العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الفكر الاتصالي: من التأسيس إلى منعطف الألفية الثالثة لبرينار مييج

الفكر الاتصالي: من التأسيس إلى منعطف الألفية الثالثة لبرينار مييج

La pensée communicationnelle, édition augmentée by Bernard Miège

هاني عوّاد

Hani Awwad

الملخّص

يرتكز الهمّ الأساس لهذا الكتاب على محاولة لمّ شمل العدّة المنهجية التي تراكمت على مدى ما يقارب الستة عقود لمناقشة موضوع الاتصال- الإعلام، أو بالأحرى التفتيش عن نظرية الاعلام في التراث المعرفي الذي أُنتجَ حول وسائل الإعلام منذ انتقلت هذه لتأخذ مركزًا أساسًا في إعادة إنتاج البُنى السياسية والاجتماعية؛أي منذ الحرب العالمية الثانية.

Abstract

The main concern of this book focuses on the attempt to unify the methodological tools that have accumulated over the past six decades for discussing the subject of communications/media, or more accurately, to investigate the theory of media in the knowledge tradition produced around the media since it took on a central place in the reproduction of political and social structures, that is since World War II.

الكلمات المفتاحية:
  • الألفية الثالثة
  • الاتصال
  • الاعلام
  • التراث المعرفي
Keywords:
  • Third Millennium
  • Communications
  • Media

الكتاب: الفكر الاتصالي: من التأسيس إلى منعطف الألفية الثالثة الكاتب: بيرنار مييج ترجمة: أحمد القصوار تاريخ النشر 2011: الناشر: دار توبقال للنشر – الدار البيضاء عدد الصفحات 101:

يرتكز الهمّ الأساس لهذا الكتاب على محاولة لمّشمل العدّة المنهجية التي تراكمت على مدى ما يقارب الستة عقود لمناقشة موضوع الاتصال- الإعلام، أو بالأحرى التفتيش عن «نظرية الإعلام» في التراث المعرفي الذي أُنتجَ حول وسائل الإعلام منذ انتقلت هذه لتأخذ مركزًا أساسًا في إعادة إنتاج البُنى السياسية والاجتماعية؛ أي منذ الحرب العالمية الثانية. يفتتح مييج دراسته بفصلٍ يتناول ما يصفه ب«التيارات المؤسسة» في الفكر الاتصالي، أولّها النموذج السيبرنطيقي، وثانيها النموذج التجريبي- الوظيفي، وثالثها المنهج البنيوي - اللساني. ومع أن المؤلف نفسه هو الذي اقترح هذا التصنيف، فهو لا يلتزم بأصول التمييز التي خطّها بنفسه، فكلّ هذه التيارات التي سادت عقديّ الخمسينيات والستينيات وُلدت بنيوية، وتبحث عن «قوا ين تحكم الكلّ انطلاقًا من عناصره، ومن أنواع التعارض المعهودة (شكل/ عمق)» (7 ص 1 بتصرّف)؛ فهي تعاينُ آثار الاتصال كما يعاين الطبيب مريضه، وباستثناء المنهج اللسانيّ

الذي انبثق من أعمال ليفي ستراوس وغيره (حيث لا يوضّح المؤلف علاقته الخصوصية بموضوع الإعلام)، فإن التيار المؤسس والمهتم بمنتجات وسائل الاتصال كان أداتيًا، يروم البحث عن آثار الإعلام في الذوات الاجتماعية (مرس - وسيط - ل متلقّ)، ثم يقدّم تغذية راجعة إلى علاقات السلطة بوصفها المستحوذ على الأجهزة الإعلامية، وذلك منطلقًا من سلبية المتلقّي. هكذا يتم بوساطة سلطة الميديا «الدفع بالأفراد المستعدين بشكل قبليّ للتعبير عن آراء الأقلية أو عن آراء غير شعبية إلى الإحجام عن القيام بذلك مخافة عزلهم اجتماعيًا» (8 ص.)2 لذلك، عرض المؤلف مساهمات التيار النقدي الذي قاده تلاميذ مدرسة فرانكفورت التي ساهمت، في رأينا، في اضمحلال الحديث عن الاتصال بوصفه حقالً علميًا منفردًا بحدّ ذاته. هكذا برز اكتشاف جوزيف كلابر (J. Clapper) وغيره؛ فالاتصال الجماهيري ليس سببًا ضروريًا وكافيًا للتأثير في جمهور الوسائط، فهو يشتغل بالأحرى بواسطة تضافر مجموعة من العوامل الوسيطة؛ فالرسالة الإعلامية تمرّ بمراحل من التصفية من خلال اختيارات المتلقي، والمجموعات التي يعيش فيها، والاتصال بين الأفراد و«موجِّهي الرأي» (ص 72)، كما هو الشأن بالنسبة إلى «الخيرات المعروضة للاستهلاك، حيث يتُرك نوع من المبادرة للمستعملين- المستهلكين ما إن يكون العرض وافرًا» (ص 9.)2 وباختصار، فإن الثقافة الجماهيرية هي «نسق خاص يوجد في علاقة مع المجتمع والتاريخ، وليس كأثر للوسائط الجماهيرية» (ص 34). إذًا، ما يمكن استنتاجه من الفصل الأولهو موت فكرة تحويل الإعلام إلى حقل علمي منفرد منذ ولادتها، وانحصار نظرياتها التي لم يبق منها سوى أطروحة مارشال ماكلوهان، حيث «إن الواقعة الأساسية في الاتصال ليست هي الخطابات، وإنمّا الوسائط ذاتها» (ص 73)، وهو ما يعني فصل الوسيط من حيث هو أداة عن الرسالة الموجّهة. وما فعله ماكلوهان ليس أكثر من سحب أحد مناهج النقد الأدبي الحديثة ليتمّ التعامل مع الميديا على أنها «قصيدة»، لا يمكن فهمها إالّ من خلال نظامها الداخلي الناظم لمخرجاتها، ولكن حتى هذه الأخيرة تعاني، كما يشير المؤلف، شبه انعدام الاختبارات المنهجية التي تثبت فعاليتها للتفسير، وغموض الموضوع الذي يعالجه (ص. 77) ومع ذلك، يغامر المؤلف في الفصلين الثاني والثالثباعتبار مباحث اجتماعية وأنثروبولوجية امتدادًا للمؤلّفات الكلاسيكية بشأن نظرية الإعلام- الاتصال، فيذكر في الفصل الثاني تيار الاقتصاد السياسي الذي يهدف في «الأساس إلى توضيح الوظيفة التي يقوم بها الاتصال من أجل تلبية حاجات الرأسمال» (ص 41)، والمدرسة الأنثروبولوجية في تحليل التواصل، ثم مدارس العلوم الاجتماعية المختلفة، والتيار الثقافوي، مع أن هؤلاء جميعًا لم يكونوا معنيين بتشييد نظريات عامّة حول الإعلام، فالدراسات الاجتماعية والإنسانية كانت دائمة الانشغال بالتواصل بين البشر في سياق محاولاتها لفهم المجتمع. يبدو مييج في فصول الكتاب الثلاثة منخرطًا بشدّة في تقاليد المدرسة الفرنسية المُحدثة، حيث الإغراق في النظرية والمنهج يفوق في أهميته الحديث عن الظاهرة المدروسة. لذلك، ينطلق المؤلف من أرضيّة تسلّم بوجود نظرية إعلام، ولا يتساءل عماّ إذا كان هنالك قبل ذلك نظرية للإعلام (أو نظرية في الإعلام)، فالإعلام مثل غيره هو ظاهرة اجتماعية تعربّ في النهاية عن مجرى علاقات السلطة داخل مجتمع، وصراع القوى على فوائض الإنتاج المادية والرمزية. إن أهمَّ ما يميّز هذا العمل، هو إقراره في الفصل

الثالث التناقض الأهم الذي وقع فيه أغلب المساهمين بنظريات الإعلام الحديثة (ابتداءً من ماكلوهان وانتهاءً بريجيس دوبريه)، التي ميّزت بين نمطين من الإنتاج، الأولهو الرأسمالي الصناعي، والثانيهو الإعلامي (والموصوف أحيانًا بما بعد الصناعي). ومع ذلك، فهي لا تهتمّ إالّ بالنمط الثاني، ولا تبحث في التفكير في التمفصل بين الواحد والآخر، فلا يصبح مفهومًا «كيف يمكن لتشغيل التقنيات أن يكون مفصوالً عن نمط الإنتاج الذي يعبئها، وموجّهًا نحو استعمالات متمايزة» (ص 85)، ونحن نذهب أبعد من ذلك لنقول إنه لا يوجد في الأصل نمطُ إنتاجٍ إعلاميّ؛ بل يوجد أجهزة إعلامية فاعلة ومنفعلة بظرف كلِّ مجتمع من المجتمعات، وخلف هذه الأجهزة قوى اجتماعية مستفيدة من اقتصاد الخدمات الذي هو بالأصل نتوء من نتوءات اقتصاد الرأسمالية. هذا الكتاب إذًا هو مثال مهم لارتباك المحاولات التي تروم البحث عن استقلالية حقل معرفيّمعينّ عن التراكم المعرفي الذي أنتجته العلوم الاجتماعية والإنسانية. وكما أشار مييج في الفصل الثالث، فإن تطوّر البنى الاجتماعية جاء مخالفًا للتوقّعات التي أعلنتها الدراسات الإعلامية منذ عقود (ص 84)، فالميديا في نهاية المطاف هي أسيرة «الراهنيّ»، والمعلومة التي تشكّل رصيد الوسيلة الإعلامية هي «آنيّة»، بينما تتحكم في البُنى الاجتماعية شروط اجتماعية ضاربة في التاريخ.

الهوامش

إقرأ محور العدد:

ممارسة أنظمة المراقبة في الوطن العربي (2)

العدد دراسات مناقشات مراجعات