مدخل إلى سوسيولوجيا الثقافة
An Introduction to Culture Sociology
الملخّص
يطرح كتاب مدخل إلى سوسيولوجيا الثقافة مجموعة من الأسئلة عن معنى الثقافة وكيف تشكّلت تاريخيًا واجتماعيًا، وكيف اختلف على تعريفها الفلاسفة وعلماء الاجتماع. ويصل الكتاب في النهاية إلى خاتمة محبطة ومفتوحة على احتمالات كالقول إن علم الاجتماع كان على مدى السنين الماضية، مصدرًا غنيًا لأساليب نفهم من خلالها المسائل الثقافية عمومًا و سوسيولوجيا الثقافة تمثّل مساهمة بالغة الأهمية لفهم طبيعة الحياة.
Abstract
The book "An Introduction to the Sociology of Culture" raises a series of questions around the meaning of culture, how it has been formed historically and socially, and how philosophers and sociologists have differed in their definitions of culture. The book reaches a frustrating conclusion open to possibilities, like saying that sociology over past years has been a rich source for understanding issues of culture in general, and the sociology of culture is a very important contribution to understanding the nature of life.
- سوسيولوجيا الثقافة
- علم الاجتماع
- التاريخ
- فلسفة
- Sociology of Culture
- History
- Life.
الكتاب: الكتاب: مدخل إلى سوسيولوجيا الثقافة ** الكاتب: ديفيد إنغيلز وجون هيوسون ترجمة: لما نصير مراجعة: فايز الصُيّاغ مكان النشر: الدوحة/بيروت تاريخ النشر: آذار/مارس 2013 الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات عدد الصفحات 390:
يطرح كتاب مدخل إلى سوسيولوجيا الثقافة مجموعة من الأسئلة عن معنى الثقافة وكيف تشكّلت تاريخيًا واجتماعيًا، وكيف اختلف على تعريفها الفلاسفة وعلماء الاجتماع. ويصل الكتاب في النهاية إلى خاتمة محبطة ومفتوحة على احتمالات، كالقول «إن علم الاجتماع كان، على مدى السنين الماضية، مصدرًا غنيًا لأساليب نفهم من خلالها المسائل الثقافية»، أو إن «سوسيولوجيا الثقافة،
عمومًا، تمثّل مساهمة بالغة الأهمية لفهم طبيعة الحياة البشرية» (ص. 330). والسؤال هو كيف توصّل الكتاب إلى هذه النتيجة المفتوحة على تعريفات لا تتناهى، كالقول «إن هناك أنواعًا عديدة ومختلفة لسوسيولوجيا الثقافة، كلّ منها له تركيزه واهتماماته، وإنَّ هناك، فضالً عن ذلك، كثيرًا من التداخل بين بعض الأشكال السوسيولوجية والعناصر الفكرية «للدراسات الثقافية» (ص. 329) هذه النتيجة محكومة، من دون شك، بطبيعة البحث والحقل الشائك الذي حاول الكاتبان فكّ رموزه،
وذلك «من خلال ربط ‹الثقافة› و›المجتمع› أحدهما بالآخر، ومن خلال دراسة ‹الثقافة› من ناحية مشكلة البنية الاجتماعية والفعل الاجتماعي» (ص. 329). وفي مثل هذا السياق المنهجي التاريخي «لم تعد السوسيولوجيا أسيرة الافتراض بأن ل ‹الثقافة› بحد ذاتها عالما خاصًّا بها، منفصالً عن مصادر علاقات القوّة الاجتماعية ولا تؤثّر فيه أفكار الأفراد وسلوكهم الفعلي» (ص. 330). تصبح الثقافة، في هذا المعنى الاجتماعي التاريخي، قوّة خاصة تحتوي على عناصر ذاتية مرتبطة بالمحيط الجغرافي والبيئة الطبيعية والهوية القومية والطبقات الاجتماعية والهيئات والمؤسسات والنقابات، وغيرها من عوامل موضوعية تمتلك قدرات للتأثير والفعل والتفاعل، وهو ما يؤدّي إلى تغيير سلوك الجماعات الأهلية في كل محطة زمنية. هذه الخصوصية المركّبة من عناصر ذاتية وموضوعية أعطت الثقافة قوة قادرة على التحرّك في المساحات المكانية والزمانية، كما أعطتها دينامية قادرة على التحوّل والتكيف واختراق المراحل التاريخية، وإعادة التشكّل بما ينسجم وظروف الفترة وما تتطلّبه من حاجات ورؤى. «الثقافة»، إذًا، ليست ثابتة. ولأنها كذلك، أصبحت ذاك المجال الخصب للاختلاف على تعريفها وضبطها ضمن مصطلح نهائي كان من الصعب أن يتّفق عليه الفلاسفة وعلماء الاجتماع. الاختلاف بين العلماء والفلاسفة هو موضوع الكتاب. والاختلاف الذي تفجّر في نهايات القرن السابع عشر، وتطوّر في القرن الثامن عشر، وتمظهر في مدارس فلسفية اجتماعية في القرن التاسع عشر، تواصلت تداعياته في القرن العشرين حين دخلت عليه تعديلات واجتهادات حاولت التوفيق بين القراءات وربطها في منهج موحّد يعطي لكل فريق حقّه في السّياق التاريخي المشترك. يبدأ الكتاب بتعريف معنى الثقافة، فيجد أن هناك صعوبة في تحديده؛ إذ «راجع اثنان من علماء الاجتماع، هما ألفريد كروبر وكلايد كلوكهون في أوائل الخمسينيات، الدلالات المتنوّعة لكلمةثقافة(وقرينتها ‹حضارة›)، فعثرا على 164 تعريفًا لما قد تعنيه الكلمة» (ص. 16). كذلك أشار الناقد الأدبي رايموند وليامز إلى أن «كلمةالثقافة هي إحدى الكلمات الأكثر تعقيدًا في اللغة الإنكليزية، لأنها تحمل الكثير من المعاني التي تتغير كثيرًا مع مرور الزمن» (ص. 16). ولقد اضطرّ الكاتبان، بسبب طبيعة الحقل الشائك والمفتوح، إلى توسيع التعريف وتفريقه إلى ستّة أجزاء: أولا، الثقافة تتألّف من أنماط فكرية وقيم ومعتقدات شائعة بين مجموعة من الأفراد. ثانيًا، الثقافة مجموعة ما تميّزها من المجموعات الأخرى؛ فلكل مجموعة «ثقافتها» الخاصة بها، مثل ثقافة أمّة معيّنة. ثالثًا، الثقافة تحتوي على معنى يستطيع الفرد بواسطته أن يستوعب ما يدور حوله ويستجيب له. رابعًا، تتجسّد الثقافة في أفكار وقيم ومعتقدات ورموز، وفي نتاج من صنع الإنسان (التصوير واللغة). خامسًا، الثقافة تُورَث وتنتقل عبر الأجيال، وتُعَلّم بوصفها معتقدات طبيعية ومفروغًا منها أكثر من كونها مادة مصنوعة وتعليمية. سادسًا، الثقافة اعتباطية (عشوائية) لكونها من نتاج النشاط الإنساني وليست فعالً من أفعال الطبيعة، وهي معرّضة للتغيير في حال تغريّت أوضاع حياة المجموعة. يرى الكاتبان أن التعريفات والتوصيفات كلها معقولة ومقبولة وغير مثيرة للجدل نسبيًا، باستثناء البند
السادس (اعتباطية). ويعتقد معظم السوسيولوجيين أن الثقافة، بطريقة أو بأخرى، تتعدّى الطبيعة والبيئة الطبيعية التي يعيش فيها الإنسان (ص. 18) بعد هذا الإطار التعريفي، يدخل الكتاب في الحقل الشائك انطلاقًا من ثلاثة معايير وهي: العلاقة بين النظرية والبيانات؛ العلاقة بين البنية الاجتماعية والفعل الاجتماعي؛ العلاقة بين الثقافة والمجتمع، وذلك من خلال التركيز على القراءات الفلسفية والسوسيولوجية التي صدرت من أربع مدارس قومية: ألمانية وفرنسية وبريطانية وأميركية.
يبحث الكتاب، في الفصل الأول، الفرضيات التي قدّمتها مناهج السوسيولوجيا الحديثة في المسائل الثقافية، وذلك من طريق تقويم أعمال السوسيولوجيين الكلاسيكيين من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، والانقسام الفكري بين التنويرية والرومانطيقية وأثره في تشعّب العلم وظهور مفاهيم متعدّدة للثقافة (كارل ماركس، ألفريد فيبر، ماكس فيبر، جورج زيميل، إميل دوركهايم، كارل مانهايم، تالكوت بارسونز). يبحث الفصل الثانيأعمال مدرسة فرانكفورت التي تأسّست سنة 1923، وتُعتبر من أُولى المحاولات المنظّمة في منتصف القرن العشرين. وقد حلّلت المسائل الثقافية من منظور سوسيولوجي اعتمادًا على أفكار السوسيولوجيين الكلاسيكيين (ماركس وفيبر) وما أضافوه من مفاهيم أثارت الخلاف والجدل، وتحديدًا في شأن طبيعة الثقافة الجماهيرية (ثيودور أدورنو، ليو لوينثال، ماكس هوركهايمر، هربرت ماركوزه، فالتر بنيامين، إريك فروم، فردريك بولاك، فرانز نيومان، أوتو كيرشهايمر، يورغن هابرماس)، وذلك من منطلقات متخالفة في حقولها وعلومها (تاريخ، اقتصاد، سياسة، علم النفس وغيرها من اختصاصات). يستعرض الفصل الثالث ويناقش تلك الأعمال التي صدرت عن مفكّرين أميركيين عاشوا في حقبة مدرسة فرانكفورت نفسها، وكتبوا كثيرًا من الأبحاث عن الثقافة الجماهيرية أو الطبيعة الجماهيرية للثقافة الأميركية (التنوّع والمرونة والانفتاح) التي التقط إشارتها باكرًا المفكّر الفرنسي أليكسيس دي توكفيل حين قام بزيارة أميركا في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وما صدر بعده من تحليلات أدبية نقدية تُوّجت منذ سنة 1930 وصاعدًا بجملة أوصاف أدانت الثقافة الأميركية باعتبارها ظاهرة شعبوية وتبسيطية. يشمل الفصل الرابعتلك التطوّرات التي طرأت على الموضوع في السّياق الإنكليزي، حين ابتعد الأساتذة عن التحليل الثقافي الذي ميّز مفاهيم الثقافة العليا وتوجّهوا صوب الدفاع عن مفهوم الثقافة كأسلوب حياة لمجموعة معيّنة من الأفراد. ولأنَّ الجامعات الإنكليزية لم تُدرِج السوسيولوجيا في منهجها الدراسي إالّ في نهاية ستينيات القرن الماضي، فإنّ الأفكار الثقافية الإنكليزية لم يكن مصدرها مفكّرون سوسيولوجيون بل نقّاد الأدب الذين أدّوا دورًا مه في تطوير أساليب مميزة لدراسة الثقافة. وعُرف نشاطهم الذهني أكاديميًا باسم «الثقافوية» لكونه يركّز على الجانب الأخلاقي للنظام الاجتماعي والجانب الإبداعي للأفراد العاديين (ريتشارد هوغارت، بول ويليز، رايموند ويليامز، ت. إس. إليوت، ف. ر. ليفيز). ينتقل الفصل الخامسإلى فرنسا ويناقش أفكار المتخصّصين بالبنيوية والدراسة السيميائية للثقافة، حين ظهرت سلسلة متكاملة من أساليب التحليل الثقافي (انتشرت في إيطاليا وأميركا وروسيا) تتحدّث عامّ بعد الحداثة ومنظومة الإشارات ودلالاتها اللغوية والفكرية في عملية إنتاج المعاني وطرق تجسّدها في
الأساطير والصّور وأسلوب الحياة (فرديناند دي سوسير، رولان بارت، كلود ليفي ستراوس، امبيرتو إيكو، تشارلز ساندرز بيرس، ديك هيبديج، ميشيل دوسيرتيه، ف. ن. فولوشينوف). يواصل الكتاب، في الفصل السادس، متابعة المناقشات التي جرت في فرنسا أيضًا؛ إذ يفرسّ ويحلّل أفكار الحركة الفكرية والفنية التي عُرفت بفلسفة ما بعد الحداثة، وهي مدرسة اهتمّت بدينامية المجتمع المعاصر وثقافته وما أفرزه من سلوكيات وأنماط ومنتجات ثقافية جديدة اتّصلت بتلك المتغيرات التي طرأت على حياة الأفراد في المجتمعات الغربية، وردّات الفعل عليها وما تعنيه من انفصال عن الماضي، والتوجّه نحو مستقبل مجهول لم نشهد له مثيالً من قبل (جان فرنسوا ليوتار، ميشيل فوكو، جاك دريدا، جان بودريار، أليكس كالينيكوس، ديفيد هارفي، أنتوني غيدنز، جون أورّي). يقتصر الفصل السابععلى شرح سوسيولوجيا بيار بورديو (2002-1930) وتوضيحها وتفكيكها؛ إذ إن الكتاب يعتبر بورديو من أهم السوسيولوجيين في أواخر القرن العشرين. وقد تركّزت أفكاره على المجتمع والثقافة وطبيعة السوسيولوجيا انطلاقًا من مقولة «العادات» التي اعتمدها لدراسة السلوكيات المعاصرة والجماعات الأهلية في فرنسا والجزائر، مستفيدًا من خليط منهجيات جمعت الأفكار الماركسية والفيبرية والدوركهايمية والسيميائية، بهدف صوغ منهج سوسيولوجي متميز. ينتهي الكتاب في الفصل الثامن (قبل الخاتمة) ليدرس مسألة إنتاج الثقافة. وهو موضوع ركّز بعض العلماء الأميركيين على تطويره من خلال طرح أسئلة تعنى بالطريقة التي يصنع بها الأفراد العالم الذي يعيشون فيه ويشكّلونه، أكان بالرسومات والصور والأيقونات والعمارة وقطع الحلي، أم بالكتب والأدب والشعر والموسيقى والغناء، وغيرها من منتوجات تعكس الحياة الثقافية ومحيطها الطبيعي والاجتماعي في لحظات زمانية، وبالتزامن مع التحولّات والمتغريّات. حاول منهج إنتاج الثقافة أن يفهم الثقافة في إطار يخالف الصور الافتراضية التي عالجها الفلاسفة وعلماء السوسيولوجيا. وهذا المنهج ليس جديدًا؛ إذ هناك إشارات إلى ظهوره في الستينيات في أعمال إدوارد شيلز وهربرت غانز، إلى أن تناوله ريتشارد بيترسون وبول هيرتش باستفاضة في السبعينيات، حين أخذ التيار السوسيولوجي يركّز على مفهوم السّياقات وتأثير آلياته في ابتكار السّلع لتلبية الحاجات (هوارد بيكر، بول ديماجيو، غاي توشمان، وولتر باول، ج. آر. دومينيك، فردريك جيمسون). أخيرًا تأتي خاتمة الكتاب لتطرح بعض القضايا والإشكاليات التي تواجه مناهج السوسيولوجيا عند دراسة الثقافة في مطلع القرن الجاري من خلال التركيز على ثلاثة موضوعات: كيف نفهم قضايا عالم اليوم، وتحديدًا العولمة؟ ما معنى الانعكاسية التأمّلية التي تقوم على فكرة أن على المرء الذي يتقدّم برأي معنيّ في موضوع ما أن يفكّر بأسباب تقديمه لهذا الرأي، ومن أين جاء؟ وهل هناك في المستقبل أي دور لمنهج سوسيولوجيا الثقافة، وكيف سيكون شكله في التعامل مع عصر لا يتوقّف عن التقدّم والتحوّل؟ أسئلة محبطة، لكنّها مفتوحة على احتمالات تطرح تحدّيات تتّصل بكثير من المفاهيم المتراكمة والمتوارثة عن مدارس سابقة. المهمّة شاقّة وتتطلّب إعادة قراءة للتوصّل إلى تشكيل أدوات تحليل قادرة على الحفر في قضايا العصر بغية تأسيس مفاتيح نظرية تمتلك الإمكانات والآليات لفتح الأبواب المغلقة في المستقبل والدخول إلى عالم مجهول في هويته الثقافية.
هذا العالم المقبل في غموضه وإشكالياته يحتاج إلى قاموس من المصطلحات تستند إلى ذلك المعجم التاريخي من المفردات التي تراكمت من خلال جهود
فلاسفة علم الاجتماع؛ فهذا العلم الواسع في حقوله المعرفية نجح، من خلال عملية تواصلية، في إنتاج سلسلة من المفاتيح النظرية التي تساعد في فهم أفضل للواقع الإنساني المعيش. والتراث السوسيولوجي غني بالمفردات، ويشتمل على الكثير من المصطلحات المشتقة من العلاقات البشرية، وصلة الناس بالطبيعة، وعلاقة الأفراد بالجماعات الأهلية وتطوّر هوية المجتمع بسبب انتقاله من محطّة إلى أخرى. فهناك الهوية والجماعة والطبقة والبنى الفوقية والبنى التحتية والأيديولوجيا والعادات والسّلوك وأنماط التقاليد ومنظومة الثقافة، وما يتفرّع منها من مظاهر لها صلة بالملابس وطرق المعاش والطعام والاحتفالات وطقوس الزواج والأعياد والرقص والغناء، وغيرها من تعبيرات تأخذ مكانها الجمالي في العمارة والسّكن والصور والرسوم والحكايات والأساطير والموضة والمسرح والسينما. هذا العالم الواسع في حقوله كان لا بد له من إنتاج معرفة موسوعية عن عالم البشر، وما يقذفه يوميًا من تحدّيات تتّصل بالتطوّر العام، وما يعكسه من عوالم خاصة متداخلة في خصوصياتها. وتنتج الخصوصيات عادة مفرداتها للتعبير عن المفاهيم الاجتماعية. غوتفريد هيردر) 1803-1744(مثالً، تحدّث عن الوحدة العضوية للأمّة؛ أوغست كونت (1798-1857) عن الوضعية؛ هربرت سبنسر (1820-1903) عن التطوّر الاجتماعي الذي يعكس تغريّات العوامل الطبيعية؛ كارل ماركس (1883-1818) عن تقسيم العمل والتمايز البنيوي، وربط إميل دوركهايم (1917-1858) العلوم الطبيعية بالظواهر الثقافية، معتبرًا طقوس الثقافة مثل الديانة. هذه التوصيفات الكلاسيكية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أسّست جميعها قواعد تفكير لملاحقة التطوّر الذي طرأ على علاقات الاجتماع وصِلتها بالواقع وابتعادها عن الطبيعة في القرن العشرين. فهذا القرن شهد متغيرات جذرية دفعت بالعالم إلى الحداثة وما بعد الحداثة، وطرحت مفردات تقول بالبنيوية وما بعد البنيوية، وتسليع الثقافة وتوزيعها على طبقات معرفية (عليا، وسطى، ودنيا) ولسانية، ونزعات انتقائية وتعدّدية، ساهمت كلّها في تكوين «رأس المال الثقافي» و«التميز الثقافي» و»الإخضاع الثقافي» من خلال دورة منظومة علاقات أنتجت حالات ومظاهر، وتمثّلت في أشكال من القيم والمفاهيم أخذت تتجسّد في المؤسّسات والمتاحف والمعارض والسينما (أفلام هوليوود). قياسًا بالقاموس الموسوعي لسوسيولوجيا الثقافة الذي تراكم تاريخيًا من خلال التجارب والشواهد العينية والتصوّرات النظرية، يقترح الكتاب في خاتمته مجموعة مصطلحات (ثنائيات) يمكن إضافتها إلى المعجم اللغوي لهذا العلم الاجتماعي، تحسّبًا للطوارئ في المستقبل؛ فالمفردات التي يقترحها يمكن أن تُستخدم لمعالجة حيثيات قد بدأت تتمظهر في عوالم الثقافة وما تطرحه من تحدّيات مكثّفة في المستقبل. وضع الكاتبان ديفيد إنغليز وجون هيوسون أُطرًا سريعة وثنائيات متعارضة، لإدراك التحوّل الطارئ على الثقافة في مطلع القرن الجاري، لذلك طالبا، أولا، بالتفكير عولميًا، باعتبار أن العالم يتوجّه مكانيًا نحو الترابط، وهو ما سيكون له تأثيره في تغريّ طبيعة الثقافة. ثمّة، ثانيًا، الاغتراب والتضامن، وهما ثنائية تذهب بالأولى نحو الانعزال وبالثانية نحو الاندماج. هناك، ثالثًا، التجانس والاختلاف، وهما ثنائية ترد على احتمال قيام ثقافة عالمية في ظل خصوصيات. رابعًا اختلاف طبيعة الحدود واحتمال تجاوز الثقافة تلك الكينونات التي كانت تقيّدها في الماضي المناطق الجغرافية والأقاليم الطبيعية والحدود السياسية للدول. بناء على هذه الاحتمالات، يقترح الكتاب وضع تصوّرات معاصرة لفهم المسائل الثقافية على اعتبار أن الباحث السوسيولوجي يتحمّل بعض المسؤولية
في توضيح عالم غامض أخذ يتشكّل تاريخيًا. لذلك، فإن السوسيولوجيا الفاعلة «هي التي تحاول أن تسيطر على تحيّزات المرء، كما تحاول فهم الموضوع المدروس من جوانبه كافة» (ص. 322). واقترح الكتاب العودة إلى نصيحة السوسيولوجي الأميركي لويس كوسر حين كان يعالج الديانات ومعتقداتها، إذ على السوسيولوجي «أن ينحّي جانبًا أفكاره الشخصية حول المعتقدات الدينية التي يدرسها قدر المستطاع، وإن يطبق، لأهداف تتعلّق بتلك الدّراسة، مبدأ ‹السوسيولوجيا اللاأدرية›، فلا يؤثّر في نتائج دراستك إيمانك بالديانة المدروسة أو عدمه. فالهدف الرئيس هو دراستها، لا الخروج بأحكام أخلاقية أو وعظية حولها» (ص. 323) الحياد مسألة معقّدة وصعبة وحالمة، لكنّه موضوع يطمح إلى تشكيل موقف منهجي يتطلّب التوصّل إليه كثيرًا من الوعي، حتى تكون الخلاصات والاستنتاجات مقاربة للواقع الاجتماعي وعلاقات البشر الإنسانية الظاهرة والخفية. وانطلاقًا من الحياد، يمكن أن نضمن مستقبل سوسيولوجيا الثقافة وما تلاقيه من تعاظم التحدّيات.