العودة إلى تفاصيل المؤلَّف استراتيجية التفكيك عند جاك دريدا الهدم والبناء

استراتيجية التفكيك عند جاك دريدا الهدم والبناء

Jacques Derrida’s Strategy of Deconstruction: Demolish and Build

عمر التاور

Omar Taour

الملخّص

يروم هذا البحث إبراز كيف توسل جاك دريدا باستراتيجية التفكيك للاضطلاع بمهمة مزدوجة في الفكر الفلسفي المعاصر؛ مهمة قوامها الهدم والبناء: هدم ميتافيزيقا الحضور عبر تشخيص أمراض فكر غربي متمركز حول ذاته، يقصي الهامش والخارج والمشتق، ويلوذ بالمركز والداخل والأصلي، ثم بناء «فكر الاختلاف » عبر مباشرة فكر مغاير ومختلف، ينأى عن كل مركز، وينفتح على الهامش والخارج والمشتق بفضل فضيلة الاختلاف.

Abstract

This paper highlights how Jacques Derrida invoked the strategy of deconstruction to carry out a two-fold task in modern philosophical thought, a mission based on demolition and reconstruction. By diagnosing the maladies of western thought—which centers on itself and excludes the margin, the extrinsic, and the derivative and seeks refuge in the center, the intrinsic, and the origin—Derrida demolished the “metaphysics of presence.” He then reconstructed the “idea of difference” by pursuing a different form of thought, removed from every center and open to the margin, the extrinsic, and the derivative by virtue of difference. The paper shows how Derrida’s attempt to undermine the metaphysics of presence is to think about the reasons for subjugation to the meaning, presence, and foundational voice of the metaphysics of presence and the whole western philosophical tradition extending from Socrates to Heidegger. His desire to found the idea of difference by thinking about writing as the origin of speech and a margin inhabiting the heart of the center is both an attempt to break the hold of those metaphysical dichotomies that still captivate western thought, and a call to reconstruct afresh according to a strategy that does not view the margin as outside of the center, but as the point where the center disarticulates and difference begins. Finally, the paper stresses that the link between deconstruction and this two-fold task to demolish and reconstruct shows that deconstruction itself contains the meaning of difference. As much as deconstruction involves the demolition of the history of ideas as something centered around the subject, reason, and voice, and as a mistaken history of meaning and truth, it is also reconstruction and draws new features for a universal thought removed from any center, that is from any metaphysics.

الكلمات المفتاحية:
  • جاك دريدا
  • فكرة الاختلاف
  • ميتافيزيقا الحضور
  • التفكيك
Keywords:
  • Jacques Derrida
  • Metaphysics of Presence
  • Idea of Difference
  • Deconstruction

يروم هذا البحث إبراز كيف توسل جاك دريدا باستراتيجية التفكيك للاضطلاع بمهمة

مزدوجة في الفكر الفلسفي المعاصر؛ مهمة قوامها الهدم والبناء: هدم «ميتافيزيقا الحضور»

عبر تشخيص أمراض فكر غربي متمركز حول ذاته، يقصي الهامش والخارج والمشتق، ويلوذ

بالمركز والداخل والأصلي، ثم بناء «فكر الاختلاف» عبر مباشرة فكر مغاير ومختلف، ينأى

عن كل مركز، وينفتح على الهامش والخارج والمشتق بفضل فضيلة الاختلاف. وسيبرز

البحث أن محاولة جاك دريدا لتقويض ميتافيزيقا الحضور هي، في العمق، تفكير في أسباب

الخضوع للمعنى والحضور والصوت المؤسس لميتافيزيقا الحضور ولكل التقليد الفلسفي

الغربي الممتد من سقراط إلى مارتن هيدغر؛ وأن رغبته في التأسيس لفكر الاختلاف عبر

التفكير في الكتابة كأصل للكلام وكهامش يسكن قلب المركز، ما هي إلا محاولة لكسر

طوق تلك الأزواج الميتافيزيقية التي ظلت تأسر الفكر الغربي، والدعوة إلى إعادة بنائه من

جديد وفق استراتيجيا لا تنظر إلى الهامش باعتباره خارج المركز، بل باعتباره النقطة التي

يتخلخل عندها المركز ويبدأ عندها الاختلاف. وأخيرًا، سيبرز البحث أن اقتران التفكيك

بهذه المهمة المزدوجة (الهدم والبناء) يُظهر أن التفكيك يحمل في ذاته معنى الاختلاف؛

فبقدر ما هو هدم لتاريخ الفكر بوصفه تمركزًا حول الذات والعقل والصوت وتاريخًا خطيًا

للمعنى والحقيقة، هو كذلك بناء وإعادة رسم معالم جديدة لفكر كوني ينأى عن كل مركز،

أي عن كل ميتافيزيقا.

مقدّمة

يتسم الفكر الفلسفي عند جاك دريدا بتعبيره عن أفق فلسفي جديد ينأى عن انغلاق الذات

وسجن النسق، ويعلن الاختلاف والمغايرة سبيلً للخروج من إسار الفلسفات التي تنحو منحى

ميتافيزيقيًا. وما كان لفكر دريدا أن يتسم بمثل هذه السمات المعبرة عن حساسية فلسفية جديدة، لولا رغبته

في خلخلة ميتافيزيقا الحضور - بما هي مركز ثقل الفلسفة المعاصرة - واجتثاث بُناها، ولولا اجتراحه

طريقة جديدة في النظر الفلسفي دعاها ب«استراتيجية التفكيك». أما الغاية من هذه الاستراتيجيا، فهي

تقويض كل التراث الفلسفي والفكري الغربي، ليس فقط من سقراط حتى فريدريك هيغل، كما فعل

ملهمه فريدريك نيتشه، أو من أفلاطون حتى نيتشه، كما فعل مجايله هايدغر، بل من فلاسفة الإغريق

لما قبل سقراط إلى آخر فيلسوف كبير ومعاصر هو هايدغر نفسه، ثم إعادة بنائه من جديد بمنأى عن كل

تصور ميتافيزيقي ينسب الحقيقة والمعنى إلى العقل، ويمنح الأسبقية للكلام والصوت، ويجعل من الكتابة

مجرد نسخة للأصل المنطوق.

التفكيك بمعنى الهدم

إن هذا التصور الميتافيزيقي الذي يحتقر الكتابة هو ما سعى دريدا إلى مساءلته وتفكيكه في كتابه في

الغراماتولوجيا، وقبل ذلك في أصل الهندسة (ترجمة وتعليق على نص إدموند هوسرل) حين لامس كيفية

انتظام فعل الكتابة في حقل العلوم، وتبين له أن ثمة تقليدًا غربيًا - يمتد من سقراط إلى كلود ليفي ستروس

عبر جان جاك روسو وفرديناند دي سوسير - ما انفك يعتبر الكتابة نسخة لا أصلً، ويردّ كل حقيقة إلى

نزعة إثنية؛ فكان لزامًا عليه (= دريدا) تقويض هذه النزعة من خلال تفكيك النصوص الفلسفية وغير

الفلسفية وفق استراتيجيا تنطلق من الهامش نحو المركز، وتجعل المعنى لا يحيل إلى العقل كمصدر وحيد

للمعرفة والحقيقية، بل يحيل إلى معنى آخر، والآخر على آخر، بحيث لا نعود نمْثل أمام معنى واحد

وحقيقة واحدة، بل نمْثل أمام «اختلاف» مطلق. لو تأملنا قليلً في هذا المسار الذي خطه دريدا لتاريخ الميتافيزيقا من خلال منجز الكتابة، لتبيّنا أنه

يبدأه بالفيلسوف أنكسمندريس وينهيه بهايدغر. ولعل دلالة ذلك إنما تكمن في هذه البداية ذاتها؛ إذ

من المعلوم أن أنكسمندريس هو أول من كتب من بين الفلاسفة، فظلت الكتابة محكومة بهاجس

الميتافيزيقا منذ الحقبة اليونانية، ونُظر إليها دومًا كنسخة وكملحق مقابل للأصل الغرافيكي المنطوق.

وامتدت هذه النظرة من أنكسمندريس حتى هايدغر، مرورًا بأفلاطون وروسو وهيغل ودي سوسير

وليفي ستروس. ومن هنا محاولة دريدا - في كتاب في الغراماتولوجيا - تحرير علم الكتابة من الأفكار

الميتافيزيقية التي تأسره، فإذا به يثير ثورة ضد كل التقليد الفلسفي الغربي؛ فقد وجد دريدا أن هناك

حقيقة واحدة تُرجع كل معنى إلى مركزية العقل والصوت، وكان علم الكتابة هو الضحية الأولى

لهذه المركزية العقلية/الصوتية. فمنذ أفلاطون والكتابة تتعارض مع اللوغوس كما يتعارض الظاهر

(((يقول جيل دولوز في هذا الصدد: «لقد بدأ انحطاط الفلسفة واضحًا مع سقراط، وإذا ما حددنا الميتافيزيقا على أنها ما يقيم

المفاضلة بين عالمين بحيث تقابل بين الظاهر والجوهر، الخطأ والصواب، العقلي والحسي، وجب القول بأن سقراط هو من يبتكر

الميتافيزيقا: إذ ينظر إلى الحياة كشيء تجب مقاضاته، قياسه والحد منه، وإلى الفكر كمعيار محدد للحياة باسم القيم العليا من قبيل:

الإلهي، الحق، الجمال، الخير»، انظر: «دولوز بصدد نيتشه،» ترجمة حسن أوزال، فكر ونقد، العدد 39 (2001)، ص.122

(((انظر بهذا الصدد: محمد طواع، هيدجر والميتافيزيقا: مقاربة تربة التأويل التقني للفكر (الدار البيضاء: إفريقيا الشرق،.)2002

(((ذلك ما يؤكده فريدريك نيتشه بقوله: «إن أول فيلسوف كتب لدى القدامى، أنكسمندرس، إنما كتب كما يكتب بالتحديد الفيلسوف

الحقيقي نظرًا لأن الملزمات الخارجية لم تحرره لا من الموضوعية ولا من البساطة، إن من يكتب بأسلوب مهيب لهو محفور في

الحجر، فكل جملة تشهد على إشراقة عبقرية وتعبر عن التأملات السامية التي يقف عندها»، انظر: فريدريك نيتشه، الفلسفة في العصر

المأساوي الإغريقي، ترجمة سهيل القش، ط 2 (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1983)، ص.50

مع الحقيقة، بل إن أفلاطون يدعونا في محاورة فيدروسإلى الحذر من الكتابة لنفس أسباب الحذر من

السفسطائيين؛ فالكتابة - في ما يقول أفلاطون - نشاط مثير للرهبة والخوف، وعمل لا إنساني،

يتلف الذاكرة ويوهن العقل، ويدعي أنه يؤسس خارج العقل/ اللوغوس ما لا يمكن في الواقع

تأسيسه إلا داخله. ألهذا السبب اكتفى سقراط بالتحاور والتخاطب ولم يكتب حرفًا واحدًا حتى قال عنه نيتشه إنه الفيلسوف

الذي لا يكتب؟ أم لأن في الكتابة انتهاء من الإصغاء لصوت الصوت، صوت اللوغوس والتأمل،

وتدشين لبداية العودة إلى الأشياء ذاتها، أي العودة إلى الانشغال بالمحسوس بدل الاستغراق في المعقول؟ ربما كان الأمر كذلك في ما يتعلق باحتقار أفلاطون - على لسان سقراط - للكتابة، وربما كان هذا الأمر

أيضًا هو الباعث على كل تلك الاتهامات التي كالها أفلاطون (على لسان سقراط دائمًا) للكتابة في محاورة

فيدروس، والتي يمكن، إجمالً، تلخيصها في ما يأتي: - إن الكتابة تدمر الذاكرة وتقلل من اجتهاد العقل، وإن أولئك الذين يستخدمونها سوف يصبحون

كثيري النسيان، يعتمدون على مصدر خارجي لما يفتقدونه في المصادر الداخلية؛ ذلك ما يؤكده سقراط

لمحاوره فيدروس بقوله: «إن نتيجة هذه المعرفة (الكتابة) ستكون لدى من ينالونها أن تطبع أرواحهم

بالنسيان لأنهم سيكفون عن استعمال ذاكرتهم؛ وبوضعهم ثقتهم في المكتوب سيتذكرون الأشياء من

خارج (بفضل علامات غريبة) وليس من داخل بالاعتماد على أنفسهم، وإذن، فأنت اكتشفت علاجًا

للذاكرة. وأما عن التعلم، فإنما تمنح تلامذتك مظهره لا حقيقته، فإذ يمتثلون بمساعدتك للمعارف

من دون أن يتلقوا أي تعليم، سيبدون قادرين على الحكم على آلاف الأشياء، في حين، هم، في أغلب

(((استهدف النقد السقراطي للكتابة «اللوغوغراف» أول، أي الكاتب العمومي الذي كان يهيئ للمترافعين بيانات يتلونها في

المحاكم، وكان سقراط يتهم هؤلاء الكتاب بالغش لأنهم ينشئون خطابات حول قضايا لم يعيشوها بأنفسهم ولن يدعموها بأنفسهم.

انظر: جاك دريدا، صيدلية أفلاطون، ترجمة كاظم جهاد (تونس: دار الجنوب للنشر، 1998)، ص 19؛ لذلك ما فتئ سقراط يشبههم

بالسفسطائيين الذين ليسوا سوى أبطال في الحروب الكلامية، يحولون المحكمة إلى حلبة خطباء، ويعولون على ما تشابك من

الأسماء، ويدعون أن كل فكرة نقنع بها الآخر من دون أدلة هي عقيدة. انظر في هذا الصدد:

Platon, Le Sophiste, ou de l’être , édition établie par Emile Chambry (Paris: Flammarion, 1988).

(((ربما كان هذا الاحتقار الأفلاطوني للكتابة راجع - إذا صح اعتقادنا - إلى سببين: السبب الأولمفاده عدم رغبة أفلاطون في

إشاعة الحكمة وكشف أسرارها؛ ونحن نعلم أن من بين أهم الانتقادات التي وجهها أفلاطون، على لسان سقراط، إلى السفسطائيين

هو ابتذالهم للحكمة وممارستهم نوعًا من الفلسفة الشعبية؛ وربما كان هذا الموقف الأفلاطوني من عدم الرغبة في إشاعة الحكمة

موقفًا فيتاغوريًا (الذين يؤْثر عنهم سريتهم وحفظ تعاليمهم) تسرب إلى أفلاطون؛ وعليه، فإن احتقار الكتابة راجع - بحسب فرضيتنا

- إلى الفيتاغوريين أنفسهم، وإن كان ذلك غير واضح ولا ظاهر في رسائلهم وتعاليمهم؛ السبب الثاني (وهو مكمل للأول) مفاده أن

الكتابة وسيلة لإزالة الفوارق بين البشر، وقد يصبح بفضلها البشر كلهم حكماء؛ لذلك آلى أفلاطون على نفسه محاربتها للإبقاء على

التراتبية الاجتماعية الواضحة للعيان في كتاب الجمهورية، وجعل مرتبة الحكمة مرتبة متعذرة على العامة ولا يطاولها إلا الخاصة.

ولم يكد هذا الموقف الأفلاطوني يسود في العصور القديمة والوسطى حتى تسرب إلى العالم الإسلامي أيضًا؛ ويذكر أبو حيان

التوحيدي، بهذا الصدد، في كتاب الإمتاع والمؤانسة، كيف أن المشتغلين بالفلسفة في عصره «طولوا وهولوا وطرحوا الشوك في

الطريق، ومنعوا من الجواز عليه غشًا منهم وبخلً ولؤم طباع وقلة نصح وإتعابًا للطالب وحسدًا للراغب، ذلك أنهم اتخذوا المنطق

والهندسة وما دخل فيهما معيشة ومكسبة، ومأكلة ومشربة، فصار ذلك كسور من حديد لطلاب الحكمة والمحبين للحقيقة». انظر:

علي بن محمد أبو حيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، تحقيق صلاح الدين الهواري (بيروت: دار الآداب، 2002)، ص 105-104.

ومعنى ذلك أن المشتغلين بالفلسفة في ذلك الزمان لم يكونوا يذللون الصعاب أمام طالب الفلسفة (وربما ما زالوا كذلك إلى اليوم)،

بل كانوا ينثرون الشوك في طريقه حتى لا يصل، لأن في وصوله مزاحمة لهم في ما هم فيه من المجد والشهرة؛ وليست مناظرة أبو

سعيد السيرافي النحوي لمتى بن يونس المنطقي في كتاب الإمتاع والمؤانسة إلا دليلً على تصادم المعارف وتنازعها في الثقافة العربية

الإسلامية، وانتصار كل طرف لمرجعيته/ بضاعته المعرفية من منطلق تكسّبي.

الأحيان، مجردون من كل حكم، بل أكثر من هذا سيكونون غير قابلين للاحتمال، إذ سيمسون أشباه

متعلمين بدل أن يكونوا رجالً متعلمين». - إن الكتابة لا يمكن أن تدافع عن نفسها على نحو ما يمكن للكلمة المنطوقة أن تفعل؛ فالكلام والفكر

الحقيقيان يوجدان دائمً في سياق من الأخذ والعطاء بين أشخاص حقيقيين، أما الكتابة فسلبية، خارجة

عن هذا السياق، وتحيى في عالم غير حقيقي وغير طبيعي. ليست الكتابة إذن، في سياق حديث أفلاطون، إلا ذاكرة خارجية وميتة، تحاكي المعرفة المطلقة وتأخذ اسم

الكتابة. إنها تشبه «الفارماكون». ولهذا «يتعين الحذر من هذا الدواء القابل دومًا للتحول إلى نقيضه»،

ومن الأفضل الاستغناء عنه وطرده خارج أسوار المدينة كما طُرد الشعراء وكتّاب التراجيديا من ذي قبل. لقد حدس أفلاطون خطر الكتابة المحدق بالمدينة، لذلك بادر إلى وأدها في مهدها والدفاع عن الكلام

ومفعوله ضد هذه الوسيلة التي بدا له أنها لا تعلّم البشر شيئًا ذا بال، إن لم تكن تخرب ذاكرتهم فلا يعودن

قادرين إلا على النسيان. إن أفلاطون يرى أن بقاء المدينة رهين بقوة الصوت وتأثيره في خلق المعاني والتصورات داخل نفوس

صاغية طيعة؛ ولهذا، كان يخشى من ذلك اللاحضور و«التشتت» الذي تمثله الكتابة، والذي يبقى أثره -

ومن هنا خطورته - محفوظًا حتى في غياب صاحب الخطاب/ النص. وأدرك أفلاطون، بشكل عميق، أن الكتابة ليست مجرد أداة للحفظ تساعد على الاستذكار فقط، وإنما هي

انزياح يهدد بشكل عميق السلطة التي تقبض عليها المدينة. يقول دريدا في هذا الصدد: «هكذا أكد الملك

أبو الكلام سيادته على أبي الكتابة؛ ولقد قام بذلك بقسوة من دون أن يبدي نحو ذلك الذي يحتل موقع

ابنه ذلك التسامح المشوب بالمحاباة (....)، إن تاموس ليكثر من تحفظاته، وإنه لواضح أنه لا يريد أن يدع

ل «توت» أي أمل». لم تكن الكتابة إذن مجرد تسجيل للصوت أو للكلام ونسخ له بطريقة أو بأخرى، ولم تكن كذلك مجرد ذاكرة

خارجية حافظة للأفكار، بل كانت أيضًا «فارماكون» ينفث (بما هو داء) سمًّ في مفاصل السلطة ويمارس

عمله بالإغواء، وله (بما هو دواء) مفاعيل غريبة تدفع بالإنسان إلى خارج السبل والقوانين الطبيعية

المألوفة. ولقد عزا سقراط إلى مفاعيل الكتابة تأثيرًا سحريًا خارقًا حين أقر بأنها قادرة على جعله يسافر

(6) Platon, Phèdre ou de la beauté , tr. Victor cousin (Paris: Libraire – éditeur, 1849), p. 122.

(((سارة كوفمان [وآخرون]، مدخل إلى فلسفة جاك دريدا: تفكيك الميتافيزيقا واستحضار الأثر، ترجمة إدريس كثير وعز الدين

الخطابي، ط 2 (الدار البيضاء: دار أفريقيا الشرق، 1994)، ص.17

(((كان الإله توت، كما يروي ذلك سقراط في محاورة فيدروس، وكما ينقل دريدا ذلك في صيدلية أفلاطون، هو أول من ابتكر

حروف الكتابة وقدمها إلى تاموس ملك مصر. بيد أن هذا الأخير سأله عمّا تكون جدوى هذه الكتابة، فأجابه توت: «هي ذي يا جلالة

الملك معرفة سيكون مفعولها إحالة المصريين أكثر علمًا وأكثر قدرة على التذكر، إن التذكر والتعلم قد وجدا علاجهما»، انظر:

. Platon , Phèdre , p. 121

فما كان من الملك تاموس إلا أن أبدى تحفظه حيال هذا الابتكار الخطِر لما له من قوة على سلب السلطة (الحاضرة) التي يتمتع بها

كلام الملك على النفوس الخاضعة والمستجيبة لأمره. فالسطوة التي كان يحققها صوت الملك وكلامه على رعاياه يمكن - يقول

دريدا - أن تبددها معرفة أخرى مختزنة داخل خطوط وسطور، وربما أدت هذه المعرفة إلى تفكيك سلطة الأب المقدس نفسه، لذلك

كانت إجابة الملك متشككة، غير واثقة من نتائج هذه الأداة الخطرة على حكمه وسلطته. انظر: دريدا، صيدلية أفلاطون، ص.28

(((دريدا، صيدلية أفلاطون، ص.31

خارج أسوار المدينة وارتياد طرق - هي بعبارة دريدا - «طرق هجرة»؛ فلا عجب إذا قال سقراط

لفيدروس في المحاورة إنك «بخطابات تبسطها أمامي في أوراق، يبدو أنك ستجعلني أجوب الأتيكة». إذا جاز لنا القول، مع هيغل، أن كل الفلسفات التي جاءت بعد أفلاطون ما هي إلا كتابة في هامش

الصفحة الأفلاطونية، فإنه يمكننا القول كذلك أن هذا التصور الأفلاطوني المحتقر والمهين للكتابة (بما

هي إتلاف للذاكرة وإضعاف للعقل وخطر محدق بالمدينة) ظل سائدًا ومتواصلً في سياقات تاريخ الفكر

الغربي؛ لذلك، لم يعدم دريدا - ضمن هذا التاريخ - من حاول النسج على المنوال الأفلاطوني في القدح

والحط من شأن الكتابة؛ وهذه هي حال روسو وهيغل ودي سوسير وليفي ستروس. لقد ميّز روسو بين نوعين من الكتابة: كتابة حسنة طبيعية وكتابة سيئة، فاحشة وقبيحة. الكتابة الأولى

تتصل بالذات الإلهية باعتبار أنها «خط إلهي في القلب والروح»، وهي ليست كتابة بالمعنى الحرفي/

الحقيقي وإنما هي قانون طبيعي، كتابة مقدسة مطبوعة في عمق الروح والقلب الإنساني المشرئب دومًا

- بفضل هذه الكتابة - إلى سماع الخطاب/الكلام الإلهي؛ ف«كلما توغلت في ذاتي - يقول روسو -

واستشرت نفسي قرأت هذه الكلمات المبثوثة في روحي: كن عادلً تكن سعيدًا (...)، إنني لا أستمد

هذه القواعد البدئية من فلسفة رفيعة ما، وإنما أعثر عليها في أعماق قلبي، حيث نقشتها الطبيعة بحروف

لا تمحى». إن هذه الكتابة المجازية/ المقدسة/ الحسنة ليست في الحقيقة كتابة، وإنما هي كلام بدئي،

أولي، أصلي، مسموع في صميم الحضور في الذات لصوت الإله؛ أو لنقل، بعبارة دريدا، إنها «حضور مليء

وحقيقي للكلام الإلهي الموجه إلى شعورنا الداخلي». أما الكتابة الثانية، الكتابة الحقيقية، فهي كتابة تمثيلية، ناقصة، ثانوية، مهانة ومدانة في مقال عن أصل

اللغات، حيث يشدد روسو على أن «الكلام هو أصل اللغة، وأن الكتابة لا تعدو أن تكون مجرد شكل

من الأشكال الطفيلية». الكتابة إذن، كتابة الخارج، كتابة الجسد، كتابة الأهواء، تقع على طرفي نقيض مع كتابة الروح، كتابة

الداخل، كتابة المقدس. فإذا كانت هذه الأخيرة كتابة بدئية/ أصلية تصلنا بصوت/ كلام الذات الإلهية،

فإن كتابة الخارج/ الجسد هي مجرد إضافة وملحق من ملاحق الكلام، لكنها - في الوقت ذاته - إضافة

خطرة لأنها تروم إسباغ صفة الحضور على غياب الكلام.ِ واضح إذن أن ما يتعرض للنقد في لحظة روسو هو عدم حضور الكتابة (الحقيقية لا المجازية) داخل

الذات؛ فوجودها خارج الذات، وخارج الكلام والصوت، هو الذي حمل روسو على إدانتها واعتبارها

((1(المصدر نفسه، ص 22.

(11) «depuis que tu m’as montré ce cahier tu pourrais m’entraîner sans peine jusqu’au bout de l’attique, et plus si tu volais», voir: Platon, Phèdre , p. 12. (12) «l’écriture au sens métaphorique, l’écriture naturelle divine et vivante, est vénérée, elle est égale, on dignité, à l’origine de la valeur, à la voix de la conscience comme loi divine, au cœur, au sentiment», voir: Jacques Derrida De La Grammatologie (Paris: Minuit, 1967), p. 29.

((1(المصدر نفسه، ص.29

((1(المصدر نفسه، ص.30

(15) «L’Ecriture représentative déchue, secondé, Instituée, L’écriture au sens propre et étroite, est condamné dans l’essai sur l’origine des langues», voir: Derrida, De La Grammatologie , p. 29.

((1(المصدر نفسه، ص.30

اذهو.هبايغو هلتق رداوب نم هلمتح الوم، ملكالا روضلح ديدته نم هلكشت الم اهنم رذلاح مزلي ةدايزو اقحلم

يدل على مواصلة روسو الأمينة للطرح الأفلاطوني بصدد احتقار الكتابة الذي تواصل في سياقات

الفكر الغربي، وهذه المرة مع دي سوسير. فإذا كان أفلاطون قد رأى في الكتابة آفة تمارس خطرًا على

الذاكرة، وكان روسو قد رأى فيها بدوره إضافة وزيادة تسبب ضررًا بالغًا لسياق وجد أصلً للتعبير

عن الحقيقة وهو الكلام، فإن دي سوسير لم ير في الكتابة إلا تلك القذارة التي لم تتوقف قط عن إفساد

صفاء اللغة. جارى دي سوسير أفلاطون وروسو في تصورهما للكتابة، وتبنى ذات الحكم المسبق الذي أصدراه في

حقها، فقد اعتبرها بدوره قاصرة ومشتقة، ولم ير مبررًا لوجودها إلا باعتبارها تمثيلً للغة، ف«اللغة

والكتابة نسقان لعلامات مختلفة ومتباينة، والمبرر الوحيد لوجود الثانية هو تمثيل الأولى»؛ أما

مكانتها عنده فثانوية إذا ما قورنت بالكلام، بل إن مكانتها مستمدة من غيرها (اللغة)؛ ومن هنا توجه

التحليل اللغوي السوسيري إلى الأشكال المنطوقة لا إلى الأشكال المكتوبة من الكلمات، فما الكتابة إلا

واسطة خارجية ووسيلة تقنية لتمثيل الكلام، ولا حاجة بنا إلى أخذها على محمل الجد والاعتبار غداة

دراسة اللغة. على الرغم من أن دي سوسير نسب إلى الكتابة فوائد كما نسب إليها عيوبًا وأخطارًا، فإنه ظل، مع ذلك،

ينظر إليها - في ما يقول والتر أونغ - باعتبارها «نوعًا من مكملات الكلام الشفهي وليس باعتبارها أداة

تحويل للتعبير اللفظي»؛ ومن هنا كانت الكتابة عنده نظامًا تصنيفيًا يعتمد على نظام أولي سابق هو اللغة

المنطوقة، فالتعبير الكلامي يمكن أن يوجد، بل إنه وجد في معظم الأحيان من دون كتابة على الإطلاق،

أما الكتابة فلم توجد قط من دون كلام. وبما أن الكتابة لباس تنكري، وقدرة على إخفاء اللغة وحجبها، فإنها لا تقتصر على دور تكملة الكلام

وتمثيله، بل تتجاوز ذلك أحيانًا إلى حد تشويهه وتحريفه وإفساده. وعليه، فإن الكتابة التي يفترض أن

تكون وسيلة لخدمة الكلام تهدد بتلويث صفاء النظام الذي تخدمه. كانت الكتابة والكلام إذن، طوال تاريخ الفكر الغربي، على طرفي نقيض. فإذا كانت الكتابة خطرًا محدقًا

بالذاكرة، وإضعافًا للعقل، وتهديدًا للكلام، وتلويثًا لصفاء اللغة...إلخ، فإن الكلام أداة من أدوات

تنشيط الذاكرة وتقويتها وجعلها أكثر حيوية في الاحتفاظ بالحقيقة وثبات المعنى. يرتد هذا التباعد بين الكتابة والكلام، أو بالأحرى هذه الأسبقية الأنطولوجية المعطاة للكلام على حساب

الكتابة، إلى كون الكلام عنصرًا حيويًا، صادرًا عن الذات وقادرًا على تبليغ الحقيقة لقربه من مصدرها

((1(عن مواصلة روسو للطرح الأفلاطوني، يقول دريدا: «إن روسو يكرر الحركة الأفلاطونية بالعودة إلى نموذج آخر للحضور،

الحضور في الذات داخل الشعور، داخل الكوجيطو الحسي الذي يحمل في ذات الوقت القانون الإلهي مخطوطًا فيه». انظر:

. Derrida , De La Grammatologie , p. 29

((1(المصدر نفسه، ص.46

(1((والتر ج. أونج، الشفاهية والكتابية، ترجمة حسن البنا عز الدين؛ مراجعة محمد شاكر عصفور، عالم المعرفة؛ 182 (الكويت:

المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1994)، ص.45

(20) Ferdinand de Saussure, Cours de linguistique générale , publié par Charles Bally et Albert Sechehaye avec la collaboration de Albert Riedlinger; Edition critique préparée par Tullio De Mauro, Payothèque (Paris: Payot, 1979), p. 44.

(= النفس). أما الكتابة، فغريبة عن الذات لأنها صادرة عن عنصر طارئ وخارجي؛ إنها وسيلة جامدة

وميتة، عاجزة عن تبليغ الحقيقة ومهدِّدة للكلام بالغياب والتلاشي والزوال. والنتيجة التي خلص إليها

دريدا من خلال هذه المقارنة بين منزلة الكتابة ومنزلة الكلام في تاريخ الفكر الغربي، هي أن الكتابة ظلت،

ضمن هذا التاريخ، ملحقًا من ملاحق الكلام ومحاكاة ميتة لفعل الكلام الذي يستمد نسغه وأهميته من

الداخل، من اللوغوس، ومن علاقة حضور مباشر مع الذات؛ فكان من الطبيعي أن تخضع الكتابة لهذه

المركزية الصوتية/ العقلية التي تؤكد أن الكلام هو المعبّ بامتياز عن الفكر، فيما تظل الكتابة هي التعبير

المنحط عنه. ولهذا عملت الميتافيزيقا - بما هي حضور، وبما هي تمركز حول العقل والصوت - طوال تاريخها على

الإعلاء من شأن الكلام والصوت والحضور والتمثيل، والنظر إلى الكتابة نظرة ازدراء، حتى بات

ازدراء الكتابة، بحسب نيتشه، شرطًا لا غنى عنه لقيام الميتافيزيقا وتشكّلها كخطاب ينظر إلى

الكتابة كأداة لنقل الكلام وترجمة الفكر، وكآلية تحصنها من النسيان والالتباس. يقول محمد أندلسي في

هذا الصدد: «رفض الميتافيزيقا للكتابة يمكن أن يؤول بكيفيتين متضافرتين: فهو من جهة يختزلها إلى

مجرد أداة أو وسيلة ويمنحها وظيفة ثانوية، حيث هي مجرد أداة لنقل الكلام وترجمة الفكر، ومجرد تقنية

توجد في خدمة معاني النص، ليست سوى جسر يسمح بمرور المعاني وتمثيلها». وعليه، فإنه لا سبيل إلى تقويض الميتافيزيقا وتجاوزها إلا بخلخلة هذا الشرط الذي تقوم عليه (= ازدراء

الكتابة) وتفكيك هذه الأزواج الميتافيزيقية (كتابة/ كلام، هامش/ مركز... إلخ) التي تسندها من

الداخل، لا بغرض الإعلاء من شأن الكتابة على حساب الكلام أو الهامش على حساب المركز، بل بغرض

قلب تراتبية بنى الميتافيزيقا بتفكيك هذه الثنائيات والأزواج التي تقوم عليها والتي تؤسس لها. لا سبيل إذن إلى تفكيك ميتافيزيقا الحضور إلا بوضع مفهوم الكتابة - بوصفه الحامل لكل التاريخ الغربي

- موضع سؤال؛ ولا سبيل إلى التساؤل بصدد الكتابة إلا بالعود صوب النصوص الفكرية والفلسفية

التي عملت على تأزيم مفهوم الكتابة، والعمل على تفكيكها لكشف قواعد لعبها وتخليصها من رواسب

ميتافيزيقا الحضور التي علقت بها.

التفكيك بمعنى البناء

إن المنفذ إلى تفكيك ميتافيزيقا الحضور - بوصفها تاريخًا متمركزًا حول العقل والصوت، أو من حيث هي

تاريخ خطي للمعنى والحقيقة - هو مفهوم الكتابة؛ أما السؤال الذي من شأنه إضاءة هذا المفهوم فهو: ما

هي الأسس التي أقام عليها الفكر الغربي تصوره للكتابة؟ لقد كان دريدا، وهو يلاحق هذه الأسس عند أهم الفلاسفة والمفكرين الفاعلين في تاريخ الفكر الغربي،

أمام مهمة مزدوجة:

((2(يقول دريدا في هذا الصدد: «لقد كتب نيتشه ما كتب، كتب بأن الكتابة وكتابته على الخصوص، ليست خاضعة للوغوس

والحقيقة، وبأن هذا الإخضاع قد تم في مرحلة محددة» 33 , p. De La Grammatologie Derrida,.

(2((محمد أندلسي، «نحو سياسة جديدة للكتابة في الفلسفة،» عالم الفكر، السنة 33، العدد 4 (2005)، ص.56

- مساءلة احتقار وازدراء الكتابة بما هو سمة ثابتة للتقليد الغربي من سقراط إلى ليفي ستروس. - تفكيك ميتافيزيقا الحضور من خلال تفكيك هذا التمركز حول الصوت الذي يهمِّش الكتابة ويعلي من

شأن الكلام، والذي ليس سوى صدى لتمركز أهم هو التمركز حول العقل. تبيّنا، ونحن نقتفي أثر دريدا على دروب مهمته المزدوجة، أن غرضه لم يكن قلب المعادلة وإعطاء

الأفضلية للكتابة على حساب الكلام والصوت، إذ لو كان الأمر كذلك لبقي عمل دريدا الفلسفي في

حدود ميتافيزيقا الحضور، ولكرّس بدوره نوعًا جديدًا من الميتافيزيقا يجعل من الكتابة مركزًا ومن الكلام

هامشًا، وإنما كان غرضه الأساسي تفكيك الميتافيزيقا وقلب تراتبيتها، فلا نعود ننظر إلى الكتابة كملحق

من ملاحق الكلام أو كهامش للمركز، بل ننظر إليها كهامش يتخلخل عنده المركز، وكأصل للكلام؛

وبذلك ننأى عن ثنائية كتابة/ كلام، هامش/ مركز المؤسسة للميتافيزيقا، ونقترب من الكتابة كأصل

للكلام، أي نقترب منها كاختلاف يقطن الهوية. ولما كان السؤال، كما يقول هايدغر، هو تقوى الفكر، فإن في إمكاننا الآن التساؤل عمّ جعل دريدا يعود إلى

مجمل تصور الفكر الغربي للكتابة، وجعله يلاحق منجز الكتابة إلى حدود أفلاطون. إن الأمر لا يتعلق بعودة تبتغي اقتفاء أثر السيرورة التاريخية لسيادة الكلام على الكتابة، بل يتعلق بمحاولة

استقصاء الأصل الذي صدر عنه الكلام، والذي ليس سوى الكتابة ذاتها، لإبراز أصلية الهامش (=

الكتابة) بالنسبة إلى المركز (= الكلام)؛ ففي قلب المركز يسكن الهامش، أي إن المركز ما انفك يتأسس

بفضل الهامش. لو أنعمنا النظر في نصوص دريدا: أصل الهندسة (ترجمة وتعليق) وفي الغراماتولوجيا وصيدلية

أفلاطون، لتبيّنا أن هنالك خيطًا وأصلً بين هذه النصوص الثلاثة؛ فإذا كان دريدا قد لامس في التصدير

المطول الذي حرره لنص أصل الهندسة، كيفية انتظام فعل الكتابة في حقل العلوم، فأبرز - مستلهمً إدموند

هوسرل - كيف تخترق الهندسة جميع اللغات وتبقى هي هي، ولاحق أصل الهندسة (عالم العيش) الذي

تحول إلى هامش منسي بعد انفصال الهندسة عن أصولها (عوالم العيش) التي أضحت هوامش منسية، وبعد

تحولها (= الهندسة) إلى بناء عقلي محض، مستقر في الذهن، يفترض الحضور ويؤسس لمركزية العقل، فإنه

سيعود في نصَّ في الغراماتولوجيا وصيدلية أفلاطون لتعميق الفكرة ذاتها بدءًا من فعل الكتابة، منطلقًا

لا من التباعد القائم على الانفصال (عالم عقلي/عالم العيش) الذي جعل هوسرل في حدود ميتافيزيقا

الحضور، بل من الاختلاف القائم على الإرجاء والتأجيل، مفترضًا أن الكتابة تقطن أصل الكلام، وأن

«الكلام الأصلي كتابة». وعليه، فإن الكتابة المبحوث عنها - يقول دريدا - «موجودة قبل الكلام

وداخل الكلام». صحيح أن روسو تحدث عن نوع من الكتابة البدئية في سياق حديثه عن الكتابة الحسنة، إلا أنه - يقول

دريدا- «ما كان قادرًا على التفكير في هذه الكتابة التي تتموضع قبل وداخل الكلام، لأنه ينتمي إلى

((2(عن أسبقية الكتابة، يقول دريدا: «إذا كانت الكتابة خطيرة ومقلقة فلأنها بدئية وتدشينية بالمعنى الأكثر فتوة للكلمة»، انظر:

.Jacques Derrida, L’Ecriture et la différence , tel quel (Paris: Seuil, 1967), p. 22 (24) Edmund Husserl, L’Origine de la géométrie , traduction et introduction par Jacques Derrida, Epiméthée, 2eme éd. revue (Paris: Presses universitaires de France, 1974). (25) «L’Archi – parole est écriture parce qu’elle est une loi, une loi naturelle», voir: Derrida, De La Grammatologie , p. 30.

((2(المصدر نفسه، ص.45

ميتافيزيقا الحضور»، شأنه في ذلك شأن كل المنتمين إلى هذا التقليد الممتد من سقراط إلى هايدغر. إن نسيان الكتابة كأصل هو الذي حولّها إلى هامش، وهو النسيان ذاته الذي جعل الفكر الغربي يعلي من

شأن الكلام على حساب الكتابة. ومن ثم، فإن هذا النسيان هو الأساس الحامل لهذا الزوج الميتافيزيقي

كلام/ كتابة، ولغيره من الأزواج والثنائيات المؤسسة للميتافيزيقا. ألا يذكّرنا هذا الأمر بالميتافيزيقا

كنسيان للوجود عند هايدغر، وكنسيان للأخطاء والأوهام التي تحولت بفعل الاستعارة إلى حقيقة عند

نيتشه؟ ألا يعني هذا أن ميتافيزيقا الحضور نسيان للكتابة ولا سبيل إلى تفكيكها إلا باستعادة ومساءلة هذا

النسيان الذي وسم الكتابة؟ إن ميتافيزيقا الحضور نسيان للكتابة، نسيان لأصل الكلام واهتمام بالكلام منفصلً عن أصله المكتوب؛

ومن هنا، كان تفكير دريدا في الكتابة واستعادة سؤالها بمنزلة خلخلة لميتافيزيقا الحضور. إن ميتافيزيقا الحضور إذن تنسى أصل الكلام حين تنسى حقيقة الكتابة وتنصرف كليًا إلى الإعلاء من

شأن الكلام والمعنى والحضور والتمثل؛ إنها لا تجيب عن التساؤل المتعلق بأصل الكلام لأنها لا تفكر

في الكتابة إلا باعتبارها ملحقًا للكلام. وهكذا تكون ميتافيزيقا الحضور قائمة أساسًا على هذا التباعد

القائم بين الكتابة والكلام، بين الهامش والمركز، بين الأصلي والمشتق. ومن ثم، فإن التساؤل الأصلي حول

الكتابة لا يمكن أن يكون إلا ثمرة لخلخلة الميتافيزيقا وتفكيكها. واستراتيجية التفكيك عندما تتوجه

بمعاول التفكيك إلى أسس الميتافيزيقا، وإلى الثنائيات المتعارضة المؤسسة لها، يصبح في إمكانها إحداث

رجة في بنيانها. ذلك ما يؤكده دريدا بقوله: «إن حركات التفكيك لا تلتمس البنى من الخارج، إنها لا

يمكن أن تكون ممكنة وفعالة، ولا يمكن أن تحكم ضربتها إلا إذا ما سكنت داخل هذه البنى، إذا ما

سكنتها بطريقة ما». إن تفكير دريدا إذن في الكتابة هو في عمقه تفكير في هذا الخضوع للمعنى والحضور والصوت المؤسس

لميتافيزيقا الحضور ولكل التقليد الغربي في الفكر. وليس التفكير في الكتابة كأصل للكلام وكهامش يسكن

قلب المركز إلا محاولة لكسر طوق تلك الأزواج الميتافيزيقية التي ظلت تأسر الفكر الغربي، والدعوة إلى

إعادة بنائه من جديد وفق استراتيجيا لا تنظر إلى الهامش باعتباره خارج المركز، بل باعتباره النقطة التي

يتخلخل عندها المركز ويبدأ عندها الاختلاف. هكذا يكون التفكيك حاملً في ذاته للاختلاف (الهدم والبناء)؛ فبقدر ما هو هدم لتاريخ الفكر بوصفه

تمركزًا حول الذات (أي حول العقل والصوت) وتاريخًا خطيًا للمعنى والحقيقة، هو، كذلك، بناء وإعادة

رسم معالم جديدة لفكر كوني ينأى عن كل مركز، أي عن كل ميتافيزيقا. لقد أبرز دريدا، بفضل مهمته المزدوجة، أن احتقار الكتابة - بما هو سمة مميزة للفكر الغربي - إنما هو دلالة

على أن هذا الفكر ظل محكومًا، من بدايته إلى نهايته، بمراوحة الخطو على حدود مركزية العقل والصوت،

كما أبرز أن تجاوز الميتافيزيقا (= ميتافيزيقا الحضور) لن يتأتى إلا بتفكيك بنيتها وثنائياتها، وقلب تراتبيتها،

بإبراز أن الهامش يسكن المركز، والخارج يسكن الداخل، والكتابة تقطن الكلام والصوت.

((2(المصدر نفسه، ص.46

((2(المصدر نفسه، ص.39

المهمة المزدوجة إذن، تقتضي، من بين ما تقتضيه، تشخيص أمراض فكر متمركز حول ذاته، يقصي

الهامش والخارج والمشتق...إلخ، ويلوذ بالمركز والداخل والأصلي...إلخ، ومباشرة بناء فكر مغاير

ومختلف، ينأى عن كل مركز وينفتح على الهامش والخارج والمشتق بفضل فضيلة الاختلاف. ولا شك أن هذه المهمة المزدوجة (هدم ميتافيزيقا الحضور وبناء فكر الاختلاف) ما كان لها أن تُنجَز

لولا التوسل باستراتيجية التفكيك (بما هي هدم وبناء في الوقت ذاته)، ولولا الانفتاح على عمل نيتشه

وهوسرل وهايدغر الذي تعلم منه دريدا أن يسلك مع الميتافيزيقا سلوكًا استراتيجيًا. هذا السلوك

الاستراتيجي هو ذاته التفكيك الذي ليس فقط استراتيجيا ننفذ منها إلى فكر الاختلاف، كما يقول

دريدا نفسه، بل إنه في جوهره (إن كان له جوهر) استراتيجيا ننفذ منها إلى خلخلة ميتافيزيقا الحضور

ذاتها؛ فلا عجب إذا قرر روجي لابورت وسارة كوفمان، في هذا الصدد، أن «استراتيجية دريدا هي في

نفس الوقت حذرة وفعالة لأنه يعمل داخل الميتافيزيقا، أو بالأحرى يعالج الميتافيزيقا من الداخل بتطبيق

قوة تحليله في موضع حاسم». ولا غرابة إذا حدد دريدا بنفسه استراتيجية التفكيك على أنها العمل

داخل الحد (حد الميتافيزيقا) وبحركة مائلة ودائمة المخاطرة على إحاطة المفاهيم الحرجة بخطاب حذر

ودقيق يحدد شروط وحدود نجاعتها، ويؤثر بصرامة في انتمائها إلى الآلة التي تزعم تفكيكها، وكذلك في

الشرخ الذي يسمح بأن نلمح من خلاله الوهج غير القابل بعدُ للتسمية، وهج ما وراء الحد. ليس التفكيك إذن تقويضًا للميتافيزيقا بل هو «جينيالوجيا لبنية قائمة يراد خلخلتها ». فإذا كان

التقويض في عمقه تصديعًا للميتافيزيقا وإحداثًا لشروخ في صرحها، أي محاولة لتجاوزها من خارج،

فإن التفكيك هو خلخلة وسكن داخل الميتافيزيقا. إنه «التموضع داخل الظاهرة (=الميتافيزيقا) وتوجيه

ضربات لها من الداخل، أي أن نقطع شوطًا مع الميتافيزيقا ونطرح عليها أسئلة تُظهر عجزها عن الإجابة

وتفصح عن تناقضها الجواني».

(29) «La Stratégie générale de la déconstruction est double: Intervenir en renversant les hiérarchies, désorganiser les systèmes explorant les écarts», voir: Jacques Derrida , Positions: Entretiens avec Henri Ronse, Julia Kristeva, Jean-Louis Houdebine, Guy Scarpetta , collection «Critique» (Paris: Minuit, 1972), p. 58.

((3(يعترف دريدا في «رسالة إلى صديق ياباني» أنه صاغ كلمة التفكيك في إطار محاولته ترجمة المفردة الهايدغرية Destruction

التي تدل على عملية تمارس على البنية أو المعمار التقليدي للمفاهيم المؤسسة للأنطولوجيا أو الميتافيزيقا الغربية. ويشير دريدا إلى

أن Destruction تدل في اللغة الفرنسية على الهدم بما هو تصفية واختزال سلبي، وهي ربما كانت أقرب إلى Démolition (الهدم)

عند نيتشه منها إلى التقويض عند هايدغر. والتفكيك - يقول دريدا - يشير إلى أنه بدلً من الهدم كان يجب أيضًا إعادة البناء، انظر:

جاك دريدا، الكتابة والاختلاف، ترجمة كاظم جهاد؛ تقديم محمد علال سيناصر (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1988)، ص 58.

ويذهب هانس غيورغ غادامير، في هذا الصدد، إلى أن «كلمة هدم destruction عند هيدغر لم تكن تفيد أبدًا الهدم الخالص والبسيط،

وإنما اتخذت معنى التفكيك Démontage، فهو يقترح رد الأشكال المفهومية إلى تجاربها الأصلية بغية استنطاقها»، انظر: هانس

غيورغ غادامير، «مدخل إلى أسس فن التأويل: التفكيك وفن التأويل،» ترجمة محمد شوقي الزين، فكر ونقد، العدد 16 (1999)،

ص 98؛ وعليه، فإن التفكيك لا ينفك عن تاريخ الميتافيزيقا، فهو مستوحى منه؛ يقول غادامير: «لا أتوصل حقيقة إلى رؤية ماذا يعنيه

التفكيك عند نيتشه أو عند دريدا بعزله لهذا التاريخ»، انظر: غادامير، ص.100

((3(انظر بهذا الصدد:

Jacques Derrida, Marges de la philosophie , collection «Critique» (Paris: Minuit, 1972), p. 7.

((3(كوفمان (وآخرون)، ص.22

(3((دريدا، الكتابة والاختلاف، ص.47

(3((فرانز أوليفيه جيسبير، «ما كان يقوله جاك دريدا (حوار)،» ترجمة عزيز توما، كتابات معاصرة، السنة 15، العدد 59، (2006)،

ص.25

(3((دريدا، الكتابة والاختلاف، ص.47

وكما يغاير التفكيك التقويض الهايدغري يغاير الهدم النيتشوي النقد أيضًا. ويرتد تميز التفكيك عن

النقد إلى كون النقد «يعمل دومًا وفق ما سيتخذه من قرارات في ما بعد، أو يعمل عن طريق محاكمة؛ أما

التفكيك، فلا يعتبر سلطة المحاكمة أو التقويم النقدي بأنها أعلى سلطة، إن التفكيك هو أيضًا تفكيك

للنقد. وهذا لا يعني أننا نحط من قيمة كل نقد أو كل نزعة نقدية، لكن يكفي أن نتذكر ما كانت تعنيه

سلطة النقد عبر التاريخ». التفكيك إذن تفكيك للنقد بل ومهاجمة له أيضًا. هذا ما يكشف عنه دريدا لمحاوره فرانز أوليفييه جيسبير

بقوله: «إن التفكيك يهاجم أيضًا فكرة النقد ذاتها؛ لست متحاملً بشيء على النقد، حتى أنني أعتقد أنه

يجب دفعه أبعد ما يمكن دفعه. لكن في كل لحظة أسأل نفسي من أين قدم إلينا، باختصار، التفكيك لا

يقتصر على النقد، وهو ليس أمرًا سلبيًا، إنه فكر النعم التأكيدي في التراث النيتشوي الكبير». وعليه،

فإنه إذا كان النقد أداة من أدوات التحري والدقة عند إيمانويل كانط، وفنًا لاختراق الأقنعة والتأويل

يعمل على إرجاع النموذج إلى أسسه باعتباره نموذجًا ضمن تراتبية قيمية ناتجة من صراع قوى عند نيتشه،

فإنه يبقى مع ذلك، عند دريدا، في حدود الممارسة الخارجية حين يبحث في الشروط العيانية والأسباب

والعوامل الخارجية الكامنة وراء كل نص، أي يبقى في حدود التمييز الذي أقامته الميتافيزيقا بين الداخل

والخارج. لذلك لا يكتفي التفكيك بردّ النصوص إلى عوامل خارجية، لأن في ذلك تكريسًا للميتافيزيقا

التي بقي النقد في حدودها، بل يسعى إلى مباشرة نوع من «النقد الداخلي» بإبراز أن «هناك في كل نص قوى

عمل هي في ذات الوقت قوى تفكيك للنص، وما يهم هو الإقامة في البنية غير المتجانسة للنص، والعثور

على توترات أو تناقضات داخلية يقرأ النص من خلالها نفسه ويفكك ذاته. ففي النص نفسه قوى متنافرة

تأتي لتقويضه ويكون على استراتيجية التفكيك أن تعمل على إبرازها». يغاير التفكيك التحليل أيضًا، فهو ليس تحليلً، لأن تفكيك عناصر بنية ما - يقول دريدا - لا يعني

الرجوع إلى عنصر بسيط، إلى أصل غير قابل لأي تحليل جديد؛ فهذه القيمة ومعها قيمة التحليل نفسها

بالذات هي عناصر فلسفات خاضعة للتفكيك. وحتى إذا تعلق الأمر في التفكيك بالتحليل، فإنه

يتعلق «بتحليل شيء قائم، شيء غير طبعي، ثقافة، مؤسسة، نص أدبي، نظام تفسير قيم، بناء»، أو

يتعلق بتلمس البنى والمؤسسات لا الخطابات والتمثلات فقط، أي تفكيك وحدة تامة إلى عناصرها

ووحداتها المؤسسة لها لمعرفة بنيتها ولمراقبة وظيفتها.

((3(في شأن اختلاف التفكيك الدريدي عن الهدم النيتشوي، يقول عبد السلام بنعبد العالي: «إن التفكيك يختلف عن الهدم النتشوي

في الصبغة الأكاديمية التي يتخذها، فهو أساسًا تفكيك للنص الفلسفي. إنه نقش على النصوص، وهذا ما يبرر ولع دريدا بتاريخ

الفلسفة واهتمامه الدقيق بنصوصها». انظر: عبد السلام بنعبد العالي، أسس الفكر الفلسفي المعاصر: مجاوزة الميتافيزيقا، ط 2 (الدار

البيضاء: دار توبقال للنشر، 2000)، ص.82

(37) Jacques Derrida, Points de suspension: Entretiens , choisis et présentés par Elisabeth Weber, collection la philosophie en effet (Paris: Galilée, 1992), p. 30.

((3(جيسبير، ص.25

((3(بنعبد العالي، ص.76

(4((دريدا، الكتابة والاختلاف، ص.60

((4(جيسبير، ص.25

(42) «La Déconstruction se distingue d’une analyse ou d’une critique en ce qu’elle touche à des structures, des institutions et pas seulement à discours et des représentations», voir: Jacques Derrida, La Vérité en peinture , Champs; 57. Champ philosophique (Paris: Flammarion, 1978), p. 23.

ليس التفكيك منهجًا، أي تطبيقًا لقواعد تُتذى قصد تحقيق هدف أو غاية معينة، ولا هو بطريقة، بالمعنى

الديكارتي، تفترض مبادئ ومفاهيم جاهزة وثابتة تسقطها على موضوعاتها المختلفة، ولا يمكن تحويله إلى

منهج للقراءة والتأويل، بل هو استراتيجيا تقوم على تشغيل آليات النص وتتبع منطقه الداخلي إلى حد جعله

يفقد وحدته، ويقول اختلافه الخصب، أي استراتيجيا في فحص النصوص تتوسل بالتشتت والتعدد لكسر

منطق الزوج الميتافيزيقي داخل/ خارج، كلام/ كتابة، هامش/ مركز، دال/ مدلول، أصل/ نسخة...إلخ،

ولإقرار حقيقة المتردد اللايقيني « indécidable » في عبارة «هذا وذاك» و«لا هذا ولا ذاك». التفكيك إذن تمرد على كل منهج وعلى كل سلطة فكرية، ويستند في تمرده ذاك على لغة خاصة به، لغة غير

معنية بالتمييز المتعارف عليه والذي دأبنا عليه بين أصناف القول الفلسفي والأدبي والجمالي، لأن ما يؤرق

هذه اللغة هو التعبير عن المسكوت عنه، عن الهامشي والمقصي والمغيب والمنسي، أي عن اللامفكر فيه. ليس التفكيك إذن نقدًا ولا تحليلً ولا منهجًا ولا تقويضًا ولا هدمًا؛ إنه ممارسة تندرج ضمن سيرورة

استراتيجية مفتوحة ولا متوقعة، ولا تنتهي ولا تحد بحد ما هو مكتوب؛ وهو، أيضًا، محاولة لفهم

كيف قُيض لمجموع ما أن يتشكل ويبنى ويتأسس، ولأجل ذلك لا بد من هدمه وتدميره وإعادة بنائه. بناء عليه، فإن التفكيك سؤال يحيا في الذاكرة وكلمة تنطوي على ضرورة التذكر والاتصال بتاريخ الفلسفة

الذي نتعلم داخله من دون أن نفكر، مع ذلك، في الخروج منه والانزياح عنه؛ وبهذا المعنى، إنما يكون دريدا

- من خلال توسله باستراتيجية التفكيك، ومن خلال اشتغاله على الأثر الفلسفي - قد بشر بميلاد فيلسوف

المستقبل الذي قال عنه دولوز، وهو بصدد نيتشه، إنه لا يبدع إلا بقوة تذكره لشيء ما طواه النسيان.

خاتمة

تأسيسًا على ما سبق ذكره، يمكن القول: إن التفكيك هو الفكر الخاص بمنبع وتخوم السؤال، ومن هنا

كانت المسألة في ما يتعلق بالتفكيك «مسألة انتقالات موضعية ينتقل فيها السؤال من طبقة معرفية إلى

أخرى ومن معلم إلى آخر حتى يتصدع الكل، وهذه العملية - يقول دريدا - «هي ما دعوته بالتفكيك»؛

فالتفكيك، بهذا المعنى، حدث لا ينتظم تشاورًا أو وعيًا أو تنظيمً من لدن الذات الفاعلة، لأن الشيء/

النص في تفكك دائم. إن التفكيك بتأكيده التعدد والاختلاف وإلغاء الحضور والتعالي، إنما يهدف إلى تقويض الحضور، بالشكل

الذي يتيح إمكانية انبثاق بدائل فكرية جديدة ومغايرة في نظمها لما أرسته الميتافيزيقا طوال تاريخها الممتد

على مدى يربو على ألفي سنة. من هنا، أمكن القول إن التفكيك امتداد للتقويض (هايدغر) والجينيالوجيا

((4(« La Déconstruction n’est pas une méthode: Elle est l’ouverture d’une question , c’est - à - dire

1992./6/ rien », voir: Jacques Derrida , « Qu’est - ce que la déconstruction? ,» Le Monde , 30

La Déconstruction est une stratégie sans finalité qui énonce au future le sens ou le contenu « ((4(

conceptuel de ce qui a déjà été écrit », voir: Jacques Derrida , La Dissémination , tel quel (Paris: Seuil

1972), p. 13.

((4(«دولوز بصدد نيتشه،» ص.121

(4((دريدا، الكتابة والاختلاف، ص.47

((4(المصدر نفسه، ص.61

المتخيل والاختلاف والهامش».

مراجع إضافية

العربية

كتب

البيضاء: إفريقيا الشرق،.1998 المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1994. (عالم المعرفة؛ 182) توبقال للنشر،.2000 دريدا، جاك. صيدلية أفلاطون. ترجمة كاظم جهاد. تونس: دار الجنوب للنشر،.1998 توبقال للنشر،.1988

إدريس كثير وعز الدين الخطابي. ط 2. الدار البيضاء: دار أفريقيا الشرق،.1994 الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.1983

دوريات

العدد 59،.2006

1998)، ص.335

(نيتشه) والأركيولوجيا (ميشيل فوكو)، ولكل محاولات النبش والتنقيب والهدم التي أرساها فلاسفة

الاختلاف للخروج والانفلات من قبضة الميتافيزيقا؛ لكنه، في الوقت عينه، مغاير لها ومختلف عنها من

حيث إنه «يقرأ التراث الغربي بهدف خلخلة أساسه العقلي والتحرر من الميتافيزيقا للانخراط في عوالم

أبو حيان التوحيدي، علي بن محمد. الإمتاع والمؤانسة. تحقيق صلاح الدين الهواري. بيروت: دار الآداب، أفاية، محمد نور الدين. الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة: نموذج هابرماس. ط 2. الدار أونج، والتر ج. الشفاهية والكتابية. ترجمة حسن البنا عز الدين؛ مراجعة محمد شاكر عصفور. الكويت: بنعبد العالي، عبد السلام. أسس الفكر الفلسفي المعاصر: مجاوزة الميتافيزيقا. ط 2. الدار البيضاء: دار

______. الكتابة والاختلاف. ترجمة كاظم جهاد؛ تقديم محمد علال سيناصر. الدار البيضاء: دار طواع، محمد. هيدجر والميتافيزيقا: مقاربة تربة التأويل التقني للفكر. الدار البيضاء: إفريقيا الشرق، كوفمان، سارة [وآخرون]. مدخل إلى فلسفة جاك دريدا: تفكيك الميتافيزيقا واستحضار الأثر. ترجمة نيتشه، فريدريك. الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي. ترجمة سهيل القش. ط 2. بيروت: المؤسسة

أندلسي، محمد. «نحو سياسة جديدة للكتابة في الفلسفة.» عالم الفكر: السنة 33، العدد 4،.2005 جيسبير، فرانز أوليفيه. «ما كان يقوله جاك دريدا (حوار)»، ترجمة عزيز توما. كتابات معاصرة: السنة 15،

(4((محمد نور الدين أفاية، الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة: نموذج هابرماس، ط 2 (الدار البيضاء: إفريقيا الشرق،

«دولوز بصدد نيتشه.» ترجمة حسن أوزال. فكر ونقد: العدد 39،.2001 غادامير، هانس غيورغ. «مدخل إلى أسس فن التأويل: التفكيك وفن التأويل.» ترجمة محمد شوقي الزين.

فكر ونقد: العدد 16،.1999

الأجنبية

Derrida, Jacques. De La Grammatologie. Paris: Minuit, 1967. ______. La Dissémination. Paris: Seuil, 1972. (Tel quel) ______. L’Ecriture et la différence. Paris: Seuil, 1967. (Tel quel) ______. Marges de la philosophie. Paris: Minuit, 1972. (Collection «Critique») ______. Points de suspension: Entretiens. Choisis et présentés par Elisabeth Weber. Paris: Galilée, 1992. (Collection la philosophie en effet) ______. Positions: Entretiens avec Henri Ronse, Julia Kristeva, Jean-Louis Houdebine, Guy Scarpetta. Paris: Minuit, 1972. (Collection «Critique») ______. La Vérité en peinture. Paris: Flammarion, 1978. (Champs; 57. Champ philosophique) Husserl, Edmund. L’Origine de la géométrie. Traduction et introduction par Jacques Derrida. 2eme éd. revue. Paris: Presses universitaires de France, 1974. (Epiméthée) Platon. Phèdre ou de la beauté. Tr. Victor cousin. Paris: Libraire – éditeur, 1849. ______. Le Sophiste, ou de l’être. Edition établie par Emile Chambry. Paris: Flammarion, 1988. Saussure, Ferdinand de. Cours de linguistique générale. Publié par Charles Bally et Albert Sechehaye avec la collaboration de Albert Riedlinger; Edition critique préparée par Tullio De Mauro. Paris: Payot, 1979. (Payothèque)