التعبير الروائي والقصصي عن القمع السياسي في سورية
Novelistic and Literary Representations of Political Repression in Syria
الملخّص
تميّز هذه الدراسة القمع السياسي من بقية أشكال القمع الاجتماعي والديني والجنسي وإن كانت لا تفصله عنها. وهي تركّز، في رصدها التعبير القصصي والروائي عن القمع السياسي في سورية، على كلِّ من السجن السياسي والدكتاتورية وما يرتبط بهما من عسف وانتهاك لحقوق الإنسان. وبذلك نكون أمام عالم كامل من مفردات القمع السياسي: من التحقيق والتعذيب والعيش في السجن، إلى التخفّي والتنكّر والملاحقة، إلى الفضاء الأكبر الذي يفرّخ ذلك كلّه، فضاء الدكتاتورية التي ليست الدكتاتور فحسب، ولا هي حاشيته أو أسرته أو حزبه أو أجهزته القمعية فقط، بل هي، إلى ذلك كلّه، نمط عيش وعلاقات ومصالح وتفاصيل وهواء يتنفسه الفرد والمجتمع. وهذا ما لم يفوّت التعبير الروائي عن القمع السياسي في سورية أي تفصيل من تفصيلاته، على الرغم من أنّ الواقع على هذا الصعيد يكاد يكون أثرى من الخيال. كما ترصد الدراسة، في هذا السياق، ضربًا من التساوق بين تصدّر الرواية الأشكال الأدبية - على حساب الشعر والمسرح والقصة - وتفاقم القمع السياسي منذ صعود حزب البعث سدّة السلطة في سنة 1963
Abstract
In an effort to distinguish political repression from other forms of social, religious, and sexual forms of violence (without suggesting an exclusionary distinction between them), Suleiman reviews the literary and novelistic representations of political repression in Syria, and focuses on political imprisonment, dictatorship, and related practices of repression and human rights abuses. This investigation offers the reader an insight into the realm of political repression lexicon, exploring the terminology used in this field, from interrogations to torture and life in prison, to living underground and in hiding, to the larger framework that breeds all these terms—an expansive network of organizations and individuals in a dictatorship, which, in addition to the dictator, his entourage, family, party, or repressive organs, entails a way of life, relations, interests, details, and the very air that is inhaled by an individual and society. Literary representations of political repression in Syria adequately portray this reality, even when reality in this case may indeed be harsher than fiction. This study also investigates a parallel observed between the rise of the novel in Syria as the prime form of literary expression—at the expense of poetry, theatre, and short stories—and the escalation of political repression since the rise of the Baath party to power in 1963.
- التعبير الروائي
- القمع السياسي
- القصة
- السلطة
- Literary Representations
- Political Repression
- Theatre
- Novel
- Authority
تميّز هذه الدراسة القمع السياسي من بقية أشكال القمع الاجتماعي والديني والجنسي
وإن كانت لا تفصله عنها. وهي تركّز، في رصدها التعبير القصصي والروائي عن القمع
السياسي في سورية، على كلِّ من السجن السياسي والدكتاتورية وما يرتبط بهما من عسف
وانتهاك لحقوق الإنسان. وبذلك نكون أمام عالم كامل من مفردات القمع السياسي: من
التحقيق والتعذيب والعيش في السجن، إلى التخفّي والتنكّر والملاحقة، إلى الفضاء الأكبر
الذي يفرّخ ذلك كلّه، فضاء الدكتاتورية التي ليست الدكتاتور فحسب، ولا هي حاشيته
أو أسرته أو حزبه أو أجهزته القمعية فقط، بل هي، إلى ذلك كلّه، نمط عيش وعلاقات
ومصالح وتفاصيل وهواء يتنفسه الفرد والمجتمع. وهذا ما لم يفوّت التعبير الروائي عن
القمع السياسي في سورية أي تفصيل من تفصيلاته، على الرغم من أنّ الواقع على هذا
الصعيد يكاد يكون أثرى من الخيال. كما ترصد الدراسة، في هذا السياق، ضربًا من التساوق
بين تصدّر الرواية الأشكال الأدبية - على حساب الشعر والمسرح والقصة - وتفاقم القمع
السياسي منذ صعود حزب البعث سدّة السلطة في سنة.1963
مقدّمة
منذ قيام سورية كيانًا سياسيًا جغرافيًا بعد الحرب العالمية الأولى، أخذ التعبير الأدبي عن القمع
يتّسع ويتعمّق باطّراد هذا القمع واستفحاله الذي ما فتئت دوائره تنداح وتشتبك وتتعقّد،
خصوصًا بعد الاستقلال. فمن دائرة السجن السياسي إلى دائرة الدكتاتورية، وما يتصل بهما من ملاحقة
وإخفاء وتعذيب ونفي وحرمان من أبسط حقوق الإنسان. من ذلك كله تشكّل القول بالقمع السياسي،
تمييزًا له - وليس فصلًا - عن القمع الاجتماعي والقمع الديني أو الجنسي.
* روائي وناقد سوري.
تركّز التعبير الأدبي عن القمع السياسي في الشعر عقودًا تطاولت حتى أخذت القصة القصيرة -فالمسرح-
تتقدَّم إلى صدارة المشهد، بالتوازي مع سيطرة حزب البعث العربي الاشتراكي على الحكم منذ سنة 963.1
ويكفي للتدليل على ذلك أن يُشار إلى إبداعات زكريا تامر وسعد الله ونوس في ستينيات القرن الماضي.
لكن القمع السياسي سيتفاقم في ظلال الحكم البعثي، وسيتوازى ذلك مع تقدّم الرواية إلى صدارة المشهد
منذ سبعينيات القرن الماضي، في مقابل تراجع المسرح والشعر، وكذلك القصة القصيرة، عقدًا بعد عقد،
حتى غدت الرواية هي التعبير الأقوى عن القمع السياسي، خصوصًا على أبواب الزلزال الذي يزلزل
سورية منذ آذار/ مارس.2011 على هديٍ من ذلك، ستحاول هذه الدراسة أن تُبنيّ العلامات الكبرى للتعبير الروائي والقصصي عن
القمع السياسي في سورية. من المدّونة الزاخرة لمثل هذه الدراسة سوف يتعلّق القول بالأعمال التي تحقّق لها من الجمال قدرٌ أكبر فأكبر.
كما سيتعلّق القول خصوصًا بإنتاج العقد الماضي، إنْ لبروز الأصوات الشبابية الجديدة فيه، أو لقرب العهد
بالزلزال السوري (في سنة 2011) وهذا سيعني ما يعنيه في الإنتاج الروائي والقصصي، كما سنرى.
في القصة القصيرة
يرسل عبد الله عبد (28 91 – 9761) في مجموعته القصصية مات البنفسج، وبالتحديد في قصة «أرض
الرجال»، المونولوغ الذي يتلاطم في دخيلة المعتقل ويتصاعد مع صعود المعتقل الدرجات الخمس والثلاثين،
درجةً درجة، فيتذكر البحر والطفولة والأغنية التي وضعها ورفاقه عن الشهادة-الموت تحت التعذيب،
ويستعيد ما عاناه من جلاّديه الذين يسعون إلى انتزاع الاعتراف منه بما يُسرُِّ من أسرار المقاومة لهم. لعل ما تنبض به هذه القصة وأخواتها ممّا كتبه الكاتب أو سواه، ليس إالّ نبضة من كثيرٍ تفجّرت به قصص
زكريا تامر، وهي ترسم كابوسية العسف الدولتي والمجتمعي بتخييلٍ محموم وكابوسي، وبلغة مكثّفة
ورامزة ووامضة، ملفوحة بالشاعرية، وتكاد تتقطّر. ولأن زكريا تامر صاحب البرزخ الأكبر في تطوّر
القصة القصيرة العربية، يكفي أن يُشار في هذا السياق إلى قصته «السجن» من مجموعته الرعد، حيث
يقضي فيها البنّاء الشامي مصطفى. لكن الميت يعود إلى بيته ليل ا، ويستلقي إلى جانب زوجته التي هدّها
نهار النحيب. غير أن سعادة مصطفى لا تكتمل، إذ يحضر شرطيان ويحتجزانه لمخالفته القانون بالعودة
إلى البيت. وأمام القاضي يتذرّع بعدم ملاءمة القبر للإقامة، فيحكم عليه ببناء القصور، فيتلفّت حوله
«كحيوان سمع انصفاق باب القفص، وكانت عيناه طفلين مذبوحي العنق. وفي تلك اللحظة كانت
الأرض الجرداء والأرض الخضراء لهما سماء واحدة مصنوعة من قضبان فولاذية».
1 من أجل ذلك أشير إلى علاقة هذه الدراسة بما سبق لي أن كتبت في نقد كثير من مدوّنته في مظان أخرى من الكتب، منها على سبيل
المثال: نبيل سليمان: أسرار التخييل الروائي (دمشق: إتحاد الكتاب العرب، 2005)؛ شهرزاد المعاصرة: دراسات في الرواية العربية،
سلسلة دراسات؛ 5 (دمشق: إتحاد الكتاب العرب، 2008)، والرواية العربية والمجتمع المدني: الإرهاب - الديكتاتورية-حقوق الإنسان
(بيروت: الدار العربية للعلوم، 2010). عدا عامّ أرسلته في الدوريّات خلال السنتين الماضيتين، ولم يجمع في كتاب.
2 عبد الله عبد، مات البنفسج: مجموعة قصصية (دمشق: وزارة الثقافة والسياحة والإرشاد القومي، 1969).
3 زكريا تامر، الرعد: قصص (دمشق: اتحاد الكتاب العرب،.)1970
في قصة «المتهم» من المجموعة نفسها، حيُاكَم عمر الخيام بسبب شعره، ويشهد ضدّه الشهود الخمسة
المسجونون بسبب شتمهم الحكومة وكرههم الشرطة وتظاهرهم. وعلى هذا النحو تحضر في أي مجموعة
قصصية لزكريا تامر القصص التي تتفجر بقمع الدولة أو التاريخ أو الشرطي أو المعلِّم أو الأب. وبالمتابعة
بحسب التسلسل الزمني، تمضي الإشارة إلى قصة عبد السلام العجيلي (1912 – 2005) «مذاق النعل»،
حيث حشُي فمُ السجين السياسي أحمد بنعل المحقّق، بعدما تعالى صراخه جراء التعذيب، فأورثه النعل ما
لا يُنسى، بينما تبدّل رفاق أحمد بمقتضى الأحوال، ممّا يعلله باستطابتهم مذاق النعل. قد يكون العجيلي وحده من لا يتصادى قَصه مع قص زكريا تامر، بخلاف وليد إخلاصي في قصصه
المتعلِّقة بهذا البحث، مثل تصويره الاعتقال في قصة «تحولّات الكريستال الصافي» وقصته «السؤال»
وقصته «الجريمة والعقاب»، من مجموعته الدهشة في العيون القاسية. وهذا نصر الدين البحرة يرسم
في قصة «الصمت» من مجموعته أنشودة المروض الهرم شخصية السجين السياسي السابق الذي يسعى
إلى بتر ماضيه المشوّه بالتعذيب. وهذا عادل أبو شنب (2012-1931) يرسم في قصته «الجرح المشهود»
لوحات عبثية للامعقولية القمع السياسي، كما يرسم في قصة «وسواس الدقائق الخمس» كيف أطبقت
أجهزة القمع السياسي على المواطن، والقصتان من مجموعة الكاتب أحلام ساعة الصفر. إلى أعلام القصة القصيرة أوالً، تتدافع عشرات الأسماء ومئات القصص التي تتعلّق بالقمع السياسي.
لكن التدافع سيتباطأ إلى أن يتبدَّد، عقدًا تلو عقد، بالاطراد مع الهيمنة الروائية. ولعل ذلك يسوّغ الاكتفاء
بالتمثيل لما بعد ذلك التدافع بقصص السجين السياسي السابق إبراهيم صموئيل، ابتداءً بمجموعة
النحنحات، ومنها القصة التي عنونت المجموعة، المؤرّخة بسنة 8819، وفيها تحلّ النحنحة محلّ
الكلام بين السجينين في الزنزانتين المتجاورتين. وفي قصة أخرى تعود إلى سنة 8419، وهي «المرحاض»،
يلتقي السجين مع زوجته خلسة. أمّا في قصة «أصعد قاسيون وأنادي»، فيعشق علي زينب التي دستها
الاستخبارات في التنظيم السري المعارض الذي ينتسبان إليه. وترسم قصته «شتاء طويل» معاناة الترقّب
والتوجّس والمطاردة والحذر والهلع. ومن عالم الرعب والكابوسية هذا -عالم قصص زكريا تامر- تنهض
قصص صموئيل في مجموعة رائحة الخطو الثقيل، ومنها القصة التي حملت المجموعة عنوانها، إذ
تتوجّس سلمى ممّن يلاحقها وهي في الطريق إلى لقاء زوجها المتخفي عن العيون الاستخبارية، فتتحرك
شكوك سلمى، ولذلك تنقل حقيبتها من كتف إلى كتف، فيفهم الزوج الحركة المحذِّرة، وتفلت فرصة
اللقاء بعد عامين من التخفي. ومن قصص السجن في هذه المجموعة أُشير خصوصًا إلى قصص «الزيارة»
و«العيون المشرعة» و«الرجل الذي يعد أبًا»، كما إلى قصتي «في حافلة صغيرة» و«سلاميتان من ورق» من
مجموعة الوعر الأزرق.
4 من مجموعة: عبد السلام العجيلي، فارس مدينة القنطرة: قصة اندلسية (بيروت: دار الآداب للنشر والتوزيع، 1971)، وجاء في رواية
روزا ياسين حسن حراس الهواء أن المحقّق دسّ مقدّمة حذائه في فم المعتقل جواد، صارخًا فيه أن يخرس وإلا اقتلع لسانه. وسوف نعود
إلى هذه الرواية.
5 وليد اخلاصي، الدهشة في العيون القاسية: مجموعة قصص، تقديم خلدون الشمعة (دمشق: وزارة الثقافة،.2197)
6 نصر الدين البحرة، أنشودة المروض الهرم: مجموعة قصص (دمشق: وزارة الثقافة،.2197)
7 عادل أبو شنب، أحلام ساعة الصفر: قصص (دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 1973).
8 إبراهيم صموئيل، النحنحات (دمشق: دار الجندي،.0199)
9 إبراهيم صموئيل، رائحة الخطو الثقيل (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات،.)2005
0 1 إبراهيم صموئيل، الوعر الأزرق: قصص قصيرة (دمشق: دار الجندي،.0199)
من القليل الذي صدر في العقد الأخير أشير إلى قصة «ياسين» لمحمد إبراهيم حاج صالح من مجموعته عصا
اللافتة، التي يتناوب فيها السارد مع ثلاثة على الانتظار طوال الليل والنهار أمام فرع الاستخبارات،
حيث يُنتظر خروج شقيق الراوي ياسين بعد انتهاء الحكم عليه بخمس عشرة سنة من السجن (السياسي).
لكن الانتظار يومًا بعد يوم يذهب هباءً، ليتأكّد ما قاله رئيس ديوان الفرع للسارد من أن انتهاء مدة الحكم
ليس شرطًا وحيدًا لخروج السجين. ولأن رأس ياسين، بحسب الرجل، يابس، فلن يخرج حتى يلين الرأس. من قصص الأصوات الشابة الجديدة أشير أيضًا إلى قصة «المتوازيان» من مجموعة خرائط مدن محروقة
للصوت الجديد الشاب إياس محسن حسن. وفي القصة أن الاعتقال «يكوبس» حياة مدرّس الرياضيات.
ويقوم كابوس «الزعيم» أيضًا في قصة «اليوم الأخير للإسهال». كما أُشير إلى قصة «الحمامة» من مجموعة
صورة قديس مجهول لمحمد كامل الخطيب، وفيها يستذكر الراوي رفيقًا له في السجن، لقّبه أقرانه منذ
الطفولة بالحمامة لتعلّقه برسم الحمامات. وعندما يضُرِب السجناء ينصرف «الحمامة» إلى الرسم فتقع عليه
الواقعة، ويضُرج دمه الشرطي وما رُسم من الحمامات وما لم يُرسم.
السجن السياسي في الرواية
تبدو رسوم السجن السياسي في سورية أخيولاتٍ بقدر ما هي واقعية، لكأنها تؤكِّد أن الواقع أثرى من
الخيال. ومن هنا لا مطرح لنواظم ولا لنظام أو هيكلية أو تقعيد أو قواعد يركن إليها. ففي الفرع الأمني
الفلاني قد يكون مطرح التحقيق والاعتقال الموقت أو الاعتقال المفتوح لسنوات، فيصير الفرع هو
السجن. وقد يُنقل المعتقل بعد انتهاء التحقيق معه إلى سجن آخر. لكن انتهاء التحقيق هذا ليس انتهاء، إذ
قد يُعاد التحقيق مع السجين مرةً بعد مرة. أمّا المحتوم، فهو أن التعذيب صنو للتحقيق وللعيش الرغيد
في السجن. والمحتوم أيضًا هو أن السجين يُعاد إلى التحقيق قبل الإفراج عنه. وقد يُنقل من فرع إلى فرع
بعدما يفرج عنه، وقد يخضع للتحقيق من جديد، وقد يكون مطلوبًا لأكثر من فرع، فهل كان ذلك كله هو
ما جعل روايات السجن السياسي تشبك في رسومها لحظات هذا السجن، فإذا بالتحقيق يتصدر أو يتأخّر
الرسوم، أو قد يغيب عنها ليحضر فحسب العيش الرغيد في السجن السعيد؟ في رواية خيري الذهبي هشام أو الدوران في المكان- وهي الجزء الثاني من ثلاثيته التحولّات - يكابد
هشام ما يكابد من الاعتقال إلى أن تصعقه المفاجأة في غرفة التحقيق التي لم يدخل مثلها، فالوثارة التي
طالعته فيها أكثر ممّا يجب لضابط محقّق، والإضاءة غير المباشرة عجيبة، عدا عن الموسيقى الخافتة والكنبات
المنفوخة... لكن المفاجأة الكبرى ليست في غرفة التحقيق، بل في المحقّق: صديق الزمن الأول، الضابط
المناوب الذي ينقل صديقه هشام من القبر العمودي -الزنزانة- إلى جناحه. وقبل أن ينعم هشام بالمفاجأة
ويبلعها، وبعد أن امتلأت مثانته بالبيرة التي كرعها مع صديقه، حضر الأشدّاء الثلاثة، وأُلقي هشام على
قفاه، وشُدّ سحّاب بنطاله، وأمسكت يد بعضوه وربطته بخيط، وصرخ الصديق المحقّق: أنت في طريقك
إلى التسمم الذاتي: البول في المثانة، فأين مخبأ زعيم مجموعتكم؟
11 محمد إبراهيم الحاج صالح، عصا اللافتة: قصص، قصص وروايات عربية؛ 95 (دمشق: وزارة الثقافة،.)2000
2 1 إياس محسن حسن، خرائط مدن محروقة: قصص (بيروت: دار الكنوز الأدبيّة،.)2000
13 محمد كامل الخطيب، صورة قديس مجهول (دمشق: دار 21،.)2004
41 خيري الذهبي، هشام أو الدوران في المكان (بيروت: دار الكنوز الأدبية،.8199)
يفشي هشام بأسراره، فإذا بها قد سبقته إلى صديقه، وإذا بالزعيم والرفاق في قبضته، والمطلوب ليس
الأسرار، بل أن يوقّع هشام وثيقة اعترافه (أنا مرَة) وهي التي ستورثه عطب الروح والجسد. وبمثل
هذه السادية والوحشية تحفل الرواية بأفانين التعذيب التراثية التي سترجع أيضًا في رواية فخ الأسماء
للكاتب نفسه. في رواية إبراهيم العلوش وجه الصباح، يمضي معلم الرياضيات الشاب عادل أربعة أشهر وهو يدلي
بالإجابة عن الأسئلة التي تفور بها الاستمارات الأمنية، حيث يتوالى عليه، ليل نهار، رجال معدنيون،
يرددون أسئلتهم بصلادة وآلية «فلا تستطيع النوم، عليك تغذية فراغات الاستمارات النهمة... إنها
مطلوبة فورًا». ولئن بدا الأمر في أوّله مزعجًا بسخافته، وأحيانًا لخصوصيته، فإن التحقيق يبدأ بالمعتقل
من ذرّة التراب التي ولّدت أول خليّة حيّة لأسلافه. وكان الرعب قد سكن عادل منذ بلغه أنّ (هم)
«سألوا عنك في كلّ مكان»، فتحوّل الخبر إلى إيقاع روائي ليرسم الهلع الدائم الذي يسكن الأغاني
واللباس والأفراح. فتحت شوارع المدينة العريضة والضيقة أنفاق سوداء تسير فيها السيارات الغامضة،
وتنتشر الغرف السوداء اللزجة. إنها مدينة أخرى للتحقيق والاعتقال والتعذيب والسجن. في التحقيق، كما في أي لحظة من لحظات السجن السياسي، يحدث للمعتقل أو للمعتقلة ما حدث لنسمة
في رواية ابتسام تريسي عين الشمس، وهو ما يذكّر بما كان لهشام في رواية هشام أو الدوران في المكان،
سوى أن نسمة التي لم تعد تستطيع السيطرة على مثانتها بفعل التوقيف المديد، وليس بفعل البيرة، سوف
تتبول بثيابها: «وشعرت بارتياح نسبي والبول الدافئ يغرق بنطالي. تحوّل الارتياح خلال دقائق إلى حكة
فظيعة في ساقي، تلتها موجات جديدة من التقلصات في معدتي». وفي رواية تريسي يقول زوج نسمة:
«أصبت بالشلل منذ الساعة الأولى لاعتقالي، بسب الكرسي الألماني German chair) (المعروف بهذا الاسم
على نطاق دولي واسمه مشتق من الغستابو النازي الذي أبدعها على يد هملر، رئيس الاستخبارات النازية،
ثم استوردتها الأنظمة الإرهابية والدكتاتورية في العالم العربي وفي شرق أوروبا». حضر الكرسي الألماني أيضًا في رواية روزا ياسين حسن نيغاتيف، ويشرح هامش فيها أنه كرسي من
دون جلسة أو مسند، مجرّد هيكل معدني يجلس فيه المعتقل الذي يُقيد من يديه ورجليه، ويُطوى ظهره
باجتّاه الخلف حتى تتقطع أنفاسه، وغالبًا ما يُصاب بالشلل عضو أو أكثر، أو جسد المعتقل بكامله. ومن
أساليب التحقيق تذكر رواية نيغاتيفأن إحدى المعتقلات أُحرقت أوراق بين أصابعها، بينما وضع رأس
أخرى في أداة الفلق بدالً من قدميها. واستُقبلت معتقلة ثالثة بإمساك الضابط من شعرها وضرب رأسها
بالجدُر، كما تمشّى مدير السجن بنفسه على ساقي المعتقلة، وراح يفرك حذاءه على ركبتها كأنه يمعس
صرصورًا، أو كأنه يحاول هرس عظامها، وكل ذلك من أجل انتزاع المعلومات. وبدأ التحقيق مع معتقلة
أخرى في القبو بوضع «الطميشة» على عينيها، وحشرها في الدولاب، والضرب بالعصي على قدميها
وساقها وجسدها المطوي، وكانت توضع تحت الدوش البارد بعد كلّ فلقة. كما أمر المحقّق رجاله بألا
15، 2003 خيري الذهبي، فخ الأسماء (بيروت: دار الآداب). وهنا أنوِّه بما في كتاب هادي العلوي التعذيب في الإسلاممن تلك
الأفانين. واشتغلت عليها أيضًا روايتي: نبيل سليمان، سمر الليالي (اللاذقية، سوريا: دار الحوار، 2000).
16 إبراهيم العلوش، وجه الصباح، روايات عربية؛ 01 (دمشق: وزارة الثقافة،.)2001
17 ابتسام إبراهيم تريسي، عين الشمس (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.)2010
8 1 روزا ياسين حسن، نيغاتيف من ذاكرة المعتقلات السياسيات: رواية توثيقية، سلسلة حقوق الإنسان في الفنون والآداب؛ 1 2
(القاهرة: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان،.)2008
يُطعموا هذه «الكلبة» وبرميها في المنفردة (الزنزانة) من دون بطانيات، وبعد ملء أرض الزنزانة بالماء،
ورشها بالملح، ما سيجعل المعتقلة تشعر بوخز السكاكين في قدميها. ومثل هذا كثير وفداحته أكبر، سواء
في رواية نيغاتيفأم في غيرها. في رواية ماجد رشيد عويد الغلس يبدأ المحقق بسؤال المعتقل هلال عن تاريخ انتسابه إلى التنظيم، فيذهل
السؤال هلال الذي لا شأن له بالأحزاب، فتعجل إليه الصفعة التي تلطخ لحيته بالدم. ثم حيُدِّد المحقق
السؤال بتاريخ الانتساب إلى جماعة الإخوان المسلمين، وبمن عمل معهم هلال. ولأنه ليس لدى هلال ما
يجيب به يأمر المحقق زبانيته: «خذوا هذا الكلب خلّوه يعترف ووقّعوه على اعترافه». وهكذا يختلط صوت
الكرباج الرباعي بصوت هلال وذكرياته والدم الذي ينبثق من باطن قدميه. ثم يتكرّر السؤال على لسان
سجّان ملثّم: أنت من الإخوان أم من اليمين الرجعي العراقي؟ ولأن جواب هلال هو هو، يتوىلّ سجانان
ملثمّان تعذيبه هو والإخواني أحمد والشيوعي نضال، فرَيُبَط قدما أحمد بالحبل المتديلّ من السقف فوق برميل
الماء، وينزل الحبل برأس أحمد في الماء البارد رويدًا، بينما تكون يدا نضال قد رُبطتا إلى سلسلتي حديد مثبتتين
في الحائط، كما وُضِعَ قدماه في سلسلتين أخريين مثبتتين في الأرض. أمّا هلال، فأجلسه الملثمّان على كرسي
وربطوا ساعديه بيدي الكرسي، ورجليه بقائمتيها الأماميتين، وراحا يُمرّران الكهرباء على جسمه العاري.
لكن ذلك كله يهون أمام السجين الذي أمره الحارسان بأكل الفأر، وكانا يضربانه بأخمصي رشاشيهما، وفي
آن معًا، على صدغيه، وهو يبكي ويستجير عاجزًا عن تنفيذ الأمر. فلما يئس الحارسان أمسك أحدهما بيدي
السجين، وفتح الآخر فمه وألقمه الفأر، وظل يدفع بها حتى أدرك السجين أ ا صارت في جوفه، وعندئذٍ
أدرك أنه مات، وإن كان ظلّ حيًا. وجاء في رواية خيري الذهبي فخ الأسماء ما لا يُصدّق، حين أمر السلطان
الجديد بسلخ جلد الحلم دار في ساحة العقوبات، إذ سئم الناس الحفلات اليومية التي تخلّص فيها السلطان
الجديد من أركان سلفه. وترسم الرواية بحذق تقشعر له الأبدان كيف انحنى السلاخ (الأصم الأعمى) على
الحلم دار، وطعنه بالسكين في كاحله ليبدأ عملية السلخ التي يبقى فيها المسلوخ حيًا، ما دام الجلد موصوالً
عند السرة، وبعد دهنه بالمرهم السري الذي يحفظ الجلد واللحم رطبين وقابلين للالتحام والحياة، وذلك
بانتظار إشارة السلطان، فإن أشار بالموت، شد ابن السلاخ الجلد المسلوخ عن السرة، فيموت المسلوخ، وإن
رأف السلطان، أعاد ابن السلاخ الجلد إلى مكانه. بالمتابعة إلى ما صوّرت الروايات من السجن السياسي بعد التحقيق، نعود إلى أولى تلك الروايات، وهي
رواية فارس زرزور (2004-1930) اللااجتماعيون التي تشرّبت بسيرة كاتبها الذي كان زمن الوحدة
السورية-المصرية (-1958 9611) ضابطًا في الجيش، نُقل إلى الإقليم الجنوبي (مصر)، وسرُّ ح من الجيش
وسُجن بسبب انتمائه الشيوعي، وهذا ما سيكون عليه بطل الرواية الملازم خالد جعفر الذي فُرضتْ عليه
الإقامة الجبرية بعد التسريح، ثم اعتُقل مع رفاقه الضباط، وتبنيّ لهم أن من كان يخدمهم هو «صول» في
المباحث، وكان يرفع التقارير بحركاتهم وسكناتهم. وأضرب الملازم خالد عن الطعام بعد ثلاثة أشهر في
الزنزانة، طلبًا للحرية وإعادته إلى سورية.
19 ماجد رشيد العويد، الغلس (بيروت: الدار العربيّة للعلوم ناشرون،.)2010
20 نبيل سليمان، درج الليل.. درج النهار (اللاذقية، سوريا: دار الحوار، 2005 حديديٍّ، ومع). يوضع السجين إياس عاريًا في قفصٍ
تحمية القفص تبدأ محاولات إياس درء الحرق حتى عن أصابع قدميه ويديه. وأورثه هذا التعذيب بعد الإفراج عنه " النطوطة " في المشي
مثل القرد.
21 فارس زرزور، اللااجتماعيون (دمشق: دار الأجيال،.0197)
من الروايات التي بكّرت أيضًا في تصوير السجن السياسي رواية السجن لكاتب هذه الأسطر. ولئن لم
يكن فيها من السيرية شيء، كتب لي الشاعر الراحل وصفي البني (83-191519) بُعَيد صدور الرواية
مُعربًّا عن إعجابه بها، ومتسائل ا هل كنت معه ورفاقه (الشيوعيين) الذي سُجنوا في زمن الوحدة السورية -
المصرية. ولما التقينا صاح: أنت لم تكن معنا. أنت صغير، وكنت في السابعة والعشرين. وسوف يتكرّر هذا
الموقف مع كثيرين، ومنهم من كان يبدل رأيه بالرواية وبي عندما يعلم أنني لم أكتب عن تجربة شخصية. من الملاحظ، على الرغم من ذلك، أن اشتغال الرواية في سورية على السجن السياسي ظل هامشيًا حتى وىلّ
القرن العشرون. أمّا ما غلب على هذا الاشتغال فهو أن يكون حركة من حركات الرواية، وليس حركتها
الوحيدة أو الكبرى. من «القلّة» التي جاءت وقفًا على السجن تلك «الكتابة» التي تروم أن تكون رواية، وعُنوِنت ب الشرنقة
للسجينة السياسية السابقة حسيبة عبد الرحمن. قد تكون الشرنقة سيرة محوَّرة، أو شهادة جارحة تنطوي
على التماعات روائية طموحة وتائهة، إالّ أنها أوالً وأخيرًا كتابة مُدمّاة، ترسم القامع والمقموعة وفضاء
القمع وأساليبه، عبر ما ترسم من تجربة السجينات السياسيات السوريات في رابطة العمل الشيوعي
والإسلاميات اللواتي رُمين في جوف الغولة، كما تدعو الراوية السجن. وتستعيد الشرنقة ذلك كله بعد
خروج الراوية والأخريات من السجن، لتجأر بالضريبة المزدوجة التي تدفعها المرأة، فنقرأ: «كُتب علينا
رفع الأرجل أينما كنا، في الفراش أو في الدولاب»، ونقرأ: «ضريبة كلّ امرأة ترفع رأسها قليل ا، إذا فشلت
السلطات بتدميرها... دمّرها الأقربون». في رواية نهاد سيرّيس الصمت والصخبحيُدِّث الراوي الكاتب فتحي شين عن أبيه أنه كان محاميًا
ليبراليًا معارضًا لحكومة القرود، ومعارضًا للمعارضة المتوكلة على الله، والمعروضة للبيع، والعارضة
للأزياء. وكان الأب يُعربّ عن مواقفه بكتابة المقالة، لكنه توقف عن ذلك، إذْ زُجَّ به في «القبو الاستخباري»
ثلاثة أشهر، فخرج محرومًا بصفته محاميًا من المرافعات، وانقلب هذا الرجل المرح عبوسًا قمطريرًا. وهنا
تعجل الإشارة إلى أن «السجن السياسي» لا يعني دائامًالمكان الذي يعرف عادة بالسجن، بل يعني أيضًا
22 نبيل سليمان، السجن (بيروت: دار الفارابي،.)1972
23 من تجربة واحد من رفاق وصفي البني، هو الصديق نبيه خوري، متحت رواية السجن. ومنعت الرقابة نشرها في سورية مطلع سنة
2 197، فكان لها فضل دفعي إلى عاصمة النشر آنئذٍ: بيروت. ولئن كانت التقيّة قد جعلتني لا أعنيّ للرواية زمانًا ولا مكانًا -وهذا ما
سوف أسمّيه في نقودي: استراتيجيّة اللاتعيين- فقد شرع ذلك للمخيّلة أن ترمح بنشاط أكبر وحريّة أكبر. وبفضل هذه الرواية تعلمت
كيف يكون الفرد شخوصًا وبشرًا وحيوات وحكايات. وها أنذا أكتب بعد أربعين سنة أنه إن كان قد سرنّي نجاح الرواية -جرى تدريسها
لطلبة الصف الثالث الإعدادي في ما كان اليمن الجنوبي في ثمانينيات القرن العشرين- واستمرار حضورها إلى هذا اليوم، فقد أمضّني أن
يكون النجاح والاستمرار نتيجة النماء السرطاني للسجن السياسي والقمع السياسي بعامة.
24 حسيبة عبد الرحمن، الشرنقة (دمشق: [د. ن.]، 1999).
25 تفتتح رواية سمر اللياليفوران المدوّنة الروائيّة السوريّ للسجن السياسي في العقد الأول من هذا القرن. وهنا أزجي التحية لروح
الصديق الراحل عبد الرحمن منيف الذي لم ألقه مرة في أثناء كتابته رواية الآن هنا أو شرق المتوسّط مرة أخرىولا بعد صدورها، إالّ وحثّني
على أن أثنّي روايتي السجن. وربمّا استبطنت ذلك إلى أن غامرت في مواجهة التحدّيين الكبيرين: أن أكتب عن السجينات السياسيات،
وأن أكتب عن الشابات، فكانت بعد لأي رواية سمر اللياليالتي تابعتُ فيها، ما كان في رواية السجنمن تشغيل لاستراتيجيّة اللاتعيين.
وكان لأكثر من صديقة ممن ذقن «حلاوة» السجن، أو ممن لوحقن وتخفيّن، أم ممن انخرطن في تنظيم سياسيٍّ سريٍّ معارض، لكنهن نجون
من الأذى، كان لهنّ جميعهن الفضل الكبير عليّ. فلولاهن ما كان لي أن أكتب سمر اللياليالتي سرعان ما جرّت عليَّ الوبال، وكانت- مع
محاولتي إقامة منتدى ثقافي في منزلي- سبب الاعتداء الذي تعرَّضت له في 2001/1/31، وهو ما كان نذيرًا بقصف السلطة لما عُرِفَ
يومئذٍ بربيع دمشق.
26 نهاد سيريس، الصمت والصخب: رواية (بيروت: دار الآداب،.)2004
مكان الاعتقال، أي المعتقل الذي قد يكون كما في رواية سيرّيس القبو الاستخباري، أو زنازين فرع
أمني ما، أو أي مكان يتمّ فيه التوقيف والحجز. وفي رواية الصمت والصخبنرى فتحي أيضًا رهين
«المقر الأمني» بعدما كتب فيه مطلّق معشوقته تقريرًا يخبر بالعبارة التي رد بها فتحي عليه: «طز فيك وفي
الحزب»، فَعُرِفتْ قضيته بقضية «طز»، وصار اسمه في المقر الأمني «أبو طز»، كما صار المحقق في القضية
يُعرف ب «المحقّق في طز». أليس شر البلية ما يضحك؟
في رواية خالد خليفة مديح الكراهية تذكر الراوية التي تظل بلا اسم، مجزرة السجن الصحراوي، أي
مجزرة سجن تدمر الشهيرة -سوف يتكرّر ذكر السجن الصحراوي في روايات شتّى- فنقرأ: «أكثر من
800 سجين قتلوا خلال أقل من ساعة، حملت البلدوزرات جثثهم إلى مكان سري لترميها في حفرة».
وتشرح الراوية أن هذه المجزرة هي عملية «الفراشة النائمة» التي أمر بها قائد سرايا الموت -هكذا تسمي
الرواية سرايا الدفاع وقائدها رفعت الأسد- بعد نبأ محاولة اغتيال الرئيس الذي لا تسميه الرواية، وما
عنت به إالّ حافظ الأسد. عندما كان ما كان في حماة وحلب خصوصًا، في أثناء الصراع الدامي بين السلطة والإخوان المسلمين، قبل
ثلاثة عقود، أعلنت الراوية ما تتلمّسه من رهق الناس وانفضاضهم، وهي الناشطة في تنظيم الإخوان
المسلمين، والصاخبة بكراهية الطائفة الأخرى التي لا تُسمّيها الرواية، وما عنت بها إالّ الطائفة العلوية.
وتم عزل الراوية عن إمارة الحلقة الإخوانية نتيجة ما أعلنت، لتبدأ تساؤلاتها التي ستنضجها سنوات
الاعتقال في فرع الأمن، ثم سنوات السجن الطويلة في سجن النساء، مع رفيقاتها الإخوانيات ومع
سجينات يساريات وجنائيات؛ إذ ستفوح روائح القيح من أجساد السجينات السياسيات، وسينسين
رائحة شراشفهن، وَيُبتلين برائحة غائط السجانين والجلاّدين، حتى لتكره الراوية رائحة دورتها الشهرية.
وسيبلغ كلّ ذلك بها، بعد السجن، السفورَ، ومواصلة الدراسة في كلية الطب، وعقم الكراهية الطائفية.
وهنا لا بدّ من الإشارة إلى ما تقدّم في رواية الشرنقة، وفي رواية سمر الليالي، وهو ما سيلي في روايتي روزا
ياسين حسن نيغاتيفوحراس الهواء. فهذه الروايات كلها تتعلّق بمرجعيه سورية واحدة هي ما شهدته
سورية من الاعتقال أو السجن السياسي للنساء، في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته. يعود الضابط السجين إلى الظهور في رواية حسن صقر وردة الشمال، وذلك في شخصية المدرس علي
حسن الذي يُستدعى بصفته ملازم احتياط قبيل حرب 9671، ويقع أسيرًا فيها. وبعد عودته من الأسر
يقع في حبال الضابط الذي هرب من القتال، لكن نجمه صعد، وبات العقيد المسؤول عن إعادة تأهيل
الأسرى. ولسوف تؤول الرواية بالعقيد إلى أسوأ مآل، بصفته مريضًا نفسيًا وتائهًا على الحدود التائهة بين
السجن الذي يتوالّه، والغارق في الظلام، وبين المدينة، ما عنى لهذا المهزوم المتسلّط أن دمشق كلّها قد
تحوّلت إلى سجن كبير، بل إن الدنيا كلّها باتت معتقل ا، وهو نزيله الذي يفكر في القوّة التي بلغت نهايتها،
اإل اله قبي لومّ أن تزول مع زوال الظلام. بالتوازي مع وردة الشمالجاءت رواية روزا ياسين حسن نيغاتيفالتي تذيّل عنوانها بتجنيسها مثل
رواية توثيقية.
27 خالد محمد خليفة، مديح الكراهية: رواية (دمشق: أميسا للنشر والتوزيع،.)2006
28 حسن صقر، وردة الشمال، قصص وروايات؛ 15 (دمشق: منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة،2008.)
وقدّمت المسلّة شخصيّة الملازم المجند زهير خليفة الذي يعتقل نتيجة اعتراضه على ما عدّه أخطاء قتاليّة قاتلة في أثناء مشاركته في حرب
تشرين الأول/ أكتوبر 1973، وهو من كان معارضًا قبل تجنيده. انظر: نبيل سليمان، المسلّة (بيروت: دار الحقائق، 80.)19
قدّمت الكاتبة للرواية بمقدمتين، تتعلّق أولاهما بتجنيسها ذاك؛ فهي تتشكك بالتجنيس عمومًا، وتعلل
ذلك بأن التوثيق عكس التخييل، يحدد له نهايات منجزة، وشخصيات معروفة ومؤطرة. أمّا صنيعها هي
في هذه الرواية، فقالت باختلافه عامّ تقدّم «لأن التخييل سيعمل، كالعادة، على ليّ القصة الحقيقية. بمعنى
آخر سيعمل على حقن ما حدث بنكهة ما لم يحدث». وتتابع الكاتبة وتسأل: «لمَِرواية؟»، فتجيب: «ربما
لأن ما حدث هناك لم يحدث إالّ لتكتب عنه الروايات». غير أن ما بين التوثيق والتخييل لم يكن كذلك دومًا
في تاريخ الرواية. فإذا كان الأمر يتعلّق دومًا بالتخييل، فقد تتأثث الرواية وتتأسس في الوثيقة-الوثائق
التي تخرج من إهابها إلى بوتقة التخييل، كأنها تخرج من ماضيها التاريخي والموضوعي إلى مصيرها الروائي.
وظل هذا الخروج محدودًا في نيغاتيف، كما سنرى. في المقدّمة الثانية للرواية تتحدَّث الراوية عن اضطرارها إلى حصر عدد من كتبت عنهن، لأن ما اكتشفت
من هذا العدد كان يزداد كل يوم. كما تتحدَّث الكاتبة عن التجربة النسائية في المعارضة السورية، وعن
اصطدامها بالرعب المعشش في قلوب الكثيرات من المعتقلات، خصوصًا الإسلاميات منهن. وفي عودة
إلى الإشكال الوثائقي الروائي، تعلن الكاتبة هَجسها بالاختيار بين الوفاء للكتابة، والوفاء للتجربة غير
العادية. لكن هذا الهَجس ينتهي إلى أن يكرّر تقديم المعيوش على المكتوب، أو العيش على الكتابة، أو
التجربة على التخييل، في استمرارية لمألوف تقديس النضال وتجربة المناضل-المناضلة. هكذا تكتب
الكاتبة أن كلّ ما يدوّنه المرء يتحوّل، شاء أم أبى، إلى نسخة ممسوخة، بل مشوّهة، من العيش. كما تذهب
إلى أن الكتابة تتحوّل «في مواجهة العيش قزمًا لا يستطيع أن يبلغ مبلغ الرجال، أو مسخًا عاجزًا ومثيرًا
للضحك، لأن ما تلمسه أجسادنا لمس الحقيقة لا يمكن للغة مهما فاحت منها رائحة التجربة أن جتُسّده
بعمقه الجواني». تحت وطأة ذلك تتخلى الكاتبة عن الطموح إلى «رواية توثيقية»، وتدعو إلى اعتبار نيغاتيف«محاولة لتدوين
جزءٍ من تاريخ نسوي سياسي، غُيّب سنينًا طويلة، كما غُيّبت تجربة المعارضة عمومًا، وبمختلف أطيافها». ربما كان هذا هو التصنيف المنصف ل نيغاتيف، وبالتالي قد يكون من المهم نقديًا -وليس من الطريف
فحسب- أن تجيء المقارنة بين نيغاتيفوالشرنقة وسمر الليالي وحراس الهواء للكاتبة نفسها، لنتبنيّ
الوصل والفصل بالشعيرات الدقيقة أو بالأمراس، بين الوثائقي والتخييلي، فأغلب نساء نيغاتيفهنّ
نساء تلك الروايات الثلاث. تذّيلت نيغاتيفبصور السجينات اللواتي وثقت لهنّ. كما تذّيلت بثبت لهنّ، وبينهن من هي أطولهن سجنًا:
جميلة، عضو المنظمة الشيوعية العربية التي سجنت بين سنتي 9751 و 9911، وبينهن صاحبة الشرنقة،
والطفلة سمية بنت سلوى السجينة الإسلامية التي سُجنت بين سنتي 838919 و 19، وكانت حامل ا
عندما اعتُقلت، وأنجبت في السجن. وهنا لا أدري لمَِأصرّت الكاتبة على أن تذكر الاسم الأول للسجينة
والحرف الأول من كنيتها (مثل ا: حسيبة ع. بدالً من حسيبة عبد الرحمن)، ما دمن جميعهن معروفات،
وما دام الإفراج عنهن قد تمّ بين سنتي 89819 و 199 كما تسجل الكاتبة، بينما جاءت نيغاتيففي
سنة 2008؟ في رواية روزا ياسين حسن التالية حراس الهواء يحضر من نساء نيغاتيفومن غيرهنّ، لكن كما تقتضي
29 روزا ياسين حسن، حراس الهواء (بيروت: الكوكب؛ رياض الريسّ،.)2009
الرواية والتخييل، وليس التوثيق، ولا تقديس المعيوش. فمياسة الشيخ، وبعد خمس سنوات من اعتقال
زوجها سنة 8219، تُعتقل من مدرج الجامعة المركزي في أثناء محاضرة أستاذ الأدب المقارن، إذ يدخل
أربعة من عُتاه الأمن ويجرون الطالبة، فيخجل الأستاذ حدّ الموت، ويكمل درسه بصوت أبحّ، لكنه
يستقيل بعد أسابيع ويرحل. تخرج مياسة من السجن سنة 0199، بينما يخرج زوجها سنة 8 199، فلْيحصِ من يشاء سنوات السجن.
وتحضر من عهد السجن، في ما يحضر في الرواية، الرسائل المتبادلة بين السجين جواد وعنات: رسالة
تُدَس في وردة جورية، لكن السجان ضبطها، بينما نجت منه رسالة أخرى مدسوسة في قطعة من «محشي
الكوسا»، ورسالة خرجت من السجن في قطعة شوكولا كروية... ثمّ تأتي رسائل السنوات التي تلت
نقل جواد وآخرين من سجن تدمر الصحراوي الشهير إلى سجن صيدنايا، فكأنه النقل من الجحيم إلى
الجنة التي ليست أيضًا إالّ جحيامً، لكنْ جحيم عن جحيم «بيفرق»، والعهدة على حراس الهواء ومثيلاتها
من الروايات. في ظلمة آخر الليل، أي في الزمن المفضَّل للاعتقال، زمن زوار الفجر، أي في الغلس، تتعنوَن رواية ماجد
رشيد العويد التي أبدعت للدكتاتور خلقًا جديدًا. أمّا الآن، فالفسحة هي لهذا السجين السياسي من
شخصيات الرواية: هلال الذي تأتيه الجنية زمردة ليحكي حكايتها، مثلما كان يأتي بأخبار الحرب العالمية
(الثانية) وبناء الجسر على نهر الفرات في مدينة الرقّة... لكنه بعد زمن طويل يُرمى في السجن، إذ يلتقي
بالسجناء الشيوعيين والإخوان المسلمين، فيعيد السجن والسجناء تشكيل شخصيته، ليخرج بريئًا من
" بهلولية " الماضي، بعدما أدرك كم هي باطلة وخداعة لفظة «نقي» في ما يقال عن عقيدة البعث النقية، وعن
جيش العقيدة النقية. كما أدرك هلال، بفضل السجن، كم هي باطلة الأغاني الوطنية التي تسوّق الدكتاتور
وعقيدته. وبعد السجن أدرك هلال أن بقاء الدكتاتور هو بقاء للسجن، لذلك بدأ يؤمن بوجوب موت
هذا المُنزّه المعصوم، فبذلك: «بزوال العقيدة النقية يزدهر البلد وينمو، وببقائها لا حياة لهذه البلاد». من الأصوات الجديدة التي كتبت رواية السجن السياسي أيضًا تُضاف ابتسام إبراهيم تريسي إلى ماجد
رشيد العويد وروزا ياسين حسن وخالد خليفة، فضل ا عن نذير جعفر وسمر يزبك كما سيلي. في رواية عين الشمس، يتلاطم القمع السياسي من خلال حياة الشخصية المحورية «نسمة»، خصوصًا
في أثناء حياتها الجامعية في حلب إبان سنوات الجمر التي عاشتها نهاية سبعينيات ومطلع ثمانينيات القرن
الماضي، حين ارتبطت نسمة بالمثنى الذي سيُعتقل على ذمة الإخوان المسلمين، وهو من سبق لأبيه أن
اعتُقل وتم التخلّص منه في السجن، في بداية عهد الحكم البعثي سنة 963.1 بعد عشرين سنة من اعتقال المثنى ومصرعه، تستعيد نسمة ما مضى وهي تتهيأ لمغادرة من تزوجته في
استوكهولم. وهنا تقدّم الرواية قصة هذا السجين السياسي السابق الذي جمعته الزنزانة مع المثنى في سجن
تدمر، إذ تعمّق إحساسه بالانتماء إلى «العالم التحتي»، كما يسمّي شبكةَ السجون السورية سجين اختبر
بنفسه الكثير منها، حتى غدا «خبير سجون» بتهم لا حتُصى، من السرقة إلى التهريب إلى تجارة السلاح.
وأفاد السجناء السياسيون من خبرته وعلاقته الطيبة بالسجّانين في تهريب أشياء كثيرة من السجن وإليه،
خصوصًا الجرائد التي يلف بها الطعام خصيصًا، ليعرف السجناء والسياسيون ماذا يجري في العالم الآخر.
ولئن كان زوج نسمة لا يتقبل أحدًا من الإخوان المسلمين، قامت بينه وبين المثنى، مع الأيام، صداقة متينة،
إذ تبددت الفوارق في «العالم التحتي»، عالم الألفة والتلاحم والحميمية ممّا يستغلق على السجانين الذين لا
يمكنهم أن يفهموا التفاصيل المربكة لذلك العالم، كما يستفزهم صبر السجناء وضحكهم ولا مبالاتهم. من سجن تدمر إلى الإعدام، كان مصير المثنى، أمّا زوج نسمة، فرُمي خارج السجن مشلوالً، ولم يصحُ إالّ
في عامّن، إذ مضت به الدروب إلى استوكهولم، والتقى نسمة وتزوّجها، لكنها ما عادت قادرة على العيش
معه والصبر على شكوكه، فغادرته في نهاية الرواية. من قبل، تستعيد نسمة استدعاءها إلى فرع أمني للتحقيق بعد اعتقال المثنى وبسببه. وترسم ضابط الفرع
المحقّق النقيب علي: البعبع الذي يخيف به الجنودُ المعتقلين، كما ترسم نسمة ما في الفرع من زنازين وممارّ
وعسكر، وما عانت من البرد والرطوبة وتورم الساقين والعويل والصرير والتبول وممّا يتسرب من
الزنازين... وصوالً إلى الإضراب عن الطعام، ومحاولة البعبع تسميمها والتخلص منها، لكنها تُنقَذ،
وبفضل رئيس الفرع أبو فراس الذي كان يخطط للظفر بها، تخرج من الفرع، ثم تخرج من البلاد، كيلا
تتفاقم فضيحة تسميمها. من موت الرئيس حافظ الأسد سنة 2000، ومن جنازته تقيم سمر يزبك لروايتها لها مرايا إيقاعها،
منذ اللحظة الحاسمة التي تبدأ بها، إذ تظهر الممثِّلة الخارجة من السجن ليلى الصاوي، ويظهر ضابط
الأمن الكبير سعيد ناصر الذي اعتكف في منزله- قلعته بعدما أُعفي من منصبه. وعبر يوم الرواية الواحد
-زمنها- تتزامن سرود ليلى وسعيد، ويظهر علي الصاوي شقيق ليلى العائد من دمشق إلى القرية، بعد
خروجه من السجن محطّامً، وخيبته في استعادة شقيقته من أحضان ضابط الأمن (سعيد) الذي حقّق معه
في مكتبه، وانهال عليه عقابًا على ما عدّه خيانته لجماعته، أي للطائفة التي تجمعهما (العلوية)، وهذا ما
سنُفصّل فيه لاحقا. تبدأ رواية نذير جعفر أساور الورد، التي جاءت إبان الزلزال السوري (2011)، بخروج فاضل السرحان
من السجن بعد سنوات وقد فقدَ القدرة على تقدير المسافات، كما فقد الجرأة على المشي وسط الزحام.
والسرحان من «جماعة الراية»، أي جريدة الراية الحمراء، لسان حال رابطة العمل الشيوعي في زمن
الرواية: السبعينيات السورية التي ستتسمّى بحزب العمل الشيوعي. وإلى فاضل، ثمّة سجناء تعربُ بهم
الرواية، مثل «أبو عبيدة» الذي جيء به من السجن الصحراوي (سجن تدمر) فاقدًا القدرة على المشي
نتيجة هول ما رأى وما عاش. وحين بدأ يتعافى، أُخبر بقرار إعادته إلى السجن الصحراوي فعاد عاجزًا
عن الوقوف وعن الحركة. وجاءت قصة أبي عبيدة مثل غيرها من القصص العابرة الكثيرة في الرواية، على
هيئة ملخصات ووقفات سردية، تنال من سيولة السرد الروائي، مهما يكن له من فرادة، كما هي الحال في
عديد من روايات السجن السياسي. ونجت من هذه الوطأة قصة «أسرة ماجدة إخوان» بحسب التسمية
التي أطلقها الأمن على هذه الأسرة، إذ تعرَّض أعضاؤها جميعهم للاستجواب أو الاعتقال الموقت أو
السجن الطويل. وعلى رأس هذه الأسرة تأتي الأم التي اعتصمت مع أمّهات سجناء سياسيين آخرين أمام
القصر الجمهوري نهارًا بطوله، حتى وعد قائد الحرس بإيصال أصواتهن إلى الرئيس -والمقصود: حافظ
الأسد- فتفرقن. أمّا ماجد -من هذه الأسرة- فأمضى مع فاضل السرحان سنوات في مهجع واحد من
السجن. وكان فاضل وشقيقة ماجد السجينة لبنى عاشقين، وفي السجن أُعلنت خطوبتهما حين كان جدار
0 3 سمر يزبك، لها مرايا (بيروت: دار الآداب،.)2010
فحسب يفصل بين مقام فاضل في مهجع الأكابر، ومقام لبنى في «دار الضيافة». ولا يفوت الرواية أن
يكون بين شخصياتها سجين إسلامي - عدو لقصيدة النثر - من جماعة النفير، جريدة الإخوان المسلمين
في الزمن الذي تكتبه الرواية.
الدكتاتورية روائيًا
في قصته «الرياض السندسية» من مجموعة أخبار من البلد - 5591 يعود حسيب كيالي -1921(
9931) إلى الانقلاب العسكري الأول الذي قاده في سورية حسني الزعيم سنة 949.1 وقد أثّلتْ القصة
للزعيم، فوصلت نسبه بالخليفة الراشد الثاني، كما وصفت القصة الاستفتاء الذي وصل بالزعيم إلى رئاسة
الجمهورية، ومن ذلك أن صحيفة كبرى في العاصمة ذكرت أن مُنجاّمً مغربيًا فتح للزعيم فاالً في صغره،
فوجد عجبًا، وهمس في أذن المرحوم أبي الزعيم: هذا كنز، سيحكم من البحر إلى البحر. وعن الاستفتاء
نقرأ أن الناس يتزاحمون على أبواب اللجنة الانتخابية «حتى الموتى والمهاجرين والمشلولين والخرس
والطرش يشتركون في الاستفتاء. ومن ألطف ما حدث أن بعض الدوائر الانتخابية وجدت بعد فرز
الأصوات أن عدد المقترعين يزيد مئات كثيرة على عدد المسجّلين في اللوائح. وعلل أحد رجال الدين
الوقورين هذه العجيبة بأن العناية الصمدانية قد دعمت هذا المخلص، بروح من عندها، وساهمت هي
أيضًا بإعلاء شأنه رحمةً ببلاده المسكينة». بهذه الريادة الباهرة قبل ستة عقود تقريبًا، افتتح حسيب كيالي السردية القصصية للدكتاتورية، بما رسم من
الدكتاتور. وهذا ما سيتابعه في مجموعته رحلة جدارية، لكن من دون أن يسمّي من عنى هذه المرة، وإن
تكن الإشارة لا تخفى إلى جمال عبد الناصر وزمن الوحدة السورية-المصرية حين زُجّ الكاتب اليساري
أشهرًا في السجن. ففي قصة «رحلة جدارية» يفكر الراوي أن كلّ شيء في البلاد سيتوقف عن الحياة إذا
استمرّت عبادة «صنم التمر» الذي صنعه الناس ولما يأكلوه. أمّا في قصة «يوليوس قيصر» من المجموعة
نفسها، فالكاتب يفتّق في صورة الدكتاتور وفي العيش في ظل الدكتاتورية، حتى يؤسطرها: «المثال الذي
صنعه الحالمون، في لياليهم السوداء القاسية وأيامهم الشقية، من خفقات القلوب وصمت الدّموع... هذا
المثال دبّت فيه حياة شيطانية ملعونة، فانطلق يبعثر ما يقع تحت يديه، يقلب، يخرق، يهدم... والأنكى أنه
يخطب طول النهار خطبًا لا تعرف لها رأسًا من ذنب (...) لقد امتلأ البلد بألوف العفاريت الصغيرة التي
اقتحمت على الناس خلواتهم، وأخذت تفرض عبادة التمثال فرضًا شنيعًا: زُجّ الآلاف في السجون. مات
كثيرون تحت السياط. قرأ الأولاد ثناءً حارًا على عبادة الأصنام...». مثل هذه الصورة للدكتاتورية زمن الوحدة السورية-المصرية، هو ما سيحضر في الرواية، لكن بالتصريح
لا بالتلميح؛ ففي رواية فارس زرزور اللااجتماعيوننقرأ: «الطلاب خائفون من الخوض في الأمور
السياسية. اعتُقل في الأمس ثلاثة طلاب، أُودعوا، لا أحد يدري، يقال في بعض الأقبية...». وكما يروي
31 انظر: حسيب كيالي، الأعمال القصصية، سلسلة الأعمال الكاملة؛ 0-81، 3 ج (دمشق: وزارة الثقافة، 2006)، ج.1
2 3 إلى عهد حسني الزعيم والانقلابات وزمن البزوغ العسكري الدكتاتوري عدت في الجزء الرابع الشقائقمن مدارات الشرق. لكن
دكتاتور الرواية حمل اسم تحسين شداد، ومنه اشتق انقلابي دكتاتور، فانقلابي دكتاتور اسم تحسين الأول، فتحسين الثاني، فتحسين الخفي.
أما الحضور الصريح لحسني الزعيم فجاء في روايتي حجر السرائر. انظر: نبيل سليمان، مدارات الشرق، 4 ج (اللاذقية، سوريا: دار
الحوار، -1990 1993)، ج:4 الشقائق، وحجر السرائر، كتاب دبي الثقافية؛ 41 (دبي: مجلة دبي الثقافيّة،.)2010
خالد جعفر، صار مرأى سيارة عسكرية تقلّ مدنيين يعني مباشرة أحد احتمالين لا ثالث لهما: استخبارات
أو معتقلون. وعلى الرغم من أن خالد جعفر ضابط، فهو ينعت الضباط بالغرور، ويُعارض تسلّط
العسكر، ويرى أن ما يُبئس رجال السلطة هو أن يروا إنسانًا لا يصرخ من شدّة الألم «ويغيظهم أن يراودك
حلم بغير سياط التعذيب وكامّشات الأظفار وأسلاك الكهرباء المُعدّة لوصلها بأسافل الضحايا». إلى الفترة نفسها تعود رواية ع. آل شلبي الجائع إلى الإنسان، فتسلق دولة الوحدة (الجمهورية العربية
المتحدة) بنعوت الطغيان والدكتاتورية والعسكرية والبرجوازية الصغيرة. ويأتي ذلك في سياق سرد
الراوي لتخفّيه من المباحث، ولاعتقاله وتعذيبه بتهمة الشيوعية وهو ليس شيوعيًا. بعد ثلاث سنوات من الوحدة السورية-المصرية، وبعد نصف هذه المدة القصيرة من عهد الانفصال،
توالت العقود منذ سنة 9631 بما ندر مثاله من الدكتاتورية. لكن التعبير الروائي عن ذلك غلب عليه أن
جاء جزئيًا و/أو مواربًا، في مقابل نشاط الحفر الروائي في التاريخ، وفي مقابل الانشغال بالحرب (-1967
-1973 الحرب اللبنانية)، وفي مثل هذا السياق أو ذاك كانت تحضر الدكتاتورية في هذه الرواية أو تلك، مما
كتب خصوصًا حيدر حيدر أو هاني الراهب أو كاتب هذه الأسطر. لعل التمثيل لهذه المرحلة برواية حيدر حيدر وليمة لأعشاب البحر أن يكون كافيًا. تخص هذه الرواية
الدكتاتور بفصل «اللوياثان» الذي يصح فيه أن يكون التعبير الروائي عن أي دكتاتور، عربي أو غير عربي،
وبالتالي، عن زمن أي دكتاتورية، على الرغم ممّا لكل دكتاتورية من خصوصيتها. فدكتاتور وليمة لأعشاب
البحر هو مسخ غريب، وهبة سماوية، وقنطور، ومهلك، وقادر، وفاتك، وهو متألّه ومقدّس: إمام الزمان
والطوطم الجديد ونور الأمّة ونور الله والملهم والهادي والقائد. وزمن الدكتاتورية في الرواية هو الزمن
الأسود، والزمن السريالي، وزمن المسوخية والمقتلة. من بعد، وحين يحل موعد الرواية في سورية مع دكتاتوريتها، ستتخىلّ عن هذا السلق اللغوي الهجائي،
لتأتي أكبر تدقيقًا وتحديدًا وعيانية. وبالطبع، سيظل منها ما يشغّل – مثل فصل اللوياثان - استراتيجية
اللاتعيين، كما مر بنا في الفقرة السابقة، وكما تلا، ابتداءً برواية علي عبد الله سعيد اختبار الحواس التي
ناءت بالصخب الحداثي، وهي تُشيّد من مستشفى الدكتور موريس وطنًا روائيًا، يصير فيه الدكتور
دكتاتورًا، بينما تتوحش الدكتاتورية وتتَحيوَن. ومن اللافت أن هذه الرواية تتقاطع مع رواية فيصل
خرتش موجز تاريخ الباشا الصغير في تصوير الوحشنة والحيوَنة الدكتاتورية، وعلى نحو يثير الشبهة،
على الرغم من أن سنة واحدة تفصل بين الروايتين. واختارت رواية خرتش أن تسلك بين بين في التعيين
واللاتعيين، فترجح الثاني كلمّا اقتربت من الراهن الذي بلغ ثمانينيات القرن الماضي، لتصوغ شخصية
الباشا/ الدكتاتور، ولا معقولية نظامه. ليست الدكتاتورية الدكتاتور فحسب، ولا هي فقط حاشيته أو
أسرته أو حزبه أو أجهزته القمعية، بل هي، إلى ذلك كله، نمط عيش وعلاقات ومصالح وتفاصيل وهواء
يتنفسه الفرد والمجتمع: هكذا ستكون الدكتاتورية في تعبيرها الروائي السوري. فعلى أبواب موران هذا
33 ع. آل شلبي، الجائع إلى الإنسان (بيروت: [دار القلم]، 1974)، واسم الكاتب هو (عبد الرحيم الشلبي) لكنه مهر كتبه بالاسم
المبين أعلاه وقد عاش بين سنتي 22.199219 و
34 حيدر حيدر، وليمة لأعشاب البحر: نشيد الموت (بيروت: [د. ن].،.)1983
35 علي عبد الله سعيد، اختبار الحواس (بيروت: رياض الريس،.2199)
36 فيصل خرتش، موجز تاريخ الباشا الصغير، السلسلة الروائية (لندن: رياض الريس، 1991).
التعبير، هي ذي مثل ا رواية خليل النعيمي تفريغ الكائن التي يستذكر فيها الراوي في منفاه الباريسي ما
كان في الوطن، فيخاطب حبيبته: «أتذكرين كيف مُنعنا من المشي ومن الركض ومن الكلام ومن التظاهر
ومن التعبير عن هياجنا واصطهاجنا». أمّا هي فتقول: «كنت أرى معالم القمع والاضطهاد تنتشر حولي
كالفطر المريع ولم أكن أجرؤ على فك لساني». ولسوف تسلق الحبيبة حبيبها: «لا زلتَ دكتاتورًا صغيرًا»،
كما تُعريّه بأنّه ينتقد السلطة، وهو أكثر منها تسلطًا. لكنه يتساءل لائبًا عن مكوّنات البنية التي «فرغتنا من
محتوانا وحوّلتنا إلى مجرّد مصفقين، ومن ثمّ دفعتنا إلى التخيلّ بعد أن فتحت لنا الأبواب، لنهرب تاركين لها
كلّ شيء بما فيه أمتعتنا الشخصية». ولأن السيل بلغ بالراوي الزبى، فإنه يعلن «الآن إمّا أن نحكي لنفضح
ذلك كله، أو أن نسكت إلى الأبد». اختارت الرواية في سورية أن «تحكي»، فإذا بها كأن لا رقيب عليها، إذ لم تترك محرّمًا سياسيًا، عدا عن
مناوشتها للمحرّم الجنسي. وعبر ذلك اصطخب المشهد بالأصوات الشابة الجديدة، وبخطر الاستسهال
والإسهال، كما تألقت التجارب الفنية وتعدّدت. في مستهل القرن جاءت الرواية الأولى للقاص المخضرم نيروز مالك زهور كافكا. وهي تقدّم شابًا
حلبيًا أبعده أبوه عمّن يعشق إلى باريس، إذ يلتقي بجمع من المنفيين: محمود السجين الذي نُقل إلى
المستشفى في إثر تدهور صحته، فهرب وتخفّى أشهرًا قبل أن يتابع الهرب إلى باريس، وأبو زهير الذي
رفض الخدمة الإلزامية في «جيش وقف ضدّ الشعب»، وشاب من ريف حلب هرب لأن رجال الأمن
طلبوه رهينةً حتى يسلم شقيقه الأكبر نفسه. وهذا هو أخيرًا أحدهم يقول: «إن ظلّ الدكتاتورية قد كبر في
السنوات العشر الأخيرة، وامتد حتى شمل البلاد كلّها». يعاد الشاب (جمال الحلبي) إلى حلب بعدما تطاير شرر علاقته بالمعارضين في باريس. ويفرض أهله الحظر
عليه في مصح نفسي إلى أن ينتحر. وكان الشاب يكتب يومياته، وفي إحداها نقرأ: «كنت لا أصدق أن
والدي يستطيع أن يشكِّل الوزارة التي يريد، وأن يختار أعضاء البرلمان، وأن يبعد هذا الضابط من موقع
حساس ويضع آخر في موقع القوّة. كنت أبتسم ساخرًا من الذين يقولون لي: أنت ابن ملك، فوالدك هو
المالك الحقيق للبلد الذي نعيش فيه». ولا تخفى هنا «الحيلة» الروائية في بناء صيغة الدكتاتور - الأب. مع زهور كافكا جاءت رواية الراحلة رجاء طايع مانيفست الهذايانات]كذا[لتبذّ هجائية وليمة
لأعشاب البحر وسواها، بالفيض اللغوي المجازي والمباشر. ففي المنابر الدمشقية الثقافية لا ترى الراوية
غير زبد اللغويات التي تنثّ قيحًا، وزبد السيرانات الفكروية، إذ يتدافع مثقفو الأنظمة الاستبدادية
المهزومون. أمّا بقية الناس، فوجوههم قطيعية يتأكلّها «الاستنقاع القيمي»، وهم كانتونات النتانة تتناسل
قيحًا، يصابون في رمضان بالسعار الرمضاني وبفوضى الهرولة البطنية. وتخص الرواية الشباب بالقول
«يدبكون ويقفزون على إيقاع الخوازيق الوطنية». ولا ينجو الأطفال من لسان الراوية التي لم تتمنّ يومًا
طفل ا. أمّا دمشق الرواية، فهي المدينة المتآكلة التي تهزج بشعارات التغيير، ولعل في ذلك صدى لما كانت
عليه الأحوال إبان ما عُرف بربيع دمشق. ودمشق الرواية أيضًا هي الموطوءة في إهاب الذل، ومدينة اللعق
الجراثيمي لكل أسباب الفناء، المدينة الهشة، مدينة الانسفاح... أمّا الوطن، فهو معمعان التدجين المديني،
37 خليل النعيمي، تفريغ الكائن (القاهرة: دار شرقيات،.)1995
8 3 نيروز مالك، زهور كافكا (حلب، سوريا: معهد الإنماء الحضاري،.)2000
93 رجاء طايع، مانيفيست الهذايانات (دمشق: [المؤلف]،.)2001
ووطن الصمت البربري، ووطن على شفا الإفلاس، ووطن الإرهاب القبائلي والاستبداد القبائلي،
ومستنقع دعارة، ومسكون بالهول الإعدامي لفكرة ولشرعية الاختلاف، والذبيحة التي تتهيأ للسلخ،
وليس شأن العالم كله بأفضل. وتختم رجاء طايع الرواية بالهتاف «لا للأصولية في دمشق»، كما تتساءل
هل كانت الثقافة تستطيع أن توقف الطوفان، وتتساءل عن الجحيم الذي تحمله الأيام. وإذا كانت الراوية
تنضح بالحزن في هذا «الشرق العفوي! الاستبداد السوري الملطف»، وهي ترى أيضًا وأيضًا «العقل
الوطني الذي بدأ بالتململ!! التبرم من أوهام التغيير السلحفاتي!!»، لكن رجاء طايع رحلت من أسف
مبكرة، فلم تعش ما عاشته سورية منذ آذار/ مارس 2011، بينما يظل السؤال يدوّم في رواية مانيفست
الهذاياناتومنها، باعتبارها رواية سيرية، أو سيرة روائية: من أين لهذه المرأة كلّ هذا العنف والعطب
والتفجر الذي لا يوفر اللغة ولا الكتابة ولا الثقافة ولا الذات ولا الوطن ولا العالم؟ من الأصوات المميزة الجديدة التي اختارت استراتيجية اللاتعيين، جاء صوت منهل السراج في روايتها
الأولى كما ينبغي لنهر، حيث عوّمت الرواية المكان والزمان، غير أنها بثّت بعض الإشارات الوامضة
التي ترجح للقراءة أن تُعنيّ للرواية مدينة الكاتبة «حماة» فضاءً، وأن تُعنيّ في نهر الرواية نهر العاصي، وأن
تعنيّ سنة 8219 زمنًا مفصليًا، وهو زمن المجازر الشهيرة في حماة. كما يمد حضور الإنترنت في الرواية
بزمنها إلى التسعينيات، بينما تكفي أهزوجة (ديغول خربّْ دولتك - باريس مربط خيلنا) لتعيين الفضاء
السوري، وهي الأهزوجة المتوارثة في سورية منذ زمن مقاومة الاستعمار الفرنسي. تنهض الرواية على تقليب الشخصية المحورية «فطمة» في صندوق ذكرياتها، فتحيي حجر الحارة وبشرها
التي دمرها الصراع بين «أبي شامة» و«نذير الإسلامي»، إذ تذهب الإشارة إلى الصراع بين الإخوان
المسلمين والسلطة السورية على صدر حماة، وهو الصراع الذي بلغ ذروته في سنة 82.19 وجعلت
«فطمة» من المتصارعين وجهين لعملة واحدة، وذلك في حوارها مع «فارس» الذي يوحّد بينها وبين
المدينة، ليجعل منها رمزًا تنوشه الفجاجة، وكانت في غِنى عن ذلك، لأن الرواية رسمتها بصفتها شخصية
لا تُنسى، مثلها مثل أي من الشخصيات الروائية التي أبدعتها الروايات العربية الكبرى. من رجال أبي شامة والوشاة والانتقام واغتصاب الفتيات وخروج الرجال حاملين الرايات البيض،
وإعدامهم على جدُر البيوت والمقابر الجماعية، وجحافل المخطوفين والفتيات اللواتي أحرقن علم بلادهن
وبات نشيدهن الوطني «يللاّ برَّة أبو شامة...» من ذلك وأضعافه ممّا سكن الذاكرة السورية والشفاهية
السورية منذ سنة 82 19، تبنى رواية كما ينبغي لنهر. وبالمكنة الفنية يخرج اللاتعيين بالرواية من شبهة
التقية إلى الأفق الواقعي جدًا والخيالي جدًا. بالعودة إلى رواية نهاد سيريس الصمت والصخبالتي اختارت أيضًا استراتيجية اللاتعيين، يتألق إبداع آخر
في التعبير الروائي عن الدكتاتورية باعتبارها نظامًا للقمع السياسي. فالحدث الفيصل في الرواية هو يوم المسيرة
-يوم الصخب- احتفاالً بالذكرى العشرين لوصول الزعيم (من هو؟) إلى السلطة، بانقلاب عسكري. في اليوم المشهود -ولكل مدينة يومها المحدد- يخرج طلاب المدارس الثانوية ببدلات موحدة شبه
عسكرية -أليست هي ما عرف طوال عقود ببدلات الفتوة؟- ومن الطلاب من يتسللون من المسيرة
وبأيديهم صور الزعيم. وصادف فتحي شين متسلل ا ضبطه الرفاق وانهالوا عليه، فتدخّل فتحي-على
0 4 منهل السراج، كما ينبغي لنهر (الشارقة، الإمارات العربية المتحدة: دائرة الثقافة والإعلام،.)2003
غير العادة- لإغاثته، فاقتيد إلى مقر الأمن العسكري. وفي الطريق رأى «قطعانًا» من الشبان تثير الشّغب،
فانقضت عليها عناصر أمنية وفِرق الحزبيين المسلّحين. بالسخرية المريرة يحدّث فتحي شين عمّن سقطوا في المسيرة فداءً للزعيم، فالموت مستحسن اختناقًا أو
دهسًا تحت الأقدام في المناسبات الحزبية. وكما يهجو فتحي شين الجماهير التي تؤلّه الزعيم، يسرّد -بما يثقل
على الرواية- تنظير هيغل وأرسطو وحنا أرندت لتأليه الحاكم وتأهلّه. كان فتحي شين (الكاتب) قد استقال من عمله في التلفزيون ولجأ إلى الصمت، فقرّروا شطب هذا الكاتب
غير الوطني الذي يسيء بصمته إلى ملهم الأمّة وبوصلة الإنسانية. وفي ظلّ هذا النظام القمعي اللامعقول،
ليس عجبًا أن تتزوج والدة فتحي شين من المسؤول الأمني الكبير الذي ريخّ الكاتب بين العمل مع الأمن
والصمت المطبق، أي صمت القبر لا صمت السجن. على نهج روايتي منهل السراج ونهاد سيريس جاءت رواية غبار الطلعلعماد شيحا الذي بقي في السجن
تسعًا وعشرين سنة، خرج بعدها إلى الحياة والرواية، فرسم في غبار الطلعحيوات ومكابدات شبان
وشابات في منظمة يسارية تقاوم دولة استبدادية، لا تسمّيها الرواية. ويحضر «السجن» من الماضي الذي
دمّر الاستبدادُ فيه المنظمة، وكذلك من الحاضر. وفجرت كلّ ذلك عودة أدهم الجبيلي الذي كان على رأس
المنظمة، إلى البلاد، ومعه الشاعر جميل الذي سيُعتقل في إثر عودته، ويقضي في المعتقل، بينما توالي الرواية
كشف العطب الذي أصاب رفاق الأمس في الصميم، كما أصاب البلاد كلّها. ويكفي أن تُذكر هنا فريال
التي أمضت سنوات في السجن -كانت عضوًا في المنظمة- فتحوّلت بعدها إلى مخبرة، ترمي بشواظها
رفاقها، رعيل المنظمة البائدة، «باقي المهووسين والأغبياء الذين حسبوا أ م سيغيرون العالم بعصاهم
السحرية». وفريال لا تلوم من سرق أحلى سنوات عمرها في السجن، بل تراه دافع عن حقه في إزاحة
من هدده! مثلما أبدعت الرواية في تصوير هذه الشخصية المعقّدة، أبدعت أيضًا في تصوير شخصية ضابط الأمن
الكبير «فاتك» وشخصية ابنه الذي لا يرث وحشيته وجبروته فحسب، بل يتفوّق عليه. وهكذا، بينما
يتجدّد النظام القمعي، يبدو ذلك الجيل الذي تصدى للقمع في شبابه وقد غدا شائخًا وشائهًا، ويكاد
يأسه أن يكون مُطبقًا لولا التماعة تُرسلها «رحاب» في رفضها مغادرة البلاد مع أدهم، كما ترسلها «حنان»
بقولها: «حتى لو كنا مخدوعين أو مخادعين فتلك مرحلة ستنقضي وتؤسس لما بعدها». بخلاف روايات شيحا وسيريس والسرّاج، متُعن جلّ الروايات المعنية في مغامرة كتابة الراهن، أي المطابقة
أو المقاربة البالغة بين زمن الكتابة والقراءة والزمن الروائي. وقد يعود المقصود بالراهن خلفًا إلى لحظة أو
مفصل أو محطة من نصف القرن البعثي السوري، كما فعل فواز حداد في روايته مرسال الغرام. فمع
طموح هذه الرواية بالتأريخ للغناء والموسيقى خلال عقود أم كلثوم، توازي الطموح لأن تكون الرواية
جردة للعقود البعثية السورية ممّا تجسد خصوصًا في شخصية «م. ع.» القادم من ريف الساحل إلى العاصمة،
ولا تخفى الإشارة المضمرة هنا إلى أنَّه علوي، مثله مثل ابن أخيه «ل. ع.». وهما مع الدكتور «ج.» بؤرة
النظام القمعي، كما هو المحقّق الذي لا تسمّيه الرواية. وتوسّلت الرواية السخرية لهتك القمع البوليسي
41 عماد شيحة، غبار الطلع (الدار البيضاء: المركز الثقافيّالعربي،ّ.)2006
2 4 فواز حداد، مرسال الغرام (بيروت: رياض الريس،.)2004
وتعريته، وعلى نحو بلغ -غالبًا- أن يكون أهجية صارخة. وإذا كان ذلك لم يؤثِّر في بناء الشخصيات
المذكورة، فإنه أعلى من الخطابية في الرواية، كما أعلتها التأملات الطويلة التي يسوقها الراوي أو بطله
رشوم في الفن والحداثة والماركسية، لكأن طموح الرواية أن تتجاوز الفضاء السوري إلى العالم كله. بعد مرسال الغرامجاءت رواية فواز حداد مشهد عابر بما يخاطب سابقتها من اعتماد الفن مفتاحًا، وهو
هنا المسرح، كما كان في رواية حداد تياترو 49، بينما كان في مرسال الغرامالسيناريو والغناء والموسيقا،
سوى أن العالم الروائي الذي يفتحه المفتاح لن يكون الفن شاغله كما في تياترو 49 ومرسال الغرام، بل
سيكون المشهد السوري الراهن، عبر شخصية أحمد الذي منعه أبوه من الانتساب إلى منظمة شبيبة الثورة،
لأنها ترتبط بالحزب، وبحسب الأب: «الحزب كافر، والحزبيون جماعة من الملحدين (...) يبثون أعوانهم
في الحارات ليدبجوا التقارير بالمؤمنين الذين يؤمّون المساجد». وسيتابع السارد بما لا تنقصه السخرية، ما
يفوت الأب، ليبدو الحزب -بالطبع هو حزب البعث- رقيبًا على الدولة والمدارس والمواطنين. ومنح هذا
الامتياز إلى أبنائه من الشبيبة الناشطين، ليواصلوا الكفاح ضد الأعداء، ويكونوا بدورهم رقباء على الطلبة
والأساتذة. وكما رأينا يوم المسيرة- يوم الصخب في رواية الصمت والصخب، يأتي عيد الثورة في رواية
مشهد عابر مثل مسلسل شاق يمتد أسبوعًا قابل ا للزيادة، يشغله الخطباء والاستعراضات والعراضات
والبرامج الإذاعية والتلفزيونية والأغاني الوطنية. لأن بطلنا أحمد (السحنوك الضعيف) ليس ابن مناضل ولا عامل ولا فلاح، ولا ابن قرية، لم يرتح له
الحزبيون، وصنّفه عدوًا الاستخباريون الذين يبحثون عن غنيمة رجعية، عمل ا بالمبدأ التقدمي المعروف:
إن لم تكن مع الثورة فأنت ضدّها. لكن أحمد انطوائي لم يستفز (هم) بأي مظاهر إيمانية، ولم يلتزم بمبادئ
أي حزب أو منظمة. ومُنع من التوظيف إلى أن تمكن زميل له من أن يُعيّنه محررًا ثقافيًا، إذ كُلف بالكتابة
عن منجزات الثورة، فكتب عامّ أنجزته طبقة الطفيليين واللصوص التي تفردت بأهنّا بعدما أكلت أبناءها
الأوائل، ارتد عليها الوارثون وأكلوها، وأكلوا معها الدولة. ينازع أحمدَ على البطولة الروائية عزيزُ البروشي الذي وشى بابن خاله، فأُعدم ابن الخال، فأُنعم على الواشي
بمنصب قضائي رفيع في المحاكم الاستثنائية التابعة لأمن الدولة. وجرّ الإنعام نزاعًا بين الاستخبارات
المُنْعِمَة والحزب الذي يربط مثل هذه النعمة الكبرى بأن يكون البروشي حزبيًا. وعبر ذلك تجلو الرواية
التضخّم الاستخباري الذي ينتصر على الحزب، وحيث لم تعد تكفي الاستخبارات وظائف التنصت
والمراقبة والمداهمة والملاحقة والاستجواب والتعذيب وإغلاق ملفّات المتعاونين وفتح ملفّات المشبوهين
... بل أضافت إلى عملها قطاع المثقفين والمفكرين، وستؤسس مكتب أبحاث لدراسة أسباب تنامي نشاط
الجماعات الإسلامية المتطرّفة، ولدراسة انتشار الحجاب في المجتمع السوري بمختلف طبقاته... وهكذا
تقرأ الرواية انتهاء الحزب وترهّله، حتى ما عاد ينفع فيه إالّ التهميش، تمهيدًا لتجديده بآخر. عبر شخصية البروشي (قاضي القضايا المميتة) تُعرّي الرواية القضاء. وعبر شخصية فالح جادور تُعرّي
الهياكل الإدارية والأمنية والحزبية، وذلك بتحولّات هذا الذي أبلى في القضاء على العصابات المسلّحة
الأصولية، وأصيب في المواجهة، فأُحيل إلى إدارة مرفأ في مدينة ساحلية لا تسمّيها الرواية، ثمّ صار محافظًا،
بينما صار جادور ذلك الأخطبوط الذي تعنونه الرواية ب «الشبّيحة»، وهم من سيصيب شرّهم أحمد. وعبر
43 فواز حداد، مشهد عابر (بيروت: رياض الريس،.)2007
ذلك تلوّح الرواية وتصُرّح، كما في مواطن شتى، بما يحمّل الطائفة العلوية الوزر الأكبر، إن لم يكن الوحيد.
فالسارد يتبرع بترجمة شتائم الشبّيحة من العامية التي يفترض أنها علوية، وليست جهُوية، إلى الفصحى،
فيتعزز ما سبق إليه القول: «إذا كانت طائفة محظوظة، فهي مارقة، يظهرون عكس ما يبطنون. لا يدري
أحد بماذا يؤمنون، بالله أم بالنّار أم بالنجوم، إن لم يكن بالهواء». حضرت الطائفية بشكل موارب غالبًا في روايات أخرى، بفضل ما فشا منها في العقود السورية البعثية.
ففي رواية خالد خليفة مديح الكراهية يُذكر اغتيال الدكتور عبد الكريم الدالي (من الطائفة الأخرى) التي
لا تسمّيها الرواية، لكن الرجل كان أستاذًا معروفًا في جامعة حلب، من منبت علوي. وكما ذكرت الرواية،
تبرّأ طرفا الصراع من دمه، وهو من كان يصف سرايا الموت (سرايا الدفاع) والإخوان المسلمين بالفصيل
النازي، ويحث طلابه على رفض الطرفين، كما رفض حماية الاستخبارات له. وفي التحولّات الدراماتيكية
والمصيرية لشخصيات الرواية، يقوم العشق بين الضابط نذير المصمودي (من الطائفة الأخرى) والخالة
مروة التي انقلبت تحت وطأة الصراع، وعلى إيقاعه، من تحنيط الفراشات إلى كسر عمود أسرتها بالتدخين
والألفاظ النابية والعبث، وصوالً إلى عشق الضابط الذي قاد حملة تفتيش بيت الأسرة. وكان الزلزال
بزواج نذير ومروة. ونذير مثل أبيه الشيخ المرموق في طائفته، ضد الطائفية، ورفض طلب قائد سرايا
الدفاع المشاركة في قيادة مجزرة السجن الصحراوي (تدمر)، وتخىلّ عن رتبته، ليرسم ومروة علامة على
سبيل آخر لسورية، مفارق للسبيل الطائفية. لكن حضور الطائفية في رواية مديح الكراهية أو مشهد عابر أو حراس الهواء وسواها، لا يقارن بما جاء في
رواية سمر يزبك لها مرايا، ومن قبل في روايتها صلصال، وذلك عبر تعرية المؤسسة العسكرية والأمنية. في صلصال، وعبر شخصيتي الضابطين علي حسن وحيدر إبراهيم، ترسم الرواية المسار العسكري
الانقلابي الذي تتوّج في الستينيات في اختلاف الضابط في أثناء مؤتمر حزبهم الحاكم الذي لا تسميه
الرواية، وما عنت إالّ حزب البعث العربي الاشتراكي. كما لم تعن إالّ العلوية حين أشارت إلى طائفة علي
حسن التي كسب ولاءها وهو يمضي نحو مجده، مخلّفًا صديق العمر حيدر إبراهيم الذي غادر السفينة منذ
بداية المشوار العسكري إلى السلطة. في ما يُشبه لوحة العيش السوري خلال ما سبق ظهور الرواية من عقود، نقرأ «اندلعت حرائق وشقاقات
واغتيالات جماعية وتصفيات جسدية وحملات اعتقال وحصار مدن وقصف أحياء آهلة بالسكان». وبدا
أن النعرات الطائفية والمذهبية والعشائرية تستفيق من سُباتها، وبالنظر إلى الطائفية، يتبنيّ انتماء حيدر
إبراهيم العلوي أيضًا. ولا تبعد من ذلك لعبة التقمّص في الرواية، ولا المتناصات الطويلة من مظانّ
علوية، التي أثقلت على الرواية مثلما كان للمعلومات التاريخية. أمّا رواية لها مرايا، فتابعت ما في صلصالمن لعبة المرايا ولعبة التقمّص، ومن وطأة التأريخ الذي تعلّق
بالعلوية. فالجد الشيخ علي الصاوي يتساءل: «لماذا لم يُكتب عنا؟ ولماذا بعد مرور زمن طويل على موتنا
المتلاحق بقينا صامتين؟ هل تجرّأ أي كان على ذكر وتدوين ما حدث لنا؟». وإذا كانت أوراق الجد ستبهظ
الرواية بما فيها من شروح (فلسفة) العلويين، بدت الطائفة في منظوره جماعة صوفية «الحقيقي منا لا يحلم
44 سمر يزبك، صلصال (بيروت: دار الكنوز الأدبيّة،.)2005
بسلطة»، و«الحقيقي منا منذور للفكر والعقل والعدل»، والجد ينهي حفيدته ليلى الممثِّلة عن لوم «جماعتنا»
بعدما اتهموا بالزندقة، «إذ حُرِّف تاريخهم وظُلموا، وهم الآن يظلمون أنفسهم». ترهن الجملة الثانية (وهم الآن يظلمون أنفسهم) الرواية. فضابط الأمن الكبير سعيد ناصر يخاطب
السجين السياسي علي الصاوي، شقيق ليلى: «أنظر إلى حالنا أين كنا وكيف صرنا»، فيردّ علي على هذا
الذي يدغدغ منبته الطائفية: «أنتم تعرفون أنكم لا تحموننا بل تحتمون بنا». لكن الأهمّ هو ما تجلو من
الطائفية علاقة سعيد ناصر بالرئيس الراحل، منذ كان الرئيس وزيرًا للدفاع، إذ كان سعيد مقرّبًا للوزير
على الرغم ممّا يربطه بالمنافسين الذين اشتهروا بجماعة صلاح جديد. ولئن وضع سعيد ناصر بعد الحركة
التصحيحية في سنة 0197 في الإقامة الجبرية، صار من أخلص رجال الرئيس. وبمنظار سعيد ناصر
الطائفية، ترسم الرواية صورة الرئيس، فالله «عوّض جماعته بهذا الرجل الذي أعاد لها جوهرها». أمّا ليلى،
فستحكي حكاياتها وهي تتقمّص من جيل إلى جيل، لتكون نهزة الرواية في سرد تاريخ المذابح والتهجير
الذي ذاقه العلويون على عهد السلطان سليم الأول، ففروا من المدينة البيضاء (حلب) إلى الجبال، وتحوّلوا
من جماعات علم ودين إلى جماعات هائمة، وأُحرقت كتبهم وأسفارهم، ومخطوطات تاريخهم أُتلفت،
وتعلموا السرية، ولم يبق لهم إالّ حكايات موغلة في القدم. ووصلت الرواية ذلك الماضي البعيد بالماضي
القريب في طفولة الأخوين ليلى وسعيد، وفي وفاة الرئيس حافظ الأسد سنة 2000. لكن، وبعد كل ما
تقدّم، ممّا لا جدوى معه للتقيّة، لماذا لم تسمّ الرواية الطائفة التي تعنيها؟ لا يزال سليم بركات ينفرد بالكتابة الروائية بالعربية عن «الكردية السورية». ومن النزر لغيره نذكر رواية
أحمد عمر خلاف المقصود التي تقدّم هجائية فنية للزمن البعثي السوري، ولا تنجو الكردية نفسها
من الهجاء عبر السخرية. ومن ذلك تحوير الشعارات، إذ صار الشعار البعثي الشهير «أمّة عربية واحدة
ذات رسالة خالدة»: «أمّة عربية واحدة ذات مواضيع إنشاء خالدة». كما صار شعار «الدين لله والوطن
للجميع»: «الدين لله والخوف للجميع»، وكذلك «الدين لله والفقر للجميع». وفي رواية قلاع ضامرة
لعبد الرحمن حلاق، يسأل الطالب الكردي أستاذه: «أستاذ لماذا لا يكون تعلّمنا باللغة الكردية؟ أنت
قلت إن التعبير هو الحصيلة النهائية للتحصيل الدراسي. كيف سنستطيع التحصيل بلغة لم نستطع تعلّمها
جيدًا؟ علمونا بلغتنا، ولتكن اللغة العربية مادةً أساسية». في هذه الرواية يظهر أيضًا حزب البعث باعتباره هدفًا أثيرًا. والرواية تعود إلى الصراع بين الإخوان
المسلمين والسلطة من خلال شخصياتها من الشباب في جامعة حلب، وأولها جمال الذي يعمل أيضًا
معلامً في قرية كردية. وصوّرت الرواية برهافة نفسية الجندي الذي يرابط أمام باب الكلية الرئيس، وهو
يُمسّد رقبته التي أرهقها الالتفات يمينًا ويسارًا، فحسناوات الجامعة كثيرات، والجندي الشاب يخشى أن
تفلت إحداهن من نظره، كما ترتسم عليه علائم الدهشة، وتبرق عيناه ببريق الشهوة. ويحدّث الراوي أنه
حيّا الجندي فبالغ في الرّد «كأنما يدعوني لحديث أو لصداقة، لكني خذلته ومشيت، فوجوده في هذا المكان
وبهذه الملابس وهذا السلاح، يشكِّل حالة شاذة لم أستطع يومًا تقبّلها، ولم أجرؤ يومًا على رفضها في العلن.
قلت في سري: كنت سأبجلك كثيرًا أيها الجندي لو أنك في الجولان».
45 أحمد عمر، خلاف المقصود (بيروت: دار هيرو،.)2008
46 عبد الرحمن حلاق، قلاع ضامرة (اللاذقية، سوريا: دار الحوار،.)2007
يرفض جمال الانتساب إلى حزب البعث، فوالده وأهله ناصريون. وإذا كان في الحزب المعارض من يرى
المرأة سببًا لتثبيط الهمم وللاختراق الأمني، فجمال يرى أن كلّ من يسعى إلى نيل العضوية العاملة «في هذه
المرحلة أو كان قد حصل عليها منذ فترة قريبة» هو مخبر، على الرغم من أن تعميامً حزبيًا قد أمر بمعاقبة
أصحاب التقارير الأمنية الكاذبة أو المغرضة، إذ لا يعقل أن يكون الناس جميعًا مشبوهين بعد سنتين من
انتهاء الصراع. ولا تغيب حماة 8219 عن الرواية، فحين يقتل ابن المختار المخبر الشابة ملكة تقول زميلتها
أسينة: «إن كانت ملكة قد قُتلتْ، فقد قُتلتْ في مدينة النواعير ملكات كثيرات، وَيُتِّمَتْ ملكات كثيرات،
وَرُمّلتْ ملكات كثيرات. لكن النواعير لا تزال تدور وتستخرج سر الحياة من النهر العاصي، وتهب الحياة
لمن سيعيد بناء المدينة، ويرمم جراحاتها». من الروايات التي بكّرت بالكتابة عن تلك الأيام الحلبية الدامية رواية خليل الرز سمك إيرلندي،
عبر شخصية الشاعر قدري هلال الذي يسخر من جمهوره الثوري. واعتقل لأنه تكتَّم على من جالسوه
من المعارضين، فسخّر تقنيات اليأس لتحويل السجن إلى مقام لا يختلف عن غيره. وعندما خرج من
السجن ألفى «حلب» أخرى من الحرائق والدخان والشوارع الفارغة والدوريات، لكنه سيقيم الأمسيات
الشعرية في الظرف الأمني المعقّد باعتبارها تدريبات مُسلّية على العصيان، وطريقة مأمونة لاحترام الذات.
ويبدو أن تلك الأيام الحلبية والأيام الحموية ستظل معينًا للرواية في سورية. فهذا منذر بدر حلوم يغرف
من المعين في روايته سقط الأزرق من السماء، وعلى نحوٍ يبدع في التماهي بين الأوتوبيوغرافي والسيرة
السورية الجارحة والعارية، بما تجلوه الرواية من العسف الذي يُشوّه تكوين الشخصيات، من الفنان
التشكيلي درويش إلى المثلي العاطل من العمل إبراهيم الذي يتطوّع في الاستخبارات وينخرط في جماعة
التهريب، إلى علَم الفساد الذي عرف بالأستاذ، إلى البعثيين عزيز وبسام اللذين يتبادلان التآمر ويتباريان
في الفساد، كما يغتصبان نجوى الضاربة في فضاء رابطة العمل الشيوعي. تكتفي الرواية بنعت الإخوان المسلمين بالمسلّحين. واضطرم الفجائعي فيها في زمن الصراع العتيد
خصوصًا، أكان بما صورت من حيوات الشخصيات التي ذكرنا أم بتصوير عشرات الشخصيات-
النكرات، أو الشخصيات الثانوية والعابرة. وسوف يمعن الكاتب في هذا النهج في روايته كأن شيئًا لا
يحدث، كأنما يشغّل استراتيجية التشذير، واستراتيجية الخبر، لتصير الرواية مجمعًا للنوادر، والنادرة
ضربة ريشة كما كتب غازي أبو عقل على غلاف هذه الرواية. إنها بالأحرى مئات الحكايات المرقّمة
التي توقّع لها الساردة كاترينا خصوصًا، والتي لا تنتهي، لأن شهرزاد أسلمت لسانها إلى الكاتب.
وللتمثيل، هذه هي الشذرة رقم 243 التي تتحدَّث عن عسكريي قرية عين الغار التي يتكرّر ظهورها
في روايات الكاتب. فأولاء الفقراء ينتشرون في «القابون وبرزة واليرموك والزاهرة والحجر الأسود
ونهر عيشة وال 86 والسومرية وركن الدين والعائدين والوافدين». ولعلّ السؤال هنا يصح عامّ إن
كانت الرواية تعني بذلك جغرافية الزلزال السوري في الأحياء الدمشقية في سنة (2012)، أي بعد
صدور الرواية بأشهر؟
47 خليل الرز، سمك إيرلندي (دمشق: دار التكوين،.)2004
8 4 منذر بدر حلوم، سقط الأزرق من السماء (بيروت: الكوكب؛ رياض الريس،.)2009
49 منذر بدر حلوم، كأنّ شيئا لا يحدث (بيروت: الدار العربيّة للعلوم ناشرون،.)2011
على إيقاع الزلزال إذًا صدرت رواية كأن شيئًا لا يحدث، ومثلها روايتا روزا ياسين حسن بروفا وغالية
قباني أسرار وأكاذيب. أمّا الرواية الأولى، فترسل خطابها عبر لعبة الهوامش وعمل الراوي الذي يؤدِّي
الخدمة الإلزامية في الأمن العسكري، بصفته متنصّتًا على الاتصالات. وعبر ذلك تتواتر الحكايات: صبا
عبد الرحمن (ابنة العميد) وزوجها الذي أدمن الشراب بعدما تقرّر إبعاده عن الحزب (البعث بالطبع)،
وأيهم الصارم الذي طُرد من المعهد العالي للموسيقا في أوائل الثمانينيات بحجة عدم انتسابه إلى الحزب...
وسوى ذلك كثير يتفاعل مع الهوامش التي تخص الساردة-الكاتبة، وتعتزم تنفيذ ما بها في كتابة أخرى
للرواية، كما في الهامش 03 الذي يحدِّد أن المهم بالنسبة إليها أن تقوم بنظرة بانورامية للمشهد السياسي
السوري في الثمانينيات، وأن تبرر مقتل الشيوعي السالمي المعارض آنذاك، بأن تترك الأمر مفتوحًا، بحيث
لا يبدو إن كان القاتل أصوليًا أم من السلطة. تضاعف الكاتبة في هذه الرواية ما أنجزت من قبل. وإذ يتجدّد منجز الكاتبة الفني ويتطوّر من رواية إلى
رواية، مضت كلّ رواية أعمق فأعمق، وأجرأ فأجرأ، في الجراحة الدقيقة في الجسد المريض والمنهك: جسد
المجتمع السوري الذي فتكت به أدواء الدكتاتورية والقمع. وهذا الذي توافر لتجربة روزا ياسين حسن،
تحقّقه بنسب متفاوته المدوّنة الروائية الجديدة في تعبيرها عن القمع السياسي، كما نرى أخيرًا في رواية غالية
قباني أسرار وأكاذيبالتي جعلت من «الكذب» لعبة الرواية، فضل ا عن لعبة الاعتراف أو البوح أمام
الكاميرا. وعبر ذلك تصل الرواية تعرية المؤسسة الحزبية (البعثية) بالمؤسستين العسكرية والأمنية، من
خلال سيرة الراوية انتصار ووالدها اللواء الذي قضى بحادث يلتبس باستشهاده عقب حرب 9731،
وكذلك عبر سيرة الأم الحزبية التي تزوّجت بعد ترمّلها من الضابط الأمني الكبير. وبقدر ما تتكاثر
الشخصيات، خصوصًا المجسّد منها لأدواء زمن الدكتاتورية، تقوم «لغة أمنية» جديدة، وبها يظهر من
«هبش هبشة منيحة»، ويظهر من تأخذه والدة انتصار (على كفالتها)، أي إهنّا تؤكِّد أنه لم ينتسب إلى الحزب
الحاكم - لا تسميه الرواية، وما عنت إالّ حزب البعث - لأنه خجول وانعزالي... إلى آخر ما تحقّق خلال
العقود الأمنية الزاهرة من لغة أمنية لها مفرداتها وتراكيبها وبلاغتها.
خاتمة
يلحّ عليّ في خاتمة البحث أالّ أفوّت أيضًا القوقعة لمصطفى خليفة، خصوصًا لأن سؤال تجنيسها يبدو
لائبًا على جواب. ذلك أن الكاتب و/أو الناشر لم يسجلا على الغلاف جنسًا لهذا الكتاب، على الرغم من
أن العنوان الفرعي «يوميات متلصص» يشي بالسيرية. يبدو لي أن بناء الكتاب السردي يرجّح الانتساب إلى الرواية، مهما يكن فيه من السيرية. ومهما يكن من أمر،
فقد بدا في ثلاث عشرة مجموعة قصصية وثمان وثلاثين رواية، بقوّة وجلاء كيف تشتبك مفردات القمع
السياسي، من التحقيق والتعذيب والعيش في السجن، إلى التخفّي والتنكر والمراقبة والملاحقة، إلى الفضاء
الأكبر الذي يفرخ كلّ ذلك، وكل ما يتصل بالقمع، وأعني فضاء الدكتاتورية. ففي قصص شتى لعبد الله
0 5 روزا ياسين حسن، بروفا (بيروت: الكوكب؛ رياض الريس،.)2011
51 غالية قباني، أسرار وأكاذيب (بيروت: رياض الريس،.)2010
2 5 مصطفى خليفة، القوقعة: يوميات متلصص (بيروت: دار الآداب،.)2008
عبد وزكريا ووليد إخلاصي وعبد السلام العجيلي وسواهم من الرعيل الأول، كما في قصص إبراهيم
صاموئيل ومحمد إبراهيم الحاج صالح وإياس محسن حسن وسواهم من اللاحقين، احتشدت مفردات
القمع السياسي، مثلما احتشدت في روايات مختلف الأجيال، منذ البداية لدى فارس زرزور وكاتب هذه
الأسطر. ورأينا كيف قوي حضور واحدة من تلك المفردات، «التحقيق»، مقرونة بالتعذيب، وذلك
في روايات خيري الذهبي وإبراهيم العلوش وماجد رشيد عويد وابتسام تريسي وروزا ياسين حسين.
ثمّ مضينا إلى الروايات التي قوي فيها حضور السجن السياسي، من دون أن يعني ذلك غياب التحقيق
والتعذيب كليًا، وعن أكثرها. وهنا تبنيّ أن بعض الروايات عاد إلى زمن الوحدة السورية- المصرية
والجمهورية العربية المتحدة (8 591 – 9611)، كما في روايات فارس زرزور وع. آل شلبي. وإذا كان
الانتظار سيطول حتى نهاية القرن العشرين قبل أن تتواتر الروايات، كان للمرأة حضورها الكبير والمؤثِّر
في هذه الفورة الروائية، أبصفتها ضحية للدكتاتورية أم مقاومة لها، أم كاتبة، إذ تميزت روايات الأصوات
الجديدة: منهل السراج وروزا ياسين حسن وسمر يزبك وغالية قباني وابتسام تريسي. ولعلّ تميز هذه
الروايات تركّز في النزوع التجريبي تحت شملة الحداثة الروائية. وهذا ما برز أيضًا في روايات خالد خليفة
ومنذر بدر حلوم وماجد رشيد عويد وعماد شيحا من الأصوات الجديدة، وفي روايات سابقيهم: حيدر
حيدر وفواز حداد وخيري الذهبي وخليل النعيمي. عبر هذه المدوّنة الزاخرة والمتنوّعة تلامحت السيرية في قصص إبراهيم صاموئيل، وفي روايات عماد شيحا
وحسيبة عبد الرحمن ورجاء طايع ومنذر بدر حلوم. كما اتّقد الميسم الكلاسيكي في روايات فواز حداد
وحسن صقر وخيري الذهبي. أمّا استراتيجية اللاتعيين، فانفرد بها نهاد سيريس، كما انفردت روزا ياسين
حسن في نيغاتيفبالوثائقية. الأمر كذلك، يمكن الذهاب إلى أن التعبير الروائي عن القمع السياسي في سورية لم يفوّت أي تفصيل
من تفصيلات هذا القمع، من السجن إلى التشبيح إلى الفساد إلى الأكراد إلى المؤسسة الأمنية إلى الصراع
المسلّح إلى الطائفية... ولئن كان تبويب هذا البحث قد جاء بعنوانين كبيرين، فالتعبير الروائي عن السجن
السياسي مشترك غالبًا مع التعبير الروائي عن الدكتاتورية. وسواء أكان التبويب وافيًا ودقيقًا أم لا، المهم
أنه بجماع ذلك أوالً وأخيرًا، لم يقدم التعبير الروائي السوري عن القمع أكثر من إشارات نادرة ومتجلجلة
للزلزال الذي يزلزل سورية منذ آذار/ مارس 2011. لكن ألم تكن المدونة العتيدة، منذ «الرياض
السندسية» إلى آخر ما تناول هذا البحث - بمنجزها الجمالي وجراءتها المسنونة- إرهاصًا فنيًا بالزلزال؟