العودة إلى تفاصيل المؤلَّف ابن خلدون: في علوم اللسان العربي وكون اللغة ملَكة صناعية

ابن خلدون: في علوم اللسان العربي وكون اللغة ملَكة صناعية

Ibn Khaldun: On Arabic Linguistics and Language as an Artificial Faculty

هيئة التحرير

الملخّص

إعلم أن اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده. وتلك العبارة فعل لساني ناشئ، عن القصد بإفادة الكلام، فلا بد أن تصير ملَكة متقررة في العضو الفاعل لها، وهو اللسان. وهو في كل أمّة بحسب اصطلاحاتهم. وكانت الملَكة الحاصلة للعرب من ذلك أحسن الملَكات وأوضحها إبانة عن المقاصد، لدلالة غير الكلمات فيها على كثير من المعاني. مثل الحركات التي تعين الفاعل من المفعول من المجرور أعني المضاف، ومثل الحروف التي تفضي بالأفعال أي الحركات إلى الذوات من غير تكلف ألفاظ أخرى.

Abstract

It should be known that language, as the term is customarily used, is the expression by a speaker of his intention. Such expression is an act of the tongue which originates in an intention to convey the meaning of speech. Therefore, language must become an established habit located in the part of the body that produces it, namely, the tongue. In every nation, the formation of language takes place according to their own terminology. The linguistic habit that the Arabs obtained in that way is the best there is. It is the one most clearly expressing the intended meaning, since many ideas are indicated in it by something else than words. There are, for instance, vowels to distinguish the subject from object and i-case – that is, the genitive – and there are letters to transform actions (verbs) – that is, motions – into essences, without need of other words.

الكلمات المفتاحية:
  • اللسان العربي
  • اللغة
  • النحو
Keywords:
  • Language
  • Grammar
  • Arabic Linguistics

الفصل الخامس والأربعون: في علوم اللسان العربي

أركانه أربعة: وهي اللغة والنحو والبيان والأدب. ومعرفتها ضرورية على أهل الشريعة، إذ مأخذ الأحكام الشرعية كلها من الكتاب والسنّة، وهي بلغة العرب ونقلتها من الصحابة والتابعين عرب، وشرح مشكلاتها من لغتهم، فلا بد من معرفة العلوم المتعلقة بهذا اللسان لمن أراد علم الشريعة. وتتفاوت في التأكيد بتفاوت مراتبها في التوفية بمقصود الكلام، حسبما يتبين في الكلام عليها فنًا فنًا. والذي يتحصل أن الأهم المقدم منها هو النحو، إذ به يتبين أصول المقاصد بالدلالة فيعرف الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر، ولولاه لجهل أصل الإفادة. وكان من حق علم اللغة التقدم، لولا أن أكثر الأوضاع باقية في موضوعاتها، لم تتغير بخلاف الإعراب الدال على الإسناد والمسند والمسند إليه، فإنه تغير بالجملة ولم

يبق له أثر. فلذلك كان علم النحو أهم من اللغة، إذ في جهله الإخلال بالتفاهم جملة، وليست كذلك اللغة. والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق.

علم النحو

إعلم أن اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده. وتلك العبارة فعل لساني ناشئ، عن القصد بإفادة الكلام، فلا بد أن تصير ملَكة متقررة في العضو الفاعل لها، وهو اللسان. وهو في كل أمّة بحسب اصطلاحاتهم. وكانت الملَكة الحاصلة للعرب من ذلك أحسن الملَكات وأوضحها إبانة عن المقاصد، لدلالة غير الكلمات فيها على كثير من المعاني. مثل الحركات التي تعين الفاعل من المفعول من المجرور أعني المضاف، ومثل الحروف التي تفضي بالأفعال أي الحركات إلى الذوات من غير تكلف ألفاظ أخرى. وليس يوجد ذلك إالّ في لغة العرب. وأمّا غيرها من اللغات، فكل معنى

أو حال لا بد له من ألفاظ تخصه بالدلالة، ولذلك نجد كلام العجم في مخاطباتهم أطول ممّا نقدره بكلام العرب. وهذا هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: « أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارًا». فصار للحروف في لغتهم والحركات والهيآت، أي الأوضاع، اعتبار في الدلالة على المقصود غير متكلفين فيه لصناعة يستفيدون ذلك منها. إنما هي ملَكة في ألسنتهم يأخذها الآخر عن الأول كما تأخذ صبياننا لهذا العهد لغاتنا. فلما جاء الإسلام وفارقوا الحجاز لطلب الملْك، الذي كان في أيدي الأمم والدول، وخالطوا العجم، تغيرت تلك الملَكة بما ألقى إليها السمع من المخالفات التي للمتعربين من العجم. والسمع أبو الملَكات اللسانية، ففسدت بما أُلقي إليها ممّا يغايرها، لجنوحها إليه باعتياد السمع. وخشي أهل العلوم منهم أن تفسد تلك الملَكة رأسًا ويطول العهد بها، فينغلق القرآن والحديث على المفهوم، فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوا ين لتلك الملَكة مطردة، شبه الكليات والقواعد، يقيسون عليها سائر أنواع الكلام ويلحقون الأشباه بالأشباه. مثل أن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب، والمبتدأ مرفوع. ثم رأوا تغير الدلالة بتغير حركات هذه الكلمات، فاصطلحوا على تسميته إعرابًا، وتسمية الموجب لذلك التغير عامالً وأمثال ذلك. وصارت كلها اصطلاحات خاصة بهم، فقيّدوها بالكتاب وجعلوها صناعة لهم مخصوصة، واصطلحوا على تسميتها بعلم النحو. وأول من كتب فيها أبو الأسود الدؤلي من بني كنانة، ويقال بإشارة علي رضي الله عنه، لأنه رأى تغير الملَكة، فأشار عليه بحفظها، ففزع إلى ضبطها بالقوا ين الحاضرة المستقرأة، ثم كتب فيها الناس من بعده إلى أن انتهت إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي أيام الرشيد، أحوج ما كان الناس إليها، لذهاب تلك الملَكة من العرب. فهذب الصناعة وكمل أبوابها. وأخذها عنه سيبويه، فكمل تفاريعها واستكثر من أدلتها وشواهدها، ووضع فيها كتابه المشهور، الذي صار إمامًا لكل ما كتب فيها من بعده. ثم وضع أبو علي الفارسي وأبو القاسم الزجاج كتبًا مختصرة للمتعلمين، يحذون فيها حذو الإمام في كتابه. ثم طال الكلام في هذه الصناعة وحدث الخلاف بين أهلها، في الكوفة والبصرة: المصرين القديمين للعرب. وكثرت الأدلة والحجاج بينهم، وتباينت الطرق في التعليم، وكثر الاختلاف في إعراب كثير من آي القرآن، باختلافهم في تلك القواعد، وطال ذلك على المتعلمين. وجاء المتأخرون بمذاهبهم في الاختصار، فاختصروا كثيرًا من ذلك الطول مع استيعابهم لجميع ما نُقل، كما فعله ابن مالك في كتاب التسهيلوأمثاله، أو اقتصارهم على المبادىء للمتعلمين، كما فعله الزمخشري في المفصلوابن الحاجب في المقدمة له. وربما نظموا ذلك نظما مثل ابن مالك في الأرجوزتين الكبرى والصغرى، وابن معطي في الأرجوزة الألفية. وبالجملة فالتآليف في هذا الفن أكثر من أن حتُصى أو يحاط بها، وطرق التعليم فيها مختلفة، فطريقة المتقدمين مغايرة لطريقة المتأخرين. والكوفيون والبصريون والبغداديون والأندلسيون مختلفة طرقهم كذلك. وقد كادت هذه الصناعة أن تؤْذن بالذهاب لما رأينا من النقص في سائر العلوم والصنائع بتناقص العمران، ووصل إلينا بالمغرب لهذه العصور ديوان من مصر، منسوب إلى جمال الدين بن هشام من علمائها، استوفى فيه أحكام الإعراب مجملة ومفصّلة. وتكلم على الحروف والمفردات والجمل، وحذف ما في الصناعة من المتكرر في أكثر أبوابها وسماّه بالمغني في الإعراب. وأشار إلى نكت إعراب القرآن كلها وضبطها بأبواب وفصول وقواعد انتظمت سائرها، فوقفنا منه على علم جم يشهد بعلو قدره في هذه الصناعة ووفور بضاعته منها، وكأنه ينحو في طريقته منحى نحاة أهل الموصل، الذين اقتفوا أثر ابن جني واتبعوا مصطلح تعليمه، فأتى من ذلك بشيء عجيب دال على قوة ملَكته واطلاعه. والله يزيد في الخلق ما يشاء.

علم اللغة

هذا العلم هو بيان الموضوعات اللغوية. وذلك أنه لما فسدت ملَكة اللسان العربي، في الحركات المسماّة عند أهل النحو بالإعراب، واستنبطت القوا ين لحفظها كما قلناه. ثم استمر ذلك الفساد بملابسة العجم ومخالطتهم، حتى تأذى الفساد إلى موضوعات الألفاظ، فاستعمل كثير من كلام العرب في غير موضوعه عندهم، ميلا مع هجنة المتعربين في اصطلاحاتهم المخالفة لصريح العربية، فاحتيج إلى حفظ الموضوعات اللغوية بالكتاب والتدوين، خشية الدروس وما ينشأ عنه من الجهل بالقرآن والحديث، فشمر كثير من أئمة اللسان لذلك وأملوا فيه الدواوين. وكان سابق الحلبة في ذلك الخليل بن أحمد الفراهيدي. ألّف فيها كتاب العين، فحصر فيه مركبات حروف المعجم كلها، من الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي، وهو غاية ما ينتهي إليه التركيب في اللسان العربي. وتأتّى له حصر ذلك بوجوه عديدة حاصرة، وذلك أن جملة الكلمات الثنائية تخرج من جميع الأعداد على التوالي من واحد إلى سبعة وعشرين، وهو دون نهاية حروف المعجم بواحد. لأن الحرف الواحد منها يؤخذ مع كل واحد من السبعة والعشرين، فتكون سبعة وعشرين كلمة ثنائية. ثم يؤخذ الثاني مع الستة والعشرين كذلك. ثم الثالث والرابع. ثم يؤخذ السابع والعشرون مع الثامن والعشرين، فيكون واحدا، فتكون كلها أعدادا على توالي الأعداد من واحد إلى سبعة وعشرين، فتجمع كما هي بالعمل المعروف عند أهل الحساب وهو أن تجمع الأول مع الأخير وتضرب المجموع في نصف العدة. ثم تضاعف، لأجل قلب الثنائي، لأن التقديم والتأخير بين الحروف معتبر في التركيب، فيكون الخارج جملة الثنائيات. وتخرج الثلاثيات من ضرب عدد الثنائيات فيما يجتمع من واحد إلى ستة وعشرين على توالي العدد، لأن كل ثنائية تزيد عليها حرفًا، فتكون ثلاثية. فتكون الثنائية بمنزلة الحرف الواحد مع كل واحد من الحروف الباقية، وهي ستة وعشرون حرفًا، بعد الثنائية، فتجمع من واحد إلى ستة وعشرين على توالي العدد، ويضرب فيه جملة الثنائيات ثم تضرب الخارج في ستة، جملة مقلوبات الكلمة الثلاثية، فيخرج مجموع تركيبها من حروف المعجم. وكذلك في الرباعي والخماسي. فانحصرت له التراكيب بهذا الوجه، ورتّب أبوابه على حروف المعجم بالترتيب المتعارف. واعتمد فيه ترتيب المخارج، فبدأ بحروف الحلق، ثم ما بعده من حروف الحنك ثم الأضراس، ثم الشفة، وجعل حروف العلة آخرًا، وهي الحروف الهوائية. وبدأ من حروف الحلق بالعين، لأنه الأقصى منها. فلذلك سمّي كتابه بالعين، لأن المتقدمين كانوا يذهبون في تسمية دواوينهم إلى مثل هذا، وهو تسميته بأول ما يقع فيه من الكلمات والألفاظ. ثم بينّ المهمل منها من المستعمل، وكان المهمل في الرباعي والخماسي أكثر لقلة استعمال العرب له لثقله، ولحق به الثنائي لقلة دورانه، وكان الاستعمال في الثلاثي أغلب، فكانت أوضاعه أكثر لدورانه. وضمن الخليل ذلك كله في كتاب العينواستوعبه أحسن استيعاب وأوفاه. وجاء أبو بكر الزبيدي وكتب لهشام المؤيد بالأندلس، في المائه الرابعة، فاختصره مع المحافظة على الاستيعاب وحذف منه المهمل كله، وكثيرًا من شواهد المستعمل، ولخصه للحفظ أحسن تلخيص. وألّف الجوهري من المشارقة، كتاب الصحاحعلى الترتيب المتعارف لحروف المعجم، فجعل البداءة منها بالهمزة وجعل الترجمة بالحروف على الحرف الأخير من الكلمة، لاضطرار الناس في الأكثر إلى أواخر الكلم، فيجعل ذلك بابًا. ثم يأتي بالحروف أول الكلمة، على ترتيب حروف المعجم أيضًا، ويترجم عليها بالفصول إلى آخرها. وحصر اللغة اقتداءً بحصر الخليل. ثم ألّف فيها من الأندلسيين ابن سيده من أهل

دانية، في دولة علي بن مجاهد، كتاب المحكم على ذلك المنحى من الاستيعاب، وعلى نحو ترتيب كتاب العين. وزاد فيه التعرض لاشتقاقات الكلم وتصاريفها، فجاء من أحسن الدواوين. ولخصه محمد بن أبي الحسين صاحب المستنصر من ملوك الدولة الحفصية بتونس. وقلب ترتيبه إلى ترتيب كتاب الصحاح في اعتبار أواخر الكلم وبناء التراجم عليها، فكانا توأمي رحم وسليلي أبوة. ولكراع من أئمة اللغة كتاب المنجد، ولابن دريد كتاب الجمهرة ولابن الأنباري كتاب الزاهر. هذه أصول كتب اللغة فيما علمناه. وهناك مختصرات أخرى مختصة بصنف من الكلم ومستوعبة لبعض الأبواب أو لكلها، إالّ أن وجه الحصر فيها خفي، ووجه الحصر في تلك جلي من قبل التراكيب كما رأيت. ومن الكتب الموضوعة أيضًا في اللغة كتاب الزمخشري في المجاز، وسماّه أساس البلاغة، بينّ فيه كل ما تجوزت به العرب من الألفاظ، فيما تجوزت به من المدلولات، وهو كتاب شريف الإفادة. ثم لما كانت العرب تضع الشيء لمعنى على العموم، ثم تستعمل في الأمور الخاصة ألفاظًا أخرى خاصة بها، فرق ذلك عندنا، بين الوضع والاستعمال، واحتاج الناس إلى فقه في اللغة عزيز المأخذ، كما وضع الأبيض بالوضع العام لكل ما فيه بياض، ثم اختص ما فيه بياض من الخيل بالأشهب، ومن الإنسان بالأزهر، ومن الغنم بالأملح، حتى صار استعمال الأبيض في هذه كلها لحنًا وخروجًا عن لسان العرب. واختص بالتأليف في هذا المنحى الثعالبي، وأفرده في كتاب له سماّه فقه اللغة، وهو من أكد ما يأخذ به اللغوي نفسه، أن يحرف استعمال العرب عن مواضعه. فليس معرفة الوضع الأول بكاف في التركيب، حتى يشهد له استعمال العرب لذلك. وأكثر ما يحتاج إلى ذلك الأديب في فني نظمه ونثره، حذرًا من أن يكثر لحنه في الموضوعات اللغوية في مفرداتها وتراكيبها، وهو أشر من اللحن في الإعراب وأفحش. وكذلك ألّف بعض المتأخرين في الألفاظ المشتركة وتكفل بحصرها، وإن لم يبلغ إلى النهاية في ذلك، فهو مستوعب للأكثر. وأمّا المختصرات الموجودة في هذا الفن، المخصوصة بالمتداول من اللغة الكثير الاستعمال، تسهيالً لحفظها على الطالب، فكثيرة مثل الألفاظ لابن السكيت والفصيح لثعلب وغيرهما. وبعضها أقل لغة من بعض لاختلاف نظرهم في الأهم على الطالب للحفظ. والله الخلاق العليم، لا رب سواه. فصل: واعلم أن النقل الذي تثبت به اللغة، إنما هو النقل عن العرب أنهم استعملوا هذه الألفاظ لهذه المعاني، لا تقل إنهم وضعوها لأنه متعذر وبعيد، ولم يعرف أحد منهم. وكذلك لا تثبت اللغات بقياس ما لم نعلم استعماله، على ما عُرف استعماله في ماء العنب، باعتبار الإسكار الجامع. لأن شهادة الاعتبار في باب القياس إنما يدركها الشرع الدال على صحة القياس من أصله. وليس لنا مثله في اللغة إالّ العقل، وهو محكم، وعلى هذا جمهور الأئمة. وإن مال إلى القياس فيها القاضي وابن سريج وغيرهم. لكن القول بنفيه أرجح. ولا تتوهمن أن إثبات اللغة في باب الحدود اللفظية، لأن الحد راجع إلى المعاني ببيان أن مدلول اللفظ المجهول الخفي هو مدلول الواضح المشهور، واللغة إثبات أن اللفظ كذا، لمعنى كذا، والفرق في غاية ظهور.

علم البيان

هذا العلم حادث في الملّة بعد علم العربية واللغة، وهو من العلوم اللسانية، أنه متعلق بالألفاظ وما تفيده. ويقصد بها الدلالة عليه من المعاني. وذلك أن الأمور التي يقصد المتكلم بها إفادة السامع من كلامه هي: إمّا تصور مفردات تسند ويسند إليها ويفضي بعضها إلى بعض، والدلالة على هذه هي المفرادت من الأسماء والأفعال والحروف، وإمّا تمييز المسندات من المسند إليها والأزمنة، ويدل عليها بتغير الحركات وهو الإعراب وأبنية الكلمات. وهذه كلها هي صناعة النحو. ويبقى من الأمور

المكتنفة بالواقعات، المحتاجة للدلالة، أحوال المتخاطبين أو الفاعلين، وما يقتضيه حال الفعل، وهو محتاج إلى الدلالة عليه، لأنه من تمام الإفادة، وإذا حصلت للمتكلم فقد بلغ غاية الإفادة من كلامه. وإذا لم يشتمل على شيء منها، فليس من جنس كلام العرب، فإن كلامهم واسع، ولكل مقام عندهم مقال يختص به بعد كمال الإعراب والإبانة. ألا ترى أن قولهم: «زيد جاءني» مغاير لقولهم «جاءني زيد» من قبل أن المتقدم منهما هو الأهم عند المتكلم. فمن قال: جاءني زيد، أفاد أن اهتمامه بالمجيء، قبل الشخص المسند إليه، ومن قال: زيد جاءني، أفاد أن اهتمامه بالشخص، قبل المجيء المسند. وكذا التعبير عن أجزاء الجملة، بما يناسب المقام، من موصول أو مبهم أو معرفة. وكذا تأكيد الإسناد على الجملة، كقولهم: زيد قائم، وإن زيدًا قائم، وإن زيدًا لقائم، متغايرة كلها في الدلالة، وإن استوت من طريق الإعراب، فإن الأول العاري عن التأكيد إنما يفيد الخالي الذهن، والثاني المؤكد بإن يفيد المتردد، والثالث يفيد المنكر، فهي مختلفة. وكذلك تقول: جاءني الرجل، ثم تقول مكانه بعينه جاءني رجل إذا قصدت بذلك التنكير تعظيمه، وأنه رجل لا يعادله أحد من الرجال. ثم الجملة الإسنادية تكون خبرية، وهي التي لها خارج تطابقة أوالً، وإنشائية وهي التي لا خارج لها كالطلب وأنواعه. تم قد يتعينّ ترك العاطف بين الجملتين إذا كان للثانية محل من الإعراب: فينزل بذلك منزلة التابع المفرد نعتًا أو توكيدًا أو بدلا بلا عطف، أو يتعينّ العطف إذا لم يكن للثانية محل من الإعراب. ثم يقتضي المحل الإطناب أو الإيجاز فيورد الكلام عليهما. ثم قد يدل باللفط ولا يراد منطوقه ويراد لازمه إن كان مفردًا، كما تقول: زيد أسد، فلا تريد حقيقة الأسد لمنطوقه، وإنما تريد شجاعته اللازمة وتسندها إلى زيد، وتسمّى هذه استعارة. وقد تريد باللفظ المركّب الدلالة على ملزومه، كما تقول: زيد كثير رماد القدور، وتريد به ما لزم ذلك عنه من الجود وقرى الضيف، لأن كثره الرماد ناشئة عنهما، فهي دالة عليهما. وهذه كلها دلالة زائدة على دلالة الألفاظ من المفرد والمركّب، وإنما هي هيئات وأحوال للواقعات جعلت للدلالة عليها أحوال وهيآت في الألفاظ كل بحسب ما يقتضيه مقامه، فاشتمل هذا العلم المسمّى بالبيان على البحث عن هذه الدلالات التي للهيآت والأحوال والمقامات، وجعل على ثلاثة أصناف: الصنف الأول يبحث فيه عن هذه الهيآت والأحوال، التي تطابق باللفظ جميع مقتضيات الحال، ويسمّى علم البلاغة، والصنف الثاني يبحث فيه عن الدلالة على اللازم اللفظي وملزومه وهي الاستعارة والكناية كما قلناه ويسمّى علم البيان. وألحقوا بهما صنفا آخر، وهو النظر في تزيين الكلام وتحسينه بنوع من التنميق: إمّا بسجع يفصله، أو تجنيس يشابه بين ألفاظه، أو ترصيع يقطع أوزانه، أو تورية عن المعنى المقصود لإيهام معنى أخفى منه، لاشتراك اللفظ بينهما أو طباق بالتقابل بين الأضداد، وأمثال ذلك، ويسمّى عندهم علم البديع. وأُطلق على الأصناف الثلاثة عند المحدثين اسم البيان، وهو اسم الصنف الثاني، لأن الأقدمين أول ما تكلموا فيه. ثم تلاحقت مسائل الفن واحدة بعد أخرى، وكتب فيها جعفر بن يحيى والجاحظ وقدامة وأمثالهم إملاءات غير وافية فيها. ثم لم تزل مسائل الفن تكمل شيئًا فشيئًا إلى أن مخض السكاكي زبدته وهذب مسائله ورتب أبوابه، على نحو ما ذكرناه آنفًا من الترتيب، وألّف كتابه المسمى بالمفتاح في النحو والتصريف والبيان، فجعل هذا الفن من بعض أجزائه. وأخذه المتأخرون من كتابه، ولخصوا منه أمهات هي المتداولة لهذا العهد، كما فعله السكاكي في كتاب التبيان، وابن مالك في كتاب المصباح، وجلال الدين القزويني في كتاب الإيضاح والتلخيص، وهو أصغر حجما من الإيضاح، والعناية به لهذا العهد، عند أهل المشرق، في الشرح والتعليم منه

أكثر من غيره. وبالجملة فالمشارقة على هذا الفن أقوم من المغاربة، وسببه والله أعلم أنه كمالي في العلوم اللسانية، والصنائع الكمالية توجد في وفور العمران. والمشرق أوفر عمرانًا من المغرب كما ذكرناه. أو نقول لعناية العجم وهم معظم أهل المشرق، كتفسير الزمخشري، وهو كله مبني على هذا الفن وهو أصله. وإنما اختص بأهل المغرب من أصنافه علم البديع خاصة، وجعلوه من جملة علوم الأدب الشعرية، وفرعوا له ألقابًا وعددوا أبوابًا ونوعوا أنواعًا. وزعموا أنهم أحصوها من لسان العرب، وإنما حملهم على ذلك الولوع بتزيين الألفاظ، وأن علم البديع سهل المأخذ. وصعبت عليهم مآخذ البلاغة والبيان لدقة أنظارهما وغموض معانيهما فتجافوا عنهما. وممّن ألّف في البديع من أهل إفريقية ابن رشيق، وكتاب العمدة له مشهور. وجرى كثير من أهل إفريقية والأندلس على منحاه. واعلم أن ثمرة هذا الفن إنما هي في فهم الإعجاز من القرآن، لأن إعجازه في وفاء الدلالة منه بجميع مقتضيات الأحوال منطوقة ومفهومة، وهي أعلى مراتب الكمال، مع الكلام فيما يختص بالألفاظ، في انتقائها وجودة رصفها وتركيبها، وهذا هو الإعجاز الذي تقصر الأفهام عن إدراكه. وإنما يدرك بعض الشيء منه من كان له ذوق بمخالطة اللسان العربي وحصول ملَكته، فيدرك من إعجازه على قدر ذوقه. فلهذا كانت مدارك العرب الذين سمعوه من مبلغه أعلى مقامًا في ذلك، لأنهم فرسان الكلام وجهابذته، والذوق عندهم موجود بأوفر ما يكون وأصحّه. وأحوج ما يكون إلى هذا الفن المفسرون، وأكثر تفاسير المتقدمين غفل منه، حتى ظهر جار الله الزمخشري ووضع كتابه في التفسير، وتتبّع آي القرآن بأحكام هذا الفن، بما يبدي البعض من إعجازه، فانفرد بهذا الفضل على جميع التفاسير، لولا أنه يؤيد عقائد أهل البدع عند اقتباسها من القرآن بوجوه البلاغة. ولأجل هذا يتحاماه كثير من أهل السنّة، مع وفور بضاعته من البلاغة. فمن أحكم عقائد السنّة وشارك في هذا الفن بعض المشاركة، حتى يقتدر على الرد عليه من جنس كلامه، أو يعلم أنها بدعة فيعرض عنها ولا تضره في معتقده، فإنه يتعينّ عليه النظر في هذا الكتاب، للظفر بشيء من الإعجاز، مع السلامة من البدع والأهواء. والله الهادي من يشاء إلى سواء السبيل.

علم الأدب

هذا العلم لا موضوع له، ينظر في إثبات عوارضه أو نفيها. وإنما المقصود منه عند أهل اللسان ثمرته، وهي الإجادة في فني المنظوم والمنثور، على أساليب العرب ومناحيهم، فيجمعون لذلك من كلام العرب ما عساه تحصل به الكلمة، من شعر عالي الطبقة وسجع متساو في الإجادة ومسائل من اللغة والنحو، مبثوثة أثناء ذلك، متفرقة، يستقري منها الناظر في الغالب معظم قوا ين العربية، مع ذكر بعض من أيام العرب، يفهم به ما يقع في أشعارهم منها. وكذلك ذكر المهم من الأنساب الشهيرة والأخبار العامة. والمقصود بذلك كله أن لا يخفى على الناظر فيه شيء من كلام العرب وأساليبهم ومناحي بلاغتهم إذا تصفحه، لأنه لا تحصل الملَكة من حفظه إالّ بعد فهمه، فيحتاج إلى تقديم جميع ما يتوقف عليه فهمه. ثم إنهم إذا أرادوا حد هذا الفن قالوا: الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارها والأخذ من كل علم بطرف يريدون من علوم اللسان أو العلوم الشرعية من حيث متونها فقط، وهي القرآن والحديث. إذ لا مدخل لغير ذلك من العلوم في كلام العرب إالّ ما ذهب إليه المتأخرون عند كلفهم بصناعة البديع من التورية في أشعارهم وترسلهم بالاصطلاحات العلمية، فاحتاج صاحب هذا الفن حينئذ إلى معرفة اصطلاحات العلوم، ليكون قائما على فهمها. وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول

هذا الفن وأركانه أربعة دواوين وهي: أدب الكاتب لابن قتيبة وكتاب الكاملللمبرد، وكتاب البيان والتبيينللجاحظ، وكتاب النوادر لأبي علي القالي البغدادي. وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عنها. وكُتب المحدثين في ذلك كثيرة. وكان الغناء في الصدر الأول من أجزاء هذا الفن، لما هو تابع للشعر، إذ الغناء إنما هو تلحينه. وكان الكتاب والفضلاء من الخواص في الدولة العباسية يأخذون أنفسهم به، حرصًا على تحصيل أساليب الشعر وفنونه، فلم يكن انتحاله قادحًا في العدالة والمروءة. وقد ألّف القاضي أبو الفرج الأصبهاني وهو ما هو، كتابه في الأغاني، جمع فيه أخبار العرب وأشعارهم وأنسابهم وأيامهم ودولهم. وجعل مبناه على الغناء في المائة صوت التي اختارها المغنون للرشيد، فاستوعب فيه ذلك أتم استيعاب وأوفاه. ولعمري إنه ديوان العرب وجامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم، في كل فن من فنون الشعر والتاريخ والغناء وسائر الأحوال، ولا يعدل به كتاب في ذلك فيما نعلمه، وهو الغاية التي يسمو إليها الأديب ويقف عندها، وأنّى له بها. ونحن الآن نرجع بالتحقيق على الإجمال فيما تكلمنا عليه من علوم اللسان. والله الهادي للصواب.

الفصل السادس والأربعون: في أن اللغة ملَكة صناعية

إعلم أن اللغات كلها ملَكات شبيهة بالصناعة، إذ هي ملَكات في اللسان، للعبارة عن المعاني وجودتها وقصورها بحسب تمام الملَكة أو نقصانها. وليس ذلك بالنظر إلى المفردات، وإنما هو بالنظر إلى التراكيب. فإذا حصلت الملَكة التامة في تركيب الألفاظ المفردة، للتعبير بها عن المعاني المقصودة، ومراعاة التأليف الذي يطبق الكلام على مقتضى الحال، بلغ المتكلم حينئذ الغاية من إفادة مقصوده للسامع، وهذا هو معنى البلاغة. والملَكات لا تحصل إالّ بتكرار الأفعال لأن الفعل يقع أوالً وتعود منه للذات صفة، ثم تتكرر فتكون حاالً. ومعنى الحال أنها صفة غير راسخة، ثم يزيد التكرار فتكون ملَكة أي صفة راسخة. فالمتكلم من العرب حين كانت ملَكته اللغة العربية موجودة فيهم، يسمع كلام أهل جيله، وأساليبهم في مخاطباتهم وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم، كما يسمع الصبي استعمال المفردات في معانيها، فيلقنها أوالً، ثم يسمع التراكيب بعدها فيلقنها كذلك. ثم لا يزال سماعهم لذلك يتجدد في كل لحظة ومن كل متكلم، واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملَكة وصفة راسخة ويكون كأحدهم. هكذا تصيرت الألسن واللغات من جيل إلى جيل وتعلمها العجم والأطفال. وهذا هو معنى ما تقوله العامة من أن اللغة للعرب بالطبع أي بالملَكة الأولى التي أخذت عنهم، ولم يأخذوها عن غيرهم. ثم فسدت هذه الملَكة لمضر بمخالطتهم الأعاجم. وسبب فسادها أن الناشىء من الجيل، صار يسمع في العبارة عن المقاصد كيفيات أخرى غير الكيفيات التي كانت للعرب، فيعربّ بها عن مقصوده لكثرة المخالطين للعرب من غيرهم، ويسمع كيفيات العرب أيضا، فاختلط عليه الأمر وأخذ من هذه وهذه، فاستحدث ملَكة وكانت ناقصة عن الأولى. وهذا معنى فساد اللسان العربي. ولهذا كانت لغة قريش أفصح اللغات العربية وأصرحها لبعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم. ثم من اكتنفهم من ثقيف وهذيل وخزاعة وبني كنانة وغطفان وبني أسد وبني تميم. وأمّا من بعد عنهم من ربيعة ولخم وجذام وغسان وإياد وقضاعة وعرب اليمن المجاورين لأمم الفرس والروم والحبشة، فلم تكن لغتهم تامة الملَكة بمخالطة الأعاجم. وعلى نسبة بعدهم من قريش كان الأعاجم بلغاتهم في الصحة والفساد عند أهل الصناعة العربية. والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق.

الفصل الحادي والخمسون في تفسير لفظة الذوق في مصطلح أهل البيان وتحقيق معناه وبيان أنها لا تحصل غالبًا للمستعربين من العجم

إعلم أن لفظة الذوق يتداولها المعتنون بفنون البيان، ومعناها حصول ملَكة البلاغة للسان. وقد مر تفسير البلاغة، وأنها مطابقة الكلام للمعنى من جميع وجوهه، بخواص تقع للتراكيب في إفادة ذلك. فالمتكلم بلسان العرب والبليغ فيه يتحرى الهيئة المفيدة لذلك، على أساليب العرب وأنحاء مخاطباتهم، وينظم الكلام على ذلك الوجه جهده، فإذا اتصلت معاناته لذلك بمخالطة كلام العرب، حصلت له الملَكة في نظم الكلام على ذلك الوجه، وسهل عليه أمر التركيب، حتى لا يكاد ينحو فيه غير منحى البلاغة التي للعرب، وإن سمع تركيبًا غير جارٍ على ذلك المنحى، مجّه ونبا عنه سمعه بأدنى فكر، بل وبغير فكر، إالّ بما استفاده من حصول هذه الملَكة. فإن الملَكات إذا استقرت ورسخت في محالها ظهر كأنها طبيعة وجبلة لذلك المحل. ولذلك يظن كثير من المغفلين ممن لم يعرف شأن الملَكات، أن الصواب للعرب في لغتهم إعرابا وبلاغة أمر طبيعي. ويقول: كانت العرب تنطق بالطبع وليس كذلك، وإنما هي ملَكة لسانية في نظم الكلام تمكنت ورسخت فظهرت في بادىء الرأي أنها جبلة وطبع. وهذه الملَكة كما تقدَّم إنما تحصل بممارسة كلام العرب وتكرره على السمع والتفطن لخواص تراكيبه، وليست تحصل بمعرفة القوا ين العلمية في ذلك التي استنبطها أهل صناعة البيان، فإن هذه القوا ين إنما تفيد علما بذلك اللسان، ولا تفيد حصول الملَكة بالفعل في محلها، وقد مر ذلك. وإذا تقرر ذلك فملَكة البلاغة في اللسان تهدي البليغ إلى وجود النظم وحسن التركيب الموافق لتراكيب العرب في لغتهم ونظم كلامهم. ولو رام صاحب هذه الملَكة حيدا عن هذه السبيل المعيّنة والتراكيب المخصوصة، لما قدر عليه ولا وافقه عليه لسانه، لأنه لا يعتاده ولا تهديه إليه ملَكته الراسخة عنده. وإذا عرض عليه الكلام، حائدا عن أسلوب العرب وبلاغتهم في نظم كلامهم أعرض عنه ومجّه، وعلم أنه ليس من كلام العرب الذين مارس كلامهم. وإنما يعجز عن الاحتجاج بذلك، كما تصنع أهل القوا ين النحوية والبيانية، فإن ذلك استدلال بما حصل من القوا ين المفادة بالاستقراء. وهذا أمر وجداني حاصل بممارسة كلام العرب، حتى يصير كواحد منهم. ومثاله: لو فرضنا صبيا من صبيانهم، نشأ وربي في جيلهم، فإنه يتعلم لغتهم ويحكم شأن الإعراب والبلاغة فيها، حتى يستولي على غايتها. وليس من العلم القانوني في شيء، وإنما هو بحصول هذه الملَكة في لسانه ونطقه. وكذلك تحصل هذه الملكة لمن بعد ذلك الجيل، بحفظ كلامهم وأشعارهم وخطبهم والمداومة على ذلك، بحيث يحصل الملَكة ويصير كواحد ممن نشأ في جيلهم وربي بين أحيائهم. والقوا ين بمعزل عن هذا. واستعير لهذه الملَكة، عندما ترسخ وتستقر، اسم الذوق الذي اصطلح عليه أهل صناعة البيان والذوق إنما هو موضوع لإدراك الطعوم. لكن لما كان محل هذه الملَكة في اللسان، من حيث النطق بالكلام، كما هو محل لإدراك الطعوم، استعير لها اسمه. وأيضا فهو وجداني اللسان، كما أن الطعوم محسوسة له، فقيل له ذوق. وإذا تبينّ لك ذلك، علمت منه أن الأعاجم الداخلين في اللسان العربي الطارئين عليه المضطرين إلى النطق به لمخالطة أهله، كالفرس والروم والترك بالمشرق وكالبربر بالمغرب، فإنه لا يحصل لهم هذا الذوق لقصور حظهم في هذه الملَكة التي قررنا أمرها، لأن قصاراهم بعد طائفة من العمر وسبق ملَكة أخرى إلى اللسان، وهي لغاتهم، أن يعتنوا بما يتداوله أهل المصر بينهم في

المحاورة من مفرد ومركّب، لما يضطرون إليه من ذلك. وهذه الملَكة قد ذهبت لأهل الأمصار، وبعدوا عنها كما تقدم. وإنما لهم في ذلك ملَكة أخرى وليست هذ ملَكة اللسان المطلوبة. ومن عرف أحكام تلك الملَكة من القوا ين المسطرة في الكتب، فليس من تحصيل الملَكة في شيء، إنما حصل أحكامها كما عرفت. وإنما تحصل هذه الملَكة بالممارسة والاعتياد والتكرر لكلام العرب. فإن عرض لك ما تسمعه، من أن سيبويه والفارسي والزمخشري وأمثالهم من فرسان الكلام كانوا أعجاما مع حصول هذه الملَكة لهم، فاعلم أن أولئك القوم الذين نسمع عنهم إنما كانوا عجما في نسبهم فقط. أمّا المربى والنشأة فكانت بين أهل هذه الملَكة من العرب ومن تعلمها منهم، فاستولوا بذلك من الكلام على غاية لا وراءها، وكأنهم في أول نشأتهم بمنزلة الأصاغر من العرب الذين نشأوا في أجيالهم، حتى أدركوا كنه اللغة وصاروا من أهلها. فهم وإن كانوا عجما في النسب فليسوا بأعاجم في اللغة والكلام، لأنهم أدركوا الملّة في عنفوانها واللغة في شبابها، ولم تذهب آثار الملَكة منها ولا من أهل الأمصار. ثم عكفوا على الممارسة والمدارسة لكلام العرب حتى استولوا على غايته. واليوم الواحد من العجم، إذا خالط أهل اللسان العربي بالأمصار، فأول ما يجد تلك الملَكة المقصودة من اللسان العربي ممتحية الآثار. ويجد ملَكتهم الخاصة بهم ملَكة أخرى مخالفة لملَكة اللسان العربي. ثم إذا فرضنا أنه أقبل على الممارسة لكلام العرب وأشعارهم بالمدارسة والحفظ ليستفيد تحصيلها، فقلّ أن يحصل له ما قدمناه من أن الملَكة إذا سبقتها ملكة أخرى في المحل، فلا تحصل إالّ ناقصة مخدوشة. وإن فرضنا عجميًا في النسب سلم من مخالطة اللسان العجمي بالكلية، وذهب إلى تعلم هذه الملَكة بالحفظ والمدارسة، فربما يحصل له ذلك، لكنه من الندور بحيث لا يخفى عليك بما تقرر. وربما يدّعي كثير ممّن ينظر في هذه القوا ين البيانية حصول هذا الذوق له بها، وهو غلط أو مغالطة، وإنما حصلت له الملَكة إن حصلت في تلك القوا ين البيانية، وليست من ملَكة العبارة في شيء. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

الفصل الثاني والخمسون في أن أهل الأمصار على الإطلاق قاصرون في تحصيل هذه الملَكة اللسانية التي تستفاد بالتعليم ومن كان منهم أبعد عن اللسان العربي كان حصولها له أصعب وأعسر

والسبب في ذلك ما يسبق إلى المتعلم، من حصول ملَكة منافية للملَكة المطلوبة، بما سبق إليه من اللسان الحضري الذي أفادته العجمة، حتى نزل بها اللسان عن ملَكته الأولى إلى ملَكة أخرى هي لغة الحضر لهذا العهد. ولهذا نجد المعلمين يذهبون إلى المسابقة بتعليم اللسان للولدان. وتعتقد النحاة أن هذه المسابقة بصناعتهم، وليس كذلك، وإنما هي بتعليم هذه الملَكة بمخالطة اللسان وكلام العرب. نعم صناعة النحو أقرب إلى مخالطة ذلك. وما كان من لغات أهل الأمصار أعرق في العجمة وأبعد عن لسان مضر قصر بصاحبه عن تعلم اللغة المصرية وحصول ملَكتها لتمكن المنافاة حينئذ. واعتبُر ذلك في أهل الأمصار. فأهل إفريقية والمغرب لما كانوا أعرق في العجمة وأبعد عن اللسان الأول، كان لهم قصور تام في تحصيل ملَكته بالتعليم. ولقد نقل ابن الرقيق أن بعض كتّاب القيروان كتب إلى صاحب له: يا أخي ومن لا عدمت فقده، أعلمني أبو سعيد كلامًا أنك كنت ذكرت أنك تكون مع الذين تأتي، وعاقنا اليوم فلم يتهيأ لنا الخروج. وأمّا أهل المنزل الكلاب من أمير الشين فقد كذبوا هذا باطالً، ليس من هذا حرفًا واحدًا. وكتابي

إليك وأنا مشتاق إليك إن شاء الله. وهكذا كانت ملَكتهم في اللسان المضري، وسببه ما ذكرنا. وكذلك أشعارهم كانت بعيدة عن الملَكة نازلة عن الطبقة، ولم تزل كذلك، لهذا العهد. ولهذا ما كان لإفريقية من مشاهير الشعراء، إالّ ابن رشيق وابن شرف. وأكثر ما يكون فيها الشعراء طارئين عليها، ولم تزل طبقتهم في البلاغة حتى الآن مائلة إلى القصور. وأهل الأندلس أقرب منهم إلى تحصيل هذه الملَكة، بكثرة معاناتها وامتلائهم من المحفوظات اللغوية نظما ونثرًا. وكان فيهم ابن حيان المؤرخ إمام أهل الصناعة في هذه الملَكة ورافع الراية لهم فيها، وابن عبد ربه والقسطلي وأمثالهم من شعراء ملوك الطوائف، لما زخرت فيها بحار اللسان والأدب وتداول ذلك فيهم مئين من الس ين، حتى كان الانفضاض والجلاء أيام تغلب النصرانية. وشغلوا عن تعلم ذلك، وتناقص العمران فتناقص لذلك شأن الصنائع كلها، فقصرت الملَكة فيهم عن شأنها حتى بلغت الحضيض. وكان من آخرهم صالح بن شريف، ومالك بن المرحل من تلاميذ الطبقة الإشبيليين بسبتة وكانت دولة بني الأحمر في أولها، وألقت الأندلس أفلاذ كبدها، من أهل تلك الملَكة بالجلاء إلى العدوة، من عدوة إشبيلية إلى سبتة، ومن شرق الأندلس إلى إفريقية. ولم يلبثوا إلى أن انقرضوا وانقطع سند تعليمهم في هذه الصناعة، لعسر قبول العدوة لها وصعوبتها عليهم، بعوج ألسنتهم ورسوخهم في العجمة البربرية، وهي منافية لما قلناه. ثم عادت الملَكة من بعد ذلك إلى الأندلس كما كانت، ونجم بها ابن سيرين وابن جابر وابن الجياب وطبقتهم، ثم إبراهيم الساحلي الطويجن وطبقته، وقفاهم ابن الخطيب من بعدهم الهالك لهذا العهد شهيدًا بسعاية أعدائه. وكان له في اللسان ملَكة لا تدرك واتّبع أثره تلميذه من بعده. وبالجملة، فشأن هذه الملَكة بالأندلس أكثر، وتعليلها أيسر وأسهل، بما هم عليه لهذا العهد كما قدمناه من معاناة علوم اللسان ومحافظتهم عليها وعلى علوم الأدب وسند تعليمها. ولأن أهل اللسان العجمي الذين تفسد ملَكتهم إنما هم طارئون عليهم. وليست عجمتهم أصلا للغة أهل الأندلس والبربر في هذه العدوة، وهم أهلها ولسانهم لسانها إالّ في الأمصار فقط. وهم فيها منغمسون في بحر عجمتهم ورطانتهم البربرية، فيصعب عليهم تحصيل الملَكة اللسانية بالتعليم بخلاف أهل الأندلس. واعتبر ذلك بحال أهل المشرق لعهد الدولة الأموية والعباسية، فكان شأنهم شأن أهل الأندلس في تمام هذه الملَكة وإجادتها، لبُعدهم لذلك العهد عن الأعاجم ومخالطتهم إالّ في القليل. فكان أمر هذه الملَكة في ذلك العهد أقوم، وكان فحول الشعراء والكتّاب لعهدهم أوفر لتوفر العرب وأبنائهم بالمشرق. وانظر ما اشتمل عليه كتاب الأغاني من نظمهم ونثرهم، فإن ذلك الكتاب هو كتاب العرب وديوانهم، وفيه لغتهم وأخبارهم وأيامهم، وملّتهم العربية وسير نبيّهم صلى الله عليه وسلم وآثار خلفائهم وملوكهم، وأشعارهم وغناؤهم وسائر مغانيهم له، فلا كتاب أوعب منه لأحوال العرب. وبقي أمر هذه الملَكة مستحكما في المشرق في الدولتين، وربما كانت فيهم أبلغ ممّن سواهم ممّن كان في الجاهلية كما نذكره بعد. حتى تلاشى أمر العرب ودرست لغتهم وفسد كلامهم وانقضى أمرهم ودولتهم، وصار الأمر للأعاجم والملْك في أيديهم والتغلب لهم. وذلك في دولة الديلم والسلجوقية. وخالطوا أهل الأمصار وكثروهم فامتلأت الأرض بلغاتهم، واستولت العجمة على أهل الأمصار والحواضر حتى بعدوا عن اللسان العربي وملَكته، وصار متعلمها منهم مقصرًا عن تحصيلها. وعلى ذلك نجد لسانهم لهذا العهد في فني المنظوم والمنثور، وإن كانوا مكثرين منه. والله يخلق ما يشاء ويختار، والله سبحانه وتعالى أعلم، وبه التوفيق لا رب سواه.