كمال الصليبي في تأريخه للبنان الحديث ولصورة الأمير المعني من لبنان – الملجأ إلى لبنان – المأزق
Kamal Salibi’s Historiography of Modern Lebanon and the Image of the Emir of Maan
الملخّص
عند التطرق إلى مساهمة كمال الصليبي بمباحثه في حقل تاريخ لبنان الحديث والمعاصر، تستوقفني كقارئ وباحث في هذا التاريخ مسألتان رئيسيتان عالجهما كمال الصليبي في جملة من كتبه ومقالاته التي تناول فيها التاريخ اللبناني على امتداد سنوات:المسألة الأولى هي مسألة الإمارة اللبنانية، إذ يتبيّن إشكالها عندما يُطرح السؤال التالي وهو سؤال إشكالي بامتياز: هل لهذه الإمارة ميزة أو ميزات تجعلها ذات خصوصيات، تبرر القول بأنها كانت الصيغة التاريخية أو النواة التاريخية المؤسِّسة أو الممهِّدة للدولة اللبنانية الحديثة؟ وأن البطل المؤسس هو فخر الدين المعني؟ لكمال الصليبي رأي توصَّل إليه عبر بحث إمبيريقي تجريبي في المصادر، مفاده أنه لا يرى أساسًا لهذه الخصوصية. فكيف توصَّل إلى هذا الموقف؟
Abstract
When dealing with Kamal Salibi’s research contribution to the field of the modern and contemporary history of Lebanon, I am struck as a reader and researcher in this field, by two main issues that he dealt with in all his books and articles on Lebanese history over the years. The first issue concerns the Lebanese emirate, whose problem is apparent when the following question, an exceptionally problematic question, is posed: Did this emirate have any special feature or features to give it enough specificity to justify saying that it was the historical form or the historical nucleus that founded or paved the way for the modern Lebanese state? And that the founding hero was Fakhreddin al-Maani? Kamal Salibi reached his view via empirical research in the sources, namely that he does not see any basis for this specificity.
- لبنان الحديث
- إمبريقي
- الدولة
- كمال الصليبي
- Modern Lebanon
- State
- Empiricism
- Kamal Salibi
كمال الصليبي في تأريخه للبنان الحديث
من لبنان – الملجأ إلى لبنان – المأزق **
عند التطرق إلى مساهمة كمال الصليبي بمباحثه في حقل تاريخ لبنان الحديث والمعاصر، تستوقفني كقارئ وباحث في هذا التاريخ مسألتان رئيسيتان عالجهما كمال الصليبي في جملة من كتبه ومقالاته التي تناول فيها التاريخ اللبناني على امتداد سنوات: المسألة الأولى هي مسألة الإمارة اللبنانية، إذ يتبينّ إشكالها عندما يُطرح السؤال التالي (وهو سؤال إشكالي بامتياز): هل لهذه الإمارة ميزة أو ميزات تجعلها ذات خصوصيات، تبرر القول بأنها كانت الصيغة التاريخية (أو النواة التاريخية) المؤسِّسة أو الممهِّدة للدولة اللبنانية الحديثة؟ وأن البطل المؤسس هو فخر الدين المعني؟ لكمال الصليبي رأي توصَّل إليه عبر بحث إمبيريقي (تجريبي) في المصادر، مفاده أنه لا يرى أساسًا لهذه الخصوصية. فكيف توصَّل إلى هذا الموقف؟ المسألة الثانية هي مسألة تصوّر الماضي في حاضر لبنان. السؤال الإشكالي هنا هو كيف يتصوّر اللبنانيون ماضيهم؟ وهل يصلح هذا التصوّر، وهو غالبًا تصور طوائف لماضيها، أساسًا لبناء لبنان جديد؟ يحاول هذا الجزء من الورقة أن يقرأ باختصار شديد معالم المنهج في تناول كمال الصليبي لهاتين المسألتين. وقد اخترتهما – بقصد – لتبيان محطتين (أو حيّزين) في مسار البحث التاريخي المتعلق بلبنان الحديث لدى كمال الصليبي: محطة تجريبية إمبيريقية أوصلته إلى الرأي القائل بأن الإمارة ليست إالّ نظام التزام، ومحطة توليفية أوصلته إلى نحو من المفهومية في فهم الماضي وعلاقة هذا الماضي بالحاضر، حيث يحاول كمال الصليبي أن يحرر هذا الماضي من شوائب السياسة في ذاكرات الطوائف اللبنانية (بتعبير الصليبي، نسيج العناكب في منازل اللبنانيين).
بالنسبة إلى الحيّز الأول – التجريبي
في حوار أجرته مجلة الفكر العربيمع كمال الصليبي سنة 9801 حول كتابته في تاريخ لبنان الحديث، يقول في موضوع تأريخه للإمارة ما يلي: «كنت في السابق أتكلم عن ‹الإمارة اللبنانية› وأتبع غيري في الاعتقاد بأن هذه الإمارة ظهرت وتوطّدت أركانها للمرة الأولى في عهد فخر الدين بن معن. فلما توسّعت معلوماتي عن طريق البحث والممارسة للمنهج التاريخي العلمي، تبينّ لي بما لا يقبل الشك أن ما كنت أعتبره في البداية ‹إمارة لبنانية› حسب التقليد المألوف – لم يكن في أساسه إالّالتزامًا سنويًا قابالً للتجديد لجباية الضرائب للدولة العثمانية في بعض المناطق». ما يجدر تأكيده في معرض التعليق على نص كمال الصليبي المقتبس من محاورته سنة 9801، ومن مقالته - المحاضرة المعنونة «فخر الدين والفكرة اللبنانية» المعطيات التالية: - إن كمال الصليبي يعتمد بصورة أساسية على المصادر الوثائقية وعلى نقدها، وعلى مقارنتها بمصادر أخرى، ليستنتج «حقائق» تدحض ما هو سائد من «أخبار» في كتب من التاريخ يجري اعتمادها كمصادر أولى رائجة، ككتاب طنوس الشدياق أخبار الأعيان في جبل لبنان، وكتاب عيسى اسكندر المعلوف تاريخ الأمير فخر الدين المعني الثاني، وهو في اعتماده على العمل الوثائقي المباشر (النقد والنقد الداخلي)، قلمّا يعتمد على المفاهيم والأطر النظرية العامة المستمدة من علوم اجتماعية وإنسانية. - يدحض مثالً قصة آل معن وقدومهم إلى الشوف كما يرويها الشدياق: «ليس هناك في التواريخ ما يثبت هذه القصة. بل هناك في القصة ذاتها أخطاء تاريخية واضحة، ممّا يشير إلى أنها محاولة متأخرة لفهم أصل الإمارة المعنية في الشوف». (مصادره في نقد رواية الشدياق: صالح بن يحيى، البحتري التنوخي في النصف الأول من القرن الخامس عشر وابن سباط الفقيه في الربع الأول من القرن السادس عشر، حيث لا إشارة إلى هذه القصة). - يدحض قصة لجوء فخر الدين وشقيقه الأصغر يونس بعد وفاة والدهما قرقماز إلى كسروان حيث تربيا في كنف آل الخازن. يقول: «ليس هناك ذكر لهذه القصة في ‹تاريخ الأمير فخر الدين المعني› للخالدي الصفدي الذي عاصر فخر الدينوعمل في خدمته، ولا في تاريخ المحبي الدمشقي المتوفى عام 1699 ». كذلك لا ذكر لقصة لجوء فخر الدين وشقيقه إلى كسروان عند آل الخازن، لا في تاريخ الدويهي تاريخ الأزمنة، بيروت 9512841 ص – 852، وكذلك لا ذكر لهذه القصة في كتاب الأمير حيدر الشهابي المتوفي في عام 835 1 (الغرر الحسان في تاريخ حوادث الزمان، القاهرة، ص 9006191).
يقول كمال الصليبي: «لعل أول من روى قصة لجوء الأميرين فخر الدين ويونس إلى كسروان هو الشيخ شيبان الخازن المتوفى عام 850.1 وقد انتقد هذا المؤرخ البطريرك الدويهي لأنه لم يذكر ماذا حدث للأخوين المعنيين في السنوات الست التي تلت وفاة والدهما». يرى الصليبي أن الشدياق تبنّى هذه القصة وأضاف إليها اسم الحاج كيوان الماروني الذي خبأ الولدين في بلّونه، وهذه القصة يستعيدها أيضًا عيسى اسكندر المعلوف المتوفى سنة 956.1 وفي رواية المعلوف بعض الإضافات إلى القصة، أهمها اجتهاده في تعريف الحاج كيوان. يخلص الصليبي إلى القول: «هكذا تروي تواريخنا التقليدية قصة لجوء فخر الدين وأخيه يونس إلى كسروان وتربيتهما في كنف آل الخازن. وأقل ما يقال عن صحة هذه القصة أنها غير ثابتة. والمرجح أنها محاولة متأخرة يرجع تاريخها إلى أبعد من أواخر القرن الثامن عشر لتفسير أساس العلاقة بين الأمير فخر الدين وآل الخازن وعطف الأمير على الموارنة بشكل عام». أمّا في ما يتعلق بحكم فخر الدين للبلاد، «أي سلطته»، فلا يراه ذا طبيعة واحدة. يسأل: ما هي السيطرة التي كانت لفخر الدين على مختلف المناطق التي دخلت تحت حكمه، وهل كانت هذه السيطرة من نوع واحد في جميع هذه المناطق؟ ويجيب: «كان فخر الدين من الناحية الرسمية، ملتزمًا لجباية الضرائب لا غير في جميع المناطق التي سيطر عليها. إالّ أن مكانته الحقيقية في المناطق الدرزية وكسروان كانت تختلف كثيرًا عنها في المناطق الأخرى. ففي الشوف كان لفخر الدين حكم تقليدي موروث مستقل تمام الاستقلال عن الالتزام الرسمي المرتبط بالدولة. وفي المناطق الدرزية الأخرى حيث لم يكن للمعنيين حكم موروث كان لفخر الدين – بالإضافة إلى الالتزام زعامة شخصية معترف بها على الدروز القيسية، وهي كذلك زعامة من النوع التقليدي المحلي الخارج عن سلطة الدولة. وكان لفخر الدين في كسروان تبعية تلقائية بين الموارنة، ممّا جعل له في هذه المنطقة أيضًا مكانة خاصة مستقلة عن الدولة (...)»، ويضيف: «أمّا خارج المناطق الدرزية والمارونية، فكانت سيطرة فخر الدين مجرد التزام من الدولة تدعمه قوة الأمير العسكرية». على أن هذا التوصيف للواقع من خلال القراءة الدقيقة والمقارنة للمصادر، لا يمنع كمال الصليبي من إعادة الاعتبار إلى الفكرة (فكرة فخر الدين)، ولكن كأسطورة Mythe() لها دورها في أسطرة التكوّن التاريخي للبنان الحديث، «بدأت هذه الأسطورة صغيرة ثم نمت مع نمو لبنان حتى أصبح فخر الدين في نظر اللبنانيين اليوم رائد الاستقلال اللبناني ورمز الوحدة الوطنية». لكن ما يسكت عنه هذا الاستنتاج الذي يتوصل إليه كمال الصليبي في مقالته «فخر الدين والفكرة اللبنانية» (9701)، هو أن هذه الأسطورة لا يجمع حولها اللبنانيون كصورة وطنية جامعة، أو كتاريخ وطني جامع. وهذا ما يقودنا إلى البحث في المسألة الثانية التي أشرنا إليها، كيف يتصوّر اللبنانيون ماضيهم؟
كيف يتصور اللبنانيون ماضيهم؟
هذا ما يحاول كمال الصليبي أن يجيب عنه في كتابه بيت بمنازل كثيرة: الكيان اللبناني بين التصوّر والواقع. يستعيد كمال الصليبي صورًا من تواريخ الطوائف اللبنانية، تتناول أصولها ومواقع سكنها وأدوارها وصراعاتها السياسية، ونبذًا مختصرة عن خصائصها المذهبية والعقيدية. وهو في تناوله لهذه الصور يقدّم لوحة توليفية تختزل ما كان قد بحث فيه ووسّعه في كتاباته السابقة المتخصصة، أي منطلق تاريخ لبنان الذي ركّز فيه على معطيات التاريخ الوسيط (الإسلامي)، وتاريخ لبنان الحديث، ومقالات أخرى متخصصة بنقد المؤرخين الموارنة. ولعل أهم ما في هذا الكتاب، بالنسبة إلى سياق ما نقدّمه استكماالً لهذا المبحث، الفصول التالية: - الإمارة المتصوّرة، حيث يستعيد نقده للتصور المسيحي الماروني للإمارة، فيميز بين التصوّر الأسطوري الأيديولوجي، ومعطيات الواقع التاريخي. - الوطن الملجأ، حيث يمارس نقدًا لنظرية الأب لامنس التي تقول بالجبل – الملجأ. - لبنان العثماني: ما خصوصيته؟ حيث يرى أن لا خصوصية مميزة له من بقية المناطق العربية. - انبعاث فينيقيا، النظرية التي برزت أيضًا لدى بعض المؤرخين الموارنة في مرحلة الانتداب والاستقلال وتقول بالأصولية الفينيقية للبنان – فيتناولها كمال الصليبي بالنقد لأنها تقطع مع المرحلة الإسلامية قطعًا مفتعالً وغير تاريخي. - التجربة والخطأ، حيث يبرز دور نخب مسيحية وإسلامية – سنية معتدلة اقتربت بعضها من بعض لتنشئ ما سيسمّى «الميثاق الوطني» الذي ما لبثت تجربته أن وقعت في أخطاء التطرف والشطط جرّاء اختراق الطائفيات والعشائريات والمحسوبيات، فكان الخلل والتفاوت في التطور الاقتصادي والاجتماعي الذي أوصل إلى سنة 975.1 ويختم كمال الصليبي كتابه بفصلين ختاميين: الحرب على تاريخ لبنان و البيت والمنازل الكثيرة. في هذين الفصلين يقدّم كمال الصليبي رؤيةً لكيفية النظر إلى تاريخ لبنان. ويتلخص هذا المنظور بالنقاط التالية: - لا يمكن لطائفة أن تفرض نظرتها إلى تاريخ لبنان على الطوائف الأخرى. وتستعرض هذه النقطة ثلاث تجارب طائفية فشلت في كتابة تاريخ مدرسي: تجربة إسلامية سنية قام بها أستاذان من كلية المقاصد هما زكي النقاش وعمر فروخ سنة 935 1؛ إذ ألّفا معًا كتابًا بعنوان تاريخ سورية ولبنان، جرت فيه تعرية لبنان من كل تاريخية خاصة به خارج الإطار العربي – السوري. - تجربة مسيحية قام بها أستاذان هما أسد رستم وفؤاد أفرام البستاني سنة 937 1، فنشرا كتاب موجزتاريخ لبنان، وهو «مؤلَّف بالغ بالتشديد على الطابع الخاص للبنان، حتى أنه لم يكن هنالك مسلم واحد مستعد للقبول به»، كما يقول كمال الصليبي.
- تجربة درزية متأخرة جرت في غضون الحرب الأهلية في لبنان (في الثمانينيات من القرن الماضي)، حيث اعتُمد «في مدارس الشوف السرد الدرزي الجديد لتاريخ لبنان، وحيث أجريت تعديلات في منهاج الدراسة تتفق مع الروحية السياسية للجماعة الدرزية»، وكان ذلك في إثر تحطيم تمثال الأمير فخر الدين المعني في بعقلين سنة 9831، كردّة فعل على «التمجيد المسيحي» لهذا الأخير. ويخلص كمال الصليبي إلى القول إنه لا بد من حملة تنظيف عامة في بيوت العناكب المنسوجة داخل البنى الطائفية والمذهبية المختلفة في البلاد لإزالة جميع الأحكام المسبقة والأحكام المسبقة المضادة المتعلقة بماضي لبنان وماضي العرب. ويقصد بالتنظيف هنا، نقد النظريات المختلفة التي قدّمتها الطوائف اللبنانية، أكان من وجهة نظر القومية العربية الدمجية أم من وجهة نظر القومية اللبنانية التي تسعى إلى البحث عن الخصوصية، أكان البحث في الفينيقية أو الإمارة أم في نظرية الملجأ. ويخرج من هذا النقد بثلاثة استنتاجات تتصل بإعادة النظر في التاريخ اللبناني: - الاستنتاج الأولهو أن تجربة الحرب الأهلية في لبنان أثبتت بما لا يقبل الشك، أن أي طرف من اللبنانيين لا يمكن أن يفرض رأيه بسهولة على الطرف الآخر. - الاستنتاج الثانيهو أن التجربة أثبتت منذ سنة 9201 حتى اليوم أن استمرار وجود لبنان كدولة مستقلة ذات سيادة داخل حدوده الراهنة أمر ممكن، وبغضّ النظر عماّ إذا كان هناك شيء اسمه لبنان قبل سنة 920 1 أم لا. وهذا يعني أنه ما عاد هناك حاجة إلى اختراع تاريخ خاص للبنان ما قبل هذا التاريخ. - الاستنتاج الثالثهو أن العالم العربي أصبح يقبل بالجمهورية اللبنانية كما هي، ويفهم البنية الحسّاسة للمجتمع اللبناني، وهذا يعني أن التسليم بعروبة لبنان – إلى الحد الذي قد يكون فيه هذا المفهوم صحيحًا – ما عاد يشكل خطرًا على سيادة البلد ووحدته. خلاصة موقفه من التاريخ وعلاقته بالحاضر والمستقبل هي أنه لا يمكن بناء وطن دولة على تاريخ سياسي مختلَف فيه؛ فلا بد من الإقرار والاعتراف بهذا الاختلاف على قاعدة البحث التاريخي الموصل إلى حقائق تاريخية وإن تكن هذه الحقائق لا تحمل معاني الوحدة الوطنية، وهي لا تحملها أصالً. بناء عليه، يطرح كمال الصليبي على اللبنانيين – كجماعة سياسية – المهمة التالية: «عليهم أن يعرفوا بدقة من هم وما ارتباطهم بالعالم المحيط بهم. لهذا عليهم أن يعرفوا بدقة لماذا هم لبنانيون وكيف أصبحوا لبنانيين، وهم لم يكونوا في الأصل إالّ مجموعة من الطوائف المتفرقة صودف تواجدها في بقعة واحدة من الأرض. وإن لم يفعلوا ذلك – وبغضّ النظر عن الطريقة التي سيصلح بها الشجار الحالي في لبنان – فإنهم سيستمرون في البقاء مجموعة من العشائر البدائية المتنافرة أصالً، تسمي نفسها عائلات روحية دون أن يكون لها بالضرورة أية علاقة بالروحانيات»....
لكن السؤال المغفل أو المسكوت عنه في هذا المشروع الراهن هو التالي: ما هي شروط «الحاضر» التي تمكّن من تصحيح الأحكام المسبقة للوصول إلى المعرفة الدقيقة (الصحيحة)، أي «العلمية» والتي يطلبها المؤرخ كمال الصليبي من «اللبنانيين»؟ هل يطلبها منهم ك«طوائف» أو كأفراد ومواط ين، أو كمؤرخين من أهل الاختصاص؟ وفي الحالة الأخيرة، ما العمل إذا اختلفت المدارس والمناهج والمفاهيم ما بين المؤرخين أنفسهم؟ لنحاول الإجابة عن هذا السؤال المركّب بتفحص الموضوع من زاويتين: زاوية المؤرخ المحترف (المتخصص)، وينطبق هذا على المؤرخ نفسه، فكيف توصل كمال الصليبي إلى هذه المعرفة التي يودّأخيرًا تعميمها والنصح بها؟ وزاوية الثقافة التاريخية العامة، وفي هذه الحالة ما الفارق في أن يعرف المواطن ماضيه من موقع المواطنية في دولة – وطن (دولة مواط ين)، وتعرف «الطائفة» تاريخها ك«جماعة موحّدة»، وبأي صفة؟ بصفتها الدينية أم بصفتها السياسية، إذا جاز التعبير؟
من زاوية المؤرخ المحترف: كمال الصليبي بين التاريخ التجريبي (الإمبيريقي) والتاريخ المفهومي
ثمة من يطرح السؤال التالي: في أي مدرسة من مدارس التاريخ تقع مقاربات كمال الصليبي في تناوله لتاريخ لبنان الحديث؟ نستعين في الإجابة عن هذا السؤال بمعطى مساعد يتمثّل في تصريحه الذي استشهدنا به عندما طوّر كمال الصليبي رأيه في طبيعة الإمارة في الجبل: كيف حصل الانتقال لديه من المعرفة القائمة على «الإتباع» كما يقول (أتبع غيري في الاعتقاد) إلى المعرفة المحققة القائمة على «التوسع في المعلومات عن طريق البحث والممارسة للمنهج التاريخي العلمي». يُعبر الاعتراف أوالً وبمعيار الأخلاقيات العلمية عن صدقية عالية وأخلاقية مهنية رفيعة لدى مؤرخ كبير. ويعربّ ثانيًا عن انتماء إلى منهج يصفه ب «ممارسة المنهج التاريخي العلمي»، وهذه الممارسة هي أداته للعبور من المعرفة التقليدية إلى المعرفة العلمية، فما هي ركائز وأبعاد هذه الممارسة؟ وما كانت ركيزتها عند كمال الصليبي عندما يمارس التأريخ للبنان الحديث؟ حين التفكر في هذا السؤال أستحضر بعدين من أبعاد المنهج التاريخي، أو بتعبير أدق وأشمل أيضًا « التفكير تاريخيًا »: أولا بُعد التجريبية في الممارسة التأريخية، وثانيًا بُعد المفهومية في هذه الممارسة، فأي بُعد هو الغالب في ممارسة كمال الصليبي للتأريخ اللبناني (وأقصد هنا التأريخ للبنان الحديث، ولا أتطرق إلى جهود كمال الصليبي العظيمة في التاريخ القديم والدراسات التوراتية)؟ فهذا حيّز خارج عن اختصاصي أوالً، وهو مجال أعتقد ثانيًا أن كمال الصليبي أبدع فيه عالميًا، وإنجازه العلمي في هذا المجال يفوق بأهميته الإنجاز في مجال الدراسات التاريخية اللبنانية. واضح من خلال متابعته الدقيقة للمؤرخين اللبنانيين، ولا سيما المؤرخين الموارنة، وتدقيقه في رواياتهم، ومقارنة بعضها ببعض، ونقدها من زاوية الزيادة أو النقصان، الأقدمية أو الإضافة، القرب أو البُعد، المعقولية أو عدمها، أن كمال الصليبي ينتمي إلى المدرسة الوضعانية التجريبية في التأريخ، وهي المدرسة التي تجعل «الحقيقة» تنطق من خلال نقد كمّ من الوثائق – أي المصادر الأولى وحدها. لكن «الحقيقة» في هذه الحال تظل مرهونة بجهد اكتشاف مزيد من المصادر، وبتوسّع في المعلومات لا ينتهي. ومن هنا نفهم طول مسار المعرفة التاريخية التجريبية عند كمال الصليبي عندما يقول في شأن التاريخ للبنان: «كنت في
السابق.. أتبع غيري في الاعتقاد (...) فلما توسعت معلوماتي (...)»، أي إن معلوماته توسعت عن طريق الاطلاع على المصادر الأولى (الوثائق)، فأين يقع أو «يتموضع» الإشكال المعرفي عند كمال الصليبي؟ كان فرنان بروديل قد واجه مشكلة التوسع الكمي في الوثائق ومعلوماتها حين كتابة أطروحته الشهيرة عن المتوسط، إذ وجد نفسه أمام كم هائل من المصادر Les Sources() التي جمعها من أرشيفات البلدان المتوسطية، كما وجد أن الاشتغال عليها يقتضي عشرين عمرًا من حياته، أو عشرين مؤرخًا من أمثاله. فكيف حلّ بروديل هذا الإشكال؟ لقد فعل ذلك من طريق ما يمكن أن أسمّيه «ثقافة المفاهيم» التي تساعد على رسم الإطار النظري للموضوع، أي إنه أدخل البُعد الثاني، البُعد المفهومي في الممارسة التأريخية. ولا غرابة في ذلك، فهو من رواد المدرسة التاريخية الفرنسية الجديدة التي تجاوزت المدرسة التاريخية التجريبية المنهجية، ببنائها جسورًا عابرة ما بين الأنظمة المعرفية لعلوم الإنسان والمجتمع. لقد بنى بروديل جسورًا ما بين الاقتصاد وعلم الاجتماع والفلسفة والسياسة والإثنولوجيا والتاريخ الحضاري العالمي المقارن، فأدخل مفهوم التأريخ للمدى الطويل، ومفهوم نسبية سرعة الأزمنة التاريخية بتأثير نظرية النسبية، وميّز بين الزمن الجغرافي شبه الثابت (علاقة الإنسان ببيئته الطبيعية) والزمن الاجتماعي البطيء الوقع والزمن السياسي المتسارع على السطح (التاريخ الحدثي)، فكانت النتيجة إجراء تلك المصالحة الإبيستيمولوجية بين بنيوية الإثنولوجيين لدى ليفي ستراوس، وبنيوية المؤرخين الجدد (الحوليات) لدى بروديل، فساعد هذا البناء النظري – المفاهيمي على إعادة بناء طبقات ثلاث من الأزمنة التاريخية تقاطعت وتفاعلت في «قرن طويل» هو القرن السادس عشر المتوسطي، موضوع بردويل الذي جمع فيه ما بين الممارسة التجريبية والبناء النظري والمفاهيمي لهذا القرن. أرجّح هنا أن هذا البُعد النظري في الممارسة التأريخية اللبنانية لدى كمال الصليبي كان غائبًا، أو كان قليل الحضور. وهذا الغياب أدّى في رأيي إلى أن يتأخر كمال الصليبي في اكتشاف نظام الالتزام في الدولة العثمانية وانطباقه أيضًا على جبل لبنان والإمارات المحلية والأهلية فيه. كان يمكن مثالًالاطلاع على مفهوم الإقطاع في الإسلام، وهو غير الفيودالية في التاريخ الأوروبي الوسيط، وكان يمكن الاطلاع أيضًا على نظام التيمار في التاريخ العثماني، هذا ناهيك بفائدة المفاهيم الخلدونية بشأن العصبية ونشأة الدولة و«ولاية الطرف» ومفهومي الاستتباع والولاء ما بين العصبيات، وكذلك كتب الخراج والأموال والأحكام السلطانية في الإسلام، قبل أن يكتب كتابه تاريخ الإمارة اللبنانية. كان يمكن أن تشكّل المعرفة المسبقة لهذا كله مدخالً وإطارًا نظريًا لفهم طبيعة الإمارة والأمير، لا في جبل لبنان وحده، بل في كل المناطق العربية، وقبل انتظار «التوسع في المعلومات» الوثائقية اللبنانية أو العثمانية لدى كلٍ من تلميذيه عدنان البخيت وعبد الرحيم بوحسين؛ فثمة دينامية جدلية مسرّعة للمعرفة إذا ما اقترن البعدان في المعرفة: البُعد التجريبي والبُعد المفاهيمي. هذا، ويمكن الإشارة، للتدليل على وفرة المراجع العالمية والعربية العامة المتعلقة بهذه الموضوعات والمفاهيم، إلى العديد منها، ولا سيما في ما يخص منها الملْكية والأرض وإدارتها وجباية ضرائبها، وعلى سبيل المثال: - كلود كاهين، في مبحثه عن الإقطاع في الإسلام.
- عبد العزيز الدوري في أطروحته عن التأريخ الاقتصادي في العراق في القرن الرابع الهجري (صدرت في أربعينيات القرن العشرين.) - عشرات الأبحاث التي قام بها الخبراء الفرنسيون بشأن أشكال الملْكية الزراعية والسلطة والديموغرافيا في بلاد الشام في عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته (جاك ولرس ولاترون وآخرون.) هذا ناهيك بأعمال مؤرخين أتراك لاحقين، أمثال دويتشيوغلو وخليل اينالجيك في أعمالهما المتعددة عن التاريخ الاقتصادي العثماني. عربيًا ولبنانيًا، وفي إطار علاقة الصليبي بالآخرين، أجزم بأنه كان على خلق عظيم، وعلى نبل في التعامل الإنساني كبير، لكن علاقته بالإنجاز التاريخي - العربي، وبصورة أخص بالإنجاز التأريخي اللبناني، ولا سيما المكتوب بالعربية – كانت على ما أرجح ضعيفة، ولا أدري ما السبب، لعلها جاذبية الثقافة الأميركية السائدة في أجواء الجامعة الأميركية ذات الاعتداد بالذات وبمركزيتها الثقافية وسيادتها ومرجعيتها اللغوية العالمية. مظاهر هذه المركزية تبدو في أكثر من مظهر ومجال، وأبرز هذه المظاهر استنكاف معظم باحثيها وأساتذتها بشكل عام عن الاستشهاد بمراجع لبنانية وعربية (باللغة العربية)، وإن يكن لهذه المراجع فضل السبق في الزمن وفي الإنجاز المعرفي. هذه الظاهرة تنطبق، للأسف، على كمال الصليبي، ولا سيما في كتابه بيت بمنازل كثيرة؛ إذ لا يمثّل في الاستشهاد في سياق الكتاب عمّن أنجز هذه الموضوعة أو تلك من تاريخ لبنان إالّ تلامذته. ومع كل الاحترام والمحبة لتلامذته المؤرخين الذين يستحقون فعالً كل تقدير، فإن إغفال أسماء مؤرخين لبنانيين بدأوا بالبحث والكتابة منذ سبعينيات القرن الماضي، ثم أضحت كتاباتهم على درجة من العالمية «رغم لغتها العربية»، قد يستدعي بعض الاستغراب، بل إن اختصار دور بعضهم واختزاله في ذهنه بالعبارة اليتيمة التالية «تلامذة دومنيك شفاليه» قد يستدعيان أكثر من استغراب. بل إني أستغرب أيضًا إغفال ما أنجزه عادل إسماعيل باللغة الفرنسية في أطروحته «نهوض الإقطاعية وأفولها في لبنان (8401 – 860»)1، وقد صدرت في أواخر الخمسينيات تحت عنوان: Histoire du Liban: Redressement et
خلاصة القول هنا أن لا مشكلة بين مؤرخين محترفين بشأن نظرتهم إلى الماضي، فسواء توصّل هؤلاء إلى حقائق متماثلة أو مختلفة، وسواء توصلوا إلى هذه الحقائق تجريبيًا، أي عبر التوسّع التدريجي في الاطلاع على المصادر (كما فعل كمال الصليبي مثالً) أو عبر استخدام مفاهيم ونظريات اجتماعية وفلسفية مساعدة، فإن مقاربة الحقيقة التاريخية تبقى مسعىً معرفيًا نسبيًا، يقترب أو يصيب أو يبتعد، يتأخر أو يبطئ أو يسرع، غير أن المهم أن لا يُوظّف التاريخ في الصراع السياسي الداخلي الراهن، وأن لا تحتويه أو تسوده النظرة الأنكرونكية للأزمنة التاريخية، أي خلط زمن بزمن آخر، كالتاريخ للماضي بمصطلحات الحاضر ومفرداته وصوره، أو كالتعامل مع الحاضر بذاكرة الماضي ومخيالها.
من زاوية الثقافة التاريخية العامة: وعي التاريخ بصفة مواطن أو بصفة طائفة؟
عندما يدعو كمال الصليبي «اللبنانيين» (هكذا بالجمع) إلى تنظيف بيوتهم من «العناكب»، أي من التشوهات التي أدخلتها الطوائف على تواريخها، فإنه لا يفرق – كما يبدو لي – في الدعوة بين «لبنانيين» يُفترض مبدئيًا أنهم مواطنون، و«طوائف» يُفترض مبدئيًا أيضًا أنها جماعات دينية أو إثنية لا جماعات سياسية أو أحزاب. فإلى من يوجه كمال الصليبي الدعوة: إلى اللبنانيين كمواط ين أم إلى «الطوائف»؟ وبأي صفة: بالصفة الدينية – المذهبية أم بالصفة السياسية؟ أرجّح أن كمال الصليبي يذهب مذهب التوجه إلى الطوائف كجماعات، مازجًا بين خصوصياتها الدينية والمذهبية وتطلعاتها السياسية، فيبدو أن التنظيف المرتجى لديه يقوم على معادلة ميثاقية (أيضًا): عروبة تهدئ من غلوها القومي الدمجي. وقد جرى هذا، برأيه، في التجربة اللبنانية وفي التجربة العربية حينما أصبح الاقتناع بالدولة اللبنانية ضرورة لبنانية وعربية مجمعًا عليها، ولبنانية تحد من المبالغة في تمجيد خصوصيتها ذات الطابع الطائفي – المسيحي. إذن، هي استعادة لميثاقية لبنانية نجحت خلال فترة من تاريخ لبنان المعاصر، في باب التوافق السياسي الميثاقي، ثم ما لبثت أن اهتزت بسبب أخطاء ارتُكبت (انظر فصل: التجربة والخطأ في كتاب: بيت بمنازل كثيرة)، فهل لهذه الميثاقية حظ نجاح أيضًا في باب «التوافق التاريخي»، أو بتعبير أدق في باب التوافق ما بين التواريخ (تواريخ الطوائف)؟ يبدو لي أن هذه النظرة التي تماثل ما بين التوافق السياسي والتوافق التاريخي، بل التي تجعل من «التوافق التاريخي» شرطًا للتوافق السياسي، تغفل عددًا من المعطيات والحقائق التي لم تؤخذ بعين الاعتبار: - أول هذه المعطيات ضرورة التفريق بين الطوائف ذات الخصوصيات الدينية والمذهبية من جهة والطائفيات السياسية من جهة ثانية، فهذه الأخيرة تتجسد في زعامات وأحزاب ومؤسسات وسياسات من شأنها تحويل الطائفة من حالة دينية ومذهبية وثقافية إلى حالة كيان سياسي. - ثاني هذه المعطيات ضرورة التفريق بين الذاكرة التاريخية الجماعية والمعرفة التاريخية؛ فالذاكرة الجماعية عفوية وأسطورية بطبيعتها، وخالطة للأزمنة، بل هي مخزن نفسي جماعي يُنقص الأخبار والصور أحيانًا أو يضيف إليها أحيانًا أخرى، تزيينًا أو تشويهًا. والزينة والتشويه، كما التحسين أو التقبيح، كلها رتوش تنشأ عبر الزمن، وبفعل وطأة الحادث الراهن واستفزازاته وتحدياته واستدعاءاته التي لا تكتفي بأن يكون البشر فاعلين في الحاضر، بل مُغريّين أيضًا للماضي، أكان باتجاه تقبيحه أم باتجاه تحسينه، تثويره أم تهدئته بحسب حركة الجدل والصراع بين القوى التي تتلبّس الهويات المختلفة. هذا في حين تنحو المعرفة التاريخية المحققة (العلمية) نحو الانفصال النسبي عن الذاكرة لتصبح هذه الأخيرة، وبالتدرج النسبي، جزءًا من اشتغال العقل التاريخي الناقد لها (للذاكرة). الملاحَظ هنا أن سؤال السياسة يبقى في خضم هذا «الشيء» الملتبس بين الطائفة والطائفية، وبين الذاكرة والتاريخ، وبين الحقيقة والأسطورة، صامتًا أو مغيبًا. يبُرز لنا كمال الصليبي «حقائقه التاريخية»، ويقدّم تمنياته ونصائحه إلى اللبنانيين الذين يجب أن يعلموا «كيف أصبحوا لبنانيين منذ العام 920»1 ويحذرهم من أنهم إذا لم يفعلوا ذلك سيظلون عشائر وقبائل....
حسنًا، لكن أين هو سؤال السياسة الذي يتجنّبه كمال الصليبي، وهو: من المسؤول عن التجهيل والتشويه وبناء بيوت العناكب، أو إدخالها إلى منازل اللبنانيين؟ أهو لاهوت الطوائف أم علم كلامها أو فقهها؟ أم سياسيوها، ومن هم؟ أهو تاريخ املِلل والسلطنات والعائلات الذي ساد خلال قرون ماضيه، أم هو تاريخ نظام سياسي حديث ومعاصر وأشكال محددة من ممارسة السلطة وتوزيع الثروة وسياسات زبونية محددة في الاقتصاد والتنمية والتعليم... إلخ؟ أسئلة غائبة أو مغيَّبة، لكن ما يفصح عنه التفكير التاريخي عند كمال الصليبي هو أنه يراهن على التفريق بين السياسة والتاريخ، جاعالً نظافة البيت الأول (التاريخ) شرطًا لسلامة السياسة وصحتها. وقياسًا على هذا المنطق، يصبح شرط «تنظيف الماضي» شرطًا لنظافة الحاضر. يبدو لي – ومهما يكن من أمر منطقية هذا التفكير، شكليًا – أن الهرم التاريخي مقلوب هنا على رأسه. فما ينبغي طلبه ليس تنظيف بيوت الطوائف (أي تواريخها) ليستقيم أمر الدولة – الوطن، بل تنظيف السياسات أوالً بالبرامج والخطط لبناء دولة – وطن، وتنشئة مواطن منفتح على كل المعارف وعلى كل الثقافات، ومتفهّم لخصوصيات الطوائف الدينية وذاكراتها التاريخية. عبثًا حاولت التجارب التي يحكي الصليبي حكاياتها في كتابه بيت بمنازل كثيرة أن تنظف البيت المنشود، لأنها انطلقت جميعها في رأيي من الدائرة المغلقة: دائرة الطوائف المستدخلة في الذاكرات الجماعية التي صنعتها الطائفيات السياسية عبر مؤسساتها و«مؤرخيها» وإخبارييها وسياسييها. ورأيي هو أن من ضروب العبث تنظيف الصورة بسياسات طائفية، أي بسياسات غير نظيفة. والواقع أن سياسات الحاضر هي الفاعل الأول في سياسات العلم والثقافة والبحث والتربية والتثقيف، وفي التأسيس لبيئة علمية حاضنة ومشجعة لإعادة النظر في التاريخ، لدرسه والتنقيب فيه والحفر في طبقاته، لا عبر نزع قشرة ما علق به من خيوط عناكب طائفية فحسب، بل عبر كشف حجُب وأقنعة طائفية وغير طائفية، بل أيضًا أيديولوجية ذات أنسجة قومية أو ماركسية أو ليبرالية. عندها، ومع البيئة العلمية الحاضنة، لا يحتاج العمل السياسي ولا السياسات وبرامجها إلى تاريخ تجري «أسطرته» أو تشويهه لمصلحة حزب أو كيان طائفي سياسي، كما أنه لا يحتاج إلى دين يجري استخدامه في عملية الاستقواء السياسي. ذلك أن استخدام التاريخ كصور محفزة ومستثيرة لذاكرة جماعية طائفية راهنة يماثل تمامًا استخدام الدين في الاستقواء السياسي. لذا، تبدو مطالبة الطوائف بتنظيف تواريخها بمعزل عن علمنة السياسة ومدنيتها وكأنها الدوران في الحلقة المفرغة، وفي حال كمال الصليبي كأنها مطالبة «حكيم» معتزل ومستقيل من السياسة واسى نفسه وواسى أمثالنا ممن اعتزلوا السياسة فشالً أو تعبًا أو يأسًا، ولكن ليس «حكمةً». ذلك أن كما لبيت الحكمة أو لبيت الله منازل، فإن للتاريخ أيضًا أبوابًا ومنازل. وباب تنظيفه ليس باب الطوائف،، بل إن الباب والمنزل هما سياسات حكيمة تنشد بناء دولة – وطن، ودولة مواط ين. عندها، لا همَّ إن اختلفنا في الثقافة التاريخية العامة حول صورة فخر الدين أكان أميرًا وطنيًا أم ملتزم ضرائب. فكما توصّل كمال الصليبي تدريجيًا وعبر البحث العلمي المتراكم إلى حقيقة تقول إن فخر الدين ليس إالّ ملتزم ضرائب وكان غيره قد سبقه إلى ذلك، فإن المعرفة التاريخية يمكن أن تكون حرّة ومفتوحة على جميع الأبواب، ومستضافة في جميع «المنازل». ليس الماضي سجنًا للسياسة أو راسما لها، وليست هي نتاجه الحتمي، وليست الذاكرة الجماعية تاريخًا ثابتًا، وإنما هي جزء من التاريخ متغير ومتحوّل، وصانع التاريخ ليس الماضي، وإنما هو سياساته في الحاضر.