العودة إلى تفاصيل المؤلَّف فخ الحداثة ومشكلات الترحيل

فخ الحداثة ومشكلات الترحيل

Snares of Migrant Modernity

عبد العليم محمد إسماعيل علي

Abdel-Aleem Mohammed Ismail Ali

الملخّص

يهدف البحث إلى ضبط مفهوم الحداثة، وتحديد مساراته وسياقاته المكانية و الزمانية، و هجرته إلى سياقات أخرى وأثره فيها. وقد وقف عند مفهوم الحداثة وتقلباته بين الفن والفلسفة والاجتماع، محددًا أهم الخصائص التي وسمت الحداثة. كما أنه كشف الفخاخ التي نصبتها الحداثة لتسوير نفسها وإطلاقها في الفضاء الإنساني، وتناول التيارات المقاومة لمشروع التحديث، والاتجاهات التي قاومت مشروع التحديث الغربي باعتباره مصدر الحداثة الأول. وفصّل البحث الحديث حول طبيعة الحداثة ما بين السياقية والإطلاق، وعمد إلى تحديد تاريخ الحداثة، فأشار إلى بداياتها واستمرارها ونضجها وأفولها، ثم انتقل إلى مناقشة الحداثة في خارج شروطها الزمانية والمكانية، فوقف عند الحداثة العربية من خلال رموزها الذين سعوا إلى توطينها في المجتمع العربي، وكشف المشكلات التي لازمت الحداثة العربية من حيث الأسئلة التي طرحتها وعلاقتها بالسياق العربي وزمنه الثقافي.

Abstract

This study aims to sharpen one’s understanding of the “modern,” and examine the concept of modernism in art, philosophy, and sociology. It identifies the fundamental features of modernity, and exposes the snares that modernism sets for itself, erecting barricades while simultaneously taking the plunge into realms that are awash with teeming humanity. The nature of modernism, whether contextual or in the absolute, is detailed in a deliberate effort to outline the history of modernism, tracking its beginning, development, maturation, and eclipse. Modernism is also considered outside of its specific spatial and temporal circumstances, thus examining “Arab modernism” through symbols that some attempted to embed within Arab society. The author also explores the problems arising from Arab modernism and its relation to the Arab context and cultural epoch. He concludes that modernism is a term of art, chiseled with great care and attention, to describe a specific historical era, differentiating Western civilization in view of the changes that transformed the West’s material and spiritual environment and creating the technical, science based society that has contributed to realizing significant gains for humanity, in general, and the West, in particular. The author stresses, however, that it has also produced significant problems that have led to the emergence of currents resistant to “the Western line of reasoning”.

الكلمات المفتاحية:
  • الحداثة
  • الإجتماع
  • المجتمع العربي
  • التحديث
Keywords:
  • Arab Society
  • Modernity
  • Modernization
  • Social Science

يهدف البحث إلى ضبط مفهوم الحداثة، وتحديد مساراته وسياقاته المكانية والزمانية، وهجرته إلى سياقات أخرى وأثره فيها. وقد وقف عند مفهوم الحداثة وتقلباته بين الفن والفلسفة والاجتماع، محددًا أهم الخصائص التي وسمت الحداثة. كما أنه كشف الفخاخ التي نصبتها الحداثة لتسوير نفسها وإطلاقها في الفضاء الإنساني، وتناول التيارات المقاومة لمشروع التحديث، والاتجاهات التي قاومت مشروع التحديث الغربي باعتباره مصدر الحداثة الأول. وفصّل البحث الحديث حول طبيعة الحداثة ما بين السياقية والإطلاق، وعمد إلى تحديد تاريخ الحداثة، فأشار إلى بداياتها واستمرارها ونضجها وأفولها، ثم انتقل إلى مناقشة الحداثة في خارج شروطها الزمانية والمكانية، فوقف عند الحداثة العربية من خلال رموزها الذين سعوا إلى توطينها في المجتمع العربي، وكشف المشكلات التي لازمت الحداثة العربية من حيث الأسئلة التي طرحتها وعلاقتها بالسياق العربي وزمنه الثقافي. تتلخص أهم النتائج التي توصل اليها البحث في أن الحداثة مفردة نُحتت بعناية ووعي لتصف حالة متعينة في التاريخ، هي حالة تميز الحضارة الغربية على صعيد التغيرات التي حولت البيئة المادية والروحية في الغرب، فأنتجت مجتمعًا تقنيًا علميًا ساهم في تحقيق مكاسب كبيرة للإنسانية بصفة عامة والغرب بصفة خاصة، وأفرزت مشكلات كبرى أدت إلى بروز تيارات مقاوِمة لخط العقلنة والوضعية الغربية من داخل الغرب نفسه، واستطاعت الحضارة الغربية من جهة أخرى أن تبلور رؤية عن مجمل وضعها الحضاري، فكانت الحداثة أبرز معالمه، وعملت على تصديره إلى العالم كله تحت شعار الكونية والإنسانية.

مقدمة

الحداثة (Modernism) من أكثر المفردات إثارة للجدل؛ فقد تورط العالم، من أقصاه إلى أدناه، في أدغالها سعيًا وراء تفسيرها، وإصرارًا على شرعنتها باعتبارها مفهومًا إنسانيًا كونيًا قادرًا على عبور الحدود الزمكانية، الأمر الذي جعلها محل خلافٍ عنيف بين المجموعات البشرية من جهة،

* دكتوراه في اللغة العربيّة، تخصُّص الأدب والنقد، رئيس قسم اللغة العربيّة في جامعة كردفان - السودان.

والأفراد وتوجهاتهم الأيديولوجية من جهة أخرى. وقد حظيت الحداثة بدراسات عدة في الغرب وغيره، ومعظم الدراسات الغربية التي تُعتبر مصادر عن الحداثة- راوحت بين كشف مفهومها وأسسها وبُناها، ونقد أسسها. وأبرز الدراسات التي حاولت التعريف بها: كتاب الحداثة الذي حرره مالكوم برادبر (M. Bradbury) وجيمس ماكفارلن (J.McFarlane)، وهو من ثلاثة أجزاء، يشمل مجموعة من الدراسات التي كشفت مفهوم الحداثة وجغرافيتها ومدنها ومدارسها، وكانت الطبيعة العامة للدراسة طبيعة وصفية. ومن الدراسات الوصفية الدراسات التي حررها بيتر بروكر) P. Broker) كتاب الحداثة وما بعد الحداثة، وغير ذلك من الدراسات. على أن معظم الدراسات النقدية كانت تتحدث عن أفول الحداثة ولا إنسانيتها وموتها، لكن أبرز دراسة نقدية في هذا السياق تلك التي قدمها مارشال بيرمان) M.Berman (في كتابه حداثة التخلف، وقد طابق فيها بين مشروع الحداثة ومأساة التنمية في أوروبا حتى أطلق عليها «تراجيديا التنمية»، مستلهمً في ذلك عمل غوته فاوستنموذجًا لطبيعتها. كما أنه درس الحداثة بين إنجازها كمشروع متكامل والحداثة كحالة مجتزأة من سياقها ومحاولة توطينها في سياق لم تتكامل فيه شروط الحداثة؛ فدرس مدن الحداثة، وحدد بناء مدينة بطرسبورغ نموذجًا لحداثة التخلف التي بنيت على جماجم العمال. ومن الدراسات المهمة دراسة ألان تورين) A. Tourine) في كتابه نقد الحداثة، فوقف عند مشروعها السياسي والفكري، وكشف المفارقة بين شعاراتها في مسائل حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية والواقع الذي أفرزته تلك الشعارات عندما تحولت إلى حالة متعينة. ومن الدراسات التي زاوجت بين الوصف والنقد دراسة هابرماس في كتابه القول الفلسفي للحداثة، إذ كشف المقولات الفلسفية المؤسسة للخلفية الاجتماعية للحداثة الغربية، عارضًا أهم الشخصيات، وموضحًا الأسس التي قامت الحداثة الغربية على أكتافها، ومشيرًا إلى مقولة مركزية في مفتتح الكتاب تعبّ عن خلاصة ما نوى قوله، وهي «الحداثة مشروع لم يُنجز»1. وهناك مجموعة من الدراسات التي أفاد منها البحث، من أهمها دراسة هنري لوفيفر (H. Lever) «ما الحداثة»، ودراسات أكتافيو باث (O. Paz («الشعر ونهايات القرن العشرين»، ودراسة رايموند وليامز (R. Williams («طرائق الحداثة»، وغير ذلك. أمّا الدراسات العربية عن الحداثة، فهي لا تعد، وهذه الكثرة تجعل عرضها نقديًا من الصعوبة بمكان. من جهة أخرى، وقف البحث عند معظمها بشيء من التفصيل داخل البحث. ولكن مع هذه الكثرة، فإن ما كُتب عن الحداثة في العربية راوح بين مسارين: المسار الأول هو مسار يطرح الحداثة في إطار التراث العربي بروح مستوعبة وناقدة وموظفة، وأبرز هذه الدراسات ارتبطت بمشروع شخصيات أكثر من ارتباطها بتيار عام، من أبرزها: دراسات محمد عابد الجابري وكمال أبو ديب ومحمد بنيس وعلي أحمد سعيد (أدونيس) ومحمد جمال باروت وغيرهم. أمّا المسار الثاني، فهو المسار الذي ينظر إلى الحداثة باعتبارها منجزًا إنسانيًا كونيًا عامًا وقادرًا على العبور، ومعظم هذه الدراسات اختصت بالأدب عامة والشعر بصفة خاصة. ومن هذه الدراسات ما قدمه وفيق خنسة وخالدة سعيد وفاضل عزاوي الذين عمدوا إلى تأسيس حداثة فنية ارتبطت بقضايا الشكل الشعري وتحرره من الأوزان والقوافي وصعوده إلى مآلاته القصوى مع قصيدة النثر. ومجمل الدراسات التي قُدِّمتْ عن الحداثة العربية ظلت مقولات تتحرك بمعزل عن بقية مؤسسات المجتمع العربي السياسية والاقتصادية والثقافية، فلم تتحول من فردانيتها إلى اتجاهات أو إلى مدارس تبلور رؤية فلسفية أو اجتماعية أو سياسية يمكن تطبيقها تأسيسًا أو نقدًا. ويأتي هذا البحث متممً للجهد المبذول

  1. يورجن هبرماس، القول الفلسفي للحداثة، ترجمة فاطمة الجيوشي (دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1995)، ص.5

بشأن الحداثة، موظفًا عددًا من المناهج والمعارف من دون الإشارة إليها صراحة؛ فوظفت الدراسة تحليل الخطاب والتحليل الثقافي وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا؛ على أن الاستقراء والاستنباط والمقارنة هي الآلية الموظَّفة في البحث.

مفهوم الحداثة

على الرغم من كل الجهد الكبير التي بُذل في تحديد مفهوم الحداثة، فإن ذلك لم يقُد إلى تحديد واضح وقاطع يمنع اللَّبس والتداخل المفهومي، لأن مفردة حداثة تتداخل مع مفردة حديث التي تتجلى على طول مسار التاريخ البشري؛ فكل لحظة- كما ذهب ابن قتيبة قديمً- تحمل قِدمها وحداثتها2، وكل حديث- كما ذهب باث- هو انتقالي وعابر. لذا، هناك حداثات بقدر ما هناك من حقب ومجتمعات3، فالحداثة، كما ذهب باث، ما هي إل تعبير عن الوضع الدراماتيكي للحضارة التي لا تبحث عن أساسها في الماضي أو في مبدأ ثابت، وإنمّا في التغيّر الدائم، وبهذا تكون الحداثة عبارة عن نمط من وعي الإنسان المعاصر في اهتمامه باللحاق بحركة الزمن التي غالبًا ما تقود، في رأي نورثروب فراي) N. Frye)، إلى اليأس جراء سرعة هذه الحركة4. وبما أن الناس يختلفون من حيث تصوراتهم وسياقاتهم السوسيولوجية، فإن الوعي الناجم عن ذلك سيختلف حتمً باختلاف هذه التصورات والسياقات، الأمر الذي يجعل التلفظ بكلمة الحداثة ومشتقاتها لا يقود إلى شيء؛ فقد ذهب لوفيفر إلى أنه «حين يجرى تلفظ كلمات مثل: الأزمنة الحديثة، أو التقنيات الحديثة، أو الفن الحديث، فإن انطباعًا يسود بأنه قد تم هنا تلفظ كلمات ذوات معنى، فيما لم يحصل في الحقيقة قول شيء. لقد تمت، فقط، الإشارة بالإبهام إلى اختلاط يتعذّر حلّه، قائم بين الموضة والحال والمقبول والدائم والمعاصر»5. والحداثة من حيث موضوعاتها متشعبة، ومن حيث مساراتها مختلفة؛ فهناك حداثة الفكر وحداثة الفن والأدب والعمارة والتخطيط العمراني والموسيقى والأزياء وحداثة الاقتصاد والإدارة والتدريب...إلخ. ولكل واحد من هذه المسارات تاريخه الذي يشكّل سيروراته وحضوره داخل منظومة القيم الاجتماعية في علاقتها بمنجزها التاريخي وآفاقها المستقبلية. لذلك، فإن مفهوم الحداثة سيظل مفهومًا متشظيًّا وعصيًّا على التحديد، فالحداثة، من جهة، ترتبط بطرائق تعريف الذات بوصفها طريقة لتعريف الحاضر، وترتبط، من جهة أخرى، بمنجزات مادية في جغرافيا بشرية محددة، وهذا ما يجعل عملية التحديد المفهومي والتاريخي مسألتين في غاية الصعوبة، لأن الحداثة ترتبط بالفترات التي تكون إبداعية على نحو غير عادي، وهي الفترات الإبداعية التي لم تكف عن الظهور على مسار التاريخ البشري، الأمر الذي يجعل قيمة الحداثة لا تتأسس على شروط داخلية، وإنما على مجموعة من القيم التي توجد وجودًا مستقل عن الحداثة كما ذهب بول دي مان (P. de man)6. فالحداثة، في رأيه، عبارة عن رغبة في دكّ كلّ ما يأتي أولً،

  1. أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، الشعر والشعراء، تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر (القاهرة: دار المعارف، 1958)، ج 1، ص 63-62
  2. أوكتافيو باث، الشعر ونهايات القرن: الصوت الآخر، ترجمة ممدوح عدوان (أبو ظبي: دار المدى للثقافة والنشر، 1998)، ص.30
  3. المصدر نفسه، ص.22
  4. هنري لوفيفر، ما الحداثة، ترجمة كاظم جهاد (بيروت: دار ابن رشد، 1983)، ص.31
  5. بول دي مان، العمى والبصيرة: مقالات في بلاغة النقد المعاصر، ترجمة سعيد الغانمي (أبو ظبي: منشورات المجمع الثقافي، 1995)، ص.226

أملً بالوصول إلى نقطة الحاضر الحقيقي التي تتجلى من خلالها القوة الكاملة لفكرة الحداثة، وذلك من خلال الجمع بين النسيان المتعمد والفعل الذي يمثّل أصلً جديدًا7. وهنا يلتقي دي مان مع ديفيد هارفي (D. Harvey (عند أن الحداثة وقائع أنتجتها عملية تحديث محددة قادت إلى استجابات قلقة وغير مستقرة تسمّى الحداثية8؛ فهارفي يفرّق بين الحداثية التي يراها حالة وعي والحداثة التي يصفها بأنها مجموعة وقائع أنتجتها عملية تحديث محددة، على الرغم من أن معظم الدراسات ترى أن العكس هو الصحيح. والحداثة، في رأي هارفي، لا يمكن فهمها بعيدًا عن فهم خروج عالم جديد من مخلفات عالم قديم عبر عملية تدمير خلّق؛ فصورة التدمير الخلّق تبدو غاية في الأهمية لفهم الحداثة، لأنها نابعة من المآزق العملية التي واجهت تطبيق المشروع الحداثي؛ إذ لا يمكن، في رأيه، أن يقوم عالم جديد من دون تدمير العالم الذي كان موجودًا من قبل9. يشير ما ذهب إليه هارفي إلى أن الحداثة منظومة معقدة من حالات الوعي وعمليات التحديث والتغيير التي طاولت مساحات واسعة من البيئة المادية والروحية في الغرب؛ منظومة) System) تصعب الإحاطة بأبعادها. ولا يبتعد مارشال بيرمان (M. Berman) كثيرًا عن هذه الرؤية الحداثية التي تأخذ بطبيعة الاستجابة التي تصدرها الذات المعرِّفة لها. وقد فشلت، في رأيه، ثلاثة عقود كاملة من البحث المستقصي في كشف مفهومها وتوضيحه، وما أنتجته من تحديدات لا تعدو كونها أشكالً متناقضة. ولفهم الحداثة، اقترح بيرمان تقسيم الحياة الحديثة إلى مستويين، استنادًا إلى استجابات النقاد والباحثين: المستوى المادي والمستوى الروحي؛ فمن حيث المنظور الروحي، تكون الحداثة نوعًا من الروح الخالصة التي تتطور وفقًا لمتطلباتها الفنية والفكرية المستقلّة، أمّا من حيث المنظور المادي، فالحداثة منظومة معقدة من البُنى والصيرورات المادية والسياسية10. فالحداثة ليست وعيًا ذهنيًا فحسب، وإنما وعي ومنجز مادي أيضًا يمكن الإشارة إلى فترته الزمنية المحددة وبيئته المكانية المعلومة بوضوح، وهي فترة وبيئة حددهما بروكر بظاهرة تميّز الثقافة (الأنغلو - أميركية والأوروبية) في القرن العشرين11. على الرغم من هذه الضبابية التي تحوم حول مفهوم الحداثة، يذهب وليامز إلى أن من الممكن تحديدها بوضوح، وذلك باعتبارها حركة متميزة من حيث ابتعادها القصدي، وتحديدها الدائم للأشكال الأكثر تقليدية في الفن والفكر، وتنوعها الداخلي الهائل في المناهج والتوجهات، فهي حركة قلقة لا يقر لها قرار12. وبعض الاتجاهات يعتبر الحداثة تيارًا فنيًا، مثله مثل التيارات الفنية الفكرية التي تلت تيارات سابقة عليه، إل أنها تيار يضم طيفًا من العبارات التي تحوم حوله، مثل: الحركة الحديثة والتراث الحديث والقرن الحديث والمزاج الحديث، ثم «الحداثة» التي تُستحضر، في رأي برادبري، كما يُستحضر عصر النهضة أو عصر التنوير في وعينا13. فالفن أحد أبرز المناطق التي ازدهر فيها مصطلح الحداثة حتى

  1. المصدر نفسه، ص 232.233-
  2. ديفيد هارفي، حالة ما بعد الحداثة: بحث في أصول التغيير الثقافي، ترجمة محمد شفيق شيا؛ مراجعة ناجي نصر وحيدر حاج إسماعيل (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2005)، ص.129
  3. المصدر نفسه، ص.34
  4. مارشال بيرمان، حداثة التخلف: تجربة الحداثة، ترجمة فاضل جتكر (دمشق: دار كنعان للدراسات والنشر، 1993)، ص.121
  5. بيتر بروكر، الحداثة وما بعد الحداثة، ترجمة فاروق عبد القادر، عالم المعرفة (الكويت: المجلس الوطني للثقافة، 1999)، ص.5
  6. الحداثة وما بعد الحداثة، إعداد وتقديم بيتر بروكر؛ ترجمة عبد الوهاب علوب؛ مراجعة جابر عصفور (أبو ظبي: المجمع الثقافي، 1995)، ص.68
  7. مالكوم برادبري وجيمس ماكفارلن، محرران، الحداثة، 1930-1890، ترجمة مؤيد حسن فوزي (حلب، سوريا: مركز الإنماء الحضاري؛ دار الحاسوب، 1995)، ج 1، ص.22-21

اعتبرها البعض تيارًا فنيًا أو مدرسة فكرية أدبية فنية تعني فن التحديث في ابتعاده الصارم عن المجتمع؛ ففي منظور التعبيريين (s Expressionist) هي فن اللا فن (non-arts) الذي يسعى إلى تحطيم الأطر التقليدية، وتَبنِّي رغبات الإنسان الفوضوية؛ فن الضرورة الذي تقاطع مع البيئات الواقعية والحضارية التي احتضنها فن القرن التاسع عشر من خلال التحامه بالعوالم الغنائية الموغلة في خيالها وتهكمها، مبرزًا كفاءته في الإبداع والتحطيم معًا14. تحيل جميع هذه الرؤى التي تقدمت عن الحداثة ومفهومها إلى حقيقة مفادها أن الحداثة مجموعة من الخصائص والسمات التي ترتبط بالتغيّات التي تقدم أشكالً جديدة من الوعي والمنجز المادي، وهي لم تقتصر على مسار واحد، بل هي انقلاب كلي في البيئة الروحية والمادية؛ فالحداثة، في رؤية برادبري، حالة أنتجتها الهزّات الكاسحة والمدمرة، والعمليات المعقّدة من الهدم والبناء والتحولات الكبرى، فقد ربط برادبري بين الهزّات الكبرى التي تضرب المجتمعات والحداثة، فالمجتمعات تتعرض، في رأيه، لهّزات تتفاوت درجات تأثيرها في المفردات الحضارية، فبعض الهزّات يأتي دفعًا طبيعيًا تفرضه حركة التاريخ، ولا يقود إلى تغييرات كبرى، وبعضها يكون مزلزل، يشعر الناس معه بالتغيُّات الواضحة في مسارات الحياة، إل أنها تغيُّات لا تمثّل خروجًا كليًا عن الأنماط الموجودة. أمّا النوع الثالث، فهو الهزّات الكاسحة والمدمرة التي تحوّل كلّ البناءات القائمة إلى أنقاض، فيتجه الناس إلى البحث عن بدائل جديدة. وهذا النوع من الهزّات هو الذي أدى، في رأينا، إلى إفراز أشكال حياتية جديدة على امتداد التاريخ، وما الحداثة إلّ نتاج جديد لهذا النوع من الهزّات والتحولات. إذا اعتمدنا رؤية برادبري، فإننا نستطيع تحديد تاريخ الحداثة بتتبّع الهزّات العنيفة التي حدثت في مسيرة البشرية، وأدّتْ إلى تغيّ ات جذرية في وعي الناس ومفرداتهم الثقافية ومعطيات حياتهم في المأكل والأزياء والتوازنات السياسية والاقتصادية... إلخ.، وعندها نكون أمام حداثات كثيرة لا أمام حداثة واحدة، لأنّ هذه الهزّات الكاسحة حدثت في أزمنة متعددة وثقافات متباينة وجغرافية مختلفة، وأفرزت كلّ مرّة قيمً جديدة حلَّت محل القيم القديمة، ونشأ في إثر ذلك صراع عنيف انتهى لمصلحة ماهو جديد ومتطور. ففي العهد اليوناني، حدثت هذه الهزة التي أفرزت منتجًا معرفيًّا ما زالت آثاره أحد موجهات الحضارة في عصرنا الراهن. وفي المجتمع العربي حدثت هذه الهزة مع ظهور الإسلام في الجزيرة العربية، فحط مت بناءات المجتمع العربي في العصر الموسوم بالجاهلي، وأوجدت أنساقًا جديدة أدت إلى تغيّ جذري في علاقات الإنسان السياسية والاجتماعية والاقتصادية، كما أحدثت انقلابًا جوهريًا في مفاهيم الإنسان العربي وتصوراته لذاته وللعالم، فانتقل المجتمع العربي، نتيجة ذلك، من هامش التاريخ إلى مركزه، ومن البداوة إلى التمدّن، ومن المشافهة والارتجال إلى التدوين، وغير ذلك من الإفرازات التي وضعت بصمتها في مكونات الحضارة الإنسانية. إل أن ذلك كله لم يقُد إلى نحت مفردة الحداثة في جميع تلك السياقات، ولم تبرز حضارة طرحت مفاهيم الحداثة وتبنتها وأثارتها كقضية فلسفية نظرية، الأمر الذي يدفعنا إلى ترجيح رؤية بروكر السابقة في ربط الحداثة بالمجتمع الغربي في العصر الحديث، فهو مجتمع شهد أعنف الهزّات التي شاركت فيها مجموعة من المسارات التي أحدثت تحولّات جذريّة في البيئة الداخلية والخارجية للإنسان الغربي، فاستطاعت أن تعزز وجوده وسعادته في العالم، فقللتْ، بابتكار تكنولوجيا الإنتاج والتصنيع، معاناة الإنسان في جميع مستوياتها، وساهمت بمعارفها السياسية والاجتماعية والاقتصادية في تنظيم المجتمعات الغربية وضبط حركتها وتوجيهها نحو عقلانية التفكير في حل المشكلات وتخطيط المستقبل، وغير ذلك من المنجزات الإيجابية التي عملت على إثراء الحياة الإنسانية.

  1. المصدر نفسه، ج 1، ص 27.28-

إلا أن هذه المسارات الإيجابية في الحضارة الغربية المنتجة للحداثة الأخيرة لم تكن الوجه الوحيد المتضمن في دفاترها، ولا البُعد الوحيد الذي كوّن مفاهيمها وتصوراتها؛ إذ هناك مجموعة من المشكلات التي أدت إلى بروز تيارات مقاومة للإفراط في العقلنة والتجريب، فبجوار تكنولوجيا السلم كانت تكنولوجيا الحرب التي كدّست كميات هائلة من الأسلحة المدمّرة، فأنتجت جغرافية الحداثة الأخيرة حربين عالميتين أحدثتا دمارًا هائلً في المعطيات المادية والروحية، وأدخلتا أوروبا في حروب قومية ودينية خلّفت وراءها خسائر مهولة، وانطوى الموقف الإنساني المتسامح والمنفتح على وجه استعماري مهيمن ومستعلٍ، ولازمت الحركة الاقتصادية الإيجابية في الغرب أسوأ أشكال السخرة في التاريخ؛ فمن خلال حركة الاستعمار اختبر الضمير الغربي ذاته، فتعرّت أمام عينيه هالة الإنساني المفخخة التي حاول رسمها، فوجد نفسه غارقًا في لصوصية مقننة عملت على نهب خيرات الشعوب المستعمرة تحت مظلة مساعدتها للخروج من التخلّف، وهي حالة خصص لها إدوارد سعيد كتابه الموسوم ب الثقافة والإمبريالية) Culture and Imperialism)، وهو، في رأينا، أعمق ما كُتب عن تلازم وتحالف مؤسسات المستعمر الثقافية والفكرية والعسكرية والاقتصادية في حركة الاستعمار التي تجلت طوال النصف الأول من القرن العشرين، واستمرت في بعض المناطق حتى ما بعد ذلك. هذه السلبيات وغيرها من العوامل الأخرى هي التي أدت إلى ظهور تيارات الحداثة في الفكر والفن والأدب؛ تيارات جهرتْ بصوتها عاليًا ضد الإفراط في العقلنة والنزعة التجريبية الخانقة، فسعت إلى إيجاد علاقة متوازنة بين بيئة الإنسان الروحية والمادية، وذهبت إلى البحث عن عوالم حميمة في مناطق مختلفة من العالم، فذهب بعضها إلى فتوحات فرويد السايكولوجية، وأغرق نفسه في طبقات اللاوعي المتخفية بغرض مواجهة العقل الواعي، وهو ما قامت به السوريالية، وذهب آخر إلى الإيغال في اللامنطق والعبث لمواجهة القصدية العقلانية التي ادّعتها الأنوار، مثلما فعلت الدادائية بقيادة تريستان تزارا (T. Tzara (، وكما فعل تيار مسرح العبث، واتجهت تيارات إبداعية كثيرة إلى الشرق وسحره وروحانيته لمواجهة عقلانية الغرب وعلمويته (Scientis (كما فعل غوته والرومانسية عمومًا. وكانت مدرسة فرانكفورت المسار الفكري والفلسفي الأكثر جذرية في نقد أسس الحداثة الغربية المتمثّلة في الأنوار من جهة، وبروز الرأسمالية باعتبارها ممثّلً سيئًا يعمل ضد التحرر الذي كان يشكل الهدف الأسمى لمشروع الأنوار. وقد تمثّلت هذه التيارات المقاومة لخط الإفراط في العقلنة في مجموعة من الحركات الأدبية والفنية والفكرية والفلسفية، وحملت مجموعةً من الخصائص التي تباينت رؤاها ومنطلقاتها، واتفقت في أهدافها ومواقفها، ومن هذه الخصائص: - الهيام النقدي العنيف: تمثّلت الحداثة، باعتبارها إفرازًا لواقعٍ جرى تحويله بعنف، في ذلك الحس النقدي الذي توجه إلى نقد الخارج والداخل معًا. - مقاومة النمذجة: نظرت الحداثة إلى نفسها باعتبارها حركة تسعى دائمً إلى تجاوز النموذج والمثال، وذلك من أجل البحث عن الطزاجة. - النزعة المستقبلية: زعمت الحداثة، باعتبارها حركة أو توجهًا، أنها في رحيل دائم نحو المستقبل، فهي حركة دائمة اللهاث لا تستقر عند نقطة محددة تبلغها، وذلك خوفًا من تحولّها إلى نموذج. - النزعة الكونية والإنسانية: هذه الخاصية من أكثر خصائص الحداثة إثارة للجدل؛ فقد ذهبت الحداثة إلى الزعم بأنها رؤية كونية عامة وإنسانية محضة، ظنًا منها أنها تتجاوز السطوح لتقبض على الجواهر التي

تلتقي عندها الإنسانية جمعاء. وقد ساعدت مجموعة من المعطيات الحضارية في الغرب على النظر إلى هذه الخاصية (الكونية والإنسانية) باعتبارها رؤية مطلقة، الأمر الذي أدى إلى تبنّي وجهات نظرها في كثير من بقاع العالم، فقاد ذلك إلى وجود مفارقات كبرى بين هذه الحداثات المرحلة عن أصلها الروحي وسياقاتها الزمكانية.

تاريخ الحداثة

اختلفت الآراء في تحديد تاريخ قطعي للحداثة، وذلك لاختلاف المفاهيم المطروحة عن الحداثة من جهة، وتعدد المسارات المرتبطة بها من جهة أخرى؛ فهناك المسار الفني والمسار السياسي والمسار الفلسفي ومسار الكشوف العلمية وغير ذلك، وهذا ما دفع هابرماس إلى زعم أن الحداثة صيرورة لم تصل إلى مآلاتها بعدُ. ومع تعدد الآراء بشأن تاريخ الحداثة، فإن ما طرحه بيرمان يعد، في رأينا، الموقف الأكثر شمول وموضوعية؛ فقد ذهب بيرمان إلى وضع تاريخ يضع الحداثة في مساحة واسعة تضم ثلاث حقب أساسية15: الحقبة الأولى: تمتد من بدايات القرن السادس عشر وتستمر إلى نهاية القرن الثامن عشر. وهي الفترة التي شعر فيها الناس بالتغييرات التي أصابت حيواتهم من دون وعيهم بما حدث أو ما أصابهم، فهي مرحلة عصيبة من فقدان اليقين بعالمهم، والإحساس باليأس الطاغي وخيبة الأحلام، والسعي إلى امتلاك تفسير ملائم لوجودهم وشروط حياتهم المجتمعية. الحقبة الثانية: تبدأ مع تسعينيات القرن الثامن عشر، وهي فترة ظهور الحسّ الثوريّ، حين بلورت الثورة الفرنسية رؤاها ومواقفها، واخترقت قطاعًا كبيرًا من الجماهير الساكنة في العهود السابقة، فتشكل وعي حداثيٌّ عظيم امتلك شعورًا قويًا بالعيش في زمن ثوري يشمل جميع ميادين الحياة الشخصية والاجتماعية والسياسية. ولكن مع ذلك، لم يتخل هذا الجمهور عن أزمنته السابقة، فظلت حياته المادية والروحية تنوس بين هذه الثنائية الداخلية، كما ظل الشعور بالعيش في عالمين مختلفين في اللحظة ذاتها هو الإحساس الطاغي، على أن هذا الإحساس هو الذي ولّد أفكار التحديث وكشف مسارات الحداثة. الحقبة الثالثة: هي فترة القرن العشرين، حين اتسعت مفاهيم التحديث وانتشرت في جميع بقاع العالم، وتبلورت ثقافة عالمية متطورة عُرفت بالحداثة، وذلك من خلال الأعمال العظيمة في مجالات الآداب والفنون. وقد تميزت هذه المرحلة باتساع رقعة جمهور الحداثة وتمزقه إلى حشود مجزأة تتكلم لغات مختلفة لكنها تتفق تصوراتها مع التباين في وجهات النظر. كذلك بهتت فكرة الحداثة، وباتت تفقد تلك الحماسة الكبيرة فوجد الناس أنفسهم في أجواء عصر حديث فقد اتصاله بجذور حداثته نفسها.

نقد الحداثة

على الرغم من هذا التعميم والاتساق الظاهر لرؤى الحداثة وتواريخها، ظهرت أصوات قوية وجّهت نقدًا جذريًا إلى كل العقل المنتج للحداثة؛ فقد مارست مدرسة فرانكفورت، منذ بدايات القرن العشرين، نقدًا عميقًا لعصر الأنوار، ولكل الحضارة التي استندت إلى مفاهيمه، واعتبرت أن دعوته إلى التحرر انقلبت إلى أسطورة زائفة وأداة للقمع والسيطرة والتزييف؛ ف«السيطرة الممارسة على طبيعة خارجية مموضعة وعلى طبيعة داخلية مقهورة هي السمة الدائبة للأنوار»16. وأكثر ما تجلى نقد الحداثة كان في كتابات تورين،

  1. بيرمان، ص 8.9-
  2. هبرماس، ص.177

ولا سيما كتابه نقد الحداثة، حيث ذهب إلى أن الحداثة فقدت، بسبب تدميرها للنظم القديمة ونشوتها بانتصار العقلانية، أهم خاصيتين من خواصها التي دفعتها، وهما التحرر والإبداع. يقول تورين: «إن فكرة الحداثة في شكلها الأكثر صلابة، والأشد تواضعًا، عندما تحددت بتدمير النظم القديمة وبانتصار العقلانية، فقدت قوتها في التحرر وفي الإبداع. ولا تستطيع الصمود أمام القوى المتعارضة مثل الدعوة الكريمة لحقوق الإنسان، وصعود الاختلافية والعنصرية»17وصل هذا المسار النقدي إلى ذروته في ستينيات القرن العشرين، وذلك عندما بدأت التغيّ ات العميقة تضرب عددًا من المؤسسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتقنية والفنية. وقد تمثّل أبرز هذه التغيرات في ثورة الحريات والتحرر التي انطلقت في فرنسا في منتصف ستينيات القرن العشرين، ثم اتسعت دائرتها في أوروبا، وتمركزت أخيرًا في أميركا، وكانت تمثّلها قوة جديدة في التاريخ هي حركات الشباب والحركات النسوية والأقليات القومية والإثنية. كما تجلت هذه المفاهيم في الحركات الفنية والأدبية والفكرية والسياسية، واتخذت في الفلسفة مسارات غيّ ت الوعي البشري كلية، فتغيرت معها مفاهيم التاريخ والفلسفة والاجتماع وعلم النفس وغير ذلك. وتجلّتْ التغيّ ات الأكثر وضوحًا وانتشارًا في علاقات الاقتصاد وآليات الإنتاج والتوزيع وثورة الاتصالات أخيرًا، حيث برز مفهوم العولمة والمجتمع الشبكي ومجتمع المعرفة، وتغيّ ت مراكز القوى فخرج الاتحاد السوفياتي من الصراع، وظهرت اقتصاديات شرق آسيا بصفة عامة، واقتصاد الصين كقوة عملاقة بصفة خاصة، وهي مرحلة جديدة سمّها ألفن توفلر (A. Toffler («الموجة الثالثة» وسمّها معظم المفكرين (تيري إيغلتون، ديفيد هارفي، إيهاب حسن، ليندا هتشيون... إلخ.) «ما بعد الحداثة») Postmodernism.) مهما تباينت مفاهيم الحداثة وتنوعت تواريخها وتبلورت استدراكات غربية حولها، فما هي، في رأينا، إلّ حالة تميّز الثقافة الغربية وصعودها إلى سطح المشهد العالمي الحديث، محددة الشروط السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية في علاقتها بالآخر، ومؤسسة للمفاهيم الجمالية والأخلاقية، ومؤطرة للمعايير في الأذواق والأتيكيت؛ مرتكزة، في جميع ذلك، على قدرات اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية وثقافية مغرية ورادعة في اللحظة ذاتها، الأمر الذي أدى إلى تبنّي كثير من وجهات نظرها ومقولاتها في مجال الفن والفكر والاقتصاد... إلخ؛ باعتبار أن مقولاتها ذات طابع كونيّ وشرط إنساني عام، فتمّ، استنادًا إلى ذلك، جلب تكنولوجيا السلم والحرب بطرق غير مدروسة لسياقات أخرى، فأحدث ذلك دمارًا وتشويهًا مهولً للبيئات الروحية والمادية في الدول المستعمَرة، وهو أمر أدى إلى فصام حادٍ بين البناءات الروحية والمادية في علاقات الإنسان بالمكان. بناء عليه، لا بد من أن تخضع كونية الحداثة وإنسانويتها لمساءلة، فمفهوم الكوني والإنساني مفهوم معمم تعميمً فاضحًا، لأنه في حقيقة أمره يعبّ عن وجهة نظر الإنسان الغربي للإنساني والكوني؛ وذلك لوجود رؤى أخرى تتقاطع وجهات نظرها مع رؤية الغرب الحداثية حول مفهوم الإنساني والكوني. ومهما بلغت الحداثة من درجات التجريد والتعميم، فهي مفردة غربية المنشأ، تتصل بمجمل التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلمية والفكرية والفنية التي قادت إلى تحويلٍ جذريٍّ وعنيفٍ للبيئة الروحية والمادية في الغرب. ومهما تعددت وجوه الحداثة، فهي تلتقي عند هدف واحد هو تعزيز وجود الفرد «الأورو - أميركي» في العالم، وتأسيس وجهات نظر جمالية وقيمية تصلح، في رأيها، للتصدير وتعبيد طريق

  1. ألان تورين، نقد الحداثة، ترجمة أنور مغيث (القاهرة: المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، 1997)، ص.22

واحدة يجب على جميع شعوب العالم أن تسير عليها، على الرغم من ارتباطها بلحظة تاريخية يمكن توثيقها وكشف ملابساتها وتحديد مساراتها وأسئلتها.

الحداثة العربية ومشكلات الترحيل

يقول غاستون باشلار (G. Bachlard (: «إن استعمال المنظومات الفلسفية في المجالات البعيدة عن أصلها الروحي يكون على الدوام عملية دقيقة، ويكون في الغالب عملية مخيبة للآمال، فالمنظومات الفلسفية المرحلة على هذا النحو، تغدو عقيمة وخادعة، فهي تفقد فعالية تماسكها الروحي، الفعالية التي تغدو حساسة عندما نعاود رؤيتها في أصالتها الحقيقية»18. فالحداثة، في ضوء هذه المقولة، من أبرز المنظومات الفلسفية التي تم ترحيلها من بيئتها الروحية إلى سياقات مغايرة. وفي العالم العربي جرت استضافة هذه المفردة ضمن القاموس المعرفي العربي من دون اعتبار لهذه السياقات، على أن معظم التنظير الحداثوي العربي كان في مجال الفن والفكر، ولم يبتعد معظم هذا التنظير عن مقولات الحداثة الغربية. ولما كان التنظير العربي من الوفرة بمكان، سنستضيف أهم معالم الحداثة العربية، وهي معالم ارتبطت بشخصيات أكثر من ارتباطها بمدارس واتجاهات، ومن أبرز تلك الشخصيات: محمد عابد الجابري وكمال أبو ديب وأدونيس ومحمد بنيس... إلخ. يطرح الجابري رؤية سياقية للحداثة يفرّق فيها بين الحداثة كحالة غربية والحداثة في هجرتها الإنسانية، إلا أنه يقر بوجود فروق ثقافية تحدد الجدوى من طرح سؤال الحداثة سياقيًا؛ فالحداثة في رأيه «يجب أن تتحدد على ضوء معطيات واقعنا الراهن. والحداثة هي النهضة والأنوار وتجاوزهما معًا»19. والجابري لا يقف عند مقولات الحداثة المنضَّدة في أبديتها، وإنما يُنظر إليها باعتبارها رؤية وموقفًا، ويرى أن «التعامل النقدي مع جميع مظاهر حياتنا، والتراث من أشدها حضورًا ورسوخًا، هو الموقف الحداثي الصحيح»20، ولا تستطيع الحداثة العربية، في رأيه، أن تكون حداثة إل بانتظام جميع مظاهرها في مسار العقلانية والديمقراطية باعتبارهما ممارسة لا مقولتين، وأن تمارس العقلانية في دائرة التراث حتى تتكشف لها المسارات السالبة لنظام الحكم ومشروعيته؛ فما لم تفتضح أصول الاستبداد بالرؤية النقدية، لا يمكن، في رأيه، تأسيس حداثة تعبّ عن خصوصيتها، وما لم تتأسس هذه الحداثة ذات الخصوصية، لن تستطيع الحداثة العربية الدخول في مسار الحداثة المعاصرة كفاعلية، فيجب أن تكون الحداثة رسالة تحديث للذهنية والمعايير العقلية والوجدانية. لذا، ف «عندما تكون الثقافة السائدة ثقافة تراثية، فإن خطاب الحداثة فيها يجب أن يتجه، أولً وقبل كل شيء، إلى التراث بهدف إعادة قراءته، وتقديم رؤية عصرية عنه »21. فالجابري ينظر إلى الحداثة لا كحالة منجزة يمكن تمثّلها، وإنما حالة وعي من جهة، وممارسة لهذا الوعي من جهة أخرى. في المسار النقدي ذاته، يبلور الدكتور كمال أبو ديب رؤيته للحداثة؛ فالحداثة، في رأيه، وعي الذات في الزمن باعتباره حركة تحمل في داخلها التغيُّ، وانفصام دائم عن ماضٍ يسبغ عليها نوعًا من التوتر والقلق

  1. غاستون باشلار، فلسفة الرفض: مبحث فلسفي في العقل العلمي الجديد، ترجمة خليل أحمد خليل (بيروت: دار الحداثة، 1985)، ص.5
  2. محمد عابد الجابري، التراث والحداثة: دراسات ومناقشات (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1991)، ص.17
  3. المصدر نفسه، ص.18
  4. المصدر نفسه، ص.17

والمغامرة22؛ لذلك فهي رفض واع للسلطة، وحفر دائم عن أسئلة وبحوث لم تُطرق، أسئلة قلقة لا تطمح إلى الحصول على إجابات نهائية، وإنما اختراق دائم للسلام مع النفس ومع العالم. ولا يمكن، في رأيه، بناء تصور عن حداثة عربية بعيدًا عن بنية الثقافة المضادة لفكرة الخروج على صورة العالم المتشكلّ في إطاري القديم والإجماع. فالحداثة انقطاع معرفي عن مصادر التراث، وتغير جذري في موقف الإنسان من اللغة والفكر والإنسان والكون والشعب والسلطة والداخل والخارج والإبداع والتقليد. وأزمة الحداثة العربية، في رأيه، تكمن في أن انقطاعها عن الماضي من أجل الحاضر، وهجرتها من الحاضر نحو المستقبل- لم يوازه اندفاع حضاري مماثل في بناءات المجتمع الأخرى23. لقد استطاع كمال أبو ديب أن يقبض على جوهر المشكلة التي تتمثّل في أن الحداثة العربية عبارة عن مقولات نخبوية لا حركة كلية لها مرتكزاتها السوسيولوجية. أمّا أدونيس، فهو الشخصية الأكثر إثارة للجدل، أكان في مشروعه الفكري الفلسفي أم في مشروعه الفني الإبداعي؛ فهو طرح رؤية معممة عن الحداثة التي لا ترتبط عنده بزمان محدد ولا بسياق محدد، وإنمّا هي مواقف ورؤى تتقاطع مع السائد وتتمرد عليه، أكان ذلك في الفن أم في الفكر والسياسة. والحداثة العربية، في رأيه، ظاهرة تجلت بوضوح في التراث العربي، رابط ا بين الحداثة والمعنى اللغوي في العربية (حدث ومحدث) لا بين الحداثة)Modernism(وترجمتها كمفهوم ومصطلح عن الإنكليزية. وهو يرى أنه «يمكن القول، من ضمن نظرة العرب إلى ‹الإحداث› و‹المحدث›، ومن ضمن الشروط الاقتصادية- الاجتماعية الخاصة، أن الحداثة في المجتمع العربي بدأت موقفًا يتمثّل الماضي ويفسره بمقتضى الحاضر. ويعني ذلك أن الحداثة بدأت، سياسيًا، بتأسيس الدولة الأموية، وبدأت فكريًا بحركة التأويل»24. هذا التعميم دفعنا، في دراسة سابقة، إلى إطلاق عبارة «الصياغة الأدونيسية للحداثة»25 على رؤية أدونيس للحداثة؛ فهو يُسقط مصطلح الحداثة على كل ظاهرة شاذة ومتمردة، بغضّ النظر عن طبيعة رؤيتها وسياقها وتاريخها، الأمر الذي أوقعه في تناقضات أعاقت اتساق رؤيته وشموليتها وتعميمها. فقد جاءت آراؤه أقرب إلى المواقف الذاتية الانطباعية؛ فكل عملية اجتهاد أو إبداع قولي يندرج، في رؤيته، في دائرة الحداثة، والحداثة، كما يصورها، ليست مبدأ وًاحدًا بل هي مبادئ تفرضها المواقف المطروحة تاريخيًا. ففي العهدين الأموي والعباسي تبلورت مبادئ الحداثة في الصراع بين النظام القائم على السلفية، والرغبة العاملة على تغيير هذا النظام. وتمثّلت الحداثة العربية تاريخيًا، في رأيه، من خلال «تيارين للحداثة: الأول سياسي- فكري ويتمثّل من جهة، في الحركات الثورية ضد النظام القائم، بدءًا من الخوارج وانتهاء بثورة الزنج مرورًا بالقرامطة والحركات الثورية المتطرفة، ويتمثّل، من جهة ثانية، في الاعتزال والعقلانية الإلحادية، وفي الصوفية على الأخص»26. هذه الصيغة الأدونيسية للحداثة تفتقر، في رأينا، إلى الموضوعية والإقناع، فالتقاء هذه الحركات حول الوحدة بين «الحاكم والمحكوم» وفي شعاراتها النظرية الداعية إلى نظام يساوي بين الناس اقتصاديًا

  1. كمال أبو ديب، «الحداثة، السلطة، النص،» فصول، السنة 4، العدد 3، ج 1: الحداثة في اللغة والأدب (نيسان/ أبريل- حزيران/ يونيو 1984)، ص.35
  2. أدونيس، الثابت والمتحول: بحث في الإبداع والإتباع عند العرب، 4 ج (بيروت: دار الساقي، 2006[])، ج:4 صدمة الحداثة وسلطة الموروث الشعري، ص.6
  3. عبد العليم محمد إسماعيل علي، ظاهرة الغموض في الشعر العربي الحديث (القاهرة: دار الفكر العربي، 2011)، ص.127-109
  4. أدونيس، ص.10

وسياسيًا، ولا يفرق بين الواحد والآخر على أساس من جنس أو لون- ليس كافيًا لتصنيف هذه الاتجاهات جميعًا في زمن الحداثة، حتى ولو عمّمنا مفهوم الحداثة في التاريخ، ومثل هذه الحركات لا يخلو منها تاريخ أي مجتمع؛ فالخوارج جماعة دينية إقصائية تنفي التعدد والاختلاف وتقتل من يخالفها الرأي والعقيدة، والمعتزلة جماعة كلامية دينية تؤمن بالعقل وقدرته الكاشفة لمقاصد التشريع وتطابق أحكامه مع أحكام الدِّين، فما الذي جمع بينهما؟ إنهما يمثلّان تناقضًا لا تباينًا. كما أن مثل هذه الحركات تحدث باستمرار في تاريخ البشرية، وهي أقرب إلى مفهوم الحركات الإصلاحية منها إلى الحركات الحداثية لأنها حركات لم تبتدع رؤية ولم تسع إلى تجاوز ما هو سائد ولم تتجه إلى المستقبل، بل هي في عودة دائمة إلى الأصل الذي تؤمن بثباته ووحدته. أمّا تيار الحداثة الفنية في الثقافة العربية، فهو، في رأي أدونيس، حركة مثّلها أبو نواس وحرك عجلتها، وتمثلت أهدافها في السعي إلى «الارتباط بالحياة اليومية كما عند أبي نواس، وإلى الخلق لا على المثال، خارج التقليد وكل موروث كما عند أبي تمام»27. إل أن أدونيس يعود ليقتنص اللحظة المفصلية في تاريخ المجتمع العربي، وهي لحظة الانتقال من المشافهة إلى الكتابة، فيذهب إلى أننا «لا نقدر أن نحيط بنشأة الحداثة في المجتمع العربي، على الصعيدين: السياسي- الفكري - الاجتماعي، من جهة، والشعري من جهة ثانية، إلّ إذا أدركنا معنى انتقال العرب من الخطابة إلى البداوة، أو من الشفوية إلى التدوين»28. واللحظة الانتقالية هذه يمثّلها، في رأيه، القرآن «فالقرآن نهاية الارتجال والبداهة. هو، بمعنى آخر، نهاية البداوة وبداية المدنية.» وهذه الرؤية النسبية لمفهوم الحداثة سيطرت على معظم كتابات أدونيس، على الرغم من تقاطعها، في كثير مما طرحته، مع رؤى الحداثة، وعلى الرغم من توظيفها الانتقائي لبعض المسارات دون غيرها. أمّا بنيس، فقد جعل الحداثة حالة محددة المعالم؛ فهي، في رأيه، نمط حياة وتصوير مجتمع وثقافة تقنية تكتسح الإنسان والطبيعة29. وهي في الفن تحويل زمن الشعر من الإنشاد إلى زمن الكتابة الذي هو نقيض السائد الذي يفكك زمن الموروث من خلال وعيّ نقدي يعيد تكوين اللغة والذات والمجتمع30. والحداثة العربية، في رأيه، لحظتان: الأولى جيل جبران، و الثانية هي تلك التي تجلت منذ خمسينيات القرن العشرين وحتى اليوم. واللحظة الثانية من الحداثة العربية تعتمد، في رأيه، على حسٍّ كونيِّ تدعم به مسلمات اللحظة الأولى بخصوص عدد من محاورها31 التي تتمثّل في الخروج على الشعر العربي القديم، واعتماد الشعر الغربي (الكوني) معيارًا للشعر والشاعر، وإعادة قراءة الشعر العربي، قديمه وحديثه، في ضوء معطى روح العصر. وللحداثة، في رؤية بنيس، مسارات عدة لا مفر لأحد من التورط فيها، وتتجلى في مستويات عدة: - حداثة الدولة: وتتمثّل في تقنيات التجهيز والقمع، وهي تقنيات لا تختارها الدولة العربية، فالغرب هو الذي يفرض نمط الغرب المسموح به أو المرغوب فيه للعالم العربي، وهذا المستوى من الحداثة مقطوع عن الجذور وعن الماضي والمستقبل معًا.

  1. المصدر نفسه، ص.6
  2. المصدر نفسه، ص.19
  3. محمد بنيس، سؤال الحداثة (الدار البيضاء: دار التنوير؛ بيروت: المركز الثقافي العربي، 1981)، ص.132
  4. المصدر نفسه، ص.44
  5. المصدر نفسه، ص.145

- حداثة المؤسسات المضادة: وتتحدد باعتبارها طريقة للتنظيم الاجتماعي والسياسي، وهي معطى غربي يقوم على مرتكزات الحداثة التي هي: الديمقراطية وحرية التعبير واعتبار الوطن أو الأمّة أو الأممية. وقد ظلت هذه الحداثة تهجس بالسلطة والدولة باعتبارها نموذجًا لبنيتها، الأمر الذي جعلها امتدادًا للسلطة لا بديلً منها. لذلك تحوّل هذا النمط في العالم العربي إلى وسائط تضمن استمرار الدولة وهيمنتها. - حداثة المعرفة: تتشعب فروعها، ومن ضمنها حداثة الإبداع في مختلف الأجناس الأدبية. والحداثة الشعرية العربية تبنّت، في رأي بنيس، معايير مغايرة لمعيار مدرسة النهضة ومعيار نازك الملائكة، وهذه المعايير المتبناة أطّرها معيار الحداثة الغربية؛ فهي أسست لتراثها في مستقبلها الغربي. تبيّ رؤية بنيس عمق المفارقة بين الحداثة كمقولة نظرية والحداثة كحالة سوسيولوجية متشعبة تنشأ من تفاعلات عدة داخل المجتمع؛ فبنيس يفرّق بين حداثة الدولة العربية التي تمثّلت في تقنيات التجهيز والقمع وحداثة المؤسسات الاجتماعية المضادة، وحداثة المعرفة التي ربطها بمشروع النهضة. على الرغم من ربطه حداثة الدولة بالحالة المفروضة من الغرب، وحداثة المؤسسات بالحالة المستعارة من الغرب، فإنه يُرجع حداثة الفكر إلى عصر النهضة العربي، علمً أن مفهوم النهضة نفسه حالة استعارية ومماهاة سطحية في تاريخ الحداثة الغربية؛ فمشروع النهضة العربية عبارة عن محاولات لتوطين التفكير النقدي الغربي في الثقافة العربية، ومعظم شخصياته يمثّلون لحظة الانفتاح، بحماسة كبيرة، على العقل الغربي، حتى أن طه حسين الذي يُعَدّ الشخصية الأبرز لهذه المرحلة يدعو صراحة في كتابه مستقبل الثقافة المصرية إلى تبنّي العقل الغربي، فعصر النهضة يمثّل ذروة الاتصال والتمثّل والتوظيف لمناهج الغرب. كما أن رؤية بنيس تساوي بين تقنيات التحديث المادية ومنجزات التكنولوجيا الغربية والبُعد المعرفي التأملي الذي يعدّ، في رأينا، المؤشر الأبرز على الخصائص المعممة للحداثة. من أبرز المشكلات التي وقعت فيها الحداثة العربية غياب البُعد النقدي الذاتي لمقولاتها وعلاقتها بالواقع الذي تشرّحه؛ فهي حداثة سادرة في نشوتها باقتناص صيغها اللغوية التي تنحتها أكثر من النظر إلى هذا الصيغة باعتبارها قدرة كاشفة لحركة اجتماعية متعددة الأبعاد تجري أمامها؛ فالحداثة في مذهب خنسة وعي بالحياة ونسف لتقديس «الساكن والموروث»32، والحداثة العربية بدأت، في رأيه، برجِّ سكون الواقع العربي الخانع وتفتُّح الوعي الجديد33. وقد تجسدت في ثلاثة مسارات: أولها حداثة الشكل التي بدأت مع إنجازات الرواد الأوائل في العراق (السياب ونازك الملائكة والبياتي)، وذلك من خلال تجاوزهم الوزن والقافية، ووصلت إلى قمة تجليها مع قصيدة النثر34، و ثانيها حداثة الموضوع التي برزت مع الشعراء التقدميين سياسيًا، وذلك بإدخال اليومي في الشعر، و ثالثها حداثة الموقف التي بدأت بجبران وتطورت إلى بحث دائم عن حداثة تصهر كل شيء باتجاه المستقبل، وتحوّل القصيدة إلى كون شبكي مستقل. تتسم رؤية خنسة بتجزئة الحداثة إلى مسارات لا تستطيع الجمع بين مكوّناتها في شمول يوحّد مصادرها، على الرغم من أن هذه المسارات الثلاثة تعود إلى لحظة الالتقاء بالثقافة الغربية، فكسر الوزن والقافية لا يُقرأ بعيدًا عن عملية تطور تاريخية طويلة للنص الشعري العربي؛ فهي محاولات توافرت لها الشروط الداخلية والخارجية في أربعينيات القرن العشرين. أمّا إدخال اليومي في الشعر، فليس بالشأن الكبير؛

  1. وفيق خنسة، جدل الحداثة في الشعر: دراسة تطبيقية (بيروت: دار الحقائق، 1985)، ص.34
  2. المصدر نفسه، ص.35
  3. المصدر نفسه، ص.35

فمنذ القديم كان اليومي يلج الشعر، أكان في العصر العباسي أم في عصر الدول المتتابعة، إل أنه اكتسب طابعًا سياسيًا مع دخول التفكير الماركسي البلاد العربية، ودعوات التيار الرومانسي إلى الصدق العاطفي. أمّا حالة جبران، فهي التجربة الوحيدة التي حملت رؤية فلسفية متماسكة تنظيرًا ومنجزًا؛ ويعود ذلك إلى الثقافة الخاصة بجبران واستيعابه للرومانسية الغربية، وحياته الأميركية التي استوعب روحها؛ فجميع هذه المسارات تفتقر إلى الاتساق داخل منظومة فلسفية أو اجتماعية أو سياسية تجذّرها كظاهرة غير نخبوية وغير معزولة عن سياقاتها؛ فهي ظاهرة فنية فرضتها شروط تاريخية محددة من دون أنْ تكون إفرازًا لحراك اجتماعي شامل. والحداثة، كما ذهب محمد برادة، لا يمكن فهمها خارج حمولاتها الإبستيمولوجية الكامنة وراءها؛ فهي ترتبط بأسئلة طرحتها الحضارة الغربية في سياقاتها التاريخية التي أفرزت تجاربها في المجالات المختلفة35. وحتى في مجال الاستعمال الأدبي والنقدي، اتسمت الحداثة العربية بالشعارية والتصنيف الجدلي، وهي لا تختلف، في رأيه، عن كثير من المصطلحات التي هاجرت إلى العالم العربي عبر المثاقفة والتواصل الحضاري؛ لذا لا يمكن فهم الحداثة العربية بعيدًا عن الحداثة الغربية36. فبرادة يمتلك وعيا نقديًا عميقًا بمكونات الحداثة العربية وإشكالياتها، إل أنه يتحاشى في معظم دراساته تناول الحداثة العربية في علاقتها بمنظومة القيم العربية وسياقاتها السوسيولوجية، ولعله اشتغل على خطاب الحداثة في برجها النخبوي بسبب منزعه الأدبي النقدي أكثر اشتغل على البُعد السوسيو- سياسي. على الرغم من ربط خالدة سعيد بين الحداثة وظهور الأفكار والنزعات التاريخية التطورية، وتقدم المناهج التحليلية والتجريبية التي تسعى إلى تعريف الإنسان من خلال تحديد جديد لعلاقته بالكون، فإنها لم تحدد هذه الأفكار والنزعات والمناهج داخل الممارسة العربية؛ فالحداثة، في رأيها، إعادة نظر شاملة في منظومة المفهومات والنظام المعرفي، أو ما يكوّن صورة العالم في وعي الإنسان، إل أنها تصف حالة افتراضية وأشواقًا يحلم بها جميع المفكرين العرب؛ فرؤيتها لا تعدو كونها إعادة صوغ لمقولات الحداثة الغربية37، وهي ترى أن الحداثة تصحيح لوضعية استلاب عن طريق صراع يخوضه الإنسان مع منجزاته السابقة التي تحولت إلى تجريدات وبنى وتقاليد وأنماط، وتحطيم للصورة القديمة، وتفكيك للذاكرة من أجل إعادة تنظيم عناصرها38. بذور الحداثة العربية، في رأيها، تكمن في توجهات مفكري بدايات القرن العشرين و من خلال القطيعة التي أحدثوها مع المرجعية الدينية والتراثية، والاستعاضة عنهما بمرجعيتين بديلتين هما العقل والواقع التاريخي39. ولا تخفى في حديث خالدة سعيد الحماسة الكبيرة لبذر مصطلحات ومفاهيم معرفية تحرك سكون المعرفة العربية؛ فللقطيعة (Novelty) شروطها التي لم تتحقق في المجتمع العربي الحديث، وربما تشكل ثورات الربيع العربي مقدماتها التي تشي بتحويل مسار التراكم إلى تحول نوعيّ، وفي الفكر والاجتماع هي تحولات تُدث انقلابًا في أنماط التفكير وأساليب العيش، ولا أعتقد أن ما وصفته حدث مع بدايات القرن العشرين. ورؤية طه حسين كانت ثورة في التفكير العربي من خلال محاولة عقلنة

  1. محمد برادة، «اعتبارات نظرية لتحديد مفهوم الحداثة،» فصول، السنة 4، العدد 3، ج 1: الحداثة في اللغة والأدب /(نيسان أبريل- حزيران/ يونيو 1984)، ص.11
  2. المصدر نفسه، ص.23
  3. خالدة سعيد، «الملامح الفكرية للحداثة،» فصول، السنة 4، العدد 3، ج 1: الحداثة في اللغة والأدب (نيسان/ أبريل- حزيران/ يونيو 1984)، ص.26
  4. المصدر نفسه، ص.29
  5. المصدر نفسه، ص.27

التفكير، وهو وظف مناهج منجزة لا مناهج مبتدعة، فحضور مذهب الشك والتحليل الاجتماعي لا يخفى في دراساته، أمّا ثورته ورفاقه على المرجعية الدينية والتراثية، فهي لم تصل إلى مرحلة القطيعة، ذلك أنها توظيفُ مناهج أكثر ممّا هي ثورة مناهج، وقد ظلت من دون سند اجتماعي يحرسها أو يشرعنها، ومن دون موقف سياسي أو كشوف معرفية تعززها، ولا تعدو كونها حركة أكاديمية لم تستطع تفكيك السائد، ناهيك عن القطيعة، فما زال وعي الإنسان العربي يتشك ل في إطار الوعي الديني الطائفي والعشائري، وما زال وعي الحداثة العربية يرتهن، في مصطلحاته ومفاهيمه، للحداثة الغربية، وما زال استعمال العقل في نقد هذين الزمنين (الديني والعشائري) من المخاطر الكبرى التي تعوق حرية المفكر العربي. يتجلى البُعد التنظيري غير السياقي للحداثة العربية في توصيف الدكتور تمام حسان للحداثة؛ فما هو، في رأيه، مفهوم متجانس في المجالات المختلفة من النشاط الإنساني، بل هو مفهوم يختلف من مجال إلى مجال، ويتسم بالنسبية في الحالات كلها40. الحداثة في نصوص التاريخ تعني حركة الزمن من الماضي البعيد إلى ماضٍ قريب أو إلى زمن حاضر، أمّا في نصوص الإصلاح الاجتماعي، فهي أقرب إلى نصوص التغيير. والحداثة في عرف المنتجين من الفنانين والباحثين ورجال الصناعة وأمثالهم - ترتبط بمفهوم الابتكار، أمّا في عرف رجال الدِّين فتعني الخروج والمروق من الدِّين، وتقترن في حقل العادات والتقاليد بالمستهجن41. هذا التنظير النقدي يقبض على حقائق حداثة منجزة في السياق الغربي، لا على وصف لحداثة عربية، لأن هذا التوصيف لا ينطبق على أي مسار من مسارات المجتمعات العربية في تلك اللحظة؛ فالحداثة «حساسية وأسلوب ما»، كما يشير إدوار الخراط، وهي نفي ونقض لنظام التقاليد التي رسخت، وقلق دائم لا يتجاوزه الزمن، وتنطوي على نوع من الهدم المستمر في الزمن من دون أن يتحول إلى بنية ثابتة42. كان فاضل العزّاوي من أعنف الذين اتخذوا مواقف صارمة في تحديدهم مفهوم الحداثة وأبعادها، والحداثة العربية وعلاقتها بالداخل والخارج. فالحداثة - في رأيه - ومهما ذهب الناس في أمرها، هي قضية ترتبط بظهور العقل العلمي الكوني أول مرة في التاريخ، وبالروح التي بثّها في هذا العصر الذي نعيشه43. والحداثة العربية لم تكن، في رأيه، سوى نسخة شائهة عن حداثة الغرب، ويُرجع هذا المسخ في الحداثة العربية إلى عجز العرب عن حل مجموعة التناقضات التي يعيشونها44. فالحداثة ليست مقولات تنظيرية، بل هي تداخل عميق بين مجموعة من المؤسسات المجتمعية: سياسية وفكرية واجتماعية، وما سوء الفهم الذي واجه الحداثة الإبداعية العربية إلّ سوء فهم هذه المنظومات المتداخلة45.

  1. تمام حسان، «اللغة العربية والحداثة،» فصول، السنة 4، العدد 3، ج 1: الحداثة في اللغة والأدب (نيسان/ أبريل- حزيران/ يونيو 1984)، ص.129
  2. المصدر نفسه، ص.28
  3. إدوارد الخراط، «قراءة في ملامح الحداثة عند شاعرين من السبعينيات،» فصول، السنة 4، العدد 3، ج 2 (1984)، ص.57
  4. فاضل العزَاوي، بعيدًا داخل الغابة: البيان النقدي للحداثة العربية، منشورات المدى، دراسات؛ 2 (دمشق: دار المدى، 1994)، ص.110
  5. المصدر نفسه، ص.13
  6. المصدر نفسه، ص.41

ولا تختلف رؤية محمد جمال باروت كثيرًا عن رؤية فاضل العزاوي؛ فالحداثة العربية، كما تجل ت في مجلة شعر، تكتسب، في رأيه، وجودًا إشكاليًا، وذلك لصعوبة وجود حل نظري مقبول لقضيتها في حقل الكتابة الشعرية وأسئلتها، وطبيعتها ووظيفتها وآلياتها- خارج سياق إجابة أيديولوجية عامة عن معاني مفهوم الحداثة في حقول الوعي الاجتماعي الأخرى عمومًا، وفي حقول الوعي الاجتماعي المجاور للوعي الجمالي والشعري. نلحظ من خلال ما عرضنا من مقولات الحداثة العربية أن مصطلح الحداثة جرى تبنّيه في قواميس المعرفة العربية، إل أن هذه المقولات لم تسلم في معظمها من الفخاخ التي نصبتها الحداثة الغربية المنتجة؛ فقد أُِعيد قول وجهات نظر الحداثة الغربية باعتبارها قيمة إنسانية وكونية عابرةً للحدود الزمكانية، الأمر الذي أوقع الحداثة المُرحَّلة إلى السياق العربي في مجموعة من التناقضات: أولهذه التناقضات هو الوقوع في فخ النمذجة؛ فالحداثة العربية سعت من خلال تبنّي مواقف الحداثة الغربية إلى تجاوز النموذج والمثال، والعمل على هدمه من جهة، والبحث عن البدائل من جهة أخرى. وهذا التوجه فرض عليها صراعات وهمية داخل سياقها المكاني من جهة، ووقوعها في فخ النمذجة من جهة أخرى، فأصبحت تردد مقولات الحداثة الغربية ذات السياق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي المغاير. وثانيهذه التناقضات هو وهم النزعة المستقبلية؛ فالحداثة العربية زعمت أنها حركة تتخلص من الماضي من أجل المستقبل، إل أنها لم تنتبه إلى أن خطواتها المتسارعة نحو المستقبل تتجه بسرعة نحو الماضي، ماضي الغرب الذي قتل الحداثة بحثًا وتجاوزها إلى حالة ما بعد الحداثة التي هي حالة التشظي والكولاج والتنوع والاختلاف، وهذا ما أوقع الحداثة العربية في تناقض واضح؛ إذ تبدو أنّا حركة مستقبلية، إل أن تفكيك مقولاتها يبيّ أن جذورها ذات طابع ماضوي. وقعت أسئلة الحداثة العربية أيضًا في مجموعة من المفارقات: تكمن أولاها في التناقضات القائمة بين أسئلة الفرد وأسئلة الجماعة؛ فالحداثة العربية نخبوية ليبرالية التوجه، وإنْ استضافت بعض مقولات الاشتراكية؛ إذ تبنّت الحداثة العربية مقولات الحداثة الغربية من دون اعتبارٍ لاختلاف السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والروحية للحداثتين. كما أنّا تبنّت أسئلة الحداثة الغربية التي هي أسئلة الفرد في سياق ديمقراطي وحقوقي داخل زمن اقتصاد الرفاه، وأهملت أسئلة المجتمع العربي الكلية التي هي، في رأينا، أسئلة الجماعة في سياقها السياسي الذي يطرح سؤال الديمقراطية والحرية، وفي سياقها الاجتماعي الذي يطرح سؤال العدالة الاجتماعية والمساواة، وفي سياقها الاقتصادي الذي يطرح سؤال الفقر والجهل والمرض، وهذه الأسئلة أصبحت، إلى حدٍّ ما، من ماضي المجتمعات الغربية. أمّا المفارقة الثانية، فتتصل بالبُعد الثوري أو وهم الثورية؛ فالحداثة الغربية كانت تُثّل خطًا ثوريًا لأن ثوريّتها تكمن في مقاومة النزعة العقلانية والوضعية في الحضارة الغربية، وذلك من خلال الإيغال في

  1. محمد جمال باروت، الدولة والنهضة والحداثة: مراجعات نقدية (اللاذقية، سوريا: دار الحوار للنشر والتوزيع، 2000)، ص

الغرائبي والسحري والعبث والتمرد وغير ذلك. أمّا الحداثة العربية، فوظ فت الأدوات ذاتها من أجل مواجهة واقع لم تكن العقلنة والتجريب يمثلّان نظامه التفسيري، وهذا أمر جعل الحداثة العربية في حالة ثورة دائمة على واقع افتراضي لا داخل واقعها المتعي.

خاتمة

كشفت هذه الدراسة ملابسات عدة تتصل بالحداثة من حيث المفهوم والموضوع والتاريخ والمكان؛ فالحداثة من حيث المفردة كلمة معممة على نحو يجعلها ظاهرة تتكرر باستمرار، وقد تجلت بوصفها حالة واعية نفسها ومؤسِّسة لمقولاتها النظرية الكاشفة لأبعادها النظرية والعملية في الغرب. وقد بلورت مفاهيمها وعملت على تعميمها في العالم، وأعانها على ذلك وضع اقتصادي وعسكري وثقافي متميز. كما استضيفت الحداثة الغربية في العالم العربي، وسعت مجموعة من الشخصيات إلى طرحها كإشكالية، ووظفت مقولاتها في تأسيس حداثة عربية منذ وقت مبكر، إل أن هذا الجهد عجز عن تأسيس حداثة عربية قادرة على اختراق مؤسسات المجتمع العربي، فكان التحديث المادي يرتبط بتكنولوجيا الحرب والقمع أكثر من ارتباطه بتغيير البيئة المادية المحيطة بالإنسان العربي، فظلت، نتيجة ذلك، حداثة العرب حداثة نخبوية ارتبطت بمشروع شخصيات قادرة على إضافة الكثير إلى مشروع الحداثة التنظيري في مساره المعولم، ولكنها عاجزة عن بلورة حداثة عربية تتساوق مساراتها الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية والحقوقية في شمول يوحدها في نسق أو أنساق تتناظر مع النظام الاجتماعي الذي تتحرك في إطاره. ومهما يكن من أمر ملابسات الحداثة العربية وعلاقاتها، فإن مستقبلها مرهون بقدرتها على تفجير أسئلة سياقها الذي تتحرك فيه، حتى وإن أدى بها هذا التوجه إلى السير على طرق لم تسر عليها الحداثة الغربية.