموذجية». وأمّا في الحالة الثانية، وهي حالة الاستعمار الاستيطاني، فهي دالّة على كيف يكون القانوني

الدولي الإنساني مصدرًا للظلم، ومع ذلك يظلّ التفكير داخل دائرة العلاقة بين القاعدة والاستثناء حتى ولئن

بلغ الاستثناءُ أقصاه لينتقل هو نفسه إلى قاعدة، أي إلى نموذج شبه معمم.

Carl Schmitt, Théorie du partisan (Paris: Presses universitaires de: النصير نظرية لمزيد الشرح راجع مؤلف كارل شميت في 14.France, 1992), «Légalité et légitimité», p. 289 et sq

-17 فماالاستثناء، إذن، في ضوء ما تقدم؟ الاستثناء هو، أولا، كما يعرّفه فقهاء القانون وفلاسفته «ما لا يستوي

مع القاعدة العامة ولا يخضع للأحكام الجارية»؛ غير أن القاعدة ذاتها هي ما يحدده وينعته: ومثال ذلك، الممنوع

من الصرف في اللغة، والمحاكم الخاصة أو محاكم الاستثناء في فقه القانون. و«الاستثناء يؤكد القاعدة»، بمعنى

أن القاعدة تكون رابحةً إنْ في حالة الضمّ والجذب والمجانسة والتعميم، وإنْ في حالة الطرح والنبذ والإفراد

والتخصيص؛ فتتأكد القاعدة بسبب مخالفةِ المستثنَى منها، وبسبب مضادّته لصاحب الاستثناء أو معاندته إياه.

وفي لسان العرب، كما أيضًا في اللاتينية، يؤدي اللفظُ معنَينَيْ اثنين متضادين، معنى الوصل ومعنى الفصل في

أوان واحد: «ثنى الشيءَ ثنيًا ردّ بعضه على بعض [...]وثنَيتُ الشيء عطفتُه. وثنيت الشيء أيضًا صرفتهعن

حاجته»، ومنه الاستثناء الجامع لمعنيين: الإقصاء والدمج، الطرح والجمع. وأمّا لفظ exception، فإذا نظرنا في

أصله اللاتيني وجدنا فيه معنى الضمّ والاحتواء ومعنى الإقصاء. -18 فإمّا أن تنطبق القاعدة على جميع الحالات السوية، وإمّا أن لا تنطبق على الحالات اللاّسوية بمقتضى استثناء

تتضمنه هي وتصرّح به من قبْلُ. وهكذا، في كلتا الحالتين، نمكث في إطار القاعدة (الحالة النموذجية الثانية:

القانون بما هو مصدر للظلم). أمّا رفض المعيار الذي تستند إلى حكمه القاعدةُ ذاتها فيخرج، أي الرفض، عن

كل قياس لأنه يتلفظ بما لا معنى له، فيوطئ لاستثناء أكبر وأكثر جذرية، وهو المنع (حالة العدو المقاتل غير

الشرعي)؛ ولا يتأتى ذلك عن مجرد الرفض وإنما عن رفض لا يحصل بحسب ما تقتضيه القاعدة؛ وهو ما تنعته

بربارة كاسّان بأنْ «يرفُضَ المرءُ أن يحصُلَ رفضُه من داخل المعايير».

-19 لنستذكر، لأَوانٍقصير، «كتاب الجيم » من ميتافيزيقا أرسطو لاتصاله بموضوعنا من زاوية تعقليّة محددة:

إنْ لم تتكلم مثلي وبمنطقي المعقول، أو لم تقل شيئًا على الإطلاق، فأنت مستثنىً على نحو راديكالي مثلما يكون

النبات الذي يوجد على جهة النماء فقط لا على جهة الناطقية. ومع ذلك، نضيف أن في تصوير أرسطو بعضَ

المجاز، فالنبات لا يجوز أن يكون مُسْتثْنى لأن من طبعه أَلاَّ يمْلِكَ اللوغوس، أو قُلْ، بلغة أحدث، لا يتكلم بلغة

الخطاب العاقل. أمّا الكائن الإنساني فيلحقه الاستثناءُ، من هذه الجهة المحدّدة، ما دامت له قابلية النطق؛ لكنه

لا «يقول، على الأقل، شيئًا يكون له دلالة بالنسبة إليه وبالنسبة إلى غيره». هَهُنا تؤدي الناطقية وظيفة المعيار

الأعلى الجامع المانع، بمعنى أن مبدأ المنع، هنا، يختلف عن المبدأ الذي سقناه سابقًا والقائل بأن «القاعدة تؤكد

الاستثناء»، وهو استثناء يجوز لنا تسميته ب« الاستثناء البسيط »، إذْ يمكث المستثنَى في دائرة المعيار أو الميزان.

أمّا الاستثناء المركّب، وهو الاستثناء بالمنع، فيُخرِج المستثنَى من دائرة المعيار تمامًا كخروج من لا يتكلم مثلي

وبمنطقي من دائرة الناطقية، فيشبه، مجازًا، اليد الميتة المبتورة من الجسد، وهي في أسفل السافلين من حيث

الصعود في مراتب الناطقية أو الدنوّ منها. وهذا ما يراه أرسطو في مؤلف آخر، هو السياسات، حيث لا يمسّ

الاستثناءُ بالمنع -وهو ضرب من الاستثناء الراديكالي، كما سلف وأشرنا- اللغةَ وملفوظاهتِا فحسب، بل أساسَ

السياسة المدنيّة أيضًا: فتعريف أرسطو الشهير بأن الإنسان «حيوان مدني» يحتوي ضمنيًا على معيارية موجبة

وسالبة في آن معًا، موجبة من حيث مراتب المدينة فلا تستثني لا القينات ولا العبيد - وهم ضربٌ من الأدوات

15 Barbara Cassin, «Exclure ou inclure l’exception?,» dans: Yan Thomas [et al.], L’Exception dans tous ses états, savoirs à l’œuvre (Marseille: Parenthèses, 2007), p. 14.

وقد أوحى لنا بحثها القيّم الممتاز بالرجوع، هنا، إلى كتاب الجيم.

16 المصدر نفسه، ص.19

17 Aristote, La Métaphysique , trad. Française par Jules Tricot, Bibliothèque des textes philosophiques, 2 vols. (Paris: J. Vrin, 1970), vol. 1, «Livre G [Gamma]», p. 198.

18 المصدر نفسه، والتعريب من عندنا، وهو عن ترجمة تريكو Tricot() الفرنسية المذكورة في الهامش السابق.

الحية- ولا «البرابرة-» وهم ضرب من الأعاجم من حيث لسانهم، إذْ من دونهم لا تستقيم الحياة المدنية حتى

ولو كانوا في مرتبة سفلى ما داموا في دائرة المعيارية المدنية. لكنها معيارية سالبة، من جهة ثانية، فخلافًا لمنزلة الدونيّة التي للأتباع في المدينة من غير المواطنين والتي لا

تبرح دائرة الشأن العمومي، تكون «منزلةُ» من يعيش خارج المجتمع، منزلة المارق عن تلك الدائرة وعن

معيار الخير الأسمى، لأنه مستثنى من الاجتماع الإنساني أصالً، إذْ من المُحال على العاقل، من منظور الناموس

الطبيعي، أن يتوحّد بنفسه وأن لا ينصاع لواجب العيش المشترك مع أشباهه، فيكون شأنه شأن «يَدٍ من حجر،

فإذا شُلَّت اليدُ أضحت كأنها من حجر»، فلا تنطبق عليه نواميس العدالة ولا إجراءات القانون. وهكذا لا

ينفك التواطؤ في المعنى والاشتراك في القاعدة يتسعان حتى يبلغا حالة قصوى يكون ما بعدها الاستثناء؛ بينما

لا تنفك، بالمقابل، راديكاليةُ الاستثناء تتبلور حتى تبلغ بها عمليةُ التعيين من جهة، وعمليةُ التجريد، من جهة

أخرى، حالةَ الإشباع. -20 ونلمح القاعدة الجامعة المانعة لدى ألكسيس دو توكفيل، المبرشّ بالتحضر الأوروبي وبالديمقراطية

وبالعدالة على الصعيد الكوكبي – والمرجح أن ذلك يأتي عن صدق «منطقي» أو قل عن الصلوحية الجوّانيّة

للبراديغم الذي ينطلق منه – رائيًا في هذه الأهداف والغايات مَآلا للمجتمعات الحديثة المتحضرة، ومع ذلك،

ولذات الضرورة التاريخية المنطقية الدافعة بالإنسانية نحو هذا المثال الغربي السامي، لا يمكن توكفيل إلاّ أن

يستثني الشعوب المستعمَرة من براديغم المدنيّة الكونية في مؤلفه الموسوم ب عمل حول الجزائر استثناءً قُصْوِيًّا

يسوقه في ألفاظ وعبارات استحقارية إزاء الآخر، ويؤسسه على رؤية مركزية أوروبية كولونيالية؛ وهو تحقير

شديد صاغه صاحب المؤلَّف الشهير، الديمقراطية في أميركا، صياغةً لا تليق بمفكر من طراز كبير، ويعتبر

مصدرًا قياّمً من مصادر الفكر السياسي الغربي الحديث. -21 ومفاد الأمر على الصعيد المنطقي الصرف أن مقولة «الاستثناء يؤكد القاعدة» تنبني، في قاعها الغائر، على

استثناء جدلي في المنطق الجدلي ذاته. إنها ضرب شاذ من ضروب نفي النفي: فالقانون الجدلي المعروف والقائل

بأن « كل تحديد هو نفي » يصير في مفهوم «الاستثناء يؤكد القاعدة» كالقول بأن « كل نفي هو تحديد ». أمّا وجه

الشذوذ فهو أن السلب يصير شرطًا موجبًا للإيجاب عوض أن يكون الإيجاب شرطًا موجبًا للنفي، على نحو ما

يكون الوجود شرطًا مَقُوليًّا لعدم الوجود. وسببه المنطقي أن الوجود الموجب لا يشترط العدم السالب لكي

يُعقل. وعلى عكس ذلك يكون العدم السالب؛ فهو يشترط الإيجاب لكي يُعقل. لذلك يأتي الوجود والإثبات

في مقدمة مقولات التعقل أو التفكّر ideation/thinking(). يترجم الاستثناء إذن عن حالات مخصوصة ولا

نمطية؛ لكنها حالات دالّة دلالة بالغة: كالإرهاب مقارنة بالديمقراطية أو بالسلم الأهلي والدّولي، وحرب

الأنصار مقارنة بالحرب النّظامية، والأزمة مقارنة بالتطور الاعتيادي، والانقلاب العسكري مقارنة بالشرعية

والتداول السلمي على السلطة، وتعليق عمل القانون مقارنة بمجرى العدالة السوّي ومقتضياته وإجراءاته. -22 كل هذه الحالات الخصوصية هي حالات «أزمات سياسية بالغة الخطورة»، لئن ظلت في دائرة المعقول

19 أرسطوطاليس، السياسات، نقله من الأصل اليوناني وعلق عليه أوغسطينس بربارة (بيروت: اللجنة الدولية لترجمة الروائع

الإنسانية، 1957)، الباب 1، الفصل 1، الفقرة 11، ص.9

20 Alexis de Tocqueville, Travail sur l’Algérie (version numérique par Jean-Marie Tremblay; réalisée à partir du texte d’Alexis de Tocqueville, Travail sur l’Algérie, publié en 1841, collection «les classiques des sciences sociales», édition complétée le 12 mars 2002 à Chicoutimi, Québec), sur le site: <http://classiques.uqac.ca/classiques/De_tocqueville_alexis/ de_la_colonie_algerie/travail_sur_algerie/travail_sur_algerie.html>.

فإنها توجب بالضرورة «التعليق أو الخرق المؤقت للقواعد العادية الضابطة للتنظيم الحقوقي السياسي الذي

لجماعة ما بهدف وضع حد للأزمة» ثم العودة بالتنظيم الحقوقي السياسي إلى سالف مجراه العادي. إنها

حالات متناهية الدقة والحرج. وهو ما يشترط بدوره تدبيرًا استراتيجيًا للأزمة، أي فكرًا سياسيًا استباقيًا، يعالج

الأوضاع المباشرة والمتقلبة ويدرك كنهها وموازين القوى الفاعلة فيها من دون زيادة ولا نقصان، ويستكشف

ممكنات تطورها ويصنف مختلف إشكالاتها، على نحو ما يُسْتَلْهَم من فلاسفة تدبير الأزمات، مثل مكيافييلّ

وهوبز أوالً، ومن ماركس وجورج سوريل ولينين ثانيًا؛ ومن بعدهم كارل شميت ثالثًا. وعلى الرغم من

التضاد بين نظريات هؤلاء يمكن التقريب بينهم من جهة موقفهم الناقد لليبرالية ولعجزها عن تدبير الأزمات. -23 ومع ذلك، فإن هناك مفهومًا أعمَّ وأحْكمَ يؤدي وظيفة السّند أو الأرضية لمفهوم الاستثناء وهو مفهوم

الضرورة، فهو أعمّ لأنه يوجب الاستثناء ويعلّل أسبابه: فقولنا إن «الاستثناء يؤكد القاعدة » يشترط بالتضمين

قولَنا إنّ «الضرورةَ تجري مجرى القانون »، أو إنّ «للضرورة أحكامًا ». الضرورة هي إذن أمّ القضايا (العبارات).

وبلغة أخرى، إذا صنعت الضرورةُ القاعدةَ وأحكامَها، فإنها تصنع الاستثناء أيضًا وأحكامه. القاعدة والاستثناء

هما توْأمَا الضرورة. وقد يُقال أيضًا: «ليس للضرورة من قانون البتة »، ولكن على الرغم من التناقض

الظاهري بين هذه العبارة الأخيرة وبين سابقاتها فإنها تُتَأوّل على أن الضرورة هي القانون ذاته، كما يوحي بذلك

المفهوم اليوناني والروماني القديم المتأصل في الرؤية الميثولوجية لتلك الثقافة Anánkê/ Necessitas ()، وهي

قانون غاشم تنصاع له كل الموجودات، بما في ذلك الآلهة ذاتها، على الرغم من قيامه على مبدأ القسمة) moira(

والنصيب بحسب مراتب الموجودات. ولكن يحدث أن تُستثنى بعضُ الآلهة أو أشباه الآلهة بالخصوص لقربها

من الإنسانية، فتتمرد على القانون الظلوم وتثور ضده باسم العدالة، على نحو ما نقرأ في رائعة أسخيلوس

التراجيدية، بروميثيوس مُقيَّدًا، وهو واهب الحرية للإنسانية. -24 وموجز القول إن مفهوم الاستثناء مفهوم «ضعيف» المعنى يَعْتوِرْه الارتخاء بما هو محض مفهوم، فلا يكتسب

القوةَ والصرامةَ إلاّ بفضل اتصاله بمفهوم الضرورة، أو بمفهوم الجبر كما يُقال عندنا، كالقول إن «للضرورة

أحكامَها»، ومنها الاستثناء. زد على ذلك ما هو أهم بكثير، وهو أن اتصال الاستثناء بالضرورة اتصاالً وثيقًا

يمنحه ما يمنح القاعدةَ من صلوحيّة منطقية ومن أحقية الاستمرار والدوام، فينتقل الاستثناءُ من منزلة الحالة

المؤقتة إلى منزلة الحالة المؤبدة. وهذه هي حال عديد الاستثناءات الظرفيّة المُعَطِّلة للقوانين وللحقوق، أو السّانّة

للإجراءات العُرفيّة، أو المعَلِّقة للعدالة في وقت الأزمات والثورات والانقلابات والغزوات الاستعمارية، ذلك

أن السلطان عمومًا والسلطة التنفيذية خصوصًا يطمحان إلى السلطة التامة بالانتقال من التخصيص (مكافحة

الإرهابيين مثالً) إلى التعميم (عموم المواطنين). وهَهُنا يصير الوضع الاستثنائي مصدرًا للظلم ولخذلان

العدالة. وبلغ ما بلغ الوضعُ الاضطراري المسوغ لإقامة حكومة كاملة السلطات بسبب تلك الأزمات الطارئة،

فإن نزوعها إلى الشمول والاستمرارية بتعلات مختلفة مثل «الانقاذ الوطني» أو «استعادة هيبة الدولة» أو

«تأمين الوضع الأمني» أو « حماية الثورة » أو « تحصين الثورة »، أو «الوضع الانتقالي»، تمهد الطريق، موضوعيًا،

وبوعي أو من دونه، لانتصاب الدكتاتورية على الأرجح. إن تعجل الحزب النازي بألمانيا، منذ 1933، في سن

« أمر لأجل حماية الشعب والدولة » مثال قوي ولكنه ليس الأول ولا الأخير؛ ولقد سبق أن شرحه الفيلسوف

الإيطالي جورجيو أغامبن معتبرًا إياه توطئة للحرب الأهلية لأجل تصفية الخصوم السياسيين الداخلييّن، أفرادًا

21 Marie Goupy, «Eat d›exception,» DicoPo (8 Juillet 2012), sur le site: <http://www.dicopo.fr/spip.php?article131>. Giorgio Agamben, Etat d’exception, trad. de l’italien انظر:». Necessitas legem non habet 22 يقول المثل الحقوقي اللاتيني«:.par Joël Gayraud, l’ordre philosophique (Paris: Seuil, 2003), p. 43

وأحزابًا وجماعات ومواطنين، وللحرب العالمية لأجل تصفية الأعداء الخارجيين وبسط السيادة العالمية على

الدول والأمم. -25 ويستفحل الأمر في ظل الحكومة الحزبية، أي في حقل السياسة بامتياز، إذْ يُستخدم الوضع الاستثنائي

لأجل خرق «المعايير الأخلاقية» المحددة للسلطة في حالة أزمة بتعلة «إنقاذ الدولة الدستورية» من الهلاك أو

من المخاطر الحافة بها. وهو ما يعني أن السلطات الليبرالية، وهي المؤهلة لتسيير الظروف الاعتيادية، تتوهم أنها

قادرة على تأطير الأزمات تأطيرًا وقائيًا ووقتيًا، فإذا بها تسوغ الانزياحات عن قواعد «الظروف الاعتيادية».

وإذْ يمكن تأويل الاستثناء تأويالً تبريريًّا يسوغ ما يَعرُض من شططٍ في استخدام السلطة الاستثنائية المؤقتة

للقوة والعنف، في حالة الانقلاب العسكري على وجه الخصوص، فإن النّص الواضع له إنما هو، في أصله

الحرفي والمعلن، لأجل اجتناب كل شطط، إذْ لا يخفى أن موازين القوى تجري على نحو يختلف عن روح

التشريع؛ فالغالب أن الوضع الاستثنائي ينتصر لطرف ضد طرف من أطراف النزاع ولسلطة ضد أخرى، كأن

ينتصر لدعاة الاستبداد ضد أنصار الحرية، وللأغنياء ضد الفقراء وعموم المستضعفين، وللسلطة التنفيذية على

حساب السلطة التشريعية، وقد ينتهي إلى إلغاء الثانية ويعمل بمقتضى الأوامر القانونية؛ وكأن ينتصر للمحاكم

الاستثنائية على حساب السلطة القضائية الشرعية، ويستخدم الثانية تابعةً للأولى. وهذا ما يكون مؤداه جملة من

الإحراجات والطرق المسدودة. تزداد علاقة الاستثناء والضرورة وضوحًا بطرح الإحراج المهم التالي: فإمّا أن يكون للحالات الاضطرارية

منطقها الحقوقي المخصوص عليها أو معقوليتها الحقوقية المخصوصة عليها فتظل في دائرة روح الشرائع ويظل

مبدأ التشريع متحكامً بزمامها، وإمّا أن يكون لها منطقها السياسي والحربي الصارم، والفاصل فصالً سياسيًا

استراتيجيًا بين «الصديق والعدو»، فتخرج من دائرة روح الشرائع، وتصطبغ بصبغة سياسية مكافحة ومستقوية

لا غير. لأجل اجتناب هذا المأزق وتحصين ذاته ضد التناقض والنقد والاعتراض، يعمد الوضع الاضطراري

الاستثنائي إلى استحضار مفهوم خصوصي هو مفهوم «بداهة الضرورة» في حد ذاتها. ويعني ذلك، بالنتيجة

اللازمة، أن الوضع الاستثنائي، بما هو حالة اضطرارية بديهية ذات تسويغ موضوعي، يتموضع في ما وراء

الحق، وما وراء القانون. غير أن هذا «الما وراء» هو أيضًا وبدوره إحراج أكبر فلا يجد ح ممكنًا له إلاّ في نظرية

«القرار»، وهو ضرب خاص من ضروب الفصل في الشوؤن العمومية به ترتدُّ بداهةُ الضرورة مسعورةً على

أعقابها لتعود إلى مهدها الأول، ثم إلى مثواها الأخير، وهو بداهةٌ ذاتية يجسّدها «صاحبُ القرار» ويعبر عنها

بقوة حدسه واستعجال فصله وعنفوان فعله: «لا يكون صاحبَ سيادةٍ إلاّ من يتّخِذ القرارَ»، كما ذكرنا عن كارل

شميت. أَلاَ إنّ البداهةَ والأوَانيَّةَ الزمانية قَرينَان لا يفترقان؛ ولكنهما مضادّتان للمداولة وللمشورة ولإجراء

العدل المنصف المتعَقِّل على وجه الخصوص (حالة قانون باتريوت).

23 المصدر نفسه، ص.11

24 Marie Goupy, «L’Essor de la théorie juridico-politique sur l’état d’exception dans l’entre-deux guerres en France et en Allemagne: Une Genèse de l’état d’exception comme enjeu pour la démocratie,” (Thèse de doctorat de philosophie, Ecole normale supérieure de lyon - ENS LYON, 2011), pp. 359-360, note 344.

25 المصدر نفسه، ص 135، هامش 126، 145 و 177-176، هامش.249

26 كتب فرانسوا سانت بوناي قائلا: «الضرورة البديهية هي من طبيعة مختلفة في الصميم عن الضرورة السويّة [الاعتيادية]، وهو ما

François Saint-Bonnet, L’Etat d’exception, léviathan (Paris: Presses:يفسر لزوم استتباعات حقوقية أخرى مغايرة جذريًا». انظر

.universitaires de France, 2001), p. 141

اختتام سردي

-26 منذ حروب نابليون، على الأقل، أو قُلْ تدقيقًا منذ « حرب العصابات »، وتسمى أيضًا ب« حرب الأنصار »

الإسبان التي قاوم بها هؤلاء الجيشَ النظاميَّالغازي لبلادهم)1808(، والاستثناء تلو الاستثناء لا ينفك،

وقائعيًا وتشريعيًا، يتسرب إلى دائرة قانون الحرب تخصيصًا، وإلى دائرة القانون تعميامً، وإلى دائرة الحق تأصيالً،

وإلى دائرة العدالة كمعيار تعتبره بعض التأويلات الفلسفية المعيارَ الأسمى في نهاية المطاف، حتى سرى في

عصرنا هذا سريانًا شديدًا في طيّات العولمة السياسية الحقوقية، ثم ازداد تعميامً وصار وكأنه من طبيعتها. وهذا

مؤشر إلى أزمة كبيرة تنبئ بتحولات أعمق إن سلبًا أو إيجابًا. -27 أمّا في وقتنا هذا، فإن المنطق المخصوص على «الأمر الإمبراطوري » لا يستقيم من دون مفهوم الاستثناء

على نحو ما رأينا. إن العالم، عالم الإنسانية الحالية، واحد من عدة أوجه، غير أن متنه الحقوقي والرمزي أوغلت

فيه استثناءات، على نحو صار معه الاستثناءُ يجري، اليوم، مجرى القاعدة بعد أن كان تأكيدًا لها، حتى لصار

يُقال إن العالم كلَّه محكوم بالاستثناء، وأكثر من ذلك بات خرقُ القانون أو المروقُ عنه «مصدرًا اعتياديًا

لإنتاج القانون». إن انحرافات وانزياحات كهذه في بناء عولمي مائل، وبعد حديث، هي ما يُمَكِّن خطابًا، كخطاب «الفوضى

الخلاقة»، من شرط وجوده السياسي فيُحوّل ما يظهر بمظهر الهذيان والسفسطة السياسية إلى استراتيجيا معلومة

ومتَبرَصِّة لا تخلو منظومتُها السياسية والعسكرية من «معقولية» نابعة من طبيعتها ومخصوصة عليها هي بالذات،

ومتغذيّة من إنجازيّة مَلْفوظيّة performativity() متضاعفةِ التأثير في فضاء تواصلي وافتراضي متزايد التعاظم

ومتعاضد مع سلطان المال والإعلام والقوة التكنو- عسكرية. وقد قيل إن من له الاقتدار السياسي يصنع للِّسان

لَفْظَه ومعناه، مفاهيمَه وقواعدَه النحوية: «إنَّ قيصْرًا يحكم أيضًا قواعد النّحْو»َ. والقصد هو أنّ الاستثناء،

مهما ظهر بمظهر المؤقت، هو ضربٌ من الاستراتيجيا البعيدة المدى، وضربٌ من التق ين والتشريع بتعميم آثاره

وتوابعه في المكان وباستدامتها في الزمان. وهَهُنا يتّخذ الاستثناء الصيغة المستحدثة المنعوتة ب«الأنوميا»، أو قل

«اللاّناموس»، إذا عربناها تعريبًا حرفيًا، وهي سيطرة «اللاّقانون». والأرجح أنَّ ما هو مبطّن ومقصود ليس

نهاية القانون، بل تعليق الحق، وإعادة صوغ مفهوم العدالة بالكامل من منطلق الذاتية، وهي ذاتية الاقتدار

والقوة؛ ومن منطلق الإرادوية، وهي إرادوية سياسة تنعتها وسائط الاتصال بإرادة «صنع القرار» كشكل أعلى

من أشكال بسط السيادة السياسية قبل أن تكون سيادةً من نوع آخر. -28 أمّا الواقعات الدالة على هذا القول، فكثيرة في العقدين الأخيرين، لعل من أكثرها دلالةً التحالفُ الدولي

الذي حققته، معها وحولها، الولايات المتحدة الأميركية منذ حرب الخليج الأولى، وبعد سقوط « جدار» برلين

Carl Schmitt, Théorie du partisan: Note incidente relative à la notion de politique (Paris: Presses universitaires 27 انظر:.de France, 1995), Introduction, pp. 208-209

28 انظر: مايكل هاردت وأنطونيو نيغري، الإمبراطورية: إمبراطورية العولمة الجديدة، تعريب فاضل جتكر؛ راجع النص رضوان السيد

(الرياض: مكتبة العبيكان،.)2002

29 Agamben, p. 146 et sq.

30 المصدر نفسه، ص.33

31 Carl Schmitt, «Formes de l’impérialisme dans le droit international,» trad. J. L. Pesteil, dans: Carl Schmitt, Du politique: «Légalité et légitimité» et autres essais, textes choisis et présentés par Alain de Benoist, révolution conservatrice (Puiseaux: Pardès, [1990]), p. 99, et Tuchscherer, pp. 25-42.

مباشرة. وليس خافيًا ما للجدار من رمزية جيو سياسية. أمّا قرار وقف المعارك في حرب الخليج الأولى، فكان

أيضًا قرارًا أميركيًا في كُنْههِ. كان من اللزوم في نظر الولايات المتحدة، على ما نرى، إرجاء الإجهاز على عدوّها

لكي تنفرد بذلك، متى تكون الوضعية مواتية، وتبرز بما هي صاحبة السيادة على العالم وفي مقدمته أوروبا،

مجرِّدةً «صنع» قرارها، بطول الوقت، من أعراضه الدولية. وأمّا هذا الهدف فهو ما حققته حرب الخليج الثانية،

وهي التي اقرتُِح لها، في البداية، أن تُسمَّى بحرب «عدالة السماء» أو «العدالة الإلهية». وبالتروي نتبين أن أميركا

استفادت من معارضة قوى أوروبية لاستئناف الحرب. وربما ستبارك لأمد طويل تلك اللحظة التي تَشدّد فيها

وزير خارجية فرنسا بإصراره على استخدام حق الفيتو، إذْ صنع الدواعي المباشرة التي دفعت بالولايات المتحدة

دفعًا إلى اجتناب سلطة مجلس الأمن «الاعتبارية» لأجل الانفراد باتخاذ القرار الحاسم، وعزل «أوروبا العجوز»

عن موقع القرار. وفي حقيقة الأمر، لئن كان المستهدف المرئي والمباشر من حرب الخليج هو العراق، فالحال

أيضًا أن المستهدف الحقيقي والمخفيّ هو القوة الأوروبية الصاعدة آنذاك. وكانت أميركا تريد لتلك القوة أن

تكون «تابعًا» لها vassal(). وما إن تحققت الوحدة الأوروبية حتى انضم إليها، حثيثًا، أتباعُ الاتحاد السوفياتي

سابقًا، وهم الذين لم يتحرروا من ربقته إلاّ بالدخول في تبعية لسيد جديد؛ وكان عربون ولائهم إنفاذ الاستثناء

في الحق والعدالة بما وفروه من معتقلات سرية قبيل معتقل غوانتانامو وفي أثنائه. والنتيجة هي أن توسيع الرقعة

الجيوسياسية للوحدة الأوروبية بهذه الطريقة أنقص من قوة المركز الأوروبي، وربما طوّع القارة القديمة لإرادة

المركز الإمبراطوري في واشنطن تطويعًا لا يمكن بعد التكهن بمجرياته في المستقبل. -29 هكذا، لم تكن المصالح الاقتصادية، بالمعنى الضيق والمباشر، هي المحدد الرئيس لحرب الخليج، بل صنعُ

القرار السيادي ذي البعد الكوني أواّلً وقبل كل شيء؛ والسيادة، من جهة أولى، غير قابلة للقسمة مثلها مثل

الإرادة (روسو)؛ كما أنها من جهة ثانية، لا ختُتبَر فتَثْبُت إلاّ ببلوغ «العتبة القصوى» و«الحالة النموذجية المثالية»،

وإلاّ بالأزمة الحاسمة وبحسن تدبيرها وإدارتها. فلا غرو، إذًا، أن يكون مكيافييلّ وهوبز، وكارل شميت،

وخاصة ليو شتراوس، وأربعتهم من فلاسفة الأزمة والحالة الاستثنائية، من بين المؤلفين المستساغةُ قراءهتُم

لدى الليبراليين والمحافظين الجدد على حد سواء، فتُقرأ نظرياتهم في «المكتب البيضاوي» وتوضع جنبًا إلى جنب

مع الكتاب المقدس. إن للتمييز بين «محور الخير» و«محور الشر» خلفية «ميتا سياسية» ذات جذور فلسفية قديمة،

وكلامية وسيطة، تقول بالخير الأسمى بعيدًا عن البراغماتية. لقد استعاد ليو شتراوس نظرية الخير الأسمى

وألّف بينها وبين القوة تأليفًا محكامً وأصيالً في الفلسفة المعاصرة. وقلب بعد مكيافييلّ، علاقة الحق والعدالة

بالقوة، أي علاقة الخير الأسمى بتدبير الشؤون الجارية، بأن جعل من القوة والفضيلة العُنْفُوانية virtu() سندًا

ومحركًا للحق وللعدالة البشريين. وهو تأليف يصفي الحساب مع البراغماتية الحديثة من جهة ومع الأفلاطونية

وترسباتها من جهة ثانية. ومفاد المسألة هنا أنْ لا استراتيجيا حقيقية بلا خلفية فلسفية حقيقية، أو قُلْ، على الأقل، بلا «قراءة» فكرية

حقيقية جتُاوِز السياسات الصغرى، وهي سياسة لكل يوم قضاءه، إلى السياسات الكبرى، وهي السياسات

الاستراتيجية التي على محكّها تحيا الدول أو تموت. وليست الأزمة بما هي انكسار وميلان وانحراف في السير

العادي للشؤون السياسية سوى ضرب من الاستثناء على محكه يمتحن صاحبُ السيادة قدرته على الفصل

واتخاذ القرار. وهنا يتجلى وجه المعقولية الغربية في الشأن السياسي وذلك لأن الاستثناء بقدر ما هو محايث

للسببية «الطبيعية»، أو قل هو محايث للسببية «الموضوعية» المتحكمة في مجرى الواقع، هو كذلك ترجمان الذاتية

32 مقابل ذلك، لفرنسا، إذا شاءت، أن تتلهى بمربع صغير من لعبة الشطرنج العالمية الكبرى: لبنان وسورية.

القادرة على القرار. هَهُنا تتطابق العلة الخارجية (السبب) مع الاقتدار الجواني (العنفوان الذاتي) كتطابق العقل

ratio()، مع نفسه، من جهة كونه سببًا في الطبيعة وملكة في الذهن في أوان واحد؛ صاحب السيادة هو الدّاري

بنقطة الرجحان The Tipping Point(): رجحان كفة الموازين، فيقرر حسمها. وهكذا تنقسم السياسة على

ضربين: سياسة صغرى للأوقات الاعتيادية، وسياسة كبرى لأوقات الأزمة والاستثناء. نرى على هذا النحو كيف أن فعل الإرادة ينبني على معرفة دقيقة وشاملة ب«رقعة الشطرنج» التي هي العالم

بموازين قواه الدولية، معرفة تضاهي -معياريًا وليس وقائعيًا- المعرفة الفيزيائية. وهنا ندرك مغزى الانزياح

من رؤية تاريخية سياسية، أي من سياسة تسندها التجربة التاريخية التقرييبة ويسندها السرد السلالي الشغوف

بالدروس والمواعظ إلى رؤية جغرافية سياسية (جيوسياسية) أي إلى سياسة تسندها المعرفة الدقيقة، وليس

التقريبية، بتضاريس المكان، وبانسجاماته وتشظياته وانكساراته؛ وتستبطن لا محالة المرجعيات الزمانية التاريخية

ذات الدلالة. وهذا، تحديدًا، ما عَقِلَه الاستراتيجي الأميركي، والقنُوطِيّ، زبيغنيو بريجنسكي، منذ عقود

والذي لا يزال تأثيره شديدًا إلى الآن، وحاول التنظير له المتفلسفُ المُتهَيْغِلُ (نسبةً إلى هيغل) فوكاياما في مؤلّفه

نهاية التاريخ. -30 لن نجانب الصواب إذا قلنا إن الأمر العولْمي الحالي الذي نحن بصدد قراءته هو استئناف لواقعة محليّة

ارتبطت بنشأة الولايات المتحدة ذاتها؛ ونحن نشير إليها بسرد أدبي هو التالي: في سنة 1782 طلب جون آدامز -وهو الذي كان وزيرًا مفوضًا للتفاوض مع بريطانيا العظمى، ثم ثاني رئيس

للولايات المتحدة الأميركية بعد جورج واشنطن  [طلب] من الفيلسوف الفرنسي، لابييه دو مابلي (Abbé de

Mably)، أن يكتب ملاحظات حول دستور الجمهورية الأميركية. استجاب الفيلسوف للطلب وأصدر في

سنة 1784 كتابًا عنوانه « ملاحظات حول نظام الحكم في الولايات المتحدة الأميركية وقوانينها »، وكان آخر

مؤلفاته. وعلى ضوء فكرة العدالة التي تنزلّها فلسفتُه الأخلاقية منزلةَ «قيمةِ القيم»، خصص مابلي أهم أجزاء

كتابه لتحليل أسس الجمهورية الأميركية، ممجدًا ومادحًا ما نعته ب«الحرية المكتسبة» ومعبرًا عن أمله في أن يعمل

الأميركيون على «استكمال ثورتهم المباركة»)heureuse révolution(.

33 وحال العرب، على الجملة، هي تدبير أوقات اليسر لا أوقات العسر؛ وهم يتدبرون أوقات العسر على نحو ما يتدبرون أوقات اليسر.

أمّا الاقتدار الأميركي فيجري على خلاف ذلك تمامًا: تدبير أوقات اليسر كتدبيره لأوقات العسر، حتى ولو اختلق الأزمات واصطنع

الحالات الاستثنائية.

34 الأرجح أن طلب جون آدامز كان باسم الكونغرس الأميركي. ولقد أثارت مسألة الطلب هذه جداالً في القرن الثامن عشر ولا

تزال: هل طلب آدمز طلبه ذاك من مابلي أم لم يطلب؟ ولقد رجعنا إلى الوثائق بما في ذلك توضيحات آدمز ورسالته إلى مابلي، فتبين لنا

أن الزعيم الأميركي قام بهذا الطلب كتابيًا. وتصرح وثائق آدمز نفسه بأن الأميركيين يقرأون مؤلفات مابلي بشغف وبأنه، أي آدمز، حال

حلوله بباريس قرأ كتاب مابلي في طريقة كتابة التاريخالذي ينتهي بالتعبير عن نية مؤلّفه في تأليف كتاب حول تاريخ أميركا. إذا كانت

النية واردة عند مابلي من قبل، فإن «المناسبة» أثارها آدمز، وبالخصوص في سهرة العشاء التي أقامها لهما، في تشرين الأول/أكتوبر 1782،

لابي دي شاليت l’Abbé de Chalut()، وهو صديق آدامز. أمّا ما سيقدمه جون آدامز لاحقًا من تدقيقات وتوضيحات حول سياق

الطلب وملابساته فلا يفسر إلا بخيبة أمله وأمل رجال الثورة الأميركية من ملاحظاتمابلي التي جاءت ناقدة لبعض العناصر في تكوين

(دستور) الجمهورية الأميركية الوليدة.

35 مامّ قاله مابلي مخاطبًا الأميركيين: «إن كل الأمم الأوروبية تقريبًا تجهل المبادئ الأساسية للمجتمع وهي لا تنظر إلى المواطنين وِ

إلا كماشية في مزرعة تُساس بحسب المصلحة الخاصة لمالكها؛ وإننا لنندهش وتأخذنا الروعة أن تقيم جمهورياتُكم الثلاث عشرة كرامة

الإنسان وأن تستقي من الفلسفة الأكثر حكمةَ المبادئَ الإنسانية التي تريد أن تحكم بها نفسها بنفسها». لا يمكن لحكيم مثل مابلي، الفرنسي

المنشأ والأوروبي النزعة»، أن يمدح حادثًا سياسيًا في أميركا، بما يزيد عما قاله. انظر: «Observations sur les Lois Gabriel de Mably,

. et le gouvernement des États-Unis d’Amérique,» dans: Mably, Oeuvres complètes, vol. 9

غير أن الفيلسوف لم يكتم موقفًا نقديًا، بعيد الغور، ومتأتيًا من حدسه القوي بمخاطر تلوح في أفق تاريخي

عالمي بعيد، فخصص جزءًا من كتابه لتنبيه الأميركيين إلى أن الأسس الاجتماعية والاقتصادية لنظامهم تقيم

فوارق بين المراتب الاجتماعية وتميز «الأغنياء كمرتبة منفردة». إذْ إن القوانين وحدها لا تكفي، في رأيه،

لاستتباب السلم الداخلي ما لم تعضدها ما يسميه ب«الفضائل الاجتماعية». وقدم مابلي «نبوءتين» شهد له التاريخ

بصحتهما: الأولىهي أن انعدام العدالة الاجتماعية سيقود حتامً إلى اندلاع حرب أهلية في الداخل، والثانية هي

أنه سيؤدي إلى بسط سلطان التوسع والهيمنة والنزاع في الخارج، « طال الأمد أم قصر » كما يقول. فأمّا الحرب

الأهلية فاندلعت في القرن التاسع عشر، وأمّا التوسع والهيمنة فبُسِطا في القرنين العشرين والواحد والعشرين.

ومع ذلك فإن الكتاب لقي، بسبب ذلك النقد، استقباالًاستحقاريًا في بلاد «الحرية المكتسبة» تصفه مجلة ماركور

دو فرانسالأدبية (Mercure de France)، في عددها الثالث الصادر سنة 1785، وصفًا مشهديًا مثيرًا نلخصه

كالتالي: يمكن للمشاهد في شوارع المدن الأميركية أن يرى مشانقَ وقد نُصِبت على عجل، ومن حبالها تتدلى

«تماثيل» تشخص كائنًا ذا وجه بشري؛ كما يمكنه أن يرى أناسًا آخرين يجرون نسخًا كثيرة من كتاب مطبوع

ويلقون بها في الأوحال. فأمّا التماثيل فتشخص الفيلسوف الفرنسي لابييه دو مابلي، وأمّا النسخ فهي من كتابه

ملاحظات حول نظام الحكم في الولايات المتحدة الأميركية وقوانينها. -31 وتخطر على الذهن تساؤلات محيرةً: كيف أمكن لظاهرة محلية أن تصبح لاحقًا ظاهرة عالمية، وكيف أمكن

لأيديولوجيا تقوم على النقض والاستثناء أن تظهر إبان نشأة الولايات المتحدة وأن تتسرب منذ زمن التأسيس

وعهد الشباب إلى المخيال الجمعي وإلى براغماتيات أولى الجمهوريات الحرة والديمقراطية في العالم؟ أي عدوّ

خارجي يمكن تعيينه بعد استقلالها عن التاج البريطاني وإعلان دستورها؟ فهل كان هناك نظام شيوعي قائم في

سنة 1784؟ وهل كان للمكارثية وجود أم أنها سابقة لزمانها؟ وأيّ «إرهاب عالمي» كان يهدد الولايات المتحدة

آنذاك، اللهم أن نعتبر أفعال بعض قراصنة البحر من الغوادلوب إرهابًا دوليًا، علامً أنه كان للقرصنة تشريعها

ونظامها البحري الدولي؟ فما «اللغز» في دحض ما ليس بموجود بَعدُ؟ أليس في مثل هذا الارتياب وفي مثل

هذه الخيفة من المختلف والمخالف ضرب من المفارقة البالغة؟ والحال، أن تلك الجمهورية قد أسسها «الغرباء»

بالتحديد؟ ولكن هل يتعلق الأمر بمجرد ارتياب أم أن جوهر الديمقراطية في صيغتها الرأسمالية الليبرالية غير

منزّه عن أعراض ذاتية للعنف والحرب؟ ولكن الجواب الممكن عن هذه التساؤلات يقودنا إلى موضوع آخر لا

يخص مبحثنا هنا؛ وقد كانت لنا مناسبةُ تناوله في دراسة سابقة.

36 Gabriel de Mably, «Gouvernment,” dans: Mably, Oeuvres complètes, vol. 9.

37 انظر: عبد العزيز لبيب، «الفلاسفة ونشأة الولايات المتحدة الأمريكية،» المجلة التونسية للدراسات الفلسفية، العددان:37-36

الحرب والعدل والعولمة (2003-2004). أعيد نشره في: الفكر العربيالمعاصر، العددان.)2007(141-140