العودة إلى تفاصيل المؤلَّف المرض: مقاربة إيتيقية هرمينوطيقية

المرض: مقاربة إيتيقية هرمينوطيقية

Disease: An Ethical Hermeneutic Approach

الناصر عمارة

Nasser Amara

الملخّص

تبحث هذه الدراسة في تأويل المرض بوصفه مظهرًا لحياة إيتيقية داخلية وعميقة لوجود متلبّس بالجسد ليقول شيئًا ما عن تلك الحياة التي تختبئ وتتموّه لتُفلت من العلاج بوصفه عقابًا في المنظور الإيتيقي للطب المعاصر، بما يحمله من شرور تتلون بلون العلم وتحاجج بسلطة المعرفة، إذ تصطبغ المنظومة اللغوية للطب بالصبغة الإيتيقية (المرض الخبيث والصامت، الموت الرحيم، الورم الحميد، الرعاية الطبية...)، وهو ما يستدعي الحاجة إلى إعادة فهم السلوك البيولوجي للمرض من خلال هرمينوطيقا (تأويلية) تُصغي إلى صوت المرض في تجلّيه الأنطولوجي، أي بوصفه تعبيرا عن وجودٍ للذات خارج حدود البيولوجيا البشرية. وإذ تضع هذه الدراسة، في بدايتها، مفهوم المرض قبالة مفهوم الشر، فلأنّ المرض الذي أصبح أقوى من الحياة نفسها، هو صناعة طبية للشر في الجسد، في ما يظهر من الآثار الجانبية للأدوية، وتطوّر «شراسة» الفيروسات، و«وحشية» الميكروبات، إذ نشهد في هذا السياق مفارقة كبيرة تتمثّل في أن الأمراض تطورت وازدادت فتكا مع تطور الطب وتحسّن تقنياته وآلياته العلاجية، الأمر الذي يعني أن المرض، في جانبه الإيتيقي، «يثأر» و«ينتقم» من الطب، مُطوّرًا أساليبه في التمويه والخداع والتضليل، ومُغيًّا أعراضه على الجسد، باعتبار ذلك ردّة فعلٍ على «سوء فهم»ٍ لخطاب الحياة الإيتيقية للمرض. كما تتطور «المناعة» إيتيقا أيضا، وتتحصّن بالقيم التي يتبنّاها المريض عن الحياة والطبيعة والمجتمع، فالمرض «يسمعنا» من حيث لا «نسمعه»، إنه يصغي إلى الأحكام (الطبية والأخلاقية) التي تصدرها المنظومة «العقلانية» لحياة خارجية (علمية، اجتماعية، دينية، نفسية.)... ومنه تُلل هذه الدراسة، على مستوى آخر، الطابع العقلاني لحياة المرض، من خلال جعل المرض يُقيم على مسافة من الجسد لنتمكن من تعقّله في المكان الأصلي والحقيقي الذي يسكنه، انطلاق ا من السؤال الأنطولوجي: هل «نحن» نمرض؟ أم أن المرض «يُصيبنا»؟ وما التوجّه إلى الطب البديل (الأعشاب..) إلا طريقة لنقلِ قراءتنا لحياة المرض من صورة معتمّة (الصناعة الطبية) إلى صورة أوضح (الطبيعة الخالصة.) إن ذلك يقودنا إلى إعادة فهم العلاقة بين الطبيب والمريض، وتحويل منظورها من كونها علاقة علاجية استشفائية إلى عقد أخلاقي يلتزم فيه الطبيب ب«الإصغاء» إلى المرض، كما يلتزم فيه المريض (ضمنيا) بتقديم الصوت الداخلي والأصلي للمرض من دون تضليل أو خداع. في نهاية الدراسة نقرأ «وصية» المريض إيتيقًا، مؤوّلين خطاب الوصية بما هي لحظة شفافة وحقيقية لصوت المرض الداخلي ولحياته الأنطولوجية؛ المرضُ مخاطبًا الحياة، بدليل أن المريض المشرف على الموت يُوصي أناسًا لن يعيش معهم ولن يتأثر بموقفهم، ومن ثمة هو كلام المرض بذاته وفي ذاته.

* قسم الفلسفة، جامعة مستغانم، الجزائر.

Abstract

This study examines the interpretation of disease as a manifestation of a deep, internal ethical life present in the body to expose the life that hides, grows, and camouflages itself to escape from treatments. In the study, Amara calls for a renewed understanding of the biological behavior of disease via a hermeneutic that listens to the voice of the disease in its ontological elucidation, or its description as an expression of self-existence outside the limits of human biology. From the very beginning, this study places the concept of disease against the concept of evil because disease, something more powerful than life itself, is a medical construction of evil in the body revealed by medicinal side effects, the development of the “viciousness” of viruses, and the “brutality” of microbes. The world is witnessing a great paradox, notes the author, when diseases have evolved and grown more deadly with the development of medicine and the improvement of its therapeutic techniques and mechanisms. This means that disease, from the ethics side, “avenges” itself and “takes revenge” against medicine, developing its methods for camouflage, deception, and diversion, changing its physical symptoms as a reaction to the “misunderstanding” of the ethical life discourse of disease. Amara addresses ontological questions, such as “do we get sick or does illness befall us?,” and explores the relationship between the doctor and patient, as well as the concept of a patient’s ethical “will”.

الكلمات المفتاحية:
  • المرض
  • إتيقية
  • السلوك البيولوجي
  • الموت الرحيم
Keywords:
  • Disease
  • Ethics
  • Biological Behavior
  • Euthanasia

تبحث هذه الدراسة في تأويل المرض بوصفه مظهرًا لحياة إيتيقية داخلية وعميقة لوجود متلبّس

بالجسد ليقول شيئًا ما عن تلك الحياة التي تختبئ وتتموّه لتُفلت من العلاج بوصفه عقابًا في المنظور

الإيتيقي للطب المعاصر، بما يحمله من شرور تتلون بلون العلم وتحاجج بسلطة المعرفة، إذ تصطبغ

المنظومة اللغوية للطب بالصبغة الإيتيقية (المرض الخبيث والصامت، الموت الرحيم، الورم

الحميد، الرعاية الطبية...)، وهو ما يستدعي الحاجة إلى إعادة فهم السلوك البيولوجي للمرض

من خلال هرمينوطيقا (تأويلية) تُصغي إلى صوت المرض في تجلّيه الأنطولوجي، أي بوصفه تعبيرا

عن وجودٍ للذات خارج حدود البيولوجيا البشرية.

وإذ تضع هذه الدراسة، في بدايتها، مفهوم المرض قبالة مفهوم الشر، فلأنّ المرض الذي أصبح

أقوى من الحياة نفسها، هو صناعة طبية للشر في الجسد، في ما يظهر من الآثار الجانبية للأدوية،

وتطوّر «شراسة» الفيروسات، و«وحشية» الميكروبات، إذ نشهد في هذا السياق مفارقة كبيرة

تتمثّل في أن الأمراض تطورت وازدادت فتكا مع تطور الطب وتحسّن تقنياته وآلياته العلاجية،

الأمر الذي يعني أن المرض، في جانبه الإيتيقي، «يثأر» و«ينتقم» من الطب، مُطوّرًا أساليبه في

التمويه والخداع والتضليل، ومُغيًّا أعراضه على الجسد، باعتبار ذلك ردّة فعلٍ على «سوء فهم»ٍ

لخطاب الحياة الإيتيقية للمرض. كما تتطور «المناعة» إيتيقا أيضا، وتتحصّن بالقيم التي يتبنّاها

المريض عن الحياة والطبيعة والمجتمع، فالمرض «يسمعنا» من حيث لا «نسمعه»، إنه يصغي إلى

الأحكام (الطبية والأخلاقية) التي تصدرها المنظومة «العقلانية» لحياة خارجية (علمية، اجتماعية،

دينية، نفسية.)...

ومنه تُلل هذه الدراسة، على مستوى آخر، الطابع العقلاني لحياة المرض، من خلال جعل المرض

يُقيم على مسافة من الجسد لنتمكن من تعقّله في المكان الأصلي والحقيقي الذي يسكنه، انطلاق ا من

السؤال الأنطولوجي: هل «نحن» نمرض؟ أم أن المرض «يُصيبنا»؟ وما التوجّه إلى الطب البديل

(الأعشاب..) إلا طريقة لنقلِ قراءتنا لحياة المرض من صورة معتمّة (الصناعة الطبية) إلى صورة

أوضح (الطبيعة الخالصة.)

إن ذلك يقودنا إلى إعادة فهم العلاقة بين الطبيب والمريض، وتحويل منظورها من كونها علاقة

علاجية استشفائية إلى عقد أخلاقي يلتزم فيه الطبيب ب«الإصغاء» إلى المرض، كما يلتزم فيه

المريض (ضمنيا) بتقديم الصوت الداخلي والأصلي للمرض من دون تضليل أو خداع.

في نهاية الدراسة نقرأ «وصية» المريض إيتيقًا، مؤوّلين خطاب الوصية بما هي لحظة شفافة وحقيقية

لصوت المرض الداخلي ولحياته الأنطولوجية؛ المرضُ مخاطبًا الحياة، بدليل أن المريض المشرف على

الموت يُوصي أناسًا لن يعيش معهم ولن يتأثر بموقفهم، ومن ثمة هو كلام المرض بذاته وفي ذاته.

ما عادت الثنائية الطبيّة «مرض/علاج» متماسكة وصامدة أمام تطور حياة المرض نفسه في

الأشكال المموَّهة التي يتخذها داخل جسد المريض، وهو ما يعني أن حالة المرض المعاصرة تنتج

خطابًا متخفيًا للجسد، كتعبير عن قلق ما، ككلام للذات عبر الجسد خارج حدوده البيولوجية، في ما

يمكن أن يشكّل ثنائية بديلة هي الثنائية التأويلية «كلام/إصغاء»، بوصف المرض خطابًا يقول شيئًا ما عن

شيءٍ ما، والصحة بوصفها حالة صمت للجسد. فالطب يبدأ في قوة الإصغاء إلى المرض، أي في الإصغاء

إلى صوت التوازن المختل بين الجسد والنفس بما أن المرض يصيب الجسد بينما يصيب الألم النفسَ والذات،

فالإصغاء هو مظهر الحكمة في الطب، ولذلك نُميّز بين الطبيب الحكيم (مثال الطبيب الحكيم جالينوس)

والطبيب المُداوي بمعناه التقني المعاصر. تقوم وظيفة الطب في إعادة التوازن إلى جسد المريض، غير أنه «عند استعادة التوازن، يجد كل فعل طبي

اكتماله في قمع الذات، وهو المنظور الذي يَلوح في أفق كل علاج»، وهو فعل يفترض أن المرض يأتي

كاضطراب بعد حالة «عادية» للجسد، من دون أن يستطيع تحديد ما الذي كان «عاديًّا» فيه، ويتجلى قمع

الذات في الفعل الطبي العلاجي من خلال كَبْت صوت المرض الذي ليس صوت الطبيعة البيولوجية

فقط بل هو صوت تاريخ الجسد وقلقه والعلاقات التي يُنشئها مع محيط من الأصوات والأفعال والقيم

التي يتفاعل معها أيضًا، مُبديًا امتعاضه من بعضها وسعادته ببعضها الآخر ومقدِّمًا «رأيه»، على طريقته،

موافقة أو معارضة، لما يدور حوله من دون تطابق مع الأفكار التي يتبنّاها عقل صاحب الجسد، فللمرض

عقله الداخلي الخاص. يمارس الطب سلطته الأقوى في قمع الذات، بما أنه يتحكم في جوهر الحياة البشرية، تلك الرغبة الإنسانية

القديمة في البقاء ومحبة الحياة؛ فالناس يمكنهم تحدّي كلّ سلطة ومواجهة كل قوة لكنهم يستسلمون ليَدِ

الطبيب بلا مقاومة، كما يمكنهم الاختيار بين ما يرغبون فيه وما لا يرغبون فيه، لكنهم لا يختارون دواءهم

عند المرض، فلا رأي إذن، ولا حرية ولا إرادة في مواجهة المرض. ولذلك يلجأ المرض إلى التخفّي

والتمويه والخداع كأشكال للتهرّب من حالة القمع، فتُبدِّل الفيروسات أشكالها وأساليب مقاومتها

لتصبح مع الوقت أكثر فتكًا و«ذكاءً»، ويغيّ بعض الأمراض أعراضه الظاهرة معطيًا علامات خاطئة عن

وضعه ومكانه الحقيقيين ليفلت من التشخيص الطبي المتكرر. فما الآثار الإيتيقية لممارسة سلطة الطب؟

وما طبيعة العلاقة بين المرض والإنسان؟ هل المرض، في فلسفة الطب المعاصر، هو خلل جسدي طبيعي

فقط، أم هو مشكل إيتيقي أيضًا؟ كيف يُشكّل المرض تحديًا إيتيقيًا للعقلانية المعاصرة؟

من إيتيقا الشر إلى إيتيقا المرض

منذ جنيالوجيا نيتشه لمفهومي الخير والشر بالخصوص، برزت مشكلة الشر كتحدٍّ كبير للعقل الذي ظهر أنه

أنجز مسائله المعرفية الأساسية بعد الثورة الكوبرنيكية التي أحدثها كانط على مقولاته (أي العقل) والتي

بقيت عالقة ميتافيزيقيًا منذ أرسطو على الرغم من مرورها عبر المنعطف الديكارتي. وبعد الحربين العالميتين،

ظهر أن الشر ليس مفهومًا مفارقا للعقلانية بل هو في صلب التفكير العقلاني نفسه، حيث «إن الحضور

الكثيف للشر يحطم قوة العقل وينهشها»، وعليه، فإن الحكم الأخلاقي الموروث عن كانط والمغلّف

(1) Hans-Georg Gadamer, Philosophie de la santé , trad. de l’allemand par Marianne Dautrey, la grande raison (Paris: Grasset; [Bordeaux]: Mollat, 1998), p. 49. (2) Guy Petitdemange, Philosophes et philosophies du XXe siècle, la couleur des idées (Paris: Ed. du Seuil, 2002), p.

بالشمولية والكليانية بدأ يفقد توازنه أمام جزئيات الواقع التي لا تخضع لمنطق شمولي يتمرد فيه الحكم

الإيتيقي نفسه على مبادئ العقل، ومن ثمة اتجه البحث الإيتيقي حول مشكلة الشر إلى دائرة العملي. على الرغم من أن هذا التوجه الإيتيقي مشروع، فإنه غير مبرر بما يكفي، «فإذا كان السؤال ‹من أين أتى

الشر؟› يفقد كل معنى أنطولوجي، فإن السؤال البديل ‹من أين أتى فعلنا للشر؟› يهبط بمسألة الشر كلها

في دائرة الفعل والإرادة والتعسف». فنحن إذن أمام عائق معرفي يحول دون إدخال مسألة الشر إلى دائرة

موضوعية الحكم الأخلاقي، بالمعنى الكانطي. ذلك أن الشر، ومن خلال جذوره الأنطولوجية، يأخذ

طابعًا رمزيًا، وبالتالي، فإن «رمزية الشر تقوم باستدعاء علم للتأويل هو الهرمينوطيقا»، أي إن المهمة

التأويلية هنا تقوم على فهم الدائرة الهرمينوطيقية للشر بين الأنطولوجي (المدعوم ميتافيزيقيًا) والعملي

المستعاد رمزيًا في المؤسسات الاجتماعية والقوانين الوضعية والأفعال السياسية. غير أن مشكلة الشرّ لم تبقَ محافظة على طابعها الكلياني بل اشتُقت منها تجليات عملية، أهمها الشر الوافد

من العلم بعد أن ثبت أن مقولة «العلم لا يأتي إلّ بخير» ما عادت مستساغة فلسفيًا ولا صامدة أمام النقد

الممارس في دائرة العلوم الإنسانية عمومًا. فمع ظهور البيوتيقا(Bioéthique) في نهاية القرن العشرين،

وُضِع العلم (والطب خصوصًا) تحت العين النقدية للإيتيقا المستندة فلسفيًا على القراءات التأويلية لمدرسة

فرانكفورت (هابرماس خصوصًا) وعلى الحفر الجنيالوجي الذي مارسه فوكو (تاريخ الجنون، ميلاد

العيادة..)، وعلى الدراسات المتخصصة مثل: «الإيتيقا والطب » لبيتر كومب. «المرض هو شر الطب المعاصر». لنتأكد من هذه الفرضية الهرمينوطيقية، أي باعتبار المرض مظهرًا تأويليًا

للشر الذي ينتج من الممارسة الطبية التي تهدف إلى العلاج بوصفه إعادة التوازن للحياة البيولوجية بينما

هي في الاتجاه الآخر قتل للحياة الأخلاقية للجسد، لننطلق من المثال التطبيقي التالي: عندما نقرأ ورقة

الإرشادات المرفقة بأي دواء نجد أنها تحتوي دائمً على عنصر تُسميه «آثارًا جانبية» تفوق ربما دوافع العلاج

عددًا وفعالية. وعبارة «آثار جانبية» ليست، في الحقيقة، إلّ لغة مخففة لعبارة أخرى أكثر ألمًا هي «أمراض

ناتجة من تناول الدواء» بحسب تأويل أولّي للغة الطب والصيدلة المتولدة عنه. والبدء بتأويل لغة الطب

ليس اختيارًا اعتباطيًا، بل إن العودة إلى سقراط تحيل إلى هذه الضرورة الفلسفية، إذ « يُشبِّه سقراط بالعقار

(فارماكون) النصوصَ المكتوبة التي جاء بها فيدروس. إن هذا الفارماكون، هذا ‹العلاج›، هذا ‹الشراب›،

الذي هو في الأوان ذاته سمٌّ ودواء، إنما يتسلل من قبل إلى جسم الخطابات بكلّ لبسه. يمكن أن يكون لهذا

(((يجب أن نميّز بين الأخلاق (Morale) والإيتيقا (éthique): فالأخلاق هي منظومة المعايير القيمية النظرية التي تحدد القوانين

الأخلاقية المُلزِمة، بينما الإيتيقا هي منظومة الرؤى الفلسفية التي تهتم بحل المشكلات والمفارقات الأخلاقية التي ينتجها العلم

والحياة العملية، وهي الرؤى التي تنظر في المستقبل والمنفتحة على إمكانية التأويل.

(4) Paul Ricoeur, « Le Mal: un défi à la philosophie et à la théologie, » dans: Paul Ricoeur, Lectures III: Aux frontières de

la philosophie , la couleur des idées (Paris: Ed. du Seuil, 1994), p. 219. (5) Paul Ricoeur,  De l’interprétation: Essai sur Freud (Paris: Ed. du Seuil, [s. d.]), p. 49.

(((البيوتيقا: هي المجال المعرفي الذي يتناول المسؤولية الإيتيقية عن إدارة الحياة البيولوجية للإنسان في الأساس في إطار تطور

التقنيات والمعارف.

(7) Peter Kemp, Ethique et medicine , traduit du danois par Else-Marie Jacquet-Tisseau, tierce medicine (Paris: Tierce,

(((بيتر كومب) Kemp Peter) (-1937)، فيلسوف دنماركي، مدير مركز الأخلاق والقانون، وأستاذ الفلسفة بجامعة كوبنهاغن،

.)2004(Le Discours bioéthique) و 1987(Ethique et médecine:وأحد أهم المشتغلين بالبيوتيقا.. أهم كتبه

السحر، لهذه القدرة على الفتنة، لقوة الاجتذاب هذه، في الأوان ذاته أو طورًا فطَورًا، مفعولان أحدهما

طيب والآخر خبيث»، وعلى هذا الأساس تسكن القضايا الإيتيقية المتعلقة بالمرض داخل اللغة الحاملة

لمنظومة العلاج والتطبيب عبر معجم: المرض الخبيث، المرض المزمن، القتل الرحيم، المرض الوراثي.»... تحتاج هذه المنظومة اللغوية، المبنية إيتيقيًا، إلى قراءة تأويلية، انطلاقًا من اعتبار المرض شرًا، بما أن «فعل

الشر هو فعل إيلامالآخر »، فحالة المرض تُثل مفارقة رمزية على المستوى الوجودي، إذ إن المريض

يكون لديه الانطباع بأنه في علاقة غير متجانسة مع جسده، وكأن هذا الجسد عبء عليه يجره وراءه، فهو

يعوقه ويمنعه من أن يصبح هو نفسه، وأن يحقق ما يطمح إليه عندما يتخيل ما يمكنه فعله في حال كان

سليمً، وهنا تكون المعاناة مضاعفة، فهو لا يعاني فقط بل يعاني المعاناة أيضًا، «فالسعادة ليست مناقضة

للمعاناة». المرض كينونة أنطولوجية تتخذ أبعادًا فوق- طبية، حيث «يُس المريض بأن جسده هو جسد آخر، ويرى

الآخرون مرضه»، ولذلك تشكل المسافة الوجودية بين المريض وجسده مكانًا لتكاثف رموز الشر

وفقدان الإرادة، الشعور بالاغتراب..، ولذلك قال إبيكتيت: «توجد أشياء تابعة لنا، وأخرى غير تابعة

لنا، أمّا التي هي تابعة لنا، فهي أحكامنا وتوجهاتنا ورغباتنا، وبكلمة واحدة كل فعل نابع من أنفسنا،

وأمّا التي ليست تابعة لنا فهي الجسد، التكاليف العامة، السمعة.. وبكلمة واحدة كل ما ليس بفعل لذاتنا.

وما يتبع لنا، هو في طبيعته حر، بلا عائق، أمّا ما لا يتبع لنا فهو غير متناسق، عبد، غريب، مكبّل».

ويريد الطب تعديل تلك المسافة، من خلال الوسائل العلاجية الصيدلانية، بأن يعيد الانسجام والتناسق

بين الجسد والذات بالقضاء على المرض، المرض بوصفه غريبًا ودخيلً على الحياة ولكنه حياة أخرى أيضًا؛

ففي اللغة اليومية لا يقول المريض «لديّ مرض» بل يقول « أنا مريض»، وهذا يعني أنه تحوّل إلى عمق

وجوده، وكأن المرض غيَّ هويتنا إلى هوية أخرى إلى وجود مختلف.

عقلنة الحياة الإيتيقية للمرض

«إن الطب لا يفهم المرض»، تدلّ هذه العبارة، هرمينوطيقيًا، على أن الطب لا يستطيع إيجاد «المكان الخفي

للصحة» بحسب تعبير غادمير (Gadamer)، وهو المكان الكامن وراء المرض، إذ يستطيع الطب أن

يشخّص طبيعة المرض ولكنه لا يستطيع أن يصف لنا ما هي الصحة، وفي هذا السياق يمكن أن نضع

(((جاك دريدا، صيدلية أفلاطون، ترجمة كاظم جهاد (تونس: دار الجنوب للنشر، 1998)، ص.22-21

((1(يمكننا أن نلاحظ أيضًا أن في كلمة Maladie (مرض) تظهر كلمة Mal (شر) وإنْ ليست مشتقة منها كما هي الحال في كلمات

aise Mal أو faisance Mal... (11) Ricoeur, Lectures III, p. 230. (12) Kemp, p. 64. (13) Henri Ey, Naissance de la medicine , eo defuncto, recognovit, notas et indicem adjecit H. Maurel (Paris; New York; Barcelone: Masson, 1981), p. 10.

(((1 إبيكتيت أوأبيكتيتوس (Epictète) (50 م- 138 م). فيلسوف رواقي روماني وُل دَ في آسيا الصغرى، وكان عبدًا في شبابه، ثمِ

تحرر وعاش ودرس في روما حتى سنة 89 م. كان يعتقد أنه ينبغي ننشد أن تسير الأمور كما نشتهي، بل ينبغي أن نرضى بها كيفما ألّ

وقعت وعلى أي صورة جاءت. ومن آرائه أيضًا أن هنالك عناية إلهية حكيمة تحكم كل الأشياء، لذا فإن ما يعدّها البشر مصائب هي في

الحقيقة أجزاء من خطط إلهية لترتيب الأمور للأفضل. وقد اعتقد أن الحمقى فقط ينزعجون من الحوادث التي تخرج عن سيطرتهم،

وأن الرواقي الأصيل يستطيع مواجهة الموت والنكبات بنفس مطمئنة. ولم يكتب شيئًا وإنما نقل أحد تلامذته أريان (Arrien) حكمه

وأفكاره في ما سمي   Manuel.

(15) Epictète, Manuel , trad. François Thurot (Paris: Hachette, 1889), p. 1. (16) Gadamer, p. 113.

مفهوم المرض ضمن دائرة إيتيقية غير خاضعة لسلطة العلم وإكراهاته الإبستيمولوجية، إذ إن «المرض

الطبيعي يُفصح عن استقلاله بأن يُابه العدوانات الصيدلانية بردود فعل انبثاثية تنقل موضع الألم،

ولعلها تفعل ذلك في سبيل تقوية نقاط مقاومته وتعديدها. يدافع المرض الطبيعي عن نفسه، وبإفلاته

على هذا النحو من العوائق الإضافية ومن إمراضية (القدرة على توليد المرض) الفارماكون المضافة على

نحو نافل، يواصل المرض مسيرته». فللمرض حياته وسلوكه الأخلاقي الذي يجب ألّ يتعارض

مع سلوك الطب وآليات العلاج، حيث إن تجربة المرض، بما هي إحساس ومعايشة للمعاناة، هي تجربة

ذاتية وخاصة ولا تخضع للتواصل، لأنه «عندما نعاني، فلا نتعقل المعاناة إلا نادرًا، وعندما نتعقل المعاناة،

فإننا نعاني أقل. إذ يوجد، في الواقع، فرق فاصل بين العقل والمعاناة، إذ لا يكون العقل مختزلً إلّ إذا أنكر

المعاناة»، فالمعاناة هي التجلي غير العقلاني للعقل حين المرض، ومن ثمة يبتعد العقل عن جوهره،

معلقًا (épochè) العمل بمبادئه، حتى الشفاء، ولكنه يرجع إلى عمق الوجود الذي تتأسس عليه حالة

المرض؛ فعندما يحس المريض بأنه ضحية اللاعدالة (من منظور الذات وليس الجسد)، فذلك لأنه لا

يبحث عن أسباب مرضه فقط بل يريد أن يجدها، يريد أن يعرف لماذا سقطت عليه مصيبة المرض بينما لم

يفعل شيئًا يستحق عليه ذلك. إن هذا يعني أن المعاناة لا تتولد من المرض فقط بل أيضًا من الأحكام الأخلاقية التي نُسقطها عليه، أي في

عملية تعقّله الواعية، «فما يجعل الناس مضطربين، ليست الأشياء، بل الأحكام التي نحملها عن الأشياء،

فالموت ليس مرعبًا، بل الحكم بأن الموت مرعب هو المرعب»، والمرض، كذلك، ليس شرًا في ذاته، بل

الحكم الذي نصدره حول المرض بأنه شرٌّ نزل بنا أو أنه خبيث وعدائي..، هذا الحكم ذاته هو الشر.

إن المقاربة الفلسفية للمرض تقوم على تأويل المعنى المزدوج الذي يوّلده تعقّل المعاناة بالنسبة إلى المريض،

أي في تلك الدائرة بين المرض بوصفه معاناة للجسد، بما أنه صادر عن طبيعة المريض نفسه، والعقل

بوصفه المكان الذي تتحول فيه المعاناة إلى سعادة، حيث «إذا لم يكن لك نفور إلّ ممّا هو مناقض للطبيعة فيما

هو تابع لك، فلن تسقط في أيّ ممّا تنفر منه، لكن إذا كان لك نفور من المرض، الموت، أو الفقر، فستكون

حزينًا»، فتعقّل المرض، إذن، ليس بغرض تجاوزه أو التقليل من المعاناة التي يسببها فقط، بل الغرض،

أيضًا، تحويله إلى مصدر للسعادة، سعادة معيشة كتجربة عقلانية وجسدية، كآخرٍ نربط معه علاقة وفي

تلك العلاقة تتجلى الذات لذاتها عبر المسافة التي يوفرها الشعور بألم المرض ومعاناته، «فالمرض تعاسة

بالنسبة إلى الجسد، ولكنه ليس تعاسة بالنسبة إلى الإرادة، إذا كان لا يريد. فأن يكون المرء أعرج فهو كدر

بالنسبة إلى الركبة وليس للإرادة، قُل الشيء نفسه عند كل حادث وستجد أنه كدرٌ بالنسبة إلى شيء آخر

وليس لك».

(((1 دريدا، ص.55

((1(فلربما إن قلنا أمام مريض بالسرطان إنه مرض خبيث، فيزداد المرض فتك ا وعدوانية لأنه - المرض- يرفض هذا الوصف، فيقوم

بردة فعل سلوكية على التوصيف اللاأخلاقي بالنسبة إليه، وإن كان هذا افتراضًا، فإن بعض التجارب العلمية اليوم تؤكد أن شكل

بلورات الماء يتغير عند الحديث بكلام سيئ وآخر طيب، فيأخذ شكل قبيحًا عند الأول وشكلً حسنًا عند الثاني، وهذا يدل على أن

الكائنات غير الحية لها حياتها الأخلاقية فما بالنا بالكائنات الحية كالفيروسات والمكروبات...

(19) Bertrand Vergely, La Souffrance: Recherche du sens perdu , Folio. Essais; 311 ([Paris]: Gallimard, 1997), p. 28. (20) Epictète, p. 4.

(((2 المصدر نفسه، ص.3

(((2 المصدر نفسه، ص.6

إن هذا التأويل الذي يقدمه إبيكتيت بشأن المرض يطرح تناقضًا على المستوى المنطقي في الفصل غير المبرر

بين الجسد والإرادة (كوظيفة عقلانية)، ولكنه يقدّم حلً إيتيقيا لتعقل المرض، بجعله يسكن خارجًا في آخرٍ

ليس هو نحنْ، أي باتخاذ مسافة هرمينوطيقية (Distanciation herméneutique) بين الكائن العقلاني

والمرض اللاعقلاني ليتمكن من فهمه وتأويله، ومن ثمة إخراجه من دائرة الشر المفرغة إلى دائرة التعقل

العملي، أي بجعل تجربة المرض خاضعة لمنطق السعادة- في- الزمن، لأن تعقل الزمن الإيتيقي للمرض

يسمح بتوليد السعادة منه. ولذلك، رأى أبيقور أن «الأمراض المزمنة تسمح للجسم بالشعور باللذة أكثر

من الألم»، وهو بالضبط ما نقصده بالقول: أن نضع أنفسنا في-علاقة- مع المرض، وهي العلاقة التي

تسمح بتأويله وليس القضاء عليه، حيث لا يمكن ذلك، «فالكائن الحيّ متناه ومرضه أيضًا: وبالتالي ففي

مقدوره أن يتمتع عبر داء الحساسية بعلاقة بما يشكل له الطرف الآخر، وأن أمدَهُ محدود، أن الموت

مسجَلٌ من قبل، وموصوفٌ (كما نقول عن الدواء) في بنيته.. إن خلود الكائن الحي وكماله يقومان في عدم

تمتعه بعلاقة مع أي خارج»؛ فعقلنة المرض تمرُّ عبر أخلقته، أي بإعادة التأمل في الوساطة التي ينشئها

المرض بين المريض وجسده وتحصيل السعادة في تلك العلاقة، وهذا ليس مضادًا لعمل الطب لأن مهمة

الطب هي العلاج لا الشفاء، ومن ثمة فإن الحُكم على المرض يكمن في الإحساس به، «إذ يكمن كل خير

وكل شر في الإحساس»، فمن خلال عبارة أبيقور هاته، نستطيع القول بأنه منذ الأخلاق الرواقية

يوجد توجهٌ فلسفي لإنجاز مهَمة جعل الناس تعيش بشكل أفضل، وخصوصًا الاستيعاب العقلاني

لحوادث وجودنا التي نتصورها تراجيدية.

إيتيقا الطب والعقد الأخلاقي

«إن الشر يُصنع في المخابر». يمكننا جعل هذه العبارة عنوانًا لعصر الطب المعاصر الذي يمثل نهاية الطب

بالمعنى الأخلاقي، حيث يُصنع المرض ويُصنع معه لقاحه ومصله وعلاجه..؛ فالأمراض الناتجة من

التعديلات الوراثية على المنتجات الزراعية وتلك الناتجة من الإضافات الكيميائية وحتى تلك التي تسمّى

آثارًا جانبية للكثير من الأدوية أو الأخرى التي يُولدها قلق العصر من اضطرابات ذهنية ونفسية وحالات

عصبية أو أمراض العمل.. كل ذلك ليس من إنتاج الطبيعة بل هو من إنتاج إيتيقي لمنظومة الطب المعاصرة

بما أن هذا الطب يجعل من تلك الأمراض وقودًا لتحريك الأطروحات العلمية التي تدّعي الموضوعية. بناء عليه، تحوّل المرض من كونه فسادًا للطبيعة (بالمعنى الأرسطي) إلى مشكل إيتيقي بامتياز، في سياق

اجتماعي واقتصادي تُعتبر فيه مهنة الطب مهنة تجارية أكثر منها مَهمة إنسانية، إذ يمكن للطبيب أن يحوّل

علاجًا دوائيًا بسيطًا إلى عملية جراحية معقدة ومكلفة، بمجرد أنه يملك سلطة «القرار العلمي» فقط،

ويمكنه أن يتلاعب بالمريض والمرض معًا بحسب التكلفة، أمام مريض عاجز عن اتخاذ القرار لأنه

يستشعر ضعف وجوده الإنساني المسجون في جسد غير مراقب، جسد حاضر ولكنه فاقد لقوته، ولذلك

((2(«رسالة إلى مينيسي» (Ménécée à Lettres)، في: أبيقور: الرسائل والحكم، دراسة وترجمة جلال الدين سعيد (تونس: الدار

العربية للكتاب، [د. ت.])، ص.209

(((2 يرى دريدا أن «المرض الطبيعي للكائن الحي محدد في جوهره ك: حساسية Allergie، أي كردة فعل على عدوان عنصر غريب.

ومن الضروري أن يكون المفهوم الأكثر عمومية للمرض متمثلً في الحساسية، ما دام على الحياة الطبيعية للجسم ألّ تمتثل إلا

لحركاته الخاصة وداخلية النشوء»، انظر: دريدا، ص.55

(((2 المصدر نفسه، ص.56-55

(((2 أبيقور: الرسائل والحكم، ص.204

حذّر أبو بكر الرازي بقوله «إعلم أنه من أصعب الأشياء على الطبيب: خدمة الأمراء، ومعالجة المترفين

والنساء.. وإذا توسم بخدمة الملوك ربما صار بخدمتهم أميرًا لاسيما إذا كان الملك عاميًا»، فالطبيب

كائن أخلاقي كذلك، غير أن للمرض كينونته التي لا تخضع للعلاج فقط، إنها كينونة تمتلك قرارها بذاتها

وبإمكانها التملّص والانفلات من قبضة الطبيب بمجرد خطأ أخلاقي، ومنه أمكننا وصف الطب بالفن،

«الطب هو فن، حيث يُكلَّف الطبيب بالإمساك بالمرض، ويأخذ هذا الإمساك معنى مزدوجًا، فهو عنف

بالنسبة إلى المرض وهو نجاة بالنسبة إلى المريض». غير أن ردّة فعل المرض على العنف الممارَس عليه (في

سياق أخلاق الطبيب) تؤول إلى حالة التعاسة لدى المريض، لأن العنف الممارَس ناتج من المعرفة الطبية لا

من الحكمة الطبية، والحكمة هنا هي وضع المعرفة الطبية في سياق أخلاقي للجسد، كأن يروّضه الطبيب

على التعامل مع الدواء والاستجابة له (يظهر ذلك جليًا في عملية نقل الأعضاء وكيف يرفضجسد ما

عضو جسد آخر). فالاختيارات الدوائية هنا هي خيارات أخلاقية كذلك، ولذلك نجد الكثير من الأطباء

يلجأون إلى وصف المضادات الحيوية في المقام الأول كعنف ممارَس على المرض، مع علمهم بالأضرار التي

تسببها المضادات الحيوية من قتل للبكتيريا النافعة وغيرها.. لماذا يختلف علاج المرض نفسه من شخص إلى آخر؟ فقد يستجيب مريض لعلاج ما بينما لا يستجيب آخر

للعلاج نفسه!إن هذا يدل على ارتباط المرض بجسد صاحبه من جهة وعلى ذاتية المرض ممّا لا يسمح

بتعميم العلاج. فالمرض إذن، كينونة إيتيقية مخصوصة وليس هدفًا طبيّا فقط، كما يمتلك كل جسد قدرته

الخاصة والكامنة على شفاء نفسه (في ما نسمّيه المناعة مثلً)، إذ «يُزعج الفارماكون (العلاج الصيدلاني)

الحياة الطبيعية، لا الحياة عندما لا يمسّها أي مرض فحسب، بل حتى الحياة المريضة، أو بالأحرى حياة

المرض. ذلك أن أفلاطون يعتقد بالحياة الطبيعية والنمو العادي للمرض، إذا جاز القول..، نتذكر أن

محاورة «الطيماوس» تشبّه المرض الطبيعي بجسم حي ينبغي أن ندعه ينمو بحسب معاييره وأشكاله

الخاصة، وبمقتضى إيقاعاته وتمفصلاته المتمايزة». إن الأمر يتعلق ب «حياةٍ» إذن، على اختلاف طبيعتها:

حياة مع الصحة، حياة مع المرض، أو حياة المرض. ولمّا كانت هذه الحياة مهددة أخلاقيًا بواسطة أشكال

سلطوية للطب والطبيب، فإن الحكم الإيتيقي لا يصبح ذا قيمة فلسفية إلّ إذا تَثّل الممارسة الطبية بوصفها

تجربة إنسانية أكثر منها عملية تقنية بحتة، لأن قرار الطبيب ببتر ساق المريض أو استئصال عضو من

أعضائه أو تشويه جسده جراحيًا..، هو قرار يحتمل التأويل، لأنه يقع بين خيارين أساسيين، أحدهما

للمريض إذا ما أمكنه التعايش (الحياة) مع مرضه من دون أن يفقد من جسده شيئًا والآخر للطبيب إذا ما

رأى أن قراراته «المؤلمة» هي لرفع المعاناة عن المريض والتخفيف من ألمه. إن جوهر العلاقة بين المريض وطبيبه وبين المريض ومرضه هو «تحصيل السعادة» (بالمعنى الذي قدّمه

الفارابي في مؤلفه الذي يحمل العنوان نفسه)، ومفهوم السعادة هنا يمكن إسقاطه على مفهوم اللذة، حيث

«اللذة التي نقصدها هي التي تتميز بانعدام الألم في الجسم والاضطراب في النفس»، فليس انعدام الألم

في الجسم وحده هو ما يمنح الشعور بالسعادة أو اللذة، بل إن منع حدوث الاضطراب في النفس لدى

((2(أبو بكر محمد بن زكريا الرازي، أخلاق الطبيب، تقديم وتحقيق عبد اللطيف محمد العبد (القاهرة: مكتبة دار التراث، 1977)،

ص.17

(28) Ey, p. 10.

(((2 دريدا، ص.53

((3(أبيقور: الرسائل والحكم، ص.206

المريض هو أيضًا مصدر سعادته، فقد يكون للمريض ألم ومعاناة من إفشاء سرّ مرضه لدى الناس أكثر من

معاناته وألمه من المرض نفسه. لذلك، يوصي أبو بكر الرازي تلامذته من الأطباء بقوله: «واعلم يا بني أنه ينبغي للطبيب أن يكون رفيقًا

بالناس، حافظًا لغيبهم كتومًا لأسرارهم، لا سيما أسرار مخدومه، فإنه ربما يكون ببعض الناس من المرض

ما يكتمه من أخص الناس به». فالعلاج، إذن، مبنيّ على قاعدة أخلاقية مهمة هي «الاتفاق» (بين

الطبيب والمريض من جهة والمريض وجسده من جهة أخرى)، فقد يوقّع المريض عقد إجراء العملية

الجراحية ولكنه قد لا يوافق على «العقد الأخلاقي» بينه وبين الطبيب، وعندئذ نحن أمام سؤال صعب:

مَن يقرّر أين تكمن سعادة المريض؟

وصية المريض إيتيقيًا

عندما يستشعر المريض قربه من الموت، يكتب وصيته أو يلفظها، ويُفهَم، في الغالب، أن الشعور بالموت

يدفع إلى قول أشياء لم يكن في الإمكان الإفصاح عنها في حال الشعور بمزيد من الحياة. وتُفهم الوصية

أيضًا على أنها شكل من أشكال الوداع الأخير فقط، غير أنها حكم أخلاقي خالص، لأنها تندرج في سياق

قول الحقيقة التي لا تخضع لمصلحة أو منفعة، ومن ثمة فإن وصية المريض تمثّل نموذجًا إنسانيًا نادرًا

للحكم الأخلاقي المحض؛ ففي اللحظة الفينومينولوجية للوصية (أي في لحظة اقتراب المريض من ذاته)،

تُولد الرابطة الحقيقية بين المريض ومرضه وعالمه الخاص، وتتجلى أحكامه الأخلاقية المكبوتة تحت وطأة

سلطة الطبيب، ذلك أن الموت ليس تهديدًا للوجود الإنساني، كما كانت تعتقد الفلسفة الوجودية، بل

المرض هو التهديد الحقيقي له، لأنه يجعل المريض يراقب الحياة ولكنه لا يحياها. وعليه ينصح أبيقور:

«تعوَّدْ على اعتبار الموت لا شيء بالنسبة إلينا، فالموت لا يمتُّ إلينا بصلة، وتجعلنا معرفتنا بذلك نقدّر

مباهج هذه الحياة القصيرة حق قدرها، فلا نضيف إليها زمنًا لا محدودًا بقدر ما نجرّدها من الرغبة في

الخلود». هكذا تُعلمنا الحكمة الأبيقورية أن التفكير في الموت يجب أن يرتدّ إلى التفكير في الحياة، حيث

يمثّل المرض اللحظة التي تتخذ فيها الحياة من الموت نقطة مرجعية للرغبة في الحياة وفي حياة أكثر سعادة. إن المريض يُوصي لا لأنه يتألم أو يعاني، بل لأنه سيتخلص من كل ألم ومعاناة وإلى الأبد، وتلك مفارقة

الموت. وفي الوصية نقرأ الآلام الأخلاقية أكثر من الآلام الجسدية، وهو ما يثبت أن الأحكام الأخلاقية

(((3 الرازي، ص.27

((3(أبيقور: الرسائل والحكم، ص.204

((3(نشرت جريدة الشروق اليومي (الجزائر) بتاريخ 2012/5/8، مقال بعنوان: «اتهمت طبيبتها ‹البروفسور› بقتلها بمركز بيار

ماري كوري: طفلة تكتب وصية قبل وفاتها بمرض السرطان »، مع صورة مرفقة للطفلة وهي ترقد في سريرها بالمستشفى. يقول

المقال: «سأرحل قريبًا عن هذه الدنيا وكل ما سأتركه سيكون طاهرًا ونقيًا، رسمتُ في نفوس الكثيرين المعنى الحقيقي للشجاعة

والأمل والصبر، بعدما صارعت مرض السرطان بابتسامة وتفاؤل كبير، موتي لن يكون بسبب هذا المرض الذي صبر عليّ ومنحني

10 سنوات لأتحداه، لكن وفاتي سببها استهتار الأطباء في العاصمة، الذين حكموا بموتي عندما كان عمري ثلاث سنوات، سأترك

قصتي ووصيتي ليس تقليبًا للمواجع ولكن لإنقاذ مئات الأطفال الذين لا أحب أن يموتوا مثلي.»

هذه العبارات التي تتفطر لها القلوب، هي مقدمة لوصية تركتها الطفلة وردة، 13 سنة من ولاية المسيلة، قبل وفاتها بأيام، بعد معاناة

وصراع طويل مع قسوة الأطباء التي فاقت قسوة المرض الخبيث. هذه الوصية أثارت صدمة وذهول كل من عرف الضحية، وهو

ما تسبب في إضراب جميع تلاميذ المدرسة التي كانت تدرس فيها وردة، خاصة أن معدلها لم ينزل قط عن 18 من 20. وتضيف

وردة في وصيتها قائلة: «بدأت قصتي مع السرطان وعمري لم يتجاوز ثلاث سنوات، أين شك ل المرض فاجعة أليمة أصابت عائلتي

التي سارعت إلى أخذي للعلاج في أكبر مستشفى الجزائر، مصطفى باشا، وبالذات إلى مصلحة بيار ماري كوري، تحت إشراف

طبيبة ‹بروفسور›. وكالعادة ألقت البروفيسور حكمها المسبق والنهائي على حالتي، وحكمت عليّ بالموت رغم أن المرض كان في

بداياته متمركزًا في العظم الأيمن من الوجه، وبدل إجراء العملية التي من المفروض إجراؤها لي منذ إصابتي بالمرض ‹كما أخبرتني =

لدى المريض أقوى من الأحكام الطبيّة، فإذا كان الطب لا يستطيع علاج الموت فلأن الموت مرض أقوى

من الطبيعة التي تتأسس عليها الحياة والعلم معًا، وهذا يُذكّر المريض أيضًا بنهائية مرضه في الزمن وهو

البُعد الأنطولوجي المفقود دائمً في العلاقة بين المريض ومرضه والمختزل في اللحظة التي ينتظر فيها الشفاء.

لماذا يكتب المريض وصيته إلى أناس لن يعيش معهم؟ ولن يرى تفاعلهم مع وصيته؟ قد تكون الوصية

تشبثًا بالحياة وتعلقًا بنهائيتها، ولكنها أيضًا منظومة من الأحكام الإيتيقية على الحياة بما أنها تنقل تجربة

ذاتية لا مع المرض فحسب بل مع العلاج كذلك، مع الطب والطبيب. وتتجلى شفافية هذه التجربة في

أسلوب الوصية الذي هو ترجمة للإصغاء الأخير إلى «المرض الصامت»، «فالإصغاء إلى ما ليس له صوت

يتطلب سمعًا يمتلكه كل واحد منّا ولكنه لا يعرف كيف يستغله، هذا السمع (gehör) لا يتوقف فقط

على الأذن ولكن على انتماء (zugehörigkeit (الإنسان إلى ما ترتبط به كينونته»، فالمرض في حاجة إلى

إصغاء قبل المريض، المرض خطاب الجسد الذي لا يُسمع، بتعبير هايدغر، وبالتالي فإن الوصية خطاب

المرض المسموع. لقد ظهر، بعد هذا التحليل، أن مسألة المرض هي إشكالية إيتيقية، ولكن الفلسفة الأخلاقية القائمة على

تحليل مشكلة الشر ظلت تهيمن على الخطابات الإيتيقية؛ فمنذ أوغسطين، جرى تمثّل مفهوم الشر كشر

معنوي، أي كخطيئة، حيث تغيب رابطة الانتماء الحقيقي وراء مفهوم المسؤولية، المسؤولية عن فعل الشر،

أختي الكبرى التي تدرس في كلية الطب›، اكتفت الطبيبة بإخضاعي إلى علاج كيميائي طويل المدى وقوي بالنسبة لطفلة صغيرة

مثلي لازالت بنيتها هشة لا تحتمل مثل هذا العلاج، إلى جانب سوء المعاملة التي حظيت بها أنا وعائلتي المغلوب على أمرها. كان

المرض ينخر جسدي على الرغم من سير العلاج الذي لم يكن ذا فائدة، بل هيج عظامي ليظهر سرطان من نوع آخر وأقوى فكانت

ثماني سنوات من عمري عذابًا لا يستطيع احتماله حتى من هم في ريعان شبابهم، واكتفت الطبيبة الحاملة للقب بروفيسور بصد كل

آمالي وأحلامي بالشفاء والعيش مثل كل الأطفال، ورفضت القيام بأي مجهود يذكر ضد المرض، نظرت الطبيبة وبكل برودة إلى

عائلتي المجروحة وأكدت قولها السابق بأنه حكم عليّ بالموت منذ الصغر، فلا داعي لفعل أي شيء حتى أنها لم تخصص لي غرفة

في المستشفى، مع العلم أني كنت في حالة يرثى لها، فالمرض وصل إلى عيني اليمنى ونخر كامل فكي، منظري في ذلك الحين لم

يحتمله إلا أصحاب القلوب الميتة، أمّا عائلتي العاجزة عن فعل أي شيء كانت في حيرة من أمرها، كيف لا وأبي وأمي ينظران إلى

فلذة كبدهما تتألم وتتعذب وتموت من دون المقدرة على فعل شيء، وينظران في نفس الوقت إلى رد فعل الطبيبة التي من المفروض

أن تكون المنقذ والشافي والمواسي لصغيرتهما، لكن أملي بقي موجودًا وما لم تستطع عليه الطبيبة بعنادها سيستطيع عليه غيرها من

ذوي القلوب الرحيمة. وبالفعل وبعد إغلاق جميع الأبواب، قررت عائلتي أن تعالجني خارج الوطن في فرنسا، ولكن بعد بيع كل

ممتلكاتها، ولكن لم يقتصر الأمر عند هذا الحد، فقد وقفت الطبيبة عقبة في طريقهم ولم تمض تنازل عن حالتي إلّ بعد طول جهد

ومدة كانت ثمينة جدًا بالنسبة لحالتي، اتجهت إلى الخارج أين تلقيت كل الاهتمام اللازم، فصعق الأطباء من حالتي وكيفية سير

علاجي في الجزائر، فحضروني في وقت قياسي لعملية كانت من أنجح العمليات بنسبة 99 بالمائة، وبقي تساؤلهم عن الأسباب

التي أدت بالأطباء الجزائريين لترك حالتي تتدهور إلى ذلك الحد. وبعد العملية رجعت مع توصيات الأطباء بالقيام بعلاج كيمياوي

الذي يُعَدّ إجباريًا بعد كل عملية نزع لورم سرطاني، واتجهت إلى مستشفى مصطفى باشا، وإلى طبيبتي من جديد، وبالرغم من اتصال

الأطباء الأجانب بها لتأكيد علاجي بالطريقة الصحيحة وبالمعايير المناسبة، إلّ أن طبيبتي رفضت ذلك واكتفت بإرسالي إلى المنزل،

فدفعت مرة ثانية ثمن عناد وجهل طبيبتي ‹البروفسور›، فبدأت الخلايا الميكروسكوبية التي بقيت بالتكاثر ليتولد سرطان أشد فتك ا

فتدهورت حالتي، لألجأ إلى المستشفى الذي طردت منه بطريقة مهينة ودرجة حرارتي ذلك اليوم تعدت 42 درجة، ودموعي اختلطت

بالدماء، فتساءلت فكيف لك يا طبيبتي أن تكوني بهذه القسوة، فقبل أن تكوني طبيبة أو بروفيسور فأنت امرأة بقلب المفروض أن يكون

حنونًا، فهذه الكلمات لا أظن أنها ستجد مكانًا في قلبها المغشي عليه، سأرحل قريبًا لأني لم أعد أقوى على تحمل الألم الذي حصد

كل قوتي وروحي، سأرحل ولن أسامح أبدًا الطبيبة التي قتلتني، سأنتظرها هناك في عدالة الله التي لا يظلم عندها أحد، ويومها سيسأل

الله الطبيبة بأي ذنب قتلت وردة.»..

فارقت وردة الحياة بعد ثلاثة أيام من كتابتها هذه الوصية على فراش الموت، وسط ذهول وصدمة أهلها وجيرانها وأصدقائها الذين

صعقوا لرحيل وردة التي شكلت لهم قصة شجاعة وصبر منقطع النظير، وفضلت الشروقنشر وصية وردة، مثلما أرادت أن تكون علنًا

لإنقاذ الكثيرات من أمثال وردة اللواتي يمتن كل يوم في صمت بسبب أطباء تحولوا إلى قتلة.

(34) Martin Heidegger, Le Principe de raison , traduit de l’allemand par André Préau; préf. de Jean Beaufret (Paris: Gallimard, 1962), p. 129.

غير أن إيتيقا المرض تضع رابطة الانتماء الأنطولوجي في صلب التفكير. وإن أمكننا القياس على أسئلة

الشر، فإنه يمكننا القول إن السؤال: من أين أتى المرض؟ ليس له أهمية بقدر السؤال: من أين أتى فعل

الإمراض؟ والفعل هنا يتجلى في بُعده الإيتيقي أكثر ممّا يتجلى في بُعده الطبيعي، فعندما يمرض الجسد فإنه

يريد أن يقول شيئًا عن كينونته، لا يريد علاجًا فقط بل يريد أُذنًا صاغية تَعي حياته الداخلية.

خاتمة

لقد شكّل المرض فضيحة إيتيقية للطب المعاصر تتجلى من خلال المفارقة القائمة بين تطور العلم والطب

من جهة وتعاظم قوة المرض وتعقده وانتشاره من جهة أخرى (كظهور أنواع من السرطانات غير المعروفة،

وانتشار الفيروسات المعقدة البنية...). وانعكس حلّ هذه المفارقة في ظاهرة العودة إلى العلاج الطبيعي

(الطب البديل) في مقابل الطب التقني (أو الكيميائي) كمؤشر على أن المقاربة ذات الأولوية للمرض هي

المقاربة الإيتيقية المتجلية في العلاقة الحميمة بين الطبيعة (الأعشاب..) والخلل في الطبيعة (المرض.) إن الرؤية الإيتيقية للمرض تدفع إلى إعادة النظر في التصور العقلاني للطب من خلال قراءة أبعاده في

الحياة اليومية قراءة هرمينوطيقية، أي تلك القراءة التي تعيد فهم الطب ضمن سياقه اللغوي الذي تنتجه

النصوص العلمية حول المرض والحدود العلاجية التي يرسمها العقل الطبي حوله. في حياة الإنسان العربي، المرضُ هو جزء من منظومة التصورات اللاعقلانية عن الجسد، أي في ما يمكن

أن نسمّيه «ثقافة المرض» الغائبة، وهو يعكس الحالة المرَضية العامة للحضارة العربية اليوم، مع أن التاريخ

العربي الإسلامي يُذكّرنا بأنه اجتمعتْ في شخصية ابن سينا (مثلً) الفلسفة والطب في وحدة عقلانية

مثيرة للاهتمام، من خلال نظريته في النفس من جهة ومعرفته في الطب من جهة أخرى (كتاب الشفاء،

القانون في الطب...)، وهذا ما يشير إلى أن جزءًا من حل مشكلة المرض لدى الإنسان العربي هو عقلنة

تصوراته الإيتيقية عن المرض والجسد، أي بإعادة توجيهه نحو فهم مختلف للعلاقة التي تربطه بالمرض

بوصف هذا الفهم نفسه جزءًا من العلاج.

يمكن، إذن، أن نَصِفَ الفلسفة نفسها كعلاج في مرض الإنسان العربي، في صورة تأويل العلاقة بين

المرض والإنسان من خلال الحوار الذي يُدير هذه العلاقة في ثنائية السؤال والجواب، أي في إعادة بناء

الممارسة الطبية العلاجية في الوطن العربي وفق المنظومة الإيتيقية التي تُنتجها الحياة اليومية للإنسان العربي

ونمط عيشه وتجاربه النفسية، والتي تنعكس كلها في خطاب الجسد المريض وفي الأصوات التي يعبّ فيها

عن حياة داخلية للشرور والآلام والتطلعات والآفاق التي تختزنها ذات المريض. إن الإنسان العربي أكثر استعدادًا للمرض لأنه أقل تطلعًا إلى الحياة، ومنه تُراقب الذاتُ العربية الحياة

من داخل جسد ضعيف ومنهك تعبيرًا عن ذاتٍ أقل تأثيرًا في حال الصحة. ولفهم خصوصية المرض في

حياة الإنسان العربي، يجب أن نفهم السلطة الأخلاقية المطلقة للطبيب العربي في اتخاذ القرارات العلاجية

(الدوائية أو الجراحية..) من دون الدخول في حوار أو نقاش مع المريض حول نسبة النجاح أو استعداد

المريض وخياراته النفسية الممكنة لحالته المرضية؛ إذ تستمد سلطة الطبيب تلكْ قوتّها من التزام حالة

الصمت تجاه المريض بينما يبدأ العلاج في حالة الحوار التي يتجسد فيها خطاب المرض كخطاب للذات.

((3(تقول الحكمة الأبيقورية: «كل خطاب فلسفي لا يعالج أي مرض إنساني هو خطاب فارغ». انظر:

André-Jean Voelke, La Philosophie comme thérapie de l’âme: Etudes de philosophie hellénistique, Vestigia; 12 (Fribourg, Suisse: Editions universitaires; Paris: Editions du Cerf, 1993).