زياد منى كُتُب.. كُتُب.. كُتُب
Book Features
الملخّص
يعمد الباحث زياد منى تقديم مراجعات لكتب مهمة هي : ما الفن ؟ لمؤلفه آرثر سي دنتو ، و مراجعة لكتاب بيكاسو والحقيقة - من التكعيبية إلى غورنيكا لمؤلفه تيموثي جيمس كلارك ، و مراجعة ثالثة لكتاب : كيف تقرأ الأدب لمؤلفه الكاتب : تيري إيغلتون، و مراجعة رابعة لكتاب : نيكّولو مكيافِلِّ: سيرة فكرية ، للكاتب : رالف غيُغ رُيْث.
Abstract
Researcher Ziad Mona reviews important books such as: What Art Is? by Arthur C. Dantu; Picasso and the Truth: from Cubism to Guernica by Timothy James Clark; How to Read Literature by Terry Eagleton, Niccolo Machiavelli: An Intellectual Biography [Italian] by Corrado Vivanti and translated into English by Simon MacMichael.
- الرؤية
- الفكر الفلسفي
- براديغم
- العلوم الانسانية
- العالم
- Picasso
- Art
- Intellectual Biography.
الكتاب: ما الفن؟ العنوان الأصلي: What Art is? الكاتب: آرثر سي دنتو مكان النشر: نيو هافن تاريخ النشر 2013: الناشر: دار نشر جامعة ييل عدد الصفحات 174:
من المشكلات العديدة التي تواجه عرضنا هذا عدم توافر لغة عربية مرجعية متخصصة بالفن، كما في مجالات أخرى من العلوم الإنسانية؛ فهذا الكتاب يبحث أيضًا في أبعاد الفن الفلسفية ولغتنا العربية، أو لنقُل إن القائمين عليها لم يتمكنوا، إلى الآن[؟]، من وضع مصطلحات موحَّدة لها معتمدة في البلاد العربية كلها. مع ذلك، يبقى هذا الكتاب مهمً لأسباب سنسردها في سياق هذا العرض. المؤلف الأميركي آرثر دنتو، الذي رحل عن هذا العالم قبيل أشهر قليلة، كان أستاذ الفلسفة في جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الأميركية، عمل أيضًا ناقدًا فنيًا، وأصدر مؤلفات كثيرة في الفن وامتداداته. يقدّم دنتو في هذا المؤلَّف، الواسع الموضوع لكنه المتناهي الاختصار، إجابة عن السؤال: ما الفن؟ والقارئ سيعثر على الإجابة الوافية في صفحات الكتاب. في نهاية المؤلَّف، يشرح الكاتب بنية الكتاب المكوَّن من محاضرات، أو بالأحرى من مقالات نشر بعضها من قبل، وأخرى ألقاها محاضرات، لكن بعد إدخال تعديلات على بعضها. وهو يؤكد في عمله أنه ليس مؤرخ فن، غير أن مناقشته أو حججه فلسفية في نهاية المطاف، وهي التي تمنحه أهلية الخوض في غمار هذا الموضوع الذي يتلخص في أن الفن في أيامنا هذه موجود في عصر الفلسفة، وهو يمر بمرحلة انتقالية مرتبطة
بالعقد الذي نجد أنفسنا فيه. المقصود أن النظرة الفلسفية إلى الفن، كونها تقليدًا وجمالً وشكل وتكوينًا، ومذاقًا أضحت ثانوية من منظور السؤال الأساس، أي السؤال الوجودي: ما الفن، وكيف يكون ذلك؟ يعمل دنتو على شق طريق فهمه للفن عبر التعامل مع أعمال فنية مختلفة وفي مقدمتها علبة البْ لِّو التي نفذها الفنان الراحل آندي وارهول. نتابع تعامل الكاتب مع هذا العمل الفني الذي خصص له فصلً كاملً بالقول: إن علبة البرلو التي صمّمها فنان غير شهير اسمه جيمس هارفي موجودة في العالم، أو ربما من الأفضل القول: موجودة في الحياة. لوحة آندي وارهول هي أيضًا موجودة في الحياة، أو، إن شئنا، في العالم، لكنها تختلف عن نظيرتها الأصلية في أنها موجودة في الحياة الفنية أو في عالم الفن. هذه المقاربة تأتي في مجال مناقشة أفلاطون وأفكاره عن الفن الذي عدّه تقليدًا ليس غير، لذا رأى أنه غير مهم. وقد كان أفلاطون، كما يشدد مؤلف الكتاب، مهتمً بإقامة عالمه المثالي، الفاضل، أي: الجمهورية، لذا نظر إلى الفن من زاوية فائدته المادية أو المعنوية المباشرة، وهو ما دفعه إلى اعتباره عديم المنفعة، إلى حد كبير. الفن، من منظوره، تقليد يمكن للمرء الحصول عليه من خلال النظر في المرآة! ودنتو يرى أن هذا صحيح، إلى حد ما، وأنه توقف عن كونه تقليدًا في مرحلة الحداثة. الفن، هنا، يحافظ على الصور، وهو ما لا تقدر المرآة عليه! يخوض الكاتب، عبر مجموعة المقالات هذه، في المادة من خلال نظرة وارهول إلى الفن، مرورًا بكل من ديسقراط وكانط وبيرس وهيغل. وقد خصص المؤلف الفصل الأولللحديث في تاريخ الفن بأسلوب سلس بعيد عن الاضطرابات التي تسود أعمال أخرى تصدت للموضوع بالبحث، لكن المؤلف ينفي أن يكون هذا الفصل تأريخًا للفن. وخصصالفصل الثانيلعلبة البرلو هذه التي تزين غلاف الكتاب، إضافة إلى لوحة ميكائيل آنجلو، الكنيسة المسماة الكبرى في الفاتيكان، وكذلك أعمال ديسقراط وكانط وغيرهما. الكاتب يناقض في هذا الفصل فكرة أن عالم الفن أو المؤسسة هي التي تحدد الفرق بين علبة البرلو التي صمّمها هارفي وتلك التي شكلت لوحة الفنان وارهول؛ فمن منظوره، إن أي عمل فني يحدده معياران هما المعنى والتضمين أو التجسيد، ويضيف إليهما الرائي معيارًا ثالثًا هو التأويل. بهذا، دنتو يرفض الرأي القائل بعدم إمكانية وضع تعريف للفن. والكاتب لا يقارب المادة من منظور جمالي أو، كما قالت العرب قديمً: إسطاطيقي، وإنما من منظور فلسفي. هذا يعني أن فهم الكتاب ومغزاه للمادة يتطلب إلمام القارئ بالمدارس الفلسفية الرئيسة، القياسية أو الكلاسيكية منها والحديثة. أخيرًا، يجيب دنتو عن السؤال بالقول إنه نتاج صنعي عن شيء ما، ويتضمن معناه. في الختام، من البديهي التذكير بأن هذه النظرة إلى الفن والتعريفات والتحليلات المرتبطة بها تمثّل وجهة نظر أوروبية، أو لنقُل غربية، وهي بالتالي ليست ملزمة لجميع المدارس الفنية في العالم. لكن هذه الحقيقة لا تُفقد الكتاب أهميته أو حتى لا تنتقص منها، فنحن على تماس يومي مع الغرب، نتأثر به كما تأثر بنا قديمً، ومن الضروري الاطلاع على آرائه والاستفادة منها على نحو محدد.
الكتاب: بيكاسو والحقيقة - من التكعيبية إلى غورنيكا الكاتب: تيموثي جيمس كلارك مكان النشر: الولايات المتحدة الأميركية تاريخ النشر 2013: الناشر: دار نشر جامعة برنستن عدد الصفحات 234:
هل من الممكن عرض كتاب عن الفن، يحوي أكثر من مئتي مصور للوحات الفنان الإسباني الكبير بيكاسو، من دون النظر في اللوحات موضوع الحديث والبحث؟ أجل، ولكن! الفن، كما نعلم، علم متخصص، والكتاب موجَّه إلى المتخصصين بالدرجة الأولى. لكن احتواءه على هذه العدد من اللوحات، مع شروح لها، يسهل على الشخص المحب للفن، ولفن بيكاسو تحديدًا، اقتناءه. كما أن شرح المؤلف للوحات مثير للاهتمام ومفيد كي نفهم رسالاتها وجوهرها على نحو دقيق، لكن من دون أن نتخلى عن أحاسيسنا وتذوقنا الشخصي. ومن الأمور الإيجابية الأخرى في هذا المؤلف طباعته الأنيقة على ورق مصنفر مخصص لطباعة اللوحات الملونة. الكاتب، مؤرخ الفن وأستاذ تاريخ الفن في جامعة كاليفورنيا بركلي، وصاحب العديد من المؤلفات في المادة، خصص كتابه للحديث في إبداعات بيكاسو في عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته، ضمن ست محاضرات ألقاها في غاليري الفن القومية، على النحو الآتي، يلي عنوان كل منها اللوحة ذات العلاقة: - موضوع (الغرفة الزرقاء، التوليف.) - غرفة (غيتار، مندولين.) - نافذة (فتيات يرقصن قبالة نافذة.) - وحوش (رسام وعارضته.) - نَصْب (نساء قرب البحر.) - جدارية (غورنيكا.) ضمن هذه اللوحات يتطرق الكاتب إلى الموضوعات الآتية: • مكانة فضاء المكان أو الغرفة للفنان بيكاسو. • أهمية هذا في منظومة الفنان الفكرية. • المتغيرات التي حدثت في أعمال بيكاسو عندما أحس بأن الغرفة - الفضاء، المنفصل عن كوارث القرن، أضحى أضيق من استيعاب نظرته إلى العالم. المؤلَّف الذي تشكّله المحاضرات هو متابعة لبحث بيكاسو عن الحقيقة في أعماله الفنية، وتأويل تلك اللوحات، مع أن الأخير اعترض على أي تأويل لأي من أعماله. ويركز المؤلف، في سياق تحليله فن بيكاسو وبحثه عن الحقيقة عبر لوحاته، على ثلاث لوحات شهيرة هي غيتار ومندولين على الطاولة (1924) والراقصات الثلاث (1925) والفنان وعارضته التي رسمها في سنة 1927. من المآخذ التي وجّهها بعض نقاد الفن الغربيين
المعروفين ضيق فضاء لوحات بيكاسو، بيد أن المؤلف ينفي هذا في محاضراته التي ألقاها سنة 2009، مستعينًا باللوحة الأولى التي تعرف ب«الغرفة الزرقاء»؛ فعلى الرغم من فضاء الغرفة المحدود، يرى أنها تُعَدّ عكسًا للإحساس بالحياة وحدودها. وفي يتعلق باللوحة الثانية التي استعان بها الناقد الفني، غرفة (غيتار، مندولين)، يقول الكاتب إنها تجعل المرء يحس بأنه في غرفة. إضافة إلى ذلك، ومع أن الغرفة مليئة بأشياء مختلفة، فإن الناظر يحس بأن الهواء يتخللها وأن الضوء يسطع من نافذة تطل جنوبًا، وهو ما يمنحها فضاءً واسعًا. وعند اللوحة الثالثة، موضوع المحاضرة الثالثة، وعنوانها نافذة وشرحها «فتيات يرقصن قبالة نافذة»، يشدد المؤلف على الفتيات الثلاث وهن يرقصن قبالة نافذة. والتشديد ناجم عن تعرّض اللوحة لسيل لا ينتهي من النقد اللاذع. وهو يشرح أن الفتيات الراقصات يوظفن أجسادهن في الفضاء؛ يضممن الفضاء في أجسادهن فيما هو يقاوم ذلك، إذ هو يغزو أجسادهن ويحدد أشكالها.
الكتاب: كيف تقرأ الأدب الكاتب: تيري إيغلتون مكان النشر: نيو هافن، الولايات المتحدة الأميركية تاريخ النشر 2013: الناشر: دار نشر جامعة ييل عدد الصفحات 216:
مؤلف الكتاب، تيري إيغلتون)T.Eagleton(، أستاذ محاضر في جامعة لانكستر البريطانية في مادة الأدب الإنكليزي، ننهي عرضنا هذا بالالتفات إلى اللوحة الأكثر شهرة، ومحط تحليل الكاتب، أي جدارية غورنيكا. هذا الجدارية التي يبلغ ارتفاعها ثلاثة أمتار ونصف المتر وعرضها نحو ثمانية أمتار، رسمها بابلو بيكاسو في باريس لتخليد مدينة غورنيكا في إقليم الباسك الإسباني، مقر القوات الملكية الثورية، التي قصفها الطيران النازي الألماني والفاشي الإيطالي يوم 26 نيسان/أبريل يؤكد المؤلِّف أمرًا نتفق عليه جميعنا، وهو أن هذه اللوحة الضخمة تعبير عن مدى مآسي الحروب والعذابات الناتجة منها، لكنه يعترف بصعوبة الحديث فيها بما تستحق من إسهاب لأن ذلك يتطلب، في رأيه، مؤلفات عديدة. ويؤكد الناقد الفني أن مادة هذه الجدارية تعبّ على نحو جلي ارتباط بيكاسو، المواط ن، بالعالم، وعدم صحة الآراء التي تحاول النيل منه، حيث إن كثيرًا من الانتقادات التي توجَّه إليه تربط لوحاته وإبداعاته بأسلوب حياته وعلاقاته الشخصية. ويرى الكاتب أن هذا الربط القسري تعسف يراد به النيل من فن بيكاسو وأسلوبه.
ومحاضر في جامعة نتُردام. أصدر أكثر من أربعين مؤلفًا في نظرية الأدب ومابعد الحداثة والعقيدة والدِّين. أشهر مؤلفاته نظرية الأدب: مقدمة الذي
يُعَدّ الأهم في مجاله، إلى يومنا هذا. يكتسب هذا الكتاب أهمية إضافية من منظور كونه موجَّهًا إلى الجمهور العريض لا إلى أهل الاختصاص، وهو مرجع مفيد ومهم لطلاب الأدب. ومع أنه يتعامل مع نصوص صدرت باللغة الإنكليزية، ومرجعيته الأدب بهذه اللغة، فإنه يتناول موضوعات حاضرة فيه على نحو عام. لذا، فإن الأمر الآخر الجدير بلفت الانتباه إليه هو استخدام الكاتب لغة مبسطة وفي الوقت نفسه مثيرة، الأمر الذي يجعل قراءته أمرًا مسليًا ومفيدًا في آن معًا. محتوى المؤلَّف دليل على المواد التي يتعامل الكاتب معها، لكنه لا يلخصه على نحو كامل. ففصول الكتاب الخمسة التي تلي المقدمة، تعالج الافتتاحيات والشخصية والسرد والتأويل والقيمة. إضافة إلى ما سبق، يتناول الكاتب بالبحث قضايا أدبية أخرى متعلقة بقراءة الكتاب وجب أن ينتبه القارئ إليها، ومنها بنية الجملة أو تركيبها والنسيج والتناغم والانسجام والإيقاع والنبرة والتلميحات والغموض، وغير ذلك من مظاهر الأعمال الأدبية. كما ينظر الكاتب في مواضع أخرى ذات صلة، ومنها - على سبيل الذكر - الشخصية والحبكة والسرد والخيال الخلّق ومعنى الحبكة [؟] (fictionality). كما أنه يبحث في مسألة ما يقوله العمل الأدبي وما يُظهره أيضً. ا إن الكتاب يتعامل مع الأدب الإنكليزي والناطق باللغة الإنكليزية، كما أسلفنا القول، إلّ أن من الضروري الإشارة إلى أنه حلل نصوصًا أدبية مقارنة أو كلاسيكية، وحداثية، ومابعد الحداثية، كتبها شكسبير وتشارلز دكنز وجين أُوستن، لكن من دون إهمال أعمال أخرى، ومنها سلسلة هاري بوتر. نلتفت الآن إلى أمثلة طرحها الكاتب لشرح ما يعنيه بعض مكوّنات كتابه: الشخصية: كثيرًا ما ينظر القراء إلى شخصيات رواية ما على أنهم أشخاص حقيقيون. لكن الفرق، يقول الكاتب، بين شخصيتي الملك لير وإمبراطور إعلامي، على سبيل المثال، على الرغم من التشابه الذي عثر عليه هو أو القارئ، هو أن الأخير موجود في الدنيا قبل معرفتنا به، بينما لا نعثر على الأول، أي الملك لير، إلّ عندما يستحيل نقطًا سوداء على صفحات بيضاء!. أي إنه موجود فقط بصفته شخصية عمل أدبي، لا قبل ذلك ولا بعده. مثال آخر استحضره الكاتب هو الشخصية المسرحية هاملت؛ ذاك الأمير الدنماركي لم يكن الممثل الذي يؤدي دوره مسرحيًا. هاملت لم يوجد قبل استحالته شخصية مسرحية. مثال طريف آخر يستحق الذكر هو هيثكلف، الشخصية الرئيسة في رواية مرتفعات وذرينغ (Wuthering Heights)، التي استحالت أعمالا سينمائية عديدة. في الرواية يختفي هيثكلف في اللازمن، ولا نعرف أي شيء عنه بعد ذلك. في الحقيقة نعرف أن الممثل الذي أدى الدور يتوجه إلى أمكنة محددة ونعرف ما يمارسه.. وهكذا. الشخصيات الأدبية، يكتب إيغلتون، لا تملك ما قبل التاريخ. الشخصية الأدبية لا توجد خارج قراءتنا للعمل الأدبي المحدد. تلك الشخصية تُبعث إلى الوجود عندما نقرأ عنها في الرواية أو المسرحية.. إلخ. من الجوانب الأخرى التي يبحثها الكاتب هو التأويل. وهنا يورد مثالً على ذلك بالإشارة إلى دليل تركيب مصباح كهربائي لا نعود إليه إل
ضمن حدود معيّنة، أي عندما نود تركيب المصباح أو تفكيكه، وليس لأي أمر آخر. الأمر مختلف عندما يتعلق بقصيدة؛ فمع أن القصيدة كُتبت ضمن سياق محدد، فإن معانيها تبقى خارجه. بكلمات أخرى، القصيدة تتحرك من مكان إلى آخر، ومن زمن إلى زمن. الشاعر لا يستطيع تقرير السياق الذي ستُقرأ قصيدته ضمنه، ولا تأثير له في تأويلنا لها.
الكتاب: نيكّولو مكيافلِّ: سيرة فكرية ترجمه عن الإيطالية: سَيْمُن مكمايكل الكاتب: رالف غيُغ رُيْث مكان النشر: الولايات المتحدة الأميركية تاريخ النشر 2013: الناشر: برنستن يونفرستي برس عدد الصفحات 262:
في ظننا أن الكتابة عن المفكر والفيلسوف السياسي الإيطالي نيكّولو مَكياف (لِ-1469 1527) تشترط التعامل مع المادة من منظور عصره لا على نحو منفصل عنه. لذلك نرى أن المؤلِّف الإيطالي الراحل، وكان أستاذ شرف في مادة التاريخ ومحاضر في جامعات روما وتورينو وبيروجيا، وعمل محررًا لمؤلفات مَكيافلِّ الكاملة، أوضح أنِ كتابه «سيرة فكرية»، أي أنه يتعامل مع فكر السياسي الإيطالي وتطوره، ضمن الحوادث المتجددة التي شهدها عصره. من هذا المنظور وجب الحديث في هذا الكتاب الذي قسمه المؤلف إلى الأجزاء الثلاثة الرئيسة الآتية:
القيمة: يتساءل الكاتب عن الذي يمنح العمل الأدبي قيمته. في الماضي وض عت إجابات عديدة مختلفة، منها على سبيل المثال، عمق النظرة ومدى ارتباط العمل بالحياة اليومية ووحدة النص والجاذبية الكونية وتعقيده والابتكار وأخلاقياته. الكاتب يجيب عن هذا السؤال، وعن غيره من الأسئلة ذات العلاقة، مستخدمًا أمثلة من نصوص أدبية معروفة، وسنترك للقارئ اكتشافها عند قراءة هذا المؤلَّف العذب والقيّم.
الجزء الأول«الوزير في [الجمهورية] الفلورنسية » عن سني ماكيافلي الأولى وعلاقاته في تلك الجمهورية التي كانت قائمة في مدينة فلورنسا الواقعة شمال غربي إيطاليا، وفي إقليم التوسكانا تحديدًا. هذا أمر مهم لفهم تطور مكيافلي الفكري، حيث مرت تلك المدينة/الدولة/الجمهورية بمراحل عديدة: من الانتخابات والانقلابات والانقلابات المضادة، وتعاقبت على حكمها عائلات عدة إلى أن أخضعها الحبر الأعظم لحكمه وأجبرها على طاعته بعد إلغاء الحكم الجمهوري فيها وإعادة حكم عائلة مديتشي التي كان البابا ليو العاشر يتحدر منها. لذا، يعرض هذا الجزء سيرة مكيافلي الشخصية وحظوظه المتغيرة
بتبدل الأوضاع المحيطة وعمله في مختلف حكومات الجمهورية الفلورنسية بين سنتي 1494 و 1512. مع ذلك، فإن القسم أو الفصول المرتبطة بسيرته الشخصية مختصرة للغاية بسبب عدم توافر أي معلومات عنه قبل تسلمه منصبه الوزاري في الجمهورية الفلورنسية، حيث كان مسؤولا عن وثائق المدينة الجمهورية/ الدولة. كما إنه تسلم مسؤولية الميليشيا الفلورنسية يوم كان لا يثق بالمرتزقة الذين كانوا يشكلون الأقسام الأكبر من الجيوش الأوروبية في تلك العهود. أمّا الجزء الثاني: «منفى في الوطن»، فخصص الكاتب الجزء الأكبر منه لدراسة مختلف مؤلفات ماكيافلي، ومنها كتاب الأمير الأكثر شهرة، والذي أكسب مؤلفه الصفة السلبية بسبب تسويغه أساليب الوصول إلى السلطة والاحتفاظ بها، وفق مقولة «الغاية تبرر الوسيلة.» الجزء الثالث والأخير: «نيكّولو مكياف لِِّ: المؤرخ والكاتب الهزلي والكاتب التراجيدي»، يضم العديد من الفصول، أو الأجزاء، وقد خصصه الكاتب للحديث عن مختلف مؤلفات ماكيافلي، مع تحليل في هذا القسم للمسرحيات التي كتبها ماكيافلي وبقية الأعمال التي خطها قبل وفاته، ومنها على سبيل المثال فن الحرب. ومن الجدير بالذكر هنا التنويه إلى أن القسم الأكبر من مؤلفات مكيافلي لم يُنشر إلا بعد وفاته بسبب الحظر الذي فرضته الكنيسة عليها ووضعها في قائمة الكتب الممنوعة إلى الكنيسة الكاثوليكية. أمّا سبب المنع، فهو كون كتابات مكيافلي تؤيد الجمهورية وترفض النظام الوراثي، إضافة إلى أفكار سياسية أخرى بخصوص أسلوب الحكم وتسويغ استخدام الدولة العنف لتثبيت سلطتها، ومعاداته الضمنية للدين، وبالتالي للكنيسة، وما إلى ذلك. ومن الأفكار التي نشرها مكيافلي في مختلف كتبه وتعامل المؤلف معها ضمن إطارها التاريخي وقومها من ذلك المنطلق: - الغاية تبُرر الوسيلة. - الأفضل أن يخشاك الناس على أن يحبوك. - واجب الأمير أحيانا أن يساند دينًا ما ولو كان يعتقد بفساده. - الأنبياء المسلحون احتلوا وانتصروا، أما غير المسلح منهم فقد أخفقوا. - الدِّين ضروري للحكومة لا لخدمة الفضيلة، لكن لتمكينها من السيطرة على البشر. - لا يجدي أن يكون المرء شريفا دائمً. قلنا إن الكاتب شدد على ضرورة التعامل مع أفكار مكيافلي السياسية التي تُعَدّ من أدبيات العلوم السياسية والفلسفة السياسية، ضمن الأطر التاريخية التي ظهرت فيها. فمن المفيد في هذا المقام التذكير بأن تلك المرحلة شهدت بدء الفتوحات البحرية واكتشاف خطوط تجارية بحرية جديدة، إضافة إلى «اكتشاف»[!] أميركا، لمكتشفيها طبعًا! هذا على الصعيد الكوني، أمّا على الصعيد الإقليمي، فقد كانت أوروبا، وفي القلب منها إيطاليا التي لم تنشأ دولةً موحدةً إلا بعد ما يزيد على ثلاثة قرون، تشهد أيضًا انحسار بعض الحروب الأوروبية، ومنها حرب المئة سنة بين بريطانيا وفرنسا، وتوحُّد ملوك شبه القارة الإيبيرية تحت سلطة ملك واحد. ومن الجدير بالذكر في هذا المقام أن الكاتب نظر إلى كتابات مكيافلي الفلسفية السياسية أيضًا ضمن حقيقة أن الأخير ما عاد نفسه فلورنسيًا بل إيطاليًا،
قبل نشوء الدولة الإيطالية الموحدة بما يزيد على ثلاثة قرون. أمّا الحادث الأعظم الذي شهدته أوروبا في ذلك الحين، فكان - بلا شك - اندلاع الحركة البروتستانتية الإصلاحية على يد مارتن لوثر، ووضعها حدًّا لتسيد الحبر الأعظم على العالم المسيحي الغربي وما رافقها من إصلاحات فكرية واجتماعية هائلة. أخيرًا، قال بعض من كتب عرضًا للكتاب إنه سهل وموجّه إلى العامة، لكن في ظننا أن هذا الحكم ينطلق لا محالة من فرضية معرفة «العامة»، الناطقة بالإيطالية والإنكليزية، بتفصيلات تاريخ أوروبا على نحو عام، وتاريخ الإمارات والدول «الإيطالية» على نحو خاص. هذا أمر لا نظن توافره لدى أولئك «العامة». على أي حال، أشرنا إلى هذه المسألة لتأكيد حقيقة أن هذا العرض يبقى محدودًا دومًا، في مساحته وفي أهدافه التي تركز على إثارة الانتباه إلى الكتاب وتحفيز اقتنائه أو قراءته. فعندما يكون المرء مطلعًا على الخطوط العامة لتلك المرحلة من تاريخ أوروبا وتطور دولها، يتمكن من الاستمتاع بهذا المؤلف المخصص لمناقشة الفكر السياسي وتطوره، في مؤلفات ماكيافلي المختلفة، ولربما يصل، كما الكاتب، إلى استنتاجات مختلفة بحقه وينصفه على نحو أقل تعسفًا!