السرد موضوعًا للدراسات الثقافية
Narration as an Object of Cultural Studies
الملخّص
نحو فهمٍ لعلاقة الرواية بجدلية السيطرة والمقاومة الثقافية إن سؤال العلاقة بين النقد والأدب أعمق من أن تُختزَل في حدود الاشتغال على دراسة العناصر التي تجعل من عمل ما عملاً أدبيًا أو على المعاني المتعددة واللانهائية، فهو يمتد بالقدر نفسه إلى الفضاء الذي فيه يتشكل الأدب وكذلك الوعي به، أي إلى الاهتمام بالمحتّم في تكوِّن الثقافة وأنساقها، وهو ما يقتضي وضع الأدب في سياق أوسع. ترمي هذه الدراسة إلى إظهار الإضافة التي تقدمها الدراسات الثقافية في هذا النمط من الاشتغال المنفتح الذي يستند إلى فرضيات جديدة تعتبر الأدب والرواية بشكل خاص ممارسة ثقافية يتطلب بناء المعرفة بها قدرة على تكليم ذلك المجهول الذي يثوي خلف الدلالة المباشرة. وهذا ما يقتضي، إلى جانب الاهتمام بخصوصية النص كخطاب لغوي جمالي، وعيًا بالسياق الثقافي الواسع الذي يتحقق فيه، وذلك من أجل إنارة النص وتسليط ما يكفي من الضوء عليه حتى يكشف عن الأنساق المضمرة فيه.
Abstract
This study seeks to discuss the dialectic relation between power and cultural resitance, highlighting that the relation between literature and literary criticism novels cannot be reduced to the study of components that transform texts into literary works or the multiple infinite meanings embedded. In addition to a focus on the specificity of the text as an aesthetic linguistic discourse, this needs an awareness of the wider cultural framework in which it is taking place in order to clarify the text and reveal the inherent modalities within it. The tools and the concept of literary discourse in this study seek to demonstrate the added value of cultural studies through new assumptions that see literature and novels a cultural practice. This practice needs knowledge building to be able to address the unknown that vanishes behind the direct semantic context.
- السرد
- خطاب لغوي
- الدراسات الثقافية
- الأنساق
- Narrative
- Cultural Studies
- Linguistic Discourse
- Modalities
نحو فهمٍ لعلاقة الرواية بجدلية السيطرة والمقاومة الثقافية
إن سؤال العلاقة بين النقد والأدب أعمق من أن خيُتزَل في حدود الاشتغال على دراسة العناصر التي تجعل من عمل ما عمالً أدبيًا أو على المعاني المتعددة واللانهائية، فهو يمتد بالقدر نفسه إلى الفضاء الذي فيه يتشكل الأدب وكذلك الوعي به، أي إلى الاهتمام بالمحتّم في تكوِّن الثقافة وأنساقها، وهو ما يقتضي وضع الأدب في سياق أوسع. ترمي هذه الدراسة إلى إظهار الإضافة التي تقدمها الدراسات الثقافية في هذا النمط من الاشتغال المنفتح الذي يستند إلى فرضيات جديدة تعتبر الأدب والرواية بشكل خاص ممارسة ثقافية يتطلب بناء المعرفة بها قدرة على تكليم ذلك المجهول الذي يثوي خلف الدلالة المباشرة. وهذا ما يقتضي، إلى جانب الاهتمام بخصوصية النص كخطاب لغوي جمالي، وعيًا بالسياق الثقافي الواسع الذي يتحقق فيه، وذلك من أجل إنارة النص وتسليط ما يكفي من الضوء عليه حتى يكشف عن الأنساق المضمرة فيه. هذا التحليل الثقافي يتم التفكير في أدواته ومفهومه للخطاب الأدبي انطلاقًا من الأعمال النقدية لإدوارد سعيد الذي يتعينّ بوصفه من أبرز النقاد الثقافيين الذين أثْروا الدراسات الثقافية. لذلك، فإن منهجية القراءة الطباقية التي استند إليها في تفكيك نظم الإمبريالية والمقاومة الوطنية المعارضة للهيمنة، وانعكاس أنساق الهيمنة والمقاومة في الثقافة، هذه المنهجية لا تجترح كوى جديدة في تلقّي الأدب فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى الإلماع إلى الرهانات الإنسانية لهذا النمط من التحليل. إنه رهان البحث عن فضاء ثالث يتعينّ أفقًا للتعددية والحوارية والثراء الإنساني.
تمهيد
منذ العقدين الأخيرين من القرن الماضي، أصبح الرسّد الأرض المشتركة التي يلتقي عليها الكثير من النظريات والتيارات النقدية والفكرية والفلسفية؛ إذ من بين المحدّدات إثارة النقاش في ما يتصل بالشرط ما بعد الحداثي الذي يبُرز الارتياب والشك في أشكال الرسّد الموروثة عن الماضي التي تحيل إلى واقع بانيها أكثر ممّا تحيل إلى واقع الآخر، وإعادة النظر في العلاقة الذات/ الآخر وتحريرها من شرك الفرضيات التي يستحكم بها هاجس توكيد التفوق الغربي، الأمر الذي أتاح تبلور منظور مغاير للتفكير في الهويات الثقافية يتعالق فيه سرد الذات بالآخر الذي به تغتذي وتتجدد. وإذا كان هذا التعدد في الخلفيات النظرية والمنهجية التي انطلاقًا منها يتمّ هذا التفكير، يكشفُ الثراء والغنى الثقافي والاجتماعي للممارسة السردية، فإنه من جهة أخرى يُلمع إلى التحولات التي حدثت في حقل دراسة الرواية منذ أن اتضحت لعلوم الرسّد الكلاسيكية صعوبة الاشتغال على هذا الموضوع انطلاقًا من مظهريه الشكلي) Formel(والوظيفي Fonctionnel() فقط، وهذا ما حتّم عليها الاستفادة من الإضافات التي كانت تبلورها العلوم الاجتماعية والدراسات الثقافية والتاريخية، من خلال التركيز على قضايا وأسئلة كانت مغيبة قبل هذه الفترة. ويتلخص هذا التفكير في الرسّد بشكل مختلف من خلال إعادة النظر في المفاهيم السابقة المؤسّسة على الفصل بين الرسّد والتجربة المعيشة، وعلى قصر الرسّد على الخيال. لقد اقتضى هذا إذًا إعطاء الاهتمام للتمفصل بين الثقافي والإنساني في مختلف أبعاده؛ إذ أضحى السرد الفضاء المميز الذي ينكشف فيه «أسلوب حياة الناس» (ريموند ويليامز) وكذلك التجربة البشرية (بول ريكور) عندما تأخذ شكل الحبكة السردية، إذ من دون ذلك لا تكون تلك التجربة سوى خرساء وفاقدة للشكل. فالفرد لا يعثر على هويته إذا لم يستطع أن يتشكل داخل ما يرويه. وإذا كان هذا يبدو صحيحًا على صعيد الفرد، فإنه يبدو كذلك على صعيد الجماعات وعلى صعيد الأمم والشعوب. وهذا ما يتجلى من خلال حاجة الأفراد والجماعات إلى إنتاج ضروب الرسّد والمحكيات وإعطائها أبعادًا تتعدى مجالات الإحالة إلى الفردي إلى الارتباط بالجمعي الكامن في صميم التجربة الإنسانية على النحو الذي يستفاد من كتاب الأمّة والسرّد الذي حرّره هومي بابا. إن أحد مظاهر التحوّل في هذا الفهم المتجدد للرسّد يتمثّل في كونه أضحى يتموقع في صميم التعبير عن الهوية والوجود، والنقد الثقافي للأفكار والمقولات المتصلبة التي تشوّش على تطلع الأفراد والجماعات والثقافات إلى العيش المشترك والاعتماد المتبادل. شكلت الأبحاث المندرجة في إطار الدراسات الثقافية خلفية معرفية بالغة الثراء في هذا التناول المختلف للرسّد من منظور عابر للفروع المعرفية وعطِش إلى الترجمة بينها بشكل يُفصح عن تعريف جديد وتعاوني للعلوم الإنسانية. ها هنا يتعينّ الرسّد بوصفه موضوعًا (ذريعة) لتحقيق معرفة أوسع تلامس علاقته
بالثقافة والهيمنة. ويتجلى هذا من خلال الأعمال التي تدخل في إطار دراسات ما بعد الكولونياليةوالنقد الثقافي التي كان لإدوارد سعيد الفضل في تشييدها وتطويرها وصوغ أفكارها الأساسية من خلال الاشتغال على دراسة التمثيل الثقافي والمقاومة، بعيدًا عن الدائرة التي تحرك فيها البحث الرسّدي الحداثي. ومعلوم أن هذه المرجعية تزداد ثراء واتساعًا من خلال المساهمات التي تدخل في إطار نظرية التابع Subalternisme() التي برزت مساهمتها قوية في الإسطوغرافيا الهندية من خلال مفكرين بارزين أمثال هومي بابا H. Bhabha() وغاياتاري سبيفاك G. Spivak() ورانجيت غوحا R. Guha() وديبش
مفهوم الرواية في الدرس الثقافي
الدراسات الثقافية: النشأة ومفهوم الأدب بوصفه ممارسة خطابية
تتحدد الدراسات الثقافيةCultural Studies() بوصفها ملتقى كثيرٍ من العلوم والتخصصات، أهمها علم الاجتماع والأنثربولوجيا الثقافية والفلسفة والإثنولوجيا والسيميائيات والأدب والفنون. وقد يوحي هذا التداخل بين علوم واختصاصات مختلفة بأن الدراسات الثقافية تحيط إحاطة شاملة بمختلف طرق دراسة الثقافة والتفكير في الأسئلة التي تطرحها، غير أن ما يفضي إليه الاطلاع على متنها هو أن ميدان الدراسات الثقافية يتعلق بمجال محدد من مجالات البحث الأكاديمي. أخذت الدراسات الثقافية في التشكّل منذ الستينيات من القرن الماضي حينما أسّس ريتشارد هوغارت R.(Hoggart) مركز برمنغهام للدراسات الثقافية سنة 9641 وترأسه ستيوارت هول S. Hall() في ما بعد، حيث تركز الاهتمام فيها على دراسة الكثير من الإنتاجات القولية والممارسات الثقافية باعتبارها ظواهر نصية يتعذر فهمها من دون وضعها في سياق الثقافة بوصفها مفهومًا مركّبًا يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق
والقانون والقدرات، وجميع العادات التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضوًا في المجتمع. وإذا كان ظهور الدراسات الثقافية بوصفها إشكالية مميزة قد اقترن رسميًا بمرحلة الستينيات، فإن سؤالها سبق وأن تمّ طرحه قبل هذه الفترة على نحو ما يعلّمنا هول. إنه سؤال يضرب بجذوره عميقًا في الثلاثينيات والأربعينيات، كما يلمع إلى ذلك ويليامز، إذ كان نشاط الدراسات الثقافية أكثر فعالية في تعليم الكبار. يُعدّ كتابا استعمالات القراءة والكتابة 957(1) والثقافة والمجتمع (9581) لكلٍّ من هوغارت وويليامز المرجعين الأساسين اللذين نقلا الاهتمام بالثقافة من الاستخدام الشائع الذي يشير إلى الآداب والفنون فقط، إلى أفق آخر تتعينّ فيه الممارسات الثقافية، مثل القراءة، متجذرة في شبكة من الممارسات الأخرى كالشغل والحياة الجنسية والأسرية، كما يتميّز هذا الأفق باستبعاد التحليلات التي لا تأخذ بعين الاعتبار المجتمع الذي تتصل به التمظهرات الثقافية التي تدرسها تلك التحليلات، وكذلك التمييز بين «الثقافة العالمة» و«الثقافة الشعبية». ويرى هول أن هذين العملين إذا كانا قد اعتبُرا في البداية مجرد ترهين actualisation() للاهتمامات السابقة بموضوع الثقافة، فإن القطيعة التي أحدثاها مع التقاليد الثقافية السائدة في تلك الفترة بدت على درجة كبيرة من الأهمية. ولإبراز هذه المساهمة المضيئة، يتوقف هول عند مفهومين للثقافة صاغهما ويليامز في كتاب الثورة الطويلة؛ فإذا كان المفهوم الأول يربطها بمجموعة من التوصيفات التي من خلالها تأخذ المجتمعات معانيها، كما تعكس خبراتها وتجاربها المشتركة، وهو تعريف إن كان يؤكد الأفكار المتعلقة بمنتوجات الثقافة وسياقاتها، فإنه يجعلها موضوع عمل جديد مفاده أن الوقائع لا تتكلم من تلقاء ذاتها، وأن ما ينتج الدلالة الشارحة أو التفسيرية، إنما هو شبكة العلاقات التي تكتنف الوقائع، فإن المفهوم الثاني يؤكد بشكل مقصود ما هو أنثربولوجي، كما يؤكد مظاهر الثقافة التي تحيل إلى الممارسات الاجتماعية. ومن المعروف عند المتمرّسين بنصوص ويليامز أن في هذه المرحلة أضحى مفهومه للثقافة، بوصفها «أسلوب حياة»، مفهومًا ملتبسًا وأكثر تجريدية. غير أن نقطة الارتكاز ها هنا تتمثّل في إعطاء الاهتمام للسياق الذي تحدده «نظرية الثقافة» بوصفه دراسة التداخلات بين مختلف العناصر التي تكوّن أسلوب الحياة. وعلى هذا الأساس، لا يكون الهدف من التحليل الثقافي إعطاء مفهوم الثقافة الطابع الاجتماعي فحسب، بل يكون أيضًا فهم الكيفية التي يعاش بها ويخُتبر التداخل بين الممارسات والتنظيمات خلال مرحلة معيّنة. إن أهمية المساهمة التي يبلورها هول للتعريف بالدراسات الثقافية لا تتمثّل فقط في تبئير التأمل على المرجعيات الأساسية (هوغارت، ويليامز، تومسون) التي مهدت للتفكير في الثقافة انطلاقًا من البحث في دينامياتها، بما في ذلك العلاقة بين الثقافة والطبيعة والثقافة والمجتمع، وكذلك الفارق بين الثقافة العليا والثقافة الدنيا والاختلاف والتنوع الثقافي، وإنما تتمثّل كذلك في التحقيب الذي يقترحه للدراسات الثقافية استنادًا إلى التوسع الذي حدث في حقل فهم الثقافة ودراسة الإنتاج الثقافي بحكم انفتاح الدراسات الثقافية على البنيوية والنظرية الفرنسية التي تستوعب مساهمات لامعة لمجموعة من المنظّرين أمثال بورديو وفوكو ودولوز
ودريدا. فإذا كانت المرحلة الأولى قد تميزت بالفهم الموسّع للثقافة الذي يستوعب ما هو مادي وما هو رمزي من خلال التركيز على فهم الثقافة بوصفها الطريقة الكلية للحياة (ويليامز) وتأكيد التمييز بين الثقافة وما لا يندرج في إطارها (تومبسون)، وهو ما ساهم في إضاءة تجذر الثقافة في الممارسات التي تحدد تعامل الجماعات مع الوجود المادي والاجتماعي، فإن المرحلة الثانية التي طبعها ظهور البنيوية بتياراتها المتعددة قد تميّزت بالتمفصل حول مفهوم الأيديولوجيا. وما يلفت الانتباه بالنسبة إلى هول في هذه المرحلة هو المساهمة اللامعة للأنثروبولوجي كلود ليفي ستراوس، مستفيدًا من المكانة العلمية التي حققتها اللسانيات مع فرديناند دي سوسير، باعتباره المدخل الأهم لفهم المساهمة البنيوية في حقل الدراسات الثقافية، بخلاف المكانة التي تمتّع بها ألتوسير والتي لم تخل في نظر هول من محاولات جاهدة للتغطية على ليفي ستراوس واستبعاده. لقد تميزت هذه المرحلة كذلك بالعودة إلى المفاهيم الكلاسيكية للاقتصاد السياسي بشأن الثقافة، وهي عودة لا تجد سندها في كون الجوانب الثقافية والأيديولوجية قد تم التركيز عليها بما يكفي في المرحلة السابقة فحسب، بل كذلك في اعتبار السيرورة الاقتصادية والبنيوية هي أقوى أهمية في التفسير من المظهرين الأيديولوجي والثقافي. أمّا المرحلة الثالثة، فيتجلى فيها أثر فوكو بارزًا، بالإضافة إلى أثر كلٍّ من جاك لاكان ودولوز ودريدا. وقد تمثّل رهانها في الاشتغال على تفكيك جدلية العلاقة بين المعرفة والسلطة. جليّ أن الأبحاث المندرجة ضمن الدراسات الثقافية لا تتعين فقط بوصفها تعبيرًا عن الشعور العام بالأزمة في أوروبا وأميركا من عدد من التطورات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية فحسب، وإنما تمثل كذلك شكالً من الرد على المناهج النقدية الحديثة المسكونة ببناء النماذج والكليات والأنساق المغلقة، أي ما يسمّيه تيري إيغلتون النظرية الأدبية «الخالصة» التي يعتبرها أسطورة أكاديمية لأن أيديولوجيتها لا تظهر في أي مكان آخر بالوضوح الذي تظهر به في محاولاتها تجاهل التاريخ والسياسة تجاهالً كليًا. إن ما يكتسي الأهمية في هذه المراجعة التي يقدمها إيغلتون لمفهوم الأدب والعلوم المتصلة به لا يكمن فقط في الكشف عن التحيزات الخفية واللاواعية إلى نظام السلطة في النظرية الأدبية، وإنما كذلك في المعرفة التي ينتجها بصدد النظرية الأدبية ويحدد من خلالها موقعها بوصفها ذات صلة خاصة وثيقة جدًا بالنظام السياسي، إذ ساهمت، بدراية منها أو بغيرها، في إسناد افتراضات هذا النظام وتعزيزها. وإذا كانت الدراسات الثقافية خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي قد تميزت بظهور كثير من الدراسات الرصينة المستفيدة من كتابات ألتوسير وفوكو وفرويد وبورس وغريماس وجيل دولوز ودريدا.. كأعمال إدوارد سعيد وهومي بابا ولندا هتشن... فإن حقلها اتسع اليوم ليشمل قضايا الإعلام والدراسات النسوية ودراسات ما بعد الكولونيالية. وليس غريبًا أن يصفها أرمون ماتلار A. Mattelart() وإريك نوفو E. Neveu() بالمغامرة العلمية المجددة؛ فقد أعادت الاعتبار إلى الثقافة الشعبية التي كثيرًا ما تم الزج بها في الهامش بسبب الرؤية المنمّطة التي تنكر عليها أي حضور للتجربة الإنسانية. ولأن اهتمام الدراسات الثقافية يتكرس لتحليل العلاقات المعقدة بين الثقافة والسلطة، حيث تقترح مسارات جديدة
للتفكير تتجاوز حدود المقاربة الأكاديمية الصارمة، فهي ليست نظرية بالمعنى الإبيستيمولوجي، بل هي مزيج من تيارات فكرية ونظرية وفنية متنوعة المرجعيات، حتى إنها تكاد تكون ظاهرة كرنفالية متشظية في حقول وثقافات متفرقة، إذ تصهر جميع الأدوات التي تشتغل بها تلك التيارات والحقول في تشييد منهجيات للتحليل تنصب على الممارسات والخطابات في تنوعها وتعدد أشكالها. يتمثّل الموضوع الأساس للدراسات الثقافية في دراسة كل أنماط الإنتاج الثقافي في علاقتها بالممارسات التي تحدد اليومي (أيديولوجيا، مؤسسات، لغات، بنى السلطة... إلخ.). فالفن مثلاًِ يكفّ عن أن يحظى بالامتياز الذي كان يتمتع به في التصورات السابقة المؤسّسة على مفهوم المعتمد. ويعرّفه ويليامز بأنه جزء من السيرورة الاجتماعية؛ إنه نشاط مثل الإنتاج والتجارة والسياسة والأسرة. فدراسة علاقات التداخل بين ضروب هذا النشاط تتطلب استحضار أشكال النشاط الأخرى كلها بوصفها شكالً للطاقة الإنسانية. ومن الواضح بذاته أن التحديد العام لموضوع الدراسات الثقافية لا تُدرَك قيمته ولا يتم تبينّ دلالته ما لم نسع إلى تفصيله والتعرف إلى مرتكزاته، وهذا ما يسعفنا ويليامز في إنجازه، خصوصًا عندما يتحدث عماّ يعتبره قلب الدراسات الثقافية المتمثّل في كونك لا تستطيع فهم مشروع ثقافي أو فني من دون أن تفهم تشكيله، ذلك أن العلاقة بين مشروع ما وتشكيل ما هي دائما حاسمة. وبما أن الدراسات الثقافية لا تعطي الأولوية لا للفن ولا للمجتمع، فإن ما يجسد جوهر المساهمة التي قدمتها، قياسًا على الدراسات السابقة، يتمثّل في تبئير التفكير على تلك العلاقات الأكثر أساسية بين هذين المجالين اللذين يبدوان منفصلين. ولأن الدراسات الثقافية تتعينّ بوصفها حصيلة بناء نقدي تتداخل فيه المعارف، فإنها لا تنهض على أساس منهج محدد، أو حقول للتفكير واضحة بما يكفي؛ فهي تقدم نفسها بوصفها شكالً من تداخل المعارف، العابر للتخصصات كذلك، وضد النظرية، حيث ترفض الاعتراف بالمناهج المتحققة. ومن هذه الزاوية تكمن أهميتها في تبئير القراءة على قضايا وموضوعات لم تحظ بما يكفي من الاهتمام في النظريات النقدية الحداثية، خاصة الممارسات التي اندرجت ضمن ما عُرف بالنقد الجديد الداعي إلى قراءة النص وتحليله اعتمادًا على بناه الداخلية على أساس أن المعنى متضمن فيها ولا يتطلب سوى كفاءة القارئ التي تستطيع إظهاره والكشف عنه. ولا بد من القول بأن المسعى الأساس لدى الدراسات الثقافية كان منفتحًا وتعدديًا في أساسه؛ ذلك أن القراءة التي تبلورت في هذا السياق استندت إلى استراتيجيات تحليلية ومنظورات تصورية تفكر في الخطابات الثقافية بوصفها ممارسات دالة، لا يستقيم الفهم بها إالّ في إطار عمل تفكيكي يضيء أنماط العلاقة بين المعرفة والقوة من جهة، والثقافة والهيمنة من جهة ثانية. ولذا، فقد أدبرت عن المفاضلات السابقة بين الفنون والمنتجات الجمالية مرئية أو مكتوبة، مستندة إلى كون «العالم ما هو سوى نص مكتوب تتأسس قواعده على منظومة من العلامات تتطابق فيها الكلمة والصورة معًا». يترتب على هذا المنظور المنفتح للعمل الأدبي والثقافي الذي لا يقتنع بجدوى المقولات الشكلانية من قبيل «لا شيء خارج النص» و«النص المكتفي بذاته»، إعادة الاعتبار إلى التواصل المفقود بين الآداب والفنون وسياقات تشكّلها التاريخية والاجتماعية، وقراءتها من منظور يستكشف الثقافة في تعدديتها وتنوع أنساقها
وسياقات إنتاجها الاجتماعية والتاريخية، ويصوغ فهما للعالم ينبعث من قيم مغايرة للقيم السلبية التي تضيّق أفق التنوع البشري. وبهذا المعنى، لا تتركز اهتمامات الدراسات الثقافية على إظهار تحيزات الثقافة باتجاه ما هو رسمي أو مؤسسي فحسب، أي بالكيفية التي تعمل بها رواية رسمية ما لجماعة أو أمّة على تأكيد مظاهر معيّنة في الهوية بما يقود إلى إنكار صوت آخر لروايات بديلة، وإنما يتجاوز اهتمامها هذه الحدود، ليستوعب أشكاالً أخرى من التساؤل عن الكيفية التي تتبلور بها المقاومة الموجهة ضد النسق الثقافي المهيمن، ما دامت كل هيمنة تبذر من داخلها ما ينمي العناصر التي تساعد على مجابهتها وتفنيد أطروحاتها. هذا التحليل الذي تشيده الدراسات الثقافية يتغذى من رافدين علميين كان لهما أعمق الأثر في الدراسات الفكرية والنقدية. يتعلق الأمر، في مستوى أول، بأعمال كارل ماركس التي لفتت الانتباه إلى العلاقة الجدلية بين البنية التحتية متمثّلة في علاقات الإنتاج وأسلوبه والبنية الفوقية متمثّلة في أشكال الوعي المختلفة بالبنية الأولى (دين، أدب... ثقافة عمومًا) وهو ما يعني أن الطبيعة الاقتصادية هي المتحكمة في الوجود البشري. ويتعلق، في مستوى ثان، بالأعمال الجذرية للمفكر الفرنسي ميشيل فوكو الذي أظهر كيف أن السلطة منبثة في جميع أشكال العلاقات الإنسانية، حين ساءل التحيزات المختلفة التي تنطوي عليها ممارسة السلطة حتى في السلوكات والمواقف التي قد تبدو في الظاهر ممارسة نبيلة. وتتسرب هذه التحيزات عبر أنماط متعددة من الخطاب تفصح عن نفسها بدرجات مختلفة. والإشكالية المشتركة بين الباحثين في الدراسات الثقافية تتعينّ بوصفها ذات علاقة بمفهوم الهيمنة (أنطوني غرامشي) الذي يعني علاقات الهيمنة التي ينهض عليها النظام الاجتماعي، وهي علاقات تشتغل كآليات للإخضاع والسيطرة. الهيمنة مثل السلطة، فهما معًا تجعلان من أفراد المجتمع أفرادًا يُظهرون الطاعة والإجماع، وبالتالي يشكّلان نسقًا من الممارسات والمرجعيات. لنقُل إن الدراسات الثقافية تأخذ على عاتقها مهمة تحديد وفهم مواقع الهيمنة، ثم الممارسات المعارضة (المقاوِمة) التي تتقصد إلى الاحتجاج عليها؛ فهي تهتم بدراسة ما يحدده دوسيرطو كاستراتيجيات: الاحتيال، المهارات التي يتوسل بها من هو في موقع ضعف في مواجهة من هو في موقع قوة. فالأشكال الأدبية المنزاحة عن المألوف، وكذلك مفاعيل السخرية والاستشهادات والتناص.. وكثير من الممارسات المعارضة الموظفة أدبيًا تشكّل كلها حقل اهتمام للباحثين في هذا الميدان، يسعون إلى فهمها باعتبارها تقنيات للمقاومة. والدراسات الثقافية عندما تتبنّى هذا الاختيار (الموضوع والإشكالية) توجد في موقع معارض للمعيار وللبنية النظرية. فعملها مثل الإنتاجات الثقافية التي تدرسها، يُظهر كثيرًا من المتعة والاحتجاج على ما هو قائم. لقد أمكن للدراسات الثقافية من خلال إعادة استثمار هذه الأعمال الفكرية، أن تنزّل الأدب مرتبة مخصوصة؛ إذ بربط الأدب بالثقافة، أي بكل المظاهر الخطابية وغير الخطابية التي تتجلى من خلالها، سعت الدراسات الثقافية إلى الكشف عن الأشكال الأيديولوجية التي تعربّ بها هذه الممارسات عن نفسها في
خطابات وأشكال مختلفة، محددة بذلك مجاال بحثيًا جديدًا للنقد الأدبي تمثّل في دراسة العلاقة بين الأدب والممارسات الثقافية وتبئير القراءة على الكيفية التي يتم بها بناء الخطاب وتنظيمه وتفحّص نوع الآثار التي تحدثها هذه الأشكال والصنعات لدى قرّاء محددين في وضعية محددة، كما تعنى بالكشف عن الأنساق المضيّقة التي تنطوي عليها النصوص، والنظر في ما ترعاه الثقافة من هذه الأنساق. وهذا النقد الذي تؤسّسه الدراسات الثقافية هو ذو طبيعة جدلية، فهو يتجاوز من جهة النزعة الماركسية التقليدية التي تقوم على الشرط الاقتصادي، وتمجّد الطبقة، ومن جهة ثانية يتخطى الفهم الشكلاني الذي يفصل بين الأشكال الأدبية والجمالية وأبعادها التاريخية والاجتماعية. ومعنى هذا أن «من المستحيل قيام مقاربة مجرَّدة وشكلانية للأدب، فكلّ عمل أدبي في العالم هو جزء من ثقافة إنسانية ما، بالمعنى الذي يعطيه الأنثروبولوجيون للكلمة، ولا يمكننا أن نضفي عليه معنى إالّ ضمن تلك الثقافة».
الرواية موضوعًا للدراسات الثقافية
تُعَدّ الرواية من أكثر الأجناس الأدبية تجسيما للعبة التناص والتفاعل والتداخل بين النصوص واللغات والخطابات والتعبيرات، ومن ثم كانت الأقرب إلى الممارسات التي يعنى بمساءلتها التحليل الثقافي باعتبار أن ما يشكّل نقطة الارتكاز بالنسبة إلى الفهم والتأويل ليس المتكلم فحسب، وإنما أيضًا الخطاب الذي ينتجه بمعية الشخصيات الأخرى على نحو ما يعلّمنا ميخائيل باختين. وقد قرن فيصل دراج بين الرواية والتاريخ بحكم صدورهما عن سؤال مركزي يتمثّل في: ما هو الإنسان؟ فإذا كان الروائي يستولد أجوبته من رحم جوهر إنساني عصي على الثبات، فإن المؤرخ يستدعي الإنسان ذاته ليتأمل حاضره المكتشف ماضيه البعيد، كما لو كانت رغبة الاكتشاف تحوّل الماضي إلى حاضر إبداعي جديد. وانطلاقًا من هذا الفهم الذي يجد موضوع الرواية في التجربة الإنسانية المعيشة وفي الالتحام بالحاضر المتغير المسكون بالغرابة المقلقة، أضحى التمثيل الرسّ دي représentation narrative() من أهم القضايا التي تسلط عليها الاهتمام في الدراسات الثقافية، خاصة أنه مجال تتقاطع في تناوله اختصاصات معرفية وفلسفية بالغة التنوع، ويتموضع في القلب من إشكالية المعرفة بالعالم الخارجي الذي يتبدى وكأنه مستقل بذاته، وينطوي على العناصر التي تمكّن من معرفته، دونما حاجة إلى الذات التي يمكن أن تضطلع بإدراكه وإنتاج الفهم بجزئياته وتفصيلاته. ولقد ظل هذا الإشكال هاجسًا أساسًا لنظرية المعرفة. فبتياراتها المتعددة التي تشكلت على امتداد التاريخ كان التساؤل الأساس لنظرية المعرفة متركزًا على فهم الكيفية التي تتحول من خلالها شذرات العالم الخارجي إلى موضوع للمعرفة بالنسبة إلى الذات؛ إذ لكي تكون هناك معرفة لا بد من ذلك الحضور La Mise en présence() أمام الذات، والاستبطان للواقع موضوع المعرفة. وإذا كان مفهوم التمثيل يوظَّف هنا لإعادة الاعتبار إلى ظاهرة المعرفة بما تعنيه من تملّك واستبطان، أي تحقيق الحضور بالمعنى الأوسع، فإن المعرفة المتحققة هنا تمثّل نوعًا من مضاعفة العالم، أي تكراره. وهذه المعرفة التي
يعاد إنتاجها على مستوى الوعي، تماثل القدر التراجيدي الذي يعيد الممثّلون إنتاجه على فضاء الخشبة، حيث يأخذ شكل متتاليات من الإشارات والحركات والخطابات التي هي جوهر التمثيل. بهذا المعنى تتأسس فكرة التمثيل على الاستعارة التي يتميز بها المسرح. فإذا كان المسرح يعرض أمام الجمهور نماذج متنوعة من الحالات والمواقف والأقدار والممارسات، فإنه يحضنا على عدم الارتهان للمعرفة الحدسية المباشرة، ويرغمنا على استكشاف المعاني والدلالات الخبيئة خلف الوجود الظاهري. إن ما يهمني إبرازه من خلال هذه الدلالات التي يأخذها التمثيل في نظرية المعرفة، أتعلق الأمر بالموقف الواقعي الذي يعطي كل الاهتمام للعالم الخارجي، ولا يعترف للذات بأي مساهمة تُذكر سوى كونها انعكاسًا بسيطًا وآليًا لذلك العالم وخضوعًا له، أم بالموقف المثالي في صيغته الجذرية التي تنطلق من مركزية الذات المفكرة في إنتاج المعرفة بالعالم، والمعرفة المنتجة ها هنا لا تحيل إلى الذات الفردية وإنما إلى الفكر المطلق الذي لا تكون فيه الذات الفردية سوى مشارك ضمن فعاليته التفكيرية، أو في صيغته المنفتحة التي تعترف للواقع بوجود مشروط بالذات وخاضع لها، لكن المعرفة هنا تتعينّ نتيجة استثمار تنهض فيه الذات بدور أساس. إن ما يهمني إبرازه يتمثّل في أن المعرفة التمثيلية تظل متعددة الدلالات، ومتسمة بالنسبية لأنها تخضع للتمثلّات التي تتدخل فيها عوامل مختلفة، ومنها العامل الذاتي. لعل أهم ما يبعث على الاهتمام في الحضور الذي يأخذه مصطلح التمثيل السرّدي هو خلفيته الثقافية التي تتعين جسرًا للعبور من العلامات النصية إلى العالم. وقبل أن نضع هذا المفهوم في إطار النظرية النقدية المعاصرة التي يتعين إدوارد سعيد باعتباره من ألمع منظّريها ومن المساهمين في توسيع أفقها، لا بد من القول إن التمثيل يُعَدّ من المفاصل الأساسية التي يقوم عليها بناء الحبكات في الرسّد الروائي، ذلك أن كل تمثيل سردي لا بد أن يستند إلى ثلاث ركائز ودعامات أساسية: أولاًالحوادث التي تنتجها الشخصيات انطلاقًا من الوظائف والأدوار المسنودة إليها، وثانيًا الأزمنة المتعلقة بالقصة المروية، وثالثًا الفضاء التي تتحرك فيه المحافل السردية وتتبادل الأدوار. وبما أن فهم استراتيجيات التمثيل يموضعنا في القلب من المقصدية التي يتغياها المبدع، فقد عنيت به الدراسات الكلاسيكية والمعاصرة على حد سواء، وهذا ما أدى إلى تبلور منظورات تصورية بالغة التنوع بحيث لا تقف عند الوظائف المحايثة للنصوص، كعلاقة التمثيل بالسارد والعالم المشخّص داخل الرواية، وإنما اتسعت لتستوعب دراسة التمثيلات التي تنصب حول قضية واحدة تتمظهر في تجارب كثير من الكتاب، أو تشكّل قاسما مشتركًا بين عدد من النصوص التي تنتمي إلى تيار معينّ من تيارات الكتابة. غير أن ما يميّز حضور هذا المصطلح في التحليل الثقافي ينبثق من الاستعمال الذرائعي لنص الرواية، بحيث يغدو التحليل الأدبي أداة يتم توظيفها من أجل أهداف ثقافية عامة، يجري تشييدها من خلال النقد الثقافي. بهذا المعنى، فإن دراسة التمثيل، من منظور ثقافي، تمكّننا من الاقتراب من العلاقة الملتبسة بين الواقع الملموس الذي تستمد منه الرواية الآثار والعواطف والأنساق، وما يؤول إليه من صور ودلالات ورموز لا يمكنها أن تحل محله أو أن تفي بجميع أبعاده. لذلك نلفي الرواية في تحققاتها المعاصرة تنأى عن ادّعاء إمكان تمثيل واقع يوجد خارجها، ولا حتى التعبير عن تجربة داخلية كما لو أنها المرآة التي تكشف لنا طول الطريق، بل تنحو
نحو إظهار الإمكانات المختلفة التي تنطوي عليها الكتابة باعتبارها نوعًا من العمل على اللغة. بهذا المعنى، ما عادت الواقعية التي كانت عامالً أساسًا في الحكم على الرواية سوى عنصر مكمل. أمّا المهمة الأساس للروائي، فتتمثّل في كتابة مغامرة الرواية وملاحقة تفصيلاتها وجزئياتها. وإذا كانت هذه الاقتراحات الجمالية تضعنا أمام مستويات مختلفة من التمثيل، فإنها كذلك «تبرز ألاعيب الكتابة في تمويه الواقع وتزييف حقائقه، وتتعامل مع النص الإبداعي ليس بوصفه انعكاسًا للواقع أو ترجمة أمينة لحياة صاحبه، وإنما بكونه تشخيصًا مغايرًا لعناصر الكون وتعبيرًا عماّ تَستَضْمِرهُ الذات من أحلام وتطلّعات محبطة وحقائق ملتبسة وغامضة». وعلى هذا الأساس تستأثر عملية التمثيل باهتمام كبير في الرواية المعاصرة، بحيث تضعنا أمام استراتيجيات بالغة التنوع والاختلاف والاتساع، إذ تمتد لتستوعب عملياته فتتردد الإشارات المتعلقة به في ثنايا الحكاية، بما يشكل مظهرًا فنيًا من مظاهر الكتابة فيها. وبما أن التمثيل السردي يتحقق باللغة، بما هي كلمات منتظمة في جمل تتخذ تفويضًا تحلّ بمقتضاه محل شيء آخر، لتمثيل واقع آخر، حيث تصبح الكلمات مجرد علامات وتمثيلية للأشياء، فإن هذه الكلمات، وقد تحولت إلى خطاب، تظل مشروطة بسياق إنتاجها وتلقّيها. ولذا، فهي لا تستطيع أن تفي الموضوع الممثّل بكل عناصره ومقوماته؛ فحتى عندما نقول إنها تحل محلّ الواقع، فهي لا يمكن أن تقول هذا الواقع إلى الحد الذي يغدو فيه التمثيل مشابهًا أو مماثالً له. فالكاتب عندما يقوم بتمثيل موضوعه، فهو يحتمي أيضا بالمخيلة من أجل إعطاء موضوعه الكثافة الدلالية والرمزية التي يتطلبها. وهذا بالتحديد ما قصده أرسطو عندما تحدث عن المحاكاة؛ إذ لم يقصد الاستنساخ والتقليد للنماذج والتجارب المستوحاة في الإبداع، وإنما كان يدرك أن الأمر يتعلق بالمحاكاة المبدعة التي تحتفي بالخيال، وبما يضيفه الشاعر أو التراجيدي من لمسات ورؤى متفردة. بهذا المعنى يتداخل التمثيل بالخيال بما هو طريقة في الرؤية تتجاوز الإطار الحسي المباشر، إلى ما له علاقة بالوجود في عالم الأذهان. والتمثيل وفق هذا التصور «ليس مشروطًا بقيام المدركات في حالتَي الحضور والغيبة، وإنما يتعداها إلى عوالم التوهم والرؤيا وما يدانيهما». وبحسب هذا المعنى، لا يكون التمثيل فقط إحضارًا لما هو حاضر في عالم الواقع، وإنما قد يكون أيضًا تنميقًا وتشذيبًا لصور لا علاقة لها بالموضوع الممثَّل، وإنما هي مستوحاة من عالم الخيال، غير أنه يمكن - بحكم قوة التمثيل وسطوة الثقافة - أن تغدو أكثر واقعية من جانب من يتلقّاها. وهذا بالتحديد ما أشار إليه الباحث عبد النبي ذاكر في سياق اشتغاله على الرحلة حين اعتبر «أن التمثيلية لا يمكن أن تتملص أو تنفلت من لحظتها التاريخية ومناخها السوسيوثقافي الذي يحكمها ويلونّها ويؤدلجها. لذا، لا يمكنها إالّ أن تكون محدودة كماًّ وقابلة للتصنيف والتفييء، ما دامت تنبثق من توجُّه أيديولوجي معينّ ومن خليط معقد من الأفكار والمشاعر القابلة للمعاينة تاريخيًا، ونخصّ هنا بالذكر تمثيلية الأجنبي».
الرواية، التمثيل والقراءة الطباقية
يتفق كثير من الباحثين على أن إدوارد سعيد نهض بدور كبير في إغناء الدراسات الثقافية وإثراء مقارباتها؛ فمنذ أن أصدر كتابه الأول: جوزيف كونراد وقص السيرة الذاتية سنة 966 1، مرورًا ب الاستشراق 978(1) ثم العالم والنص والناقد 983(1) والثقافة والإمبريالية (9931)، وهو يسعى إلى اجتراح وظيفة مميّزة للنقد، تستفيد من المواقف السياسية المعارضة التي تتردد أصداؤها في كتابات ماركس وإنغلز ولوكاش وفانون، فضالً عن النقد الجذري الذي مثلته كتابات تشومسكي وبرتراند راسل وويليامز وآخرين. فعند هؤلاء يحتل تصوّر فوكو للخطاب كحقل للصراع من أجل القوة جاذبية خاصة، ومن هنا يدعون إلى ضرورة أن يكون للنقد ما يقوله عن قضايا مثل الإمبريالية والكولونيالية والصراع الطبقي والقومية. هذا الشيء الذي ينبغي للنقد أن يقوله هو الذي عربّ عنه إدوارد سعيد بالمعارضة. ولا تنطوي المعارضة عنده على معاني الإقصاء أو الانعزالية أو الوقوف في الجانب الآخر المعادي والنقيض، وإنما تتحدد بوصفها شكالً من القراءة للنص في سياقه الأكمل، يلزم الناقد بقدر من الالتزام الثقافي والإنساني الذي يدرك مدى التداخل الحاصل بين الثقافات والمجموعات البشرية، ويتنبه في الوقت نفسه إلى ما يطاول بعض المجموعات من أشكال التهميش والازدراء والحقارة. وهذا العمل الذي يأخذ سعيد على عاتقه مهمة إنجازه، يتعاضد مع حركة معارضة يقودها كتّاب من أميركا وأوروبا ومن العالم الثالث لرفض ما يعتبرونه نزعة لعوبًا للنقد الأدبي ما بعد الحديث بتنصله من كل شيء، بالدعوة إلى عدم التعامل مع النصوص على أنها مستودعات لمعلومات أو عيّنات إثنوغرافية تلائم الاهتمامات المحدودة لدى الخبراء والمختصين بمنطقة من المناطق. تعتمد قراءة إدوارد سعيد للنص الثقافي الغربي على تفكيك التمثيل الثقافي والكشف عماّ تستبطنه التعبيرات الغربية من رؤى نمطية تموقع الآخر في حيّز الهامشي؛ ذلك أن الاستقصاءات العميقة التي أنجزها في النص الروائي الغربي، أبرزت ما لهذا المفهوم المتداول في المناهج والنظريات النقدية والثقافية الحديثة من «دور بالغ الأهمية في كشف تورط الرؤى في إعادة صوغ المرجعيات وفق موقف نمطي ثابت، يحيل إلى تصور جامد ذي طبيعة جوهرانية مغلقة، الأمر الذي أفضى إلى سلسلة من عمليات التمثيل التي يمكن اعتبارها وثائق رمزية دالة على العلاقة بين المرجع الفكري وتجلياته الخطابية». ولما كانت قراءة الاستشراق في ضوء هذا المفهوم تحفز على إعادة النظر في الطريقة التي تعاملت بها الثقافة الغربية الحديثة مع الثقافات الأخرى المغايرة لها، بكل ما يحكم ذلك التعامل من استعلاء وعرقية دينية وثقافية، فإنها تدفع للذهاب إلى أبعد من فعالية الاستشراق ذاتها، إلى القول إن التمييزات التي كرّست المسافة بين الشرق والغرب ليست في الواقع سوى تجسيد لانقسام باطني في الغرب الحديث. وهو الانقسام الذي ما كان ليفكَّر فيه ويُفهم على النحو الذي هو عليه لولا الدراسات الثقافية المضادة المتعلقة بالاستشراق، وهي الدراسات التي نشّطت سيالً من الكتابات المختلفة من داخل الثقافة الغربية، وبالاعتماد على أدوات ومفاهيم مستمدة من الحقل المعرفي لهذه الثقافة. لقد تبلور ذلك من طرف كتّاب وباحثين وأدباء ينتمون
إلى أطراف كانت في ما مضى محكومة ومستعمَرة من جانب الغرب. وهذه الرجة الفكرية التي تهدف إلى تأسيس قواعد الاختلاف الثقافي المسنود بالوعي، والقائم على التفاعل بين الثقافات والهويات في إطار من الندّية والاعتراف المتبادل، هي التي عربّ عنها إدوارد سعيد سنة 9951، بعد أن مر أكثر من عقد على صدور كتاب الاستشراق، إذ قال: «ثمة ثورة قد حدثت في وعي النساء والأقليات والمهمَّشين على درجة من القوة إلى حد التأثير على تيار الفكر الرئيس في العالم أجمع. ورغم وجود بعض الحس لدي بذلك في أثناء اشتغالي بكتابة الاستشراقفي السبعينيات، فقد أصبحت الآن واضحة بشكل مثير لدرجة أنها تتطلب انتباه كل من يهتم جديًا بدراسة النظرية والثقافة البحثية». لاستقراء ملامح العلاقة بين الرواية والحركات الاستعمارية في النظرية الثقافية عند إدوارد سعيد، سنعتمد على كتاب الثقافة والإمبريالية الذي يتعينّ في منظورنا بوصفه بحثًا شديد الأهمية في حقل الدراسات الثقافية المعاصرة؛ ففيه يذهب إدوارد سعيد مدى أبعد في الكشف عن الطابع المتغير والمتنوع للمدنيات والثقافات، وتداخلها واعتماد بعضها على بعض، كما يكشف عن أشكال التواطؤ التي قامت بين الرواية كممارسة كتابية إبداعية والقوى الاستعمارية خلال القرن التاسع عشر. وفي هذا السياق الذي يتميز بتجاوز الرؤية الشكلانية للنقد البنيوي، يدافع إدوارد سعيد عن فكرة أالّ يبقى النقد حبيس رؤية عقائدية من دون أن يجعل وكده التساؤل ووضع الأشياء والممارسات موضع التفكير. فالنقد لا يكون مميزًا إالّ عندما يخرج عن نطاق الجبهات، ويفكر في العلاقة بين السياسة والخطابات الثقافية، لا من زاوية التقابل والتضاد والقطيعة التي لا تولِّد سوى الاستشراق، وإنما استنادًا إلى التكامل والتداخل والتاريخ المشترك بحثًا عماّ يسميه هومي بابا الفضاء الثالث. وعندما يتعلق الأمر بدراسة الثقافة، وهي هنا على درجة كبيرة من التعقيد والهجنة والتنافر، فإن ذلك يقتضي النظر إليها بطريقة طباقية. فهذه المنهجية الطباقية إذا كانت تؤمّن للنصوص وجودها المختلف باعتبار أن تحققها هو ثمرة اشتغال للخيال الخلاق، فإن هذا المسلك لا يلغي مشروعية القراءة التي تنظر إليها بوصفها جزءًا من العلاقة بين الثقافة والإمبريالية. وبذلك تجمع هذه القراءة بين تفكيك آليات السيطرة في الخطاب الثقافي للامبريالية، وقراءة المقاومة الوطنية للإمبريالية وانعكاسها في الثقافة. وعندما يتحدث إدوارد سعيد عن علاقة الكتاب بالتاريخ والتجربة الاجتماعية التي يتشكلون في إطارها بدرجات متفاوتة، فإنه لا يختلف عماّ يشير إليه ديفيد هارفي عندما يعتبر أن الفنا ين، في النهاية، هم على علاقة بالحوادث والمشكلات التي تحيط بهم، كما أنهم يؤلفون أنماطًا أو طرائق في التفكير والسلوك ذات مضامين اجتماعية. وبما أن النص الأدبي فضاء خاص تتحرك في حيّزه قوى عديدة، فإن الناقد مطالب بأن يتفطن لهذه القوى، لا باعتبارها من نتاج الخيال، وإنما بوصفها مشروطة بسياق ثقافي يؤطر كتابة ذلك النص ويمنحها طابع العلامة التي يمتد مفعولها إلى خارج النص. لهذا يرى سعيد أن كماًّ هائالً من النقد الجيد لم يتمكن من تجاوز موقع التعالي لكثير من النصوص الروائية التي كُتبت خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ولم يدرك إلى أي مدى كانت هذه النصوص مساهمة، بشكل أو بآخر، في العالم الذي ولّدها وأنتجها، لأن تلقّي تلك الأعمال ظل اختزاليًا، أتمَّ ذلك عن قصد أم عن غير قصد.
إن هذا الموقف النقدي الذي يتبنّاه إدوارد سعيد يختلف، من جهة، عن القراءة البنيوية الانغلاقية التي ترى إلى النص بوصفه كيانًا معزوالً قائما على كمال ذاتي، كما يختلف، من جهة أخرى، عن القراءة الانعكاسية التي تصادر خاصية الاختلاف عن العمل الأدبي حين تعتبره مجرد إعادة إنتاج للواقع المادي، ومن ثم تقرأه في ضوء هذا الواقع. إنها طريقة في تلقّي التمثيل في النصوص السردية تنأى عن التعميم والقول بوجود النسق أو النظام الكلي، فهي تعتبر أن لكل نص عبقريته الخاصة وهويته المميزة، وهي فضالً عن ذلك تربط البنية النصية بتاريخ الأفكار والتصورات والقيم التي يحاورها ويستمد منها الدعم. وهذا بالتحديد ما قصده رولان بارت في إحدى دراساته التي شكّلت نوعًا من المسافة بالنسبة إلى الأطروحة التي شيدها سابقًا إلى جانب جيرار جونيت وتودروف في إطار السرديات narratologie()، ونقصد كتاب S/Z الذي صرح فيه بأن القراءة المنتجة هي تلك التي تؤمّن للنص اختلافه وتميزه من باقي النصوص الأخرى، حيث يتعين الاختلاف بوصفه تمفصلا على لا نهائية النصوص واللغات والأنساق. اعتمادًا على هذا الفهم للأدب، اعتبر سعيد أن الرواية، وهي جنس أدبي حديث، تطورت ونمت وقدّمت أشكاالً جمالية مختلفة في إطار من التفاعل مع النزعة الإمبريالية التي كانت سائدة آنذاك؛ إذ قدمت صورة لعالم مركزه الغرب المميز اجتماعيًا وسياسيًا وثقافيًا، وعلى الأطراف منه سلسلة من الأراضي ما وراء البحار. ولقد واكبت الرواية هذا المدّ الإمبريالي، وشخّصت ملامحه المختلفة من دون أن تتجرأ على طرح الأسئلة المقلقة بصدده، أو إثارة الانتباه إليها بشكل أو بآخر، وإنما كانت تتبنّى وجهة النظر الاستعمارية التي تحفز على استدامة السيطرة وعدم التفريط فيها. إن ميزة هذا التحليل تتمثّل في استكشافه ذلك المجهول المنغرز بين ثنايا النصوص، ووضع تلك الأعمال التي ظلت تتمتع بالوضع الاعتباري في الأدب العالمي موضع التفكير الذي يتكشف فيها عن أشكال من التحيّز والتواطؤ مع النزعة الاستعمارية التوسعية. لهذا، فإن القيام بهذا العمل لا يعني قذف الفنون والثقافة الأوروبية، والغربية عامة، بنعوت نقدية قصد إدانتها بالجملة؛ فما يريد أن يتفحصه على نحو أدق هو الكيفية التي حدثت بها العملية الإمبريالية في مستوى آخر شديد الدلالة والأهمية، هو مستوى الثقافة القومية التي لا نزال نميل إلى تنزيهها كمجال من النصب الفكرية اللامتغيرة، نقي من الوشائج الدنيوية. بهذا المعنى يشترك التحليل الثقافي عند إدوارد سعيد ونقاد آخرين مثل هومي بابا وغياتاري سبيفاك وفريديريك جيمبسون... إلخ، في ارتياد الأفق الذي يستعيد فيه النقد دوره الإنساني، خصوصًا في فضح الانشغالات الإمبريالية والعنصرية التي هيمنت على الثقافة الغربية وحددت نظرتها لمن حولها. هذا المفهوم للنقد هو الذي يتحقق استنادًا إلى مساءلة جديدة لمفهوم الهيمنة الاستعمارية، تختلف عماّ درج عليه أغلب الدارسين والمحللين من إهمال للسياق القومي والعالمي لتمثيلات الرواية. فهو يبحث في الدور الامتيازي للثقافة في التجربة الإمبريالية الحديثة، معتبرًا أن الامتداد الكوني للإمبريالية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ترافق مع حركة واسعة لدارسين وإداريين ومغامرين ورؤيويين وشعراء وكتّاب وتجار وروائيين ومنظّرين ومضاربين.. باتجاه هذه المستعمرات. إن إدوارد سعيد لا يتصور الإمبراطورية أو الاستعمار مجرد فعل بسيط من أفعال الاكتساح والتوسع والهيمنة كما قد يظن البعض، وإنما هما في الأصل تخطيط فكري وجمالي استند إلى تشكيلات عقائدية
ومفاهيم متعددة، مضمونها أن بعض الشعوب وبعض البقاع يتضرعان إلى أن يخضعا للسيطرة، وأنها فضاء مميّز لجمع المال وتحسين الطالع وللمغامرات الجنسية، كما يكشف عن ذلك الكثير من النصوص مثل رواية بت، ابنة العملبالزاك وروبنسون كروزو لدانييل ديفو. لهذا، يرى إدوارد سعيد أن مفردات الثقافة الإمبريالية خلال القرن التاسع عشر تحفل بمفاهيم عديدة وتصورات من مثل: «دوني»و«أعراق تابعة» و«شعوب خاضعة» و«تبعية» و«توسع» و«سلطة». معنى هذا أن النص الأدبي عمومًا ليس بريئًا، إذ ينطوي على أنساق ورؤى تغاير ما يصرح به المدلول المباشر للغة. وهذا ما يتطلب جعل التحليل ينصبّ على تلك المواقع النصية التي تشتغل فيها الأنساق المضادة. والحجر الذي يلقيه إدوارد سعيد في بركة النقد الأدبي الراكدة يبُرز سكوت النقد الأدبي خلال السبعينيات والثمانينيات عن تعميق النظر في مثل هذه الموضوعات على الرغم من التطور الكبير الذي عرفته أدواته ومنهجياته. صحيح أن هذا النقد الحديث بلور اهتمامًا متميزًا بالرواية وبنظرياتها الكبرى، غير أن مستوى مساهمة السرد في تغذية النزوع نحو الهيمنة والسيطرة لم يلتفت إليه إالّ نادرًا. فقليلون هم النقاد، حتى اليساريون منهم، الذين ناقشوا العلاقة بين الثقافة والإمبريالية. وعندما يستحضر إدوارد سعيد ناقدًا مثل ريموند ويليامز الذي لا ينكر تأثره الكبير بأبحاثه، يجد أن مثل هذا الوعي الدنيوي بارتباطات الأدب الإنكليزي خارج البحار ينعدم كثيرًا في طروحاته، بل إن ويليامز يصف هذه المرحلة دونما إشارة إلى الهند أو أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا. يتبينّ أن القراءة التي يتغيّاها إدوارد سعيد هي التي تفكر في النص من منظور منفتح؛ «فكل عمل ثقافي هو رؤيا للحظة ما، وعلينا أن نقحم هذه الرؤيا تجاوريًا مع الرؤى التنقيحية المتنوعة التي استثارتها فيما بعد». لذلك، فالقول بأن العمل الفني مجرد انعكاس مباشر للواقع لا يستقيم إالّ من منظور يسكنه هاجس التطابق ةلثملاامو.اإل انهاه اله ةيهأم لا ةشاربلام ةبرجتلاف في منظور قراءة مضللة بالتأكيد، لأنها تقصي العلاقة بين البنى المسرودة في النص والتجارب التي منها تلقى الدعم. ويضرب سعيد مثالً لذلك برواية قلب الظلام لجوزيف كونراد. فهذا العمل الذي تحضر فيه أفريقيا بقوة، هو ثمرة لما ترسب في ذاكرته من انطباعات عن أفريقيا مستقاة من مخزون المأثورات الشعبية والكتابات عنها، متفاعلة تفاعالً خالّقًا مع مقتضيات السرد وأعرافه وعبقريته وتاريخه الخاصين المميزين. ومن المعروف أن لجوزيف كونراد تجربة غنية مع البحر، اختزنتها نصوصه التي تحلّق بالقارئ في أجواء وفضاءات من الشرق وأفريقيا وأميركا الجنوبية، آهلة بالسحري والعجيب، وكل ما يشكّل مادة مدهشة للقارئ الذي خاطبته أعماله. وإذا كنا نجد لدى بعض النقاد والدارسين تأويالً مختلفًا لهذا الاهتمام بالأماكن النائية «التي يسعى إليها المرء، أو الإنسان الأوروبي على وجه التحديد، طلبًا للثروة أو النفوذ، أو هربًا من ماض مأساوي مؤلم، يكشف عن الكثير من خبايا النفس ويدعو المرء إلى مجابهة ذاته والتعرف عليها، فتُخرج إلى النور الكثير من مواطن الضعف والقوة التي تخفيها المدنية وتكبحها أصوات المجتمع والسلطة الحاكمة»، فإن ما يتحقق، من منظور إدوارد سعيد، في رواية قلب الظلامهو «أفريقيا مسيسة ومشبعة عقائديًا، كانت لنوايا وأغراض ما. المكان المربوطبكل تلك المصالح والأفكار الفاعلة فيها بشراسة لا مجرد انعكاس تصويري أدبي لأفريقيا».
إن الرواية، باعتبارها مؤسسة أنتجتها الطبقة الوسطى في المجتمع الغربي بمغامراتها وقيمها وفلسفتها الاستكشافية، يتعذر أن يتلقاها المرء من دون أن تخامر عقله العلاقة بين منجزها الثقافي والجمالي والحركة نحو المستعمرات البعيدة. ف«الرواية هي أكثر الأشكال الأدبية الرئيسية حداثة زمنيًا. وإن نشوءها هو الأكثر قابلية للتأريخ، وحدوثها هو الأكثر غربية، ونسقها المعياري للسلطة الاجتماعية هو الأكثر بنينة، ولقد حصنت الرواية والإمبريالية إحداهما الأخرى إلى درجة عالية يستحيل معها، تبعًا لما أطرحه، قراءة إحداهما دون التعامل بطريقة ما مع الأخرى». إذا كان إدوارد سعيد لا ينكر وجود دراسات مهمة تناولت العلاقة بين الرواية الأوروبية والفضاء الاجتماعي، كدراسات يان وات ولوسيان غولدمان وبيير بورديو وفريدريك جيمسن، فإن هذه الأعمال لا يجد فيها ظلال العالم الذي تحدث فيه الروايات. لذلك، فهي لم تناقش العلاقة بين ما تفصح عنه قيم الشخصيات وسلوكاتها وبعض الممارسات التوسعية، لا لأن الناقد ليس على درجة من الإيمان بتلك العلاقة ومن اليقين بمصداقيتها، وإنما لغياب ذلك الحس النقدي الذي يتصور نصوصًا، ككلارسيكا أو توم جونز، بوصفها مواكبة داخلية للمشروع الإمبريالي في الحضور والسيطرة الخارجيين، وسردية تطبيقية بشأن التوسع والتنقل في فضاء ينبغي أن يقطن ويتمتع به بشكل ناشط قبل أن يتسنّى تقبّل نظامه أو حدوده. فلقد اهتم النقد الأدبي بالحبكة الروائية في بنائها الزمني أكثر من الاهتمام الذي أولاه لوظيفة الفضاء والجغرافيا والأرض، على الرغم من أن الكثير من النصوص كان يمثّل فيها الصراع حول الفضاء أحد مرتكزات التمثيل السردي، وأشد أسس التخييل أهمية من حيث الاعتماد عليها في تركيب الصورة التي يتقصد إليها الكاتب. بهذا المعنى يعتبر سعيد «أن الروايات صور للواقع في أبكر المراحل أو آخر المراحل من تجربة القارئ لها: بل الحق أنها تصوغ بإحكام وتصون واقعًا ترثه من روايات أخرى، فتقوم بالإفصاح عنه من جديد وبسكناه من جديد تبعًا لوضع خالقها، ومواهبه وميوله وأفضلياته. يؤكد (بلات) بحق على الصيانة، وهي مسألة هامة بالنسبة للروائي أيضًا: فالروايات الإنجليزية في القرن التاسع عشر تؤكد على الوجود المستمر ل إنجلترة. وعلاوة، فإنها لا تدعو أبدًا إلى التخلي عن المستعمرات، بل تتبنّى وجهة النظر البعيدة المدى القائلة بأنها ما دامت تقع ضمن مدار السيطرة البريطانية، فإن السيطرة هي نوع من المعيار وهكذا فهي تحفظ وتصان جنبًا إلى جنب مع المستعمرات».
خارج الحدود أو الرد بالكتابة
على الرغم من التلقّي المحدود لأدب المستعمرات، فإن ذلك لم يكن ليغطي على الفضاءات الأصلية المتجذرة في هذا النتاج الأدبي والثقافي. فكتّاب المستعمرات يحملون تلك الفضاءات بحساسية بالغة، وهم متأصلون في ظروفها السياسية التي يمثّل فيها تاريخ الإمبريالية وأشكال مقاومتها أشد اللحظات أهمية. وعلى الرغم ممّا يثيره حول هذا الأدب نقاد غربيون بهدف التشويش على فعاليته التخيلية وإنتاجيته الدلالية بتنميطها ضمن تصورات محددة، فإن المعنى الذي يمكن أن يُستخلص من هذا النتاج يتمثّل في منظور إدوارد سعيد في أنه «مهما بلغت سيطرة عقائدية ما أو نظام اجتماعي من الاكتمال الظاهري، فستكون
ثمة دائما أجزاء من التجربة الاجتماعية لا يغطيانها ويسيطران عليها. ومن هذه الأجزاء تنبع في حالات كثيرة جدًا معارضة واعية للذات وجدلية معًا». وعندما يشير هومي بابا إلى أن اقتصار ما بعد الحداثة على تفكيك الرسّديات الكبرى المتعلقة بعصر الأنوار يجعل منها ممارسة ثقافية محدودة، فلأنه يرى أن ما يؤمّن للشرط ما بعد الحداثي فعاليته يتمثّل في ذلك الوعي بكون «الحدود» المعرفية للأفكار والنظريات المتمركزة هي نفسها الحدود الخطابية لجماعات معارضة كانت تقع سابقًا في عداد التابع. هذا المسلك هو الذي تعربّ عنه كتابات مؤرخين بريطانيين للهند وأفريقيا المستعمَرتين الذين شيدوا سردًا معارضًا، متعاطفين مع قوى محلية هناك، ثقافية وسياسية كانت تُعتبر مناهضة للإمبريالية، إذ أظهر هؤلاء «كيف يمكن لهذا النظام من العلاقات بأسره ولوجهات النظر النابعة منه أن يلغى ويحول». تمثلُ مرحلة ما بين الحربين العالميتين لحظة الذروة بالنسبة إلى المقاومة الثقافية للمستعمر؛ إذ ساهم فيها مثقفون وطلبة من أفريقيا والهند وأميركا اللاتينية من المهاجرين إلى بريطانيا أو فرنسا. وعملوا على تأسيس مجلات ومنابر وتجمعات لفتت انتباه الأوروبيين إلى معاناتهم، وضمت الكثير منهم إلى صف المعارضة الثقافية والأخلاقية للإمبريالية. وهذه الأفكار التي كانت نقية في أذهان الغربيين عن شعوب بعيدة، سرعان ما أخذت في التبدل نتيجة الاحتكاكات التي أصبحت تتم داخل الفضاء الغربي ذاته. لقد أصبحت الأفكار الإمبريالية ذات نبرة دفاعية وكأنها أدركت التحدي الصعب الذي يتهددها، من أعمال وثقافات وتراثات يساهم فيها شعراء وقادة سياسيون من أفريقيا وآسيا والمنطقة الكاريبية. فالمعارف التي أُنتجت ضمن حقل معرفي كان الغرب يملك السيطرة عليه قد انفجرت، والتأثير بدا لافتًا لأدب قادم من عالم ما بعد استعماري، وهو العالم الذي ما عاد واحدًا «من الأمكنة المظلمة من الأرض»، بحسب وصف كونراد، بل غدا من جديد فضاء يتبلور فيه جهد ثقافي يفصح عن حيوية بالغة. وليس في الأمر أي تزيّد حينما يعتبر إدوارد سعيد الحديث عن محمود درويش وغابرييل غارسيا ماركيز وسلمان رشدي وكارلوس فوينتوس وتشينوا أتشيبي وول سوينكا وفايز أحمد والطيب صالح وعبد الكبير الخطيبي وكثيرين من أمثالهم، لا يناظره في الأهمية سوى الحديث عن ثقافة بازغة جديدة لم يكن ممكنًا التفكير فيها لولا الأعمال التي سبقتها لمتحزبين مثل السي آر جيمس وجورج أنطونيوس وخوسي مارتن؛ فما يميّز هؤلاء الكتّاب والمثقفين الذين ينتمون إلى الأقاليم المستعمرَة أو الهامشية هو أنهم في أغلبهم كتبوا بغير لغاتهم الأصلية، لكنهم كانوا دائما إلى جانب ثقافة المقاومة والمعارضة لأن خطابهم ينبثق من موقع أناس رسالتهم عن المقاومة هي النتيجة التاريخية للسيطرة. فالأساليب التعبيرية والنظريات التي كانت مقصورة على الغرب أصبحت اليوم في متناول كثير من كتّاب العالم الثالث ومكّنتهم من إعادة إنتاج سرديات بديلة من تلك التي صمّمها المستعمر. وبما أن هذه الكتابات التي تمثّل ثقافة المقاومة تتمتع بهذه الخصائص التي تجعل منها مساهمة متميزة في المعرفة، فإن التلقّي الناجع لها هو الذي يتم من خلال القراءة الطباقية التي تؤمّن لها قوتّها وخصوبتها، ولا تنسب امتياز الموضوعية إلى المركز والذاتية إلى الهامش. والحقيقة أننا أمام هذه القراءة التي تتعينّ بوصفها تأويالً مختلفًا، نود أن نتوقف عند مساهمة شديدة
الأهمية بحكم ما تمثّله من إضافة للقراءة الطباقية التي يتبنّاها إدوارد سعيد، ويتعلق الأمر بالنظرية ما بعد الكولونيالية التي يبلور هومي بابا ملامحها الأساسية في كتاب موقع الثقافة الذي يسائل الآخر من خلال قراءة يتبأر سؤالها على الرواية والشعر والفن. إن مساهمة هومي بابا لا يمكن اختزالها في إبراز توازنات القوة على مستوى الموقع من خلال دراسة التابع الذي تُلقي عليه ضوءًا كثيفًا، فهي بالإضافة إلى ذلك، تمنح التابع قوة إضافية تسند موقعه التلفظي، كما تبلور تحوالً في الممارسة الاجتماعية والثقافية حيث التابع هو موضوع وذات دارسة في الوقت نفسه، وهذا ما يلمع إليه ثائر ديب في مقدمته للترجمة التي أنجزها للكتاب، إذ اعتبر أن كتابة هومي بابا «تهدف إلى إعادة موقعة من يحلل الإنتاج الثقافي، فاتحًا فضاء جديدًا وزمنًا جديدًا للنطق النقدي، حيث يعيد ‹الاختلاف الثقافي› الإفصاح عن محصلة المعرفة من منظور موقع الأقلية الدال الذي يقاوم إضفاء الطابع الكلياني دون أن يكون محليًا أو خصوصيًا، والذي يمكن منه إنتاج أشدّ أشكال الثقافة استنطاقًا ومساءلة، وإعادة تقويم كامل الحداثة وما فيها من عمايات حيال بنى القوة المتوضعة ضمن آلياتها في الهيمنة». بهذا المعنى، لا يسعى هومي بابا فقط إلى عدم الوقوع في شرك النظرية وعموميتها التي هي تمجيد لإطارها المفاهيمي وادعاء بإمكان مواجهة الأسئلة التي تنبثق من مواقع أخرى، على الرغم من أنه صاحب نظرية أشد تأثيرًا في دراسات ما بعد الكولونيالية، وإنما يتغيا كذلك مواجهة العوائق التي تهدد بنسف النظرية، أي الوقوع في شرك ما يتقصد التحليل الثقافي إلى تفكيك أنساقه وعماياته؛ فأن نتصور عمله كامنًا في تفكيك السرديات والميكانيزمات الأيديولوجية المؤسسة للهويات، والانتصار لمفاهيم تقع في صميم اشتغال الفضاء العالمي والمواطنة الكونية، معناه تأكيد ذلك التفكير المختلف في الآخرية الذي ينقل الهوية إلى موقع آخر تتبلور فيه ما يدعوه استراتيجيات الذات. لنقُل إن هومي بابا يسعى، من ناحية أولى، إلى تجاوز النماذج الوثوقية الكبرى بشأن اكتمال الهوية وجهوزيتها وانغلاقها على مكوّناتها أو نقاط الارتكاز الخالصة التي تعطي الفرد تجذرًا في الكيان الاجتماعي، لذلك يرفض المفاهيم التي تضفي على الهوية والذات طابعًا جوهريًا، ويهتم بالمعطيات التي تجعل الهوية لا تنقطع عن التحقق. ويبينّ، من ناحية ثانية، إلى أي مدى تكون الهوية منزوعة المركزية decentred()، فهي موجود مفتوح على الصيرورة والتحول والاختلاف لأنها معرضة للتهجين المضاعف وللتنقيح المتكرر. لذلك، تتعين الحاجة ماسّة إلى زمن آخر للكتابة من شأنه أن يسجل التقاطعات المتجاذبة للزمن والمكان، والتي هي واقعة في صميم التجربة الحديثة والأمة الحديثة. وحتى نبُرز جانبًا من الإضافة اللماحة التي ينهض بها هومي بابا في ميدان التحليل الثقافي، وخصوصًا في ما يتعلق بإزاحة المفاهيم التقليدية التي تفكر الوضعية الكولونيالية من خلال مفهومي السيطرة والهيمنة، واجتراح تحليل نقدي للتعارضات بين المركز والهامش، الهوية والغيرية التي تثبتها في مقولات جامدة، فمن الأهمية بمكان أن نتوقف عند الفصلين الخامس والسادس من كتابه موقع الثقافة. إن ما يلفت الانتباه ها هنا هو ما يقترحه هومي بابا من مفاهيم للتعرف إلى تلك الازدواجية التي تطبع الخطاب الاستعماري، ولا سيما مفهوم المدنية الماكرة الذي بموجبه يتبدى الخطاب الكولونيالي حامالً للشيء ونقيضه على النحو الذي يشرحه ميخائيل باختين من خلال فكرة الحوارية Dialogisme().
عندما يتساءل هومي بابا عن الأسباب التي تجعل شبح استبدادية القرن الثامن عشر يلاحق الممارسة الاستعمارية الممزوجة بمسيحية نامية العضلات وبالرسالة الحضارية، فذلك لأنه يدرك أن هذا السؤال يقع في صميم ذات الكلونيالي المسكونة بالتجاذب والانشطار والازدواج والاضطراب الخطابي والوجداني؛ هذا الاضطراب يتكشّف من خلال المقاومة التي تحبط استراتيجيات الممارسة الاستعمارية المؤسَّسة على مراقبة المحلي والسعي إلى السيطرة عليه. ولا تتعينّ المقاومة ها هنا بوصفها فعالً معارضًا ذا قصد سياسي، وهي ليست نفيًا أو إقصاء لمحتوى ثقافة أخرى، وإنما هي «مفعول من مفاعيل تجاذب ينتج ضمن قواعد الإدراك والمعرفة الخاصة بالخطابات المسيطرة عند إفصاحها عن دواليل الاختلاف الثقافي وإعادة إدراجها لها ضمن علاقات القوة الكولونيالية المتباينة؛ ضمن التراتبية والمعيارية والتهميش وهلمجرًا». وليس في الأمر أي تزيّد إذا ما اعتبرنا أن قراءة هومي بابا تتبدى علامة فارقة في النقد الثقافي المقارن، تبدو فيه نظرية ما بعد الكولونيالية بمنزلة لقاء جديد مع نسق الخطاب الكولونيالي؛ فهي تقترح فهما مغايرًا يتحدد رهانه في إعادة مفهمة الذات والآخر، وكذلك الهوية، بمنأى عن التفسيرات المتعالية. ومن خلال التفكيك الذي يقوم به بابا لمذكرات المبشر سي. ل. رينيوس لسنة 8181 أو لعظة الأرشيدوق بوتس سنة 818 1 حيث تتكسر تطلعات المستعمِر على صخرة المحلي، يتجلى ذلك الموقع الذي ترنّ فيه أصداء غرباء فرويد. فالمحلي إذ يرفض إرضاء حاجة المستعمِر السردية، فإن «أجوبته تكشف ذلك الانزلاق المتواصل بين النقش المدني والتوجه الكولونيالي. والارتياب الذي تولّده مثل هذه المقاومة يغريّ حاجة السارد ذاتها. فما كان قد قيل من ضمن أنظمة المدنية ينضمّ الآن إلى الدال الكولونيالي». بهذا المعنى يدخل الاضطراب إلى تمثيلات الخطاب الاستعماري ويلقي عليه ظلال الارتياب وعدم اليقين، ذلك أن ما ينكره هذا الخطاب يتيح، عبر الهجنة، مجاالً لدخول المعارف المنكرة، فتغرّب أساس سلطته وتضعه في مواجهة عماياته. هكذا، «لا يعود حضور السلطة الاستعمارية واضحًا مباشرة، وتكفّ تعيّناته التمييزية عن أن يكون لها إحالتها المرجعية الموثوقة إلى أكل اللحوم الآدمية في هذه الثقافة أو إلى الغدر والخيانة لدى ذلك الشعب». لنقُل إن خطاب أنند مييسّ، وهو يدخل توسط الإنكليز وشفاعتهم، ينتج توترًا بين السلطة الاستعمارية وأسئلة المحليين التي تضع المشروعية الدينية موضع ريبة وتساؤل. فإنكار الاختلاف الثقافي الذي ينطوي عليه خطاب أنند مييسّ والرهان كذلك على تفكيك الثقافة والديانة المحلية من خلال المحليين أنفسهم، يضفيان، من حيث لا يرغب، القوة التلفظية على الذات المحلية، حيث تنبثق الردود التي لا تشوش على السلطة فحسب، بل تجترح موقعًا يقحم فيه المحلي استقصاءاته العاصية المتمرّدة في الفُرج البينية الخلالية. إن هذا التفكيك لمظاهر الانحياز إلى الثقافة الغربية يفضي بنا إلى الوقوف على تجسّداتها في كثير من المفهومات والتصورات السائدة حول الرواية؛ فقد أشار روجي ألن إلى تعليق للناقد والروائي الأميركي جون أبدك على النص المترجم لرواية مدن الملح: التيه، يقول فيه إنه من المؤسف حقًا أن عبد الرحمن منيف،
كما يبدو، ليس من المستغربين إلى حد الكفاية حتى ينتج سردًا يشابه ما نسمّيه رواية. فصوته صوت مفسر في مخيم قبيلة، ولا يوجد في كتابه هذا أي أثر لحس المغامرة الخلقية للفرد الذي يميّز جنس الرواية (منذ دون كيخوته وروبنسون كروزو) من الأسطورة والخبر التاريخي. والحقيقة أن مثل هذا الفهم الذي يختزل الثراء الروائي في منظور الثقافة الغربية وفي نماذجها المكرّسة يتسم بكثير من الاختزالية؛ فهو لا يمنح سلطة الإقرار الأدبية للآداب الغربية فحسب، وإنما يلقي، كذلك، بظلال الريبة على إمكان انبثاق أو تكوُّن أنماط جمالية غير غربية، ما دام أن هذه البيئات لا تتوافر فيها هذه القيم، ولا تقتدي بمبادئ صنعة الرواية التي يحتكرها الغرب وحده. ونجد لدى ج ين عبوشي دلال وجهة نظر لماحة بصدد هذا النمط من التلقي؛ فهي لا تعتبر هذا التأويل مجرد قراءة خاطئة بحق ترجمات الآداب غير الغربية، وبما يتناسب مع التنميطات الحضارية السائدة في الغرب، بل المشكلة تكمن من وجهة نظرها في ممارسات أدبية مسلّعة ومعولمة. ومن هذه الزاوية تكشف وجهة نظر أبدك بشأن ذلك النمط من التلقّي الذي يتبأر حول مضامين محددة لكونها ذات تمثيلية حضارية، لكأن التقاليد الجمالية في الرواية الغربية غير قابلة للتحدي، وإذا حدث أن تفوّق كاتب من الأطراف، فإن ذلك لا يمكن أن يتجاوز في منظور ذلك التلقّي حدود الاقتداء وإعادة الإنتاج. والملاحَظ أن هذا النمط من التلقّي لا يستند إلى مفهوم الرواية عند أكبر منظّريها، مثل جورج لوكاش ولوسيان غولدمان وميخائل باختين وبيير زيما.. حيث تتعينّ الرواية بوصفها جنسًا أدبيًا مفتوحًا، يتأبى عن التحديد ويعتاش على الأشكال التعبيرية المجاورة. من هنا، ربما تفيدنا أطروحة الناقد فيصل دراج بشأن الرواية العربية ونشأتها المعوقة في مجتمع ينكر المتعدد ولا يعرف حوارية المعارف المختلفة المستقلة بذاتها، وبالتالي يفتقد الوعي الغاليلي الذي اعتبره باختين من صميم البيئة التي يتكون فيها جنس الرواية؛ نقول ربما تفيدنا هذه الأطروحة في الرّد على المنظورات الاختزالية من خلال الاقتراب من الأفق الذي ارتادته الرواية العربية منذ العقدين الماضيين لاستيعاب الشكل وإخصاب الخطاب بالحوارية التي تعربّ عن الشيء ونقيضه. ويبدو لنا أن الوعي بهذه الأطروحة بالغ الأهمية لكل من يسعى إلى الاقتراب من النص الروائي، ليس فقط على أساس أنه شيء ذو أهمية جوهرية بالنسبة إلى الإنسان العربي، وإنما كذلك بوصفه موقعًا من مواقع الصراع السياسي. لقد انطلق فيصل دراجمن تاريخ متعدد ومتنوع للرواية ثقافيًا واجتماعيًا، لقراءة تجسداته في سياقات ثقافية متباينة، وعلاقته بتحولات الشكل الروائي بما يستجيب لأسئلة هذه السياقات واشتراطاتها من جهة، وانزياحاته عنها من جهة أخرى. هذه المزاوجة بين القراءة الاستكشافية التي تروم فهم طبيعة النص والتعرف إلى مكوّناته الفنية، والقراءة التأويلية التي تجترح أفقًا واسعًا يسمح بتفاعل القارئ مع النص، والاستفادة من الخطابات المتعددة في إضاءة الرؤية التي ينطوي عليها نص الرواية، هي التي مكّنت هذا الناقد من تقديم تحليل متميز لنظريات
الرواية والرواية العربية، تبدو فيه الطريق بين الرواية كمعرفة تخييلية والسياق الثقافي الاجتماعي الحاضن لها، قمينة بإسعاف القارئ على الاقتراب من خصوصية الرواية وخصوصية المعرفة التي تنتجها، وتحدِّث بها عن واقع لا يلائمها ولا يوفر شروط انبثاقها. لقد انطلق فيصل دراج في تناوله وضع الرواية في الحقل الثقافي العربي من أطروحتين، رأى أن ردّ طه حسين على مصطفى صادق الرافعي ينطوى عليهما. أمّا ردّ طه حسين، فهو: «أما نحن فنريد أن يفهمنا الناس، لهذا نتحدث إلى الناس بلغة الناس.. نحن أحياء نحب الحياة ولا نحب الموت». والأطروحتان هما: البُعد الاجتماعي لعلاقات الكتابة والقراءة، وتلازم الثقافة مع تكوّن مجتمع جديد ينتج لغة مجتمعية لا مراتب فيها، لغة تتوزع على كاتب له وعيه التاريخي الذي ينعكس في أسلوبه الخاص في الكتابة، وبه يحاور عصره الجديد ويستجيب لهواجسه وانشغالاته، وعلى قارئ يرى إلى قدرة هذه اللغة على التعبير الأمثل عن تطلعاته وأحلامه، والكشف عماّ لا تستطيع لغات الأجناس الأخرى قوله. هاتان الأطروحتان اللتان يتحاور فيهما الإبداع والتلقي، حتُدّدان زمان الحداثة الاجتماعية الذي تنتمي إليه الرواية؛ فالرواية بوصفها ممارسة كتابية أنجبها الزمن الحديث تبدأ بما يوافق خصوصيتها، أي الذات الإنسانية الحرّة التي تخلّصت من إكراهات اللغة الآمرة، ورأت إلى العالم في تنوعه ونسبيته وتداخل مرجعياته. لهذا، يرى فيصل دراج في اقتران الرواية، من حيث الظهور، بالأزمنة الحديثة دلالة بالغة الأهمية، لأن ما ميّز هذه الأزمنة هو الإنسان الجديد الذي نادت به، ودفعت به إلى الواجهة بعدما تخلص من إكراهات اللاهوت، وارتمى في أحضان الفلسفات التي تنصّبه سيدًا على نفسه وعلى الكون من حوله. فتأكدت هذه الفردية الإنسانية المكتفية بذاتها مبتدأ للكتابة الروائية ومرجعًا لها، وهو المعنى ذاته الذي يعربّ عنه ميلان كونديرا في سياق قراءته الاستكشافية للرواية الغربية، تلك القراءة التي ماثل فيها بين منجز ديكارت في ما يتصل بالتأسيس للحداثة ومنجز الروائي الإسباني ميغيل دي سيرفانتس. هذه الدلالة هي التي لامس فيصل دراج أبعادها في الكثير من نظريات الرواية التي ناقشها، خاصة مارت روبير التي ربطت بين الديمقراطية والرواية، وقرنت غياب الرواية بحضور الحكم الثيوقراطي، وكذلك باختين الذي قرن كتابة الرواية بالرغبة الإنسانية في الانفلات من الخطابات الآمرة، وابتداع لغة جديدة تقول الشيء ونقيضه. وبسبب من ذلك، رأى باختين جذور الرواية كامنة أبعد من النقطة التي انطلق منها هيغل ولوكاش وغولدمان ومارت روبير في تنظيراتهم لهذا الشكل التعبيري. وسواء أتمكنت الأزمنة القديمة من ملء الخانة الفارغة الخاصة بالرواية أم أن الزمن الحديث هو الذي خلق الحاجة إليها، وأعطاها ملامحها في شكل فني يجسّد ملامح ذلك الزمن فيه، فإن القول الروائي يفصح، بحسب درّاج، عن عنصرين لا يتكوّن إالّ ضمنهما: أولهما تحوّل اجتماعي يهدم أحادية المراجع في ألوانها المختلفة، وثانيهما القدرة على توليد المتعدد وتطويره في مجالات مختلفة. وفي العنصرين معًا ما يبوِّئ الرواية موقع الصدارة في ترجمة قيم الزمن الحديث، ورصد تحولاته المتسارعة، وتمثيل هويته المتعددة التي هي ضرب من الهجنة والاختلاط والتحول الدائم. لكن الرغبة الإنسانية في تكسير الأنساق والتمرد عليها هي أعمق كثيرًا من
أن يتم حصرها في الأزمنة الحديثة. لذلك، نجد باختين يبوِّئ النثر موقعًا مهماًّ في ترجمة هذا النزوع نحو التعددية الاجتماعية والاضطلاع بالتمثيل من الأسفل. وعندما يتلمس جذور الرواية في هذه الممارسات، فإنه يقدم لنا مداخل بالغة الأهمية في قراءة الرواية العربية وفهم تحولاتها المسجلة لقلق الإنسان وتطلعاته، استنادًا إلى النصوص المحكية العربية القديمة بأشكالها المختلفة التي تكتسي طابع مكوّنات الخطاب الروائي العربي في مراحل مختلفة من تاريخه. إذا كانت الرواية الغربية قد التقت في زمن ولادتها بزمن اجتماعي قوامه نزوع دنيوي يحتفل بالمعارف المتعددة وينصّب الإنسان سيدًا على العالم، بعدما أعلن موت الإله وعوّضه بقيم جديدة، فإن الرواية العربية في أزمنة ولادتها، والمؤرخة بمبتدأ القرن العشرين، قد هزّت زمن غياب شروط الكتابة الروائية؛ فلم تلتق بهذا الزمن الاجتماعي الذي يكسر القوالب الضيقة، ويبقي الأبواب مشرعة أمام الفكر. لهذا اعتبر درّاج أنها ولدت على هامش زمن تحدّث عنه الكواكبي في طبائع الاستبداد، وهو شهادة فريدة على استبداد لا يقل تفردًا، يتجلى في حقول مختلفة: السياسة والدِّين والمال والعلم والتربية والأخلاق والتمدن، وآثاره تحوّل المجتمع الحي إلى مقبرة جماعية، كما ناقشه محمد عبده في: الإسلام بين العلم والمدنية، وهجا ما فيه من جمود صادر عن الاعتقاد بأن من تقدم في الزمن يَفضلُ من تلاه، وأن على المتأخر أن يقول بما يقول به سابقوه؛ زمن هو آية على غياب شروط الكتابة الروائية، فهو لا يأبه للتعددية التي هي قيمتها المركزية، ولا للإنسان المتكلم وكلامه، وهو موضوعها الرئيس، لأنه زمن اجتماعي أحادي، يمجد الشبيه والمماثل وينقض المختلف والمغاير، ويعتبره مروقًا وخروجًا على الذوق الرفيع. في هذا الزمن العربي الذي ظهرت الرواية على هامشه، وقوامه نص ديني شَيّدَ بلاغته اللغوية الخاصة به، ومعارفه النبيلة، لم يكن غريبًا أن تتعرض الرواية لمضايقات عديدة، ولمحاولات الحطّ من قيمتها وشرعيتها في التعبير عن الذات والمجتمع، خاصة أن شكلها الكتابي الذي يحاور أنماطًا ونصوصًا مختلفة، ويجعلها تتجسد وتتخصّص، وتمتلئ بأحكام قيمة ملموسة، يمثّل شكالً من الردّ على ذائقة فنية، وقد أصبحت تقليدية، تتدثر بأيديولوجية سكونية تنتصر لما تعتبره ذوقًا رفيعًا. هذه الخلاصة هي ذاتها التي قررها درّاج في سياق قراءته منجز المويلحي جماليًا وفكريًا، في نصه الروائي: حديث عيسى بن هشام. إنه لم يعتبر، بخلاف قراءات كثيرة، صنيع المويلحي، وهو يستدعي المقامة، كتابة داخل دائرة الذائقة الفنية المكرّسة، وإنما اعتبر ذلك اختبارًا للكتابة المقاماتية وإعلانًا لانطفائها، وهو ينتقل من زخرف اللغة إلى أسئلة الحياة. لذا، كانت حداثته بيّنة في أكثر من مكان؛ «واضحة في تأمل الموروث ونزع قداسته، وظاهرة في الخروج من الثقافة الطقسية إلى أسئلة الحياة، وجلية هي في الحوار المتلعثم مع الزمن التاريخي للذات والزمن التاريخي للآخر المستعمِر». وما كان المويلحي ليقترب روائيًا من هذا الزمن المجتمعي الفاقد شروط الكتابة لولا أنه أدرك أن في الرواية، وهي كتابة نوعية، ما ينقض حياة السلطة ويقوّض كتابتها المقيدة؛ «فهي تتعامل مع الدنيوي المتعدد، وتهجس بمثال أخلاقي يواجه المرتبية السلطوية الباترة بفضاء حياتي متنوع، لا يقبل بالاختصار ولا بالمراتب. تبدأ الرواية، وهي تعترف
بالمساواة بين البشر، بمتعدد إنساني، يقبل بالمنحرف والسوي والحكيم والمعتوه والنبيل والأفّاق والمغتبط البليد والمغترب الذي لا شفاء له». إذا كان النص التنويري، باستثناءات قليلة، لم يتمكن من الوصول إلى تحقيق التمييز الذي يؤكده خطابًا مستقالً مزامالً لمجتمع مستقل، فإن الرواية العربية في المراحل التالية لنشأتها تمكّنت من التمرد على أحادية النص المسيطر، وراوغت إكراهات السلطة المستبدة وضغوطها، لتحقق لنفسها مشروعية باعتبارها كتابة تقول الحقيقة المحفوفة بالالتباس والتعدد، وتستولد فضاءات بديلة لقراءة المدلولات التي ظلت على هامش النصوص التي تباركها المؤسسة وترضى عنها. وهذا الاستقلال الذاتي، على أهميته الكبيرة، لم يمكّنها من العثور على نظرية تخصها وتسائل قضاياها، لأن الزمن الاجتماعي الذي يجري فيه تداول هذه الرواية التي تنهل من متخيلاته وأنساقه في تشييد مساراتها الحكائية والسردية، لم تبلغ فيه المعرفة المحتضنة للعقل ذلك الاستقلال الذاتي الذي يتعينّ شرطًا أساسًا لانبثاق النظرية. هذه المسألة هي ذاتها التي قرّرها عبد الله العروي حين قال: «إن الانحطاط في المجال العلمي يتسم بصفة الإطلاق. يمكن لمجتمع ما أن يستدرك فترة انحطاط مؤقت في مجال السياسة أو الإدارة أو الأدب والنفس. لكن إذا نسي المنهج العلمي وانقلب فيه العلم إلى صياغة وسحر، وانحط بصورة تامة ونهائية، لا يبعث فيه العلم إالّ بتأسيس جديد». تطوّر النص الروائي العربي باتجاه استقلاليته إذا، في مجتمع لم تتأسّس فيه المعارف العلمية والاجتماعية، ولم تتحول فيه إلى قوة اقتراحية تتدخل في الحياة اليومية للإنسان وتساهم في إعادة بنائها نتيجة دولة مستبدة ومهيمنة، لا تعرف معاني الحوار والديمقراطية التي هي جوهر العقل الغاليلي التفكيكي الذي مجّده باختين ورأى آثاره ماثلة في النصوص التي كتبها روائيون كبار أمثال دوستويفسكي وتولستوي، وجسّدوا فيها انزياح الوعي باتجاه المجتمع الحديث، وقوامه حوارية عميقة مفعمة بالأصوات والأصداء والرؤى. وهذا التوصيف للواقع العربي قد يقود إلى خلاصة مفادها استحالة تطور الرواية العربية في زمن مجتمعي يفتقر إلى الحداثة. بيد أن في التأمل في عمر الرواية العربية الذي تخطى المئة سنة، ما يقرّر استنتاجًا آخر يظهر متَكُّنها من مجاوزة إرغامات الفضاء المجتمعي المفتقر إلى مجتمعية المعرفة، إلى التحقق شكالً تعبيريًا قمينًا بتشخيص أسئلة الإنسان في زمن شديد التحول والتبدل، وكثيف الغموض والقلق العميق، من دون أن يعني ذلك تحررًا كليًا من السببية الاجتماعية - التاريخية. بهذا المعنى، تكون أسباب هذا الانفلات الروائي من مدار حقل ثقافي أحادي، ماثلة، في تصور الناقد، في عنصرين أساسين قد لا ينطبقان على الاقتصاد والاجتماع، وهما خطابان معرفيان يحتاجان إلى أجهزة الدولة الأيديولوجية والتعليمية والإعلامية. العنصر الأوليتمثّل في عزلة الروائي والكتابة الروائية؛ إذ الروائي ينتج إبداعه بعيدًا عن مدار السلطة المهيمنة. أمّا العنصر الثاني، فقوامه الاستناد إلى فضيلة المتخيل وسيولته، أي إلى «المكر الروائي الهارب من الرقابة وقبضة القراءة المتشنجة، الذي لا تخوم له ولا ضفاف، يرحِّل الحاضر إلى الماضي ويُلبس الماضي زيّ الحاضر، ويستنبت أمكنة لم تُرَ، ويختزل الأمكنة المتعددة إلى مكان وحيد، ويلهو بأسماء المدن ويعبث بأسماء البشر، وقد يخلط بين الحكاية والأحجية، أو يترك الحكاية عارية وقد كساها لغة خادعة». غير أن هذه «العزلة» وهذا «المكر الروائي» اللذين يستحضرهما درّاج للاقتراب من مستويات التفاف الرواية العربية على ما يعتبره «ولادة معوقة»، لن يكونا ذوي أهمية من منظور النقد الثقافي ما لم نعمل
على تنسيبهما، وذلك بإعادة الاعتبار إلى ما يعنّف الكتابة لتجابه ما لا يمكن إال كتابته، ويستفز الفكر الروائي لمواجهة ما لا يمكن التفكير فيه، ولا يمكن إالّ التفكير فيه؛ ذلك أن هذه المواجهة هي ما يرغم الكاتب على أن يدفع الرواية إلى الحد الأقصى، على مستويي الشكل والخطاب، لملاحقة الحقيقة المحفوفة بالالتباس والغرابة والتي لا تتشخص إالّ لتغدو بداية لرحلة خيالية جديدة. وبهذا المعنى لا تكون الكتابة الروائية تفعيالً لإرادة طيبة، ولا احتماء بالخيال فقط لأنه ينطوي على قوة الخلق والابتكار والمسافة التي تهب المتعة والانعتاق، وإنما هي صدام مع ما لا يمكن إالّ أن نصادفه، وصراع مع قوى لا تبين إالّ بقدر ما تختفي. وبما أن الرواية العربية في تجاربها العظيمة تتناول زمنها خارج الإطار الذي ترسمه السلطة وعادات التفكير القبلية، فقد تعيّنت بوصفها ممارسة معرفية تضفي على هذا الواقع المتغريّ معادله التخييلي الأدق والمفعم إيحائية وتعددية تأويلية، وكأنها ممارسة لما هو أبعد من حدود هذا الزمن الاجتماعي، تشكك في الأيديولوجيات التقليدية الكبرى، وجميع الخطابات التي تتقدم على أساس أنها كلية وجاهزة ومنتهية. بهذا المعنى، فإن الإلحاح على مسألة الهيمنة الروائية من خلال تكريس معايير تستجيب للتلقي الغربي وتعيد تأكيد مفاهيمه حول الشرق، يفسر ما يتخلل بعض التجارب الروائية العربية المضادّة من ميل إلى معاكسة تداعي الصور الاستشراقية لعقلية غربية مسيطرة ومتمركزة حول ذاتها؛ وذلك إمّا باللجوء إلى استدعاء المكوّنات السردية التاريخية والتراثية كشكل من أشكال الاختلاف لا المطابقة، وقطع الصلة مع هذا التدبير الثقافي المعولم عبر البحث عن أشكال جديدة من الإنتاج الثقافي تستجيب لاقتراحات جمالية وثقافية شديدة الخصوصية والمحلية، مثل نصوص الروائي المصري جمال الغيطاني؛ فهو يعتبر من موقع الاختلاف مع الرواية الغربية «أن الرواية العربية وأساليب السرد الروائي تستنبط قوانينها من داخلها وليس من داخل الرواية الأوروبية أو الرواية الغربية الحديثة. فتلك هي قناعتي التي توصلت إليها من خلال تجربة علمية وليس من خلال التنظير»، أو من خلال أعمال سردية تتناول الآخر من خلال تحبيك يعيد مساءلة الماضي الاستعماري ويضعه في صورة الدلالة المعكوسة للرسالة الحضارية التي يزعم لنفسه حق النهوض بها على النحو الذي نقرأه في رواية كتاب الأميرلواسيني الأعرج. لقد أدى النزوع الغربي نحو الهيمنة إلى تبلور تجارب أدبية متنوعة ينحدر أصحابها من جغرافيات متعددة من العالم المستعمَر اتخذت شكل الرحلة المضادة، أو الغزو المضاد للعوالم الغربية، وذلك بالرد على أطروحاتها المنحازة وجميع أشكال التشويه الذي مارسته على تواريخ هذه المستعمرات وهويات شعوبها. وهذا السرد المضاد هو الذي يدعوه إدوارد سعيد المقاومة الثقافية، ويصطلح عليه بيل أشكروفت ب الرد بالكتابة، وهو عنوان الكتاب الذي حرّره بمعية نقاد آخرين. فالمقاومة الثقافية تمكّن الأمة المستعمَرة من استرجاع هويتها وترميم وجودها من جديد، وذلك بالاعتماد على العناصر القومية التي شكك فيها المستعمِر في المقام الأول. فالعناصر القومية هي من عوامل الحفاظ على الذاكرة الجمعية وتعزيزها. وليست ثقافة المقاومة مجرد ردة فعل موجهة ضد الإمبريالية، بل هي أوسع كثيرًا من أن يتضمنها تصور كهذا، لأنها تنهض على أساس التفاعل الثقافي والهجنة واستثمار ثقافة الآخر من أجل تفكيك بنى السيطرة في ثقافته، وفي سردياته المتمركزة حول الذات والتاريخ والهوية. فتحليل إدوارد سعيد لاشتغالات التمثيل الثقافي في الرواية الغربية المعاصرة يمكّننا من تشييد تصور للرواية في الحقل الثقافي العربي بوصفها شكالً
من الرد بالكتابة، حيث يستعيد بها الروائي مظاهر الهوية، بعيدًا عن التصلب، وينسج من خلالها شكالً من التمثيل الخاص الذي يجعل كتابته نوعًا من المساهمة في مقاومة الصمت وتحدّي المحاولات الرامية إلى إسكات الرواية المغايرة، خاصة أن هذه القراءة تمتاز بثلاثة مقومات حددها الناقد الثقافي عز الدين المناصرة في قراءة النصوص قراءة مختلفة وصحيحة نسبيًا، ثم قراءة المقاومة الوطنية للإمبرياليات التي غالبًا ما تجاهلتها دراسات الإمبريالية وما بعد الإمبريالية، وأخيرًا قراءة جدلية السيطرة والمقاومة ضمن حقل واحد.
خاتمة: على سبيل التركيب
يمكن أن نستخلص من هذه المقاربة أن التمثيل السردي هو من أهم الظواهر التي يشتغل عليها خطاب الدراسات الثقافية؛ إذ انطلاقًا من التفكير فيه، تقترح علينا مدخالً جديدًا في تناول الرواية من شأنه الإفضاء إلى تجديد الفهم بالسرد وبالمرجعيات الثقافية التي ينفتح عليها. وبما أن هذا المنظور لا يزال، بلغته الواصفة ومنهجيته ورؤيته للأعمال الفنية، بحاجة إلى تراكم الدراسات والأبحاث، فإننا حاولنا الوقوف على أهم محددات تلك الرؤية من خلال تتبّع أعمال واحد من أهم الدارسين الثقافيين وهو إدوارد سعيد. لذلك، فإن تبئير القراءة على مستويات التمثيل السردي يكتسي أهمية كبيرة في التعرّف إلى أشكال الصور التي تحملها النصوص الروائية، خاصة أنها تنهض بتأدية دور توسّطي يتمثّل في إنتاج الدلالات والرموز حول العالم وما فيه من أشياء وكائنات. ولهذا ينطوي التمثيل السردي فيها على دلالات ثقافية متعددة تتجاوز حدود الظاهر لتستوعب معاني أخرى لا يمكن التوصل إليها إالّ عبر الحفر والتفكيك، خاصة أن الروائي ينطلق فيه من وعي خاص بالزمان والمكان والإنسان. وتكمن أهمية هذا المنظور في إعادة الاعتبار إلى الإحالات المتعددة التي يقيمها العمل الإبداعي بالمرجعية، وهو ما يستوجب قراءته في ضوئها بدل عزله أو تبئير النظر على محدداته الداخلية بدعوى أنها ما يحقق له الخصوصية الأدبية. وهذا الوعي النقدي المنفتح حيال الأدب والممارسات الثقافية هو الذي بلوره إدوارد سعيد وهومي بابا في قراءتيهما للنصوص السردية الغربية وعلاقتها بالنزوع نحو السيطرة والتوسع. ولما كانت الرواية جنسًا أدبيًا يضطلع بدور أكبر في التعبير عن الأفراد والجماعات، ويبرز حاجتهما إلى استعادة الأفق الخيالي، وتشييد الهوية وترميمها عبر استراتيجيات التخييل، فإن قراءتها واستكشاف أبعاد ومستويات التمثيل الحادثة فيها وعلاقتها بالقيم والأفكار التي يستمد منها المؤلف الدعم، يمكّناننا من فهم الدور التي تنهض به باعتبارها ممارسة تعبيرية وخطابية. ومن شأن هذا كله أن يمكّننا من بلورة تصور جديد لمقاربة الرواية العربية ودراستها والوقوف على مساهمتها الثقافية باعتبار علاقتها الوطيدة بالرموز والأنساق والخطابات التي ينتجها المجتمع ويحدد من خلالها موقعه في العالم.
المراجع
1 - العربية
كتب
إدجار، أندرو وبيتر سيدجويك. موسوعة النظرية الثقافية: المفاهيم والمصطلحات الأساسية. ترجمة محمد الجوهري وهناء الجوهري. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2009
إيغلتون، تيري. نظرية الأدب. ترجمة ثائر ديب. دمشق: دار المدى للثقافة والنشر،.2006
بابا، هومي ك. موقع الثقافة. ترجمة ثائر ديب. بيروت: المركز الثقافي العربي،.2000
الخضراوي، إدريس. الأدب موضوعا للدراسات الثقافية. الرباط: جذور للنشر،.2007
_______. الرواية العربية وأسئلة ما بعد الاستعمار. القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع،.2012
دراج، فيصل. الرواية وتأويل التاريخ: نظرية الرواية والرواية العربية. بيروت؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2004
_______. نظرية الرواية والرواية العربية. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.1999
ديب، ثائر. عن العدة والعتاد في ترجمة «الدراسات الثقافية» و»النظرية ما بعد الكولونيالية». تنسيق ريشار جاكمون. الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد العزيز؛ مؤسسة كونراد أديناور،.2008
ذاكر، عبد النبي. الرحلة العربية إلى أوروبا وأمريكا والبلاد الروسيةخلال القر ين التاسع عشر والعشرين: دراسة في المحتمل. أبو ظبي: دار السويدي للنشر والتوزيع،.2005
الرواية العربية في نهاية القرن: رؤى ومسارات، أعمال ندوة 27-25 ستمبر 2003. الرباط: وزارة الثقافة، ريكور، بول. الذات عينها كآخر. ترجمة جورج زيناتي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2005
_______. الذاكرة، التاريخ، النسيان. ترجمة وتقديم وتعليق جورج زيناتي. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2009
_______. الزمان والسرد. ترجمة سعيد الغانمي وفلاح رحيم؛ راجعه عن الفرنسية جورج زيناتي. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة.2008
سعيد، إدوارد. تأملات حول المنفى ومقالات أخرى. ترجمة ثائر ديب. بيروت: دار الآداب 2.004
_______. الثقافة والإمبريالية. نقله إلى العربية وقدم له كمال أبو ديب. ط.2 بيروت: دار الآداب،.1998 سمعان، إنجيل بطرس. بين الروائي والرواية: دراسة تطبيقية في الرواية الإنجليزية الحديثة. القاهرة: المكتبة الأنجلو المصرية،.1972
عياد، شكري [وآخرون]. الأدب العربي تعبيره عن الوحدة والتنوع: بحوث تمهيدية. إشراف عبد المنعم تليمة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1987
كساب، إليزابيث سوزان. الفكر العربي المعاصر: دراسة في النقد الثقافي المقارن. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2012
ويليامز، رايموند. طرائق الحداثة ضد المتوائمين الجدد. ترجمة فاروق عبد القادر؛ تحرير توني بينكني. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 999.1 (عالم المعرفة؛ 246)
دوريات
آلن، روجر. «المعركة في السوق، مكانة الرواية العربية في السياق العالمي.» فصول (القاهرة): السنة 61، العدد 3، شتاء.1997
الباردي، محمد. «حداثة الرواية.. رواية الحداثة.» (ملف سؤال الحداثة اليوم). مجلة الثقافة المغربية (الرباط): العدد 71، تشرين الأول/ أكتوبر.2000
جاكسون، ليونارد. «شكلان من المادية الثقافية: المادية في الأنثروبولوجيا في الدراسات الثقافية.» ترجمة ثار ديب، تبين للدراسات الفكرية والأدبية: السنة 1، العدد 1، صيف 2.012
الداهي، محمد. «شعرية التشخيص في المشروع السيرذاتي لمحمد شكري.» ثقافات (البحرين): العددان 8-7، صيف-خريف.2003
دراج، فيصل. «وضع الرواية العربية في حقل ثقافي غير روائي.» فصول: السنة 61، العدد 3، شتاء.1997 دلال، ج ين عبوشي. «الثقافة العالمية المعولمة وسياسات الترجمة.» الآداب: العددان 8-7، تموز/ يوليو- آب/ أغسطس.1999
المناصرة، عز الدين. «إدوارد سعيد والنقد الثقافي المقارن: قراءة طباقية.» فصول: العدد 64، صيف.2004
وثيقة
إبراهيم، عبد الله. «التمثيل والسرد: إدوارد سعيد وتوظيف المفهوم.» (شبكة الذاكرة الثقافية)، على الموقع
2 - الأجنبية
Books