الدعاية الصهيونية في المغرب خلال الحماية وبُعيد الاستقلال السينما –أنموذجًا-
Zionist Propaganda in Morocco during the Protectorate and Following Independence: Cinema as an Example
الملخّص
تنطلق هذه المساهمة من تتبّع إدراك الحركة الصهيونية منذ المؤتمر الصهيوني الأول بمدينة بازل السويسرية سنة 1899 خطورة السينما في الدعاية لفكرتها، والتمكين لها؛ فقد قُدِّم إلى ذلك المؤتمر مشروع مفصَّل يؤكد أهمية هذا الفن الجديد للمشروع الصهيوني. وشكلت السينما أداة فعالة في قيام الكيان الصهيوني وبنائه، ترصد المقالة كيف كانت السينما من بين الأدوات التي توسلت بها الحركة الصهيونية في دعايتها في المغرب، فضلً عن الصحيفة والراديو والكتاب والمحاضرة. وتفترض أن السينما كانت الأداة الأنجع في مجتمع نسبة الأمّية فيه مرتفعة، فلم يكن ثمة وسيلة للوصول إلى الجمهور أفضل من الفيلم السينمائي. وهذا جعل عامل الصورة المحدد الأساسي في تشكيل الوعي الجماهيري.
Abstract
This contribution starts from the observation that the Zionist movement, from the first Zionist Congress in Basel Switzerland in 1897, was well aware of the importance of cinema for propaganda and empowerment. A detailed plan was presented to that congress confirming the importance of this new art form for the Zionist project. This paper observes how cinema was used as one of the Zionist movement’s propaganda tools in Morocco, alongside the press, radio, books, and lectures. It suggests that cinema was the most successful tool in a society with a high rate of illiteracy where it formed a perfect medium to reach the public. The image thus became the main determining factor in the creation of public awareness. The author shows how the Zionist use of the power of the image caused a paradigm shift for Moroccan Jews, one that caused a change in their perception of themselves and their status as a minority among the Muslim majority, which they came to perceive from the standpoint of the colonizer. Among Moroccan Jews, the Zionist movement was able, by means of the cinema, to transform their connection with Palestine from a religious one to a political colonial one. This facilitated its task of uprooting Moroccan Jews and transferring them to the “land of milk and honey,” that of now occupied Palestine.
- الدعاية الصهيونية
- الاستقلال
- المغرب
- Zionist Propaganda
- Independence
- Cinema
- Morocco
السينما أنموذجًا
تنطلق هذه المساهمة من تتبّع إدراك الحركة الصهيونية منذ المؤتمر الصهيوني الأول بمدينة بازل السويسرية سنة 1899 خطورة السينما في الدعاية لفكرتها، والتمكين لها؛ فقد قُدِّم إلى ذلك المؤتمر مشروع مفصَّل يؤكد أهمية هذا الفن الجديد للمشروع الصهيوني. وشكلت السينما أداة فعالة في قيام الكيان الصهيوني وبنائه، وهذا ما يؤكده كتاب Cinema and Zionism. ترصد المقالة كيف كانت السينما من بين الأدوات التي توسلت بها الحركة الصهيونية في دعايتها في المغرب، فضلً عن الصحيفة والراديو والكتاب والمحاضرة. وتفترض أن السينما كانت الأداة الأنجع في مجتمع نسبة الأمّية فيه مرتفعة، فلم يكن ثمة وسيلة للوصول إلى الجمهور أفضل من الفيلم السينمائي. وهذا جعل عامل الصورة المحدد الأساسي في تشكيل الوعي الجماهيري. يبرهن الباحث في مساهمته عن توظيف الصهيونية سحر الصورة، وهو سحر فعال له تأثير سريع ومباشر، لإحداث تحوّل في الأنموذج Paradigm Shift() لدى المغاربة اليهود. وتمثّل هذا التحول في تغيّ نظرتهم إلى أنفسهم ووضعهم كأقلية، وإلى الأغلبية المسلمة التي أصبح اليهود ينظرون إليها بنظرة المستعمر ويتحدثون عنها بلغته، بل بلغ بهم الأمر إهانة الدين الإسلامي. وقد أدرك المسلمون هذا التحول في الأنموذج لدى من كانوا بالأمس من أهل الذمة، وهو ما كان يثير سخطهم الذي عبّ عنه المثقفون بأقلامهم، والعامة بشكاوى إلى السلطات وبمواجهات أحيانًا مع اليهود. كان من نتائج التحول في الأنموذج لدى اليهود المغاربة أن استطاعت الحركة الصهيونية، بواسطة السينما التي كانت إحدى الأدوات الأساسية، تحويل ارتباط اليهود بفلسطين من ارتباط ديني إلى ارتباط سياسي، استيطاني حلولي، الأمر الذي سهّل مأموريتها في اجتثاث المغاربة اليهود وتهجيرهم إلى أرض «تتدفق لبنًا وعسلً»، أرض فلسطين المحتلة.
مقدّمة
يقول صاحب قصف العقولإن ارتياد دور السينما في بريطانيا، وهو ما كان قد أصبح في الثلاثينيات جزءًا عاديًا من حياة الأكثرية، ظل «عادة اجتماعية أساسية»، بل أكثر أنواع الترفيه شيوعًا، وخاصة عند الطبقات العاملة1. ولم يكن ثمة وسيلة للوصول إلى الجمهور أفضل من الفيلم السينمائي2، وهذا ما أدركته الحركة الصهيونية ووظفته في دعايتها في مناطق شتى من العالم، ومنها المغرب، حيث أصبحت السينما الفن الشعبي بامتياز3 في المدن الكبرى، وخاصة العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء التي تحولت خلال فترة الحماية إلى أول مدينة يهودية و«مدينة بروليتاريا»، وهذا ما يؤكده أحد يهود الدار البيضاء في مذكراته4. ويذكر لوي برينو وإيلي مالكا أن الذهاب إلى السينما كل يوم سبت أصبح من عادات الصبيان اليهود5. اتخذ كثيرون السينما «مصنعًا للوهم ومخزنًا للحلم»6 من أجل الهروب إلى واقع خيالي ومتخيل ينسيهم مشاق الحياة اليومية ومشكلاتها. وفي هذا الصدد يقول شالوم وايزمن في مذكراته المومأ إليها، وهو الذي ولد في ملاح7 الدار البيضاء وترعرع فيه: «داخل قاعة السينما وفي وسط الظلام الدامس، ننقل إلى المساكن المترفة ونلتقي الممثلين الكبار والممثلاث الفاتنات. لقد كانت السينما ترياقًا للفقر». ساهمت السينما في نشر ثقافة الاستهلاك وسط المجتمع المغربي، وأثّر نجومها في ثقافة الناس الشعبية من خلال أسلوبهم في الكلام وارتداء الملابس وتصفيف الشعر؛ إذ هي تعتمد الصورة التي تساوي ألف كلمة8، وفقًا للمثل الصيني المعروف في ثقافة وسائل الاتصال الجماهيري. إن سحر الصورة في نفس المشاهد عبّ عنه بعض مرتادي السينما بالدار البيضاء في فترة الحماية: «لا أفهم لكني أشاهد الصور، إنها جميلة»9. إن تأثير السينما في الآداب العامة، كما يقول السوسيولوجي الفرنسي أندري آدم، أكيد، ومن ذلك آداب المعاشرة الزوجية. ويروي في هذا الصدد حكاية ذات مغزى، وهي عن شخص من مدينة الدار البيضاء في الأربعين من عمره يراعي التقاليد، ندم بعد أن استسلم لزوجته واصطحبها إلى السينما، لأنه أصبح بعد ذلك ملزمًا بتقبيل فمها كما يفعل الممثلون في الأفلام10.
توسلت الحركة الصهيونية في دعايتها بالمغرب مجموعة من الأدوات، الصحيفة والراديو والكتاب والمحاضرة... والسينما التي كانت من أنجع هذه الأدوات وسط مجتمع نسبة الأمّية فيه مرتفعة، وهو ما جعل عامل الصورة المحدد الأساسي في تشكيل الوعي الجماهيري، وإحداث تحول في الأنموذج11لدى المغاربة اليهود. وقبل أن نخوض في هذا الجانب الدعائي من النشاط الصهيوني بالمغرب، وهو الذي كان يبتغي تهجير اليهود لتخليصهم، كما تدّعي الصهيونية، من «جحيم دانتي»12 الذي يعيشون فيه، ونقلهم إلى «أرض اللبن والعسل»13، نعطي نبذة مختصرة عن تاريخ الحركة الصهيونية في المغرب.
النشاط الصهيوني في المغرب
إن تحديد ماهية الصهيونية ومن يصح بأن يصنَّف بأنه صهيوني أمر عسير14، ولا يناسب المقام للخوض في هذا المصطلح الإشكالي الذي أجاد عبد الوهاب المسيري وأفاد في تفكيكه.
كان المغرب من بين آخر البلدان التي وصلتها النظريات الجديدة عن الصهيونية15، فقد كانت به صهيونية دينية فقط، تتمثّل في أداء مناسك الحج في الأرض المقدسة، والموت في ظل جبل صهيون، والتبرع للمؤسسات الدينية والخيرية في فلسطين. مر النشاط الصهيوني في المغرب بمراحل عدة، ووجدت في العناوين التي وضعها الهادي التيمومي لمراحل هذا النشاط في تونس16 بعض المفردات ينطبق على مراحله بالمغرب، والتي يمكن إجمالها في خمس: «الدبيب»17، و«محاولة الوقوف على الأرجل»، و«اشتداد العود»، ثم «الخمود»، وأخيرا «المد». بدأت المرحلة الأولى «الدبيب» بعد سنوات من المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية سنة 1897 حتى إقامة نظام الحماية سنة.1912 بعد مؤتمر بازل بدأ بعض النشطاء الصهيونيين الأجانب - ومعظمهم من يهود أوروبا الوسطى والشرقية (الأشكناز) - يؤسسون في المغرب خلايا لبث أفكارهم في الأوساط اليهودية المغربية، فأُسست أول الأمر جمعيات في بعض المدن الساحلية مثل تطوان والصويرة وآسفي، ثم توغلت الحركة الصهيونية بعد ذلك في مدن داخلية. وقد انصبّ اهتمام هذه الجمعيات على جمع التبرعات وإرسالها إلى المنظمة الصهيونية، كما نشرت بعض الأدبيات الصهيونية في صفوف خريجي مدارس الرابطة اليهودية العالمية18. واشترى اليهود المغاربة «الشكاليمات» (مساهمة سنوية للمتعاطف أو «المناضل» الصهيوني) منذ توزيعها أول مرة. ومنذ سنة 1903 أُسست جمعية صهيونية في مدينة الصويرة، وفي سنة 1909 أُقيمت جمعية صهيونية (حب صهيون) في مدينة صفرو19. أما في مرحلة «محاولة الوقوف على الأرجل»، وقد استمرت حتى بداية الحرب العالمية الأولى، فواجه خلالها النشاط الصهيوني مقاومة شديدة من ليوطي Lyautey()، أول مقيم عام فرنسي في المغرب. فبعد أن أُعلن وعد بلفور (1917)، رمت الدعاية الصهيونية بثقلها في المغرب لتقنع اليهود بأن الوقت حان للانضمام بحماسة إلى مشروع «الوطن القومي» في فلسطين. ومن تجليات هذه الحملة إقدام جوزيف ليفي، وهو وكيل الشركة اللندنية Macabean Land Company Limited، على توزيع مطبوعات
صهيونية في فاس وبيعه أراضي فلسطينية من بعض يهود هذه المدينة الذين لم يسبق لهم أن عرفوا شيئًا عن فلسطين إلا الاسم20. اشتد ساعد الحركة الصهيونية في المغرب أكثر بعد الحرب العالمية الأولى فسعت إلى الحصول على اعتراف رسمي بأنشطتها؛ ففي سنة 1919 أرسل المسؤولون الصهيونيون في لندن وباريس عناصر صهيونية للقيام بدعاية قوية للصهيونية في المغرب، والسعي إلى إضفاء طابع رسمي عليها، غير أنهم لم ينجحوا في مسعاهم لدى سلطات الحماية أو وزارة الخارجية الفرنسية21. وعزا أحد الباحثين هذه المعارضة الحازمة للصهيونية على المستوى الرسمي إلى عوامل ثلاثة كان لها دور مهم: ليوطي، ويحيى الزاكوري، رئيس الطائفة اليهودية في الدار البيضاء، العنصر المؤثر في اليهودية المغربية، ثم الرابطة اليهودية العالمية. عارض ليوطي الصهيونية بكل ما أوتي من قوة22، وقد وجد الدعم والسند من يحيى الزاكوري، مفتش مدارس الرابطة اليهودية العالمية، الذي كان يرى بدوره في الصهيونية عنصر بلبلة لليهود المغاربة23، علاوة على أنه دأب على مد الإقامة العامة بتقارير مفصّلة عن تحركات الصهيونيين الآتين من الخارج للقيام بحملات دعائية. وكتب إلى المقيم العام في الرباط يحذّر من خطر الصهيونية على اليهود المغاربة ومحاولة تأثيرها في بعض العقليات24. هذه المعارضة الرسمية للصهيونية لم تكن تستند إلى مبادئ مذهبية بقدر ما كانت تمليها واقعية سياسية تتهيب من ردات فعل الأغلبية المسلمة على تلك الدعاية الدخيلة25. وكانت الإقامة العامة تعتبر أن الصهيونية تستجيب بالأساس لتطلعات يهود بولونيا وروسيا، وأنها كانت تشكّل مذهبًا يُعتبر استيراده إلى المغرب أمرًا غير مرغوب فيه26. كانت سلطات الحماية تعتبر إخضاع أنصار الحركة الصهيونية لمراقبة صارمة ضرورة ملحة، خاصة أن هيئاتهم المسيّة كانت تحظى بتعاطف فاعل داخل الطبقة السياسية في باريس. وتجلت معارضة ليوطي لمشاركة اليهود المغاربة في بناء «الوطن القومي» منذ سنة 1918، كما عبّ منذ ذلك التاريخ عن نفوره من مساهمة بعض الوزراء - الذين كانوا مع ذلك على معرفة جيدة بالشؤون المغربية - في إنجاح المشروع الصهيوني. وكان ليوطي يرى أن من شأن الدعاية الصهيونية أن تفسد الانسجام بين مختلف السكان27. ومع ذلك استمر الضغط على ليوطي، فكان يردّ دائمً بأنه في «موقع يسمح له (أكثر من أي كان) بتقييم الأوضاع السياسية الخاصة في المغرب»28. في إثر رحيل ليوطي عن المغرب سنة 1925 نتيجة هزيمته النكراء أمام ثورة محمد بن عبد الكريم الخطابي، تنفس النشطاء الصهيونيون في المغرب الصعداء، ودخلت الحركة الصهيونية مرحلة «اشتداد العود» بعد
أن فتحت الأبواب على مصاريعها للنشاط الصهيوني في البلاد، لكن سرعان ما دخل النشاط الصهيوني في المغرب خلال فترة الحرب العالمية الثانية «مرحلة الخمود»، وخصوصًا طوال فترة حكومة فيشي الموالية للنازية، والتي سنت قوانين عنصرية ضد اليهود. حين وضعت الحرب أوزارها، فشا في أوساط الطائفة اليهودية المغربية تعاطف كبير مع بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية على حساب فرنسا، وهكذا دخل النشاط الصهيوني «مرحلة المد» بانخراط جمعيات على وسائل مادية ضخمة29. عن النشاط الصهيوني في هذه الفترة يقول عبد المجيد بن جلون: «وللصهيونيين نشاط ملحوظ في مراكش تأبي السلطة الفرنسية إلا غض الطرف عنه، ويتمثّل ذلك النشاط في ما يكتبونه في الصحف الفرنسية المحلية حول تشويه سمعة الدول العربية وإذاعة الترهات عنها، كما يتمثّل فيما يجمعونه من تبرعات تُرسل إلى فلسطين. وهكذا أصبحت الصهيونية في مراكش تعمل إلى جانب السلطة الفرنسية والإسبانية لفصم العرى بين العرب في المشرق والمغرب، فتعود فائدة ذلك على الصهيونية والاستعمار»30. استغلت الحركة الصهيونية فرصة اشتداد الأزمة المغربية - الفرنسية خلال النصف الأول من عقد الخمسينيات لتزيد من وتيرة نشاطها في المغرب31، وهو النشاط الذي استمر في فترة الاستقلال على الرغم الحظر الرسمي. ووفقًا لإحدى وثائق الحماية، كانت العروض السينمائية من مظاهر هذا النشاط32.
نبذة عن السينما الصهيونية
«السينما الصهيونية» هي التي تروّج للأفكار الصهيونية، أكانت من صُنع يهود أم من صُنع غير يهود، قبل إنشاء إسرائيل أو بعده، وسواء أكانت تتناول حياة اليهود أم حياة أي جماعة دينية أخرى33. «رأت الحركة الصهيونية في السينما خير وسيلة للدعاية لمشروعها الاستيطاني [...] ويُعَدّ أودلف نيفلد (من أصول بولندية) أول من حاول الربط بين الصهيونية والسينما عندما قدّم مشروعًا مفصّلً للمؤتمر الصهيوني في سنة 1899 يؤكد فيه على أهمية هذا الفن الجديد للمشروع الصهيوني»34. يُعتبَ جاكوب بن دوف، وهو يهودي روسي هاجر من روسيا بعد ثورة 190535، أبا للسينما الصهيونية36، فقد أخرج في سنة 1912 فيلمً يتحدث عن يهود فلسطين بعنوان «حياة اليهود في أرض
صُوِّرت على أرض فلسطين37.
بل أرض في عملية تطور هائل، وفيها إمكانات كبيرة38.
سكان القرية يحاول إقناع البدو، الذين استقبلوه بود، بالإفراج عنه39.
البقاء، وعلى مسؤولية الجماعة تجاه الفرد40.
السينما41، كما أُشير قبل بداية الفيلم42. الميعاد»، ثم أخرج في سنة 1923 فيلم «الفيلق اليهودي»، والفيلمان من الأفلام الصهيونية الأولى التي
استجابة لطلب الصندوق القومي اليهودي43، أنتج بن دوف في سنة 1924 فيلم Land of Promise (أرض الميعاد). وكان الغرض من ذلك استعراض أنشطة هذه المنظمة في فلسطين من استيطان زراعي وهجرة وتنمية مدن وإنشاء مدارس... إلخ، بما يثبت للمشاهد أن فلسطين ليست في المقام الأول صحراء،
في سنة 1932، أخرج ناتان إكسلرود44 فيلم «أودد التائه »45. وعلّق عبد الوهاب المسيري على سيناريو هذا الفيلم بالقول إن أحداثه تدور في مزارع اليهود الجماعية46، وهو يحكي عن تلميذ يدعى أودد تاه بينما كان مع زملائه في رحلة مدرسية يرافقهم سائح يهودي أميركي، فأخذ هؤلاء يبحثون عنه، وكذلك حرس قريته، وبعض الآباء. لكن نفرًا من البدو اعتقلوه، ظنًا منهم أنه سارق لا سائح أو يهودي. أطلق زملاء أودد طائرة ورقية لمساعدته على إيجاد طريقه والعودة إلى أصدقائه، وكان السائح قد هرب، بينما كان أحد
ركز سيناريو الفيلم على الكفاح الفردي للتغلب على العنصر الطبيعي اعتمادا على الجهد الشخصي من أجل
وفي سنة 1932 أخرج باروخ أغداتي47 فيلم This Is The Land (ZotHi Haaretz((«هذه هي الأرض»، وليس «هذه أرضك» كما ذكر المسيري)48، وكان أول فيلم ينطق باللغة العبرية في تاريخ
وأخرج البولندي ألكسندر فورد فيلم «رواد» (صابرا) في سنة 1932. يحكي هذا الفيلم الذي صُورت مشاهده في فلسطين، عن مجموعة من «الرواد» أقاموا مستوطنة جديدة على أرض ابتاعوها من شيخ بدوي، حيث تعرضوا لصعوبات شتى، منها مرض الملاريا وشح المياه. يستعرض الفيلم العلاقة المتوترة
بين أعضاء المجموعة نتيجة الظروف الصعبة وعلاقتهم بجيرانهم البدو، وأيضًا العلاقة داخل القبيلة نفسها. وتشكل مجالات هذه العلاقات الثلاثة قلب حبكة الفيلم49. عن هذه الأفلام وأفلام أخرى من نوعها، يقول فلديستاين إنها تشترك جميعها في كونها تطمح إلى تقديم الدراما الإنسانية متضافرة مع مثيلتها الوطنية؛ فدائمً يُصور فيها اليهودي الجديد على أنه شخصية بطولية تواجه أي تحد ببسالة، وتفتقر تقريبًا إلى أي عواطف، وأمنيتها الوحيدة هي تحرير الوطن وتحويل الأرض الصخرية إلى حقول نضرة. ولتسليط الضوء على التحول العظيم، يوضع القديم بجانب الجديد في الفيلم، كلاهما في البيئة الإنسانية والمشهد الطبيعي.
لقد ابتدع صانعو الأفلام هؤلاء مصطلحات فنية بصرية مترابطة منطقيًا، فهم يستخدمون من ناحية صورًا فردية أو سلسلة صغيرة من الصور تدعم التقديم البطولي للرائد بالتصوير من زوايا غير منتظمة تكبّ الهدف، ووضع غير تقليدي أو قطع الإطار، ومن ناحية أخرى يفضلون «تصوير الواقع» ليظل متسقًا، وواضحًا، وسهل الفهم يحمل فكرة بسيطة ويؤدي رسالة خاصة واضحة تضع الفيلم في إطار معنى ملموس50. في سنة 1947، صوِّرت ثلاثة أفلام صهيونية على أرض فلسطين، هي «الأرض»، إخراج هملر أداماه، عن شاب يهودي أُنقذ من معسكرات الاعتقال النازية، ولا يتمكن من استعادة توازنه إلا في فلسطين، و«بيت أبي»، إخراج هربرت كلين، عن صبي أُنقذ من معسكرات الاعتقال النازية، ويبحث عن أبيه في فلسطين، ثم «الوعد الكبير» من إخراج جوزيف لبيتز. ولعل أهم فيلم صهيوني أُنتج في الولايات المتحدة في الثلاثينيات هو فيلم «آل روتشيلد» من إخراج ألفريد وركر في سنة 1934، ويدور حول تاريخ تلك العائلة اليهودية الشهيرة ودورها في تنمية الوجود اليهودي (أي الصهيوني) في فلسطين وفي دعم الحركة الصهيونية والدعوة إليها في أوساط اليهود في كل مكان51. تعاظم دور السينما الصهيونية بعد إنشاء إسرائيل سنة 1948، خصوصًا في الولايات المتحدة. ومن أهم الأفلام الصهيونية الأميركية: فيلم «الحاوي»، إخراج إدوارد ديمتريك سنة 1953، و«الخروج»، إخراج أوتو بريمنجر سنة...196052، وكانت هذه السينما تمجد المثُل الصهيونية وإسرائيل وقوتها العسكرية.
نماذج من أفلام صهيونية عُرضت في المغرب
من الأفلام الصهيونية التي عُرضت في المغرب خلال هذه الفترة نذكر، على سبيل المثال لا الحصر، فيلم «بئر يعقوب»)Le Puits de Jacob/Jacob’sWell(53، ويسمى كذلك «بنت إسرائيل»
A Daughter of Israël()، وهو إنتاج فرنسي- أميركي من إخراج إدوارد خوسي. يروي الفيلم، وهو مقتبس من رواية للكاتب الفرنسي بيار بينوا)P. Benoît(54، محنة فتاة يهودية تدعى هاجر موسى ولدت في سنة 1896 تقريبًا في أحد أفقر «غيتوات» أوروبا في الضاحية الجنوبية لمدينة القسطنطينية. بدأت حياتها في حال من الفاقة تعمل خياطة، ثم ما لبثت أن دخلت عالم الرقص، فأصبحت الآنسة جسيكا، ودشنت مسيرتها المهنية في كازينو في مدينة سالونيك، ثم انتقلت إلى كازينو في الإسكندرية مرورًا بكازينو في بيروت، حيث أثارت انتباه أحد الزبن، وهو مدير مستوطنة «بئر يعقوب» قرب نابلس في فلسطين. وسرعان ما التحقت بالحركة الاستيطانية التي تسعى إلى إسكان ما يسمّى «الشعب اليهودي»55 في هذه المنطقة وتكريس وجوده56. ومن هذه الأفلام كذلك « La vérité n’a pas de frontière »، وعنوانه الأصلي باللغة البولونية Ulicagraniczna57، وهو من إخراج ألكسندر فورد58، ويتناول ما يسمّى «الهولوكوست». يصور الفيلم حياة عدد من العائلات من أصول وأوساط وديانات مختلفة وتقيم في مبنى بالعاصمة البولونية وارسو خلال الاحتلال النازي، وتحاول البقاء على قيد الحياة حتى اندلاع ثم قمع انتفاضة «غيتو» هذه المدينة، تساعدها المقاومة السرية البولونية في نهاية سنة 1942. بدأ النازيون عمليات ترحيل جماعي منظَّمة لليهود إلى معسكرات الإبادة؛ فقررت جماعة من اليهود قتال النازي بدل الاستسلام للترحيل، وبمساعدة من المقاومة السرية البولونية. بدأت انتفاضة الغيتو يوم 18 كانون الثاني/ يناير 1943، وأحرزت بعض النجاح في البداية إلى أن كانت المعركة النهائية في عشية عيد الفصح في 19 نيسان/ أبريل 1943 حين اقتحمت قوات نازية مكونة من آلاف من الجنود الحي اليهودي، وأحرقته بشكل منهجي، وفجرت مبانيه، وقتلت كل من وقع في يدها59. وتحت عنوان: «السينما في خدمة عالم أفضل»، تقول مجلة نوعار (الشباب)60 عن الفيلم إنه «عمل صادق وعميق، موضوعه قديم، لم يعالَج سينمائيًا إلا نادرًا، وربما لم يعالَج إطلاقا بهذا القدر من الحقيقة
والإحاطة. موضوع الفيلم معاداة السامية، تجري أحداثه في وارسو تحت الاحتلال النازي، وينتهي بالانتفاضة البطولية لغيتو المدينة، إنه ليس فيلم حرب عاديًا، وإنما يشتمل على درس ومُثل، هدفه الكشف عن المظهر الحقيقي لشر قديم ومحاربته واستئصال هذا السم الذي لم يظهر مع النازية، لكنها نشرته بكثرة. إن ضرورة فيلم من هذا القبيل لا تحتاج إلى توضيح»61. يقول إعلان عن هذا الفيلم نشرته هذه المجلة في عدد 1 آذار/ مارس 1951 إنه بناء على الطلب العام سيتم عرض الفيلم ما بين الثالث والتاسع من الشهر نفسه في سينما القوس بمدينة الدار البيضاء.
كانت السينما الصهيونية تركز على معاناة اليهود وسط الأغيار، وتغريهم في الوقت نفسه بصورة مشرقة عن الحياة التي تنتظرهم هناك لترسخ فكرة الخلاص في أذهانهم. وفي هذا الصدد يتحدث شالوم وايزمن في مذكراته عن فيلم قصير شاهده في مدينة الدار البيضاء خلال سنوات نشأته62، وهو بعنوان «حياة اليهود في بولندا» حيث الثلوج والبرد والفقر. على الرغم من أن شالوم صهيوني الهوى، وقاتَل في صفوف العصابات الصهيونية خلال ما يسمّيه «حرب الاستقلال»، فإن تعليقه على الفيلم اتسم بالموضوعية، ربما، لأنه كتبه بعد عقود في الولايات المتحدة الأميركية التي انتقل إليها بعد أن أصيب بخيبة أمل كبيرة خلال فترة إقامته في إسرائيل التي اختارها مضطرًا بدل فرنسا، لأن والديه لا يعرفان اللغة الفرنسية. يقول شالوم: «خلال تلك السنوات، كان الفقر في كل مكان. في الولايات المتحدة عاشت الأسر في الخيام وكانت جوعى. وفي باريس وغيرها من المدن الكبيرة، كانت البطالة واسعة، وكان لكل طابق كامل من السكان مرحاض واحد. كان اليهود المغاربة محظوظين. كل يوم تشرق الشمس، وكان لنا جيران أفضل من يهود أوروبا البؤساء»63.
موقف الأغلبية المسلمة من السينما الصهيونية
كانت هذه الأفلام تثير سخط المسلمين، وطالما نددت بها الصحافة الوطنية، وقد بلغ الغضب ببعض العامة أحيانًا حد الهجوم على دور السينما التي تعرضها وتخريبها. وفي هذا الصدد يقول عبد المجيد بنجلون: «وقد استفحل هذا النشاط (الصهيوني) في طنجة بصفة خاصة حيث جرؤت إحدى دور السينما التي يملكها الأجانب على عرض فيلم يمثل العسكرية الصهيونية، فهاج الأهالي وحطموا الدار»64. لقد كان هدف الحركة الصهيونية من عرض هذا النوع من الأفلام إقناع الشباب اليهودي بفكرة الانخراط في صفوف العصابات الصهيونية للقتال في فلسطين، وقد أقامت لهذا الغرض معسكرات تدريب؛ فوفقًا لوثائق الحماية، كشفت تحريات أمنية عن عمليات إعداد كاملة للشباب كي يؤدوا دورهم المقبل في فلسطين؛ إعداد يشمل جوانب عدة، لغوية وعسكرية، فقد عُثر عند أحد الصهيونيين في مدينة الدار البيضاء على كتب خاصة بالسلاح والرماية والتدريب العسكري مع ترجمة عبرية للأوامر العسكرية والمصطلحات التقنية65، هذا فضلً عن قن سري (شيفرة)66.
محمد عابد الجابري يتصدى للسينما الصهيونية في المغرب
خلال سنة 1959 كتب محمد عابد الجابري سلسلة مقالات67 في صحيفة التحرير68 في عموده «صباح النور»، الذي كان يوقعه باسم مستعار (عصام) وهو اسم ابنه البكر. وقد فضح في مقالاته النشاط الصهيوني في المغرب، وخصوصًا عرض أفلام صهيونية في قاعات السينما المغربية. وندد بالسلطات المغربية التي كانت تغض الطرف عن هذا النشاط. ولم يفت الجابري، في محاولة منه، على ما يبدو، التصدي لتهجير اليهود المغاربة إلى فلسطين، أن يتناول معاناة هؤلاء في الكيان الصهيوني وما يتعرضون له من تمييز عنصري. تحدث الجابري في مقالاته عن تزايد النشاط الصهيوني في المغرب وخطره العظيم على الدولة، وكيف أن الصهيونيين كانوا يستغلون حتى المناسبات الاجتماعية استغلالً بشعًا يمس بكرامة البلاد؛ فخلال حفلة زفاف عروسين يهوديين في مكان بساحة فيردان بالدار البيضاء، اجتمع المدعوون، وكلهم من اليهود - طبعًا - واللفظ للجابري، في قاعة من قاعات الدار البيضاء، وأطفئت الأنوار في القاعة بعد أن أُقفلت الأبواب الخارجية وغُطي زجاج النوافذ. بعد ذلك قُدّمت إلى المدعوين عدة أشرطة سينمائية عن إسرائيل، وكان من الممكن أن يكون الأمر هينًا لو اقتصرت الأشرطة على عرض ما كان اليهود الأفارقة يقاسونه في فلسطين المحتلة من اضطهاد على أيدي اليهود الأوروبيين.
عُرض على اليهود المغاربة في قلب مدينة الدار البيضاء المغربية، وبوقاحة، فيلم عن نشاط الجماعات الإرهابية الصهيونية التي تتسرب في الظلام إلى الحدود العربية في سورية والأردن ولبنان، فتطلق النار على المزارعين العرب الآمنين وتخطف ماشيتهم وتتلف زراعتهم. وبوقاحة أشد صفّق الحاضرون من اليهود المغاربة تصفيقًا حادًا. وعُرض فيلم آخر عن بعض المعارك التي جرت بين العرب وإسرائيل، وصُوِّر فيه اليهود أبطالً والعرب جبناء، فصفق الحاضرون من اليهود المغاربة لبطولة اليهود المحتلين لفلسطين. ثم أشار الجابري إلى فيلم آخر فيه استعراض للجيش الإسرائيلي الذي شرد مليون عربي. ختم الجابري تعليقه بالقول إن رجال الشرطة كانوا يحرسون دار السينما، ولكن من الخارج فقط، وتساءل: «ولا ندري إن كان البوليس بالفعل في غفلة عن كل ما كان يجري»69. وجّه الجابري سهام نقده إلى السلطات المغربية على تقاعسها في التصدي للنشاط الصهيوني: «وكم نادينا مرارًا بأن الواجب الوطني يقضي على الحكومة بالعمل على متابعة أفراد هذه العصابة التي تطعننا من الخلف»، وتساءل: كيف استطاعت تلك العصابة الحصول على تلك الأفلام التي عرضتها؟ وأعرب عن يقينه أنها جاءت من إسرائيل بإحدى طريقتين لا ثالثة لهما: إما أن تكون وصلت رأسًا من إسرائيل إلى المغرب عن طريق البريد، وفي هذه الحالة، يقول الجابري، نهمس من جديد في أذن وزير البريد قائلين: إلى متى يظل البريد المغربي مفتوحًا بكل حرية للعصابات الصهيونية تهرّب الأموال وتستورد الأفلام والنشرات والجرائد المعادية للمغرب والمغاربة وللعرب والعروبة؟»70 ومما تجدر الإشارة إليه أن السلطات المغربية كانت تتعرض في هذه الفترة لحملة انتقادات عربية بسبب غضها الطرف عن النشاط الصهيوني، وعن هذا يقول الجابري: «نعم إن لإخواننا العرب... الحق في أن يلومونا وأن يعتبوا علينا؛ لأننا فضلنا لحد الساعة السكوت عن قضية الصهاينة في اليهود المغاربة الذين لا يمر شهر دون أن يكتشف أمر منظماتهم السرية؛ ولأننا لم نتخذ أي موقف جدي إزاء عصابات صهيونية مبثوثة في صفوف اليهود المغاربة، التي لا همّ لها إلا تهريب الأموال إلى فلسطين المحتلة»71. أما الطريقة الثانية، فكانت، يقول الجابري، أن أحد الصهيونيين سافر إلى إسرائيل واستوردها معه عند رجوعه. وتساءل الجابري، موجّهًا سؤاله إلى إدارة الأمن: «إلى متى سيظل الصهيونيون ينتقلون بحرية بين المغرب وإسرائيل؟»72، ولكن «على من تقرأ زبورك يا داوود»، يقول الجابري73. يبدو من خلال صحافة هذه الفترة أن موضوع الدعاية الصهيونية في المغرب، ولا سيما السينما، كان يتصدر الصفحات الأولى للصحف، وأن الجدل بشأنها كان محتدمًا في الأوساط السياسية بعد أن أصبحت شخصيات سياسية، ومنها أحد الوزراء، متورطة في استيراد أفلام صهيونية إلى المغرب، فلم يعد الأمر يقتصر على تهريبها، كما ذكر محمد عابد الجابري، بل أصبح يكتسي صبغة قانونية. في هذا الصدد اعتبرت صحيفة العلم، الناطقة باسم حزب الاستقلال، في مقال تصدّر صفحتها الأولى بعنوان «تسرب الصهيونية إلى المغرب شركة بوطالب وابن سودة للأفلام تحرز على رخصة لعرض فلم صهيوني منعه المغرب»، أن
من الفضائح الكبيرة التي تجري في هذا البلد الذي انفتحت أبوابه للمغامرين والمتاجرين على حساب كرامته الوطنية، أن وزارة الأنباء التي يسيّها بوطالب أعطت رخصة لشركة «أفريك فيلم» التي يمتلكها بوطالب، وأحمد بن سودة عامل إقليم الرباط لاستجلاب فيلم صهيوني سبق أن منعته حكومة المغرب قبل أن يصبح بوطالب وزيرًا للأنباء فيها، ووضعته جامعة الدول العربية على القائمة السوداء، ومُنع في جميع البلدان العربية. مما تجدر الإشارة إليه أن تناول صحيفة العلملهذا الموضوع يدخل في إطار استمرار الصراع بين حزب الاستقلال وألد أعدائه حزب الشورى والاستقلال الذي كان ينتمي إليه بوطالب. وقد بلغ العداء بين الحزبين حد الاغتيالات، هذا علمً أن أحمد بلافريج، عضو حزب الاستقلال الذي أُسندت إليه وزارة الخارجية بعد استقلال المغرب سنة 1956، زار الولايات المتحدة بُعيد تعيينه في منصبه، فوقّع اتفاقية مع منظمات يهودية أميركية تنص على تسهيل تهجير اليهود المغاربة إلى إسرائيل في مقابل هبة من قمح أو شعير. وهذا، وفقًا لوثيقة بريطانية، عبارة عن دراسة حول اليهود المغاربة، كتبها القنصل البريطاني في الدار البيضاء سنة 196874. ظهرت في ذلك الحين كتابات في أزقة الدار البيضاء تقول: «فلان... باع اليهود بالزرع»، وهذا ما أكده اليهودي المغربي اليساري شمعون ليفي، في حوار مع صحيفة المساء بتاريخ 23 آذار/ مارس،.2008 وذكرت صحيفة العلمأن الفيلم هو «دافيد وكوليار »75 الذي ينادي بالصهيونية ويعادي عرب فلسطين ويدعو إلى إبادتهم. وقد منع المغرب عرضه، ولكن الشركة التي أنتجته عاودت الكرة حينما علمت بأن وزير الأنباء يملك شركة تستورد الأفلام، واتفقت الشركة المنتجة مع شركة بوطالب على تقديم الفيلم لها بثمن رخيص جدًا وأجازته الرقابة التي يسيّها وزير الأنباء. كما أجازت لشركة بوطالب أن تزيد في سعر التذاكر بما نسبته 35 في المئة من السعر العادي. وختمت العلمبالتحقيق في هذه «الفضيحة»، وطالبت بمعاقبة المسؤولين عنها76. في تشرين الثاني/ نوفمبر 1963، عادت العلمإلى الموضوع لتقول إنها كتبت رسالة إلى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية تستفسرها عن الفيلم، وهل صدرت توصية بمنع عرضه أم لا. وقد توصلت برد يفيد بأن الفيلم وضِع علىالقائمة السوداء التي تضمنت كذلك فيلم «بن هور »77 لأنه يقوم بالدعاية لإسرائيل. وقد عُرض هذا الفيلم في المغرب، على الرغم من منعه. وختمت العلممتسائلة: «هل ستظل شركات السينما التي يسيطر عليها الوزراء تتخطى القوانين لأن أصحابها وزراء؟».
السينما الصهيونية أداة فعالة لإحداث تحوّل في الأنموذج
وظّفت الحركة الصهيونية السينما في المغرب، كما كان الشأن في البلدان التي كانت تنشط فيها، لبث دعايتها وخدمة غرضها الأساسي، أي إعادة تشكيل وعي الطائفة اليهودية المغربية وإحداث تحوّل في الأنموذج لديها، وهو ما نتج منه تغيّ في نظرة هذه الطائفة إلى نفسها والعالم، وكذلك في علاقتها بالأغلبية المسلمة. ويتجلى هذا التحوّل في الأنموذج في مطالبة اليهود المغاربة سلطات الحماية بتغيير أوضاعهم تغييرًا شاملً، بل معاملتهم على قدم المساواة مع الفرنسي، وليس معاملة من يسمّونهم «العرب» أو «الأهالي» الذين أصبح اليهود ينظرون إليهم بنظرة المستعمِر ويتحدثون عنهم بلغته، بل بلغ بهم الأمر إهانة الدين الإسلامي78. وتمثّل مذكرات شالوم وايزمان أنموذجًا لهذه النظرة. وقد أدرك المسلمون هذا التحوّل في الأنموذج لدى من كانوا بالأمس من أهل الذمة، مما كان يثير سخطهم الذي عبّ عنه المثقفون بأقلامهم، والعامة بشكاوى إلى السلطات وبمواجهات أحيانًا مع اليهود. في إطار هذا التحوّل في الأنموذج تغيرت علاقة اليهود بفلسطين؛ إذ استطاعت الحركة الصهيونية بواسطة «سحر الصورة»، وهو سحر فعال له تأثير سريع ومباشر، تحويل ارتباط اليهود بفلسطين من ارتباط ديني إلى ارتباط سياسي، استيطاني حلولي.
خاتمة
شكّلت السينما أداة فعالة في قيام الكيان الصهيوني وبنائه، وهذا ما يؤكده كتاب Zionism Cinema and المومأ إليه، والذي صدرت ترجمته الإنكليزية من العبرية في سنة ٢.201 كان الهدف الأساسي الذي سعت إليه الحركة الصهيونية من وراء إحداث تحوّل في الأنموذج لدى الطائفة اليهودية المغربية هو تسهيل اجتثاثها من فوق أرض المغرب، وتهجيرها إلى أرض فلسطين المغتصَبة؛ التهجير الذي اعتبره البعض «ظاهرة ميتافيزيقية» وهي في الواقع تعود إلى مركّب من الأسباب مرتبطة كلها بالتدخل الاستعماري؛ لأن الهجرة اليهودية ليست ظاهرة يهودية بمقدار ما هي جزء من الظاهرة الاستعمارية الاستيطانية الغربية، ولا يمكن فهمها وتفسيرها إلا في هذا الإطار. قامت الحركة الصهيونية بعملية سبي لليهود المغاربة، سجّل جانبًا منها فيلم وثائقي في سنة 1961 بعنوان Edge of The West79، وساقتهم إلى كيان سمّه أبراهام السرفاتي «المقاولة »80 وتحولت فيه كل الوعود التي كانت السينما الصهيونية تروّج لها إلى خيبة أمل تمثّل تجربة اليهودي المغربي شالوم وايزمن الذي دونّها في مذكراته، أنموذجًا لهذه الخيبة.