تفكيك التركيب :تحوُّلات الخارطة في المرئيات الفلسطينية
Deconstructing the Construction: Transformations of the Palestinian Map in Palestinian Imagery
الملخّص
تقرأ هذه الدراسة تحوُّلات الخارطة الفلسطينية في المخيالين الثقافي والسياسي منذ بدايات انهيار المشروع الوطني الفلسطيني سنة 1974 وحتى قبول فلسطين دولة، غير عضو، مراقبةً، في الأمم المتحدة سنة 2012 ، وتحلّل، تنافذيًا، مظاهر تشظِّي الخارطة الفلسطينية، وتشوُّه مسمَّياتها في التعبيرات السياسية والفنية لدى الفلسطينيين على مستويات: الفكرة، والتقنية، والجمالية. وفيما يحيل النظر في تحوُّلات الخارطة في الخطاب السياسي إلى وطأة «الواقعية السياسية » في تصورات حل «المسألة الفلسطينية » بدولة على خط هدنة سنة 1967 ، يفيد تأمل تحوُّلات الخارطة في الخطاب الفني بإمكانية تجاوز تلك «الواقعية السياسية » نحو «الواقعية الجمالية » التي طرحت صورًا ثقافيًا لحلّ «القضية الفلسطينية » المتمركزة حول نكبة 1948 كنظام حدثي تأسيسي محيل إلى ذاته: هويةً، وذاكرةً، وخارطة.
Abstract
This study examines the transformations of the Palestinian map in cultural and political imagery since the beginnings of the Palestinian national project’s collapse, in 1974, until the admittance of Palestine as a non-member observer state in the United Nations, in 2012. The paper conceptually, technically, and aesthetically analyzes the various manifestations of the fragmentation of the Palestinian map, and how its representation has been deformed in Palestinian political and artistic expression. This investigation of the shifts in the Palestinian map’s representation in political discourse points to the heavy toll of political realism, which imagined a solution to the “Palestinian question” through the establishment of a state along the 1967 ceasefire line. However, examining the transformations of the map in Palestinian artistic discourse opens up the possibility for surpassing that political realism toward an “aesthetic realism” that proposes a cultural vision for the resolution of the Palestinian cause. This centers around the 1948 Nakba as a conjunctural, foundational, and self-referencing system: an identity, a memory, and a map.
- المرئيات الفلسطينية
- الواقعية السياسية
- خط الهدنة
- هوية
- نكبة
- Deconstructing the Construction
- the Palestinian
- cultural
- political
- Nakba
تحوُلّات الخارطة في المرئيات الفلسطينية
تقرأ هذه الدراسة تحوُلّات الخارطة الفلسطينية في المخيالين الثقافي والسياسي منذ بدايات انهيار
المشروع الوطني الفلسطيني سنة 1974 وحتى قبول فلسطين دولة، غير عضو، مراقبةً، في الأمم
المتحدة سنة 2012، وتحلّل، تنافذيًا، مظاهر تشظِّي الخارطة الفلسطينية، وتشوُّه مسمَّياتها في
التعبيرات السياسية والفنية لدى الفلسطينيين على مستويات: الفكرة، والتقنية، والجمالية. وفيما
يحيل النظر في تحوُلّات الخارطة في الخطاب السياسي إلى وطأة «الواقعية السياسية» في تصورات
حل «المسألة الفلسطينية» بدولة على خط هدنة سنة 1967، يفيد تأمل تحوُلّات الخارطة في
الخطاب الفني بإمكانية تجاوز تلك «الواقعية السياسية» نحو «الواقعية الجمالية» التي تطرح
تصورًا ثقافيًا لحلّ «القضية الفلسطينية» المتمركزة حول نكبة 1948 كنظام حدثي تأسيسي محيل
إلى ذاته: هويةً، وذاكرةً، وخارطة. «كنا طيبين وسُذَّجًا.
قلنا: البلادُ بلادُنا، قلبُ الخريطة، لن تصاب بأيِّ داءٍ خارجيٍّ...
سقط القطارُ عن الخريطة، واحترقتَ بجمرة الماضي. وهذا لم يكن غزوًا!
ولكني أقولُ: وكلُّ ما في الأمرِ أني لا أصدِّقُ غير حدسي ».
محمود درويش
1 هذه الدراسة هي جزء من مشروع بحثيَّ مطوُّل قُدِّمت خلاصاته وخطاطات أقسامه المختلفة في المؤتمر السنوي الأول للمركز
العربي للأبحاث ودراسة السياسات، لذي انعقد في الدوحة في 26-24 آذار / مارس 2012، بعنوان: «الهوية واللغة في الوطن
العربي». ويستهدف البحث المطوَّل، بعنوان: «متلازمة كولومبوس وتنقيب فلسطين: جينيالوجيا سياسات التسمية الإسرائيلية للمشهد
الفلسطيني»، دراسة الكيفية التي تمت بها عمليات «التطهير الاسمي» الإسرائيلي للمشهد الفلسطيني كما يظهر في اللافتات الإرشادية على
الطرق ضمن هندسة لغوية استعمارية، وكيفية مواجهتها والرد عليها بهندسة فلسطينية لغوية مضادة. للمزيد، انظر: عبد الرحيم الشيخ:
«متلازمة كولومبوس وتنقيب فلسطين: جينيالوجيا سياسات التسمية الإسرائيلية للمشهد الفلسطيني،» مجلة الدراسات الفلسطينية،
السنة 21، العدد 83 (صيف 2010)، ص 109-78، و«فاعلية الخطاب الحقوقي الفلسطيني المقاوم (2010-1997) في إعاقة
الهندسة اللغوية الإسرائيلية لعبرنة المشهد الفلسطيني،» مجلة الأبحاث (بيروت)، العددان 59-58 (2012)، ص.108-61
«في تلك الإمبراطورية بلغت مهنة رسم الخرائط حدَّ الكمال إلى درجة
صارت فيها خارطة قضاء واحد تغطِّي فضاء مدينة بأسرها. ومع مرور
الزمن، غدت هذه الخرائط غير وافية بالحاجة، فعملت أكاديمية واضعي
الخرائط على رسم خارطة للإمبراطورية بمساحة الإمبراطورية نفسها
بحيث تُقَارَنُ فيها النقطة على الخارطة بمثيلتها على الأرض. غير أن
الأجيال اللاحقة، غير آبهة برسم الخرائط، استثقلت هذه الخارطة...
ودونما قلة احترام لها، هجرت الأجيال الخارطة، وتركتها لقسوة
الشمس والمطر. أمّا اليوم، فلا تزال المِزَقُ البالية المتبقية من هذه
الخارطة موجودة في الصحارى الغربية، تحتمي بها الوحوش الشاردة
والمُعدمون البلا بيت... لكن ليس ثمة، على طول البلاد وعرضها،
أي أثر لعلم الجغرافيا!»
خورخي لويس بورخيس
مفتتح: هوية الخارطة في المرئيات الفلسطينية (السؤال، النظرية، التحوُلّات)
لقد أدّت التحوُلّات الهائلة في الجغرافيا الفلسطينية، وخاصة بعد قرار التقسيم سنة 1947، إلى تحوُلّات
مماثلة في حقول المعاني السياسية والاجتماعية والثقافية للهوية الفلسطينية، خاصة في تصويرها لهذه
الجغرافيا وذاكراتها المختلفة، وما يع عنهما من خرائط. وعلى الرغم من حضور خارطة فلسطين التاريخية في
المرئيات الفلسطينية (من خرائط فعلية، وشعارات لمنظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها، وغيرها من الحركات
الوطنية الفلسطينية، والاتحادات، وملصقات، وطوابع، ونصوص مناهج مدرسية، وتسميات للفضاء العام
وعلاماته، وأدلة سياحية، وأعناق عرائس...)، فإن المشهد الفني الفلسطيني كان حقالً ميدانيًا أخصب لأكبر
هذه التحوُلّات على صعيد إنتاج تمثيلات جديدة لخارطة فلسطين، ولا سيما عبر وسيط «التركيب» أو «الأعمال
الإنشائية Installation(») التي يصفها تيار نقدي فني سائد ك«عملية تهشيش فني» تعادل، موضوعيًا، عملية
سياسية مماثلة أدَّت إلى إيصال المشروع الوطني الفلسطيني إلى أقسى درجات هشاشته وأقصاها. هنا، تبرز أسئلة تلفُّها المفارقة على شاكلة: كيف أدَّى الانهيار السياسي والثقافي للخطاب الفلسطيني ما بعد
سنة 1974، وخاصة بعد اتفاق أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية سنة 1994، إلى تشظِّي الخارطة الفلسطينية،
وتشوُّه مسمَّياتها في الخطاب السياسي، وفي المرئيات الفلسطينية في الفضاءات الخاصة والعامة؟ وكيف أدَّى
تراجع الحصاد السياسي للمشروع الوطني الفلسطيني إلى تمكين بعض المقولات الثقافية والفنية، ولربما على نحو
تعويضي، في تناولها للخارطة؟ ليس ثمة سبيل لفرضيات كبرى في هذا المقام، غير أنه ابتداءً بظهور «خارطة الطريق» في المشهد السياسي،
ومرورًا بتفكيك الخارطة في أعمال «التركيب» في المشهد الفني، وانتهاءً ب«سقوط القطار عن الخريطة» عن آخر
المشهد الشعري، يفقد الفلسطينيون، يومًا بعد آخر، إحساسهم بجدوى الخارطة في معظم إحالاتها الواقعية
والمجازية. ول كان استقصاء تشوُّه الخارطة وتلاشيها من المشهد الواقعي والسياسي والثقافي، والفني أمرًا
غير متحصَّل كليًا في مثل هذه الدراسة، فإن التركيز سينصبُّ على أعمال التركيب، التي كانت ثيمتها المركزية
الخارطة، في المرئيات الفلسطينية.
على هذا الأساس، تسعى هذه الدراسة، عبر استدراجها نظريات البلاغة والمكان، إلى نقد هذه التحوُلّات عبر
قراءة بلاغية-بصرية في الخطابين السياسي والثقافي للمرئيات الفلسطينية، بعد أن تتبنيّ قصة ظهور «خارطة
فلسطين التاريخية» بين «التبعية العثمانية» والاستعمارات الغربية الممركزة أوروبيًا التي تخلَّقت في كنفها دولة
الاستعمار الاستيطاني-إسرائيل و«خارطتها». هنا، تتوسل هذه الدراسة ثلاث مقولات نظرية تضيء: «البلاغة
المادية» لترصد تحوُلّات الخارطة في المخيال السياسي؛ «الأمكنة المتغايرة» لترصد الخارطة في المخيال الثقافي؛
«فضاء الذاكرة» لتفِّ تحوُلّات الخارطة في المخيالين على مستويات: الفكرة والتقنية والشاعرية.
على صعيد تحوُلّات الخارطة في المخيال السياسي الفلسطيني، تعرض الدراسة تعدد التعبيرات السياسية عن
الخارطة في كمّ هائل من النتاجات والمفارقات على المستويين الرسمي والشعبي في فلسطين وخارجها: من
ظهور مفهوم «خارطة الطريق» بباعته الكثر ورشُاته القلَّة، مرورًا بمسار تحوُلّات منظمة التحرير الفلسطينية إلى
السلطة الفلسطينية بين الشعار والشاعرية، وبالملصق الفلسطيني في ذهابه وإيابه؛ وظهور أكبر خارطة لفلسطين
في العالم في أصغر «دولة» في غزة، وانتهاءً بحضور «العودة» في خارطة المخيم. تتحول الدراسة، بعد تنافذية الفكر، إلى تنافذية المخيال، لتنتقل من مفارقات تحوُلّات الخارطة في المخيال
السياسي الفلسطيني إلى مثيلاتها في المخيال الثقافي-الفني، منتهجةً ثلاثة تصورات للمكان، هي: التصوُّر
الفراغي والتصوُّر الوجودي، وهما في الغالب تلقائيان ولم يكونا موضوعًا للخيار، أكان في الخطاب الرسمي
أم في الخطاب الشعبي، يتلوهما تصوُّر ثالث هو التصوُّر المهندس اجتماعيًا للمكان الخارطي الذي ساد تصويرَ
الخارطة في المرئيات الفنية. هنا، ترصد الدراسة انشغال الفلسطينيين بالأرض، قضيةً وموضوعةً وقيمةً، وهو
الانشغال الذي كان، ولا يزال، الأبرز في تاريخهم الوطني، وقد انعكس على معظم الفنون البصرية الفلسطينية.
غير أن الأرض وخارطتها شهدتا حضورًا لافتًا في عديد من الأعمال الفلسطينية، وخاصة تلك الأعمال التي
اختّذت من أسلوب «التركيب» وسيطًا لها ل «إعادة» تصوير خارطة فلسطين. هنا، تعيد الدراسة النظر في
نماذج متقدمة من هذه التصويرات مضاءةً بمقولاتها النصية والبصرية، وبمقولات نظرية تكاد الأعمال نفسها
تستدعيها استدعاءً، فتتناول أعمال: رنا بشارة وتينا شيرويل وفيرا تماري وجون (أبو) حلقة وخالد حوراني
وسليمان منصور وميرنا بامية وصبحي زبيدي، مع تناصّات كلٍّ منهم، الفنية منها والنظرية، وذلك قبل أن تختم
بملاحظات نقدية بشأن الفكرة والتقنية والشاعرية.
الخارطة والفن في دولة القومية: فلسطين نموذجًا
في دولة القومية الحديثة ومستعمراتها السابقة، تع الخارطة في المخيال السياسي عن فضاء واقعي ذي بُعد
سيادي ثبوتي، في حين تع في المخيال الثقافي عن فضاء افتراضي ذي بُعد تأديبي تحوُلّي، لتشكِّل الخارطة في
المخيالين رمزًا للكرامة الوطنية دائم التشكُّل. وفي ظل شرط استعماري بامتياز، كالشرط الفلسطيني، تقود
تحوُلّات الخارطة السياسية إلى تحوُلّات ملموسة أكثر في التمثيلات الثقافية للخارطة ذاتها التي قلَّصتها سياسات
السيادة والتأديب. في سياق كهذا، تتيح الأدوات المنهجية في حقلي البلاغة، الخطابية وغير الخطابية، والفضاء،
الواقعي والافتراضي، قراءةً مُعاينَةً لتحوُلّات المشروع السياسي والثقافي في آن معًا. ومع أن هذه الدراسة تسعى إلى نقد هذه التحوُلّات عبر قراءة بلاغية - بصرية، فإنها لا تدشِّن مقولة أن هذه
التحوُلّات للخارطة واستخداماتها في بادئ الأمر هي خصوصية فلسطينية، ذلك أن استخدام الخارطة وتحوُلّاتها
في الفن غير محصور في البلاد الخاضعة لشروط استعمارية. ومؤدَّى القول هنا أن ازدياد الاهتمام بالخارطة،
وخاصة في ما بعد الحرب العالمية الثانية، جاء في سياق الترسيمات السياسية والعسكرية لدولة القومية، أكان
في المركز الأوروبي أم في المستعمرات الجريحة، في أربع رياح الأرض. وقد دفعت هذه الترسيمات بالفنانين إلى
تشرُّب هذا الوله والرد عليه خرائطيًا.
لقد استُخدمت الخارطة في ما يعرف ب«فنّ (السكان) الأصليين» في أكثر من مكان في العالم كردٍّ بصريٍّ على
تحوُلّات الخارطة التي أحدثتها الاستعمارات الغربية الممركزة أوروبيًا. وفي حين جرت قراءة هذه الأعمال
ك «تحف» و«تذكارات» استشراقية، و«استغرابية» أحيانًا بما تحيل إليه المفردة من ازدواج ومفارقة، أنَّى كان
المستعمِرون الذين كانوا يتربصون بها لجمعها في مقتنياتهم الفردية أو في متاحف الإمبراطورية في المركز الأوروبي،
كان السكان المحليون يتّخذونها صنعة وطنية كآلية دفاع تعمل على سدانة الذاكرة الوطنية التي تشكِّل الخارطة
الأصلانية، قبل التقسيمات الاستعمارية التي فُرضت عليها، موقعَ القلبِ منها. وهنا، لا بد من الإشارة إلى
أن الخارطة استُخدمت في السياق الفني، إلى جانب المتحف، لتع عن التشكُّل التاريخي للأمّة، أكانت في المركز
الاستعماري أم في أطراف المستعمرات العاثرة الحظ والضحية للتاريخ. وفي كثير من الأعمال الفنية، وما لحقها
من مقولات نقدية، تم جمع الشعري مع اللاشعري لتغيير صورة الخارطة «النمطية» في أذهان المتلقيّن، إذ «لكلٍّ
خارطته الخاصة جدًا» كما يعربّ الفنان والسينمائي الفلسطيني صبحي زبيدي، حيث يمكن للعمل الفني أن يجمع
بين البصري والكتابي من غير سوء. غير أن لخارطة فلسطين قصة ذات خصوصية بالغة بين «التبعية العثمانية» والاستعمارات الغربية التي تمركزت
أوروبيًا وتخلَّقت في كنفها إسرائيل. ومع أن هذه الدراسة ليست بحثًا في جينيالوجيا الخارطة الفلسطينية، فإنه لا
بد من الإشارة إلى دراسة سليم تماري الحصيفة التي تربط بين تكوُّن «فلسطين التاريخية» و«أهلها» قبيل الحقبة
الاستعمارية الأوروبية واتفاق سايكس-بيكو سنة 1916، وتأثير ذلك التصوير العثماني لفلسطين، على غرار
دراسات شبيهة في أفريقيا ومناطق أخرى من العالم. يبني تماري مقولته على وثيقة عثمانية، بعنوان: رسالة فلسطين (Filastin Risalesi) نشُرت في سنة 1915 في
المطبعة العسكرية بالقدس، وكانت بمنزلة الكتاب العسكري السنوي لفلسطين في بداية الحرب العظمى،
خاصة لضباط القوات الخاصة في فيلق الجيش الثامن. يشير تماري إلى أن هذه الوثيقة، تتميّز -علاوة على كونها
مسحًا جغرافيًا وديموغرافيًا للإقليم الذي شكَّل الخاصرة الجنوبية لمسرح العمليات العسكرية في الحرب العالمية
الأولى، واحتوائها على جداول إحصائية وخرائط طبوغرافية وإثنوغرافية لفلسطين- باحتوائها على مكوِّنين
استثنائيين آخرين يوضحان «الطريقة التي نُظر من خلالها إلى فلسطين وسوريا من إسطنبول من قبل القيادة
2 William Joseph Rankin, “After the Map: Cartography, Navigation, and the Transformation of Territory in the Twentieth Century,» (Ph. D. Dissertation, Harvard University, Committee on History of Science, Engineering and Architecture,
3 Ana Pulido Rull, “Land Grant Painted Maps: Native Artists and the Power of Visual Persuasion in Colonial New Spain,” (Ph. D. Dissertation, Harvard University, Cambridge, 2012), and Rhoda Rosen, “Mapping Dystopia: Maps, Museums and the Nation,” (Ph. D. Dissertation in History, University of Illinois at Chicago, 2009). 4 Lisa Claire Davis Allen, “The Color of Nationalism: The Use of Formal Elements as a Vehicle for Projecting National Identities in Early Modern European Maps and Paintings,” (Ph. D. Dissertation, University of Texas at Arlington, 2001).
5 للاطّلاع على تجارب فنية مشابهة تم فيها توظيف الخارطة مع النص، انظر: Kathryn A. Cowles, «Maps and Transcripts,» (Ph. D.
Dissertation, University of Utah, Dept. of English, 2009).
6 سليم تماري، «الرؤية العثمانية لفلسطين: الترسيم العثماني الإثنوغرافي لفلسطين وسورية،» ترجمة عبد الرحيم الشيخ، مجلة الدراسات
الفلسطينية، السنة 21، العدد 84 (خريف 2010)، ص 2-537، و Diane S. Butler, «Of Bodies and Borders: Images of Africans on Early Modern Maps,» (Ph.D. Dissertation, Cornell University, Ithaca, 2004).
العثمانية الجديدة في أعقاب الثورة الدستورية في العام 1908. أمّا المكوِّن الأول، فهو خارطة عامة للبلاد تمتد
فيها الحدود لأبعد من تخوم متصرفية القدس التي كانت، إلى حينه، المعيار التحديدي لفلسطين. وأمّا الحدود
الشمالية لهذه الخارطة، فقد اشتملت على مدينة صور ونهر الليطاني، وبذا، فقد شملت الخارطة على الجليل
بكامله وأجزاء من جنوب لبنان، وكذلك أقضية نابلس، وحيفا، وعكا، التي كانت كلها جزءًا من ولاية بيروت
حتى نهاية الحرب. وأمّا المكوِّن الاستثنائي الآخر للرسالة، فهو خارطة سكانية تعرِّف سكان فلسطين وسوريا
الساحلية حسب الهوية العرقية، والطائفية، والملِّية». يقارن تماري رسالة فلسطينبأدلة استخباراتية للقوات البريطانية والألمانية وكتب أدلة سياحية، لكنه يؤكد أن
الخرائطية العثمانية، وخاصة في رسالة فلسطين، من حيث نظرتها إلى الحدود والثغور والسكان، وإن شابها في
كثير من الأحيان بُعد استشراقي ديني، «تميزت، إلى جانب كونها مسحًا للبلد عسكريًا ولوجستيًا، بغنى محتواها
الخرائطي المشتمل على خطاطات طبوغرافية سياسية منفصلة، وأكثر من ذلك، وعلى نحو استثنائي، باحتوائها
على خطاطات إثنوغرافية. وقد استخدمت معظم الخرائط الرسمية للأقاليم السورية تعبير ‹فلسطين› للدلالة
على منطقة قيد التشكُّل في متصرفية القدس وتتخطّاها، أي المنطقة المحصورة في ولاية بيروت من الشمال،
وولاية سورية من الشرق، وفي سيناء (صحراء التيه) من الجنوب. هذا، وقد حددت رسالة فلسطيناشتمال
فلسطين على سناجق عكا (الجليل)، ونابلس، والقدس (الشريف). وبذلك، وسَّعت الحدود العثمانية لفلسطين،
على نحو واضح، لتشمل مقاطع مهمة من إقليم بيروت المحدد بنهر الليطاني. ولا شك أن هذا الترسيم يتناغم
مع التحديد الأوروبي للأرض المقدسة، ويتوافق، بأقل من ذلك، مع التصورات اليهودية التوراتية ل ‘ أرض
إسرائيل ’ التي اعتيد على جعلها تغطي مساحة أكبر من ذلك بكثير. (كما) تمتاز الخرائطية العثمانية لفلسطين
وسورية بتاريخها الغني وتوافقها مع الأصول الإسلامية والأوروبية».
صورة (1): خريطة شمال فلسطين (يمين)، والخريطة الإثنوغرافية لفلسطين والساحل السوري (يسار)
في رسالة فلسطين (القدس: المطبعة العسكرية 1915)
تستمد أطروحة تماري أهميتها، كذلك، من التشديد على أن الترسيم الخرائطي لفلسطين كان في أوّله لغايات
عسكرية ومسحية إثنوغرافية، ولم يكن لأهداف سياسية كما هي الحال الآن. وقد أكدت ذلك مقولات صهيونية
7 تماري، ص.55
8 المصدر نفسه، ص.62
تبدو نقدية للوهلة الأولى؛ إذ أشار ميرون بنفينستي إلى بُعد آخر من أبعاد تعاضد المشروع الاستعماري الصهيوني
مع صنوه الغربي الممركز أوروبيًا، فأكد أن رسم خرائط الإمبراطورية البريطانية كان أساسًا لعمل لجنة الأسماء
الإسرائيلية للمشهد الفلسطيني. فمنذ أولى الخرائط الرسمية التي أُعدت في الإمبراطورية لإيرلندا في سنة
1653، من أجل تسمية الأراضي ومصادرتها لمصلحة الإمبراطورية، «سار المسَّاح جنبًا إلى جنب مع الجندي
البريطاني، وفي بعض الأحيان أمامه». كما إن صلف الإمبراطورية دعا مسَّاحيها إلى تصنيف الأراضي التي
لم تكن معروفة لديهم، بعكس ما يؤكده تماري عبر الوثيقة التاريخية رسالة فلسطين، ك «أراض بيضاء» غير
مكتشفة Terra Incognita()، وتلوينها بالوردي إشارة إلى ضمِّها إلى ملْكية الإمبراطورية.
بناء على ذلك، لم تكن مصادفة أن الخارطة التي شكّلت الأساس لعمل لجنة الأسماء الإسرائيلية في النقب
الفلسطيني كان قد أعدّها أشهر شخصيتين في تاريخ الإمبراطورية البريطانية، وهما: هربرت كيتشنر، وت. إي.
لورنس (لورنس العرب)، لرئيس بعثة المساحة الاستكشافية الكابتن فرانسيس نيوكومب من سلاح الهندسة
الملكي بين سنتي 1913 و 1914، وقد تم إنجازها بغطاء مدني بإدارة «صندوق استكشاف فلسطين» استمرارًا
لعمل الجيولوجي إدوارد هول في سنة 1883، والمسَّاح التشيكي ألوا موسيل بين سنتَي 1895 و 1902.
وللإمعان في عسكرة المعرفة الجغرافية، استخدم الجيش البريطاني هذه الخارطة في الحرب العالمية الأولى، وكذلك
عصابات الهاغاناه، كما أنها شكّلت، كما يؤسس بنفينستي، الأساس للخرائط الأكثر تفصيالًالتي رسمها الجيش
الإسرائيلي بعد احتلاله المنطقة. وتجاوز عمل عضوين صهيونيين لدى الجمعية الجغرافية الملكية المناداةَ بعبرنة
المشهد الفلسطيني في السياق البريطاني، إلى القيام بمهمات تجسسية؛ إذ كان يجري في المكاتب السرية لرسم
الخرائط نسخُ المعلومات عن الخرائط البريطانية، وإنتاج خرائط عبرية للاستخدام في عمليات الهاغاناه. وقد
ضُبطت تلك الخرائط عندما استولى البريطانيون على أرشيف الهاغاناه في سنة.1946
تنافذية الفكر: قراءة الخارطة بين البلاغة والفضاء
لا شك أن تتبّع جينيالوجيا خارطة فلسطين التاريخية يمنح دارس تمثيلات هذه الخارطة في المرئيات الفلسطينية
مفاتيح تاريخية لا غنى عنها لفهم تحوُلّاتها، بيد أن التاريخ يُفصح عن تركيب الخارطة، ولا يُفصح، إالّ لمامًا،
عن «إعادة تركيبها-تفكيكها» في المخيالين السياسي والثقافي. لذلك، ثمة ضرورة ملحة لتوسُّل مقولات نظرية
مساندة لخطيَّة التاريخ وعناده الوثائقي. هنا، لا بد من الإشارة إلى أن هناك اتجاهات نقدية تقول بإمكان سحب
المقولات النظرية، حتى بأدق تفاصيلها المنهجية، في الإنسانيات والعلوم الاجتماعية على دراسة التمثيلات
البصرية للهوية والذاكرة. وهنا، تتصدر حقول البلاغة والفلسفة والجماليات قائمة المداخل التحليلية
للمرئيات بوصفها شفرات نصيَّة وغير نصيَّة تحيل إلى ديناميات السياسة وأشكال السلطة وحركة التاريخ. كما
أن المرئيات، نصيَّة وغير نصيَّة، تُستخدم كوسائل بلاغية لإيصال رسائل سياسية وحضارية في حالات تناحر
الهويات السياسية على تاريخ ليس في وسعه إالّ أن يكون علمانيًا، وذاكرة منذورة أبدًا لأن تكون مقدِّسة.
9 ميرون بنفينيستي، المشهد المقدس: طمس تاريخ الأرض المقدسة منذ 1948، ترجمة سامي مسلم (رام الله: المركز الفلسطيني للدراسات
الإسرائيلية، مدار، 2001)، ص.39
10 لمزيد من التفصيلات، انظر: ([London]: R. Bentley and son, 1889), Mount Seir, Sinai and Western Palestine Edward Hull, pp. 199-222, and S. Newcombe, “Report,” Palestine Exploration Quarterly (London) (1914), pp. 128-133.
11 انظر، على سبيل المثال، الدليل المنهجي عبر الحقلي لدراسة المرئيات وتأويلها: Visual Methodologies: An Gillian Rose,
Introduction to the Interpretation of Visual Materials (London; Thousand Oaks, Calif.: SAGE Publications, 2007). Amy Diane Propen, «The Map, the Mill, and the Memorial: A Rhetorical Study 12 انظر بعض التطبيقات العملية على ذلك في: of the Visual and Material,» (Ph. D. Dissertation, University of Minnesota, Minneapolis, 2007).
تحوُلّات الخارطة في المخيال السياسي الفلسطيني
لقد أنتج تعدُّد التعبيرات السياسية عن الخارطة الفلسطينية كامً هائالً من المفارقات على المستويين الرسمي
والشعبي في فلسطين وخارجها. وجرَّاء هذا التعدّد، يُسْتَدْعَى مفهوم «البلاغة المادية» الذي طوَّرتهكارول بلير،
عبر إعادة تعريف رهيفة لمفهوم النص، لتدمج، إضافة إلى الخطاطات الكتابية المطبوعة، نتاجات فنية مادية
قادرة على إنفاذ المعنى، وهو مفهوم ربما يكون الأفضل في رصد هذا التنوُّع؛ فبلير تسعى إلى توسيع مفهوم
البلاغة من الأشكال القولية في قوالبها المكتوبة، إلى الأشكال المادية في تشكيلاتها المرئية على شكل حضاري.
هنا، يتحوَّل تعريف البلاغة من شفرة ترميزية قولية إلى شفرة بصرية منعكسة عن تعبير مادي متع يحمل
رسالة بلاغية تؤدي غاية سياسية. وعليه، فإن البلاغة المادية تساهم في فهم الرسائل السياسية التي قد تكون
استُهْلِكَت في البلاغة القولية. وفي السياق الفلسطيني، يؤكد رشيد الخالدي هذه المقولة النظرية، من دون أن
يستنفدها، في بحثه المهم بشأن «الرسائل السياسية في الطوبوغرافيا المبنية في القدس»، إذ يجادل فيه بأن دولة
الاستعمار الاستيطاني (إسرائيل)، شأنها شأن غيرها من محتلي فلسطين العابرين، وشأن الهيمنات «التي تعاقبت
[على فلسطين ومشهدها] لكنها لم تتشابه»، كما يؤسس سمير أمين، نحت إلى تمرير رسائل سياسية عبر ما بنته
من طوبوغرافيا على أرض القدس خاصة، وبقية أراضي فلسطين التاريخية عامة. وقد ردَّ الفلسطينيون برسائل
بلاغية مادية، طوبوغرافية وفنيَّة، على تلك الرسائل الإسرائيلية في مختلف مواقع وجودهم في حدود فلسطين
التاريخية وفي الشتات. قبل المعاينة التفصيلية لهذه التحوُلّات، تجدر الإشارة إلى بعض المفارقات السياسية والفنية التي تؤكِّد أن المشروع
الوطني الفلسطيني لم هيُْزَم، بل إن «الوطنيين» الفلسطينيين هم الذين هُزِموا حين هجروا مشروعهم عبر انزلاق
متراصف إلى عالم «الواقعية السياسية»؛ ففي حين تقوم لجنة التنميط في سنة 1997، بتقسيم فلسطين إلى 14
محافظة، وتُذكر فيها القدس على استحياء، ويستعر الجدل، الذي يتخذ في الغالب طابع المساجلة العقيمة، بشأن
شكل الخارطة في المناهج المدرسية الفلسطينية، تقوم حكومة غزة بإطلاق أكبر خارطة في العالم. وفي حين يتحلل
بعض الأحزاب من الخارطة في شعاره، وكذلك السلطة الفلسطينية كتحوُّلٍعن منظمة التحرير الفلسطينية، يقوم
الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين في سنة 2010 باسترجاع الخارطة وشعار الكفاح المسلح. من المؤكَّد أنه لا يمكن تشخيص هذه الثنائية ب«المفارقة» فحسب، ذلك أن «المفارقة» لا حتُ دِّثُ عن تاريخها
الخاص، بل تعلن نفسها توتّرًا حدثيًا بين نصَيّن فقط. لكن استعادة عابرة لمفهوم «الخسارة» على المستوى الوطني
قد تصلح مدخالً لفهم هذه الثنائية – المفارقة؛ فالراحل محمود درويش لم يكن منظِّرًا ثقافيًا خالصًا، على الرغم من
مساهماته الثقافية التي فعلت فعلها حتى في أعلى المستويات السياسية الفلسطينية تاريخيًا، لكن ومضاته الشعرية
13 لمزيد من التفاصيل حول صدقية هذه المقولة في فضاءين حضاريين مختلفين، انظر: Carole Blair, “Contemporary U.S. Memorial
Sites as Exemplars of Rhetoric›s Materiality,” in: Jack Selzer and Sharon Crowley, eds., Rhetorical Bodies (Madison, Wis.: University of Wisconsin Press, 1999), pp. 16-77, and Carole Blair, Marsha S. Jeppeson and Enrico Pucci, “Public Memorializing in Postmodernity: The Vietnam Veterans Memorial as Prototype,” Quarterly Journal of Speech, vol. 77, no. 3 (1991), pp. 263-288.
14 لمزيد من التفاصيل، انظر: رشيد الخالدي، «الرسائل السياسية في الطوبوغرافيا المبنية للقدس،» الكرمل، العدد 60 (2000)، ص 15 لمزيد من التفصيلات، انظر: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، دليل التجمعات السكانية الفلسطينية (رام الله: الجهاز المركزي
للإحصاء الفلسطيني، 1997)، ص.11-9
16 لمزيد من التفصيلات، انظر: عبد الرحيم الشيخ، محرر، المنهاج الفلسطيني: إشكالات الهوية والمواطنة (رام الله: المؤسسة الفلسطينية
لدراسة الديمقراطية (مواطن,).)2008
تصلح مدخالً لتنظير نقدي هائل في السياق؛ فخلال الاجتياحات الإسرائيلية الوحشية للمدن الفلسطينية في
أوج انتفاضة الأقصى سنة 2002، أنجز درويش قصيدته التسجيلية «حالة حصار»، وجاءت إحدى شذراتها
وصفًا للحالة الفلسطينية بميزان من ذهب: «خسائرُنا: من شهيدين حتى ثمانية
كلَّ يوم، وعشرةُ جرحى وعشرونَ بيتًا وخمسونَ زيتونةً، بالإضافة للخلل البنيوي الذي سيصيبُ القصيدةَ، والمسرحيةَ، واللوحةَ الناقصة»ْ لا تحيل هذه المقطوعة الشعرية إلى إحصاء الانتصارات، إذ في الحرب لا أحد يربح، بل ثمة طرف تكون خسائره
أقل من الطرف الآخر يدعوه أهل البلاغة «المنتصر»، فيما يخلعون كثيرَ الخسائر من بلاغتهم، ويخلعون عليه
وصف «المهزوم» أو «المنهزم». لم يسلِّم درويش يومًا بالهزيمة، بل وصف نفسه في أكثر من سياق بأنه «شاعر
شعب طروادي،» لكنه كان صيادًا ماهرًا في إحصاء الخسارات. وهذه المقطوعة الشعرية تصف خسائر (نا)،
وتحيل إلى أن خسارة البشر، والحجر، والشجر (على نحو ترتيبي) تتلوها خسارة بنيوية في الوعي والذائقة متمثلةً
في «القصيدة» و«المسرحية» و«اللوحة الناقصة». لقد فات درويش، وكم فاته، خسارة كبرى تسبق هذه الخسارات كلها، وتؤسس لها، بل وتدشِّنها، وهي:
خسارة المقولة السياسية التي ينبغي أن تكون بوصلة العمل الوطني، ومرصد خساراته، وضمادة جرحه في
المستويات التي عدّدتها هذه المقطوعة. لكن اختصاص هذه المقالة إنما ينحصر، على وجه التحديد، في رصد
«الخلل البنيوي» الذي أصاب «اللوحة الناقصة» كتجلٍّ من تجليات خلل المقولة السياسية التي يصفها بعضهم
ب«انهيار المشروع الوطني»، وحقُّ الوصف أن يكون «انهيار الوطنيين القائمين على المشروع قبل اكتماله».
«خارطة الطريق»: باعةٌ كثر ولا شُراة!
في ظلّ تراجع استخدام خارطة فلسطين التاريخية في القاموس السياسي الفلسطيني، ساد استخدام نوع جديد من
الخرائط، ك«خارطة الطريق»، وهي وثيقة سياسية أعدتها «اللجنة الرباعية الدولية للسلام في الشرق الأوسط».
ويتلخص فحوى «خارطة الطريق» التي أعلنتها اللجنة الرباعية في 30 نيسان/أبريل 2003 ب«تحقيق الرؤية
المتمثّلة في وجود دولتين، إسرائيل وفلسطين، تعيشان جنبًا إلى جنب في سلام وأمن»، كما جاء في الرسالة المرفقة
بنص «خطة خارطة الطريق» من الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان إلى رئيس مجلس الأمن الدولي في 7 أيار/
مايو 2003. ومع أن مصير هذه «الخارطة» التي قسَّمت الخارطة التاريخية لفلسطين، هو مصير عدد هائل
من «مبادرات السلام» بشأن فلسطين، فإن وتيرة استخدام المصطلح أنشأت لاهوتًا سياسيًا خاصًا متعلقًا به،
وخاصة في محافل المفاوضات، «كبيرها» و«صغيرها».
17 محمود درويش، الأعمال الجديدة (بيروت: رياض الريِّس للكتب والنشر، 2004)، ص.206
صورة (2): مقاطع من «مَنْ يشتري خارطة الطريق من أجل السلام في فلسطين» لرنا بشارة، عمل تركيبي (2005)
غير أن هذا اللاهوت كسُر في التعبير الفني على يد الفنانة الفلسطينية رنا بشارة، ابنة ترشيحا، في عملها التركيبي
«من يشتري خارطة الطريق من أجل السلام في فلسطين، 2005». فعبر استخدام البقايا الجافة لنبتة الصبّار
الفلسطينية، الثيمة المتكررة في أعمالها، تكثِّف بشارة الدلالات الهائلة ل«جفاف الصبر» الذي شكَّل خارطة
جديدة لفلسطين جعلها تتسع ل«دولتين تعيشان جنبًا إلى جنب». تتدلى ألياف الصبّار من السقف بخيوط
سوداء، وأشلاء صبّار جافة تحاكي تذرر الخارطة الفلسطينية، والحواجز العسكرية، والجغرافيات الذبيحة
للأرض الفلسطينية، كمقدمة إنشائية لمقولة بشارة: «ألياف الصبّار الجافة والمُخاطة [كذا]، ترمز إلى فلسطين
وال 315 قرية التي دُمرت خلال النكبة وبعدها. إنها تمثّل الهيكل العظمي لفلسطين التاريخية، للأسف هذه هي
الدولة الفلسطينية العتيدة- المقطّعة الموصّلة ». تتلاعب بشارة بالمصطلح الإنكليزي « Who buys » أي «من
يشتري»، تندُّرًا بعبثية توالي «مقترحات» السلام و«مبادراته» في الشرق الأوسط، ومراوغتها، وتعرض الخارطة
للبيع، كما عرض الفنان الفلسطيني خليل رباح قطعًا تحاكي جدار الفصل العنصري الإسرائيلي للبيع في أحد
أعماله الفنية.
من المنظمة إلى السلطة: الشاعرية والشعار
إن خارطة بشارة وصبّارها لا يعكسان فقط صبرها على اختفاء الخارطة التاريخية من خطاب السياسيين
الفلسطينيين، واستبدالها ب «خارطة الطريق» وقاموس هائل رديف من المصطلحات ذات العلاقة، بل يعكسان
أيضًا حالة عامة اختفت فيها أيقونة الخارطة، أو كادت، من كثير من مواقعها الأثيرة؛ فمنذ انطلاقة منظمة
18 انظر كلمة الفنانة حول العمل على موقع الإلكتروني ل «الجاليري الافتراضي لجامعة بيرزيت:» < http://virtualgallery.birzeit.edu/
artist_of_the_month?mart_id=95627>.
التحرير الفلسطينية في 28 أيار/مايو 1964، اتخذت الفصائل الفلسطينية المشك لة لها، وما تفرَّع منها بانشقاقات
داخلية أو بتغ في التسميات أو تحوُلّات في استراتيجيات العمل وتكتيكاته، شعارات تتضمن قيم العمل
الوطني المستند إلى الميثاق الوطني الفلسطيني لسنة 1968. وقد برزت في هذه الشعارات عناصر مشتركة،
أهمها: أيقونة خارطة فلسطين التاريخية؛ ألوان العلم الفلسطيني (الأحمر، والأسود، والأبيض، والأخضر)؛
صور البندقية، إشارة إلى الكفاح المسلح بوصفه نهجًا وطنيًا وحيدًا لتحرير فلسطين، بالإضافة إلى اسم الحركة أو
الحزب وبعض المكوِّنات الفرعية للشعار، ومنها خارطة العالم العربي في شعارات الحركات ذات النهج القومي.
صورة (3): شعارات من حقبة ما قبل أوسلو (من اليمين إلى اليسار:)
منظمة التحرير الفلسطينية، حركة التحرير الوطني الفلسطيني- فتح، حركة أبناء البلد، حركة المقاومة الإسلامية- حماس
ومن فصائل المنظمة التي تضمَّن شعارُها خارطةَ فلسطين التاريخية كعنصر مركزي، إضافة إلى شعار المنظمة
كإطار تمثيليٍّ جامع: حركة التحرير الوطني الفلسطيني- فتح؛ الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين؛ الجبهة
الديمقراطية لتحرير فلسطين؛ الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة؛ جبهة التحرير الفلسطينية؛ جبهة
النضال الشعبي؛ طلائع حرب التحرير الشعبية - قوات الصاعقة؛ الحزب الشيوعي الفلسطيني- الثوري. كما
إن حركات غير منضوية تحت لواء منظمة التحرير الفلسطينية، كحركة المقاومة الإسلامية – حماس، وحركة
الجهاد الإسلامي لتحرير فلسطين، وحركة أبناء البلد في فلسطين المحتلة سنة 1948، تضمّنت خارطة فلسطين
التاريخية. وتنضاف إلى شعارات هذه الحركات والفصائل شعارات بعض الاتحادات الفلسطينية التاريخية ذات
العلاقة بالمنظمة، نحو: الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين؛ الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، ولاحقًا
اتحاد نقابة أساتذة الجامعات الفلسطينية؛ اتحاد الجاليات الفلسطينية في أوروبا، فيما اكتفى الاتحاد العام لطلبة
فلسطين بالعلم مكوِّنًا مركزيًا لشعاره.
صورة (4): شعارات من حقبة ما بعد أوسلو (من اليمين إلى اليسار:)
السلطة الفلسطينية، الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني-فدا، التجمع الوطني الديمقراطي، المبادرة الوطنية الفلسطينية
ومن الجدير بالملاحظة أن بعض فصائل المنظمة لم يُضمِّن خارطة فلسطين التاريخية في شعاره لأسباب أيديولوجية،
كالحزب الشيوعي الفلسطيني الذي اكتفى بالرموز الشيوعية والاشتراكية كاللون الأحمر والمنجل والمطرقة، مع
العلم أن الحزب تبنّى، بعد تغيير اسمه إلى «حزب الشعب الفلسطيني»، شعارًا جديدًا يتضمن ألوان العلم
الفلسطيني، حاله حال الحركات السياسية الجديدة الوليدة بعد اتفاق أوسلو وتأسيس السلطة الفلسطينية؛
فحزب التجمُّع الوطني الديمقراطي في فلسطين المحتلة سنة 1948 وتجمُّع المبادرة الوطنية الفلسطينية، مثالً،
ضمَّنَا شعاريهما ألوان العلم الوطني الفلسطيني، في ما لم يظهر ذلك على شعاريِّ الحركة الإسلامية والجبهة
الديمقراطية للسلام والمساواة، حال هذه الحركات حال الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني- فدا الذي اختار ما
يشبه شجرة الزيتون شعارًا له من دون الإحالة على الخارطة أو العلم (الذي يظهر أحيانًا على شكل قوس
مقلوب تحت الشعار). ولا عجب في ظاهرة استبدال خارطة فلسطين التاريخية بالعلم الوطني أو بعض تنويعات
ألوانه؛ إذ إن السلطة الفلسطينية ذاتها اتخذت من النسر، الذي يمثّل العلم الوطني الفلسطيني قلبه، شعارًا لها،
وهو نسر لا يطير إالّ ب«تصريح» على أي حال!
الملصق الفلسطيني: الذهاب والإياب
لم يقتصر استخدام الخارطة في المرئيات الفلسطينية على شعارات الفصائل والحركات السياسية الفلسطينية،
بل جاوزه نحو استخدامها في الدعاية الوطنية من خلال الملصقات. وقد دُرِسَت جماليات الملصق الفلسطيني
في سياقات الفن والأدب، وبخاصة في إطار الشهادة، على أيدي فلسطينيين وغير فلسطينيين. ففي جهد يعاين
تحوُلّات الفلسطيني بين «الحياة المقبرة» و«المقبرة الحيَّة،» يفجعنا فيصل درَّاج، ابن الجاعونة، بمقالة-قصيدة
عصية على التكثيف أو الاختزال تتساءل: «إلى أين يذهب الشهداء؟» يقارب فيها مقولة الشهادة ومنتهى
صاحبها مقاربةَ المثقف العصامي، مقاربةً تعالج الفكرة والسلطة ومساحة الحلم، وتسبر ما بينها من علاقة لا
يتيح لها الانتظام المرُّ إالّ الشهيد- الفكرة أو الفكرة-الشهيد. وفي دراسة نادرة أخرى، يتتبع محمود أبو هشهش، ابن عراق المنشية ووليد مخيم الفوَّار، سيرة الشهداء ومسيرتهم
بين براغماتية السياسة وجمالية الشهادة وبلاغتها، ويتصفح الملصق الفلسطيني، بعين رولان بارت «الأسطورية»،
نظريًا، وبعينه هو التي تفكك «الأسطورة الفلسطينية» كما تتبدّى في رموز الملصق وعلاماته المتورطة في «أسطورة»
المقاومة والفداء الفلسطينية. هنا، يعبر الفلسطينيون إلى فردوسهم المشتهى عبر ما يرسمونه ويدشنونه على
صور شهدائهم وملصقاتهم، فتكون الملصقات وسيلة أخرى من حمل السفينة على مواصلة المسير. أمّا المشروع الأكثر اكتماالً وشمولية للملصق الفلسطيني، فقد دشَّنه الأميركي دان والش بدعم أوَلّيٍّ من
الراحل إدوارد سعيد، وذلك عبر دراسة أكاديمية لدرجة الماجستير من جامعة جورج تاون في واشنطن،
والموقع الإلكتروني المتخصص الذي يحمل الاسم ذاته، وهو مشروع ابتدأه والش منذ سبعينيات القرن
19 انظر: فيصل درَّاج، بؤس الثقافة في المؤسسة الفلسطينية (بيروت: دار الآداب،.)1996
20 للمزيد من التفصيلات، انظر: Mahmoud Abu Hashhash, «On the Visual Representation of Martyrdom in Palestine,» Third Text, vol. 20, nos. 3-4 (Special Issue): The Conflict and Contemporary Visual Culture in Palestine and Israel (2006), pp. 391-403.
وهذه المقالة هي جزء من دراسة جامعية مطولة حاز بها الباحث درجة الماجستير في الفنون وإدارة المؤسسات الثقافية من جامعة شرق
Mahmoud Abu Hashhash, «Poetics and Politics in the Visual Representation of Martyrdom in Palestine,»:لندن. انظر
(Thesis, City University of London, London, 2004).
الماضي إلى أن جاوزت محتوياته اليوم ما ينوف على 3000 ملصق فلسطيني يعود تاريخ بعضها إلى سنة
صورة (5): أمثلة ملصقات تحتوي على خارطة فلسطين من بداية الثورة الفلسطينية حتى اللحظة
تظهر خارطة فلسطين في هذه الملصقات متعددة اللغات والمنشأ من الإسبانية إلى الفارسية؛ ملصقات تبني
التوتر الصراعي في الحكاية الوطنية الفلسطينية بين حركة التحرر الوطني الفلسطيني والحركة الصهيونية على
المكان، فتتضمن خرائط بالعبرية تعِد «القادمين الجدد» بأرض اللبن والعسل، وملصقات تبرز فيها الخارطة
كحاضنة تظهر قيم النضال الفلسطيني في ذروة سنامها المع عنها بالكفاح المسلح؛ وملصقات تبنيّ الملابس
التقليدية في فلسطين وتوزيعاتها، وملصقات تشكِّل الخلفية البصرية لدعوة إلى مؤتمر، أو تظاهرة، أو فعالية
منارصِة للشعب الفلسطيني. وفي تحوُّل جريء لبعض الملصقات الفلسطينية الحديثة، تظهر الدعوة بوضوح إلى
ا (ست)عادة الترويج لقيم الكفاح المسلح لتحرير فلسطين، كما يظهر في بعض ملصقات حافظ عمر، أحد أبرز
وجوه الحراك الشبابي في فلسطين، وهي الملصقات التي تستعيد الخارطة التاريخية كاملةً كمحاكاة لشكل فوهة
بندقية الكلاشنكوف، ومتضمّنة عبارة «بالبندقية نعود إلى فلسطين»، كما تظهر في الملصقات التي تستخدمها
حركات التضامن الدولية، من جنوب أفريقيا حتى شمال اسكندنافيا، وهو ما يُظهِر تقلُّص الخارطة الفلسطينية
منذ سنة 1947 وحتى اللحظة.
غزة: «ما أكبر الفكرة، ما أصغر الدولة!»
على الرغم من تلاشي الخارطة شيئًا فشيئًا عن شعارات الأحزاب السياسية الفلسطينية، فإن ثمة تعبيرات مضادة
ومفارقة لتلك الظاهرة؛ ففي العاشر من أيار/ مايو 2012، أزاحت «دائرة شؤون اللاجئين في حركة حماس»
في غزة الستار عن «أكبر خارطة في العالم لفلسطين ستدخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية». وقد جاء بفكرة
الخارطة وصمّمها الشاب عبد الله حمد الذي شغله المشروع عدة سنوات «من أجل المساهمة في إحياء الثقافة والتراث
الفلسطيني ليبقى في ذاكرة الأجيال القادمة، وغرس خارطة فلسطين في عقول وقلوب الأجيال القادمة، لأنها قلب
العروبة والإسلام». وقد استثمرت هذه الخارطة والخطاب المصاحب لها في مقولات السياسيين في غزة.
21 انظر الموقع الإلكتروني لأرشيف الملصق الفلسطيني ولرسالة الدكتوراه لصاحب الفكرة ومؤسس الموقع، دان والش:
Daniel J. Walsh, «The Palestine Poster Project Archives: Origins, Evolution and Potential,» (Thesis, Master of Arts, Georgetown University, Faculty of the Graduate School of Arts and Sciences, Washington, DC, 2011), and <http://www. palestineposterproject.org/>.
22 لمزيد من التفصيلات حول هذا الحدث، انظر: «غزة تدخل موسوعة «جينيس» بأكبر خارطة لفلسطين،» الشعب الجديد،
2012/5/9، على الموقع الإلكتروني: >http://elshaab.org/thread.php?ID=23413<.
صورة:)6(رئيس وزراء غزة إسماعيل هنية مع متديني ناطوري-كارتا؛ أكبر خارطة فلسطين في العالم في غزة (2012)؛
الرئيس الفلسطيني محمود عباس ونموذج حجري لخارطة فلسطين
تأتي مفارقة تدشين هذه الخارطة كواحد من أرقام غينيس القياسية، بعد قرابة 66 عامًا من كتابة خورخي لويس
بورخيس لرائعته الشهيرة Del rigor en la ciencia سنة 1946، متأثرًا بقصيدة لويس كارول الشهيرة The Hunting
of the Snark، ومستثمرًا كل ما فيها من عبث فني وتحايل على التاريخ والجغرافيا في آن معًا وعلى الرغبة في صنع
خارطة بحجم الإمبراطورية. كما تأتي في ظل مفارقتين أخريين: الأولى، في حفل افتتاح دورة الألعاب العربية لسنة
2011 في العاصمة القطرية الدوحة في 9 كانون الأول/ ديسمبر 2011، وقد حضره رئيس السلطة الفلسطينية، بعد
عرض خارطة فلسطين مجزوءة في شطرين يمثلّان الضفة الغربية وقطاع غزة، وذلك خلال عرض الشريط الترحيبي
بالوفد الفلسطيني (ممثّل الفلسطينيين في جميع جغرافيات فلسطين التاريخية والشتات) المشارك في البطولة. وقد أثار
هذا السلوك استياءً عامًا في فلسطين وخارجها، ليس احتجاجًا على تصميم ديفيد أتكنز، المخرج الاسترالي الشهير،
لافتتاح البطولة، بل على دولة قطر وسماحها بعرض خارطة لا تمثل سوى 22 في المئة من مساحة فلسطين التاريخية،
ربما بسبب علاقاتها بإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية. وأمّا المفارقة الأخرى، فكانت تداول ملصق يدين
«خارطة دولة فلسطين غير العضو في الأمم المتحدة» على شبكات التواصل الاجتماعي بُعيد قبول فلسطين كدولة
غير عضو في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وذلك بعد فشل مسعى الفلسطينيين
في طلب دولة كاملة العضوية في 23 أيلول/ سبتمبر 2011. ينقسم الملصق إلى نصفين، يشتمل نصفه الأيمن على
خارطتي الضفة الغربية وقطاع غزة باللون الأسود ومنفصلتين على خلفية شعار الأمم المتحدة، فيما يشتمل النصف
الأيسر على خارطة فلسطين التاريخية باللون الأحمر، وقد كُتب على الملصق: «لكم دولتكم ولي وطني»!
صورة (7): خارطة تقلُّص ألوان العلم الفلسطيني بتقدُّم الزمن (يمين)؛ وأخرى تسخر من دولة فلسطين دولة غير عضو في الأمم المتحدة (يسار 2012-)
خارطة المخيم: حضور العودة
غير أن تشظِّي الخارطة في الضفة و«اكتمالها» في غزة، لم يحُولْا دون احتفاظ المخيمات الفلسطينية بها كاملة كما
نصَّبها التاريخ، وبمادة حجرية لا يبدو أنها تزول أو تدول. هنا، ليس «مفتاح العودة» العملاق وحده هو ما يميّز
مدخل مخيم عايدة في بيت لحم، أو في مخيم المغازي في غزة، أو كثير من قرى فلسطين، بل ثمة نصب حجري
هائل يحاكي خارطة فلسطين التاريخية على مدخل مخيم الدهيشة، وهو «صرح الشهيد - خارطة فلسطين» من
تصميم الفنان عدنان الزبيدي، وثمة عديد من الجداريات التي تجمع بين الرسوم الكاريكاتورية للفنان الشهيد
ناجي العلي وبعض الرسوم الجدارية التي تتضمن خارطة فلسطين التاريخية في المنتصف، مضافًا إلى جانبيها
أسماء القرى الفلسطينية المدمَّرة التي رشُِّد أهلها إلى مخيمات بيت لحم. وإذا كان دأب الفلسطينيين تدشين النصب التذكارية، بالخارطة وغيرها، لإحياء ذكرى قراهم ومدنهم المدمَّرة
والسليبة منذ نكبة 1948، فقد عمدت المقاومة [الإسلامية] اللبنانية، متمثّلة في حزب الله، بتخليد ذكرى
الشهداء الذين قضوا خلال مسيرة العودة في 15 أيار/ مايو 2011 في مارون الراس عند الحدود مع شمال
فلسطين المحتلة، في إشارة إلى وحدة الدم الفلسطيني واللبناني في معركة التحرير والمقاومة. وقد رفع حزب
الله مجسامً لخارطة فلسطين التاريخية تتوسطها صور الشهداء، كُتب تحتها «عائدون حتامً» بالعربية، والجملة
ذاتها، مترجمة إلى العبرية، لكن بأحرف معكوسة الترتيب، إملائيًا وإسناديًا: (حتامً عائدون)! ورُفعت عليها
أعلام فلسطين ولبنان يتوسطهما علم حزب الله، تخليدًا للشهداء الستة الذين قضوا برصاص جيش الاحتلال
الصهيوني في مسيرة العودة.
صورة (8): صور لمرئيات الخارطة (من اليمين إلى اليسار) في: مخيم الدهيشة - بيت لحم، مارون الراس- جنوب لبنان،
مخيم الدهيشة - بيت لحم (2012)
تنافذية المخيال: الخارطة من السياسي إلى الثقافي
إن مفارقات تحوُلّات الخارطة في المخيال السياسي الفلسطيني، إنْ في صوره الخطابية المباشرة أو في تمثيلاته
البصرية ومرئياته ذات الشحنة السياسية الضافية، لا يمكن سبر جوانبها عبر أطروحة «البلاغة المادية» فحسب،
ذلك أن التعدد في شكل التحوُلّات (من إعادة إحياء أيقونة خارطة فلسطين التاريخية في الخطاب الشعبي
ومرئياته إلى هجران الخارطة، فكرة وبرنامجًا وأيقونة، في الخطاب الرسمي ومرئياته) إنما يعكس تباينًا في تصوُّر
ما تحيل إليه الخارطة من مكان. لذلك، فإن هندسة المكان، في إطاره الوطني التقليدي، إنما تتناغم مع الخطاب
الوطني التقليدي من حيث البلاغة السياسية، فيما الأمكنة، بحسب النماذج المغايرة في قراءة المكان، هي خطابات
ما بعد وطنية، في الغالب. بالنظر إلى مجموعات التحولّات الخمسة السابق تفصيلها في المخيال السياسي، يمكن رصد فهمين أو تصوُّرين
للمكان الخارطي، هما: التصوُّر الفراغي والتصوُّر الوجودي، وهما في الغالب تلقائيان ولم يكونا موضوعًا
للخيار، أكان في الخطاب الرسمي أم في الخطاب الشعبي، غير أنه يتلوهما تصوُّر ثالث، هو التصوُّر المُهَنْدَس
اجتماعيًا للمكان الخارطي الذي ساد على تصوير الخارطة في المرئيات الفنية. الإحالة الأولى، القليلة التواتر في تصوُّر الخارطة في المخيال السياسي، هي المفهوم الفراغي للمكان (The
Geometrical Space)، ويصوِّر المكانَ محايدًا، حيزًا ثلاثي الأبعاد ذا قابلية لاستيعاب الأشياء في داخله، كما
كانت الحال في تصوير الخارطة في الألعاب الرياضية العربية في قطر، مثال، أو خارطة «فلسطين» الدولة الجديدة
في الأمم المتحدة. ولعل هذا التصوُّر يتقاطع مع التجريد الإغريقي لمفهوم المكان ككيانية مستقلة، وللدقة
منفصلة، عن دائرة الفعل الإنساني، إالّ لمامًا، كما أسس أفلاطون. أمّا الإحالة الثانية، والغالبة على المخيال السياسي، فكانت على المفهوم الوجودي للمكان (The Existential
Space) بوصفه تخليقًا لمجموعة من السمات الفيزيائية البحت لمرجعية الخارطة المكانية، وهذه السمات هي
مجموعة العلاقات التي تربط صاحب الخطاب بالأمكنة المحايثة له. هنا، يطفو الفهم الأرسطي للمكان، بوصفه
«موقعًا» Topos() محدودًا ومتناهيًا في عالم محدود ومتناهٍ، تتحدد فيه الأشياء، ومنها الخارطة، بموقعها الحصري
في الذهن، وليس بالضرورة بإحداثياتها الديكارتية. بكلمات أخرى، يفرض هذا النموذج فهامً خاصًا للمكان
على أنه مرجعية لا مفرَّ منها للواقع، فلا يغدو المكان ببساطةٍ فراغًا، ولكنه حقل دائم التغ تبعًا لحركة الجسم
ومواقعيَّته. إنه نقطة المرجعية الوجودية للأشياء التي من خلالها، ومن خلالها فقط، يمكن أن يعرَّف المكان،
ويُعرَف، ويمكن الحكم على الموجود (أو الذات) بخاصية «الانوجاد» (الاستقرار) أو عدمه (اللااستقرار).
هنا، تتلبسنا هذه الحالة-الإحالة في معظم تصويرات الخارطة في المخيمات الفلسطينية وعلى مداخلها. ولعل
هذا متعلق بمقولة كريستيان شولتز بأن الإحساس بالمكان هو الذي يؤسس لثبوتية صورة المحيط في ذهن
الإنسان أو عدمها. والتالي، إن «تصوُّر المكان إنما يتشكَّل جرَّاء الوضع التحايثي بين مواقعية الذات المباشرة
والمكان الوجودي العام. عندما يتزامن وجودنا المباشر مع مركز المكان الوجودي، فإننا، نحن البشر، نحيا حالة
الانوجاد التي نسمّيها البيت. إذا لم نحس بهذه الحالة، فإمّا أن نكون على الطريق إلى البيت، أو في مكان آخر، أو
نكون قد ضعنا». أمّا الإحالة الثالثة، فهي إلى المكان المهندَس اجتماعيًا The Socially Constructed Space()، وهو تصوُّر للمكان
يغاير تعريفه بوصفه الرياضي، الفراغي، البحت كما في الإحالة الأولى؛ أو بوصفه الرابط العقلاني والقرينة
الوجودية لجسم ما أو ذات ما كما في الإحالة الثانية؛ إذ المكان هنا مرُشَْبٌ بعلائق تاريخية واجتماعية بها يتمّ
تعريفه، ومن خلالها يمكن السكن فيه. وهذا هو ما نلاحظه في تصويرات الخارطة في المخيالين السياسي والثقافي
على حدِّ سواء، لكنه يبدو أكثر تأثيرًا في الخارطة العملانية وبعض التصويرات الفنية التي تتأثر بها. وبذلك،
23 Christian Norberg-Schulz, Existence, Space and Architecture (New York: Praeger, [1971]), p. 34.
يمكن القول إن المكان هو في آن معًا منتَجٌ بقوى تاريخية وثقافية، ومنت جٌ لها. والتالي، يغدو المكان حقالًِ دلاليًا
تنتجه عوامل المواقعية والواقع والزمن والسلطة، كما يؤسس كل من ميشيل فوكو وهنري لوفيفر في مقولاتهما
التي وظَّفها باقتدار منظّرون فلسطينيون وإسرائيليون في دراسة إعادة إنتاج الفضاء الفلسطيني في ظل الشرط
الاستعماري الصهيوني.
تحوُلّات الخارطة في المخيال الفني الفلسطيني
كان انشغال الفلسطينيين بالأرض أبرز انشغال في تاريخهم الوطني الحديث. وقد انعكس هذا الانشغال
على معظم الفنون البصرية الفلسطينية. غير أن الأرض وخارطتها شهدتا حضورًا لافتًا في كثير من الأعمال
الفلسطينية، خاصة تلك الأعمال التي اتخذت من أسلوب «التركيب» وسيطًا لها ل«إعادة» تصوير خارطة
فلسطين. هنا، يُنظَر في نماذج متقدمة من هذه التصويرات مضاءةً بمقولاتها النصية والبصرية.
خارطة فلسطين للمبتدئين: رنا بشارة
بالرجوع إلى واحدة من التجارب الأولى على تنويعات ثيمة الخارطة لرنا بشارة، يمكن المرء أن يظفر بعملها
التركيبي «خارطة» الذي قدَّمته في إطار «مسابقة الفنان الشاب لسنة 2000» (وقد سُمّيت لاحقًا «جائزة
حسن حوراني»). انطلقت بشارة في عملها من تجربتها الشخصية، إذ تقول: «حبّي لطبيعة جغرافية فلسطين
دفعني أنا ومجموعة من الأطفال لاكتشاف الوطن على طريقتنا الخاصة، فكنا من إحدى المجموعات العربية
التي شاركت بمشروع ‹تعرَّف على وطنك› بإرشاد إسرائيلي. مع كل الصعوبات التي واجهناها في جميع
أنحاء الوطن، ونحن نتسلق الجبال ونعبر الوديان والجداول، لكنها كانت أسهل بكثير من لفظ أحد الأسماء
المعبرنة، وكم كثيرة هي هذه الأسماء. كأطفال، كنا مجبرين على تعلُّمها ولفظها ‹بالشكل الصحيح› والتي
هي بالطبع مطابقة أو مشابهة للأسماء العربية المعهودة. فكنا دائامً نسخر من هذه الأسماء المشوَّهة ونرجع
إلى لفظها العربي، على طريقتنا الخاصة دون جدوى. مع كل حبّي للطبيعة، ومحاولاتي الكثيرة لاكتساب
مخزون بصري جميل للوطن وللمشهد الفلسطيني لم أنجح حتى اليوم، وذلك لكثرة التشوهات التي حدثت
لنا بصريًا ونفسيًا كأطفال. لكنني لا أزال قادرة على إعادة ترتيب ذاكرتي ومخيلتي، وها أنا أهدي أحد أعمالي
المتواضعة لذاكرة الأطفال». من الناحية التكوينية، يستند عمل بشارة إلى اللون والكتلة والتشكيل المتعدد؛ فجمع الوحدات التسع المكوِّنة
للخارطة من جهة (على شكل لعبة الليغو) ينتج خارطة فلسطين التاريخية وقد ثُبّتت عليها أسماء القرى والمدن
الفلسطينية، القائمة منها والمدمرة. وجمعها من الجهة الأخرى، ينتج هيئة خارطة فلسطين التاريخية ملوَّنة برسوم
24 Michel Foucault: Discipline and Punish: The Birth of the Prison (New York: Vintage Books, 1979), and “Of Other Spaces,” Diacritics , no. 16 (Spring 1986), pp. 22-27, and Henri Lefebvre, The Production of Space , Translated by Donald Nicholson-Smith (Oxford, UK; Cambridge, Mass.: Blackwell, 1991).
25 وفي السياق الفلسطيني انظر أعمال كل من مفيد قسوم وإيال وايزمن: Mufid Qassoum, «Glocal Dialectics in the Production
and Reproduction of the Palestinian Space,» (Ph. D. Dissertation in Urban Planning and Public Analysis, University of Illinois at Chicago, 2004), and Eyal Weizman, Hollow Land: Israel’s Architecture of Occupation (London; New York: Verso, 2007).
26 محمود أبو هشهش وعمر القطان، محرران، نحو أفق تشكيلي جديد في فلسطين: مسابقة الفنان الشاب للعام 2000 (رام الله: مؤسسة
عبد المحسن القطان، 2001)، ص.54
طفولية زاهية، فيما تنتج بعثرة الخارطة من كل جهة (على جوانبها) خارطة مجزَّأة، لكنها لا تزال في مشهدها
البانورامي العام تحتفظ بهيئتها التاريخية، فيما يعطي لون الخشب الطبيعي، مع بعض التلوينات المتداخلة على
جوانب القطع المكوِّنة لجوانب الخارطة المحيطية، تأثيرًا فنيًا خاصًا يضيف إلى تناسق الهيئة المرادة كل مرة، على
الرغم من هواجس التقسيم السياسي الذي لا ينجح في جعل التاريخ «الجديد» يطرد الجغرافيا، أو يؤثر في
تشكيل هيئتها العامة، وإن أثَّر على نحو أو آخر في تضاريسها.
صورة (9): «خارطة-»عمل تركيبي لرنا بشارة، رام الله (2000)
في هذا العمل المبكر لبشارة، لا يبدو أن المنطلقات النظرية استغرقت العمل كثيرًا، بل يمكن ربط فكرة
هذا العمل وتنفيذه ورسالته بالمفهوم الباشلاري للمكان، وهو مفهوم خيَُارِجُ الإحالات النظرية والنماذج
التفسيرية لتحوُلّات الخارطة في المخيال السياسي، وإن تقاطع نسبيًا مع مفهوم المكان المهندَس اجتماعيًا.
فبشارة، كما باشلار، تهدِّم البعد الفراغي الثلاثي البعد للمكان، كما تهدِّم المفهوم الفوكوي لمسألة التأديب،
إن في رسم الخارطة بمواقعها ومسمياتها «الحقيقية»، أو بنثر الخارطة وإعادة تركيبها عبر فعل «اللعب».
بدالً من ذلك، تزاوج بشارة بين المصدرين اللذين ركن إليهما فوكو في تحليله للمكان بالمناسبة، وهما: المعرفة
العلمية والواقع العياني اللذان يشكلان مَعين المخيال ا الخّق الذي لا يتم تركيب المكان ولا الإحساس به
إلا بتوسلهما. على الرغم من تشكيل المعرفة العلمية والواقعية للمخيال الإبداعي في عمل بشارة، فإن هذين الواقعين لا يمثلّان
وجودًا أصيالً، لكنهما يمثلّان إحساسًا أصيالً بالوجود، فلا الواقع الواقعي Animus() ولا الواقع اللاواقعي
Anima() يمكن أن يكونا تمثيالً للمكان؛ إذ المكان هو ما تنتجه الذاكرة الأليفة لهذين المصدرين من خلال
إعادةٍ، هي لحظةُ استعادة، لتجربة عيشِ هذين الواقعين اللذين يمثّل امتدادهُما تعبيرًا عن الوجود الأصيل، وهو
الصك الجمالي لذكرى الإحساس بالواقع الذي عاشته بشارة مرةً، وهو ما يُطلق عليه باشلار «البيت»، وهو
ومجموعة الصور التي يستدعيها المخيال المبدع للذاكرة الأليفة. وعليه، فإن عمل بشارة يَنْطِقُ بفاعلية الزمن
السكوني والمكان السكوني اللذين يسكنهما الحالمُ وتشكِّلهما ذاكرتُه، الآن وهنا، ويستدرج المكانَ الحميميَّ
من الملجأ الذي ينشط فيه المخيال وتحتد فيه الذاكرة، ومكان نفي الوجود بالفعل لمصلحة الوجود بالقوة، مكان
«الداخل» بامتياز: داخل «الذاكرة» وداخل ال«بشارة» و«داخل» فلسطين.
27 Gaston Bachelard, The Poetics of Space , Translated from the French by Maria Jolas; Foreword by Etienne Gilson, Beacon Paperbacks; 330 (Boston: Beacon Press, 1964), p. 143.
«جسدي خرقة الأرض، فيا خالق الخلائق خطني»: تينا شيرويل
إذا كانت بشارة قد استخدمت الخيوط، أداتيًا، لتجمع هياكل نبات الصبّار الفلسطيني وتعلَّقها بين سماء
صالة العرض وأرضها، وتعيد تركيب الخارطة بحسب ذاكرتها الأليفة ل«داخلها،» فقد عملت تينا شيرويل،
المولودة في لندن والمقيمة في القدس، على تنفيذ علاقات القوة التي تحكم تشكيل الخارطة بالإبرة والخيط
ضمن عملية نسج وفك يتركان بصماتهما على جسد الخارطة. ففي تقديمها لعملها «خرائط» الذي شاركت
به في «مسابقة الفنان الشاب لسنة 2000» في مؤسسة عبد المحسن القطان، تقول شيرويل: «الخرائط وسيلة
لتقديم صورة عن المشهد الطبيعي، وهي في ذات الوقت أداة قوة. إذا أخذنا الخريطة، أداة أو موضوعًا، فإن
عملية تفكيكها يمكن أن تُقرأ كوسيلة لكشف وتضمين الإشارات المتعددة التي يحملها المشهد الطبيعي في
طيات هذه الخرائط. وبهذا كشف لعملية ممارسة القوة نفسها. هذه ليست خرائط قديمة، بل خرائط تتآكل
عبر الوقت ليتم ترقيعها سوية من مواقع القوة المختلفة لأولئك الذين قاموا برسمها. كثير من هذه الخرائط
تخضع لعملية التجزئة وإعادة التركيب. لذلك، فإن هناك عمليتين ساريتين في هذه الأشغال، ومرتبطتين
إلى حد كبير بمرور الوقت. الخرائط تخضع بشكل دائم لعملية التركيب والتفكيك، طيَّة فوق طيَّة حيث
يتم ترميمها بعد تدهور حالتها. ولهذا السبب، قد يجد المشاهد في أعمالي دبابيس وقطبًا غير مكتملة وإبرة
تتدلى في نهاية الخيط للتدليل على عملية التحوُّل المستمرة للتضاريس. التوتر بين العمليتين يعني التطرق
لفكرة كل من الرغبة والصعوبة في العودة إلى كمال أرض الوطن السابقة والمفقودة. وهذا يخدم فكرة تحويل
الخريطة إلى موضوع رمزي. خطوط ضبابية وشذرات تحكي عن الخسارة وعمل الذاكرة في سعيها للقبض
على المكان المفقود».
صورة (10): «خرائط» - عمل تركيبي لتينا شيرويل،
رام الله (2000)
28 أبو هشهش والقطان، محرران، ص.28
لا تسلِّم «خرائط» تينا شيرويل، إذن، باعتبار «المكان فضاءً متَُارَسُ فيه السلطة»، كما أسس فوكو، بل تسعى
إلى المساهمة في تشكيل المكان، بالإبرة والخيط، كفاعل في تخطيطه، كمكان سلطوي، عن طريق «تخييطه»، وبين
«التخطيط» و»التخييط» تعيد شيرويل بناء الخارطة نسجًا، وفتقًا، وترقيعًا، وتركًا للمقادير، ورغبة «الخائط»
التالي الذي يكتبُ التاريخَ على جسد الخارطة بإبرة لا تزال تتدلى ولا يحول دونها والسقوط من على ظَهر الخارطة
وظُهرها، كحصان محمود درويش، إالّ خيط يفتضُّ خرمها - العين على الملأ. هنا، ليس من الواضح أن شيرويل
قد جاءت إلى مقولة أبي العلاء المعرِّي «جسدي خرقة ختُاط إلى الأرض، فيا خالق الخلائق خطني،» لكنها
تواردت مع المقولة، وتمثَّلت فلسطين، الأرض، لتردِّد المقولة بتصرُّف: «جسدي خرقة الأرض، فيا خائط
الخرائطخطني»... هكذا فعلت، ربما. اللافت في عمل شيرويل هو الاستثمار الهائل في مسألة «الفاعلية» الفنية في إعادة تصميم الخارطة؛ تصميم
يستدعي نظرة جان بول سارتر إلى المكان الذي تبدو فيه الفاعلية والمفعولية وما تحْدثانه من تغيير في صورة المكان
محكومتين ب«حضور الآخر أو غيابه»؛ إذ لا يتحوَّل تصوُّر المكان، لدى الذات الفاعلة، من حيّز تمارِس فيه هذه
الذات وحدها السلطة، إلى حيّز تَكون الذات فيه أحد مفاعيل المكان، أي أشيائه، إلى حين حضور «الآخر».
هنا، يمكن القول إن اللحظة التي يسمّيها سارتر «أن تُرى من قِبل آخر»، أو ما يُعرف ب«لحظة المنتزه»، تكون
الأداة المركزية في تهديم القدرة على تركيب المكان لدى «الذات» التي كانت فاعلة، مرةً، وتلاشت قدرتها على
الفعل بعد ظهور «الآخر». لذلك، يحسن التفريق بين مفهومين مركزيين في إطار النظر أو الرؤيا، هما: الرؤية البصرية (الحرفية)، والرؤيا الفكرية
(المجازية) التي شكَّلت بها العلومُ الاجتماعية مفهومَ المكان. فمكان باشلار هو خارج هذين الحقلين من حقول
الرؤيا/ة، لأنه في حقل الرؤيا التي تؤمِّنُ حيّزًا للحلم الأمين، أو هو حيّز السكينة البعيد عن الفراغية، والمجافي
للتركيب الاجتماعي للفراغ في آن معًا. العُزلة، ولا شيء غيرها، إذن، هي معيار المكان الأليف وذاكرته عند باشلار،
والعزلة تقتضي، بالضرورة، انعدام وجود «الآخر» عيانًا، أو بالأحرى افتراض عدم وجوده إن حضر في الوعي
أو اللاوعي أو ما فوقهما من «شعر» أو «جنون» أو «موت» خارجَ حدود «العقل والنقل» و«الشطح والنطح»
مجتمعةً. أمّا المكان السارتري، الذي يهمن على عمل شيرويل، فيمثّل العكس تمامًا، إذ التنازع على دور الفاعلية
في تحديد إحداثيات المكان واستبدال الأدوار فيه، هو ما يحدد طاقة الفاعل على الإحساس بالمكان أو بانسرابه من
ملكوته، وهو ما يع عنه سارتر ب «ضياع مملكة الناظر»، حين دخول فاعل آخر إلى حيّز نظره لا يقاسمه حاسة
النظر فحسب، بل ويقاسمه، أو يقتلع منه، القدرةَ على تشكيل المكان، وينفي عنه مركزية التملُّك لحظةَ نفيهِلمركزية
الإدراك، أي إنه قبل «لحظة ظهور الآخر» يكون الناظر متأكدًا من أن لا وجود لمن يشكِّل المكان غيره، وعندما
يدرك الناظر أن المنظور الآخر أصبح يشاركه النظر، فإن «الآخر» يخرج من حدِّ المفعولية إلى حدِّ الفاعلية، وفي الآن
نفسه تنسحب «الأنا» لتصير واحدًا من «موضوعات» النظر إلى «آخر» لا يرحم. قد تبدو فلسطين وخارطتها التاريخية موئالً «مثاليًا» أول Archetype() لهكذا سياسة فنية، إن لم يكن لهكذا فنٍّ
سياسيّ، لكن جدل عمليتي «التشتيت» و«اللملمة» أو «التنتيش» كما تسمِّيه شيرويل، و«التخييط» من دون
الإحالة إلى فاعل سياسي أعلى Master-Subject()، إن جازت لنا إضافة عابرة إلى فوكو وأغامبن، تُفْقِدُ العملَ
راهنيَّته، وآنَهُ وهُنَاهُ، في ظل عملية التحوُّل الكبرى على جسد الخارطة الرثّ، وجغرافيته الحقيقية المستباحة.
29 Jean-Paul Sartre, Being and Nothingness; an Essay on Phenomenological Ontology , Translated and with an Introduction by Hazel E. Barnes (New York: Washington Square Press; Pocket Books, 1956), pp. 342-343.
ومع أن الحِرَفية العالية في التخييط والتلوين النسجي، والحفاظ على بعض معالم التسميات التاريخية للخارطة
التاريخية، ك«خطة التقسيم» مثالً، يساهمان في زيادة منسوب ما تكتنزه هذه الخرائط من مخزون عاطفي وشحنة
تاريخية، فإن رهافة اللون، أحيانًا، تجعل الإبرة سيدة الموقف، وتنفي قدرًا كبيرًا من أثر الفاعل الخارجي وهي
حتُيل عليه. لكن التوتُّر الناتج من هذه ضروب الأداء الفني هذه، مجتمعةً، يضع «خرائط» شيرويل في أعلى قائمة
أجود التحوُلّات التي طرأت على الخارطة الفلسطينية.
(است)دعاء الخارطة: فيرا تماري وجون (أبو) حلقة
بالإضافة إلى الأعمال الفنية الفردية للفنانين الفلسطينيين، تُطلَق بين حين وآخر مشاريعُ معمارية، وتُعقد
ورش فنية تتناول الخارطة كثيمة أساسية، أكان في الأكاديميا أم في المؤسسات الفنية الفلسطينية. ومن
هذه المشاريع، مشروع أشرفت عليه الفنانة فيرا تماري، ابنة يافا، مع طلبة دائرة الهندسة المعمارية في جامعة
بيرزيت سنة 2009، بعنوان: «زوال فلسطين»، كانت خلاصته كرَّاسًا يضم بين دفَّتيه أعماالً فنية متنوعة
يعكس كلٌّ منها تصوُّرًا بصريًا وفكريًا حول فلسطين وتحوُلّاتها: فكرة، وفضاء، وخارطة، إذ حين تُقَلِّب
صفحات الكتاب، يمكنك مشاهدة عرض ل«صور متحركة» تعكس حجم التحوُلّات التي شهدتها
خارطة/فلسطين.
صورة (11): صور من كرَّاس «زوال فلسطين»،
ورشة فيرا تماري في جامعة بيرزيت (2009)
وفي ورشة أخرى نظّمها غاليري حوش الفنّ الفلسطيني سنة 2006، ونشر خلاصات فكرتها وبعض أعمالها
الغاليري الافتراضي في جامعة بيرزيت، عمل الفنان جون (أبو) حلقة على قيادة مجموعة قوامها أحد عشر
من الفنانين والمعماريين والطلبة، من أجيال فلسطينية مختلفة، في مشروع الورشة، بعنوان: «الهوية والشخصية
والمادة». وقد استهدفت الورشة اكتشاف البنى العلائقية بين التاريخ والذكريات والأحلام الشخصية وتمثلّاتها
البصرية على سطح الخارطة المتحوِّلة بغية استكناه «الجانب الجيو-بوليتيكي لعملية وضع الخرائط، أي كيف
تقوم الخرائط عبر الزمن بالتعبير عن، وعكس الهوية الوطنية والانتماء والتشرد». وقد انتهت الورشة بنشر
مجموعة من الأعمال الناجزة، بعنوان: dis/PLACE/ed أي «مشرّدون».
صورة (12): عمل تركيبي لويس عبد ربه (يمين)، ولوحة إيمان الخياط (يسار)
من ورشة جون (أبو حلقة) «الهوية، والشخصية، والمادة» في القدس (2006)
هنا، تبدو الخارطة وما تشير إليه من مكان أقرب ما تكون إلى تصوُّر مرسيا إلياد للمكان المقدَّس (The
Sacrum)، المكان الذي لا وجود له إن لم يشتمل على ما هو مُتصوَّر أنه موجود فيه. كما تؤسس مقولة
هندوسية شائعة بأن «المكان بلا معبد هو مكان قاحل»، بمعنى أن المكان الذي ليس فيه حضور لما نحب ومَن
نحب هو مكان يباب. إالّ أن ثمة مقولة هندوسية أخرى تفيد بأن «الله موجود في كل مكان، إالّ في المعبد»!
وبذا، تنشأ التصوُّرات الاستعلائية-التجاوزية Transcendental() التي تَنْتجُ من تجسيد المقدَّس لذاته بمعنى
التجيل)Hierophany(. والتالي، حتى يكون العالم مكانًا للسُّكنى، يجب أن يوجدَ أوالً؛ أن يخرجَ من حدِّ
الأزلية إلى حدِّ الحدوث، أو من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل. وبالتالي، فإن السكنى في مكان ما ليست
قرارًا يكون الساكنُ فاعالً فيه، بقدر ما هو استكمال لدورة الخلق، أي دورة «الاستخلاف» بمصطلح ديني.
هنا، لا تنبع استعلائية المكان وتجاوزيته من خصائص فراغية أو تركيبية كما هي الحال عند فوكو وباشلار،
بل تتعلق، كما هي الحال عند سارتر، بالبعد المفهومي للمكان ومرجعياته في كل ثقافة ولدى كل متأمّل في
معنى المكان بعينيَّته. تبدو أعمال المشاركين في ورش «الهوية والشخصية والمادة» وكأنها تنزع السحر عن «جغرافيا السحر المقدس-»
فلسطين، فتجعلها تارة أرجوحة، وتارة أخرى رئة، وثالثة مزهرية للنار. تبدو فلسطين وخارطتها مكانَ
الاختلاف والمختلف، مكان اللاتجانس، مكان الاختبار والامتحان، «دار الممر» و»الدهليز»، بتعبير الغزالي.
لكنها تظهر أحيانًا في أعمال طلبة تماري مكانًا تُرابيًا متجانسًا لا يعكِّر صفوَه إالّ المساطر التي قسَّمته في ظل
شرط استعماري. لكن ترابيَّته (واقعيَّة تصوُّره كمكان مدنَّس) لا تحول دون استمرار تصوُّره رسُ ةً للكون (Axis
Mundi) يدور حوله كل كائن، ويدور هو في كل كائن.
30 لمزيد من التفصيلات، انظر: , Translated from The Sacred and the Profane; the Nature of Religion Mircea Eliade:
the French by Willard R. Trask (New York: Harcourt, Brace, 1961), and The Myth of the Eternal Return: Cosmos and History , Translated from the French by Willard R. Trask, Bollingen Series; 46 (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1971).
القدس- صفر الخارطة: خالد حوراني
إذا كان لكل خارطة من قلب، ولكل دولة من عاصمة، فقد قرر خالد حوراني، ابن الخليل، أن يجعل القدس
قلب الخارطة و«نقطة صفرها» عبر مشروعه الذي أطلقه في مناسبة إعلان القدس عاصمة للثقافة العربية سنة
2009، لتتجسد فكرة «رسَُّ ة الكون» في أكثر تعبيراتها المباشرة. ففي ظل الصلف الإسرائيلي والتبجُّح في استئجار
الأبدية، بإعلان «القدس عاصمة أبدية وغير مقسمة لإسرائيل»، جاء حوراني بفكرة «الطريق إلى القدس» لكسر
تلك الأبدية عبر موضعة القدس على مرأى الفلسطينيين الذين حُرموا من دخول المدينة عبر تحديد المسافة منها.
تقوم فكرة العمل على إعداد لوحات من السيراميك الأزرق المزخرف، مكتوب عليها اسم القدس بالعربية
والإنكليزية، ومحدَّد عليها بُعد قلب مدينة القدس عن نقطة تثبيت اللافتة. وقد بدأ تنفيذ المشروع، بالتعاون
بين الأكاديمية الفلسطينية الدولية للفنون ولجنة احتفالية «القدس عاصمة الثقافة العربية 2009»، من مدينة
رام الله، جوار ضريح الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وتثبيت لوحة في قلب البلدة القديمة، في مقر
مدرسة دار الأيتام الثانوية، على المسافة صفر من «مركز» مدينة القدس الروحي. وقد أُعدَّت لهذا المشروع، في
مرحلته الأولى، ثمانون لوحة ثُبّتت في مناطق مختلفة في فلسطين التاريخية، على أن يُستكمل المشروع في العواصم
العربية والعالمية. كما أعلن حوراني، في حينه، أن «كل من يريد الحصول على تصميم اللوحة بإمكانه ذلك من
خلال الإنترنت، وباستطاعته تعليقها على واجهة منزله أو في أي مكان يريده، شرط أن يكتب المسافة التي
تفصل المكان الذي توضع فيه عن المدينة المقدسة».
صورة (13): اللوحة الأساسية لمشروع خالد حوراني «الطريق إلى القدس» (يمين)، وأول مكان علِّقت فيه في القدس)2009(
تقلُّص فلس (طين): سليمان منصور
أمّا سليمان منصور، ابن بيرزيت، وصاحب كلاسيكية «جمل المحامل» في تاريخ الفن الفلسطيني، التي س ها
كذلك إميل حبيبي سنة 1973، فيزوِّد عالمَالمرئيات الفلسطينية بأعمال تناولت خارطة فلسطين التاريخية. ولعل
أشهر تلك الأعمال خارطته الطينية، بعنوان: «جسم متضائل/ Shrinking Object » التي أنجزها في سنة 1996.
تع اللوحة البارزة بالطين عن انكماش الخارطة الفلسطينية مع مرور الزمن، انكماش يُع عنه بجفاف الطين
كمادة تكوينية للعمل. وقد اشتهر منصور بالعمل في الطين منذ بدء انتفاضة 1987، إذ قرر التحوُّل من رسم
الأرض والتراب، إلى الرسم بالأرض.
31 لمزيد من التفصيلات، انظر:
<http://www.alquds2009.org/atemplate.php?id=1623&searchkey= 20%إلى 20%القدس الطريق >.
وبالإضافة إلى «جسم متضائل»، الخارطة الأشهر بين خرائط منصور الفنية، شارك هذا الفنان في ورشة (أبو)
حلقة سنة 2006 عبر إنجاز عملين فنيين من مواد متنوعة: تناول في الأول خارطة فلسطين التاريخية، فارغة من
المحددات المكانية ومحاطة بأسماء القرى والمدن الفلسطينية المحتلة، فيما صوَّر العمل الآخر خارطة الضفة الغربية
المجزأة، وقد ضاعفها على نحو مرآوي، على هيئة فراشة، أو رئة، هشَّة ينقصها كثير من الحياة.
صورة (14): أعمال سليمان منصور: «جسم متضائل،» 1996 (يمين)، وعملان أنجزا في ورشة جون (أبو) حلقة،
في القدس، 2006 (وسط ويسار)
يدخلنا منصور بامتياز إلى عالم جديد من عوالم التصوُّرات الذهنية للأمكنة، الأمكنة المتغايرة التي نحت لها فوكو
اسامً هو الهتروتوبيا Heterotopia(). غير أن «الأمكنة المتغايرة» تصدر عن معين نظري للمكان لا بد من إضاءته
ليتم المعنى؛ فمفهوم المكان الرياضي أو الهندسي يُشَكِّلُ جزءًا من مفهوم المكان الذي يتمركز حوله تعريف
فوكو للمكان ونقده لعملية تشكيله، ولا أقول تشكُّلِه. يختبر هذا الفهم أثر النموذج الفراغي للمكان الذي
يفرض على الجسم أو الذات حبكة استعلائية نتيجة لموقعه؛ فثلاثية البعد للمكان، عند فوكو، تنتج بيئة يمكن
للمكان ولما يملأ شغوره أن يكونا فيها موضوعًا للتخطيط والموقعَة، وبالتأكيد، للضبط والتأديب والتدجين
Disciplined Space(). وعليه، عندما يكون المفهوم الهندسي مرجعية للمكان كحيّز للحياة، فإن إنتاج المكان
يكون إنتاجًا لحيّز الامتثال؛ إذ إن المكان لا يمكن تصوُّره بغير كونه «حيّزًا لممارسة السلطة». وفي كثير من مؤلفاته
الثورية، يقدم فوكو أكثر الأمثلة الصارخة للمكان المنظَّم والمدجَّن والذي يمكن ملاحظته: مدينة الطاعون،
حيث تُضبط المدينة ويدَّجن مكانها تقسيامً وتخطيطًا، ويمتثل سكَّانها سكونًا وحركة، لآليات الضبط والمراقبة
تحت وطأة المرض ورهاب الجذام، ومثلها السجن، ومصحَّة الأمراض العقلية، والمعسكر، والمدرسة... كأماكن
مفعمة برؤيا المُكرِه ومعاييره، وانضباط الممتثل وعلاماته، بغضّ النظر عن المبرر الأخلاقي أو المعقلِن الفكري
أو المبرر السياسي لفعل الجبر. وبذلك، تغدو الأمكنة عوالم مصغَّرة أو مك ة ل«ماكينة التأديب» السلطوية
التي تعيد إنتاج المكان وسكَّانه وهي تعيد هندسته.
32 لمزيد من التفصيلات، انظر: Space, Knowledge and Power: Foucault and Jeremy W. Crampton and Stuart Elden, eds., Geography (Aldershot, England; Burlington, VT: Ashgate, 2007), and Michel Foucault: Discipline and Punish: The Birth of the Prison (New York: Vintage Books, 1961); Madness and Civilization; a History of Insanity in the Age of Reason, Translated from the French by Richard Howard (New York: Vintage Books, 1988), and “Of Other Spaces,” pp. 22-27.
غير أن فوكو يقدّم، إلى جانب هذه الأماكن المدجِّنة والمدجَّنة، نماذج لأماكن محايثة خرجت في إطار تجل يها عن
حدِّ التدجين وإنْ لفترات زمنية محدودة وغير متعاقبة. هذه الأماكن البديلة والمتغيرة، والقليلة على أي حال، هي
أماكن الاستقرار، ويمكن أن نقول «السكينة» تجاوزًا. وهنا يمكن استدعاء مفهومين تطبيقيين للتوضيح: الأول
هو مفهوم الخارج غير الأليف أو المدجَّن Untamed Exteriority()، وهو المكان الذي يستعصي على المراقبة،
ويفرُّ من قبضة التأديب، وكأنه ثغرة في جدار المكان الاعتيادي المدجَّن وثقب أسود فيه. إنه فضاء الأفق؛ إليه
يسكن المنبوذون بلا أمر رسمي لهم بالانتباذ، وقد تم تخصيصه، على غير عين السلطة السيادية أو التأديبية،
للعيش العابر بعيدًا عن «ظلم» السلطة و«ظلمتها». وأمّا المفهوم الآخر، فهو «المكان المتغاير» (المكان الآخر) أو الهيتروتوبيا، أي المكان الذي يعلِّق، في بعض صوره،
أو يدخِلُ في حيّز الحياد، منظومةَ العلاقات والممارسات الصادرة عن السلطة في أشكالها السافرة (السيادية)
وإنْ بقيت مشوبة ببعض أشكال السلطة الخفية (التأديبية). والهتروتوبيا، كما اليوتوبيا، تختزن الممارسات
الاجتماعية المدجَّنة ونقيضها، في آن معًا. غير إن تعيُّنها، على خلاف اليوتوبيا، يحمل قابلية نقد، ولربما نقض،
ممارسات الواقع القائم وأجندات السلطة. تكشف هذه الأمكنة زيف الترتيب الحيادي للمكان كما يتم فرضه
من السلطات التأديبية، وما خلفها من سلطة سيادية. والمرآة هي النموذج الفذ للهتروتوبيا، إذ إنها تعكس
الحقيقي واللاحقيقي؛ تعكس من حقيقة المكان ثلاثية بُعده، لكنها تغيِّبُ عن صورة المكان التع الفعلي لما
يملأ شاغره. لكن الهتروتوبيا، كما يملي اسمها ك«مكان متغاير» عن نفسه، وغيره من الأمكنة، تتعدد صورها
وأنماطها تبعًا لمبادئ ستة «ناظمة» لها: تقول بكونها عابرة للثقافات، في «أزماتها» (بيت العجزة) و«انحرافاتها»
(مدرسة الأحداث)، و«قابليتها للتغ والتطوُّر تبعًا لتغ المجتمعات التي تظهر فيها» (المقبرة والميدان)،
و«قدرتها على الجمع بين تغاير الأزمنة والأمكنة وقيمهما في الواقع والخيال» (المسرح والحديقة)، و«استعدادها
لاحتواء تغايرات الزمن وتراصفاته، زواالً ودواالً، في مكان واحد» (المكتبة والمتحف)، و«جمعها للنقيضين من
حيث كونها عصماء ومستباحة، قابلة للاختراق وعصيَّة عليه، في آن معًا» (الفندق والمقهى)، و«أهليتها للقيام
بوظائف مختلفة، حدَّ التناقض»: بين أمكنة «الوهم» وأمكنة «التعويض»، بين إمارة تحتفي بالتحديث بلا حداثة
وفضاء استعماري وظَّف فيه المستعمِر قيم الحداثة ولم يأت بالتحديث. وفي استرجاع آخر لثيمة الخارطة، قدَّم منصور عمالً فنيًا هو خارطة منجزة باستخدام رسم بالزيت على المعدن،
حيث تؤدي عوامل التآكل الطبيعية دورًا مه في تحويل الخارطة بقصديَّة تامَّة من الفنان الذي قام بصب الماء على
العمل حتى يأكل الصدأ السطح، ويهدد المنظور الذي تخلقه الخارطة. وقد ورد في وصف هذا العمل (الذي أُنجز
عبر معرض مشترك، بعنوان: «مواقف»، بين منصور والفنان النرويجي هوكن غيلفوغ، ضمن تواصل توأمي بين
مدينتي رام الله وتروندهايم أقيم في قاعة الحلاج في رام الله سنة 2008) أن التغ الذي طرأ على أسلوب منصور
في العمل بالطين والنقش البارز نحو استخدام الزيت والرهان على فعل الماء لتكوين الصدأ، إنما جاء استجابة
لرغبة الفنان في التحرر من الحدود القسرية للخارطة، ليضم فيها أماكن خارج الجغرافيا الطبيعية والتاريخية
لفلسطين، من حيث اشتمالها على مواقع انتماء في الذاكرة الأليفة لمنصور، ذلك أنه جعل مكان ميلاده، وهو
قطعة من الأرض اشتراها جده سنة 1910، مركز فلسطين. ونجد أيضًا أماكن مثل تشيلي وسان فرانسيسكو
ونابلس، وحتى المدينة السويدية أوبسالا، حيث ألقى الفنان محاضرات ونظّم معرضًا فنيًا مرةً. إن هذا العمل،
وهو يستدرج قضية السكن واللجوء، يضيف بُعدًا جماليًا آخر لمفهوم هتروتوبيا الزمن، إذ ترتبط خارطة منصور
بشرائح مكانية متباعدة تستدعيها الذاكرة، بتزميناتها المتباعدة والمتغايرة Heterochronies() على نحو دائري لا
بدء فيه لزمن التذكُّر ولا انتهاء، اللهم إرادة الفنان بتجميع شذراتها، وطاقة المتلقِّي على بناء العلاقات.
صورة:)15(
عمل «خارطة» من معرض «مواقف»
لسليمان منصور (2008)
خارطة البياض: ميرنا بامية
تبقى قابلية الذاكرة في المرئيات الفلسطينية حيَّة وقادرة على ابتكار «أمكنتها المتغايرة» الخاصة، عابرةً أزمنة
وأمكنة وتجارب شتَّى. وفي حين يستلهم صبحي زبيدي، بذائقة فذَّة، سخرية بورخيس من عبث البداية والختام
في رسم الخرائط ومقاساتها في الحالة الفلسطينية، كما سيرد تاليًا، تقتبس ميرنا بامية، ابنة القدس، على نحو شبه
حرفي قصيدة لويس كارول الآنفة الذكر، مستخدمةً الرسم التخيُلّي للخارطة الذي أعده هنري هوليدي ضمن
الرسوم الكرتونية المرافقة للقصيدة. لم تأخذ عبثية قصيدة كارول معناها الحقيقي، على الرغم من القائمة الطويلة
للأعمال التي تناصَّت معها، إال في رائعة خورخي لويس الشهيرة Del Rigor en la Ciencia في سنة.1946 قدَّمت بامية عملها الموسوم: «خارطة بيضاء»، وهو عمل فيديو تركيبي، في معرض «الفنانين الشباب» في
متحف المقتنيات التراثية والفنية في جامعة بيرزيت سنة 2011. وقد ضمّ المعرض مختارات من ثلاثة معارض
تم إنتاجها في سنة 2010، وهي: مسابقة الفنان الشاب في مؤسسة عبد المحسن القطان، والأستوديو المفتوح في
مركز خليل السكاكيني، ومعرض الفنانين الشباب في حوش الفن الفلسطيني. تقول بامية في تقديمها لعملها «خارطة بيضاء»: «يعتمد عمل ‘ خريطة بيضاء ’ على رسم تصويري مرافق لقصيدة
‘ صيد مخلوق السنارك ’ للويس كارول، 1874. ‘ خارطة بيضاء ’ هي خارطة فارغة تمامًا عدا بضع إحداثيات
سماوية، تصبح بها إطارًا لرحلة متخيلة، تنقض فيها المساحة الفارغة جميع القيود، ممكنة بذلك رؤية العالم بلا
هدف. ‘ خارطة بيضاء ’ هي كناية عن جميع الخرائط باحتوائها جميع التوقعات. يطرح عمل ‘ خارطة بيضاء ’ خارطة
مدينة فاضلة، تعمل كرؤية ‘ تتعدى الخيال ’ لعالم يبتلع فيه فراغه الأبيض جميع الحدود والتقسيمات والحواجز.
بالرغم من قدم هذا التصور للعالم (فالتصور نشر عام 1874)، ما زال ‘ يتعدى خيال ’ الوعي المعاصر، بالرغم
33 لمزيد من التفصيلات، انظر كتيب المعرض على الموقع الإلكتروني: http://www.artpalestine.org/img/youngartists.pdf>.<
وانظر كذلك صفحة العمل على الموقع الإلكتروني ل “ الجاليري الافتراضي لجامعة بيرزيت ”: http://virtualgallery.birzeit.edu/tour/<
item?id=599539&exh_id=596515>.
من استمرار تأثيرها عليه كمتنفس لوجوده المثقل بسلطوية القيود والحواجز والعراقيل والحدود. من خلال
هذا العمل، إنني أشكك بالإمكانيات التي نملكها في عالم حيث التقسيمات، والفصل، والحواجز تتوسع بلا
توقف... في عالم تكون الحدود بين ما هو حقيقي وظاهري غير واضحة المعالم». ثم تصف بامية قصيدة لويس
كارول بكرب في ثماني نوبات، وتقتبس النوبة الثانية، موردة هامشًا مؤدَّاه: «تمت ترجمة القصيدة للعربية لفهم
مرجعية العمل فقط، وليست ترجمة شعرية».
صورة (16): عمل تركيبي لميرنا بامية: «خارطة بيضاء،» رام الله (2010)
قد يصدق هذا الهامش بشأن «ترجمة» العمل في كلِّيَّته على «تركيب» فني، إذ لم يتجاوز نقله نسخيًا على أي حال.
لكن ما يثيره هذا العمل، وإنْ لم يكن موجَّهًا إلى خارطة فلسطين بعينها، مع أنه جاء في التقديم أن «خارطة
بيضاء هي كناية عن جميع الخرائط»، هو أنه عمل مباشر لكنَّه جاد، في مباشرته، كي يحيلنا على نموذج أعلى من
«الأمكنة المتغايرة»، وهو «الهتروتوبيا الخنثى،» وهي مكان يركِّبه تحليل فوكو اللامع لمفهومي الهتروتوبيا والمكان
غير الأليف في آن معًا، فيصير مكانًا ثالثًا يدعوه: «المكان المتغاير بامتياز» Heterotopia par Excellence()،
ويمثِّل عليه بسفينة المجاذيم، إذ هي كيان سابح؛ مكانٌ لامكانيٌّ؛ يحايثُ ويخارجُ في آن معًا؛ يقترب من أماكن
التدجين وسلطات الإكراه ويفارقهما؛ يعيش باستقلال لكنه لا يخرج عن حيّز الحكم الذاتي؛ لامحدود في المحيط
اللامحدود، مكان جديد كل يوم؛ مكان أبرزُ خصائصهِغيابُ خصائصهِ، وإحداثياته البيضاء. يؤسس فوكو
أنّ حضارة لا هتروتوبيا فيها هي حضارة لا حياة فيها، إذ تجف فيها الأحلام، وتُستبدل ملَكة المغامرة برغبة
التجسس، ويُستبدل القراصنة بالبوليس. وبالرغم من شعرية فوكو، المنسربة إلى خارطة بامية، في وصف هذا
المكان اللامكاني، فإنه والهروب إليه يندرجان في صنافية المكان هندسيًا ووجوديًا واجتماعيًا. ذلك بأن على
الرغم من كونه ذاتي المرجعية ومستقل الموقعية ومتفرِّد التع، فإن «استقلاليته» تُدخله قسرًا في حيّز التعريف
العام للمكان. إنه ليس مكانًا للحرية، لكنه مكان يستعصي على التدجين الخطِّي الذي تمارسه المؤسسة على
أمكنة أخرى ملْك يمينها. لكن خارطة بلا إحداثيات ولا مواقع، كخارطة بامية، هي، بلا شك، مكان معلَّق،
ومنذور، إرجاءً واستدعاءً، لمخيال الحالمين بفلسطين في حضورها وغيابها.
34 «الفنانون الشباب،» (متحف المقتنيات التراثية والفنية والجاليري الافتراضي، بيرزيت، 2011/4/12-2011/2/12)، ص 9،
pdf.youngartists/img/org.artpalestine.www//:http على الموقع الإلكتروني:
فلسطين خارطةً لذاتها
وفي محاولة أخرى لفتح المخيال الاستدعائي للخارطة على أقصى احتمالاته، تدهمنا خارطة صبحي زبيدي
«الخاصة جدًا»، بجودتها ومستويات التناص والاحتجاج السياسي والجمالي المركَّبة التي تنتظمها. فعلى المستوى
السياسي، يحيل زبيدي على قرار تقسيم فلسطين سنة 1947، في مقولة سياسية واضحة: إن خارطة لا تضمن
الوصول الحر إلى جغرافيا الخارطة هي لاخارطة، ولا بد من الانفصال عنها، وإعلان موتها. وأمّا على المستوى
الجمالي، المستَثمَر على نحو مذهل لخدمة مقولة سياسية نبيلة، فيستلهم زبيدي إرث الشاعر الأرجنتيني العالمي،
المتعدد النتاجات الأدبية، خورخي لويس بورخيس (1986-1899) ليحرر الخارطة من عبء إحالاتها،
وليحرر نفسه من عبء الخارطة. «لست أعمى لأرى»، قال محمود درويش مرةً، ولكن عوالم بورخيس السوريالية، التي ربما يكون العشى الوراثي
في عائلته قد ساهم في تمكينه منها، صارت مَعِيْنًا إنسانيا للفنتازيا، أو لعله الأدب الخيالي الذي يشكِّل العبث، في
اكتمال قوسه، أرضًا له لا سماء لها يعلن عبره احتجاجه على عالم الممكنات الحصري، العالم الذي يحيل الممكنات،
على الدوام، إلى مستحيلات تحكمها أنماط متباينة من القوة والسلطة والعنف. يحيل زبيدي، في آخر مقولته المصاحبة لعمله الفني «تقسيم» على سخرية بورخيس اللاذعة، في إحدى قصصه
القصيرة جدًا، من فكرة الخارطة، ويورِّي بتلك الإحالة عن حوارية مذهلة مع بورخيس في إدانة الخارطة،
ومعاداتها، جماليًا، بوصفها «قناعًا» أو «مرآة» تحجب الواقع وهي تحيل عليه. وقصة بورخيس هذه، هي قصة من
فقرة واحدة، كُتبت في الأصل بالإسبانية، عبر «انتحال» فني مقصود نسبه بورخيس، بعبث منقطع النظير، إلى
سواريز ميراندا، في أسفار الحكماء (Viajes de Varones Prudentes) المكتوبة سنة. 1658 لم يكن ميراندا، بالتأكيد مُلهم ظمأ بورخيس؛ إذ تشير المصادر الأدبية والنقدية إلى تأثر بورخيس بقصة وقصيدة
للأديب الإنكليزي لويس كارول (1898-1832) في هذا السياق، وهي القصيدة ذاتها التي استلهمتها بامية في
العمل السابق. الأولى، هي رواية بجزأين، بعنوان: خاتمة سلفي وبرونو (Sylvie and Bruno Concluded)
نشُر جزؤها الأول في سنة 1889، والآخر في سنة 1893. تدور حوادث الرواية بين عالم واقعي وآخر خيالي،
ويرد فيها فكرة حول خارطة يكون مقياس رسمها (ميل إلى ميل)، بحيث تكون الخارطة بحجم البلد الذي
تع عنه. وحين يدرك صاحب فكرة الخارطة استحالة فكرتها، يقترح أن يتم استخدام البلد ذاته خارطة لنفسه،
والشك يساوره أن ذلك لا يكاد أن يكون كافيًا! وأمّا الأخرى، فهي القصيدة الشهيرة «صيد مخلوق السنارك»
المنشورة في سنة 1874. وقد كان من ضمن الرسوم المرافقة للقصة الرسم التخيُلّي لخارطة بيضاء ليس فيها إالّ
إحداثيات سماوية بلا خطوط أرضية تُذكر، وهو رسم أعدَّه هنري هوليدي ضمن الرسوم الكرتونية المرافقة
للقصيدة. وكما تقدَّم سابقًا، لم تأخذ عبثية قصيدة كارول معناها الحقيقي، على الرغم من القائمة الطويلة للأعمال
التي تناصَّت معها، إال في رائعة بورخيس الشهيرة حول صرامة العلوم (Del Rigor en la Ciencia) في سنة
1946، وهي التي يذكرها زبيدي في خاتمة نصِّه. لطالما ع الفلسطينيون عن «فقدان الفردوس» أو «الخروج منه»، غير أن المقاربة التي صاغها زبيدي في حواريته
مع بورخيس تستحق الالتفات بامتياز؛ ففي الأسطورة الدينية، في الديانات الإبراهيمية وغيرها، هبط الناس
35 للاطلاع على النصوص الأصلية، انظر: (New York: Gramercy The Complete, Fully Illustrated Works Lewis Carroll, Books, 1982).
من الجنة، وفي بعض النعمائيات الكبرى يهرب الناس إلى الجنة، أو يهربون منها حين تكتمل الممكنات على نحو
ممل وقاحل بنهاياته السعيدة والكاملة، كما في جمهوريات الأحلام، ومدن الفلاسفة الفاضلة. ولكن، ماذا حصل
للفلسطينيين بعد أن هربت جنتهم منهم؟ وماذا حل باللاجئين بعد أن هربت فلسطينُهم إلى لا مكان، وحالت
بينهم وبينها خارطة قسَّمتها المساطر منذ سنة 1947 وحتى اللحظة؟ وكيف رأى زبيدي هوية الفلسطيني
الذي هربت منه جنته التي لا يزال يقطنها، ويرجع إليها، لكن من دون أن يتمكن من «العودة» التي ضمنها
قانون عودة الطيور والنمل والنحل والأسماك، وكذا قانون البشر العام في القرار رقم 194؟ هوية الفلسطيني
بالأمس، هي هويته اليوم، ويوم غد، وحيث يبعث الشهداء أحياءً: أرض، وناس، وحكاية لها ألف حكاية،
وخارطة «عبءٌ على ليلِالمؤرِّخ» ونهارِ السياسي في آن معًا.
لقد حاول المخرج اللاجئ صبحي زبيدي، ابن سافريِّة يافا، أن يجيب عن سؤالِهروبِ الجنة الفلسطينية في
واحد من أوائل أعماله، وهو فيلم: «خارطتي الخاصة جدًا» (1998)، عبر تسجيل وثائقي في عشرين دقيقة
لهروب الجنة بين ذاكرتين: ذاكرة من هُجِّروا من «الديار اليافوية» وذاكرة أبنائهم. عملٌ لم يبلغ، على الرغم من
جودته الأدائية العالية، درجة النضج التي وصل إليها عمل صبحي زبيدي الأخير «تقسيم/ Part-ition » الذي
عُرض في بينالي «تصوير: خطاطات مرئية للحداثة والإسلام» الذي أقيم في متحف Martin-Gropius-Bau
في برلين بين تشرين الثاني/ نوفمبر 2009 وشباط/ فبراير 2010، وكانت قيِّمته ومحررة الكتاب المصاحب
له الناقدة والفيلسوفة آلموت بروكشتاين شروق.كما كان زبيدي قد شارك بالعمل نفسه في معرض جماعي
بعنوان: «أبدًا لن أفارق»، ضمن موسم «مسارات فلسطين» في بروكسل سنة.2008
صورة (17): عمل تركيبي لصبحي زبيدي: «تقسيم»، برلين (2009)
Taswir: Islamische Bildwelten und Moderne, [Herausgeber Almut Sh.: للاطلاع على تفاصيل العمل والمشروع: انظر 36 Bruckstein Çoruh und Hendrik Budde im Auftrag der Berliner Festspiele; Übersetzungen Echoo-Kerstin Elsner and Yasmin von Rauch] (Berlin: Nicolai, 2009), p. 126.
ربما قلَّل الحضور الطاغي لشهداء غزة، الذين أتى تيسير البطنيجي بصورهم إلى قلب برلين، من «إشكالية »
أعمال زبيدي، وتنصُّ لية أعمال منى حاطوم، غير أن إدارة متحف Martin-Gropius-Bau لم تترك عمل صبحي
زبيدي وشأنه. فعمل «تقسيم،» الذي قد يكون أضأل الأعمال حجامً في معرض «تصوير: خطاطات مرئية
للحداثة والإسلام» يستند إلى فكرة إدانة العنف السياسي الذي مورس على الفلسطينيين وحدَّي وجودهم:
زمانيًا ومكانيًا. يقوم زبيدي بتقسيم خارطة فلسطين إلى اثنتين وسبعين قطعة بمقاس 7.3 x 37. سم للقطعة
الواحدة: فيترك بعض القطع على وجهها الصحيح كأجزاء من الخارطة الكبرى، ويقلب أجزاء أخرى على
وجهها الآخر، ويضع «قواعد اللعبة» للمتفرجين بحيث يقومون بإعادة ترتيب هذه المتاهة- اللغز على طريقتهم
الخاصة، فإن لم يتمكن الأول من إعادة ترتيب جزء ما من الخارطة، دفعه الذي يتلوه في الصف وقام هو باقتراح
ترتيب جديد، وهكذا إلى أن يعتدل مزاج الخارطة، وينسجم مكان الفلسطينيين الضائع مع زمنهم السليب.
بيد أن إدارة المتحف لم توافق على «قواعد اللعبة»، بل عرضت الخارطة في صندوق زجاجي بحيث لا يُسمح
لأحد بأن يلمس الخارطة على الرغم من احتفاظه بملخص المشروع، التالية ترجمته، على جانب الصندوق. تُذَكِّر
سياسة إدارة المتحف الألماني المرءَ بنكتة سمجة لأحد المعارض حول الكتابة باللغة العبرية على طريقة «بريل»،
حيث عمل قيَّمو المعرض على وضع الكتابات في أطر زجاجية، فلم يتمكن المكفوفون من لمس الكتابة، ولم
يتمكن المبصرون من قراءتها! هكذا هي فلسطين، إذن، مكتوبة بلغة لا يصل إليها من يعرفها، ولا يعني رسمها أي شيء لمن لا يعرفها! أمّا
في السياق الأوروبي، والحيّز الألماني على وجه التحديد، فقد وجد فيه زبيدي طريقًا ليس أقل التفافيَّة من طرق
الخارطة نفسها ليضع مقياس الرسم للخارطة، مشروعه، «تقسيم»، الذي يعيد «ترتيب» خارطة فلسطين التي
أهداه إياها لاجئ من مخيم بيرزيت سنة 1974، وجالت معه العالم معلَّقة على جدران كل بيت يقطنه، حيث
توقَّف، خجالً، عن تلك العادة، ولم يعلِّق الخارطة بعد اتفاق أوسلو 1994، و«مزَّق» الخارطة فنيًا بعد قرابة
ثلاثة عقود. يروي زبيدي قصته وقصة الخارطة، قصة «طفولة الأرض» التي لم تبلغ «طفولة السماء» بعدُ. لكن، ما هو شكل
الإدانة التي يكيلها هنا: هل هي إدانة للخارطة الأولى أم إدانة للخارطة التي خانت جغرافيا «الخارطة الأولى؟»
وما سرُّ استدعاء بورخيس في هذا المقام؟ فنحن نعلم أن بورخيس، فيما أحلنا عليه من قبل وفي معظم أعماله،
قد أدان عنف المعرفة وعنف الحصرية المتضمنين، ضرورةً، في عنف الإمبراطورية ابتداءً من «اعتدال» القوة في
الصين القديمة، ومرورًا بشرَه القوة العابثة في إسبارطة-البحر وحروب البيلوبونيز التي لا تصلح لشيء بقدر
ما تصلح للمخيال الشعري، وانتهاء بسعار القوة الغاشمة في إسبارطة-البر، إسرائيل الجديدة. فما الذي يدعو
زبيدي إلى حواريةٍ مع بورخيس، وما الذي يجنيه من توظيف رأس مال بورخيس الرمزي لينتج خارطة أكثر
37 لم تترك إدارة المتحف، كذلك، أعماال وكتابات أخرى وشأنها، بل سعت إلى إقصاء الأعمال والكتابات التي ادّعت أنها تمس
بأخلاقيات المتحف وحساسياته تجاه إسرائيل، وخاصة في أعمال الفنان الفلسطيني تيسير البطنيجي، والكتابات النقدية التي رافقتها.
لمزيد من المعلومات حول موسم «مسارات فلسطين،» ومعرض «أبدًا لن أفارق»، انظر صفحة المعرض على الجاليري الافتراضي لجامعة
. > http://virtualgallery.birzeit.edu/tour/exhibition?id=431504< بيرزيت:
وللاطّلاع على الإشكاليات السياسية، والسجال الإعلامي الذي دار حول المشاركات الفلسطينية في المعرض المذكور، انظر: عبد الرحيم
الشيخ: «خريف النكبة... ربيع الكتابة (-1:)5 الفن الفلسطيني ينتصر على الصهيونية والنازية،»، 2010/4/27، ص 30، على الأيام
الموقع الإلكتروني: http://www.al-ayyam.com/pdfs/27-4-2010/p30.pdf< >.، و«حسين البرغوثي وفلسطين: طفولة الأرض، وطفولة
السماء،»، 2010/5/4، ص 30، على الموقع الإلكتروني: الأيام >.http://www.al-ayyam.com/pdfs/4-5-2010/p30.pdf<
38 انظر مشروع صبحي زبيدي على الموقع الإلكتروني «الجاليري الافتراضي لجامعة بيرزيت:» <http://virtualgallery.birzeit.edu/
tour/exhibition?id=431504>.
دقّة، وقد أوضح بورخيس مقاصده على نحو لا يقبل التأويل حين استدعى هو الآخر، بسخرية لا ينقصها
البريق، مقولة سواريز ميراندا، منأسفار الحكماء سنة 1658، ليدين دقة الخارطة لا عدم دقَّتها؟ يؤسس بورخيس أنّه «في تلك الإمبراطورية بلغت مهنة رسم الخرائط حدَّ الكمال إلى درجة صارت فيها خارطة
قضاء واحد تغطِّى فضاء مدينة بأسرها. ومع مرور الزمن، غدت هذه الخرائط غير وافية بالحاجة، فعملت
أكاديمية واضعي الخرائط على رسم خارطة للإمبراطورية بمساحة الإمبراطورية نفسها بحيث تُقَارَنُ فيها
النقطة على الخارطة بمثيلتها على الأرض. غير أن الأجيال اللاحقة، غير آبهة برسم الخرائط، استثقلت هذه
الخارطة... ودونما قلة احترام لها، هجرت الأجيال الخارطة، وتركتها لقسوة الشمس والمطر. أمّا اليوم، فلا تزال
المِزَقُ البالية المتبقية من هذه الخارطة موجودة في الصحارى الغربية، تحتمي بها الوحوش الشاردة والمُعدمون
البلِا بيت... لكن ليس ثمة، على طول البلاد وعرضها، أي أثر لعلم الجغرافيا»!. يستثمر زبيدي ما في قصة بورخيس من عبث فني وتحايل على التاريخ والجغرافيا في آن معًا، ولكن لماذا؟ هل أراد
أن يتجاوز «علم الجغرافيا» الذي دشَّن خارطة البلاد في جنوب الساحل السوري، وليدين الجهل ب«علم السياسة»
الذي أودى بدقة الخارطة، وما تمثّله من جغرافيا السحر الإلهي لفلسطين؟ سؤال قد لا نجد إجابة عنه أكثر دقَّة، مع
أن زبيدي هاهنا يدين الدقَّة وهو يرجوها، من دون أن يندبها، من مقولات محمود درويش الذي لم يكتف بالأرض
في تحديد الجغرافيا، بل جاوزها إلى أن «رائحة البن»...«جغرافيا» حتى وإن «سقط القطار عن الخريطة». على الرغم من ذلك، يعتقد زبيدي في حوارية قصيرة على هامش معرض «مسارات فلسطين»، أن «تدمير
الخريطة لا يصلح العلاقة بين الجغرافيا والتاريخ»، ولذا فهو «يدمِّر» الخارطة لسبب سياسي، إذ الخارطة مدمَّرة
بفعل ال«تقسيم» الذي وسم العمل كلَّه، ووسم السيرة الفلسطينية التي تشكَّلت، من وجهة نظره، من مزيج
جدلي بين الغياب والحضور. والعمل لديه «لا يمنح إحساسًا بالختام، بل ينكأ الجرح»، كما توضح شهادة زبيدي
التفصيلية في هذا العمل؛ إذ «إن النص جزء أساسي من العمل، ومهم أيضًا، فهو يشرح كيف تنتمي الخريطة إلى
جغرافية وعالم لم يعد لهما وجود. إنها خريطة لعالم قد اختفى». لقد عمد زبيدي إلى نكء جرح «التقسيم»،
لعلَّ تقسيم الخارطة، حدَّ التمزيق، يكون دليالً على تراب الجنة المختفية، «العالم المختفي» الذي يدشِّن زبيدي
أبرز رموزه: خارطتُه بوصفها إعادةً في لحظة استعادة.
منتهى: تحوُلّات الخارطة في المرئيات الفلسطينية (الفكرة، والتقنية، والشاعرية)
يتمحور استدعاء الخارطة في المرئيات الفلسطينية، على مستوى الفكرة، حول حادث مركزي في الذاكرة
الفلسطينية، هو النكبة التي أطاحت أرض الخارطة وناسها وحكايتها: هويةً وذاكرةً، ذلك أن مركزية النكبة
في الحالة الفلسطينية لا تجعل منها معطى تاريخيًا تحدد مرةً وانطفأ، بل تجعلها فيضًا وطنيًا في الذاكرة الجمعية
الفلسطينية في مختلف أماكن وجود الفلسطينيين في حدود فلسطين التاريخية والشتات. ولذلك، فإن مقاربة
النكبة تتجلى في اعتبارها حادثًا تاريخيًا ج الً؛ إذ في غمرة تخلُّق النخبة القومية التي كانت تحاول اجتراح الخطاب
39 لقراءة النص الأصلي، انظر: Collected Fictions, Jorge Luis Borges, “On Exactitude in Science,” in: Jorge Luis Borges, Translated by Andrew Hurley (London; New York: Allen Lane The Penguin Press, 1999), p. 325.
04 انظر المقابلة مع صبحي زبيدي على الموقع الإلكتروني ل «الجاليري الافتراضي لجامعة بيرزيت:» <http://virtualgallery.birzeit.edu/
tour/exhibition?id=431504>.
الذي سيجعل القومية (في حالة الوطنية الفلسطينية) تفيض على القوم لتنتج الدولة المرجأة، بدأ الحلم الصهيوني،
بعد قرابة خمسين عامًا على صياغاته الأولى، بالتحقق على شكل إعلان مشروع – دولة -إسرائيل سنة 1948.
وقد كانت الاستفاقة على الحلم الصهيوني، بتأسيس الدولة الاحتلالية، هي بداية الكابوس الفلسطيني بالقضاء
على مشروع الحداثة الفلسطينية المتمثّل في إقامة الدولة التي تحفظ الناس، وأرضهم، وقصتهم مع أرضهم. وقد
كانت الخارطة، بالتأكيد عنصر توتُّر هائل في التعبيرات السياسية والثقافية والفنية. لذلك، فإن قراءة النكبة، وتمثيلاتها على الأرض وفي حكاية المرئيات، إنما تكون في تركيز النظر في ما أحدثته
النكبة من هزيمة في هذه الحدود الثلاثة لهوية الفلسطينيين كجماعة قومية أصلية: الديموغرافيا والجغرافيا
والهستروغرافيا؛ ذلك أن من شأن هذه القراءة أن تفهم النكبة بوصفها نفيًا متواصالً للذات الفلسطينية يتجسد
في مشروعين: مشروع النصر، وهو مشروع الغالب الصهيوني لتكريس ذاته، ومشروع الهزيمة، وهو مشروع
الغالب الذي يواصل من خلاله نفي ذات المغلوب ووجوده. وعليه، فإن الهزيمة التي أُلحقت بالفلسطينيين،
كذلك، ليست جوهرًا تاريخيًا لوجود الذات الجمعية تحددَ مرةً وانطفأ سنة 1948، بل هي «نفيٌ متقدِّمٌ» لهذا
الوجود يديرهُ الغالب -النقيضُ ويبدعه على نحو يحفظ ذاته الجمعية، وذاكرته هو، ويحيلها إلى جوهر تاريخي
عصيٍّ على الانطفاء. الهزيمة، إذًا، إبداع الغالب الصهيوني الذي لا يمثِّل المغلوبُ الفلسطيني إالّ مادته وفضاء
تدشينه. وبذلك، فإن النكبة هي فعل متواصل ونفي متقدِّم، لا ينبغي إحياء ذكراه، بل التخلص من لعنته. وبما أن الخارطة في التعبيرات السياسية والثقافية، والمرئيات الفلسطينية ذروة سنامها، تعدُّ من أبرز التوترات التاريخية
في التعبير عن الحادث التكويني الأبرز في الذاكرة الجمعية الفلسطينية، وهو النكبة، فقد جرت مقاربة ما تعلَّق بها
من نتاجات فنيِّة، كالتقاء بين تيَّارات «البناء السفلي/الهندسة الفردية» و»البناء العلوي/الهندسة الجمعية» للذاكرة،
يتخللهما مستوى ثالث في الحالة الفلسطينية التي لم تشهد، حتى اللحظة، تجربة دولانية جامعة لجميع مكوِّناتها
الجغرافية والديموغرافية والثقافية. ينطلق هذا المستوى من تعميم العمليات من أسفل (التجارب الفردية) على
أجسام ثقافية تمثيلية متعددة تأخذ طابع الجمعية لكنها في سلوكها وأدواتها وأهدافها تعدُّ استمرارًا لعمليات البناء
الفردي. وما تذرُّر الاتحادات الثقافية والمؤسسات التمثيلية في المشروع الثقافي الفلسطيني اليوم سوى واحد من
الأمثلة على ذلك. لكن استدعاء «أشياء الذاكرة» في المرئيات الفلسطينية بشأن «خارطة النكبة» ينطق بقدرة تيار
الذاكرة السفلي على إحراج تيارها العلوي، وإنقاذه من ورطته السياسية والأخلاقية. أمّا من حيث التقنية، فقد مال معظم الأعمال الفنية التي تناولت الخارطة ثيمة مركزية إلى تقنية «التركيب» التي
عكست تراجعًا في صلابة التعبير الفني عن ثبوتية الخارطة كمرجعية رمزية وبلاغية وجمالية. هنا، تم تدشين نقد
مهم لا لاستخدام تقنيات «التركيب» من جانب الفنانين الفلسطينيين في العقدين الأخيرين فحسب، بل أيضًا
للشروط المؤسسية والثقافية والفنية والفضائية التي يتحرك هؤلاء الفنانون عبرها، ولربما بحسبها: مادةً ووسيطًا
وشكالً، منشبكة في نسيج رخو على نحو لا يحلُّ التناقضات المكوِّنة للذات الفلسطينية، حيث يؤدي اجتماع
هذه الشروط إلى متاهة ينقاد من خلالها المتلقي داخل الذات الفلسطينية. وهذه المتاهة «هي عبارة عن طموح
حثيث لذات تنطوي على مؤسساتية نقية ومرتبة، بحيث تحمِلُها وتحمَل عليها، حيث تلعب المجمّعات التجارية،
والمباني القديمة المرممّة، والبلدية، ومباني المنظمات غير الحكومية، الدور المركزي في إعادة صياغة هذه ‹الفلسطينية›
الجديدة وممارساتها. في الأوقات العادية، نرى أن هذه العوامل الاجتماعية الاقتصادية تحفر الذات الجديدة في
1 4 للاطّلاع على تفصيلات هذه المقولات النظرية، انظر: عبد الرحيم الشيخ، «الهوية الثقافية الفلسطينية: المثال، التمثيل، التماثل،» في:
التجمعات الفلسطينية وتمثلاتها ومستقبل القضية الفلسطينية (رام الله: مركز مسارات،.)2012
مجالاتها المحددة والمتخصصة، في حالتنا هذه يصبح العمل الفني الفرصة بامتياز من أجل قَنْونَة العام إلى داخل
قالب الذوق الحسي لهذه الذات الجديدة، التي ما زالت في حالة من إعادة تشكيل الشخصية الفلسطينية». لا يخفي النقاد قلقهم تجاه سياسات المؤسسات التي تؤدي إلى خلط هائل في المواد والوسائط والأشكال المتداولة
والمتداخلة على المستويات الوطنية، والفنية والتجارية، ولا يستنكرون أن يكون الفن مداخلة اجتماعية في الفضاء
العام، فذلك معلوم بالضرورة، لكنه يستنكر «الهجنة» بين هذه المستويات التي مكَّنت المؤسسة الثقافية والفنية
من تسجيل «انتصارات» في الصراع على تعريف الفضاء العام، وبلورة الذائقة الجديدة. وخلال تحليل بعض
الأعمال الفنية، مادةً ووسيطًا وشكالً، يُشار إلى أن هذه الأعمال، في أغلبيتها، تساهم في بلورة صورة عن «فلسطين
التي تفشل تكرارًا في تحقيق ذاتها». وعلى ذلك، تكون النتيجة أن هذه المرحلة، غير المنتهية من الفن الفلسطيني،
غير معربّة عن «جمالية تشظٍّ»، بل هي بحث عن جمالية على هذا النحو، ذلك أنها جمالية «غير المكتمل»: «تتركب
بنية هذا البحث من العلاقات بين تهشيش المادة، والاستعمال التقني للوسيط داخل عملية الإبداع، وأشكال
صورة تشظِّي الأنا. تصبح عملية تهشيش المادة، في هذه التركيبة، شرطًا ضروريًا بغية تشكيل صور التشظِّي،
ذلك بسبب تحويل الوسيط إلى درجة الصفر من خلال استعماله على المستوى التقني فقط. إن الاستعمال التقني
للوسيط لا يعني عدم فاعليته، بل يشير إلى كونه شرطًا موضوعيًا، وإلى عدم محاولة الفنانين توضيح موقعه
وتغييره، أو تحويل موضوعيته باتجاهات أخرى. من هنا، فإن عدم اكتمال مثلث مادة – وسيط - شكل، هو نتيجة
عملية إبداع ذات بُعدين في مجال شرطه الضروري، ولكن غير الكافي، هو العمل على ثلاثة أبعاد على الأقل». وأمّا من حيث الشاعرية، فمن اللافت أن جميع الأعمال انحازت إلى فكرة الفقد التي عرُبّ عنها ب: تذرّر الخارطة
وتشظِّيها، وتقلُّصها، واحتراقها، وهروب أرضها منها، بل وهروب مواقعها وتحوُلّها إلى عدمٍ أبيض. هنا، تجدر
الإشارة إلى أن المرئيات الفلسطينية ليست منفردة بإحالة الخارطة إلى أرض يبابها الخاص بعد أن صارت أرضها
المرجعية يبابًا في إثر تغييب أصحابها، بل شهد المخيال الشعري، كذلك، وفي أنضج تصويراته على لسان محمود
درويش، في قصيدته «على محطة قطار: سقط القطار عن الخريطة»، تعبيرًا شبيهًا عن ظاهرة الفقد للخارطة
وأرضها اللتين لا تزالان برسم المتذكرين، إعادة واستعادة: «كنا طيبين وسُذَّجًا. قلنا: البلادُ بلادُنا قلبُ الخريطة لن تصاب بأيَّ داءٍ خارجيٍّ... (للحقيقة، ههنا وجه وحيدٌ
واحدٌ ولذا.. سأنشد): أنتَ أنتَ ولو خسرتَ. أنا وأنتَ اثنان في الماضي، وفي الغد واحد. مرَّ القطار ولم نكن
يَقِظَنيِْ، فانهض كامالً متفائالً، لا تنتظر أحدًا سواك هنا. هنا سقط القطار عن الخريطة عند منتصف الطريق
الساحليِّ. وشبَّت النيرانُ في قلب الخريطة، ثم اطفأها الشتاء وقد تأخر. بلادنا قَلْبُ الخريطة. قلبها المثقوبُ
مثل القرش في سوق الحديد. وآخر الركاب من إحدى جهات الشام حتى مصر لم يرجع ليدفع أجرة القناص
عن عمل إضافيٍّكما يتوقع الغرباء. لم يرجع ولم يحمل شهادة موته وحياته معه لكي يتبين الفقهاء في علم القيامة
أين موقعه من الفردوس. كم كنا ملائكة وحمقى حين صدقنا البيارق والخيول، وحين آمنّا بأن جناح نسر سوف
يرفعنا إلى الأعلى! (سمائي فكرةٌ. والأرض منفايَ المُفضَّلُ). لجرحي الأبديِّ محكمة بلا قاض حياديٍّ. يقول
لي القضاة المنهكون من الحقيقة: كل ما في الأمر أن حوادث الطرقات أمرٌ شائع. سقط القطار عن الخريطة
واحترقتَ بجمرة الماضي. وهذا لم يكن غزوًا! ولكني أقول: وكل ما في الأمر أني لا أصدّق غير حدسي».
2 4 إسماعيل الناشف، «صورة المُتشظِّي،» في: محمود أبو هشهش ونيكولا جري، محرران، تحوُلّات: مسابقة الفنان الشاب للعام 2006
(رام الله: مركز القطان للبحث والتطوير التربوي، 2008)، ص.25
34 المصدر نفسه، ص.29
44 محمود درويش، لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي: الديوان الأخير (بيروت: رياض الريِّس للكتب والنشر، 2009)، ص.34-25