تقرير عن مؤتمر منظورات متغيرة في الدراسات التوراتية : ماضيا و حاضرا و مستقبلاً
Report on the Conference “Changing Perspectives in Old Testament Studies: Past, Present, and Future”
الملخّص
أجمع التقويم العام الذي أقره المشاركون كافة في المؤتمر على أن المؤتمر كان بنّاءً وعلميًا بامتياز. وعلى الرغم من أن العديد من المشاركين كانوا يحملون أفكارًا متناقضة، فإن النقاشات التي تناولت كل ورقة كانت علمية بصورة بحتة، ولم تؤثر في سير المؤتمر أو عمله أو في العلاقة بين المشاركين.المحاضرة الافتتاحية التي قدمها جاك ساسون على مدى نحو ستين دقيقة كانت جوهرة، وفق وصف العديد من العلماء الحاضرين؛ فقد تحدث مطوّلاً عن ماري ومعارفنا العلمية عن تفصيلات الحياة فيها، من العلاقات بين مكوّنات المجتمع وأعمال الحفر والصيانة والتجارة ومؤامرات القصر والنزاعات بين الفلاحين حول مياه الري .إلخ. وبيّنت محاضرة العالم الأميركي إمكانية علم الآثار في تقديم صورة مسهبة عن الحياة في مواقع أثرية يصل عمرها إلى أربعة آلاف سنة.
Abstract
Held by the University of Copenhagen, this conference addressed the changing perspectives in old testament studies. An opening address of around 60 minutes was delivered by Jack Sasson who spoke at length about Mari and our knowledge of the details of life there, including relations between the components of society, archaeological digs, preservation, trade, palace intrigue, and peasant conflicts over irrigation water. The American scholar explained the potential of archaeology to present an expansive image of life in archaeological sites going back 4,000 years. Overall, there was consensus among the conference participants that the conference was constructive, of very high academic standard and that discussions on the papers were conducted according to rigorous academic principles.
- الدراسات التوراتية
- الماضي
- المستقبل
- Old Testament Studies
- Past
- Future
عقد قسم اللاهوت في جامعة كوبنهاغن في الفترة 9 - 21 تشرين الأول/ أكتوبر 0132 مؤتمرًا عن "الدراسات الكتابية"2 تناول تطورات هذا المجال البحثي في العقدين الأخيرين. وقد شارك فيه مجموعة من كبار العلماء، خصوصًا من ممثلي التيار التجديدي الذي يُعرف مجازًا باسم "مدرسة كوبنهاغن"؛ ذلك أن أحد كبار مؤسسي المدرسة، البروفسور الأميركي الأصل توماس تومسون، صاحب كتاب تاريخ بني إسرائيل اعتمادًا على المصادر المكتوبة والآثارية الشهير، الذي دفع نشره سنة 1 973 جامعة ماركت Marquette) (الأميركية التي كان تومسون يحاضر فيها إلى إنهاء عمله بحجة أنه يتناقض مع عقيدتها الكاثوليكية المحافظة، وهو ما اضطره إلى مزاولة مهن في مجالات عديدة، فعمل دهانًا وعامالً، إلى أن انتهى الأمر به إلى التعليم في إكُل ببليك في القدس المحتلة، لكنه فقد عمله مرة
جامعة كوبنهاغن، الدنمارك، 12-9 تشرين الأول/أكتوبر 2013
أخرى بسبب نقده سياسات إسرائيل التي تحاول طمس المعالم العربية في فلسطين، وخصوصًا أسماء الأمكنة، فانتقل منها إلى الدنمارك، حيث عمل محاضرًا في كلية اللاهوت هناك، وحاز التابعية الدنماركية بدلاً من التابعية الأميركية. لبى الدعوة غلى المؤتمر ثلة من كبار "علماء الكتاب" Biblical Scholars() من أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وأميركا الجنوبية، معظمهم من أتباع الفكر التجديدي الذي يذمّه الطرف المضاد بتسميته "المُقِلِّ " Minimalists(). وألقى بعض هؤلاء محاضرات سنعود إلى ذكرها لاحقًا، بينما آثر علماء آخرون رئاسة جلسات المؤتمر وتقديم مادة المحاضرة ذات العلاقة، أو التعليق عليها، وإدارة النقاشات التي تلت ك منها. كما حضرت المؤتمر إدارة قسم اللاهوت ورئيسه في جامعة كوبنهاغن وبعض المهتمين.
المداخلات
• جاك ساسون (جامعة فاندلبرت- الولايات المتحدة الأميركية) الذي ألقى محاضرة افتتاح المؤتمر
- كانت كلمة افتتاح المؤتمر لجاك ساسون من جامعة فندربلت الهولندية، وكان موضوعها مادة محفوظات مدينة ماري (تل الحريري) الواقعة شرقي سورية والتي اكتُشفت في الفترة الواقعة بين الحربين العالميتين، فشهدت أهميتها مدًا وجزرًا في محاولة مناغمتها مع الدراسات الكتابية وبعض الاستنتاجات. وسنعود إلى هذا الموضع في نهاية هذا العرض عندما نتحدث بالتفصيل عن النقاشات الرئيسة التي تلت كل محاضرة. • دوغلاس نايت (جامعة فاندلبرت- الولايات المتحدة الأميركية)
- تحدث البروفسور دوغلاس نايت المتخصص ب "عبرانية التوراة"4 عن تطور الأبحاث الكتابية في الدول الاسكندينافية، والمنعطفات التي شهدتها عبر القرن الماضي على يد مجموعة من كبار العلماء ابتداءً من غرُنبخ وبدرسن إلى آلشترُم ومتنغر، وغيرهم الكثير. وقد اتّبع هؤلاء العلماء خطوطًا بحثية جديدة أثارت نقاشات علمية كثيرة، وتبوأت مكانة متقدمة على المستويين الوطني والعالمي. وتركت المواقف العلمية التي اتخذها أولئك العلماء على الأبحاث الكتابية و"علم نقد الكتاب" بصمة واضحة تميّزت من غيرها. ومن المنعطفات المهمة التي ذكرها المحاضر، كتابات بدرسن عن "نفسية" مجتمع بني إسرائيل، والمزامير الملَكية التي ذكرها موفنكل، وتأكيد العاملِ السويدي إيفان إنغنل أهمية تاريخ التقاليد، والشفهي منه خاصة، في تطور العهد القديم. وهو يضع ولادة ما يُعرف باسم "مدرسة كوبنهاغن" في ثمانينيات القرن الماضي على هذه الخلفية، وانعطافها الحاد في التسعينيات على يد البروفسور الأميركي توماس تومسون الذي ظهر في كتابه الحدث تاريخ بني إسرائيلالذي تعامل مع المادة من منطلق مختلف تمامًا، إضافة إلى تأريخه المتأخر لأسفار العهد القديم. وأضاف المحاضر أن على الرغم من المواقف النقدية الحادة التي اتخذتها التعليقات على أطروحات توماس تومسون، فقد انتقل النقاش على نحو جذري إلى البحث في العمليات التاريخية في العصور القديمة، حيث يتجلى ذلك في الاهتمام المتزايد الذي أخذ بعض العلماء يبدونه تجاه العصرين الفارسي والهلنستي. • توماس بولين (كلية سانت نربرت/ جامعة ماركت - الولايات المتحدة الأميركية)
- تركزت محاضرة العالم الأميركي توماس بولين على الحقائق الثلاث الآتية: النصوص الكتابية مركّبة، ومؤلفوها معروفون؛ النصوص الكتابية تعكس الانتماء الفكري والعَقِدي للمؤلف؛ معرفة السياقات التاريخية لمختلف النصوص يفسح في المجال أمام معرفة جذورها ومعانيها. وقد نوّه المحاضر إلى أن محاضرته ستركز على الكيفية التي أثْرت كتابات كلٍّ من توماس تومسون وفيليب ديفيس وفان سيترز في الأفكار السائدة، بل وشكلت تحديًا علميًا كبيرًا لها.
• راينهارد كرَتس (جامعة غيورغ أوغسط / غتنغن، ألمانيا)
- ركز العاملِ الألماني راينهارد كرَتس محاضرته على مناقشة العلاقة بين تاريخ بني إسرائيل من جهة وتاريخ الأدب الكتابي من جهة ثانية. وقد أوضح المحاضر أن محاولات كتابة تاريخ بني إسرائيل من الأدب الكتابي، وبالعكس، تعرضت لنقد مهم، لكنه في الوقت نفسه يدعو إلى عدم التخلي نهائيًا عن هذه المقاربات. ومن هذا المنطلق، دعا إلى إقامة علاقة منهجية مخططة بين المكوّين تسمح بالانتقال من تأريخ لبني إسرائيل يعتمد على الأدب الكتابي إلى تأريخ محدد يأخذ في الاعتبار الشواهد الخارجية، مثل الآثار ودراسة النقوش (الإبوغرافيا) ذات العلاقة في المشرق، بما يمكننا من وضع تاريخ دقيق. • فردريك بولزن (جامعة كوبنهاغن، الدنمارك)
- اختار العاملِ الدنماركي بولزن الإصحاحات 55-40 مادة لمحاضرته، فرأى فيها انعكاسًا لما يُعرف بالسبي البابلي المفترض أنه حدث بين سنتي 587 و 538 ق. م. وقد أشار المحاضر إلى أن هذه النصوص اعتُمدت سابقًا لرسم صورة الإقليم في القرن السادس ق. م.، وقادت بالتالي إلى تأويلها في ضوء إعادة تركيب تاريخية، وهو ما دفع علماء الكتاب إلى مناقشة اهتمام هذه النصوص بالسبي البابلي. لكن هذه النظرة التقليدية واجهت تحديات علمية أطلقها عدد من علماء الكتاب الاسكندينافيين الذين أوّلوا النصوص لتعنى بأورشليم (القدس/ إيلياء) ومسألة عودة السبي الوشيكة. • يان فِم فسيليُس (جامعة هولندا)
- خصص العاملِ الهولندي يان فِم فسيليُس محاضرة للحديث عن التشابه اللافت للنظر بين نصوص كتابية محددة وكتابات أخرى معاصرة لها، مثل الإغريقية على وجه التحديد. وركز المحاضر على ظواهر واضحة في تلك النصوص، وخصوصًا التطابق والتناقض بينها. • نيلز بيتر ملِكه (جامعة كوبنهاغن)
- يُعَدّ نيلز بيتر لمكِه، العاملِ الكتابي الدنماركي، من كبار الباحثين الذين انتقلوا تدريجيًا من المدرسة البحثية التقليدية إلى "مدرسة كوبنهاغن" (انظر عرضًا لكتابه الأخير الدراسات الكتابية وإخفاق التاريخ في هذا العدد من تبي، وهو يلخص انتقاله من الرأي التقليدي إلى التجديدي). وقد خصص محاضرته للحديث في مسألة اعتبار التوراة كتابًا هلنستيًا، وسبق أن طرح المسألة في مقالة كتبها بالدنماركية قبل نحو عقدين من الزمن. ومع أن عددًا من كبار العلماء استحسنوا هذا الرأي، فإن صاحبه انتقل أخيرًا إلى طرح مسألة اعتبار الكتاب كتابًا هلنستيًا - روميًا لا هلنستيًا فقط، آخذين في الاعتبار أبعاد هذا الرأي. وفي الوقت
نفسه، شدد نيلز بيتر لمكِه على خطأ اعتبار "التوراة " كتابًا يونانيًا. وقد خصص ورقته لمناقشة بعض المساهمات في هذا المجال، مضيفًا في الوقت نفسه أقسامًا أخرى لم تُبحث من قبل، ومنها، على سبيل المثال، سفر نشيد الأناشيد. • لوكاش نيزلُفسكي سبانو (جامعة فرصوفيا، بولونيا)
- خصص العاملِ البولوني لوكاش نيزلفسكي سبانو ورقته للحديث في سفر المكابيين الذي لا تعترف ببعض أقسامه الكنيسةُ البروتستانتية، ووقف الملك الإنطاكي الرابع إبيفانس (-175 641 ق. م.) المعادي لليهود ضد محاولة تأثيره في طقوس العبادة. وقد ناقش البروفسور لوكاش هذه الآراء وحاول تقديم تفسيرات بديلة لادعاءات السفر بأن تصرفات الملك السلوقي كانت معادية لليهود. • رُسِل غميركين (باحث مستقل، بورتلاند - ولاية أُرِغون، الولايات المتحدة الأميركية)
- خصص العاملِ الأميركي رسل غميركين ورقته للحديث عن الرأي السائد بأن نصوص العهد القديم تجميع لنصوص المشرق القديمة. وقد طرح أن ثمة جنوسًا أدبية واضح تمامًا أنها إمّا إغريقية وإمّا هلنستية، حيث لا يمكن العثور على رديف لها في النصوص المشرقية القديمة. ومن هذه الأجناس التي ذكرها المحاضر الكتابات السردية (التأريخ التسويغي أو التبريري/التلفيقي بالأحرى، إضافة إلى قصص الجذور)، والنصوص التشريعية، مثل الدستور ومجموعات النصوص القانونية المدنية وتلك المستمَدة من الشريعة، والخطابات وديباجات القوا ين والمسرحيات، كما في سفر أيوب، والشعر الإيروتيكي الوارد في سفر نشيد الإنشاد، وغيرها، مثل الواردة في قوا ينأفلاطون التي قسّم فيها "الشعب" إلى 12 قبيلة = سبطًا! وفي رأي الأستاذ المحاضر أن البحث في هذه المجالات سيفتح حتماً أبوابًا جديدة في مسارات البحث الكتابي. • فيليب فايدنباوم (المعهد العالي للدراسات في بلجيكا)
- ركزت ورقة د فيليب فادنباوم على منطلق كلٍّ من نيلز بيتر لمكِه وتوماس تومسون اللذين وضعا احتمال كون "الكتاب العبري" نتاج المرحلة الهلنستية؛ إذ من الممكن أنه اعتمد نصوصًا إغريقية قياسية عدة، مثل هوميروس وهيرودوتس وأفلاطون. فعلى سبيل المثال، تخيل أفلاطون في كتابه قوا ينمجتمعًا أو دولة مشكّلة من اثنتي عشرة قبيلة تحكمها قوا ين إلهية، نعثر على خمسين منها في سفر التثنية. ومن المعروف أن أفلاطون قال، اعتمادًا عل الحكايات والخرافات والأساطير السائدة، بمكافئة كل من يتبع القوا ين الإلهية ومعاقبة كل من ينحرف عنها! وهو يرى أن السرد من سفر التكوين إلى سفر الملوك يشكّل تاريخًا مبدئيًا أخذ إلهامه من المشروع الفلسفي الإفلاطوني. كما رأى أن الأسفار من التكوين إلى يشوع تتحدث عن تأسيس المملكة، بينما تتناسب أسفار القضاة وصموئيل والملوك لكتابات أفلاطون في أطلنطس - الدولة التي كان من الممكن أن تكون مثالية لولا
أن ملوكها حادوا عن الشريعة فقادوا إلى هلاكها. • مُغنز ملّر (جامعة كوبنهاغن)
- تناولت ورقة البروفسور الدنماركي مغنز ملر بالتحليل نسخة السبعونية، وهي النسخة اليونانية من العهد القديم، واسمها الأصلي "السبتواغنت"، تقول الأسطورة إن سبعين من رجال الدين اليهوذيين أنجزوها في القرن الثاني ق. م. في سبعين يومًا استجابة لطلب الحاكم بطليموس الثاني، علما بأن اسمها روماني، ويشار إليه بالأرقام الرومانية LXX، وتعني سبعين. ورأى المحاضر أن هذه النسخة تحوي في طياتها نصوصًا أقدم، ولم تعتمد اعتمادًا كاملا على النص المسوري. ولأن أهل الاختصاص يرون أن السبعونية كُتبت خصيصًا ليهوذيي المهجر، خصوصًا في مصر، فمن الممكن الحديث عن لاهوت السبعونية الذي يشكّل الرابطة بين الكتاب العبري والعهد الجديد المكتوب باليونانية. • مايكل سنغ (مخرج سينمائي)
- عرض المخرج السينمائي الأميركي مايكل سنغ فيلمه الوثائقي "شبح فلنتينو" الذي بلغت مدة عرضه 95 دقيقة، وهو عن التدخلات الأميركية في الشرق الأوسط. وتلت ذلك مناقشة وصور نمطية غاية في السلبية كما تعرضها الأفلام ووسائل الإعلام/ التضليل الأميركية عن العرب والمسلمين، بينما تنشر الدعاية اللانقدية للدولة اليهودية وكل تصرفاتها، بما يقدم المسوغات لجميع الأعمال العدوانية تجاه العرب، من أفغانستان إلى العراق وفلسطين.. إلخ. هذا الفيلم مرشح لنيل جائزة الأوسكار، وقد أرسل لنا المخرج نسخة من فيلمه للاطّلاع. • فِليب ديفِز (جامعة شفيلد - المملكة المتحدة)
- إنه العاملِ الإنكليزي الكبير، صاحب المؤلفات المهمة الكثيرة عن تاريخ فلسطين القديمة، وكاتب عشرات المقالات التي أثارت كثيرًا من النقاش في أوساط علم نقد الكتاب التقليدي، ومن ذلك على سبيل المثال إعادة تأريخ ما يسمّى نقش حزقيا إلى العصر الحشموني الهنلستي، أي إلى القرن الثاني ق. م. لا إلى القرن السادس. كان موضوع ورقة ديفز الدعوة إلى علم آثار كتابي جديد، حيث ركز فيها على خطورة الأعمال التنقيبية التي تمارسها الأوساط الآثارية الأصولية التي تعني في نهاية المطاف أن الآثار فقط هي الطرف الوحيد المؤهل لكتابة تاريخ فلسطين القديم. لذلك، طالب بمنح التحليل النصي مكانته التي يستحقها في البحث العلمي كي يتمكن العلماء من أهل الاختصاص من كتابة تاريخ هو أقرب ما يمكن إلى الحقيقة. • ماغريت شتاينر (عالمة آثار هولندية مقيمة في مدينة لايدن - هولندا)
- كان موضوع ورقة عالمة الآثار الهولندية العالمية الصيت، والتي تحظى باحترام في أوساط البحث
الكتابي ("من أورشليم، مع حبي")، عن القدس القديمة (أورشليم/ إيلياء) وتاريخ التنقيب في تلك المدينة المقدسة والاتجاهات البحثية ذات العلاقة. وقد أكدت في ورقتها أن التنقيبات الأثرية في القدس حاليًا، ومنذ ما يزيد على قرن ونصف قرن، تشابكت مع الأوضاع السياسية والدينية والاجتماعية السائدة والمحيطة، وهي تمدنا بإشارة واضحة إلى الاتجاه السائرة فيه. ومن هذا المنظور، ترى عودة تسيد مدرسة التنقيب في مدينة القدس باستخدام الكتاب المقدس والمجرفة الاستعمارية التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر. وهي تؤكد أن هذا المنطلق يتجاهل على نحو كبير العلاقات التبادلية والمعقدة بين محتوى النصوص ذات العلاقة والبراهين الآثارية. ومن المفيد لفت اهتمام القارئ إلى أن العاملِة الهولندية كانت ألّفت كتابًا عن آثار القدس في العصري الحديدي، اعتمادًا على مكتشفات الآثارية الإنكليزية كاثلين كنينُ، بيّنت فيه أن القدس لم تكن قائمة في القرن العاشر- منتصف القرن الثامن كمدينة مركزية، وهو ما يلغي صحة تأويلات النصوص الكتابية عن مملكة سليمان التوراة الموحدة. • بريَن شمدت (جامعة متشغن، الولايات المتحدة الأميركية)
- اختار العاملِ الأميركي برين شمدت، الأستاذ المساعد في جامعة متشغن، موقع كونتالّ عجرود الآثاري الذي يأخذ شكل قلعة، والواقع في شمال شبه جزيرة سيناء، وقد اكتشفه أحد الآثاريين الإسرائيليين سنة 975 1، أي إبان خضوعها للاحتلال الإسرائيلي. المهم في النقش أنه مكتوب بعدة أبجديات، ليس أي منها باللغة المصرية القديمة التي عُثر عليها عادة في فلسطين. من ضمن الأمور المهمة التي ترد في تلك النقوش إشارتها إلى يهوه سامريا وزوجه عشيرت، أي إن إله التوراة كانت متزوجًا من إلهة، ولم يكن إله يهوذا وإنما المملكة المعادية المفترض أن مركزها وقع في شمال جبال فلسطين الشرقية، بالقرب من مدينة نابلس. • إنغريد هيلم (جامعة كوبنهاغن)
- تُعتبر العالمة الدنماركية إنغريد هيلم، الأستاذة المساعدة في كلية اللاهوت بجامعة كوبنهاغن، المرجع العالمي الرئيس بشأن مملكة إسرائيل، ولها كتاب مرجع عن الموضوع. كان موضوع ورقتها الاكتشافات الأخيرة في جبل جرزيم بالقرب من نابلس، وعلاقتها بالغزو الفارسي لفلسطين، وبما يرد في طقوس في سفر اللاويين.7-1 • مانوِل بفو (جامعة لا بلاتا الوطنية - بوينس آيرس، الأرجنتين)
- أعطى العاملِ الأرجنتيني مانوِل بفو ورقته عنوانًا داالً هو "من البحث عن إسرائيل القديمة ‹بني إسرائيل› إلى تاريخ فلسطين". وركز محاضرته على التغيرات التي شهدها علم نقد الكتاب، ولخّصها في نقاط ثلاث أسهب في شرح كلٍّ منها، وهي: تفكيك علاقة القصص التوراتي بالتاريخ القديم وعودته إلى مجال التأويل الفكري؛ إعادة
النظر في تأريخ القصص التوراتية ونقلها من العصر الحديدي إلى العصور الفارسية والهلنستية أو الإغريقية - الرومانية؛ تراجع الاهتمام بتاريخ بني إسرائيل لمصلحة البحث في تاريخ فلسطين القديم. • توماس تومسون (جامعة كوبنهاغن، الدنمارك)
- خصص العاملِ الكبير توماس تومسون محاضرته للحديث عن انشغاله الحالي، مع آخرين، في إعادة صوغ كتب مقررات الدراسات العليا الفلسطينية، وإعادة كتابة تاريخ فلسطين في العصور السابقة للفتوحات الإسلامية وإرثها الثقافي. وفي عرضه هذا، تطرق إلى المشكلات والتعقيدات المرافقة لمثل هذا العمل، والطبيعة الحساسة للنقاط ذات العلاقة، بما يسمح بإعادة كتابة تاريخ البلاد لما هو في مصلحة العلم. • إيلان بابه (جامعة إكسترِ - المملكة المتحدة)
- اختار العاملِ الإسرائيلي إيلان بابه المقيم فيِ بريطانيا، وصاحب العديد من المؤلفات التي استفزت العدو الصهيوني مؤسسة ومجتمعا، ومنها التطهير العرقي في فلسطينوخارج الإطار المتوافران بالعربية وبلغات أخرى، موضوع سوء استخدام الكتاب المقدس لدعم المشروع الصهيوني في فلسطين. وقد بينّ في محاضرته أن كتاب اليهودية والمسيحية المقدس، استُخدم من البداية لتسويغ تجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم في بلادهم ووضع تاريخها بما يخدم مصلحة برنامج استعماري. • راز كلتر (جامعة هلسنكي – فنلندا)
- كان عنوان ورقة العاملِ الفنلندي راز كلتر "الأركيولوجيا الإسرائيلية والقرى المهجورة أو المهملة"، وعاد فيها إلى حادثة جرت سنة 9641، عندما قدّم طالب علم آثار "بريء" إلى يغال يادين وثيقة نادرة لأنها تمس مصير أربعمئة قرية فلسطينية هُجّر أهلها في النكبة، واقترح استخدام تلك القرى للمقارنة بالتدمير الآثاري قائلا: التدمير يتم أمام أعيننا. وعلى الرغم من أن الاقتراح لم يؤخذ به، فأنه نُفّذ، فجرى، وفق كلتر، تحديد مئة قرية بأنها تستحق الحفاظ عليها كونها قديمة، بينما تم العمل على تدمير القرى الباقية التي وصِفت بأنها تعود إلى عصور متأخرة. وكان الهدف من محاضرة كلتر مساءلة علماء، يُفترض أنهم وطّدوا حياتهم للبحث والتنقيب المعرفي لكنهم دعموا عملية تدمير مبرمجة لحضارة متأخرة، مدّعين في الوقت نفسه الأمانة العلمية! • فلمنغ نيلسن (جامعة غرينلاند، الدنمارك)
- قال العاملِ الكتابي من غرينلاند في ورقته إن اتضاح كون القصص التوراتية أدبًا وليس تاريخًا يحرض العلماء على البحث في جذورها وأصولها، وفي العلاقة بالعصور الفارسية والهنلستية،
مستخدمًا تاريخ بلاده، جزيرة غرينلاند، لعقد مقارنة موازية بين التاريخيين، ولذا أعطى ورقته عنوان: "أبناء إبراهيم الجدد في غرينلاند - خلق أمّة". • آنِكاتريندِ مهِّر غودمِ (جامعة كوبنهاغن، الدنمارك)
- ذكّرت العالمة الدنماركية بأن الفكرة التي تقول إن ديانة بني إسرائيل كما ترد في النصوص الكتابية هي نفسها التي كانت سائدة في فلسطين العصر الحديد، كانت قائمة بديهيًا وحتى وقت قريب. وهي ترى أن اعتماد ذلك قاد إلى وضع معادلة الديانة الشعبية في مقابل الديانة الرسمية التي دعا إليها أنبياء التوراة والتثنويين، بينما كانت الأولى، المحرمة في التوراة، ديانة المنشقين والأجانب والنساء.. إلخ. وقالت البرفسورة آن كاترين غودم إنه نشأ في الفترة الأخيرة تيار تجديدي يعكس الأمر ويرى أن الديانة التي دعا إليها أنبياء التوراة وتثنوييها كانت ممارسات الأقلية، بما يعني بالضرورة إعادة تركيب اليَهْوِية والنظر إلى الكتاب العبري على أنه تقرير الأقلية! • ترينِبريُننغ هسلبلخ (جامعة كوبنهاغن، الدنمارك)
- تؤكد هذه العالمة الدنماركية المعارف المثبتة بأن محرك الروايات التي يسردها العهد القديم لم يكن ببساطة حوادث حقيقية وأوضاعًا وتطورات تاريخية؛ فتفكيك النصوص يوحي بعلاقات مركّبة ومعقدة بين العمل الذي تم تحريره على يد التقليد "المحرر" ضمن بيئة محددة أخذ في الاعتبار أمورًا ليست تاريخية. فالتقليد "المحرر" استخدم المواد التي توافرت لديه، شفوية أكانت أم خطية، وأهمل بعضها، ليس فقط لكتابة تاريخ لكن أيضًا لتحديد الهوية عبر إقحام تاريخ في عمله. • جِم وِست (كلية اللاهوت كوارتز هِل - كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأميركية)
- خصص العالم الأميركي جم وست ورقته للحديث في أعمال كلٍّ من تومسون وكيث وايتلام ونيلز لمكِه وفيليب ديفز، وتأثرها بالأبحاث الكتابية ومدى فائدتها في الأبحاث من جهة، وتأثير أخذ الكنيسة بها من جهة أخرى. • مارتن إرِنزفِرد (جامعة كوبنهاغن، الدنمارك)
- لاحظ العالم الدنماركي هذا أن النقاش بينِ الاتجاهين المحافظ والتجديد بخصوص إمكان تأريخ النصوص الكتابية لا يزال مستمرًا وخاضعًا للجدل، وأكد في الوقت نفسه أن النقاشات السابقة للأطروحات الجديدة أو التجديدية كانت تؤخذ على أنها الكلمة الفصل في هذا الخصوص. لكن الوضع تغير الآن، وكثير من أهل الاختصاص ما عادوا مجبرين على تبنّي النظرة
المحافظة. لذا، خصص المحاضر ورقته للحديث في النقاط الرئيسة. • غريغوري دودنا (باحث مستقل، بلّنغهَم، واشنطن، الولايات المتحدة الأميركية)
- خصص دودنا ورقته لتحدي الرأي القائل إن النص التوراتي المأخوذ به حاليًا تم تثبيته في العصور القديمة، ورأى أن التثبيت النهائي تم في عصر حرد العربي، أي الوالي الروماني هيرودس (74 ق. م..).- 4 م • يسبر هغنهافِن (جامعة كوبنهاغن، الدنمارك)
- صرف العالم الدنماركي هذا وقته للحديثِ عن كيفية تثبيت شرعية النصوص التوراتية، بالعلاقة مع كتابات يوسفوس فلافيوس ولفائف خربة قمران. • زياد منى، باحث وناشر - قَدْمُس للنشر والتوزيع، دمشق، بيروت
- كان زياد منى الباحث العربي الوحيد الذي دُعي إلى المشاركة في المؤتمر، واقرتُ ح عليه الحديث عن مساهمة العرب في الأبحاث الكتابية. وهو لم يتمكن من المشاركة في المؤتمر شخصيًا لأسباب خاصة، لكن ورقته قرأها توماس تومسون بالنيابة عنه. تحدث زياد منى في ورقته عن ريادة كتاب كمال الصليبي التوراة جاءت من جزيرة العرب الذي ظهر أولاً باللغة الإنكليزية ثم بترجمة ألمانية وأخيرًا باللغة العربية. ثم عرّج على الأثر الذي أحدثه نشر توماس تومسون كتابه تاريخ بني إسرائيل: من المصادر المكتوبة والآثارية (صدر عام 9921)، ودراسة المتحدث في قسم اللاهوت في جامعة همبلدت لكتابة رسالة الأستذة، وكان عنوانها "معضلات تعريف مواقع توراتية - جغرافية في فلسطين وعلاقاتها بجنوب غربي جزيرة العرب"، ثم تأسيسه دار قدمس في دمشق وبيروت، ونشره عدة كتب، منها مصر وبني إسرائيل في عسير الذي أثار موجة جديدة من الاهتمام، وبلقيس. وعند الحديث في الموانع التقنية التي تواجه البحث العلمي في هذا المجال، قال زياد منى إنه حاول العثور على مراجع ملائمة، لكن من دون جدوى. وختم بأنه لا بد من تأكيد أن بحاثة عربًا يدرسون ويدرِّسون في الغرب أولوا جوانب أخرى من الموضوع اهتماماتهم، وخص بالذكر أعمال الدكتورة نادية أبو الحاج وكتابها المهم حقائق على الأرض، والدكتورة زينب البحراني وكتابها الفذ نساء بابل، وأعمال الدكتور محمد مرقطن، الإبيغرافي الذي يعيش حاليًا في هايدلبرغ بألمانيا، وقد نشر أخيرًا نحو خمسمئة نقش سبئي وأعماالأخرى مرتبطة بأسماء مواقع فلسطينية.
النقاشات الرئيسة: اختلافات وتناقضات واتفاق
أجمع التقويم العام الذي أقره المشاركون كافة في المؤتمر على أن المؤتمر كان بنّاءً وعلميًا بامتياز. وعلى الرغم من أن العديد من المشاركين كانوا يحملون أفكارًا متناقضة، فإن النقاشات التي تناولت كل ورقة كانت علمية بصورة بحتة، ولم تؤثر في سير المؤتمر أو عمله أو في العلاقة بين المشاركين. المحاضرة الافتتاحية التي قدمها جاك ساسون على مدى نحو ستين دقيقة كانت جوهرة، وفق وصف العديد من العلماء الحاضرين؛ فقد تحدث مطواّلً عن ماري ومعارفنا العلمية عن تفصيلات الحياة فيها، من العلاقات بين مكوّنات المجتمع وأعمال الحفر والصيانة والتجارة ومؤامرات القصر والنزاعات بين الفلاحين حول مياه الري.. إلخ. وبيّنت محاضرة العاملِ الأميركي إمكانية علم الآثار في تقديم صورة مسهبة عن الحياة في مواقع أثرية يصل عمرها إلى أربعة آلاف سنة. ومن المهم الإشارة مجدّدًا إلى محاضرة إيلان بابه الذي كرر دعوته إلى التخلي عن المشروع الصهيوني كونه فاسدًا ومفسدًا، واستبدال الدولة الفلسطينية الموحدة بما يقال عن حل الدولتين. وأثرى العالِم الإسرائيلي راز كلتر موضوعة زميله بابه بإيضاح أن الأركيولوجيا الإسرائيلية مسؤولة عن تدمير آثار أكثر من خمسمئة قرية فلسطينية، مؤكدًا في الوقت نفسه أن علماء الآثار المشاركين في مسح الآثار العربية في فلسطين يفتقرون إلى الأمانة العلمية. وأثنى المشاركون جميعهم على أوراق العالمات، من دون تخصيص ورقة محددة، لكن ممّا لا شك فيه أن ورقة الهولندية مارغريت شتاينر كانت الأكثر إثارة، نظرًا إلى خبرة صاحبتها الطويلة في مجال التنقيب الأثري الميداني في القدس. خُتم المؤتمر بعرض فيلم مايكل سنغ الوثائقي "شبح فالنتينو" الذي فاز بجائزة فيينا لأفضل فيلم وثائقي لسنة 013.2 موضوع الفيلم هو نقد الصورة النمطية التي ترسمها وسائل الإعلام الأميركية الرسمية وغير الرسمية تشهيرًا بالعرب وبحضارتهم، ودعما لسياسات إسرائيل العنصرية. ومن الجدير بالذكر أن الفيلم مرشح لنيل جائزة الأوسكار.