العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الدولة التوتاليتارية

الدولة التوتاليتارية

The Totalitarian State

فراننز ليوبولد نيومان

Franz Leopold Neumann

الملخّص

القومية: ملاحظات تمهيدية حول قيمة الأيديولوجيا النازية».

* فرانز ليوبولد نيومان (1954-1900) مناضل ومفكّر سياسي وأكاديمي يهوديّ ألماني على صلة وثيقة بالماركسية، اشتهر بتحليله النظري للاشتراكية القومية (النازية)، خاصةً في كتابه العمدة البهيموث: بنية الاشتراكية القومية وممارستها (1942) الذي ترك أثرًا بالغًا في فهم الأنظمة التسلطية الشمولية وتصدر قريبًا -عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات- ترجمته العربية التي أنجزها المترجم والكاتب اللبناني حسني زينة وننشر منها هنا الفصل الأول، «الدولة التوتاليتارية»، من قسمها الأول، «النمط السياسي للاشتراكية

Abstract

The idea of the totalitarian state grew out of the demand that all power be concentrated in the hands of the president. Immediately after Hitler's accession to power, political theorists began to make much of the totalitarian idea as elaborated by the constitutional lawyers. All power was to be vested in the state; anything less was sabotage of the National Socialist revolution. The totalitarian state was described as an order of domination and a form of people's community.

الكلمات المفتاحية:
  • السيطرة
  • السلطة
  • التوتاليتارية
  • الدولة
  • الوجدان القومي
Keywords:
  • Totalitarian State
  • Leopold Neumann
  • Hitler

ترجمة: حسني زينة

تقدّم لنا أيديولوجية النازية الفكرة الفضلى عن

غاياتها القصوى. وهي ليست ممتعة جدًا ولا

هيّنة على الدرس. فعندما نقرأ أفلاطون وأرسطو، توما

الأكويني ومرسيليوس البادوي، هوبز وروسو، كانط

وهيغل، نؤخذ بالجمال الداخلي لتفكيرهم، ونعجب

بتماسكهم وأناقتهم، بقدر ما نؤخذ بطريقة تلاؤم

مذهبهم مع الوقائع الاجتماعية-السياسية. فالتحليل

الفلسفي يتماشى يدًا بيد مع التحليل الاجتماعي. أمّا

الأيديولوجيا النازية، فهي خالية من أيّ جمال داخلي؛

فأسلوب كتّابها الأحياء بغيض، وأبنيتهم مشوّشة،

وتماسكهم معدوم. وكل بيان لهم يصدر عن الوضع

المباشر، وهو يُطّرَح حالما يتغريّ الوضع. الصلة المباشرة والانتهازية بين المذهب النازي والواقع

تجعل دراسة الأيديولوجيا النازية أمرًا جوهريًا. علينا

عادةً أن نرفض الفكرة القائلة إن علم الاجتماع يمكن

أن يحدّد صحة نظام من الأفكار أو خطأه عبر امتحان

أصله الاجتماعي، أو عبر تحديد صلته بطبقة اجتماعية

في المجتمع. ولكن لا بد لنا في حال الأيديولوجيا

النازية من أن نعتمد على الطرائق السوسيولوجية.

ولا سبيل آخر إلى بلوغ الحقيقة، ولا سبيل حتامً إلى

بلوغها استنادًا إلى تصريحات القادة النازيين. ربما لم تكن السيطرة على العالم الغاية المدركة للنازية،

ولكن التناقضات الاقتصادية والاجتماعية ستدفعها

إلى توسعة مجالها إلى ما وراء أوروبا. وتحتّم العناصر

المذهبية لهذه الأيديولوجيا على الرغم من التكذيبات

كلها، وحتى على الرغم من قيام هتلر شخصيًا

بشجب خطاب ذائع الشهرة لوزير الزراعة داريه

أعلن فيه الأخير أن السيطرة على العالم هي غاية

النازية (انظر رسالته إلى الشعب الألماني في مناسبة

رأس السنة التي نشرتها صحيفة فرانكفورتر تزايتونغ

في أول كانون الثاني/ يناير 1941) وتسفيه الفوهرر

للفكرة باعتبارها «كذبة غبية وشائنة». ولا بد لنا

لإثبات التهمة من تفحّص كل عنصر من عناصر

مذهبه على حدة.

* فرانز ليوبولد نيومان (1954-1900) مناضل ومفكّر سياسي وأكاديمي يهوديّ ألماني على صلة وثيقة بالماركسية، اشتهر بتحليله

النظري للاشتراكية القومية (النازية)، خاصةً في كتابه العمدة البهيموث: بنية الاشتراكية القومية وممارستها (1942) الذي ترك أثرًا بالغًا

في فهم الأنظمة التسلطية الشمولية وتصدر قريبًا -عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات- ترجمته العربية التي أنجزها المترجم

والكاتب اللبناني حسني زينة وننشر منها هنا الفصل الأول، «الدولة التوتاليتارية»، من قسمها الأول، «النمط السياسي للاشتراكية

يستطيع الناظر أن يستشفَّ خلف كتلة ضخمة

من الرطانة، والترهات، والتشويهات، وأنصاف

الحقائق، الموضوع المركزي الحاسم وذي الصلة

بالأيديولوجيا، وهو أن النظريات والقيم التقليدية

يجب أن تُنتبذ كلها، سواء انبثقت من العقلانية

الفرنسية أم من المثالية الألمانية، من التجريبية

الإنكليزية أم من البراغماتية الأميركية، وسواء أكانت

ليبرالية أم استبدادية، ديمقراطية أم اشتراكية. فهي

جميعها معادية للغاية الأساسية للنازية، ألا وهي

إنهاء التفاوت القائم بين إمكانات الجهاز الصناعي

الألماني والواقع الموجود والمستمر، وذلك باعتماد

الحرب الإمبريالية. إن القيم والمفاهيم التي رفضتها النازية هي المفاهيم

الفلسفية، والقانونية، والسوسيولوجية، والاقتصادية

التي نعمل بموجبها كل يوم والتي تسم مجتمعنا.

وعددٌ كبير منها، ومن بين هذا العدد فكرة سيادة

الدولة التي كثيرًا ما تُعتبر رجعية، يتكشّف طابعه

التقدمي عند التحليل، وتظهر مغايرته للنازية.

وسوف نتناول في دراستنا للأيديولوجيا النازية كل

عنصر من عناصرها على حدة، ثم نبنيّ كيفية عمله

الفعلي داخل بنية النظام السياسية والاجتماعية

والقضائية والاقتصادية. والمقولات التي سوف يتم

تطويرها لا تقابل بالضرورة مراحل محددة في تطور

الأيديولوجيا النازية، وإن كان بعضٌ منها يتطابق. تختلف الأيديولوجيا التوتاليتارية في مظهرها

الخارجي، أي من حيث هي دعاوة سياسية

(بروباغندا)، عن الأيديولوجيات الديمقراطية

لا لأنها وحيدة وحصرية فحسب، بل لأنها

منصهرة بالإرهاب أيضًا. فالأيديولوجيا في النظام

الديمقراطي هي واحدة من بين عدة أيديولوجيات.

والواقع أن عبارة «أيديولوجيا» نفسها تتضمن معنى

العلاقة التنافسية ب ني عدة بنى فكرية في المجتمع.

ومن الجائز أن نصف النظرية النازية بالأيديولوجيا

لا ل يشء إالّ لأنها تنافس سواها من الأيديولوجيات

الأخرى في سوق الأفكار العالمية، وإن كانت تتفرد

بالسيادة والفرادة في السوق المحلية. والأيديولوجيا

الديمقراطية تكون ناجحة إذا ما استطاعت إقناع

الناس أو اجتذابهم، أمّا الأيديولوجيا النازية فهي

تقنع الناس باستعمال الترهيب. يقينًا، إن القبول

بالأيديولوجيا السائدة في الديمقراطيات يعود بالمنافع

المادية على الذين يقبلون بها، وإن الذين لا يقبلون ربما

تعرضوا للعنف أحيانًا، لكن النظام الديمقراطي

يسمح على الأقل بانتقاد أمثال هذه التحالفات،

ويفسح المجال أمام العناصر والقوى المتنافسة. ليس للنازية أي نظرية للمجتمع بالمعنى المفهوم

للكلمة، ولا أي تصور متماسك لكيفية عمله وبنيته

وتطوره، بل إن لها بعض الغايات التي تسعى إلى

تحقيقها، وهي تكيف بياناتها الأيديولوجية بمقتضى

سلسلة من الأهداف الدائمة التغير. إن انعدام

النظرية الأساسية هذا يشكّل أحد الفروق بين النازية

والبلشفية؛ فالأيديولوجيا النازية في حال تحوّل

دائمة، إذ تنطوي على بعض المعتقدات السحرية

- كعبادة القائد، وسيادة عرق السادة -ولكن

أيديولوجيتها ليست مدوّنة ومبيّنة في سلسلة من

البيانات الدوغمائية القاطعة. علاوة على ذلك، تتيح لنا التغيرات في أيديولوجيتها

أن نحدد ما إذا كانت النازية قد نجحت في استمالة

الشعب الألماني. ذلك أنه حيثما كانت تقوم صلة

بين الأيديولوجيا المعلنة والواقع السياسي، فلا بد

للتحولات في صوغ النظرية من أن تنشأ من كون شريحة

معيّنة من الشعب الألماني لم تجتذبها الصياغة السابقة.

تقنيات الفكر المضاد للديمقراطية الدستورية

تعلّم النازيون من إخفاق انقلاب كاب سنة 1920

وانقلاب ميونيخ سنة 1923 أنّ الانقلاب ليس

الطريقة الفضلى للاستيلاء على السلطة في عالمنا.

كان كورزيو مالابارته قد وضع بشأن الانقلاب

كتابًا واسع الانتشار والقراءة. وفي رأيه أن طريقة

إنجاح الثورة ترتكز على قيام جماعات صغيرة من

القوى العسكرية الصادمة والمتآمرين ذوي الكفاءات

العالية بالاستيلاء على مواقع رئيسة في الإدارات

العامة. وقد أورد في معرض البرهنة عن ذلك شواهد

من الثورة الروسية سنة 1917، وانقلاب كاب،

واستيلاء الفاشيين على السلطة في إيطاليا، وانقلابي

بيلسودسكي في بولندا، وبريمو دي ريفيرا في إسبانيا.

وما كان من الممكن لانتقائه الشواهد أن يكون أسوأ

من هذا. فمن الجائز أن يعزى نجاح الثورة البلشفية

إلى الممارسات المالابارتية، ولكنه أولى بأن يُنسب أكثر

إلى ضعف حكومة كيرنسكي وإلى دخول المجتمع

الروسي مرحلة التفكك التام. أمّا انقلاب كاب فكان

فاشالً، كما كان زحف موسوليني على روما أسطورة.

ويتصل بهذا ويشبهه من حيث البُطلان النظرية

العسكرية القائلة إن الجيش الرفيع المهارة والمجهّز

بأحدث الأسلحة يتفوّق حتامً على جيش ضخم

الكتلة. فالانتصارات الألمانية في الحرب الدائرة

حاليًا إنما تعزى إلى التفوق الهائل لجيش ضخم الكتلة

ومعزز بفرق صادمة رفيعة المكننة، علاوة على التحلل

المعنوي لخصومه. ومن نكد حظ مالابارته أنه تنبّأ سنة 1932 بأن هتلر،

الذي وسمه ب«الزعيم الممكن» و«مجرد كاريكاتور

لموسوليني»، لن يصل إلى السلطة لأنه يعتمد اعتمادًا

حصريًا على الطرائق الانتهازية البرلمانية. وقد تبنيّ،

طبعًا، أن النازيين كانوا على صواب، وأن مالابارته

كان على خطأ. فهتلر نفسه أقرّ في خطاب ألقاه في

الذكرى، في 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 1935، بالخطأ

في انقلابه الأول: «كان القدر يضمر لنا خيرًا، فهو لم

يتوّج بالنجاح عمالً كان من شأنه لو نجح أن يتهاوى

جرّاء عدم نضج الحركة من الداخل واختلال أسسها

التنظيمية والفكرية. ونحن نعرف هذا الأمر اليوم.

وقد تصرفنا يومها بشجاعة ورجولة. غير أن العناية

الإلهية تصرفت بحكمة».

بعد إخفاق انق الب ميونيخ أصبح الحزب النازي

«شرعيًا». وقد أخذ على نفسه عهدًا علانيًا بعدم

التحريض على الخيانة العظمى، أو على الانقلاب

الثوري على السلطة. وبصفته شاهدًا في محاكمة

ضباط دفاع الرايخ النازي ني المتهم ني بالخيانة

العظمى، أقسم هتلر في 25 أيلول/سبتمبر «قسَم

النقاء» الشهير. وأصبحت قوات العاصفة هيئات

رياضية واستعراضية غ ري مؤذية. ولم يشدد إالّ قلّة

من الأحزاب السياسية بقوة على صون الحريات

المدنية والمساواة الديمقراطية بقدر ما شدّد النازيون

على صونها. أصبح كل إجراء من إجراءات الديمقراطية البرلمانية،

وكل مؤسسة ليبرالية، وشرط قانوني، وصلة

اجتماعية وسياسية سلاحًا مشهرًا في وجه الليبرالية

والديمقراطية؛ انتهزت كل فرصة لكيل الشتائم

لجمهورية فايمار والتشهير بعدم فعاليتها. وفي ما يلي

مقتطفات متواضعة من التهم المستمدة حصرًا من

كتابات الأساتذة الأكاديميين النازيين (ويمكن مع

ذلك ترك مهاترات الخطباء الحزبيين لمخيلة القارئ): الدولة الليبرالية «محايدة وسلبية»، مجرد آلة. وهي،

إذا ما استعملنا عبارة لاسال Lassalle) (، «دولة

الحارس الليلي». ولذلك، فهي «عديمة الجوهر»،

عاجزة عن التوصل إلى قرار أو تحديد ما هو جيّد وما

هو رديء، ما هو عادل وما هو ظالم. أمّا فكرة الحرية،

فقد انحطّت إلى درك الفوضى. الانحلال والمادية في

حال تزايد. والمثال الماركسي، الذي لا يعدو كونه

مجرد تنويع على الليبرالية، ليس أفضل منها. الديمقراطية هي حكم «الجماهير غير المنظمة»، وهي

تكتل من أناس أشبه بروبنسون كروزو منهم بالناس.

مبدأها هو «عدّ الأنوف»، وبرلماناتها الخاضعة

للجماعات الخاصة ما هي إالّ ساحات للصراعات

الوحشية على السلطة. والقانون لا يخدم إالّ المصالح

الخاصة، والقاضي ليس إالّ آلة. فالليبرالية والقانون

متنافيان، وإن تحالفا موقتًا لمصلحة تصريف الأمور

الضرورية. وجملة القول إن الديمقراطية والليبرالية

ليستا إالّ مجرد مسخين، لوياثانين «سلبيين»، إذا

جازت العبارة، قويين إلى حد أنهما قد تمكنا من إفساد

المؤسسات العرقية للتراث الجرماني.

لكن من الخطأ، مع ذلك، افتراض أن النازية عمدت

بكل بساطة خلال العشرينيات والثلاثينيات من

القرن العشرين إلى إثبات أن الديمقراطية عديمة

القيمة، أو اقتراح بديل منها كالملَكية أو الدكتاتورية،

أو أي شيء آخر، بل إنها قامت على العكس من ذلك

باستعراض نفسها كمنقذة للديمقراطية. وقد قام

كارل شْمِت C. Schmitt()، المنظّر الأيديولوجي

لهذه الخدعة، ببلورتها كما يلي: تنطوي ديمقراطية

فايمار على عنصرين، أحدهما ديمقراطي والآخر

ليبرالي، وينبغي عدم الخلط بينهما؛ فالديمقراطية

تطبّق المبدأ القائل بتماهي الحكام والمحكومين.

وجوهرها المساواة لا الحرية. ولا يمكن للمساواة

أن توجد إالّ ضمن جماعة معيّنة، ومن الجائز أن

تتباين قاعدة الجماعة وقاعدة المساواة؛ فقد يكون

لدينا مساواة مستمدة من التجانس المادي أو

المعنوي للجماعة، كالفضيلة التي اعتبرها مونتسكيو

مبدأ الجمهورية، أو قد تصدر المساواة عن تضامن

ديني، على غرار الأيديولوجيا الديمقراطية

التي اعتمدتها حركة دعاة المساواةفي الثورة

البيوريتانية. فالقاعدة، منذ الثورة الفرنسية، لم

تزل التجانس القومي، من ذلك أن روسو الذي

صاغ هذه الفكرة وشيّد عليها النظام الديمقراطي

الحقيقي الوحيد، كان يعتقد أن التجانس القومي

يعني الإجماع. ولذلك، فإن تصوره للإرادة

الجماعية لا يقبل بالأحزاب السياسية، لأن الأحزاب

لا تعربّ، كما يدل اسمها، إالّ عن إرادات جزئية. أمّا

النظام الديمقراطي الحقيقي، فيعربّ عن التماهي التام

بين الحكام والمحكومين. التركيبة البرلمانية لا تتماهى مع الديمقراطية، بل هي

مجرد صورة من صورها. والمبادئ الأساسية للحياة

البرلمانية هي النقاش العلني وفصل السلطات

وشمولية القانون. يقتضي النقاش أن تنخرط هيئات

السلطة السياسية في النقاش كوسيلة للتوصل إلى

الحقيقة. والنقاش العلني يتيح لجمهور المواطنين

أن يضبطوا ممثّليهم ويتحكموا فيهم. وهنا يعترض

شميت بأن الممارسة ما عادت تماثل النظرية. فالنقاش

البرلماني اليوم ليس أكثر من مجرد وسيلة لتدوين

القرارات التي تم التوصّل إليها سابقًا في الخارج.

فكل نائب ملزم بالانضباط الحزبي الصارم. ولا

يجرؤ على السماح لنفسه بأن يغلبه خصمه. والنقاش

خدعة. والخطب إنما تُلقى لتسجيل المواقف، لأن

القرارات الكبرى يتم التوصل إليها في لجان سرية

أو في مفاوضات غير رسمية بين الجماعات المسيطرة،

حتى علانية النقاش ليست إالّ خدعة. مبدأ الفصل بين السلطات يقصر سلطة البرلمان على

مجرد سنّ القوانين؛ أي على صوغ قواعد مجرّدة عامة.

مرة أخرى ابتعدت الممارسة عن النظرية. لم يعد البرلمان

مجرّد مشرّع، بل بات إداريًا أكثر منه مشرّعًا، وإداريًا

غير فعّال فوق هذا. وفي حقبة الرأسمالية الاحتكارية،

أصبحت القوانين العامة مجرد حيل لإخفاء القرارات

الفردية. ويكاد تجانس الشعب يكون معدومًا؛ فقد

أحلّ النظام التعددي ولاءات عدة محل الولاء الأساس

الأوحد للأمة. كما أن تعدّد السلطات، أي الجسم

المركّب من هيئات عامة مستقلة (كمؤسسات الضمان

الاجتماعي، ومجالس التحكّم، والشركات التي تمتلكها

الدولة، وما أشبه) غير الخاضع لأي رقابة برلمانية، قد

قوّض وحدة القرارات السياسية. وقد سلخ كثير من

الأطراف الحيوية عن بدن الكيان السياسي، كما أن المبدأ

الفدرالي الذي يحمي المصالح الفئوية حوّل فكرة سيادة

الشعب الواحد إلى مسخرة من المساخر. أخيرًا، الحريات المدنية والحقوق الراسخة تنفي

الديمقراطية. كان روسو قد أشار إلى هذه النقطة سابقًا،

بصورة ضمنية على الأقل؛ ذلك لأن نظرية العقد

الاجتماعي تعني أن المواطن تنازل عن حقوقه عند

مشاركته في هذا العقد. فالحقوق الشخصية والسياسية

التقليدية كانت من نتائج الرأسمالية التنافسية. وقد

انقضت هذه الحقبة ودخلت الرأسمالية اليوم مرحلة

التدخلية، والرأسمالية الاحتكارية، والجماعية. ولما

كانت حرية التجارة وحرية التعاقد قد زالتا، فإن ما

يلزم عنهما من حرية التعبير والتجمع، وحرية الصحافة

وتنظيم النقابات المهنية، أصبح بلا طائل. غير أن هذا التحليل المضاد للديمقراطية، والمصمّم

للتقليل من شأن الحقوق الأساسية، أفرط كثيرًا، عبر

مفارقة لافتة، في تقدير قيمتها في الوقت نفسه، محوالً

إياها إلى حصون للدفاع عن الملْكية الخاصة ضد

تجاوزات الدولة، ونسب إليها وظيفة دستورية غريبة

تمامًا عن التقاليد الألمانية. وقد انتقد عدد كبير من

الكتب والكراريس والخطب المؤسسات البرلمانية،

وأدان عدم فعاليتها وطابعها غير الديمقراطي

وقابليتها للفساد. وكان المستفيد المباشر من ذلك هو

الأيديولوجيا البيروقراطية: رُفع القضاء إلى مستوى

الوظيفة السياسية السامية، وتم الامتناع بعناية عن

أي انتقاد للوضع السياسي المستقل للجيش، مقارنة

بجميع أشكال التهجم على الأسباب التعددية

والفدرالية للانقسام. شُجبت الحقوق الأساسية

باعتبارها تتنافر مع الفلسفة الديمقراطية، بينما

مُنحت الحقوق الأساسية المتعلقة بالملْكية والمساواة

حيّزًا وعمقًا لم تحظ بمثلهما من قبل. كانت النتيجة المنطقية المترتبة عن مناورة متعمّدة

كهذه، المطالبة بحكومة قوية على نحو بلغ ذروته في

الشعار القائل «كل السلطة للرئيس». الرئيس، في

ما زُعم، هو فعالً مؤسسة ديمقراطية حقيقية: فهو

منتخَب من الشعب. ولما كان حقًا السلطة الحقيقية

الوحيدة المحايدة والوسيطة pouvoir neutre

et intermediaire، فينبغي أن تتركز السلطات

التشريعية والتنفيذية في يديه. وليست حيادية الرئيس

مجرد انعدام لون، بل هي موضوعية ومتسامية على

صغائر المشاحنات بين المصالح العديدة المختلفة،

والهيئات العامة، والولايات. الفكرة الكامنة التي استُخلصت من ذلك كانت

نظرية كارل شميت القائلة بالقرار، القرارية، أي

مطلب الفعل بدالً من التداول والتشاور، القرار بدالً

من التقويم. ترتكز «القرارية» على نظرية فريدة، وجذّابة جدًا،

في طبيعة السياسة تشبه في كثير من وجوهها النقابية

الثورية التي دعا إليها جورج سوريل. فالسياسة، على

حد قول شميت، هي العلاقة بين الصديق والعدو.

فالعدو في النهاية هو أي شخص لا بد من إبادته ماديًا.

كل علاقة بشرية يمكن أن تصبح سياسية بهذا المعنى،

لأنه يمكن لكل خصم أن يصبح عدوًا يستحق الإبادة

المادية. أمّا أمر العهد الجديد (الإنجيل) بأن يحب المرء

عدوّه فإنما يشير إلى العدو الشخصي inimicus) (،

لا العدو الجماعي (hostis). هذه نظرية القوة

البهيمية في أجلى صورها؛ إنها نظرية تضع نفسها

في موضع مضاد لكل وجه من أوجه الديمقراطية

الليبرالية وضد كل تصوراتنا عن حكم القانون. أمّا النظريات المخالفة، فكانت إمّا عديمة

التأثير، وإمّا تصب في مصلحة الطرح المعادي

للديمقراطية. من ذلك أن الشيوعيين، مثالً،

أدانوا الدستور باعتباره قناعًا للاستغلال الرأسمالي

وبنية عليا سياسية لاقتصاد رأسمالي احتكاري.

والواقع أن دستور فايمار لم يحجب شيئًا، فطبيعته

التسووية، والمساومة على المصالح، والوضع

المستقل لبيروقراطية الرايخسفيهر، والدور السياسي

العلني للقضاء كانت كلها ظاهرة للعيان. كانت

النظرية الدستورية وممارستها تكشف عن ضعف

القوى الديمقراطية وقوة خصومها، وتكشف

أيضًا عن أن دستور فايمار مدين بوجوده لتسامح

أعدائه أكثر مما هو مدين بهذا الوجود لقوة مؤيديه.

فانعدام أي نظرية دستورية مقبولة، وإن كانت مجرد

تمويه ووهم، والطابع العلني اللاحق للتناقضات

الأساسية كانا هما العاملين اللذين جعلا الدستور

موقتًا، عابرًا، وحالا دون تكوّن ولاء راسخ له.

أخفقت النظرية الدستورية الاشتراكية في تطوير

نظرية اشتراكية محدّدة؛ فقد وافقت كارل شميت

في إدانة دستور فايمار لعجزه عن القرار. وهي لم تعزُ إلى الدستور صفة التسوية، بل تمسّكت بفكرة أن

المصالح والمواقف المتضاربة تجاورت فيه من دون أي تكامل أو اندماج. كان الاشتراكيون يرون أنه ينبغي لكل دستور يوضع عند منعطف تاريخي أن يحدّد

برنامج عمل، وأن يطوّر نظامًا جديدًا للمجتمع. ولما

لم يكن لدستور فايمار أي أهداف خاصة، فقد قبل جميع منظومات القيم. شكّل نقد الاشتراكيين الهدّام تحديًا لهم كي يعيدوا

صوغ منظومة قيم ديمقراطية فايمار. لذلك طوّر

هؤلاء نظرية حكم القانون الاجتماعي التي مزجت تراث الحقوق المدنية والمساواة القانونية والسياسية بمستلزمات الجماعية الاشتراكية)Collectivism(12.

ركّزوا على أن ينص الدستور على تأميم الصناعة، والاعتراف بالنقابات، وطالبوا بوضع دستور اقتصادي يتيح حصصًا متساوية لتمثيل القوى

العاملة. كان حكم القانون الاجتماعي هذا إذًا عقلنة لمطالبة القوى العاملة بحصة ملائمة في حياة الأمة السياسية. كانت نظرية سياسية موقتة (كنظرية الديمقراطية الاقتصادية الموازية لها)، ذلك لأن حكم القانون الاجتماعي كان يعتبر بمثابة الخطوة الأولى نحو مجتمع يملك جميع وسائل الإنتاج. ولم يكن له من أثر يذكر أسوة ببقية السياسة الديمقراطية الاشتراكية والنقابية. ومن معارضي القرارية أيضًا ما عُرف بالمدرسة

النمساوية: مدرسة «علم القانون البحت». فعند أصحاب هذا المذهب تُعتبر الدولة والقانون مجالين

متماهيين. وثمة قانون واحد، وهو قانون الدولة. ولا بد لكل ظاهرة سياسية من أن تفَّ من حيث

القانون، وكل صورة سياسية هي حكم قانون اجتماعي، أي دولة مرتكزة على القانون. ولا يمكن حتى للدكتاتورية الأكثر استبدادًا أن تتحاشى الوقوع

في هذه الفئة، لأن سلطة الدكتاتور لا يمكن أن تعقل

إالّ باعتبارها مفوّضة إليه تصريحًا أو تضمينًا بواسطة

قانون أساس يتربع على قمة النظام القانوني. فالنظام

القانوني تراتبي، وهو نظام إسنادات ينطلق من المعيار

الأساس في القمة إلى العقد المفرد والقرار الإداري

المحدد في القاعدة، فلا وجود إذًا لتمييز مطلق

بين القانون العام والقانون الخاص، بين الشخص

الحقيقي والشخص القانوني. إن الأثر النقدي وقوة التفنيد التي اتسمت بها المدرسة

النمساوية لمامّ لا يمكن إنكارهما. كما أن إصرار هذه

المدرسة على الصلاحية الوحيدة للقانون الوضعي

وعلى الحذف الكامل لجميع الاعتبارات المعنوية

السوسيولوجية أو السياسية الطابع من علم القانون،

إنما يجعل من المستحيل إلباس المطالب السياسية

لبوس القانون. وهذه النظرية نسبية في قرارتها، لا

بل عدمية. ولا عجب أن يكون مؤسسها وداعيتها

الدؤوب، هانز كيلسن، قد طابق ما بين الديمقراطية

والتركيبة البرلمانية وعرّفها باعتبارها إطارًا تنظيميًا

لبلوغ قرارات من دون الرجوع إلى أي قيم مقبولة

بالإجماع. هذا التصور النسبي للديمقراطي هو

الأساس الذي وجّه إليه أصحاب النظرية القرارية

والاشتراكيون هجماتهم. إن تفنيد نظرية ما، وإن يكن ذا فائدة في التحليل

العلمي، لا يمكن أن يشكّل قاعدة للعمل السياسي.

علاوة على ذلك، يشارك علم القانون البحت في

عيوب تشوب مذهب الوضعية المنطقية وكل

«علم بحت» آخر؛ فهو يتصف ببكارة البراءة. وهو

إذ يُسقط من الحسبان جميع المسائل المتصلة بذلك من

سياسية واجتماعية، إنما يمهّد الطريق أمام القرارية،

أي أمام القبول بالقرارات السياسية أيًا يكن مصدرها

أو مضمونها ما دامت قوة كافية وراءها. وقد كان أثر

علم القانون البحت كأثر النظرية القرارية في تقويض

أي منظومة قيم مقبولة من الكل. كان الليبراليون هم الذين مثّلوا، في المجال

القانوني، التقاليد الثقافية الألمانية العظيمة: المعرفة

التاريخية العميقة، والقدرة الثاقبة والدقيقة على

التفكير التحليلي، والالتزام الثابت بقيم الفلسفة

المثالية الألمانية. وقد حاولوا أن يوائموا بين البنية

الديمقراطية والضمانات الليبرالية، غير أن نظام

فايمار، الذي يفترض فيه أن يكون التعبير الدستوري

عن هذا التناغم، إنما كان تجسيدًا لإخفاقهم. لا نحتاج هنا إلى بسط الكلام على النظريات

الدستورية المحافظة؛ فقد كان حلم أصحابها بعودة

النظام الملكي يشارك أصحاب النظرية القرارية

تشوّقهم إلى قيام دولة قوية موحَّدة في الداخل وقوية

في الخارج. كان المفترض في الدولة أن تشكّل القيمة

الأخلاقية العليا. وقد خدم المحافظون في نقدهم

الليبرالية مصالحَ الحركة المعادية للديمقراطية، وهيّأوا

الساحة للمرحلة الأولى من الأيديولوجيا النازية.

نشأت فكرة الدولة التوتاليتارية من المطالبة بتركيز

السلطة كلها في يدي الرئيس. وفور اعتلاء هتلر

سدّة السلطة، راح المنظّرون السياسيون يتوسّعون

في الفكرة التوتاليتارية بالصورة التي وضعها

عليها المحامون الدستوريون. كان لا بد من حصر

السلطات كلها في الدولة، وكان كل ما هو أقل من

ذلك يُعتبر تخريبًا للثورة النازية. وقد وصفت الدولة

التوتاليتارية بأنها نظام للسيطرة وصورة من صور

الوجدان القومي الجامع Volksgemeinschaft().

كانت معادية للديمقراطية لأن الديمقراطية تخرّب

السلطة اللازمة للزعامة بفعل فكرتها عن التطابق بين

الحاكم والمحكوم؛ فالزعامة، وفق ما أعلن النازيون،

لا يفوّضها الشعب إلى الزعيم: «السلطة تفترض

علو الرتبة، وهي تصح في مواجهة إرادة الشعب لأن

الشعب لا يسبغ السلطة على الزعيم بل يقرُّ بها»­. أدّى تويلّ هتلر السلطة إلى بروز أدبيات واسعة تعيد

فحص الأشكال التقليدية للدولة والحكم، فظهرت

التمييزات بين حكم القانون الليبرالي الذي ولد في

الثورة الفرنسية، وحكم القانون القومي الذي بادر

إلى وضعه الفاشيون الإيطاليون، ثم انتصر لاحقًا

في ألمانيا النازية. فقد وصِف الأخير بأنه دولة توائم بين العدالة والضرورة السياسية. وساد الاعتقاد بأن جوهر الثورة النازية إنما يكمن في إحيائها التقاليد المحافظة الفضلى (التي كان يمثّلها فريدريك الثاني

البروسي خير تمثيل)، وهي تقاليد «دنّسها وحطّ

من منزلتها» الليبراليون أنصار «دولة الحارس الليلي». أمّا فكرة هيغل عن الدولة، فكانت عند

بعض المنظّرين نموذج الدولة النازية. شدّد المنظرون، في مسعاهم إلى تفادي مماهاة الدولة

التوتاليتارية مع أنظمة الحكم المطلق في القرنين السابع عشر والثامن عشر، على أن الدولة أكثر من مجرد نظام للإكراه: هي شكل من أشكال حياة ال  Volk (الشعب العرقي). وجرى التمييز بين عدة أنماط من الدول التوتاليتارية لتبيين تفوّق النموذج

النازي على غيره، أكان إيطاليًا أم روسيًا. ومن المهم أن نذكر هنا أن النظرية التوتاليتارية كان يعتنقها كبار قادة الحزب؛ فقد أعلن غوبلز أن «حزبنا لم يزل يطمح إلى الدولة التوتاليتارية... ولا بد لهدف الثورة من أن يكون دولة توتاليتارية تشمل جميع مناحي الحياة العامة». أمّا فريك، وزير

الداخلية، والشخصية البارزة في الحزب، فقد وقّع رسالة سيارة في 11 تموز/ يوليو 1933، يحثّ فيها

كبار المسؤولين الفدراليين على «حماية سلطة الدولة في جميع الظروف». وخاطب هتلر قادة فرقة العاصفة على نحو مماثل في باد رايشنهال في أول تموز/ يوليو 1933. فالمرحلة الثالثة من الثورة، كما قال، «ينبغي أن تكون إقامة الدولة التوتاليتارية، كما نفهمها؛ ويجب على الحركة النازية أن تجعل هذه الدولة حاملة لخيراتها الروحية ». وفي مؤتمر المحامين لسنة 1933، حثّ مستمعيه على «حماية سلطة هذه الدولة

التوتاليتارية». عاد فريك ثانية، في 15 تشرين

الثاني/ نوفمبر 1934، وفي خطاب أُلقي على ضباط

الجيش، إلى التشديد على الحاجة إلى السلطة المطلقة، إلى «حكم قوي لا يعوّقه أفراد، ولا جماعات، ولا

طبقات، ولا عقارات، ولا أحزاب، ولا برلمان». غير أن هذا التمجيد للدولة ما لبث أن اطُّرِحَ بعد

فترة وجيزة (وهو، بالمناسبة، لا يؤتى إلى ذكره في

كتاب كفاحي). لمَ شُدِّد عليه إلى هذا الحد طوال

سنة 1934؟ يبدو أن ثمة ثلاثة عوامل حاسمة. لقد

احتفظ منظّرو الحقبة السابقة ومحاموها بمواقعهم البارزة في مجال صوغ الأيديولوجيا. ونظر هؤلاء الرجال إلى الثورة النازية باعتبارها نسخة جديدة من النظام الإمبراطوري، مع قاعدته في سلطة البيروقراطية والجيش. أمّا وقد غدا الآن في أيدي

قيادة أمينة، فإن الدولة الألمانية سوف تجسّد القيم

العليا. كانت الفاشية الإيطالية قد وضعت نظرية في

الدولة التوتاليتارية، ولما كانت الفوارق بين الاثنين لم تظهر بعد، كان من الطبيعي أن تجري محاولة ربط النظرية الإيطالية بالميراث الألماني السابق. كانت حيلة خاصة أدخلها على النظرية التوتاليتارية كارل شميت، أذكى المحامين الدستوريين النازيين قاطبة وأولاهم بالثقة، بمنزلة مساعدة كبيرة؛ إذ جعلها سائغة حتى في نظر كبار الصناعيين، وهو أمر كان قد باشره منذ سنة 1932. وفي خطاب -يحمل عنوانه «دولة قوية واقتصاد سليم» دلالة لافتة- ألقاه أمام لانغنام فرأين Langnam Verein) (، حرفيًا: رابطة

الأسماء الطويلة، أو الصناعات الشمالية الغربية)، ابتكر تمييزًا بين نوعين من التوتاليتارية، الرومانية

والجرمانية. فالتوتاليتارية الرومانية كمية، بينما

التوتاليتارية الجرمانية نوعية. الأولى تنظّم جميع مجالات

الحياة تنظيامً صارمًا، وتتدخّل في كل نشاط إنساني.

خلافًا لذلك، ترضى التوتاليتارية الجرمانية بدولة قوية ذات نفوذ، تطالب بالسيطرة السياسية الكاملة ولكنها تترك النشاط الاقتصادي غير مقيد. غير أن نظرية شميت ليست جرمانية، طبعًا، أكثر ممّا هو نقيضها

رومانيًا. والواقع أنها كانت قد صيغت على نحو أوضح

وأكثر واقعية على يد مفكر إيطالي هو يلفريدو باريتو

الذي تبنّى التسلطية السياسية والليبرالية الاقتصادية

في الوقت نفسه، وأثّر في أوائل سياسات موسوليني. بدا الاعتباران -الدعوة إلى الميراث الملكي المبني على

دولة قوية وإلى الملكية الخاصة والمبادرة الخاصة-

واضحين في الخطاب الأخير لهتلر أمام أعضاء

الرايخشتاغ المنتخبين بحرّية (نسبية) في 23 آذار/

مارس 1933. أعلن هتلر أن إعادة النظام الملكي

لم تكن مطروحة للمناقشة الآن لأن المهمة الرئيسة

هي بسط السلطة المطلقة للحكومة. ووعد في الوقت

نفسه بأقوى الحوافز للمبادرات الخاصة والاعتراف

بالملكية الخاصة. كانت نظرية الدولة التوتاليتارية ترضي مختلف

الأنصار التقليديين للرجعية الألمانية: أساتذة

الجامعات، البيروقراطيون، ضباط الجيش، وكبار

الصناعيين. كما كانت مقبولة من العالم الغربي إجماالً.

ذلك لأن أي نظرية سياسية تكون فيها الدولة

مركزية ومسيطرة ومؤتمنة على المصالح العامة تتسق

مع تراث الحضارة الغربية مهما تكن هذه التقاليد

ليبرالية. فالتراث الغربي لا يعتبر الدولة آلة قمعية

مضادة لحقوق الإنسان، بل يعتبرها كيانًا يسهر

على مصالح الجميع ويحمي هذه المصالح في وجه

تعديات أي جماعات مخصوصة. وتعربّ سيادة الدولة

عن الحاجة إلى الأمن، والنظام، والقانون، والمساواة

أمام القانون، ولم يكن تشديد النازيين على توتاليتارية

الدولة قد انقطع بعدُ عن هذا التراث الأوروبي. كانت التوتاليتارية تخدم أيضًا الحاجات العملية لتلك

اللحظة. ففي أثناء الأشهر الأولى للنظام، حاول كل

موظف من ذوي القمُص السمر والسود أن يهبش

كل المكاسب والمواقع التي تصل إليها يده. وبدأ

أعضاء الحزب يتذمرون من خيانة الثورة، حتى إن

أحد الأجنحة دعا إلى ثورة ثانية. ونظر أصحاب

القمُص السمر التابعون لإرنست روهم إلى قوة دفاع

الرايخ المستجدة نظرة حسد.

كان الوضع صعبًا، فسارع هتلر إلى استعمال سلاح

النظرية التوتاليتارية. كان ينبغي للثورة أن تسير على

نحو منظم، في ما يتعلق بالملكية، والخدمات المدنية،

والجيش. وقد نص القسم 26 من قانون الجيش،

ومرسوم بروسي صدر في 4 أيار/مايو 1933 على

ضرورة تخيلّ أعضاء الحزب عن عضويتهم عند

انخراطهم في القوات المسلحة أو الشرطة، لأنهم

يخضعون لسلطة تأديبية مختلفة. وفي 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 1933، خرج رودولف هيس، الذي كان نائبًا للقائد يومها، بتصريح قوي يقضي

بأن ليس لقياديي الحزب الحق في إصدار الأوامر

والمراسيم. والأهم من هذا أن يكف جميع قياديي

الحزب المحليين والإقليميين أيديهم عن الشؤون الصناعية والتجارية. وهذا هو معنى رسالة الدكتور فريك السيّارة التي يحذر فيها كبار المسؤولين

الاتحاديين الذين وجهت إليهم من السماح لآلة الحزب بالتعدي على سلطة البيروقراطية. لم يكن للدكتور فريك أي نية للتدخل في ترهيب اليهود،

وضرب السجناء العزّل في ثُكن القمُص السمر،

وخطف الشيوعيين والاشتراكيين ودعاة السلام،

واغتيال الخصوم السياسيين تحت ذريعة «قُتلَِ في

أثناء محاولته الهرب». ولكن يجب على الحزب أالّ يتدخل في الأعمال والإدارة.

التنسيق الشامل للحياة السياسية

كانت النظرية التوتاليتارية أيضًا أداة لتنسيق النشاط

العام، بالتحكم المطلق من القمة؛ أي التنسيق

الشاملللنشاط الفدرالي، ونشاط الولايات،

والمناطق، والبلديات. خلافًا لجمهورية فايمار

التعددية والفدرالية، لم تكن الدولة الجديدة تستطيع ولا تقبل أن تتحمل وجود هيئات عامة في داخلها.

وخلال فترة السنتين 1934-1933، التي سامّها

هتلر فترة تثبيت السلطة، تولّت سلسلة كاملة من

المراسيم أمر التفاصيل اللازمة. وخلافًا لإيطاليا،

جرت عملية تركيز السلطة وتنسيق النشاط في مدة

قصيرة جدًا من الزمن. بات القانون الأساس هو القانون التمكيني الصادر

في 24 آذار/ مارس 1933 تحت عنوان «قانون

إغاثة الشعب والرايخ من المحنة» الذي أصدره

الرايخشتاغ المنتخَب قبل أقل من ثلاثة أسابيع، في

الخامس من آذار/ مارس. وقد أُطلقت عليه أيضًا

تسمية «دستور الرايخ التمهيدي». ومنح هذا

القانون الحكومة صلاحيات تشريعية غير محدودة،

كما منحها حق الخروج عن النصوص الدستورية

والتدخّل في كل مكان إالّ في المؤسسات البرلمانية

أو في المجلس الفدرالي. نصّ هذا القانون على أنه

يجب أالّ تقيّد صلاحيات الرئيس، كما أقرّ أصوالً

إجرائية تشريعية جديدة و«مبسّطة». وبالرغم من

أن السلطة التشريعية للرايخشتاغ لم تلغَ صراحة، فإنها

أصبحت بحكم الباطلة فعليًا، فلا تُستعمل إالّ في

الأوضاع الاستثنائية، وإذا حدث ذلك فإنما يكون

لغرض زخرفي. الرايخشتاغ الذي استبقي إلى اليوم، والمكوّن من

مسؤولي الحزب الرسميين، إنما هو مجرد زخرف، كما

أن الاجتماع الذي عقد في أول أيلول/ سبتمبر 1939

(اجتماع الحرب)، إنما عُقد بحضور مئة عضو فقط من

أعضائه، بينما ملئت المقاعد الباقية بموظفين اختيروا

بصورة عشواء من صفوف الحزب، على ما تبنيّ من

أقوال فريتز تيسن، أحد أعضاء هذا المجلس

الموقّر، بعد فراره من ألمانيا. باتت الحكومة مصدر التشريع المعتاد. هذا المحو

التام للفصل بين الوظائف التشريعية والإدارية

-وهو تطور مميّز في جميع الدول الحديثة تقريبًا- إنما

يعني أن السلطة السياسية لم تعد موزعة على مختلف

شرائح المجتمع، وأن الأقليات باتت تعدم أي وسيلة

لمعارضة المقترحات التشريعية. فسلطة الدولة

ليست موحَّدة فحسب، بل مطلقة (وهي موحَّدة

أيضًا في الديمقراطيات الليبرالية، طبعًا، لأن فصل

السلطات لا يعني أن ثمة ثلاث سلطات مختلفة. بل

من الأدق أن نتحدث عن ثلاث وظائف منفصلة

ومتميزة بدالً من ثلاث سلطات). شكّل القانون التمكيني أبرز ابتعاد جذري عن

مبادئ الحياة الدستورية الليبرالية، وعن نظام

المعايير والأعراف التي تحدّ السلطات التشريعية

للدولة. وعلى حد تعبير أحد الكتاب، فإن «الإدارة

الفدرالية تسلّمت سلطة القيادة على ألمانيا، وهذه

هي أوسع سلطة سياسية على الإطلاق، في ظل

أدولف هتلر». إن تاريخ القانون التمكيني يكذّب زعم النازيين أنهم

وصلوا إلى السلطة عبر وسائل دستورية. صحيح أن

القانون أقر بتصويت 144 صوتًا ضد 94 صوتًا،

وحصل تاليًا على أكثرية ثلثي الأعضاء الحاضرين

(المادة 76 من دستور فايمار)، غير أن الجلسة عُقدت

في جو من الإرهاب؛ فالنواب الشيوعيون الواحد

والثمانون والعديد من نواب الحزب الديمقراطي

الاشتراكي تعرضوا للاعتقال التعسفي، وكانوا لذلك

غائبين عن الجلسة (أمّا الديمقراطيون الاشتراكيون

الحاضرون فقد صوّتوا ضد هذا الإجراء). ولو أن

الوسطيين لم يستسلموا ويدعموا القانون لكُبح حكم

الإرهاب من دون شك. علاوة على ذلك، نصّت المادة الخامسة على أن

القانون التمكيني يفقد صلاحيته إذا ما «استعيض

عن الحكومة الفدرالية الحالية بحكومة أخرى». إن

الظروف المحيطة بهذا الشرط الذي طالب به هندنبرغ

مليئة بالدلالة؛ فقد نسي العالم أن حكومة هتلر الأولى

هذه التي تسلمت السلطة في 31 كانون الثاني/ يناير

1933 لم يكن من بين أعضائها إالّ ثلاثة من الحزب

النازي من مجموع اثني عشر عضوًا (والواقع أن هذه

الحكومة كانت بمنزلة انبعاث لجبهة هارتزبرغ التي

تكونت في تشرين الأول/ أكتوبر 1931، والتي

نظمها هتلر وهوغنبرغ بمباركة شاخت لتشكيل

معارضة «قومية» لحكومة برونينغ). فقد أصرّ

هندنبرغ على المادة الخامسة لحماية أكثر أصدقائه الرجعيين في حكومة «التركيز القومي» الجديدة، وبصورة أخص ثلاثة منهم (نائب المستشار فون بابن، وهوغنبرغ، وزير الاقتصاد، وغيريكه، وزير التوظيف). بعبارة أخرى، منح القانون التمكيني

سلطة تشريعية كاملة للحكومة كما كانت مشكّلة يومها، وليس لأي حكومة أخرى. سرعان ما استقال هوغنبرغ من وزارة الاقتصاد، وألقي القبض على غيريكه لاختلاس الأموال، وعنيّ دارّيه النازي وزيرًا للزراعة، وبدأ نائب الزعيم

هيس يحضر جلسات الحكومة وإن لم يكن عضوًا

فيها. كان من شأن هذا، قانونيًا، أن ينهي مفعول

القانون التمكيني. ومن نافل القول إن شيئًا من هذا

لم يحصل في الواقع. وإليك كيف دافع أحد المحامين الدستوريين، وهو من كبار المسؤولين في وزارة الداخلية، عن الإبقاء على القانون التمكيني: «إن

الشروع في مناقشة تدور حول ما يشكّل إنهاءً مبكرًا

للعملية التشريعية المبسّطة، أكان ذلك عن طريق

الاستعاضة عن شخص بآخر في الحكومة أم عبر تغيير تركيبتها السياسية، يعتبر تحقيرًا لأهمية الحادث

العظيم المتمثّل في التركيز القومي ». وذهب

معلّق آخر أقل تحفظًّا إلى أن القانون التمكيني يحتفظ بصلاحيته لأن الحزب النازي لم يزل يمتلك الأكثرية في الحكومة. وكان هذا كذبًا صراحًا. نظرًا إلى الانتهاك الصريح للمادة الخامسة، فإن المنظّرين

السياسيين والقانونيين النازيين يفضّلون الكلام على

القانون التمكيني باعتباره «حجر الزاوية في الدستور الجديد»؛ ذلك أن تسميته بالقانون التمكيني إنما يعني الاعتراف بأصوله في دستور جمهورية فايمار المقيت. إذ حوّلوا القانون من مجرد تفويض استثنائي للسلطة

بمقتضى الدستور، أي من إجراء يجب أن تقوّم صحته

على ضوء الدستور، إلى Reichsführungsgesetz (قانون قيادة الرايخ). وهو، بصفته هذه، يؤذن بنهاية نظام فايمار وبداية النظام النازي.

على أي حال، ليست النازية معنية بالامتثال القانوني

للمنظومة الدستورية. وهي تحلُّ مزعم «الشرعية»

محل الدستور؛ فالنظام «شرعي» عندما يحصل على

تسويغ داخلي لوجوده، والتسويغ في هذه الحال

هو نجاح الثورة النازية. بعبارة أخرى، إن تسويغ

الدستور الجديد يقع في نجاحه، وهذه حجة ليست

جديدة ولا مقْنعة. لم تتوقف انتهاكات القانون التمكيني عند المادة

الخامسة منه؛ فقد حفظ القانون ظاهريًا، كما رأينا،

المؤسسات البرلمانية، والمجلس الفدرالي، وتعهد

بضمان حقوق الرئيس. ولكن في أقل من سنتين، أُبطل

المجلس الفدرالي (قانون 14 شباط/ فبراير 1934)

ودُمج منصبا المستشار والرئيس معًا فور وفاة هندنبرغ

في الأول من آب/ أغسطس 1934. وجرت المدافعة

عن الدمج استنادًا إلى وصية هندنبرغ التي يُفترَض

أنها سمّت هتلر خلفًا له، وتسويغه بنسبة 89.9 في

المئة من الأصوات الموافقة على ذلك في الاستفتاء

الشعبي في 19 آب/ أغسطس من تلك السنة. لم يكن

للاستفتاء، حتى وفقًا للنظريات النازية، أي قيمة

دستورية، بل أهمية معنوية ممكنة. وقد ميّز دستور

فايمار بين الاستفتاء والمبادرة؛ ففي الأول يتصرف

الشعب تصرف الحكم في النزاعات التشريعية بين

الرئيس والبرلمان، وهو وضع لم ينشأ قط في الممارسة.

أمّا المبادرة، فهي تمنح الجماعات السياسية الفرصة إمّا

لفرض التشريع وإمّا لمنع إصداره عن البرلمان. وقد

جرت ثلاث محاولات لطرح مبادرات في مجمل تاريخ

الجمهورية: مبادرة يسارية المنشأ لمصادرة ممتلكات

الأمراء؛ مبادرة شيوعية ضد بناء السفن الحربية؛

مبادرة تقدم بها الرجعيون ضد خطة الشباب. وقد

أخفقت كلها، وكان ذلك أمرًا محتومًا نظرًا إلى الطريقة

التي نُظمت فيها الحياة العامة تنظيامً كليًا، ونظرًا إلى

جمود النظام الحزبي. وعلى الرغم من ذلك، كانت

المبادرة أداة ممكنة لتصويب حال التحجّر التي كانت

عليها الحياة السياسية والبرلمانية. من ذلك أن المبادرة

التي أطلقها الشيوعيون لمصادرة منازل الأمراء،

وإن فشلت، أثارت الجماهير الاشتراكية إلى حد أن

المسؤول التنفيذي في الحزب الديمقراطي الاشتراكي

اضطر إلى تغيير سياسته وقيادة الحركة الشعبية. خلافًا للأشكال الجمهورية، كان قانون الاستفتاء

العام النازي الصادر في 14 تموز/ يوليو 1933

مسألة بروباغندا (دعاوة سياسية) أكثر ممّا كان

قانونًا دستوريًا. فهذا القانون يمنح الحكومة الحق

الحصري في طرح مشروع قانون على الشعب. وقد

فرسّ المحامون النازيون القانون تعسفًا بأنه يعني أن

الشعب يمكن أن يُدعى إلى الموافقة على قانون جرى

سنّه ونشره. فالاستفتاء في نظام الحزب الواحد

المفتقر إلى الضمانات الليبرالية يختلف اختلافًا كليًا

عن الاستفتاء الديمقراطي. وقد زعم البيان المرافق

لقانون الاستفتاء أن هذا الأخير يصدر عن «أشكال

قانونية جرمانية قديمة»، وأن وظيفته هي التعبير

عن صوت الشعب ب «صورة أنبل». ماذا لو رفض

الشعب إجراءً يراد اتخاذه أو اختّذته الحكومة؟ بصرف

النظر عن استحالة حالة كهذه، جيُمع الخبراء على

أن الفوهرر غير ملزم بالقرار الشعبي؛ «فهو، وإن

انقلب عليه جمهور الناخبين، الممثّل الوحيد لغاية

الشعب الموضوعية». أُنجزت عملية توحيد السلطة التشريعية وتركيزها

ما إن اختزل الاستفتاء سياسيًا وفقهيًا إلى مجرد حلية

زخرفية، وما إن حصُرت سلطة التشريع كليًا في

الحكومة. بات من الممكن الآن توسيع التنسيق الشامل

بحرّية كي يصل إلى عمق المجال الإداري. الخطوة

التالية تمثّلت في إلغاء الوضع المستقل للأقاليم، فنزلت

الضربة الأولى مع قانون التنسيق الشامل الذي صدر

في 31 آذار/ مارس 1933 ومنح حكومات الدولة

حق التشريع إلى جانب المجالس الإقليمية. ثم حُلَّت

بعدئذ البرلمانات الإقليمية القائمة بموجب قانون

فدرالي. وفي الانتخابات اللاحقة، فازت المعارضة

المسامّة «قومية»، والمكوَّنة من النازيين والقوميين،

بالأكثريات في جميع المجالس الإقليمية. واتسع

حجم الأكثريات أكثر بعدما عُزل الديمقراطيون

الاشتراكيون من مواقعهم في السابع من تموز/

يوليو 1933. وفي 30 كانون الثاني/ يناير 1934

قضى قانون إعادة بناء الرايخ بنقل جميع السلطات

السيادية التي كانت لا تزال في أيدي الأقاليم إلى يدي

الرايخ، وقوّض بذلك طابعها كأقاليم ومحق مجالسها

نهائيًا. وقد تكررت العملية نفسها في البلديات؛ إذ

أُلغيت المجالس البلدية بقانون البلديات الصادر في

30 كانون الثاني/ يناير 1935. وبذلك اكتمل عقد

التحكم التسلطي من القمة إلى القاعدة. وقضى قانون ثان للتنسيق الشامل، صدر في 7 نيسان/

أبريل 1933، بإنشاء منصب حاكم فدرالي يعيّنه

هتلر. في بروسيا، توىلّ هتلر نفسه هذا المنصب. كما

قضى قانون 30 كانون الثاني/ يناير 1935 بإخضاع

الحكام الفدراليين لأمر الحكومة فحولّهم إلى موظفين

في خدمة الرايخ. وقد جُرّد هؤلاء من حقهم في تعيين

أعضاء الحكومات الإقليمية، ولم يعد في وسعهم إلا

اقتراح الأسماء على الفوهرر. وهكذا أصبح الحكام

الفدراليون مجرد حكام صوريين. غير أن المنصب كان

جيد الراتب، ولم يفز به إالّ المسؤولون الحزبيون. حتى

محامو النازية المدافعون عنها باتوا الآن عاجزين عن

أن يحددوا بدقة الوضع الدستوري للأقاليم. وكان

أفضل ما توصلوا إليه هو القول إن هذه الأقاليم لا

تزال مؤسسات موقتة تنتظر التنظيم النهائي الشامل

لأراضي الرايخ. راح المنظّرون، الذين كانوا في ما مضى يطالبون بتركيز

السلطة كلها في يدي الرئيس، يحرصون الآن حرصًا

مماثالً على تقليص منصبه إلى مجرد منصب صوري.

وقد صاغ ذلك أحد المحامين بطريقة لطيفة جدًا،

فقال: «لقد انتقل مركز الثقل إلى الرئيس نظرًا إلى

إخفاق البرلمان. أمّا الآن، وبعد استيلاء الحزب

النازي على السلطة، فإن في استطاعة رئيس الرايخ

مرة أخرى أن يتحرر من التورط في السياسات اليومية

والعودة إلى موقعه الدستوريكممثّل لوحدة الشعب

وحامٍ للأمة». وذهب كاتب آخر أكثر منه تحفظًا

بقليل، إلى أن الرئيس لم يتنازل عن قيادته المرجعية

لمصلحة هتلر، بل توىلّ وظيفة جديدة وهي وظيفة التمثيل. وقد تم التعبير عن الانحطاط السريع في سلطة الرئاسة بصورة قانونية واضحة، ولا سيما في القانون الذي أنشأ منصب الحاكم الفدرالي. فلم يجعل القانون هؤلاء الحكام يخضعون لأوامر الرئيس بل لأمر المستشار؛ «مهمة الحاكم الفدرالي هي السهر على تنفيذ مبادئ السياسة التي يضعها المستشار الفدرالي». وهكذا أصبح الرئيس الذي كان الرجل القوي في ما مضى، مجرد واجهة تحتجب وراءها سلطة الفوهرر اللامحدودة.

الدولة التوتاليتارية في الحرب

كان تركيز السلطة السياسية في أيدي الحكومة الفدرالية قد بلغ، قبل اندلاع الحرب الحالية [الحرب العالمية الثانية]، مستوى عاليًا جدًا. فقد عمل قانون

الحكام الفدراليين وتقويض الحكومة البلدية المحلية

الذي قلّص مكانة الهيئات البلدية ووضعها تحت ولاية الحكام الفدراليين، على منح الحكومة الفدرالية

سلطة كاملة على كامل البنية السياسية الألمانية، نزوالً حتى أدنى وحدة إقليمية. ولم يكن يحد هذه السلطة

إالّ سلطة المحاكم الإدارية والقضاء. غير أن اندلاع الحرب شهد تركيزًا أكبر من هذا

للسلطة السياسية؛ فقد تكوّن المجلس الوزاري

للدفاع عن الرايخ من المجلس الفدرالي للدفاع عن الرايخ (ولا يُعرف شيء عن تركيبة هذا المجلس ولا

عن مهامه، على ما اضطرت إلى الاعتراف به حتى

صحيفة فرانكفورتر تزايتونغفي عددها الصادر في

كانون الثاني/ يناير 1941). وقد استولى المجلس الوزاري فعليًا على السلطات التشريعية للحكومة،

وتألف من مارشال الرايخ غورينغ الذي كان رئيسًا

له، ومن نائب الفوهرر؛ ومن مدير المستشارية

الفدرالية، لامرز، ورئيس القيادة العليا للقوات

المسلحة، كايتل، والمفوض العام للإدارة، فريك (وهو

وزير الداخلية أيضًا)؛ والمفوض العام للاقتصاد،

فونك (وهو وزير الاقتصاد أيضًا). وهو يسمح في

حالات خاصة بإضافة أشخاص آخرين. كان إنشاء

المجلس الوزاري للدفاع عن الرايخ بمنزلة إقامة

هيئة أركان للدفاع المدني والاقتصاد. وكان المفوض

العام للاقتصاد (فونك) يملك السلطة العليا قياسًا

بصلاحيات وزراء الاقتصاد، والعمل، والغذاء،

والغابات، وحتى المالية، بينما كان وزراء العدل،

والداخلية، والثقافة، والشؤون الكنسية مرؤوسين

للمفوض العام للإدارة الفدرالية (فريك). ولا شيء

يعطي صورة فضلى عن انقلاب الأشكال الليبرالية

البالية كما يفعل مشهد انحطاط دور وزير المالية؛

فالاعتبارات المالية لم تعد تعوّق اتخاذ الإجراءات

الإدارية والاقتصادية الضرورية. ولم يزل النفوذ

الطاغي الذي امتلكته الخزانة، ولا تزال في إنكلترا

عقبة تواجه تنفيذ الكثير من المهام الضرورية. أمّا في

التركيبة الإدارية الجديدة، فقد غدا وزير المالية مجرد

موظف كبير مرؤوس. المجلس الوزاري هو المشرّع المعتاد لجميع الأغراض

العملية. ولقراراته قوة القانون، ولا تحتاج إلى توقيع

من جانب الفوهرر، لأنه، على ما ذكرت صحيفة

فرانكفورتر تزايتونغ، «غالبًا ما يمكث في مقره خارج

العاصمة خلال الحرب» (10 كانون الثاني/ يناير

1941). وينظم المجلس الوزاري جميع الشؤون

المتصلة مباشرة أو مداورة بالدفاع عن الدولة. وهذا

البند لا يحد، طبعًا، من مرجعيته على الإطلاق. غير أن قرارات المجلس الوزاري لا تهتم، ولا يمكنها

أن تهتم، بجميع التفاصيل، وفي العملية التشريعية

العادية أو المبسطة تتُرك التفاصيل للقرارات

التنفيذية التي يصدرها الوزير الذي تقع هذه المسألة

المخصوصة أو تلك ضمن ولايته المحددة. وتنطوي

القرارات التنفيذية، التي يمكن أن تصدر لتنفيذ أو

لتجاوز القوانين التشريعية الصادرة عن المجلس

الوزاري، على قوة مماثلة أو على قوة أبعد منها مدى. ومن الجائز لمفوضي الاقتصاد والإدارة والنائب العام

لخطة السنوات الأربع أن يصدر، كلٌّ في مجاله الخاص

ولكن بعد موافقة المفوضين الآخرين وموافقة رئيس

القيادة العليا للقوات المسلحة، قرارات تنفيذية قد

تخالف - وهذه هي الخطوة الجديدة – التشريعات

القائمة. وهكذا يبدو أن سلطة المفوضين أوسع

كثيرًا من سلطة البيروقراطية الوزارية التي تصوغ

المراسيم التنفيذية. وقد غريّ المفوضون جراء ذلك

أصول القانون الجزائي واجراءات القانون المدني. ولكن حتى هذا التطور لا يُعتبر الأخير في عملية

تركيز السلطة التشريعية؛ ففي كانون الثاني/يناير

1941 أصدر الفوهرر مرسومًا يولي ماريشال الرايخ

الصلاحية لأن يصدر بصورة مستقلة أي تشريعات

أو قرارات إدارية يراها ضرورية للحماية من الغارات

الجوية. ويذهب مرسوم التمكين هذا إلى أبعد ممّا

ذهب إليه أي مرسوم معروف آخر. وبذلك بات الفوهرر يتمتع بالسلطات التشريعية

التالية: - قراراته المباشرة، إمّا بصورة قانون، أمر

Verordnung، وإمّا بصورة مرسوم Erlass.

ويتزايد اللجوء إلى النوع الأخير كما في حالتي إدماج

يوبن-مالمدي Eupen-Malmedy) (ومورسنيت

Moresnet() ضمن الرايخ، وكما في حالة تعيين

مفوضين فدراليين للنروج وهولندا. ومن الأمثلة

الأخرى تمديد خطة السنوات الأربع. غير أن النشاط

التشريعي المباشر من جانب الفوهرر تناقص. - القوانين التشريعية المبسطة التي تصدرها الحكومة،

استنادًا إلى قانون الطوارئ الصادر سنة 1933. وقد

اطُّرح هذا فعليًا خلال الحرب. - القوانين البرلمانية. لم تستعمل هذه منذ سنة 1936،

ولكن من الممكن بعثها مجددًا لغايات الدعاوة

(البروباغندا) السياسية.

- الاستفتاء. وهو وسيلة أخرى من وسائل الدعاوة السياسية. - السلطة التشريعية للمجلس الوزاري للدفاع عن الرايخ - المشرّع السوي. - قرارات المفوضين الثلاثة، وبعضها قرارات تنفيذية لقوانين تشريعية صادرة عن المجلس الوزاري، وبعضها يتجاوز تلك القوانين. ويقع في هذه الفئة قرار سلطة مفوض خطة السنوات الأربع. - سلطات ماريشال الرايخ التشريعية في المسائل المتعلقة بالحماية من الغارات الجوية. - السلطات التشريعية المفوضة إلى الوزراء الفدراليين

كلٍّ في مجال ولايته الخاصة، وذلك استنادًا إلى

أذونات محددة، وكمية كبيرة، طبعًا، من التشريعات

المفوضة الأخرى. لم يتوقف تركيز السلطة السياسية عند القمة، بل امتد أيضًا ليطاول المستوى المناطقي؛ فقد قضى قرار صادر عن المجلس الوزاري في أول أيلول/ سبتمبر 1939 بتعيين 18 مفوضًا للدفاع القومي، يقيم كل منهم في مقار القيادات المناطقية الثمانية عشر للقوات المسلحة. وهم الوكلاء التنفيذيون للمجلس الوزاري في المناطق. ومهمتهم هي توحيد الدفاع المدني. ليس لهم أي جهاز خاص بهم، بل عليهم أن يستعملوا الآليات الموجودة في حيازة رؤساء المناطق (في بروسيا)، والحكام الفدراليين، أو وزارات الدولة تبعًا

للموقع الذي يوجد فيه مقر القيادة المناطقية للقوات المسلحة. ومفوضو الدفاع القومي هم المسؤولون الإداريون الأعلون في المناطق، والمخوّلون إصدار

الأوامر لكل هيئة إدارية في منطقتهم إالّ إذا كانت

معفاة من ذلك. أمّا نوابهم، الذين يقومون فعالً وفي

أكثر الأحيان بالعمل الفعلي، فهم رؤساء تلك الهيئات الإدارية التي يستعملها مفوضو الدفاع القومي للقيام بمهامهم. ويستجر هذا التنظيم تقويضًا تامًا للبنية

التراتبية التقليدية للخدمة المدنية الألمانية ويشهد

في الوقت نفسه على أن الحاجة إلى الفعالية الإدارية كانت موضع تقدير أعلى من التصورات والقيم التقليدية. من ذلك، أن مفوض الدفاع القومي رقم 12، لقيادة القوات المسلحة المرابطة في فيسبادن، يستعمل للقيام بنشاطه مكتب مساعد رئيس المنطقة في فيسبادن. ولذلك فإن نائبه هو، بحسب القانون، محافظ فيسبادن. غير أن هذا المحافظ يكون مرؤوسًا

لرئيس المنطقة عادة، ولكن نظرًا إلى كونه نائبًا لمفوض

الدفاع القومي، فهو ينزل في الواقع منزلة أعلى من ضابطه الأعلى منه رتبة. واستنادًا إلى قرار آخر من قرارات المجلس الوزاري

صادر في 22 أيلول/ سبتمبر 1939، يحق لمجالس الدفاع القومي أن تعنيّ نوابًا خاصين في مناطق معيّنة. وفي التاريخ نفسه شُكّلت 18 لجنة دفاع لمساعدة مفوضي الدفاع القومي. وقد ضمّت الحكام

الفدراليين، وقياديي الحزب المحليين، ورؤساء المناطق، ورئيس وزراء الإقليم ووزرائه، وكبار

قياديي الإس إس، والمحافظ، ورؤساء مكاتب

التوظيف والعمل، وأمناء العمال، وسواهم من الرجال الذين يمكن الاستعانة بهم. كانت وظيفة هذه اللجان ذات طبيعة استشارية. لهذا دفعت الحرب واقع الدولة التوتاليتارية إلى درجة الكمال؛ فالسلطة السياسية تقع حصريًا في أيدي

المجلس الوزاري للدفاع عن الرايخ. قبيل اندلاع الحرب مباشرة، أُلغي معظم القيود التي فرضتها المحاكم الإدارية؛ إذ جعل مرسوم صادر عن الفوهرر في 28 آب/ أغسطس 1939، تبسيط

الإدارة أمر اليوم. فقد أُبطلت، تحت هذا العنوان المضلل، أكثر القيود التي تحد من تسلط الهيئات

الإدارية. وأُلغي حق الاستئناف ثانية من الأصول الإجرائية الخاصة بالرايخ، والأقاليم، والبلديات، والمؤسسات العامة، واستعيض عن الاستئناف القضائي أمام المحاكم الإدارية بمجرد شكوى أمام

الهيئة الإدارية الأعلى من الأولى. ولا يجوز التقدم

بهذا الاستئناف إالّ إذا كانت المحكمة الإدارية الدنيا تسمح بمثل هذه الخطوة. صدر القرار الثاني المتعلق بتبسيط الإدارة في 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 1939، وأبطل ببساطة جميع المحاكم الإدارية الدنيا. كما كان قرار آخر صدر في 26 أيلول/ سبتمبر 1939 قد أبطل أدنى الهيئات الإدارية القضائية في المقاطعات. وأصبحت التجمعات العامة مجرد أدوات للدولة بمقتضى مرسوم الفوهرر؛ إذ لم تعد تخضع لرقابتها فحسب، بل أضحت جزءًا لا يتجزأ

من الجهاز الإداري. وأصبح من الممكن إغلاقها وفقًا لاستنساب السلطات الفدرالية، ولم يُستثن من هذه

الإمكانية إالّ الحزب والمنظمات التابعة له. أنشأ مرسوم 3 نيسان/ أبريل 1941 محكمة إدارية فدرالية جديدة. وهي تدمج المحكمة الإدارية

البروسية، والمحكمة الإدارية النمساوية سابقًا،

والمحكمة التأديبية الفدرالية سابقًا، وما شابه. يعنيّ الفوهرر أعضاء هذه المحكمة، ولكنهم

يُنقلون إلى مناصب أخرى في نهاية كل سنة. ويجوز

لوزير الداخلية أن يعنيّ لفترات محددة أعضاء فوق

العادة لمعالجة مسائل خاصة، وربما عنيّ أشخاصًا

خارجيين. فالمحكمة الإدارية الفدرالية الجديدة

ليست إذًا هيئة مستقلة ولا يتمتع القضاة فيها بضمان استقلاليتهم. وهكذا، فإن سلطة المجلس الوزاري للدفاع عن الرايخ وهيئاته الدنيا، أي مجالس الدفاع القومي الثمانية عشر، كانت غير مقيدة في الواقع، وغير محدودة كليًا، وغير خاضعة

لأي رقابة مؤسساتية. توسّع واقع الدولة التوتاليتارية خلال الحرب الدائرة

حاليًا إلى حد لم يعد من مجال بعده لمزيد من التوسع. غير أن هذا الواقع لا يتطابق مع الأيديولوجيا؛ فقد رُفضت فكرة الدولة التوتاليتارية بقدر ما ازدادت

السلطة السياسية للدولة.

الهوامش

1 Curzio Malaparte, Coup d’Etat, the Technique of Revolution (New York: E. P. Dutton and co., 1932).

2 حركة سياسية مستلهمة من الدِّين عُرفت خلال الحرب

الأهلية في إنكلترا (1648-1642)، وشدّدت على حقوق

الإنسان والديمقراطية، وسيادة الشعب والمساواة أمام القانون:

«كل حكم يرتكز على موافقة الشعب الحرة» (المترجم). 3 ثورة كرومويل وما رافقها من حرب أهلية (المترجم).

4 Carl Schmitt, Die geistesgeschichtliche Lage des heutigen Parlamentarismus, 2nd ed. (München: Duncker and Humblot, 1926). 5 Hans Peter Ipsen, «Vom Begriff der Partei,» Zeitschrift für die gesamte Staatswissenschaft, vol. 100, no. 4 (1940), p. 490. 6 Ernst Rudolf Huber, «Bedeutungswandel der Grundrechte,» Archiv für öffentliches Recht, no. 23 (1932), pp. 1-98. 7 Franz Neumann, «Gegen ein Gesetz über Nachprüfung der Verfassungsmässigkeit von Reichsgesetzen,» Die Gesellschaft, no. 1 (1929), pp. 517-536. 8 Schmitt, Die Hüter der Verfassung (Tübingen: Mohr,

9 Carl Schmitt, Der Begriff des Politischen, mit einer Rede über das Zeitalter der Neutralisierungen und Entpolitisierungen neu hrsg. von Carl Schmitt, Wissenschaftliche Abhandlungen und Reden zur Philosophie, Politik und Geistesgeschichte; Heft 10 (München: Duncker and Humblot, 1932).

10 المصدر نفسه، ص.17 11 خير شاهد عليه الكتاب الممتاز الصغير: Otto Kirchheimer,

Weimar... und was dann?: Entstehung und Gegenwart der Weimarer Verfassung, Jungsozialistische Schriftenreihe (Berlin: Laub, 1930). Hermann Heller, Rechtsstaat oder 12 على سبيل المثال: Diktatur?, Recht und Staat in Geschichte und Gegenwart, 68 (Tübingen: Mohr, 1930), and Franz Neumann, Koalitionsfreiheit und Reichsverfassung, die Stellung der Gewerkschaften im Verfassungssystem (Berlin: C. Heymann, 1932).

13 لخّص هانز كيلسن نظريته في: Reine Hans Kelsen,

rechtslehre; einleitung in die rechtswissenschaftliche problematik (Leipzig; Wien: F. Deuticke, 1934).

ومن العروض بالإنكليزية تجد: Charles H. Wilson, «The

Basis of Kelsen›s Theory of Law,» Politica, no. 1 (1934), pp. 54-82, and H. Lauterpacht, «Kelsen’s Pure Science of Law,» in: Modern Theories of Law (London: Oxford university press; H. Milford, 1933), pp. 105-138.

14 Hans Kelsen, Vom Wesen und Wert der Demokratie, 2nd ed. (Tübingen: J.C.B. Mohr, 1929), pp. 27-28.

15 مدرسة فلسفية عُرفت في فيينا في العشرينيات والثلاثينيات

من القرن العشرين، واستمرّت تحت اسم حلقة فيينا. قدمت

ثلاث أطروحات أساسية هي: (1) كل مقال ذي دلالة يتكون إمّا

من (أ) الصيغ الصورية المنطقية والرياضية وإمّا (ب) من القضايا

الواقعية التي تصوغها العلوم؛ (2) لا معنى لأي تأكيد يزعم أنه

واقعي إالّ إذا كان من الممكن أن نعرف كيفية التثبت منه؛) 3(

التأكيدات الميتافيزيقية، ومن جملتها المقولات الدينية، لا تنتمي

إلى أي من فئتي الأطروحة الأولى، وهي لذلك خالية من المعنى

(المترجم).

16 Ernst Forsthoff, Der totale Staat (Hamburg: Hanseatische Verlagsanstalt, 1933), p. 29. 17 Otto Koellreutter: Vom Sinn und Wesen der nationalen Revolution, Recht und Staat in Geschichte und Gegenwart; 101 (Tübingen: J.C.B. Mohr, 1933), pp. 11- 12; Der deutsche Führerstaat (Tübingen: J. C. B. Mohr, 1934), and Volk und Staat in der Weltanschauung des Nationalsozialismus (Berlin: Pan-Verlagsgesellschaft, der 18 Hans Gerber, Staatsrechtliche Grundlinien des neuen Reiches, Recht und staat in geschichte und gegenwart; 105 (Tübingen: Mohr, 1933), p. 15. 19 Ernst Rudolf Huber, «Die Totalität des völkischen Staates,» Die Tat, no. 36 (1934), pp. 30-41.

20 أدلي بهذا الكلام في 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 1933، وفق

Fritz Poetzsch-Heffter, Carl-Hermann Ule, and ما ورد في: Carl Dernedde, «Vom deutschen Staatsleben,» Jahrbuch des öffentlichen Rechts, vol. 22 (1935), p. 125. 21 Axel Friedrichs, ed., Die nationalsozialistische revolution, 1933, Dokumente der deutschen politik; 1 (Berlin: Junker und Dünnhaupt, 1935), pp. 59-61. 22 Völkischer Beobachter (4 July 1933). 23 Völkischer Beobachter (5 October 1933). 24 Wilhelm Frick, “Der Neubau des Deutschen Reiches,” (Vortrag gehalten vor Offizieren der Reichswehr, Berlin, 15 November 1934, [n. d.]), p. 6. 25 Carl Schmitt, «Starker Staat und gesunde Wirtschaft: Ein Vortrag vor Wirtschaftsfuhrern,» Volk und Reich, no. 2 (1933), pp. 81-94. 26 Ernst Forsthoff, Deutsche geschichte seit 1918 in dokumenten, 2nd ed. (Stuttgart: A. Kröner, 1938), pp.

27 Poetzsch-Heffter, Ule, and Dernedde, pp. 119-120.

28 Gleichschaltung، محاولة مموهة بغلالة رقيقة للقضاء

على الفردية عبر تشكيل منظمات مختلفة ذات عضوية إجبارية

(المترجم).

29 Frick, p. 7. 30 Life, 29/4/1940.

31 نجد تحليلا جيدًا للفصل بين السلطات في: Charles H.

Wilson, «The Separation of Powers under Democracy and Fascism,» Political Science Quarterly, vol. 52, no. 4 (December 1937), pp. 481-504. 32 Frick, p. 7.

كان من المفترض أن ينتهي مفعول قانون التمكين في الأول من

نيسان/أبريل 1937. وقد تم تمديده مرتين، وهو لا يزال ساري

المفعول حتى 10 أيار/مايو.1943 33 حول موضوع جبهة هارتزبرغ، انظر: Frederick L.

Schuman, The Nazi Dictatorship; a Study in Social Pathology and the Politics of Fascism, 2nd ed. (New York: Knopf, 1936), p. 149. 34 Franz Albrecht Medicus, Programm Reichsregierung und Ermächtigungsgesetz, Recht der nationalen Revolution; Heft 1 (Berlin: C. Heymann, 1933), p. 19. 35 Poetzsch-Heffter, Ule, and Dernedde, p. 63. 36 Huber, «Bedeutungswandel der Grundrechte,» p. 47. Carl Schmitt, Legalität und Legitimität 37 روّج لهذا التمييز:

(München; Leipzig: Duncker and Humblot, 1932). 38 Huber, «Bedeutungswandel der Grundrechte,» p. 97. 39 Erich Becker, «Die Rechtsstellung der deutschen Länder in der Gegen-wart,» Zeitschrift für die gesamte Staatswissenschaft, vol. 97 (1937), pp. 462-498. Poetzsch-Heffter, Ule, and Dernedde,:4 التشديد مني. انظر 0.pp. 53-54

والاقتباس حري بالاهتمام أيضًا لأنه يسلّم بأن ممارسة السلطة

الرئاسية خلال السنوات الأخيرة من جمهورية فايمار كانت غير

دستورية.

41 Ernst Rudolph, “Das deutsche Staatsoberhaupt,» Zeitschrift für die gesamte Staatswissenschaft, vol. 95 (1935), pp. 202-229, esp. p. 204. 42 Carl Schmitt, Das reichsstatthaltergesetz, Das recht der nationalen revolution; Heft 3 (Berlin: C. Heymann,

3:4 حرفيًا Schutzstaffel سرية الحماية، وهي وحدة الحماية

الشخصية الخاصة بهتلر (المترجم.)