Return to Article Details The Dilemma of the Islamic Jurist in the Modern Nation State

معضلة الفقيه في ظل الدولة الوطنية الحديثة

The Dilemma of the Islamic Jurist in the Modern Nation State

​معتز الخطيب

Mu’taz al-Khatib

الملخّص

تقوم هذه الدراسة على أطروحة مركزية بَلْورها الكاتب سنة 2008 ، وهي أن مشكلات الفقه الإسلامي المعاصر ناتجة من علاقته بالدولة الوطنية الحديثة التي شكّلت قطيعة مع الموروث الفقهي، ولذلك انقسم الفقهاء في مواجهة متغيرات السلطة إلى ما اصطُلح عليه بالفقيه الحركي والفقيه التقليدي. والكاتب يرى في هذا البحث أن تلك القسمة أخذت مع الثورات العربية شكلً أكثر وضوحًا في الانقسام بين فقيه الثورة وفقيه الدولة.

Abstract

This paper is based on a central thesis formulated by the author in 2008, and argues that the problems of contemporary Islamic jurisprudence arise from its relationship with the modern nation state. This constituted a break from jurisprudential heritage, a shift that has led Islamic legal scholars (fuqaha plural, singular faqih) to split into two camps: revolutionary or traditionalists. This paper proposes that this division has become clearer with the Arab revolutions and the subsequent division between the state jurist and the revolutionary jurist. The author notes how the position of state jurists, in their dealing with it as a caliphate or historical state, erases all the achievements of the modern state within which they operate. The borrowing of political discourse and language used by the regime to perform tasks where, consciously or not, the religious and the political interact is built into their role. The revolutionary jurist, in contrast, offers a new understanding of religion as protest, and is instilled with a message that calls for revolution and change, thus widening the concept of worshipping God to include working to bring about Islamic rule. In sum, both types of jurists struggle to deal with political jurisprudence under the sway of the modern nation state. This study considers the subject from three perspectives. In doing so, the author presents us with a reading of fatwas, sermons, and statements issued during the Arab revolutions in Tunisia, Egypt, Libya, Syria, and Yemen.

الكلمات المفتاحية:
  • الفقيه التقليدي
  • الفقيه الحركي
  • الثورات العربية
Keywords:
  • The State Jurist
  • Revolutionary Jurist
  • Arab Revolutions

تقوم هذه الدراسة على أطروحة مركزية بَلْورها الكاتب سنة 2008، وهي أن مشكلات الفقه الإسلامي المعاصر ناتجة من علاقته بالدولة الوطنية الحديثة التي شكّلت قطيعة مع الموروث الفقهي، ولذلك انقسم الفقهاء في مواجهة متغيرات السلطة إلى ما اصطُلح عليه بالفقيه الحركي والفقيه التقليدي. والكاتب يرى في هذا البحث أن تلك القسمة أخذت مع الثورات العربية شكلً أكثر وضوحًا في الانقسام بين فقيه الثورة وفقيه الدولة. تعالج الدراسة فكرتَا من خلال ثلاثة محاور، يقدم الأول منها قراءة للفتاوى والخطب والبيانات الصادرة في أثناء الثورات العربية في دولها الخمس، ويوضح كيف شكّلت الفتوى ميدانًا للصراع بين مختلف الأطراف مع الدولة ومع الثورة، وكيف شكّلت المؤسسة الدينية الرسمية أحدَ أهم أدوات «الدولة» لضبط الجماهير الثائرة عبر سلطة الخطاب الديني، وخصوصًا الفتوى والخُطبة واللقاءات التلفزيونية. يقدّم المحور الثاني إطارًا تفسيريًّا لهذا الافتراق بين فقهاء الدولة وفقهاء الثورة يقوم على مسألتين: الأولى: السياق التاريخي لِتَشكّل الدولة الوطنية الحديثة في منطقة الشرق الأوسط، وعلاقتها بالدين والصراع على السلطة. والثاني: معرفة الفقه السياسي الإسلامي الذي يُشكّل البنية العميقة للخطابات الفقهية المختلفة ولمواقف التيارات الإسلامية. أما المحور الثالث، فيسعى إلى نقد وتحليل مضامين تلك الفتاوى والمواقف بالاستناد إلى مرجعيتها الفقهية، ليوضح كيف أن كلا الفقيهين، التقليدي والحرَكي، تَاوز حدود الفقه التراثي المعروف، بما يجعل منهما نموذجين جديدين بالإضافة إلى النموذج التراثي الذي أُنجز في مرحلة ما قبل الدولة الوطنية الحديثة. وتتضح جِدّة هذين النموذجين من خلال التغييرات التي طاولت عملية الفتوى نفسها من لحظة صوغها ووظيفتها إلى لغتها ودور المفتي وحدود عمله.

  1. هذه الدراسة نسخة مختصرة من دراسة أوسع أنجزها الباحث بفضل منحة بحثية من «منتدى الدراسات العابرة للأقاليم» في برلين.) Forum Transregionale Studien (

مقدّمة

يؤلف «الفقه» مجموعة من الأحكام والاجتهادات المبنية على أصول وقواعد متماسكة تشكل ما يمكن أن نسميه «النظام الفقهي»، وهو نظام يقوم على أساليب تعليل واستنتاج وبرهان وحِجاج متميزة تطورت عبر القرون1. وبحسب المعنى المتداول، تُشكل «الشريعة» جوهرَ هذا الفقه، وهي مصطلح قديم لكنه اكتسب بُعدًا جديدًا مع «الإحيائية الإسلامية» منذ خمسينيات القرن العشرين، ثم شاع منذ الثمانينيات ضمن شعار «تطبيق الشريعة» الذي رفعته حركات ما سُمّي «الإسلام السياسي». والفقه والشريعة يُعبّان عن «خطاب شامل» يغطي مختلف مناحي الحياة (الشعائر، والآداب، والأحكام المتعلقة بجوانب النشاط الإنساني، وأنواع الحقوق والواجبات وغيرها). يَرجع تبَلْوُر مصطلح «الفقيه» إلى النصف الثاني من القرن الهجري الأول2، وفي منتصف القرن الثالث جرى الحديث عن المذاهب الفقهية التي نَضِجت واكتملت في حدود منتصف القرن الرابع للهجرة، حين تكَوّنت لها سلطة ونفوذ على الأتباع، وهو ما عُرف بالسلطة المذهبية أو التقليد3. استمر هذا التقليد المذهبي (المالكي، الحنفي، الشافعي، الحنبلي) حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي الذي شهد احتلال معظم العالم الإسلامي، وهو ما أوجد تغيرات جذرية في السلطة والمجتمع، وتحديات لدور الفقه في التشريع ولسلطة الفقيه في المجتمع والدولة. كما أن الاحتكاك بالحداثة الغربية والتأثر ببعض أفكارها أوجدا قناعة لدى البعض بأن كتب الفقه الموروث لم تَعد كافية لمعالجة هذا الواقع الجديد، فنشأ جدال كبير بين دعاة التقليد المذهبي ودعاة الاجتهاد وتَاوُز المذاهب، لكن جهود السلفيين والإصلاحيين توحّدت على رفض التقليد عامة والتقليد المذهبي خاصة، فنشطت الكتابات في ضرورة الاجتهاد، وهو ما أحدث تغيرات كبيرة في الفقه والفتوى مع الدخول في عوالم «الدولة الوطنية» التي ورثت «الخلافة الإسلامية» في مرحلة ما بعد الاستعمار، وفيها انقلب عالَ الفقيه عمّ كان سائدًا من الناحية التاريخية وعمّ هو مسطور في تراثه ومصادره، وهو ما أدى إلى نشوء نشاط فقهي جديد يحاول مواكبة هذه المتغيرات والتواؤم معها4، كما أدى إلى بروز أشكال ونماذج مختلفة من الفقهاء والمفتين لم يكن عامتهم - بالضرورة - أوفياء للتراث الفقهي أو ممتثلين لشروطه ومنطق اشتغاله. إن جانبًا كبيرًا من هذه التغيرات يرجع إلى سؤال السلطة والدولة وموقف الفقهاء منها وعلاقتهم بها ودورهم فيها أو في مواجهتها. تُقدّم الثوراتُ العربية التي بدأت منذ سنة 2010 وحتى تاريخ كتابة هذه الدراسة، حالة نموذجية لقراءة الفتاوى الصادرة خلالها وتحليلها لجهة ما تعكسه من مسائل عدة، مثل: الفقيه ووظائفه في الواقع الحالي، وطرائق استثمار المعرفة الفقهية اليوم من فقهاء مختلفي التوجهات والتكوين والرؤى على خلفية اختلاف المواقف من الدولة القائمة من جهة، وعلى خلفية وعيهم بحدود دورهم ووظائفهم من جهة أخرى.

  1. انظر في بيان معنى النظام الفقهي والفرق بينه وبين النظرية، في: معتز الخطيب، «النظرية الفقهية والنظام الفقهي،» التفاهم
  2. (مسقط)، العدد 35.)2012(
  3. انظر في تأريخ ظهور مصطلح الفقيه: محمود غازي، «الفقيه: دوره وآليات عمله،» ورقة قدمت إلى: «الفقه الإسلامي والمستقبل: الأصول المقاصدية وفقه التوقع،» (الندوة الثامنة التي نظمها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، مسقط،.)2009/4/7-4
  4. انظر: وائل حلاق، السلطة المذهبية: التقليد والتجديد في الفقه الإسلامي، ترجمة عباس عباس؛ مراجعة فهد بن عبد الرحمن الحمودي (بيروت: دار المدار الإسلامي، 2007)، ص.24
  5. انظر المسارات العامة لهذا النشاط في دراسة سابقة: معتز الخطيب، «الفقيه والفقيه المعاصر: دوره وعمله وإنجازاته»، ورقة قدمت إلى: «النظرية الفقهية والنظام الفقهي،» (ندوة نظمتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، مسقط،.)2012/4/10-7

وتتلخص هذه الأسئلة جميعًا في عنوان عريض هو معضلة الفقيه في ظل الدولة الوطنية الحديثة. تقوم هذه الدراسة على ثلاثة محاور، يقدم الأولمنها قراءة للفتاوى والخطب والبيانات الصادرة في أثناء الثورات العربية، ويوضح كيف شكّلت الفتوى ميدانًا للصراع بين مختلف الأطراف مع الدولة والثورة. ويقدم المحور الثانيإطارًا تفسيريًّا لهذا الافتراق بين فقهاء الدولة وفقهاء الثورة، في حين يسعى المحور الثالثإلى نقد وتحليل مضامين تلك الفتاوى والمواقف بالاستناد إلى مرجعيتها الفقهية نفسها لبيان حجم الارتباك الذي يعانيه كلٌّ من فقيه الدولة وفقيه الثورة في التعامل مع «الدولة الوطنية الحديثة». قبل الشروع في محاور الدراسة، لا بد من توضيح أن عنوان «الفقيه والدولة» جاء للتعبير عن جوهر الإشكالية محلّ البحث - وهي معضلة الفقيه في ظل الدولة - فإنما نريد بالفقيه هنا معنىً أوسع من معناه الاصطلاحي، فالمقلّد لمذهب معيّ لا يُسمى فقيهًا في الاصطلاح، وعليه فإن الفقيه هنا يشمل المفتي أو من أُوكلت إليه مهمة الإفتاء في «الدولة الوطنية» حتى لو لم يكن من أهلها بحسب الاصطلاح الفقهي، ويشمل كذلك المفتين الآخرين من خارج المؤسسة الدينية الرسمية، وهو ما دفعنا إلى العدول عن القول «المفتي والدولة»؛ لأن المفتي صار كالعلَم على المفتي الرسمي. يأتي التركيز على الفتوى هنا لأنها المعبِّ الحقيقي عن النشاط الفقهي بما يتضمنه من استثمار للموروث الفقهي في الواقع محلّ البحث، وفي ظل مؤثرات سياسية وعلمية وشخصية تجتمع في شخص الفقيه، فلا يمكن تصَوُّر الفتوى مجردةً من دون منتجها ودوافعه والسياق الذي يُفتي فيه وله، ومن دون المرجعية التي يَنهل منها. فالفتوى هي خلاصة الدور المنوط بالمفتي أداؤه من جهة مضمونها وتوقيتها والمخاطَب بها، فهي فتوى تَصدر لحاجة أو غاية محددة في زمن محدد تطلبُ فعلً محددًّا يُراد من الجمهور الامتثال له بوصفه حكمَ الشرع. ومن هنا تتلاشى المسافة الفاصلة بين فتوى المفتي ورأيه الشخصيّ لتبدو كل الأقوال الصادرة عن هؤلاء الفقهاء/المفتين «حكم الشرع» الواجب الامتثال له، وهذا الذي يجعل من فتاواهم محل بحث وتحليل؛ لأن آراءهم الشخصية - إن وُجدت - لا خصوصية لها في هذا السياق، إذ تفقد بذلك سلطتها ومكانتها في الصراع السياسي، ثم إن منطوق الفتاوى والنصوص التي درسناها هنا لا تعترف بمواقف شخصية وإنما تنص صراحة على أنها إنما تعبّ عن موقف الشرع نفسه.

الفتوى والثورة والدولة: فتاوى الدولة وفتاوى الثورة

شكّلت المؤسسة الدينية الرسمية إحدى أهم أدوات «الدولة» لضبط الجماهير الثائرة عبر سلطة الخطاب الديني، وخصوصًا الفتوى والخُطبة واللقاءات التلفزيونية مع المشايخ الذي يعبّون عن موقف الدولة ويمتثلون لتوجيهاتها، في مقابل فتاوى وخطب أخرى مناهِضة لها، وهو ما جعلنا أمام خطاب ديني وفقهي منقسم تجاه الفعل الثوري الجماهيري والنظام الحاكم من جهة، وأمام أنماط مختلفة من «استثمار» الدين في المجال السياسي والصراع مع (أو على) الدولة من جهة أخرى. يرجع هذا الاستثمار السياسي للدين إلى عوامل عدة: أولها السلطة التي يتمتع بها الدين نفسه في معظم المجتمعات الثائرة؛ فحتى تونس التي غلَبت عليها العلمنة في العقود الأخيرة استنجدت بالمفتي لبيان حكم الانتحار في الشريعة، فالفتوى التي تجسد سلطة الحلال والحرام لا تزال تحظى بمكانة رئيسية حتى لدى المسلمين المحافظين عامة، وإن يكونوا غير متدينين، وهو ما توضحه برامج الفتوى المباشرة عبر الفضائيات وشرائح المتصلين السائلين، وثانيها أن شرائح واسعة من الثائرين كانوا من المصلين، وهو ما

جعل من يوم الجمعة يومًا ثوريًّا؛ بما وفره من حشْد ومن خطبة دينية تحولت إلى خطاب سياسي في كثير من الأحيان كما شهدنا في عامة الدول الثائرة، وتوزعت بين التعبئة والتهدئة، باستثناء تونس التي كانت فيها الثورة مفاجِئة وسريعة، وثالثها أن الأنظمة أرادت أن توفر خطابًا إسلاميًّا مؤيّدًا في مواجهة خطاب الإسلام السياسي المعارِض كأداة فكرية إلى جانب أداة القمع.

الثورة التونسية: فتاوى الانتحار احتجاجًا

في تونس أثارت حادثة إحراق البوعزيزي نفسه مواقف فقهية عدة امتزج فيها الهوى السياسي بالحكم الفقهي؛ فقد أصدر مفتي تونس عثمان بطيخ فتوى تعتبر أن «الانتحار ومحاولته جريمة وكبيرة من الكبائر»، وأن من يفعلها «لا يصلي عليه الأفاضل من الناس؛ استنكارًا لَا صدر عنه وزَجْرًا لغيره»، وأنه «على المرء أن يكون عاقلً مسيطرًا على انفعالاته، متغلِّبًا على الصعاب بالصبر والجد والاجتهاد»5. هذه الفتوى لا تتجاوز فعل «المنتحر» بل تعزله عن السياق، فالانتحار وقع نتيجة اصطدام بنظام الدولة. ثم إن الفتوى تتجاوز «بيان حكم الواقعة» إلى بثّ رسائل «توجيهية» للمؤمنين مُفادها الصبر، وتَُمِّلهم المسؤولية الكاملة بأن يسيطروا على انفعالاتهم ويكونوا «عقلاء». الحكم نفسه نجده لدى مفتي السعودية عبد العزيز آل الشيخ الذي انتقد «من يطبّل ويعظم هذه الممارسة»، واعتبره «من ضعفاء الإيمان والنفوس»6، وهي إشارة مبهمة إلى يوسف القرضاوي الذي عذَر البوعزيزي بأنه لم يكن حرًّا حينما أَقْدم على إحراق نفسه، وحمّل المسؤولية الكاملة ل«الأنظمة الطاغوتية» التي «جعلت هذا الشعب يعيش في أزمة نفسية»، ثم دعا اللهَ له بأن يمنحه العفو والمغفرة، ودعا المسلمين عامةً بأن يشفعوا لهذا الشاب عند الله؛ «لأنه تسَبّب في هذا الخير في إيقاظ الأمّة»7. أما شيخ الأزهر فكان شديد الحذر؛ إذ أصدر بيانًا يوضح أن الإسلام «لا يبيح للإنسان أن يُزهق روحه كأسلوب للتعبير عن ضيق أو احتجاج أو غضب»8. لكن هذا البيان يسكت أيضًا عن السياق والوسائل «المشروعة» للاحتجاج والتعبير عن الغضب؛ فمن المقرَّر في «آداب الفتوى» أن على المفتي أن يُرشد المستفتي إلى «البدائل» المباحة التي تغني عن الوسائل المحرمة.

الثورة المصرية: وعود الإصلاح وفتاوى «الشرع»

في الثورة المصرية نشطت الفتاوى بشكل أكثر وضوحًا وكثافةً وتتَابُعًا؛ نظرًا إلى تدين الشعب المصري، وإلى الحضور القويّ للمؤسسة الدينية ممثلةً في مؤسستي الفتوى والأزهر، وإلى دخول «الفتاوى» إلى ميدان الثورة وتَاذباتها. ألقى مبارك خطابه الثاني بتاريخ 2011/2/1، خيّ فيه الشعب «ما بين الفوضى والاستقرار»، وأعلن تشكيل حكومة جديدة وإجراء حوار مع القوى السياسية. وفي اليوم اللاحق ظهر

  1. نُشرت فتوى المفتي في: الصباح (تونس)،.2011/1/8
  2. كلام مفتي السعودية في:)، 2011/1/21 الحياة (لندن، ونقلته صحيفة الوسطالبحرينية، في التاريخ نفسه.
  3. كلام يوسف القرضاوي جاء في برنامج «الشريعة والحياة،» (قناة الجزيرة، تاريخ 2011/1/16)، ثم أصدر بيانًا نُشر بتاريخ
  4. تصريحات شيخ الأزهر نُشرت على لسان المتحدث الرسمي باسمه محمد رفاعة الطهطاوي، في: الشرق الأوسط،.2011/1/20

شيخ الأزهر أحمد الطيب9 وقال: «إن استمرار هذه المظاهرات بعد كل هذه الضمانات التي قيلت [يقصد خطابَ الرئيس مبارك] هي دعوة من أجل الفوضى»، وإن الوجود في المظاهرات «حرام؛ لأنها تُعَد خروجًا على الدولة وعلى النظام وعلى الجماهير»، ثم اعتبر أن مَن يُفتي ويدعو إلى التظاهر هم «دعاة على أبواب جهنم»، وهي إشارة إلى القرضاوي الذي دعا المصريين إلى تظاهرة مليونية يوم الجمعة في ميدان التحرير، وأفتى بأن مَن قُتلوا على أيدي أجهزة الشرطة والأمن هم «شهداء»10. في التوقيت نفسه ظهر مفتي الجمهورية علي جمعة على الفضائيات المصرية ليؤكد المعنى نفسه، بل إنه أباح للناس تَرْك صلاة الجمعة التالية خشية الفتنة، يريد بذلك أن يقطع الطريق على المليونية التي دعا إليها القرضاوي، وقال: «إن القرضاوي يعيش في قطر بجوار قناة الجزيرة ويستمع إليها»11. ثم ظهر المفتي على قنوات أخرى12 يتحدث عن «فتنة عمياء» وأن التظاهر محرّم لأنه «خروج على الشرعية»، وأن تونس «لم تحقق شيئًا من هذا الهياج» - يقصد الثورة - وأنه «تَبيَن أمام العالم كله أن الشعب مع مبارك»، ثم حيّا الرئيس مبارك لأنه مدّ يده بالحوار، وطالب المتظاهرين جميعًا بأن ينسحبوا من ميدان التحرير. يشير توقيت هذه الفتاوى ومضمونها إلى تطابق تام بين كلامي شيخ الأزهر ومفتي الجمهورية من جهتين: جهة موافقتهما التامة لخطاب الرئيس مبارك وموقف السلطة القائمة من الثورة، وجهة تحاشي كلٍّ منهما الدخول في مناقشة فقهية لدعوة القرضاوي للتظاهر أو الرد على حججه الفقهية، وإنما اكتفيا بمجرد الإحالة إلى عوامل «سياسية» خارجية.

الثورة الليبية: إرادة «الشرع» وإرادة «القذافي»

بدأت الثورة الليبية بتاريخ 2011/2/17 وأشعلت معها جدلا فقهيًّا؛ إذ أيّد الصادق الغرياني13الثورة منذ بدايتها، وأفتى ب«وجوب نصرة المتظاهرين»14، ثم ظهر في تسجيل مصوّر يجيب فيه عن ثلاثة أسئلة وجّهها إليه الثوار لبيان موقف «الشرع» منها، أيّد فيه إنشاء «المجلس الوطني الانتقالي» المراد إنشاؤه15. وفي 2011/2/28 نشُرت فتوى للشيخ بأن «الخروج على القذافي واجب؛ لسفكه الدماء واستعانته بالمرتزقة»، وأن «المظاهرات السلمية أمر بالمعروف ونهيٌ عن المنكر»16. أيد القرضاوي المظاهرات مجددًا17، ثم خصص خُطبة كاملة للثورة الليبية في الدوحة جاء فيها أن «من واجب الأمة أن تطلب حقوقها وأن تقول للظالم: يا ظالم»18.

  1. على «الفضائية المصرية» عبر اتصال هاتفي بتاريخ.2011/2/2
  2. أفاض يوسف القرضاوي في دَفع تهمة «الخروج» عن مثل هذه الاحتجاجات في حلقة خاصة في برنامج «الشريعة والحياة» (قناة الجزيرة، تاريخ.)2011/2/14
  3. كلام المفتي جاء يوم الأربعاء بتاريخ (2011/2/2) عبر قناة «دريم» المصرية في برنامج «واحد من الناس».
  4. ظهر على قناة «النيل»، وعلى قناة «الحياة» برنامج «الحياة اليوم.»
  5. الغرياني فقيه مالكيّ، وُلد سنة 1942، حصل على دكتوراه في الفقه المقارن من جامعة الأزهر سنة 1979 عن أطروحته «الحكم الشرعي بين النقل والعقل»، عمل لسنوات طويلة في العمل الأكاديمي، وله مؤلفات عديدة في الفقه وغيره.
  6. في تصريح له عبر قناة «الجزيرة» بتاريخ.2011/2/20
  7. نشى «المجلس الوطني الانتقالي الليبي» بتاريخ (أُ.2011/2/27
  8. نشر موقع «الجزيرة نت» تقريرًا وافيًا حول هذه الفتوى بتاريخ 2011/2/28 تحت عنوان: «الغرياني: الخروج على القذافي واجب»، على الموقع الإلكتروني: <http://www.aljazeera.net/news/pages/1ee41382-3264-4e9d-9473-0cf49ab24e5c>.
  9. في اتصال هاتفي من القاهرة مع قناة «الجزيرة» بتاريخ.2011/2/20
  10. خطبة الجمعة بتاريخ.2011/2/25

على الجهة المقابلة ظهر علي أبو صوّة (أحد أبرز المشايخ المؤيّدين للقذافي) عبر «القناة الليبية» ليناقش الفتاوى المؤيّدة للثورة، ويتحدث عن وجود «فتنة» و«مؤامرة خارجية»، وأن الطاعة للحاكم واجبة، ودعا إلى الصلح والمصالحة مع الحاكم، وأن «هناك مظالم ولكنّ لله تقادير» يجب أن تَنْفُذ. كان أبو صوة يَسخر من «الإخوان المسلمين» ويُسَخّف طريقتهم، ورأى أن مَن يجيزون الاستعانة بحلف الناتو «لا ينطلقون من فتوى وضوابط الشريعة، وإنما ينطلقون من فتاوى أوباما وساركوزي وكاميرون»، وتَجّم على «المجلس الوطني الانتقالي الليبي»19. لم يكن أبو صوة وحده، بل أفتى المدني الشويرف (من كبار مشايخ ليبيا، وعَمِل في السلك الديني الرسمي) بأن «لا يجوز مطلقًا» الدعوة إلى رحيل الرئيس20، ثم قال عبر القناة «الليبية»: «ما من أحد يقاتل الآن ولا يرجع إلى الصواب والصلح؛ إلا وهو كافر لا دين له». خطَب المدني الشويرف الجمعةَ في زليتن مخاطبًا أهلها21: «إنكم تَركتم بدافع إيمانكم، وذودًا عن حياض مساجدكم وعن حياض قائدكم»، أي معمر القذافي، وذهب في وفد شعبي إلى زليتن ليعزي الناس «باسم الدولة والقائد» في الشهداء والمفقودين جراء «قصف الناتو»، وألقى خطابًا بتاريخ 2011/8/10 قال فيه: «ما عادانا العالم إلا على كلمة (القرآن شريعة المجتمع)»، ثم طالبَ بحصَر حَْل السلاح برجال الشرطة، وفرْض حالة طوارئ، ونادى ب«الجهاد»، وفي ختام كلمته صار يهتف بشعار: «عاش القائد.. عاش القائد»، والجمهور المحيط به يردد وراءه. يصعب الفصل في خطاب معارضي المظاهرات بين الدواعي الدينية والحجج الفقهية من جهة، والاعتبارات السياسية - وبعضها مبهم وغامض جدًّا - من جهة أخرى، فهم يدمجون في خطابهم بين إرادة «الشرع» وحكمه وإرادة القذافي؛ حتى بتنا أمام تماثل تامٍّ بين الإرادتين أو الرؤيتين، فمخالفو النظام الليبي هم مخالفون للشرع والنصوص الدينية نفسها، ولا تحتل الحجج الفقهية مساحة كبيرة بالموازنة مع خطاب «المؤامرة» و«التدخل الأجنبي» والتهجم على المعارضين والتقليل من شأنهم وأنهم أصحاب أهواء وأغراض، والأهم أن معمر القذافي يبقى خارج أي نقد أو مساءلة لأفعاله وسياسته أو مقايسة لها بميزان «الشرع»، فأفعال معارضية وحدها المخاطَبة بأوامر «الشرع» ونواهيه، وإن وقع الاعتراف بوجود «مظالم» على الشعب فإنها سنة الله في خلقه في نظر أبو صوة، ومَن له حق يمكن أن «نأخذه» له في نظر المدني الشويرف.

الثورة اليمنية: صراع الفتاوى

كانت الثورة اليمنية أيضًا مجالً خصبًا لصدور الفتاوى والبيانات عن جمعيات وروابط علمائية أو دينية يمنية منذ شباط/ فبراير 2011؛ لكون الدين يحظى بأهمية وتأثير كبيرين إلى جانب القبيلة في المجتمع اليمني المحافظ والمتدين، ولكثرة التشكيلات والفعاليات الدينية داخل اليمن. الاتجاه العام للفتاوى والبيانات كان مؤيّدًا للمظاهرات ومطالب الشباب، ومتوافقًا - لاحقًا - مع «المبادرة الخليجية» التي طُرحت من أجل انتقال السلطة وحل الأزمة، ولم يكن يمر شهرٌ من شهور الثورة إلا وتصدر فتوى أو بيان جديد، فضلً عن خطب الجمعة المستمرة.

  1. هناك عدة تسجيلات مصورة لعلي أبو صوة على موقع «يوتيوب»، والأفكار الواردة أعلاه تَرد في تسجيل مصور بتاريخ
  2. قناة «الشبابية» الليبية في «حوار خاص» بتاريخ.2011/7/27
  3. بتاريخ 2011/7/15، ونقلتها قناة «الليبية» على الهواء مباشرة.

كان من بين البيانات المؤثرة بيان للعلماء طَالَب الرئيس علي عبد الله صالح بالتنحي «لعجزه عن أداء مهامِّه رئيسًا للجمهورية نتيجة الإصابات التي تعَرض لها، داعين إلى تسليم سلطاته إلى نائبه درءًا للمفاسد وحقنًا للدماء»22، وقد حمل البيان توقيع 110 من كبار علماء اليمن ووجهاء القبائل، من بينهم اسم القاضي والمفتي اليمني البارز محمد بن إسماعيل العمراني، وهو ما شكّل صدمة كبيرة للنظام اليمني الذي يستند إلى قاعدة دينية وقبَلية. ثم نقلت وكالة الأنباء الرسمية «سبأ» عن العمراني قوله: «لا يُقر ما ورد في ذلك البيان الذي يسعى إلى شقّ الصف وإثارة الفتنة»23، ولكن «هيئة علماء اليمن» نشرت بيانًا آخر24 توضح فيه أن العمراني وقّع بيان التنحي وهو على فراش المرض، ثم طالبَ بسحب توقيعه. تشير تفصيلات وملابسات توقيع العمراني ونفيه إلى عملية «تسييس» بعيدًا عن الاعتبارات العلمية والدينية الخالصة. ومع كثرة البيانات والفتاوى التي صدرت بخصوص الثورة، بقيت «جمعية علماء اليمن» صامتة إلى حين صدور البيان الداعي إلى التنحي، فاجتمع الرئيس علي عبد الله صالح ب«جمعية علماء اليمن»، وناشدَ العلماء الاضطلاع بمسؤولياتهم الدينية في حلحلة العقد والبحث عن حل25، فعقدت الجمعية ما أسمته «المؤتمر العلمي» تحت عنوان: «نحو رؤية شرعية واضحة»، ثم أصدر المجتمِعون- وهم ممن انتقاهم النظام - بيانًا نص على أن الخروج على الحكام محرَّم شرعًا؛ سواء أكان بالقول أم بالفعل، وأكد البيان أن «المظاهرات والاعتصامات الحالية في الطرقات العامة والأحياء السكنية وما يحدث فيها: محرّمة شرعًا وقانونًا»، ولم ينس البيان الإشارة إلى «حرمة الاستجابة للدعوات والمخططات المُغْرِضة الداخلية والخارجية الداعية لتفريق الأمة وتمزيق الوطن»، ثم دعا البيان «من أفتى بجواز الخروج على ولي الأمر إلى تقوى الله ومراجعة أنفسهم». يدمج هذا البيان المسائلَ الفقهية «التاريخية» بالاعتبارات السياسية والانحياز إلى جهاز الدولة، فالبيان يطابق رؤية النظام اليمني للمظاهرات ويكاد ينفي عنها صفة «السلمية» حين «يدعو جميع الأطراف إلى رفع المظاهر المسلحة حقنًا للدماء وتحقيقًا للأمن والاستقرار»، وحين «يدعو ولي الأمر إلى العمل على إزالة المظالم والتوجيه بسرعة البتّ فيها»، وحين يعتبر أن «قيام الجهات الأمنية بمسؤولياتها هو جهاد في سبيل الله» على الرغم ممّا ترَتّب عن ذلك من سفك للدماء واعتداء على الحرمات، هكذا تندمج سبيلُ الدولة والنظام بسبيل الله من دون أي فرق أو تمييز في نظر «جمعية علماء اليمن» الرسمية! أثار هذا البيان ردودًا عدة، منها ردّ القرضاوي الذي صاغ بيانًا جمع فيه بين الحجج الفقهية والنصية وبين الاعتبارات الحديثة للدولة26، فأوضح فيه أن بيان «جمعية علماء اليمن» أغفل الكثير من «الحقائق والمسلمّات»، وهي: أن الحاكم الحالي الذي يدافعون عنه ويدعون إلى طاعته هو حاكم جمهوري استبد

  1. صدر البيان بتاريخ.2011/6/17
  2. سبأ (وكالة الأنباء اليمنية)، 2011/6/18، وقد نقل موقع «اتجاهات أونلاين» اليمني خبر نفي العمراني عن وكالة «سبأ» وأضاف إليه زيادات بأن قتالهم جهاد، وأنهم خارجون عن جماعة المسلمين، وأعمالهم تخريبية إلى غير ذلك! وهذا الكلام لم يرد في وكالة «سبأ» عن العمراني، كما لم يرد بخصوص «الثورة» اليمنية، بل ورد في وكالة «سبأ» في سنة 2007 على لسان العمراني بخصوص قتال الحوثيين، ولكن هذا الموقع «زوّر» ذلك وخلط الخبرين!
  3. موقع باسم «المسؤول الإعلامي فيها»، ونُشر بتاريخ.2011/6/19
  4. انظر: عبد الله الثلايا، «التنظيم الديني الأكبر الذي ظل صامتا: مأرب برس ترصد مسيرة الفتوى الدينية الصادرة بشأن الثورة اليمنية،» (مأرب برس (موقع إلكتروني)،:)2011/9/12 <http://www.marebpress.net/news_details php?lang=arabic&sid=36485>.
  5. نُشر بيان «القرضاوي» بتاريخ.2011/10/2

بالسلطة منذ ثلاث وثلاثين سنة، والحكم الجمهوري يوجب تداول السلطة بعد مدة محددة، وأن هذا الحاكم جاء بانقلاب عسكري، وأن الدستور الذي وضعوه والقوانين التي صدرت عنه تبيح لهم الخروج في مظاهرات سلمية، إلى غير ذلك ممّا ذكره بيان القرضاوي. ومنها ردٌّ باسم «علماء اليمن » اعتبر أن «ما يجري من مظاهرات واعتصامات واحتجاجات إنما هو حق شرعي وصورة من صور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقولٌ لكلمة حق عند سلطان جائر، وهو أيضًا حق دستوري وقانوني وليس من ‹الخروج› في شيء، كما أن أحكام الشريعة قد أوجبت عزل الحاكم إذا ارتكب ما يستحق به العزل، ومن ذلك أن: يعجز عن القيام بواجباته من حفظ الدين، والحكم بما أنزل الله، وصيانة الدماء، وحفظ الأعراض والأموال، وتنفيذ الأحكام بين المُتشَاجرِين، وقطع الخصام بين المتنازعين، وإقامة الحدود، وتحقيق العدل»27.

الثورة السورية: النظام مفتيًا

انطلقت الثورة السورية في شباط/ فبراير 2011 من المساجد، فخرجت المظاهرات عقِب صلاة الجمعة التي وفّرت فرصة ثمينة للتجمهر غير المُكْلف في ظل نظام قمعيّ، ولكن اقتران فعل التظاهر بصلاة الجمعة جعل الدين في قلب «الثورة»؛ إذ وظّف شعيرة دينية يصعب التعاطي معها بالمنع في بادئ الأمر. أصدر النظام توجيهاته عبر وزارة الأوقاف وبعض القيادات الدينية بحثّ الناس على الهدوء وعدم استخدام المساجد للتظاهر، وخصص التلفزيون السوري الرسمي «حلقة خاصة» لمحمد سعيد رمضان البوطي، أحد أكبر علماء سورية. ظهر البوطي (مساء الخميس 2011/3/24) فتحدث عن «أياد خارجية» تعبث بشأن البلد، وقام بتحقير المتظاهرين وتجهيلهم، كما تحدث عن «مؤامرة» قد يكون وراءها اليمين الأميركي المتطرف واليهود بهدف إسقاط النظام الممانع، وقال: إن هؤلاء المتظاهرين «ينتعلون المساجد» لأهداف وغايات شريرة وليسوا من المتدينين أصلً. كلام البوطي يأتي بعد أحداث درعا التي شكّلت الانطلاقة الأولى للثورة السورية، وفيها قام النظام السوري بقلع أظافر مجموعة من الأطفال وقَتْلهم لأنهم كتبوا على أحد الجدران شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، لكن البوطي يقصر الأمر كله على وجود مؤامرة خارجية. وفي اليوم اللاحق (2011/3/25) ظهر القرضاوي من الدوحة لينتقد موقف البوطي والنظام السوري عبر خطبة «الجمعة»، ورأى أن «قطار الثورة» تأخر في الوصول إلى سورية. شكّلت «حلقة» البوطي و«خطبة» القرضاوي بداية سجال ثنائيّ بين الرجلين تكرر في أكثر من مناسبة، اختلط فيه الديني بالسياسي، كما اختلط الواقع السياسي الحالي بالإرث التاريخي للعلاقة بين الإخوان المسلمين والنظام البعثي. شنّ النظام السوري هجومًا حادًّا على شخص القرضاوي عبر وسائل مختلفة، فتأييد القرضاوي - وهو أهم مرجعية دينية في العالم السنّي - للتظاهر والتغيير في سورية شكّل ضربة موجِعة للنظام أفسدت عليه خططه «الداخلية» في التهدئة عبر الخطاب الديني السوري «الرسمي». في الأسبوع الأخير من نيسان/ أبريل 201128، وبعد وعود من الرئيس بالإصلاح لم تُْدِ في تهدئة المتظاهرين، خصص التلفزيون السوري الرسمي حلقة خاصة للبوطي من برنامجه «دراسات قرآنية»29

  1. صدر البيان باسم «بيان علماء اليمن بشأن البيان الصادر باسم جمعية علماء اليمن حول أوضاع اليمن الراهنة» بتاريخ
  2. تم تأريخ هذا التسجيل المصور بتاريخ 2011/4/24، ويبدو لي أن تاريخه يرجع إلى يوم الأربعاء.2011/4/20
  3. برنامج «دراسات قرآنية» خصصه الرئيس حافظ الأسد للبوطي منذ مطلع التسعينيات عبر شاشة التلفزيون السوري الرسمي، وسبق للبوطي أن خصص حلقة للحديث عن «قانون العفو» الذي أصدره الأسد الأب سنة.1995

ليقوم بتهدئة المتظاهرين، فيُدين التظاهر ويرى أن الحلّ يكون عبر سلاح واحد هو «سلاح الاستيقاظ في الأسحار والالتجاء إلى الله بالدعاء»، وبهذا فإن الحقوق ستتحقق؛ لكن بشرط الجلوس في البيوت، وبهذا يحمي الناسُ أنفسَهم من طلقات الرصاص التي قد تأتي من هنا أو هناك، في إشارة إلى إطلاق النظام السوري الرصاص على المتظاهرين السلميين في بداية الثورة. يختم البوطي دعوته للناس إلى الجلوس في البيوت بأنه «أمر الله». شكّلت «المؤسسة الدينية الرسمية» في سورية إحدى أهم أدوات النظام لصوغ «فتاوى» و«خطابات» مطابقة تمامًا لخطاب النظام السياسي الرسمي تجاه الثورة ومؤيديها. وقد استمر هذا الدور بأشكال مختلفة وعبر شخصيات متعددة، ولكن الدور الرئيسي كان للبوطي ومفتي الجمهورية أحمد حسون ووزارة الأوقاف السورية التي كانت تُصدر بيانات باسم «علماء سورية» تارة، وباسم «رابطة علماء بلاد الشام» تارة أخرى للرد على القرضاوي أو على «الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين» وللدفاع عن النظام السوري. ولا يمكن فهم أداء تلك المؤسسة وأطرافها إلا بناء على إيقاع الأحداث وتقديرات النظام السوري نفسه للوقائع ومسار الأحداث، ويبدو هذا بوضوح من خلال ثلاثة أمور: أولها ما هو معروف في بنية النظام وسياسته في إدارة الشأن الديني منذ الثمانينيات. وثانيها تلك الإشارة الصريحة التي صرّح بها كريّم راجح، شيخ قراء الشام في خطبة الجمعة بتاريخ 2011/4/1، حين قال بوضوح شديد الدلالة: «نحن لسنا بحاجة لكل ما يأتينا من الأوقاف لضبط الناس. المنبر لا يُستشار بشيء أبدًا إلا إذا وقعت أزمات، بل المطلوب منه أن يُطفئ الأزمات!»، في انتقاد شديد اللهجة لسياسة النظام الآتية عبر توجيهات «وزير الأوقاف». وثالثها - وهو الأهم - أن رئيس الدولة اجتمع بالعلماء والمشايخ في رمضان بتاريخ 2011/8/25 وألقى فيهم خطابًا صريحًا انتقد فيه أداءهم على المنابر في أثناء «الأزمة»، وقال «إن المنبر أحد الجوانب التي أضرت بالمشكلة، ‹فالمنبر ملك للمسجد وليس ملكًا للشيخ، على المنبر هناك أصول› ينبغي أن تُراعى، وإن الحديث على المنبر حين يؤدي إلى تفاقم المشكلة ‹يصبح هذا الشيخ شريكًا في الدماء؛ لأنه يعرف مسبقًا أن كلامه سيؤدي إلى سفك الدماء حتى لو كان يقول كلامًا صحيحا›». وفي إشارة شديدة الدلالة يقول الأسد: «من لقاءاتنا مع عدد من الشيوخ نناقشهم فيقولون: إنهم مقتنعون. فنقول لأحدهم: لماذا لا تخرج وتقول هذا الكلام؟ واحدة من القضايا: تحريم التظاهر. فيقول: لأنه - بما معناه - لا يريد أن يخسر شعبيته، يعني هو وضع نفسه أمام مبادئ الدين». يأتي هذا الخطاب من رئيس الجمهورية (وإلى جانبه البوطي والمفتي حسّون ووزير الأوقاف) إلى الشيوخ (وفيهم عامة رجال الدين في سورية بمختلف مذاهبهم) ليكشف عن سياسة النظام السوري في صوغ الفتوى والخطاب الديني في أثناء الثورة؛ فرئيس الدولة هنا يمارس دور «المفتي» والواعظ حين يملي على المشايخ ما يجب أن يقولوه وما لا يجب، وما هي «الأصول» التي يجب أن يلتزموا بها على «المنبر»، بل إنه يقرر «مبادئ الدين» التي يخالفها هؤلاء الشيوخ الذين يرفضون تحريم التظاهر الذي أقنعهم به ورفضوا إعلانه على الناس. ومن المثير للتأمل ذلك التطابق التام بين كلام الرئيس في خطابه للمشايخ وفتاوى وخطاب البوطي منذ بداية الثورة، فكلاهما يحتكم إلى منطق واحد30؛ فحديث

  1. تأمل فتوى البوطي في تحريم المظاهرات، على موقع «نسيم الشام»، برقم (13994)، بتاريخ.2011/6/14

الرئيس عن الشيخ الشريك في الدماء، وعن مخالفة بعض الشيوخ مبادئ الدين حين لا يصرحون بتحريم المظاهرات، يقابله حديث البوطي عن «سد الذرائع» وسخط الله على من لا يبالون ب«حكم الله» في المظاهرات، ولكنّ كلًّ من بشار الأسد والبوطي يسكت مطلقًا عن وضع وحكم مَن يطلق النار على المتظاهرين وهو الفاعل الرئيسي في الحدث! تقدم هذه الوقائع في بلدان الثورات الخمس أمثلة مهمة على وجود نموذجين للفقيه المعاصر في ظل الدولة الوطنية، وهو ما سبق لي أن اصطلحت عليه بالفقيه الحركي والفقيه التقليدي31، ولكنه يأخذ مع الثورات شكلا أكثر وضوحًا في الانقسام بين فقيه الثورة وفقيه الدولة.

الإطار التفسيري للافتراق بين فقهاء الدولة وفقهاء الثورة

هذا الانقسام بين «فقهاء الدولة» المُلحَقين بالأنظمة القائمة - وهم في الغالب جزء من جهاز الدولة - و«فقهاء الثورة» لا يمكن فهمه إلا بالعودة إلى مسألتين: الأولىهي السياق التاريخي لتَشكل الدولة الوطنية الحديثة نفسها في منطقة الشرق الأوسط، وعلاقتها بالدين والصراع على السلطة. والثانية هي معرفة الفقه السياسي الإسلامي الذي يُشكل البنية العميقة للخطابات الفقهية المختلفة ولمواقف التيارات الإسلامية.

السياق التاريخي لتشكل الدولة الحديثة

فالسياق التاريخي لتشَكل الدولة في الشرق الأوسط يُيل إلى سؤال ملاءمة نموذج «الدولة الحديثة» المستورَد للثقافة والمجتمع الإسلامي32، وهو الإشكال الذي شغل الكثير من المفكرين العرب والمسلمين منذ نهايات القرن التاسع عشر، وكان دافعًا للبحث في شكل الدولة وطبيعتها ووظائفها، وكيفية ملاءمة ذلك مع الفقه والتراث الإسلامي. الدولة الحديثة في العالم الثالث لم تنشأ- بشكل رئيسي - نتيجة تطورات داخل المجتمع؛ فقد تركت الحقبة الاستعمارية تأثيراتها الكبيرة في شكل الدولة وطبيعة الحكم فيها، فقامت الدولة على أنقاض «الخلافة الإسلامية» التي كانت منسجمة تمامًا مع الموروث الفقهي بشكل عام، ولكن تقسيم ميراث الخلافة بناء على اتفاقية سايكس - بيكو أدى إلى ظهور بنى وهياكل ومؤسسات جديدة أدت إلى تغييرات جوهرية في الواقع الذي تجاوب معه الفقه الإسلامي وفي الأدوار التي كان يقوم بها الدين وعلماؤه. شكّل الدين الإسلامي معضلةً في تشكيل وبناء الدولة الوطنية الحديثة التي ورثت الحقبة الاستعمارية وراحت تحاكي النموذج العلماني على طريقتها الخاصة، الأمر الذي وضعها في مواجهةٍ مع تيار «الإسلام السياسي» الذي يملك مشروعًا مخالفًا لشكل الدولة القائمة ومرجعيتها ووظائفها، ونتج من هذه المواجهة صراع على تفسير الدين وتمثيله؛ إذ وجدت الأنظمة الحاكمة نفسها مضطرة إلى إنشاء خطاب ديني خاص بها يقارع أطروحات المناهضين لها على أرضية إسلامية، فشجعت «التقليد» واستولت على إدارة الشأن الديني، أكان ذلك عبر وزارة الأوقاف أم عبر مؤسسة الفتوى، ففرضت بذلك رقابة مُكمة على مسألتين: إدارة الشأن الديني وإنتاج الخطاب الديني، وتمّ لها إقصاء أو تهميش الرؤى المخالفة حتى

  1. انظر: معتز الخطيب، «الفقيه في الأزمنة المعاصرة،» ورقة قدمت إلى: «التقنين والتجديد في الفقه الإسلامي المعاصر،» (الندوة السابعة حول «تطور العلوم الفقهية»، سلطنة عمان،.)2008/4/8-5
  2. وهو سؤال انشغل به عددٌ من الدارسين أمثال: بيري أندرسون وبرتراند برادي وسامي زبيدة.

مطالع التسعينيات حيث نشأت الفضائيات ومواقع الإنترنت فانفلت المجال الديني العام من الضبط والتحكم، وأفادت من هذا الانفتاح فئتان أساسيتان تشكلان تيار الاحتجاج والدفاع عن «الهوية» المهددة هما: الإخوان المسلمون والسلفيون33. ساهم هذا الانفتاح في إبراز الاختلاف الحادّ بين نموذجين رئيسيين للتدين والفتوى اكتنفا الدولة الوطنية وهما: التدين المندمج في الدولة أو المتصالح معها - وهو ما عُرف ب«الإسلام الرسمي» - والتدين المستقل عنها والذي يغلب عليه الطابع الاحتجاجي، خصوصًا في شكله الإخواني، وهما شكلان ستتضح بعض خصائصهما لاحقًا من خلال فتاوى الثورات. فالتدين المندمج في الدولة يرجع إلى الرؤية التي سيطرت تاريخيًّا على التراث الفقهي الإسلامي، وهي فكرة «حكم الضرورة»؛ الحكم الذي غلَب على عامة الحكومات بعد «الخلافة الراشدة»، وهي حكومات لم تلتزم التزامًا كليًّا بالشريعة الإسلامية، وخاضت صراعات مع بعض الفقهاء بأشكال مختلفة حول الدين والسلطة، ولكن وقع التسليم لها ما دامت تلتزم بالدفاع عن «دار الإسلام» وتسهل إقامة الشعائر الدينية ولا تصادم الدين مصادمة واضحة (الكفر البوَاح). معظم الخطاب الفقهي التقليدي يتحرك داخل أفق الدولة نفسها، فهو إما مندمج فيها وإما مسلّم لها ولكنه يطالب ببعض التغييرات الجزئية، فهو لا يحمل مشروعًا سياسيًّا أو تغييريًّا، بل يعتبر أي خروج على هذا التسليم بحكم الضرورة خروجًا على الدين الذي استقرّ الإجماعُ عليه، فلم يجرِ الاعتراف بفكرة «المعارضة» داخل الفقه الإسلامي بشكل عام، فضلا عن توفير هامش منهجي ونظامي وداخلي لها، ولذلك كانت كل معارضة تتحول إلى تمرد مدان وفق التصور الفقهي التقليدي. وهذا أحد الجوانب التي يتضح فيها أن «الدولة الحديثة» التي قامت في الشرق الأوسط لم تكن «حديثة» حقًّا؛ فحداثتها حداثة جزئية من حيث أشكال التنظيم والإدارة والحكم وليس معناه أنها حديثة بالمعنى الغربي، فهي لم تفلح في استنبات «الحقل السياسي» الذي استنبتته «الدولة الغربية»، فبقيت أشبه بالدولة الأبوية التي تفرض وصايتها على مواطنيها، وتتماهى فيها شخصية الفرد الحاكم مع الدولة ويمثل أحدهما الآخر، ويتم فيها توزيع الموارد القومية على أساس الحسابات السياسية من أجل ضمان الولاء للشخص والنظام، ولاستباق الصراعات المُهدِّدة للنظام ونزع فتيلها، وهنا يشكل الدين إحدى أهم أدوات «تربية» جمهور المواطنين وتطويعهم لإرادة الدولة باسم إرادة الله والشرع، عبر القيادات الدينية التي تنتج الخطاب نفسه وبعضها يعمل كجزء من جهاز الدولة ويجسّد إرادتها، فلا وجود مستقلً عنها. خارج هذا الشكل القائم للدولة، مرّ التفكير الإسلامي الحديث في الدولة بثلاث مراحل تاريخية متميزة34: المرحلة الأولىمع رفاعة الطهطاوي (1834) وخير الدين التونسي (1867) وغيرهما من الذين طمحوا إلى «الدولة التحديثية» بعد أن رأوا أن «السيل الذي لا يمكن دفعه» المتمثّل في الغرب الزاحف لا يواجَه إلا بدولة عصرية قوية تقود عمليّات التجديد في التعلم من الغرب وفي مقاومة سيطرته العسكرية والسياسية بوسائله الفعالة التي يستطيع المسلمون اكتسابها واستخدامها. وتتمثل المرحلة الثانية

  1. سبق لي أن شرحتُ كيف انفتح «المجال العام الديني» وانفلت من قبضة الدولة بدءًا من التسعينيات في: معتز الخطيب، «الفتوى في المجال العام،» ورقة قدمت إلى: «الفتوى على الشاشات،» (ندوة، كلية الدراسات الإسلامية في قطر،.)2011/6/28-27
  2. قارن ب: رضوان السيد، «الدين والدولة في زمن الثورات: المنظور النهضوي ومطالبه،» المستقبل العربي، السنة 35، العدد 406 (كانون الأول/ ديسمبر 2012)، ص 23 وما بعدها.

في مقولة «الدولة المدنية» مع محمد عبده (1905) وعلي عبد الرازق الذي كتب الإسلام وأصول الحكم (1925) ورأى فيه أن النبي محمد (ﷺ) كانت مهماته دينية فقط، في مقابل أطروحة «الخلافة الإسلامية» ذات المهمات الدينية. أما المرحلة الثالثة فتتمثل في مقولة «الدولة الإسلامية» التي تطورت لاحقًا في السبعينيات إلى فكرة «النظام الشامل» مع حسن البنا (1948) وحركة الإخوان المسلمين. تخلل تلك المراحل الثلاث توجهاتٌ وأفكار متعددة، بعضها معارض للدولة الوطنية الحديثة التي سادت وبعضها متصالح معها، وهو ما ترك أثره في المواقف الدينية من الثورات العربية. وفي حين أن المرحلتين الأولى والثانية بقيتا أقرب إلى الفكرة منها إلى المشروع، فإن المرحلة الثالثة (الدولة الإسلامية) شكّلت مشروعًا حَلته حركة شعبية ممتدة عقودًا تبنّت «العمل الحركي» (وهو ما سُمّي الإسلام السياسي)، ويتلخص مشروعها في العمل على إقامة الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي وتطبيق الشريعة، ولذلك خاض هؤلاء العمل السياسي إلى جانب العمل الدعوي والفقهي وإصدار الفتاوى، وأصبحوا يمثّلون ما يمكن تسميته تيار الاحتجاج أو المعارضة لا للأنظمة القائمة فقط، بل للمؤسسة الدينية الرسمية أيضًا، التي استتبعتها الدولة وتحولت إلى جزء من جهازها لخدمة النظام القائم وتوفير الغطاء الديني وتوفير المسوغات الدينية له حين يحتاج إليها، فمهمتها دومًا هي مساءلة تصرفات «المؤمنين» لا تصرفات «الدولة» أو الحاكم، فهي تمثّل سلطة الردع للضمير الديني إلى جانب السلطة الأمنية للدولة التي تمثّل سلطة الردع النفسي والإكراهي، وكلاهما يقوم على صناعة «فقه الطاعة» وصوغ «المواطن الصالح» دينًا ودنيا. بعيدًا عن تيار الاحتجاج، انخرط عامة الفقهاء في وظائفهم التقليدية في التعليم والدعوة وتصَالحوا مع الدولة القائمة، وتسَلّم بعضهم مناصب فيها، وتنوعت أشكال مساندتهم للنظام، فهي تارة تكون بدعوة الأتباع إلى اعتزال السياسة وتقديم تديّن محصور فقط في الشأن التعبدي/الصوفي، أو بتأييد مرشحي الحزب الحاكم في مقابل خصومهم كما وقع من أحمد كفتارو مفتي سورية طوال فترة حكم حافظ الأسد وبداية حكم بشار الأسد، أو بتأييد سياسات الدولة في مواجهة الإسلاميين في مرحلة الصِّدام كما وقع من البوطي مثلا منذ الثمانينيات وحتى الثورة السورية، أو بتوفير المواقف الدينية والفتاوى في التوقيت الملائم للسلطة، كما جرى من الأزهر ومؤسسة الفتوى في مصر في مراحل مختلفة. ليس غريبًا بعد هذا أن الشخصيات التي تَسلّمت المناصب الدينية وحظيت بدعم الأنظمة، هي نفسها التي وقفت إلى جانب الأنظمة في الثورات العربية، وهي نفسها التي عارضت نهج «الإسلاميين» الحركيين، فشيخ الأزهر أحمد الطيب ينتمي إلى «الحزب الوطني» الحاكم، ومفتي مصر علي جمعة ومفتي سورية (أحمد كفتارو ثم أحمد حسون) والبوطي هم من المعارضين بشدة لجماعة «الإخوان المسلمين»، بل إن البوطي بدأ منذ الثمانينيات يكتب ضد منهج الإخوان في السعي إلى الحكم ليوضح أن إقامة المجتمع الإسلامي ليست مهمة الحكام بل مهمة جميع الأفراد، ولا علاقة للوصول إلى السلطة بإقامة المجتمع الإسلامي35. من هنا تصبح ذات مغزى تلك الإشارات المتكررة من «فقهاء الدولة» لمسألة انتماء القرضاوي إلى «الإخوان

  1. كتب البوطي ذلك سنة 1980 حين أصدر الطبعة الأولى من كتابه على طريق العودة إلى الإسلام، ثم عاد فغيّر اسم الكتاب سنة 2008 فجعله التعرّف على الذات هو الطريق المعبّد إلى الإسلام. وانظر للأهمية وقائع الندوة التي عقدها البوطي مع محمد مهدي شمس الدين، وصدرت بعنوان: محمد نفيسة، معد، الحوار سبيل التعايش مع التعدد والاختلاف: ندوة فكرية (بيروت: دار الفكر المعاصر، 1995)، ص.84-81

المسلمين» أو الإشارة إلى «حزبيته» في معرض الرد على فتاويه وتصريحاته المؤيِّدة للثورات، فتلك الردود السجالية لا تحتفي بحججه الفقهية بقدر ما تهتم بانتمائه وتحيزاته السياسية لنزع صفة «الشرعية» عن مواقفه المخالفة لتعاليم الدين بحسب فهمهم، من دون أن يعوا أن تحيزه يقابلُ تحيزاتهم أيضًِا وهم ينطقون بلسان حال هذا النظام أو ذاك.

الفقه السياسي الإسلامي

المسألة الثانية التي تساعد على فهم ذلك الانقسام بين فقهاء الدولة وفقهاء الثورة هي الفقه السياسي الإسلامي الذي يُيل إلى العلاقة بين الفقه والدولة تاريخيًّا، أو علاقة الفقهاء بالسلطة ووظائف كلّ من الطرفين كما يقررها الفقه الإسلامي. تشَكّل الفقه السياسي الإسلامي تاريخيًّا في ظل وجود سلطة حاكمة تستند إلى الشرعية الدينية في الحكم والمرجعية، وكان يختص فيها الفقهاء بالوظيفة التشريعية، ويتولون الوظائف الدينية باستقلال عن السلطة السياسية. وكان هناك شبه توزيع للاختصاصات: فالإمام/الرئيس يختص بالشأن السياسي، والفقيه يختص بالشأن الديني والتشريع والفتوى بناء على مصادر ومنهجيات تطورت خلال القرون الأولى للهجرة، وكانت الدولة تقوم بوظائف تدبيرية ودينية تتمثّل في «حفظ الدين وسياسة الدنيا»36. ومع قيام الدولة الحديثة، انفصلت الدولة عن الشريعة وتَمّش الفقه والفقيه، إذ سيطرت القوانين الوضعية ونشأت وظيفة جديدة هي «القانوني» الذي قام بالدور الذي كان يقوم به الفقيه تاريخيًّا. والدولة هنا ليست الدولة التي فكر فيها المسلمون في المراحل الثلاث السابقة، ولا هي الدولة التاريخية التي عرفها التاريخ الإسلامي، ولا هي دولة حديثة بالمعنى الذي عرفه الفكر الغربي أيضًا. وفي وضع كهذا اختلّت تصورات الفقيه الذي واجه معضلة الانفصال بين إرثه الكبير والممتد تاريخيًّا والذي هو «حكم الشرع» وفق اعتقاده، وبين واقع مفارِق تمامًا لتصوراته ونصوصه وعليه أن يعيشه. هنا اختلفت استجابات الفقهاء لهذه المعضلة، وعنها نشأ الانقسام الذي نتحدث عنه. الفقيه التقليدي الذي سميناه «فقيه الدولة» أَسقط التصورات الفقهية القديمة التي تبلورت في ظل «الخلافة» على هذه الدولة الحديثة، فالرئيس هو نفسه الإمام الواجب السمع والطاعة والذي يختص بالشأن السياسي كما يقرره الفقه القديم. ولذلك كان كل الذين عارضوا الثورات العربية وساندوا الأنظمة يستدلون بمفاهيم وأحكام من الفقه السياسي التراثي، مثل: وجوب طاعة الإمام وحرمة الخروج عليه، والفتنة، والصبر على ظلم الأمراء. يطرح البوطي - مثلا - السؤال الآتي: ما حكم الشرع بالنسبة إلى الخروج على رئيس الدولة ومطالبته بالرحيل والمناداة بإسقاط النظام؟ ثم يجيب: «يقول لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهما كان الحاكم جائرًا فاسقًا منحرفًا يجب السمع والطاعة، ولا يجوز الخروج عليه إلا إذا رأينا كفرًا بوَاحًا»37، ولكن علي جمعة يذهب إلى أبعد من ذلك حين يعتبر أن الاصطفاف وراء الرئيس مبارك هو «الشرعية التي

  1. سبق لي أن بحثت هذه المسألة في: معتز الخطيب، «الفقه والفقيه ومتغيرات السلطة،» في: أنور أبو طه [وآخرون]، مأزق الدولة بين الإسلاميين والليبراليين، حرره وقدم له معتز الخطيب (القاهرة: مكتبة مدبولي،.)2010
  2. قال البوطي ذلك في ندوته الحوارية التي جمعته بوزيري الخارجية والأوقاف تحت عنوان: «الإصلاح: رؤية سياسية دينية قانونية»، في كلية الشريعة بجامعة دمشق، بتاريخ.2011/7/20

أُمرنا أن نسير وراءها» أي أمرنا رسول الله بها. لا يمكن الحديث هنا - وفق منطق البوطي وجمعة وغيرهما - عن «دولة حديثة»، فهُم لم يغادروا «الخلافة» التي تقوم على الحاكم الفرد المطلق غير المقيد بمدة، والذي لا يملك الشعب تجاهه إلا السمع والطاعة مهما فعل؛ ما دام لم يتَلبس بالكفر البواح، وحتى الكفر نفسه بابه مفتوح للتأويلات. هنا يصبح أساس شرعية الحاكم هو إيمانه الفرديّ ولو ظاهرًا، وليس أداءه للحقوق وسياساته. ممّا يوضح حَرفيّة الالتزام بالفقه الموروث بمعزل عن مفاهيم وآليات الدولة الحديثة إصرار الفقهاء التقليديين - جميعًا - على إدانة فعل التظاهر واحتقاره. يقول عبد العزيز آل الشيخ في الجواب عن سؤال عن حكم المظاهرات: «هذه المظاهرات لا تحقق هدفًا ولا تَدم الأمة، إنما هي فوضويات وصراخ وعَويل»38. ويقول صلاح الدين إبراهيم39: «الثورات من عمل الجاهلية، الحميّة والنعرات والخروج في الشوارع والتطبيل هذا كله من أعمال الجاهلية، الصدّيقون لا يفعلون هذا»40. فتعاليم الدين- بحسب فقهاء الدولة التقليديين - تبيّ طريقًا شرعيًّا وحيدًا للتعامل مع الحاكم وهو «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» ويكون بالقول فقط، وعلى سبيل المناصحة لا المعارَضة41. أما فقيه الثورة (الفقيه الحركي)، فقد سعى منذ الخمسينيات إلى صوغ «النظام الإسلامي الشامل» في مواجهة النظامين: الرأسمالي والاشتراكي، وراح يعيد اكتشاف التراث الفقهي السياسي في ضوء الأفكار الحديثة عن الدولة والسياسة والديمقراطية والحريات، فخرج بمواءمات كثيرة زاوجَ فيها بين بعض مواريث الفكر السياسي الحديث والفقه السياسي التراثي، ومن ثمَّ ألحّ جميعُ رموز الفقه الحركي على مرجعية الشعب، والشورى التي تشبه الديمقراطية، ومدَنية الدولة الإسلامية، والحريات وحقوق الإنسان، ووجدناهم في الثورات يؤيدون فكرة المعارضة السياسية وكل وسائلها الحديثة كالتظاهر والإضراب. يَردّ القرضاوي على الحجة الفقهية التقليدية التي تعتبر الثورات «خروجًا على الحكام»، فيوضح أن «تغيير الأنظمة في عصرنا يكون بثلاث وسائل: التغيير الديمقراطي، والتغيير العسكري وهو ما يسميه الفقهاء التغلّب، والثورة الشعبية»42. وفي حين يُسقط «فقهاء الدولة» موروثهم الفقهي على هذه الدولة القائمة ورئيسها فيوجبون له الطاعة ويحرّمون الخروج عليه، ويعارضون كل الوسائل الحديثة للعمل السياسي والمعارضة، يَمع «فقهاء الثورة» كالقرضاوي وأحمد الريسوني وغيرهما بين الموروث الفقهي وبعض منجزات الفكر السياسي المعاصر، ويعيدون اكتشاف الموروث الفقهي في ضوء الأفكار الحديثة عبر توفير شكل إسلامي معاصر للفقه الموروث، وفي موقف نقدي من الدولة القائمة.

  1. قال ذلك في لقاء تلفزيوني على قناة «إقرأ»، تم نشره بتاريخ 2011/1/20، وكذلك يعتبر البوطي المظاهرات «منبر الغوغاء والإثارة»، ويسمّيها في موضع آخر «الطريقة الغوغائية» (في درس عام في مسجد «الإيمان»، تم تحميله على الإنترنت بتاريخ
  2. صلاح الدين بن إبراهيم، مدرّس بالمسجد الأقصى، عُرف في ظل الثورات العربية بظهوره على بعض الفضائيات، خاصة التابعة للنظام السوري أو المؤيِّدة له، كما عُرف بتسجيلاته المصورة على الإنترنت. معارضٌ بشدة للإخوان المسلمين وللثورات، وقد طرده المصلون من المسجد الأقصى بسبب ذلك، يخصص جزءًا كبيرًا من حديثه للرد على المشايخ الآخرين المؤيدين للثورات كالقرضاوي وغيره. يبدو من خلال تسجيل هاتفي مسرب له مع مفتي سورية أنه على اتصال بالنظام السوري.
  3. قال ذلك في درس له في المسجد الأقصى، تم نشره مصورًا على الإنترنت بتاريخ.2013/1/7
  4. يتكرر هذا المعنى لدى عامة فقهاء الدولة، كمفتي السعودية، والبوطي، وصلاح الدين إبراهيم، ومحمد المدني الشويرف في ليبيا، وغيرهم.
  5. في حلقة مفتوحة من برنامجه «الشريعة والحياة» (قناة الجزيرة، تاريخ.)2011/2/13

فقيه الدولة وفقيه الثورة والمرجعية الفقهية

في الواقع أن كِلا الفقيهين، التقليدي والحرَكي، تَاوز حدود الفقه التراثي المعروف، بما يجعل منهما نموذجين جديدين بالإضافة إلى النموذج التراثي القديم المسطور في كتب الفقه والذي أُنجز في مرحلة ما قبل الدولة الوطنية الحديثة. ويمكن أن نتبين ذلك من خلال التغييرات التي طاولت عملية الفتوى نفسها من لحظة صوغها ووظيفتها إلى لغتها ودور المفتي وحدود عمله.

مجال الفتوى ووظيفتها

هذه الصورة الجديدة للفتوى لم يعرفها الفقه التراثي؛ فالفقه الإسلامي في مرحلة ما قبل الدولة الوطنية الحديثة عرَف مسألة «البغاة»، والبغي والخروج يُطلقان في الفقه على مسألة الصراع على السلطة في حالة وجود «إمام حقٍّ» اجتمع المسلمون عليه، أي حَظي بالرضا العام، وهي مسألة تختلف تمامًا في صورتها وحكمها الفقهي عن واقع ما جرى في الثورات العربية. فالبغي عند الفقهاء يكون لطلب الحكم لا لظلمٍ وقع، ويكون خروجًا مسلحًا لا خروجًا سلميًّا، ويكون على حاكم وصل إلى الحكم بطريق شرعيّ ولم يتلبس بما ينقض شرعية حكمه، ومع ذلك لا يجيز الفقهاء قَتلَ هؤلاء «البغاة» وإنما يتحدثون عن قتالهم لكسر شوكتهم فقط43، هذا لو تجاهلنا نشوء الدولة الوطنية الحديثة أصلً. وبعيدًا عن هذا التكييف الفقهي المغلوط للمظاهرات والثورة من قبل فقهاء الدولة، فإن الممارسة الفقهية تلك تعيدنا إلى مسألة أهم وهي وظيفة الفتوى؛ ففي التجربة الإسلامية لم تكن وظيفة الفتوى تتناول مسائل السياسة والشأن العام والتي تُوكَل إلى الإمام/الرئيس، فالفتوى كان يقوم بها العلماء لوظائف دينية ولبيان حقوق فردية وأحكام تعبدية، فاستدعاء المفتي عند الطلب فقط وبحسب رغبة الحاكم هو أمر جديد في ظل الدولة الوطنية الحديثة التي تدّعي العلمانية، وهذا الاستدعاء لا ينضبط إلا بمعيار حاجة النظام إلى فتوى تخاطب عواطف الشعب الدينية أو تسوّق موقفًا سياسيًّا لا يحظى بالقبول شعبيًّا.

صيغة الفتوى ووظيفة المفتي

بتأَمُّل صيغ فتاوى «فقهاء الدولة» نجد أنها تتجاوز في مقاصدها ولغتها وحدودها الوظيفةَ الفقهية في بيان الحكم الشرعي وتأصيله بناء على حِجاج فقهي؛ فهي تستعير الخطاب السياسي للنظام ولغتَه، ثم تنص صراحة على تأييده ودعم مواقفه. من ذلك أن «مجلس الإفتاء الأعلى في الجمهورية العربية السورية» أصدر فتوى بوجوب الدفاع عن وحدة أراضي سورية44، يبدأ نص «الفتوى» بسرد جملة من النصوص العامة من القرآن والسنّة النبوية عن الجهاد والقتال في سبيل الله، ثم يعطي توصيفًا لما يجري بأنه «حرب» على سورية «تستهدف مواقفها الداعمة للمقاومة والكرامة والصمود»، ثم يقرر أن «الدفاع عن سورية الموحدة» واجب شرعي وفرض عين على السوريين والعرب والمسلمين، وأن الوقوف في وجه «جيشنا العربي السوري وقواتنا المسلحة» يُعد «خيانة ومساهمة في إضعاف قوته»، ويدعو السوريين إلى القيام ب«فريضة الالتحاق بالجيش العربي السوري»، ثم يختم بدعوة «الجيش العربي السوري» إلى مراقبة الله عز وجل في «جهاده ودفاعه عن سورية».

  1. انظر: أبو الحسن علي بن محمد الماوردي، الأحكام السلطانية (القاهرة: دار الحديث، [د. ت.])، ص 102-101، والموسوعة الفقهية (الكويت: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، [د. ت.])، ج 8، ص.134-131
  2. صدرت الفتوى بتاريخ 2013/3/10.

لا تنتمي هذه «الفتوى» إلى الفقه الإسلامي مطلقًا لا في مبناها ولا في لغتها وأحكامها، وهي تعكس «استخدام» الدولة سلطة الفتوى لخدمة مواقفها السياسية؛ فهي تسردُ جملة من الآيات والأحاديث من دون أي «استدلال» أو بناء أحكام أو تعليل، ثم توصّف الفتوى الواقع توصيفًا «رسميًّا» سياسيًّا لا يمت إلى الفقه بصلة بل ينطق باسم النظام السوري ورؤيته للأحداث، ثم تبني جملة من الأحكام والفروض الأجنبية على الفقه الإسلامي وعلى الدولة الحديثة معًا. فالفتوى هنا تُوجَّه إلى مجتمع متعدد الأديان والمذاهب والطوائف، ويُاطب بها جيشٌ عقائدي لدولة علمانية تنص في دستورها على أن «حزب البعث العربي الاشتراكي» هو القائد للدولة والمجتمع، بل إن الفتوى تُصدر «حكمً شرعيًّا» عامًّا وشديد الغموض بأن الوقوف في وجه «الجيش والقوات المسلحة» - مطلقًا - هو «خيانة»، وهذا الجيش المعنيّ يخوض معركة داخلية مع الشعب السوري نفسه وينشر دباباته في كل المدن والقرى ولا يقاتل على أرض أجنبية ولا يقاتل «عدوًّا» سواءٌ بالمصطلح الفقهي أو بمصطلح الدولة الحديثة. ثم إن الفتوى تستعمل لفظ «الخيانة» وهو مصطلح ينتمي إلى الدولة لا إلى الفقه، وتُنشئ «فريضة شرعية» جديدة لا تنتمي إلى عالم الفقه، هي فريضة الالتحاق بالجيش في هذه الحرب الجديدة في شكلها ونوعها التي لا ينطبق عليها مصطلح «الحرب» سواء في اصطلاح الفقه أم في اصطلاح الدولة الحديثة. تحاول الفتاوى السورية دومًا عدم الإفصاح عن نفسها كداعم للنظام أو تابع له أو خاضع لترغيبه أو ترهيبه لإبعادها عن شوائب السياسة وجَعلها خالصة لأن تكون «شرع الله» وأمره ونهيه، ولكن «البوطي» الذي كان يلح في أكثر من مناسبة على نفي تهمة السياسة عن نفسه تَول في مناسبات عديدة إلى «مُبلّغ» عن الرئيس والنظام بقرارات حكومية وأوامر سلطوية يبلّغها للشعب في سياق حديثه عن فتاوى وأحكام الدين، سواءٌ في دروسه أو في خُطَبه. وفي مصر يبدو الأمر أكثر وضوحًا ومباشرة حين يوجه علي جمعة التحيةَ إلى الرئيس ويقرر أن أغلب الشعب يؤيده، وذلك في الخطاب نفسه الذي يفتي فيه بحرمة التظاهر من دون أي فاصل يفصل بين فتوى المفتي التي من المفترض أن تكون «حكم الله» وبين رأي المفتي وتقديره السياسي. إن هذا يشير بوضوح إلى قيام هؤلاء المفتين بمهام يتداخل فيها الديني مع السياسي بوعي أو من دون وعي، بحيث لا تصدر فتاواهم معزولة عن رؤية النظام وارتباطهم به واستجابتهم لرؤاه وتأثيراته، ولا تصدر فتاواهم بدافع بيان «الحكم الشرعي» فقط بناء على موازين فقهية تنحصر في الواقعة فقط وتكييفها، ولذلك تندمج رؤاهم ومواقفهم السياسية في صلب عملية إصدار الفتوى التي لا تستحضر الواقع بكل تفصيلاته وزواياه بل تقف عند الحدود المرسومة من قبل النظام السياسي، وهو أمر جديد لا علاقة له بالمرجعية الفقهية التي يرجعون إليها أو يدّعون الاحتكام إليها والتي توجب على المفتي الإحاطة الشاملة بجوانب الواقعة، وتكييفها تكييفًا شرعيًّا صحيحًا، ثم مخاطبة مختلف الأطراف وتحديد الواجبات وليس مخاطبة طرف واحد فقط هو هنا المتظاهرون أو المواطنون أو الجانب المقابل للسلطة دومًا. ممّا يوضح أيضًا أننا أمام شكل جديد، توَرُّط كثير من «فتاوى الدولة» تلك بالدفاع عن حدود سايكس - بيكو في فتاواها لدعم الأنظمة؛ ففي بيان لأحمد الطيب دان ما سمّه «التصريحات والفتاوى الإقليمية والعالمية التي تتدخل في الشأن المصري الداخلي»، وقال: إن «الأزهر يعلن أنه يرفض رفضًا تامًّا كل محاولات التدخل الأجنبي واستغلال المطالب المشروعة التي ينادي بها الشباب المخلص انطلاقًا من وطنيته الخالصة ومصريته النقية الصادقة»، و«يحذر من اللعب بعواطف الجماهير عبر فتاوى دينية صدرت من مرجعيات فقهية دعت

إلى فتنة حرمها الله ورسوله وأجمع المسلمون كافة على تأثيم كل من يدعو إليها»45. يعبّ هذا البيان بدقة عن هاجس «الوطنية المصرية النقية» المقيَّدة بحدود جغرافية جنبًا إلى جنب مع عبارة «الله ورسوله وإجماع المسلمين» التي تنتمي إلى مفهوم «الدين والأمة الإسلامية» المتجاوزة اعتبارات الجغرافيا السياسية. كما أن التدخل الأجنبي الذي يدينه شيخ الأزهر هنا ليس هو تدخل «العدو» بل تلك الفتاوى الصادرة عن مرجعيات إسلامية أخرى، وهذا الاختلاف في الفتاوى - إن وقع - لا يردّه شيخ الأزهر إلى «اختلاف اجتهاد» كما هي اللغة الفقهية المعتادة في مثل هذه المسائل، ولكنه «تدخل» و«تلاعب»، وهي لغة سياسية بامتياز يتجاوز بها شيخ الأزهر وظيفته ومسؤولياته الدينية بل ومنهجيته التي يدّعي أنه يحتكم إليها. هذا الاحتكام إلى سايكس - بيكو يكاد يشكّل سمة عامة ل«فقهاء الدولة»؛ فمفتي مصر والبوطي و«مجلس الإفتاء الأعلى» في سورية كلهم كان يتحدث عن مفهوم «التدخل في الشأن الداخلي» القُطري، وهو أمر مخالف تمامًا لمرجعيتهم الفقهية التي يستندون إليها ويدّعون التمسك بها والتي تتحدث عن سلطان الفقه الذي يسري على عامة المسلمين المكلفين من دون اعتبار لحدود جغرافية في الخطاب. لقد اقتحم «الفقيه التقليدي» بفتواه «المجال العام» للقيام بوظيفة الدفاع عن النظام وشرعيته، وقدّم في سبيل ذلك مفهومًا خاصًّا للتدين هو تدين صوفيّ قدريّ/ جبَري، فمفتي السعودية مثلا يعتبر أن المظاهرات هي نتيجة ذنوب العباد ومعاصيهم، إذ قال إن «ما تواجهه البلدان الإسلامية اليوم من الفتن والاضطرابات واختلال الأمن وتفتيت الوحدة، إنما هو نتيجة ذنوب العباد ومعاصيهم»46، وكذلك فعل البوطي الذي اعتبر أن المظاهرات التي تشهدها سورية هي «عقاب إلهي» على ظهور الفساد ولا يزول إلا بالعودة إلى الله والتوبة، وهي «عصا من عصِّ التأديب يؤدب الله بها عباده »47. وهذا التدين القدري لا يقتصر على النظر إلى المظاهرات فقط، فالبوطي اشتُهر بدعوته للرئيس حافظ الأسد وابنه من بعده بالدعاء المشهور «اللهم وفق عبدك هذا الذي ملّكتَه زمام أمورنا»، في حين أن علي جمعة خاطب وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي الذي قاد الانقلاب على الرئيس المنتخب بقوله: «أعانَك الله فيما أقامك فيه»48، فنحن هنا أمام إرادة إلهية فرضت تلك السلطة التي جاء بعضها بانقلاب عسكري (كحافظ الأسد والسيسي) وبعضها بالتوريث (كبشار الأسد)، ومن ذا الذي يردُّ قضاء الله وإرادته؟!. أما «الفقيه الحركي»، فقد قدّم مفهومًا جديدًا للتدين هو مفهوم احتجاجي ورساليّ ذو طبيعة ثورية وتغييرية؛ إذ وسّع مفهوم التعبد لله ليشمل حتى النضال في سبيل إقامة الحكم الإسلامي، ولذلك نجده شديد التثوير للنصوص من القرآن والسنّة، ويحفل كثيرًا بالميراث الثوريّ والجهاديّ بأنواعه - وخصوصًا جهاد الظلم - وتشكّل «الشريعة» الهدف الأعلى والغاية الأسمى التي يسعى من أجل تطبيقها والحكم بها، ولغة الشهادة والاستشهاد تلازم أي حديث عن الجهاد بأي نوع كان.

الفتوى والتأويل

إن كلا الفقيهين يقوم بعملية تأويل على الرغم من أن أحدًا منهما لا يَعترف بذلك، بل كلاهما يجزم بأنه إنما ينطق بحكم الشرع الواضح والصريح في هذه الوقائع؛ فقد اتهم «فقهاء الدولة» الرأي المساند

  1. صدر هذا البيان في بداية الثورة وقبل تنحي مبارك، بتاريخ.2011/2/6
  2. في خطبة الجمعة بتاريخ.2012/5/4
  3. قال ذلك في درسه الذي نقلته الفضائية السورية بتاريخ 2011/4/5، ثم في خطبة الجمعة بتاريخ.2011/5/13
  4. قال ذلك في حوار تلفزيوني على قناة «البلد» المصرية، تم بثه على الإنترنت بتاريخ.2013/8/19

للثورات بأنه يخالف «تعاليم الدين»، ويتَقحم «الفتنة المحرمة»، ويخالف «الإجماع الفقهي»، وبأنه من «دعاة على أبواب جهنم» الذين يحرّفون الدين لأجل مصالح سياسية وحزبية أو أهواء، ولكن «فقهاء الدولة» يتغافلون هنا عن حقيقة أننا أمام حالة جديدة تمامًا، دولةً ونظامًا وسياسةً، وليس لها سابقة تاريخية مماثلة، بمعنى أننا أمام حالة لا تاريخية، وأن أي عودة إلى التاريخ أو النصوص الفقهية القديمة هي نوع من التأويل، بل هي نوع انتقائي أيضًا، سواء على مستوى النصوص النبوية أو على مستوى النصوص الفقهية. ومن الأمثلة الواضحة لهذا الانتقاء ما وقع للبوطي، فقد انتقد محاولة بعض الناس تصويرَ مسألة «الخروج على الحاكم» - إن لم نرَ كُفرًا بواحًا ولكن رأينا مظاهر الإيمان - على أنها «مسألة خلافية»، وقال: «لا والله ليست مسألة خلافية؛ فقد أجمعت الأمة على حرمة الخروج»، ثم نقل عن الإمام النووي قوله: «وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فاسقين ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث الكثيرة ببيان ذلك»49. في مقابل البوطي نجد محمد الحسن وِلْد الدَّدُو، أحد علماء موريتانيا، يقول إن هذه النصوص في طاعة ولي الأمر إنما هي «في ولي الأمر الشرعي الذي يحكم بشرع الله»، أما حكام اليوم «فلا يطبق أحد منهم شرع الله، ووصلوا إلى هذه البلدان بالتغلب، فإذا زال عنهم التغلب زال حكمهم وزالت مصداقيتهم فهم الخوارج وليس الخارج عليهم. فمن كان جائرًا ظالمًا لا يطبق شرع الله يجب الخروج عليه». وينقل الدَّدو عن الإمام الطبري (310 ه) أنه حكى الإجماع على أن الحاكم إذا ظلم أحدًا فيجب على الأمة القيام معه حتى ينال نصفَته50. وممّا يوضح عمق الاختلاف في المسألة بيانُ علماء اليمن الذي جاء فيه: «إن إطلاق القول بأن الخروج على الحاكم محرم بالإجماع إطلاق فيه نظَر؛ فإن الإجماع متحقق في حرمة الخروج على الحاكم العدل المختار برضا الأمة، والمتصف بشروط الولاية، والقائم بواجباتها الشرعية. أما الحاكم الجائر أو المتغلب، فدعوى الإجماع على حرمة الخروج عليه غير صحيحة، وفيه تلبيس لا ينبغي لأهل العلم أن يقعوا فيه؛ فإن العلامة الصنعاني أنكر هذا الإجماع، وسبقه ابن الجوزي وابن عقيل والجويني. وقال بجواز الخروج على الحاكم الظالم، الإمام زيد بن علي والإمام ابن حزم، وهو قول عند الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، كما أثبت الخلاف فيه ابن حجر، وابن تيمية»51. يتضح من هذا حجم الانتقائية التي مارسها البوطي، أما التأويل فهو أنه يستدعي نصًّا من القرن السابع الهجري حول «الخروج على الحاكم» ليُسقطه على واقعة في القرن الحادي والعشرين الميلادي، وأن نص النووي يتحدث عن «الخروج المسلح» وقتال الحاكم، في حين أن الثورة السورية كانت لا تزال تخرج في مظاهرات سلمية، فالبوطي قال هذا الكلام بتاريخ 2011/7/20 في حين أن الثورة تحولت إلى القتال

  1. قال البوطي ذلك في ندوته الحوارية التي جمعته بوزيري الخارجية والأوقاف تحت عنوان: «الإصلاح: رؤية سياسية دينية قانونية»، في كلية الشريعة بجامعة دمشق، بتاريخ.2011/7/20
  2. قال ذلك في برنامج «مفاهيم» الذي تبثه قناة «فور شباب» في حوار مع عادل باناعمة. وقد أحال الدَّدو إلى كتاب التبصير للطبري، ولكن الطبري ذكر ذلك الحكم ولم يحكِ فيه الإجماع!. انظر: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، التبصير في معالم الدين، تحقيق وتعليق علي بن عبد العزيز الشبل (الرياض: دار العاصمة، 1996)، ص.159
  3. بيان علماء اليمن بشأن البيان الصادر باسم جمعية علماء اليمن حول أوضاع اليمن الراهنة،.2011/10/6

مع إعلان تشكيل «الجيش الحر» بتاريخ 2011/7/29، أي بعد الندوة بنحو عشرة أيام، هذا لو تم التسليم بأن «الجيش الحر» هو «خروج مسلح» على الحاكم. يَشطب «فقهاء الدولة» بمواقفهم هذه جميع منجزات «الدولة الحديثة» التي يعملون ضمنها، فهم لا يرون فيها إلا «الخلافة» أو الدولة التاريخية التي كانت قائمة ما قبل «الدولة الوطنية الحديثة»، ولذلك هم لا يعترفون بشيء اسمه المعارضة السياسية، فضلً عن العمل الحزبي والديمقراطية والحريات والعلاقة التعاقدية بين الحاكم والمحكومين، ولا يقرّون سلطة الأمة في تعيين الحكام وعزلهم، إلى غير ذلك ممّا أصبح جزءًا من نظام الدولة في العالم الذي يعيشون فيه، ومرجعيتُهم في ذلك - كما يدّعون - المرجعية الفقهية التراثية وأقوال العلماء السابقين على الدولة الوطنية الحديثة، ولكنهم يقومون هنا بعملية ترقيع شديدة التنافر؛ فنظام الدولة القائم لا هو يعتمد تراث هؤلاء الفقهاء وتصوراتهم ولا هو حديث يُقر بآليات عمل الدولة الحديثة، ثم إن انتقائيتهم تبدو من خلال اختيار وجه واحد من وجوه ووقائع تاريخية متعددة، فمن المعروف أنه كان للسلف مواقف متعددة، فقد اشتُهرت مقولتهم في العلاقة مع الحكام: «شَُّ الأمراءِ أَبْعَدُهم من العلماءِ، وشَُّ العلماءِ أَقْرَبُم من الأمراءِ» وهذا ينطبق تمامًا على فقهاء الدولة الذين هم شديدو الالتصاق بالحكام وخيرُ معبِّ عنهم وعن مواقفهم أكثر مما يعبّون عن موقف «الشريعة»، وقد صنّف محمد بن أحمد بن تمیم التمیمي (333 ه) كتابًا سماه كتاب المِحَن52 ذكر فيه جمعًا كبيرًا من العلماء الذين تصدَّوا لظلم الحكام فاضطهدهم الحكام وآذَوهم، فذكر فيه مَن ابتلُي منهم بأَنْ قُتل أو حُبس أو ضُب أو تَدّد من الصحابة والتابعینن وتابعِیهم، والتراث الثوري في تصَدي العلماء لظلم الحكام هو الاتجاه الغالب في كتاب المحن، ونعرف من التاريخ وقائع ثورية كثيرة. إذًا لكلٍّ من الفقيهين - فقيه الدولة وفقيه الثورة - سلف يمكن أن يَستند إليه، وهو ما يفتح الباب أمام التأويلات المتعددة ولا يسمح بادعاء ذلك اليقين الذي يتظاهر به كلٌّ منهما من جهة المرجعية الفقهية.

ارتباك الفقيهين في ظل الدولة

كلا الفقيهين - فقيه الدولة وفقيه الثورة - يعاني ارتباكًا في معالجة الفقه السياسي في ظل الدولة الوطنية الحديثة؛ ففقيه الدولة (الفقيه التقليدي) يبدو معزولا ومتناقضًا جدًّا لعدم تناسق تصوراته التاريخية مع واقع الدولة التي يعيش فيها، وهذا ما دفعه إلى تغيير مواقفه قبل الثورة وبعدها، أو قبل الاتصال بالسلطة وبعد الاتصال بها، وهو ليس نابعًا عن تغَيُّ اجتهاد صار إليه بل عن تناقض واضطراب. في سورية - مثل - اتسمت مواقف البوطي بالاضطراب في القضية الواحدة في مواقف كثيرة، إذ كتب في أحد كتبه بعد الثورة المصرية «أن الإنكار اللساني من الناس يجب أن يستمر... لكن أفيحقّ لهم في مجال الحوار أن يطالبوا الحاكم بالتنحي عن الحكم عندئذ دون أن يتجاوزوا في ذلك حدود الحوار والكلام؟»، ثم أجاب: «الذي أعلمه أن هذا لا يُعد - بحدّ ذاته - خروجا على الحاكم؛ إذ الخروج الذي حذر منه علماء الشريعة الإسلامية هو العمل على خلعه بالقوة، أي بقوة السلاح، والاحتجاجات اللسانية بوسائلها السلمية المعروفة اليوم لا تدخل في المعنى الذي حدده العلماء لكلمة (الخروج على الحاكم»)53، ولكن

  1. أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم التميمي، كتاب المحن، تحقيق يحيى وهيب الجبوري، ط 3 (بيروت: دار الغرب،.)2006 والمحنة: البلاءُ الذي یُصیب الفردَ من اللّه أو من السلطان، وهو اختبارٌ لمدى ثباته علی الحقِ.
  2. محمد سعيد رمضان البوطي، من سنن الله في عباده، ص.115

حين وقعت المظاهرات في سورية قال54: إنها حرام وخروج على الحاكم، بل ادّعى الإجماع على ذلك؛ مع أنه قال في هذا الكتاب إنها مما «اتفق عليه جمهور المسلمين» ولم يحكِ فيها الإجماع! هذا الاضطراب والتقلب في المواقف، والانتقال من النقيض إلى النقيض نجدها كلها تتكرر لدى عدد من فقهاء الدولة، وتُيل إلى علاقة تخضع لتجاذبات الدين والسلطة في شخص فقيه الدولة، فعلي جمعة الذي سبق أن حرَّم المظاهرات زمن مبارك واعتبرها «فتنة» ملعونٌ من يوقظها، عاد بعد نجاح «ثورة 25 يناير» فقال: «إن المظاهرات السلمية مباحة بحسب فتوى سابقة لدار الإفتاء منذ خمس سنوات؛ لأنها أمرٌ بالمعروف ونهي عن المنكر، ولأن ضياع الحقوق هو سبب الفتنة وليس المظاهرات». ثم برّر موقفه المعارض للثورة بأنه «خاف من الفتنة ومن سفك الدماء»، وحين سُئل: لماذا لم يتخذ الموقف الآخر من الوقوف في وجه حاكم ظالم؟ قال: إنه حاول ذلك ولكن الباب كان مغلقًا، فماذا يفعل؟ هل يترك الأمور تتدهور أم يوقف الدم؟55، وقد تكرر هذا التلوّن في مواضع كثيرة، فقد كان علي جمعة من الداعمين للانقلاب العسكري في مصر، وعاد بعد عزل الرئيس المنتخب إلى حديثه السابق زمن مبارك عن «الخروج» لكن بنبرة أشد هذه المرة، فأباح قتال «هؤلاء الخارجين»، وجعل هذه المهمة موكولة إلى الجيش والشرطة56، بل إن دليله في المرتين واحد! أما شيخ الأزهر أحمد الطيب، فظهر بعد أن حرّم المظاهرات في أثناء ثورة يناير57، ليبين «موقف الأزهر» من الثورة وأنه لم يكن متخاذلً، فقال: «إن الأزهر لا يتردد في دعم أي حركة تحرر وطني»، وأثنى على الشباب أنفسهم الذين دعاهم في بداية الثورة إلى العودة إلى الصواب، ثم عاد فأصدر بيانًا58 اعتبر فيه أن «مواجهة أي احتجاج وطني سلمي بالقوة والعنف المسلح وإراقة دماء المسالمين يُعتبر نقضًا لميثاق الحكم بين الأمة وحكامها ويُسقط شرعية السلطة، ومن حق الشعوب المقهورة أن تعمل على عزل الحكام المتسلطين»، ثم عاد فظهر إلى يمين وزير الدفاع السيسي حين عزل الرئيس المنتخب، وقال إن الأزهر اختار «أخف الضررين»، وصمت بعد ذلك عن كل الأضرار والدماء التي نجمت عن ذلك الانقلاب، فلم يرَ فيها ما يدعو إلى مراجعة نظريته في «أخف الضررين» ولا التزم ببيانه السابق الذي نص على أن إراقة الدماء تُسقط شرعية السلطة. وفي موقف معبِّ عن واقع فقيه الدولة ودورانه مع السلطة حيث دارت، ظهر علي أبو صوة وقد أسَه الثوار59 وهو يقول: «إن الفقه الإسلامي يوجب على الليبيين الطاعة للثوار؛ لأنهم تغَلّبوا على الحكم، وقد أُمرنا بالطاعة لمن يَغلب على السلطة»، ثم ينقل كلامًا لابن تيمية في هذا المعنى، بعد أن كان يدافع عن القذافي ويعتبر الخروج عليه محرَّمًا. إذا كانت هذه حال الفقيه التقليدي، فإن الفقيه الحركي يعاني ارتباكًا أيضًا في تعاطيه مع الدولة الوطنية الحديثة وتكييفها مع الموروث الفقهي، ولذلك يسعى إلى أسلمتها من خلال أطروحة «الدولة الإسلامية»

  1. في الندوة المشار إليها سابقًا بتاريخ 2011/7/20، وتناقضاته كثيرة قد أشرتُ إلى عدد منها في: معتز الخطيب، «الدين والسلطة والعلماء وقضايا التغيير: البوطي نموذجا،» الحياة،.2012/1/21
  2. قال ذلك في حوار تلفزيوني على الفضائية المصرية، تم تحميله على الإنترنت بتاريخ.2011/4/1
  3. في حلقة كاملة بعد عزل الرئيس مرسي على فضائية « CBC » بصحبة «الحبيب الجفري»، وبُثّت على الإنترنت بتاريخ
  4. في بيان مصور بُثّ على الإنترنت بتاريخ.2011/3/2
  5. صدر البيان بتاريخ.2011/10/31
  6. في تسجيل مصور بُثّ على الإنترنت بتاريخ.2011/8/29

التي تقدّم شكلً إسلاميًّا للدولة الوطنية الحديثة التي تتولى العمل من خلال أشكال وآليات سياسية حديثة؛ فهي تعكس شكلً من أشكال المواءمة بين الموروث الفقهي والشكل الحديث للدولة، فالقرضاوي - على سبيل المثال - حين أراد الدفاع عن الرئيس المصري محمد مرسي في وجه معارضيه عاد خطوةً إلى الوراء بالحديث عن مفهوم «طاعة ولي الأمر»، فهو - وإن كان يفرّق في الطاعة بين الحالتين: حالة رئيس منتَخب وحالة رئيس غير منتخَب - لم يغادر الموروث الفقهي ذاته إلى منطق الدولة الحديثة، وإنما اكتفى بموقف نقدي جزئي من تحقيق مناط الحكم الفقهي (الطاعة)، وهو ما يعني أنه إنما يجادل في تفصيلات الحكم ومجال تطبيقه لا في أصله الذي لا ينسجم مع معطيات الفكر السياسي الحالي للدولة الحديثة. يقع الفقيه الحركي في تناقضات كثيرة شرحتها في دراسة مستقلة60، مردّها إلى سعيه الدؤوب إلى المقايسة بين الدولة والإمامة، وهي مزاوجة هجينة بين مفهومين ينتميان إلى منظومتين متباعدتين، ولذلك اضطرّ الفقيه الحركي إلى توطين كثير من المفاهيم الحديثة ضمن الفقه الإسلامي مع بعض التحوير تارة، ومع إعادة اكتشاف أجزاء من التراث في ضوء الأفكار الحديثة تارة أخرى. فالموروث الفقهي الإسلامي لا يعير اعتبارًا لفكرة التمثيل والاقتراع العام، وهو المعبّ عن إرادة الشعوب، كما لا يشترط الرضا العام في موضوع تعيين الحاكم الذي يحكم مدى الحياة ويتم التضييق جدًّا في عزله، فتعيينه يكون بواحدة من ثلاث طرق هي الاستخلاف وولاية العهد والتغلُّب، وكلُّها تغيب فيها إرادة الأمة في اختيار الحاكم، وهو ما جرى عليه التاريخ الإسلامي، وانبنى عليه النظام الفقهي في مسألة الحكم والعلاقة بالحاكم وما يتفرع عن ذلك. على الرغم من ذلك، يبدو خطاب الفقيه الحركي تجاه الثورات أكثر تماسكًا في منطقه وأكثر معاصرةً في طرحه، فكان أقرب إلى الجمهور الثائر، وهو ما يجعلنا نرى أن الفقيه الحركي يسعى إلى إقامة موقف نقديّ من التاريخ الإسلامي نفسه ومن الغرب معًا ليخرج بتلك الصيغة الجديدة، في محاولة للمواءمة بين التراث والحداثة لاستعادة الشريعة بصيغة عصرية ملائمة، في حين أن الفقيه التقليدي يُمعن في انزوائه وبُعده عن الشعب، وهذا ما وجدناه في تعامل المتظاهرين مثلً مع البوطي منذ بداية الثورة حيث هرب من «المسجد الأموي» أمام المظاهرات في بداية الثورة ثم تم إحراق كتبه لاحقًا في بعض المناطق، وهو ما حصل لعلي جمعة الذي طرده المتظاهرون من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة بعد الانقلاب.

خاتمة

هكذا أمكن لنا من خلال هذه الدراسة رصدُ وتحليلُ الفتاوى الصادرة في أثناء الثورات العربية في دولها الخمس، وهو ما شكَّل فرصة جديدة لتدعيم وتعميق أطروحة سابقة بَلْورتها سنة 2008، وهي أن معظم مشكلات الفقه الإسلامي المعاصر ناتجة من علاقته بالدولة الوطنية الحديثة التي شكّلت قطيعة مع الموروث الفقهي؛ هذه القطيعة فرضتها متغيرات السلطة وشكلُ النظام السياسي في علاقته بالموروث والمجتمع ومؤسساته، وفي علاقته بمختلف الفئات التي كانت تُساهم فيه بدور معيّ، ولا سيما دور «الفقيه» أو المشرّع القانوني. انقسم الفقهاء في مواجهة هذه المتغيرات السياسية إلى ما اصطلَحتُ عليه بالفقيه الحركي والفقيه التقليدي، وهو ما أخذ مع الثورات العربية شكلً أكثر وضوحًا في الانقسام إلى فقيه الثورة وفقيه الدولة،

  1. انظر: معتز الخطيب، «الوسطية الإسلامية وفقه الدولة: قراءة نقدية،» تبين، السنة 1، العدد 3 (شتاء.)2013

ومن ثم شكّلت الفتوى ميدانًا للصراع بين مختلف الأطراف مع الدولة ومع الثورة، وكانت المؤسسة الدينية الرسمية إحدى أهم أدوات «الدولة» لضبط الجماهير الثائرة عبر سلطة الخطاب الديني، وخصوصًا الفتوى والخُطبة واللقاءات التلفزيونية. هذا الافتراق بين فقهاء الدولة وفقهاء الثورة يجد إطاره التفسيري في مسألتين: الأولىهي السياق التاريخي لتَشكّل الدولة الوطنية الحديثة في منطقة الشرق الأوسط، وعلاقتها بالدين والصراع على السلطة. والثانية هي معرفة الفقه السياسي الإسلامي الذي يُشكل البنية العميقة للخطابات الفقهية المختلفة ولمواقف التيارات الإسلامية. في الواقع أن كلا الفقيهين - التقليدي والحرَكي - تَاوز حدود الفقه التراثي المعروف، بما يجعل منهما نموذجين جديدين بالإضافة إلى النموذج التراثي الذي أُنجز في مرحلة ما قبل الدولة الوطنية الحديثة. وقد اتضحت جِدّة هذين النموذجين من خلال التغييرات التي طاولت عملية الفتوى نفسها من لحظة صوغها ووظيفتها إلى لغتها ودور المفتي وحدود عمله. ففقيه الدولة يشطب بمواقفه كل منجزات «الدولة الحديثة» التي يعمل ضمنها، ولا يرى فيها إلا «الخلافة» أو الدولة التاريخية، ثم يستعير الخطاب السياسي للنظام ولغتَه ويقوم بمهمات يتداخل فيها الديني مع السياسي بوعي أو من دون وعي، وقد قدّم في سبيل ذلك مفهومًا خاصًّا للتدين هو تدين صوفيّ قدريّ/ جبَري. أما فقيه الثورة أو «الفقيه الحركي»، فقد قدّم مفهومًا جديدًا للتدين هو مفهوم احتجاجي ورساليّ ذو طبيعة ثورية وتغييرية، إذ وسّع مفهوم التعبد لله ليشمل حتى النضال في سبيل إقامة الحكم الإسلامي. وفي المحصلة يعاني كلا الفقيهين ارتباكًا في معالجة الفقه السياسي في ظل الدولة الوطنية الحديثة. إن هذا الانقسام المشار إليه أخذ شكل جدال وأحيانًا صراع دائر لا حول حضور الدين ودوره في الشأن العام (إذ ظهر الكل - النظام وفقيهه والمحتجّ عليه - مؤيّدًا ومسلِّمً بذلك) وإنما حول شكل ووظيفة هذا الحضور الذي أخذ شكلين متصارعين: شكل المؤيِّد والملحَق بالنظام السياسي من جهة، وشكل المعارض له والمحتج عليه من جهة أخرى، وهذا ما بدا بوضوح في فتاوى الثورات المؤيّدة والمعارِضة، وهو يعني أن الصراع السياسي على الدين لا يزال يشغل حيّزًا كبيرًا ومهمًّ، خصوصًا في مجتمعات الثورة التي يغلب عليها كونها مجتمعات محافظة ومتدينة في الجملة. بل إن الأنظمة السياسية لبلدان الثورة لا تزال تلوذ بالشرعية الدينية لوجودها لتعوّض ما تفتقده من شرعية سياسية، وقد قام فقيه الدولة بدور المُثبت لتلك الشرعية والمدافع عنها في مواجهة نُفاتها، ومن المفارقة أن فقهاء الدولة كانوا يعبّون عن «شرعية دينية» بحتة للنظام السياسي متمثلة في آيات وأحاديث وبعض الأحكام الفقهية التاريخية لإثبات السمع والطاعة لتلك النظم، في مقابل أن نُفاة شرعية الأنظمة القائمة كانوا يجمعون في خطابهم بين الأسباب السياسية والأسباب الدينية لنقض شرعية تلك الأنظمة بما يجعلهم أكثر قربًا ومواءمة للفكر السياسي المعاصر.