العودة إلى تفاصيل المؤلَّف المثقفون: الدور، الوظيفة والمفارقة لإريك هوبزْباوْم

المثقفون: الدور، الوظيفة والمفارقة لإريك هوبزْباوْم

“The Paradox of Public Intellectuals” by Eric Hobsbawm

فايز الصُيّاغ

Fayiz Suyyagh

الملخّص

* الفصل السادس عشر من كتاب إريك هوبزْباوْم أزمنة مشروخة: الثقافة والمجتمع في القرن العشرينالذي سيصدر عن «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» (سلسلة ترجمان).

** منسق «وحدة ترجمة الكتب» و«سلسلة ترجمان» في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

Abstract

Could a social function for intellectuals -- that is to say, could intellectuals -- have existed before the invention of writing? Hardly. There has always been a social function for shamans, priests, magi, or other servants and masters of rites, and we may assume also for those whom we would today call artists. But how could intellectuals have existed before the invention of a system of writing and numbers that needed to be manipulated, understood, interpreted, learned, and preserved? However, once these modern instruments of communication, calculation, and, above all, memory had arrived, the exiguous minorities who were masters of these skills probably exercised more social power for a time than intellectuals have enjoyed ever since. The masters of writing could, as in the early cities of the first agrarian economies in Mesopotamia, become the first "clergy," a class of priestly rulers. Until well into the 19th and 20th centuries, the monopoly of literacy in the lettered world, and the education necessary for its mastery, also implied a monopoly of power, safeguarded against competition by education in specialized, ritually or culturally prestigious written languages.

الكلمات المفتاحية:
  • السلطة
  • المثقف
Keywords:
  • The Paradox
  • Public Intellectuals
  • Eric Hobsbawm

ترجمة: فايز الصيّاغ **

هل كان لدور المثقفين..... أي للمثقفين أنفسهم.... أن يبرزوا قبل اختراع الكتابة؟ بالكاد. كان ثمة وظيفة اجتماعية على الدوام للشامان والكهّان والمجوس أو لآخرين من خُدّام الشعائر أو ممارسيها. ويمكننا كذلك أن نفترض مثل هذه الوظيفة لأولئك الذين نسمّيهم اليوم فنا ين. ولكن كيف نشأ المثقفون قبل اختراع نظام للكتابة والأرقام التي يمكن تحويرها وفهمها وتفسيرها وتعلّمها والحفاظ عليها؟ غير أن الأقليات الضئيلة الضليعة بهذه المهارات ربما مارست لبعض الوقت، وفور نشوء الأدوات الحديثة في مجال الاتصال والمحاسبة، والأهم من ذلك، الذاكرة، سلطة اجتماعية أكبر مما تمتّع به المثقفون منذئذٍ. فقد كان في وسع الضلُع بالكتابة في أوائل المدن التي قامت في الاقتصادات الزراعية الأولى في بلاد ما بين النهرين أن يكونوا هم أوائل «الكهّان»، أي طبقة الحكّام الكهنوتيين. وحتى في غضون القر ين التاسع عشر والعشرين، كان احتكار معرفة القراءة والكتابة في أوساط المتعلمين، وما يستلزمه التمكّن منها من تعليم ضروري، ينطويان على استئثار بالسلطة، ويحميهما من المنافسة تعلّم لغاتٍتخصصية مكتوبة تحتل مكانة مرموقة في المجالين الثقافي والطقوسي.

من جهة أخرى، لم يكن التعلّم على الإطلاق أشدّ سطوة من السيف؛ فقد كان في وسع المحاربين على الدوام أن يغلبوا الكتّاب، لكن لم يكن من الممكن، بغير الفئة الأخيرة، قيام الحواضر، ولا الاقتصادات الأكبر حجمً، وإلى حدّ أقل، الإمبراطوريات التاريخية في العالم القديم. فقد وفّر المتعلمون الأيديولوجيات التي تعزز التلاحم الإمبراطوري والكوادر اللازمة للإدارة. وفي الصين، حوّل هؤلاء

الفاتحين المغول إلى سلالات إمبراطوية، بينما تداعت إمبراطوريتا جنكيز خان وتيمورلنك جرّاء افتقارهما إلى هذه الفئة. وأوائل هؤلاء اللامعون هم الذين أسماهم أنطونيو غرامشي «المثقفين العضويين» في جميع أنظمة الهيمنة السياسية الكبرى. مضى ذلك كله وانقضى؛ ذلك أن بزوغ طبقة من عامة الناس ممن يحسنون القراءة والكتابة باللهجات المحكية الإقليمية في أواخر القرون الوسطى أتاح الفرصة للمثقفين الذين ساهمت وظائفهم الاجتماعية بصورة أقل، في تحديد أوضاعهم، وأفلحوا، بوصفهم منتجين ومستهلكين لأساليب التواصل الأدبية والأخرى، في اجتذاب عالم جديد، وإن كان ضيّقًا. وتطلّب قيام الدولة الحديثة على مساحة من الأرض محددة جغرافيًا أعدادًا متزايدة من الموظفين و المثقفين «العضويين». ويتلقى هؤلاء بصورة متعاظمة، تدريبهم في جامعات محدّثة على أيدي معلمي المدارس الثانوية الذين تخرجوا فيها. ومن جهة أخرى، تضافر التعليم الابتدائي الشامل والتوسّع الضخم في التعليم الثانوي والجامعي - وهذا هو الأهم، ولا سيمّا بعد الحرب العالمية الثانية- لتوليد مخزون أكثر ضخامة من أي وقت مضى يضمّ القادرين على القراءة والكتابة والمتعلمين ثقافيًا. وفي تلك الأثناء، أدى التوسّع الخارق للعادة في صناعات وسائل الإعلام الجديدة في القرن العشرين إلى توسّع هائل في المجال الاقتصادي بالنسبة إلى المثقفين غير المرتبطين بالجهاز الرسمي للدولة. نتحدث هنا عن مجموعة ظلّت ضئيلة الحجم حتى أواسط القرن العشرين، فالجسم الطلابي الذي قام بدور عظيم في ثورات سنة 1848 كان يضمّ أربعة آلاف من الشباب (لم يكن بينهم فتيات آنذاك) في بروسيا وسبعة آلاف في جميع أنحاء إمبراطورية الهابسبيرغ خارج هنغاريا. والعنصر المستجدّ في هذه الطبقة الجديدة من «المثقفين الأحرار» لم يكن يقتصر على تمتعهم بالتعليم والمعرفة الثقافية التي تمتعت بها الطبقات الحاكمة، التي كان من المتوقّع منها آنذاك أن تحصل على التكوين الأدبي والثقافي الذي أطلق عليه الألمان اسم «التبحُّر»)Bildung(- وهو تيار شاركت فيه طبقات أصحاب المصالح التجارية على نحو متزايد، بل إن هؤلاء المثقفين كانوا، علاوة على ذلك، يتمتعون بإمكانية كسب الرزق بوصفهم مثقفين متحررين من القيود. فقد وفرت لهم سبل العيش الصناعات التقنية والعلمية الجديدة، والمؤسسات المنتجة للعلوم والثقافة، والجامعات، وميادين الصحافة، والدعاية والإعلان، والمسرح ومجالات الترفيه.. ومع نهايات القرن التاسع عشر، كان المشروع الاقتصادي الرأسمالي قد ولّد ثروات بلغت من الضخامة حدًّا جعل أعدادًا من الأبناء والمعالين في الطبقات التجارية الوسطى يكرّسون أنفسهم تمامًا للأنشطة الفكرية والثقافية. ويتجلّ أبرز الأمثلة على ذلك في عائلات «مان» Mann() و«فتغنشتين»

إذا قبلنا جماعة «البوهيميين» الهامشية، فلن تكون ثمّة هويّة اجتماعية معترف بها للمثقفين الأحرار، ذلك أنّم سيُعتبرون مجرد أعضاء في الطبقة البرجوازية المتعلّمة، وعلى حدّ تعبير [جون مينارد] كينز «أنتمي إلى البرجوازية المتعلّمة»، أو، في أحسن الحالات، جماعة فرعية من البرجوازية على غرار «مواطن مديني متعلّم» Bildungsbürger() أو «أكاديمي » Akademir(). ولم يبدأ وصفهم بصفة

الجمع («المثقفين» أو «الإنتليجنسيا») إلا في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، أي منذ ستينيات ذلك القرن، في روسيا القيصرية المضطربة، ثم في فرنسا التي هزتّها قضية دريفوس. ويبدو، في كلتا الحالتين، أن ما جعل هؤلاء جماعة يمكن التعرّف إليها هو تضافر أنشطتها الفكرية ومداخلاتها النقدية في المجال السياسي. وغالبًا ما تميل اللغة المتداولة، حتى في أيامنا هذه، إلى الربط -غير الصحيح دائمً- بين كلمتي «مثقف» و«معارض-» وذلك ما كان أيام الاشتراكية السوفياتية يدخل في باب «المشبوه سياسيًا». غير أن نشوء قاعدة جماهيرية من القرّاء، وبالتالي الإمكانات الدعاوية لوسائل الإعلام الجديدة، طرحت أمام المثقفين المعروفين احتمالات لا شكّ فيها للبروز والشهرة إلى حدّ دفع الحكومات نفسها إلى استغلالهم. ومن دواعي الحرج أن يتذكر المرء بعد قرن من الزمان، البيان التعيس الذي أصدره ثلاثة وتسعون مثقفًا ألمانيًا، وكذلك أقرانهم الفرنسيون والبريطانيون على التوالي، بقصد تعزيز الروح المعنوية لحكوماتهم المولعة بالقتال في الحرب العالمية الأولى. ولم يكن العنصر الذي رفع من قيمة هؤلاء الموقّعين مثل هذه البيانات يتمثّل في خبرتهم في الشؤون العامة، بل سمعتهم ككُتّاب وممثلين وموسيقيين وعلماء طبيعة وفلاسفة. سيغدو «القرن العشرون الوجيز» الحافل بالثورات وحروب الأيديولوجيا الدينية في ما بعد هو العصر المميز لمشاركة المثقفين السياسية. ولم يقتصر الأمر على دفاعهم عن قضاياهم في حقبة مناهضة الفاشية، وبعدها اشتراكية الدولة، بل إنهم تمتعوا لدى الجانبين بعد الحرب العالمية الثانية وانهيار الشيوعية بمنزلة معترف بها بوصفهم مفكرين من العيار الثقيل في المجال العام. كان ذلك هو العصر المشهود للحشود المضادة: ضد الحرب النووية، وضد آخر الحروب الإمبريالية لأوروبا القديمة، والحرب الأولى التي تخوضها الإمبراطورية الأميركية العالمية (الجزائر والسويس وكوبا وفيتنام)، وضد الستالينية، وضد الغزو السوفياتي لهنغاريا وتشيكوسلوفاكيا وما إلى ذلك. وكان المثقفون يتصدرون الخطوط الأمامية في أكثرها تقريبًا. من الأمثلة على ذلك أن الحملة البريطانية الداعية إلى نزع السلاح النووي التي أسسها كاتب معروف ومحرر المجلة الثقافية الأرقى في تلك الفترة وعالم فيزيائي، وصحفيان، وما لبثت أن انتخبت الفيلسوف برتراند رَسِلْ رئيسًا لها، وسرعان ما انضمت إليها شخصيات مرموقة في الأوساط الفنية والأدبية، من بنجامين بريتن إلى هنري مور، وإدوارد مورغن فورستر. وكان بينهم المؤرِّخ إدوارد بالمر تومبسون الذي غدا الشخصية الأبرز في الحركة الداعية إلى نزع السلاح النووي في أوروبا بعد سنة 1980. وأصبح الجميع يعرفون أسماء كبار المفكرين الفرنسيين - مثل سارتر وكامو- وأسماء المثقفين المنشقين في الاتحاد السوفياتي: سولجنتسين وزاخاروف. وكان المثقفون البارزون يمثّلون الطليعة في الأدب المؤثّر الذي يعكس انقشاع الغشاوة الشيوعية « الإله الذي هوى »، بل إن الاستخبارات السرّية للولايات المتحدة

(((The God that Failed() كتاب صدر بهذا العنوان (1949) يضمّ مقالات / شهادات لعدد من الروائيين والكتّاب الغربيين الذين انسحبوا من الحزب الشيوعي وتنكّروا له بعد الحرب العالمية الثانية احتجاجًا على حملات التطهير والقمع التي اتّسم بها العهد الستاليني في الاتحاد السوفياتي. وساهم في هذا الكتاب كلّ من: آرثر كوستلر، أندريه جيد، لويس فيشر، إغنازيو سيلوني، ستيفن سبندر وريتشارد رايت. [المترجم]

وجدت أن من المُجدي تمويل وتأسيس منظمات خاصة مثل «المؤتمر العالمي لحرية الثقافة» لإبعاد المثقفين الأوروبيين عن المسار المؤسف الذي اتخذوه بعدم الحماسة لسياسة الحرب الباردة التي تنتهجها واشنطن. كما شهدنا فترة بدأت فيها حكومات العالم العربي تعتبر الجامعات التي كانت آنذاك آخذة بالتوسّع والتكاثر بطريقة ديمقراطية وللمرة الأولى منذ سنة 1848، منابت للمعارضة السياسية والاجتماعية، بل للثورة أحيانًا. إن حقبة المثقفين، بوصفهم الوجه الرئيسي للمعارضة السياسية في المجال العام، قد انحسرت وانطوت. تُرى أين اختفى كبار منظمي الحملات وموقّعي البيانات؟ لقد صمتوا أو توفوا، باستثناء شخصيات قليلة نادرة أبرزها الأميركي نوعام تشومسكي. أين أعلام الفكر في فرنسا الذين خلفوا سارتر، وميرلو- بونتي، وكامو، وريمون آرون، وفوكو، وألتوسير، ودريدا، وبورديو؟ لقد آثر أيديولوجيو أواخر القرن العشرين التخلي عن مهمات متابعة القضايا الفكرية والتغير الاجتماعي، وتركوها للعمليات المؤتمتة في عالم يحفل بأفراد منشغلين بالتفكير العقلاني الصرف، ممن يُزعَم أنهم يعظمون منافعهم من خلال أسواق تعمل بطريقة عقلانية وما لم تتعرض لتدخلات خارجية تميل، بطبيعة الحال، إلى تحقيق توازن دائم. وفي مجتمع تتعاظم فيه، على نحو متزايد، مجالات التسلية والترفيه الجماهيرية، فإن الناشطين الآن يرون أن المثقفين غدوا الآن أقلّ نفعًا كمصدر للإلهام في ما يتعلق بالقضايا النبيلة من موسيقيي الروك ونجوم السينما المشهورين عالميًا. ولم يعد في وسع الفلاسفة أن ينافسوا [المغني الإيرلندي] بونو أو [الموسيقار البريطاني] إينو، إلا إذا أعادوا تصنيف أنفسهم في إهاب جديد في عالم وسائل الإعلام الاستعراضية الكونية الجديدة بوصفهم من «المشاهير». لقد بتنا نعيش عصرًا جديدًا، على الأقل إلى أن تتجلى في المجال العام الآثار الكاملة لأصوات «التعبير الذاتي» المنتشرة في جميع أنحاء العالم على «الفيسبوك»، والمُثل العليا التي تروّج لها «الإنترنت». وبالتالي، لا يعود تراجع المثقفين المحتجين الكبار إلى نهاية الحرب الباردة فحسب، بل كذلك إلى اللاتسييس الذي تعرّض له المواطن الغربي خلال فترة النمو الاقتصادي وانتصار المجتمع الاستهلاكي. وقد أدى الانتقال من نموذج «الأغورا» الديمقراطي الأثيني إلى مراكز التسوق المغرية التي لا يمكن مقاومتها إلى تقليص الفسحة المتاحة لقوى القرنين التاسع عشر والعشرين الشيطانية: أي إلى الاعتقاد بأن الفعل السياسي وحده هو السبيل إلى تحسين العالم. والحال أن هدف العولمة النيوليبرالية كان يتمثّل، تحديدًا، في الإقلال من حجم الدولة، ونطاقها، وتدخلاتها في المجال العام. وقد حققت نجاحًا جزئيًا في هذه الناحية. غير أن عنصرًا آخر هو الذي حدد شكل الحقبة الجديدة. وتمثّل ذلك في الأزمة التي اكتنفت القيم والمنظورات التقليدية، وربما الأهم من ذلك كله، في التخلي عن الإيمان القديم بالتقدم العالمي في مجالات الفكر والعلوم وإمكانية تحسين الوضع الإنساني. فمنذ الثورتين الأميركية والفرنسية، تغلغلت في نفوس دعاة التقدم السياسي والاجتماعي في أرجاء المعمورة مفردات «التنوير» المتحدرة من القرن الثامن عشر، بكل ما فيها من ثقة لا تتزعزع بمستقبل الأيديولوجيات الراسخة الجذور

في هاتين الانتفاضتين، وربما حقق الائتلاف بين تلك الأيديولوجيات والدول الراعية لها انتصاره الأخير في إلحاق الهزيمة بهتلر في الحرب العالمية الثانية. بيد أن قيم «التنوير» ما زالت تتقهقر منذ سبعينيات القرن الماضي في وجه قوى «الدم والتراب» المناوئة للقيم الكليّة الجامعة، والنزعات الرجعية الراديكالية الآخذة بالتبلور في ديانات العالم أجمع. بل إننا نشهد، حتى في الغرب، ظهور لاعقلانية جديدة معادية للعلم، فيما تنحى الإيمان بالتقدم الكاسح وأفسح المجال للتخوف من كارثة بيئية لا مناص منها. كيف كانت حال المثقفين في تلك الحقبة الزمنية الجديدة؟ لقد حولّهم التوسّع الهائل في ميدان التعليم العالي منذ ستينيات القرن الماضي إلى طبقة متنفّذة ومهمة سياسيًا. وكان من الواضح منذ سنة 1968 أن من السهل حشد جماهير الطلبة، لا على المستوى الوطني فحسب، بل عبر الحدود كذلك. وقد تعززت منذئذ إلى حد بعيد قدرتهم على الفعل في المجال العام جراء الثورة غير المسبوقة في ميدان الاتصالات الشخصية. ومن الأمثلة التي شهدناها مؤخرًا على ذلك انتخاب المدرّس الجامعي باراك أوباما رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية، والربيع العربي سنة 2011، والتطورات في روسيا. وقد خلق التقدم المتفجر للعلم والتقانة «مجتمع معلومات» يعتمد فيه الإنتاج والاقتصاد، أكثر من أي وقت مضى، على النشاط الفكري، أي على الرجال والنساء الذين حصلوا على شهادة جامعية، وعلى مراكز المعلومات التي يستقون منها، أي الجامعات. ويعني ذلك أن على أنظمة الحكم حتى الأكثر رجعية وتسلطًا بينها، أن تسمح بقدر من الحرية للعلوم في الجامعات. وفي الاتحاد السوفياتي السابق، كانت المؤسسة الأكاديمية هي المنبر الأكثر فعالية للانشقاق والنقد الاجتماعي. أما في الصين [الشعبية] في عهد ماو [تسي تونغ]، التي ألغت التعليم العالي تقريبًا خلال «الثورة الثقافية»، فقد تعلّمت الدرس نفسه منذ ذلك الحين. وأفاد ذلك، إلى حدّ ما، كلّيات الإنسانيات والآداب في الصين، مع أنها ليست جوهرية بالقدر نفسه من الوجهتين الاقتصادية والتقنية.

((خلافًا لما تنبأ به وراهن عليه ودعا إليه ماركس والماركسيون القدامى، وهو منهم، أعلن هوبزباوم في مقابلة تلفزيونية مع (ال«بي بي سي» يوم 23 كانون الأول/ ديسمبر 2011 أن هذه الموجات الثورية تنطلق الآن من الطبقة الوسطى لا من الطبقة العاملة. ويضيف أن «عمليات الحشد الجماهيري الأكثر فعالية في أيامنا هذه إنما تبدأ في أوساط طبقة وسطى جديدة محدَّثة - وخصوصًا من الجسم الطلابي الآخذ بالتضخم[....] وإذا كان ثمة من ثورات بعد الآن، فإنها لا بد أن تحدث على هذا النحو». ويضيف هوبزباوم أن «عمليات الحشد الجماهيري الأكثر فعالية في أيامنا هذه إنما تبدأ في أوساط طبقة وسطى جديدة محدَّثة - وخصوصًا من الجسم الطلابي الآخذ بالتضخم [....] في بلدان تمثل الأجيال الشابة فيها أغلبية السكان، وتكون فيها التعبئة الجماهيرية أيسر باستخدام التقانة الحديثة. وإذا كان ثمة من ثورات بعد الآن، فإنها لا بد أن تحدث على هذا النحو، وعلى الأقل في أيامها الأولى، حيث يخرج الناس ويتظاهرون في الشارع مطالبين بما هو حق لهم». ويعقد هوبزباوم مقارنة بين ثورات الربيع العربي وثورات سنة 1848 التي انطلقت من فرنسا وسرعان ما انتشرت في بقاع إمبراطورية الهابسبيرغ الأوروبية. ويقول إن الأخيرة فشلت خلال سنتين على المدى القصير ولكنها نجحت جزئيًا على المدى البعيد حين أسفرت عن إصلاحات ليبرالية جمّة، ولكنها فقدت آنذاك طابعها الثوري المعهود. وقد يكون ذلك هو المآل الذي ستنتهي إليه الثورات العربية. ويشير إلى الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979، التي كانت مُخرجاتها الأيديولوجية مختلفة كل الاختلاف عن المُدخلات التي ساهمت في إشعالها أول الأمر، فكان من نتائجها النهائية تهميش أولئك الذين قدموا تنازلات للإسلام من دون أن يكونوا إسلامويين، بمن فيهم الإصلاحيون والليبراليون والشيوعيون. وفي هذا السياق، يخلص هوبزباوم إلى القول إن الربيع العربيغمره بالفرح والتفاؤل من ناحية، وبالتخوف، من ناحية أخرى، من أن تكون الغلبة فيه آخر الأمر للإسلامويين على الطريقة الإيرانية. انظر:

من جهة أخرى، نزع التوسّع الضخم في ميدان التعليم العالي إلى تحويل الدرجة العلمية أو الدبلوم في المرحلة العليا الثالثة إلى واحد من المؤهلات الأساسية المطلوبة للوظائف المهنية أو فرص العمل المتاحة للطبقة الوسطى، وهو ما أدى بالتالي إلى تحويل الخريجين إلى أعضاء في «الطبقات المتفوقة»، على الأقل في نظر جمهرة السكان ذات التحصيل العلمي الأدنى. وكان من السهل على الغوغائيين أن يعرضوا «المثقفين» أو من يُدعوْن «المؤسسة الليبرالية» بوصفهم نخبة من الأدعياء الملتبسين أخلاقيًا، الذين يتمتعون بامتيازات اقتصادية وثقافية. وفي كثير من البقاع في الغرب، ولا سيما في الولايات المتحدة وبريطانيا، ثمّة خطر من أن تتحول الفجوة التعليمية إلى شُقّْة طبقية بين من تمثّل شهاداتهم الجامعية ضمانة مؤكدة وتذكرة تمكنهم من الدخول إلى ساحة النجاح والوجاهة المهنية من جهة، والبقية الساخطة من جهة أخرى. لم يكن هؤلاء هم الأغنياء بالفعل، أي النسبة الضئيلة من السكان الذين نجحوا خلال الثلاثين سنة الأخيرة من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين في جمع ثروات لم يحلم بها أشدّ الناس جشعًا: رجال، وأحيانًا نساء، تبلغ قيمة ممتلكاتهم إجمالي الناتج المحلي لعدة بلدان متوسطة الحجم. والأغلبية الغالبة من ثرواتهم إنمّا جاءت من الأعمال التجارية والنفوذ السياسي، مع أن هؤلاء كان بعضهم بالتأكيد مثقفين أصلً، سواء بوصفهم خريجين أو، في كثير من الحالات الصارخة في الولايات المتحدة، من المتسربين من الجامعات. ومن المفارقات أن الرفاهية التي نجحوا في إظهارها بثقة متزايدة بالنفس بعد سقوط الشيوعية قد أوجدت صلة وصل بينهم وبين الجماهير غير المتعلمة التي كانت الفرصة الوحيدة أمامها للخروج من أوضاعها تتمثّل في الانضمام إلى بضع مئات ممن وصلوا في أي بلد إلى القمة من دون أي رسائل توصية أو مواهب تجارية: لاعبو كرة قدم، نجوم في ثقافة وسائل الإعلام، وفائزون بجوائز اليانصيب العملاقة. ومن الوجهة الإحصائية كانت الفرصة أمام شخص فقير لسلوك هذا الخط البياني غاية في الضآلة، غير أن من أفلحوا في ذلك بالفعل كانوا قد حققوا من النجاح وجمعوا من المال ما دفعهم إلى التباهي به أمام الملأ. وذلك ما يسّ، على نحو ما، عملية حشد من تعرضوا للاستغلال الاقتصادي، والفاشلين والخاسرين في المجتمع الرأسمالي، ضد من أسماهم الرجعيون الأميركيون «المؤسسة الليبرالية»، التي لم تجمعهم بها تقريبًا أي قواسم مشتركة. لم يحلّ السخط على الاستقطاب الاقتصادي مكان السخط على التفوّق الذي يُعزى إلى الثقافة إلا بعد سنوات من أقسى كساد يعانيه الاقتصاد الغربي منذ ثلاثينيات القرن العشرين. ومن اللافت أن التعبيرين هما الأكثر بروزًا عن مشاعر السخط تلك. فالصحافيون الاقتصاديون، لا الأغنياء الفاحشو الثراء أنفسهم - مع بعض الاستثناءات النادرة - هم أول من كشف الغطاء عن الانهيار العام الذي أصاب الثقة بقدرة الأسواق الحرة (الحلم الأميركي) على خلق مستقبل أفضل للجميع- بل إنهم أعربوا عن التشاؤم تجاه مستقبل النظام الاقتصادي القائم. كما أن احتلال مواقع قريبة من وول ستريت ومراكز أخرى للبنوك والمؤسسات المالية العالمية تحت شعار «نحن التسعة وتسعون في المئة» في مقابل الواحد في المئة من كبار

الأثرياء، قد أثار قدرًا ملحوظًا من التعاطف لدى عامة الناس، بل إن استطلاعات الرأي، حتى في الولايات المتحدة، أظهرت مساندة لهذا التحرك بنسبة 61 في المئة من المستجيبين - ومن الواضح أن هؤلاء كانوا يشملون شريحة واسعة من الجمهوريين المعادين لليبرالية. ومن الطبيعي أن هؤلاء المتظاهرين، الذين نصبوا خيامهم على أرض معادية، لم يكونوا التسعة وتسعين في المئة، بل كانوا، كما هو معتاد، جند المسرح من نشطاء المثقفين، ومن شريحة مهيأة للتعبئة تضم الطلاب، والبوهيميين الذين يبدأون المناوشات على أمل أن تتحول إلى معارك. على الرغم من ذلك، سنطرح السؤال على النحو التالي: كيف يمكن للتقاليد النقدية المستقلة القديمة المتحدرة من القرنين التاسع عشر والعشرين أن تظل في قيد الحياة في الحقبة الجديدة التي تتسم بالعقلانية السياسية، وتعززها هواجسها وشكوكها بشأن المستقبل؟ إن من مفارقات أيامنا هذه أن اللاعقلانية في مجاليّ السياسة والأيديولوجيا لم تواجه صعوبة في التعايش مع التقانة المتقدمة - بل حتى في استخدامها - فالولايات المتحدة والمستوطنات الإسرائيلية الشرسة في المناطق المحتلة في فلسطين تثبت أن ليس ثمة نقص في أعداد اختصاصيي تقانة المعلومات المحترفين في ما يتعلق بالإيمان الحرفي بقصة خلق العالم كما وردت في «سفر التكوين» أو في دعوات «العهد القديم» الأكثر تعطشًا إلى الدم لاستئصال الكفار. وقد اعتادت البشرية في هذه الآونة على حيوات حافلة بالتناقضات الداخلية يتنازعها عالم زاخر بالأحاسيس من جهة، وتقانة لا تؤثر فيها المشاعر، بين مجال التجربة الإنسانية والمعرفة الحسيّة من ناحية، وعالم الأحجام الضخمة التي لا معنى لها من ناحية ثانية، وبين «الحس السليم» الشائع في الحياة اليومية، وعدم المفهومية، إلا في ما يتعلق بالنزر اليسير من الأقليات، مع العمليات الفكرية التي تخلق الأطر العلمية التي نعيش فيها. هل من الممكن جعل هذه اللاعقلانية المنسّقة للحيوات الإنسانية متوائمة مع عالم يعتمد أكثر من أي وقت مضى على عقلانية ماكس فيبر في العلم والمجتمع؟ صحيح أن عولمة وسائل الإعلام، واللغة و«الإنترنت» لم تعد تمكّن حتى الدول الأكثر قوة وسلطة من عزل البلاد ماديًا وذهنيًا عن بقية أرجاء العالم الأخرى. ومع ذلك يظل السؤال مطروحًا.

(((يحمل هوبزباوم، منذ زمن، حيال إسرائيل والصهيونية موقفًا معروفًا ومشهودًا، وقد أدى تشدده في موقفه من إسرائيل إلى تعاظم الحملات الصهيونية ضده؛ ففي لقاء مطول أجرته معه صحيفة الأوبزرفر البريطانية في أيلول/ سبتمبر 2002، يقول هوبزباوم بمنتهى الصراحة والوضوح: «لم أكن صهيونيًا قط [...] نعم، إنني يهودي. ولكن ذلك لا يعني أن عليّ أن أكون صهيونيًا ولا مؤيدًا بأي شكل من الأشكال للسياسات التي تنتهجها الآن حكومة إسرائيل، وهي سياسات كارثية شريرة؛ إنها سياسات ستؤدي بطبيعتها إلى التطهير العرقي في أراضٍ محتلة». وتثبت الوقائع والتطورات التي نشهدها حولنا بصورة شبه يومية صدقية الاستشرافات التي يطرحها في الفصل الإضافي الأخير من «عصر التطرفات»، الذي يحلل فيه هوبزْباوْم أبرز التطوّرات العالمية خلال العشرين سنة الأخيرة منذ انهيار المنظومة الشيوعية؛ فهو يرى في معرض الحديث عن الاستراتيجيا الأميركية في عهد أوباما أن الأخير «أهدر فرصته وبددها». «وآفاق المستقبل، في تقديري، ليست مشجعة كثيرًا»... ويضيف هوبزْباوْم: «عندما ننظر إلى أكثر مسارح النزاع الدولي سخونةً في العالم، فإن حلّ الدولتين، كما هو متصوَّر في الزمن الراهن، لا يفتح أفقًا مستقبليًا يمكن الركون إليه في فلسطين... وأشك في أن يكون الأمر واردًا في اللحظة الراهنة. ومهما يكن نوع الحل، فإن شيئًا لن يحصل ما لم يقرر الأميركيون أن يغيروا رأيهم كليًا، ويمارسوا الضغط على إسرائيل، مع أنه ليس ثمة ما يشير إلى حصول شيء من هذا القبيل»! انظر على سبيل المثال: وكذلك: إريك هوبزْباومْ، عصر التطرفات: القرن العشرون الوجيز، ترجمة فايز الصياغ، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2011، ص -1004 1005. [المترجم]

من جهة أخرى، يحتاج العلم إلى الأفكار، فيما يتواصل استخدام التقانة، بأنواعها غير المتقدمة، من دون تفكير أصيل جديد. من هنا، فإن المجتمعات، حتى تلك التي تظهر أعلى درجة من العزوف المنسّق عن الثقافة، تحتاج بصورة أكثر هذه الأيام إلى أشخاص يحملون الآراء، وإلى بيئات يترعرعون فيها. ويمكننا، مع توخّي السلامة، أن نفترض أن هؤلاء الأشخاص سيطرحون كذلك أفكارًا نقدية حول المجتمع والبيئة اللذين يعيشان فيهما. وفي البلدان الطالعة في شرق آسيا والأقطار الجنوبية الشرقية منها، وكذلك في العالم الإسلامي، قد يواصل هؤلاء دورهم كقوة مطالبة بالإصلاح السياسي والتغير الاجتماعي وفق الطرق القديمة. كما أن من الممكن في هذه الفترة المتأزمة التي نعيشها أن يمثّلوا مثل هذه القوة في الغرب المحاصر المحتار. وفي واقع الأمر، يمكن المحاججة بأن نقاط انطلاق القوى التي تمارس النقد الاجتماعي المنسّق تتمثل اليوم في الشرائح الجديدة ممن يتلقون التعليم في الجامعات. غير أن المثقفين المفكرين وحدهم لا يستطيعون تغيير العالم مع أن مثل هذا التغيير لا يمكن أن يتحقق إلا بمساهمتهم فيه. ويتطلب ذلك قيام جبهة موحدة من الناس العاديين والمثقفين. وباستثناء حالات قليلة متفرقة، فإن تحقيق ذلك غدا اليوم أصعب مما كان في الماضي. وذلك هو مأزق القرن الحادي والعشرين.

نبذة عن هوبزباوم *

ثمة ما يشبه الإجماع في أوساط الدارسين المعاصرين على اعتبار إريك جون بلير هوبزباوم (حزيران/يونيو -1917 تشرين الأول/أكتوبر 2012) واحدًا من أشهر المؤرخين المعاصرين في بريطانيا وأوروبا؛ بل إن الباحثين اليساريين ينزعون إلى اعتباره أبرز مؤرخي هذه الأيام في العالم أجمع، أو أفضل مؤرخي القرن العشرين. ويميل آخرون إلى وضعه، جنبًا إلى جنب، مع المؤرخ الفرنسي الراحل فرنان بروديل (1985-1902). وتميل الفئة الأولى إلى التركيز على جدارة هوبزباوم العلمية، ونهجه الموضوعي المعمق الشامل المتعدد الأبعاد في دراسة التاريخ الحديث، بينما تضيف الفئة الأخيرة من المراقبين سلسلة أخرى من السمات التي تميز منهجه الفكري، من بينها منظوره الماركسي المادي الجدلي في تحليل الظواهر التاريخية، والتزامه التعايش مع واقع العالم المعاصر السياسي والاجتماعي حتى في أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، واستمراره، حتى قبيل وفاته وهو في أواسط التسعينيات من عمره، في التعبير عن مواقفه وآرائه الجريئة إزاء أحداث الساعة، بما فيها «الربيع العربي»! كان ماركسي المنهج، لكنه أنتج دراسات مختلفة عن الكتابات اليسارية المألوفة آنذاك؛ فهو لم يكن كبعض أقرانه من الماركسيين الذين يحمّلون كتاباتهم نصوصًا أيديولوجية للتدليل على واقعة أو ظاهرة تاريخية ما. بل إن هوبزباوم كان يستعمل الأدوات والمفاهيم الماركسية

((([من المؤلف] يعتمد هذا الفصل، في كثير من عناصره، على دراسة نشرتها بالألمانية في كتاب

* النبذة من وضْع المترجم.

في إطاره النظري بسهولة ومرونة وذكاء، وهو ما يجعل تأثيره في القارئ عميق الوقع. وقد تُرجمت مؤلفاته الأساسية إلى أكثر اللغات الحية (بما فيها العربية في السنوات القليلة الماضية). درج إريك هوبزباوم على التشديد في المقدمات التمهيدية لكل أعماله على أنه لا يسرد التاريخ، ولا يعيد صوغه، ولا يؤرخ لوقائعه أو يصف أحداثه كما تفعل جمهرة «المؤرخين» من قُدامى ومحدثين على السواء. إنه، كما يقول، إنما يتوجه إلى القارئ والمراقب والباحث الذكي المتعلم فحسب، فيدرس ظواهر التاريخ الأساسية والأحداث الكبرى المؤثرة في حياة الناس في المجتمعات البشرية، ويحلل أسبابها ونتائجها المباشرة وغير المباشرة، ويربط بعضها ببعض على نحو متكامل، في المجالات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية بلا استثناء، بحيث تكون الحصيلة النهائية صورة نابضة بالحياة للواقع البشري في مرحلة معيّنة، تتسلسل على نحو جدلي مع ما يسبقها وما يليها من مراحل. وفي جميع هذه الدراسات التحليلية للحركات والأوضاع والظروف الممهدة للتغيرات الاجتماعية الكبرى في التاريخ الحديث، يكون إريك هوبزباوم قد ارتاد سبيلً جديدًا في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، تبلور بعد ذلك في مقاربات جيل من أبرز العلماء الاجتماعيين في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي لقضايا التغير الاجتماعي والحركات الاجتماعية والتحليل التاريخي المقارن، ومن بين هؤلاء: تشارلز تيللي (2008-1928)، وثيدا سكوكبول (-1947)، وأنتون بلوك (-1935). وجاءت هذه المدرسة الفكرية الجديدة في العلوم الاجتماعية لتُخرِج هذه الحركات من نطاق الرؤية التقليدية، وتُدخلَها في عداد مظاهر الرفض والاحتجاج على جوانب محددة في الواقع الاجتماعي المؤسسي، وفي سياق تاريخي محدد. وفي هذا السياق، يقول هوبزباوم في سيرته الذاتية أزمنة لافتة: حياة في

القرن العشرين (Twentieth Century Life:Times Interesting A) (2000)، إنه لو لم يكن

مؤرخًا، لكان عالِ اجتماع، ويستدرك قائلً إن المنهجين التاريخيين بُعدان متكاملان ووجهان لعملة واحدة هي التي يستخدمها في منظوره التحليلي. ترتكز منهجية هوبزباوم في التحليل السياسي الاجتماعي على قاعدة معرفية موسوعية حول جميع مناحي الحياة في أوروبا وبقاع كثيرة من العالم في الفترة الممتدة بين بدايات القرن السابع عشر ومطلع القرن الحادي والعشرين في مجالات الاقتصاد، والسياسة، والثقافة، والفنون. وساهم في تأثيره الفكري إتقانه عددًا من اللغات أبرزها: الإنكليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والإسبانية. وربما كان إنجاز هوبزباوم الأكثر شهرة وذيوعًا في الأوساط الفكرية والأكاديمية يتمثّل في ما أصبح يسمّى «الرباعية»، عن التاريخ الحضاري لأوروبا منذ الربع الأخير من القرن الثامن عشر حتى مطالع القرن الحادي والعشرين، واشتمل ذلك على أربعة مؤلفات مرجعية هي عصر الثورة - أوروبا -1789 1848 (1962)، وعصر رأس المال 1875 -1848 -

(1975)، وعصر الإمبراطورية 1914 -1875 (1987). واستكمل هوبزباوم هذه السلسلة بإصدار عصر التطرفات: تاريخ القرن العشرين الوجيز 1991 -1914، عن تاريخ العالم منذ الحرب العالمية الأولى حتى انهيار الاتحاد السوفياتي وأنظمة الكتلة الشرقية في أوروبا، وتغوّل الهيمنة الأميركية على الساحة الدولية. وقد وضع هوبزباوم للترجمات العربية لهذه «الرباعية» مقدمات خاصة مطولة يحلل فيها انعكاسات التاريخ الأوروبي وتداعياته خلال القرنين الماضيين على العالمين العربي والإسلامي، بل إنه أضاف إلى ترجمة «عصر التطرفات» العربية فصلً إضافيًا عن أبرز التطورات العالمية منذ انهيار الاتحاد السوفياتي حتى سنة 2010.