العودة إلى تفاصيل المؤلَّف برهان غليون من نقد دولة الحداثة إلى نقد مفهوم الإسلاميين المعاصرين للدولة

برهان غليون من نقد دولة الحداثة إلى نقد مفهوم الإسلاميين المعاصرين للدولة

Burhan Ghalioun: From a Critique of the Modern State to the Critique of Contemporary Islamists’ Understanding of the State

شمس الدين الكيلاني

Chamseddin Alkilani

الملخّص

قدّم برهان غليون خطابًا متميزًا، كرّسه برمّته لنقد الحداثة العربية بشكل عام وللدولة العربية الحديثة بشكل خاص، في خضم المراجعة الفكرية الكبرى التي فرضتها شناعة هزيمة حزيران القومية على المفكرين العرب، فشق لنفسه خطًا يتعارض مع التفسيرات السائدة. ووجّه، خلافًا للحداثيين الذين أرجعوا الأزمة إلى سيطرة التراث والتقليد ،والتراثيين الذين أعادوها إلى تخلِّ الحداثيين عن التراث والهوية والدين، مبضع نقده إلى استراتيجية التحديث نفسها التي عملت عليها الدولة العربية الحديثة «عمليًا » والنخب الحداثوية «نظريًا »، وقادت الجميع إلى كارثة.

Abstract

Burhan Ghalioun presented a unique discourse on the critique of Arab modernity and the Modern Arab Nation state amidst the major intellectual review imposed by the calamity of June 1967, which constituted a defeat for Arab intellectuals. Contrary to modernists, who attributed the crisis to the dominance of tradition, and traditionalists who blamed it on the modernists’ abandonment of their heritage and religious identity, Ghalioun’s critique was directed at the strategy of modernization itself as theorized by the Arab elite and implemented by the Arab nation state. Ghalioun’s first book, Manifesto for Democracy, which appeared in 1978 and represented his basic intellectual intuition, included all the subjects of his critique, which he went on to expand and deepen in the rest of his oeuvre. He established a new theory in Arab thought that academics cannot ignore though it remains a perspective marred by the influence of dependency theory and the vestiges of class analysis in what concerns democracy.

الكلمات المفتاحية:
  • الإسلاميين
  • القومية
  • النخب
  • العرب
  • الدولة
Keywords:
  • Islamic Movements
  • Elites
  • Nationalism
  • Arabs

الحداثوية «نظريًا»، وقادت الجميع إلى كارثة.

المنهج الطبقاوي (التحليل الطبقي) في ما يمس مسألة الديمقراطية.

عمل غليون، مع الزمن، على تطوير مفاهيمه الإجرائية، لمقاربة تجربة الحداثة العربية، فاستخدم المقارنات التاريخية التي تضع الظاهرة الاجتماعية في سياق تاريخية بعيدة المدى. وقدّم أدوات نظرية تسمح بتحليل

قدّم برهان غليون خطابًا متميزًا، كرّسه برمّته لنقد الحداثة العربية بشكل عام وللدولة العربية الحديثة بشكل خاص، في خضم المراجعة الفكرية الكبرى التي فرضتها شناعة هزيمة حزيران القومية على المفكرين العرب، فشق لنفسه خطًا يتعارض مع التفسيرات السائدة. ووجّه، خلافًا للحداثيين الذين أرجعوا الأزمة إلى سيطرة التراث والتقليد، والتراثيين الذين أعادوها إلى تخلِّ الحداثيين عن التراث والهوية والدين، مبضع نقده إلى استراتيجية التحديث نفسها التي عملت عليها الدولة العربية الحديثة «عمليًا» والنخب ضمَّن غليون مؤلَّفه الافتتاحي «بيان من أجل الديمقراطية»، الصادر سنة 1978، وكان بمنزلة «حدسه الفكري الأساسي»، جميع موضوعاته النقدية التي وسّعها وعمّقها في مؤلفاته اللاحقة في جميع الاتجاهات. وقد أرسى وجهة نظر جديدة في الفكر العربي، ما عاد في إمكان الباحثين تجاهلها، لكنها ظلت وجهة نظره يشوبها تأثير «نظرية التبعية» وبقايا

الصيرورة التاريخية للمجتمع العربي وفي جملتها أشكال الدولة والسلطة، وأطلق على هذا المنهج الاجتماعات التاريخية، منطلقًا من اعتقاده أن التطور العام للإنسانية يقتضي تحسين منهج نظر «يسمح برؤية التفاعل العميق في تاريخ التطور»

الخاص والعام في مختلف الجماعات والثقافات، والخروج من ضيق المجتمع إلى رحابة التاريخ الاجتماعي الذي ينظر إلى المجتمعات باعتبارها تجسيدات لنظم حضارية. ثلاثة مفاهيم إجرائية (الحضارة، المدنية، الثقافة) قدّمها غليون للاقتراب من فهم القوانين التي تحكم العلاقات بين الثقافات، وبالتالي معاينة «الحداثة العربية» ضمن الإطار الواسع لتلك العلاقات. فمفهوم «الحضارة» يعبّ لديه عن المكتسب الإنساني الشامل الذي يمكن تعميمه على جميع الثقافات. ويعبّ مفهوم المدنية عن هوية الجماعة الثقافية، باعتباره مولدًا لمجمل المبادئ العقلية والمادية وشبكات التواصل التي تقوم عليها الجماعات، وتتجدد. ومن مفهوم المدنية يُشتق مفهوم الثقافة المحلية، ومن فهم عمل الثقافة يمكن فهم حركة تشكل الجماعات. هكذا، فالحضارة - بحسب غليون - حركة عالمية تتجاوز المدنيات، وتتقدم خلال المساهمات المختلفة التي تحرزها المدنية. كما أن المدنية حاصل تفاعل المكتسبات الحضارية والعالمية والثقافية المحلية، بما تتميز به من قيم وتوجهات وتراث ومعان خاصة. وبما أن المدنية الغربية في العصر الحديث تحولت وحدها - وفق غليون - إلى موقع الحضارة، وطرحت داخل كل جماعة تنازعًا بين النزوع إلى الحداثة ومطابقة بُناها الخاصة وبُنى المجتمعات المركزية المبدعة للحضارة، وبين النزوع إلى المدينة بما يتطلبه من الاحتفاظ بالذاتية، وتطوير الثقافة المحلية. لذا يصبح التمييز ضروريًا بين الحضارة والمدنية، بين المكسب العالمي والموضوعي، والذات (المدنية) التي تتبنّى استراتيجية الانخراط في جدل مع الحضارة والمدنية، لنعرف -بحسب غليون- كيف نفرق بين استراتيجية التغريب والتقليد الآلي وبين التجديد الحقيقي والثابت. لذا لا يعني تجديد المدنية لديه تحويلها إلى نسخة مماثلة للثقافة الغربية، بل يعني مراجعتها لذاتها، وإعادة تنظيم مفاهيمها وقيمها حول أهداف ووظائف جديدة نابعة من حاجات المواجهة وضروراتها. تأسيسًا على ذلك، يحكم غليون على: أن أزمة الحداثة العربية ما هي إلا انعكاس لصراع موضوعه محاولة السيطرة على «الحضارة»، بقدر ما تشكل هذه السيطرة ميدانًا لتفتح المدنيات وتطور الثقافات المتنافسة وازدهارها.

القوى الفاعلة في أزمنة الحداثة العربية

بنى غليون مقدمات نقده للحداثة العربية اعتمادًا على تصوراته تلك التي أوصلته إلى تحميل نمط بناء الدولة التحديثية الاستبدادي، وأيضًا أيديولوجيا الحداثة المحمولة على كتف النخب المغرّبة، مسؤولية انهيار الحداثة وأزمتها. ولخّص رؤيته هذه بالقول: «إن تاريخ التحديث العربي جسّدته ثلاث محاولات فاشلة لتكوين الأمة وبناء الحداثة، ولخصتها ثلاثة مذاهب، ومعها ثلاثة أنماط من بناء الدولة التي أنجزت بنجاح ساحق المهمة التاريخية الموكلة إليها: تحقيق شروط زوال الأمة وإلحاقها كمخيمات عمل بالنظام العالمي». لذا يمكن أن نجمل عوامل ومظاهر الأزمة ومظاهرها عند غليون بما يلي:

الدولة التحديثية أزمتها ومفاعيلها

لعل اعتقاد غليون الجازم بمسؤولية الدولة العربية عن مصير الحداثة قاده إلى اعتبار أن فهم مشكلاتها يشكل المدخل الرئيسي لفهم أزمة الحداثة العربية نفسها، فخصص حقلً واسعًا من أبحاثه لدراسة مسار بناء هذه الدولة وآلية عملها، محاولًالتغلب على قصور الماركسية التي

تجاهلت استقلال الدولة الذاتي، وضعف الليبرالية لأنها فرّغت السلطة من حقيقتها الاجتماعية. فالدولة التحديثية العربية، بحسب غليون، هي حاصل جمع ثلاثة عناصر: العنصر الأولتنظيمي، ويتعلق بالإدارة والجيش والأجهزة الأمنية لضمان سيطرتها على العملية الاجتماعية، والعنصر الثاني يتعلق بمفهومها للتقدم التاريخي ودورها المركزي فيه والمعبّ عنه. وهذان العنصران يشيران إلى طابع الثبات الذي اتسمت الدولة به ووسمها بالاستبدادية والمركزية منذ البداية. أما العنصر الثالثفيتعلق بربط السياسة والدولة بالقوى الاجتماعية الحاكمة بمضمون السلطة التي تعاقبت تاريخيًا. لذا، يعيدنا غليون إلى ظروف نشأة الدولة التحديثية التي أعطت الدولة دورًا محوريًا في التحديث، ومنحتها طابعًا استبداديًا نخبويًا منذ البدء؛ فقد ولدت هذه الدولة في إثر صدمة مواجهة مع الغرب أجبرت الحكام على اتّباع أسلوب «الإصلاح» من فوق، لتدعيم السلطة المهددة من الخطر الخارجي. وكان لضعف الطبقات الاجتماعية دور في أن تمسك الدولة بمصير التحديث، ومن ثم تفرض نفسها مركزًا للشرعية ومصدرًا وحيدًا للقوة، فغدت، في نهاية تطورها المنطقي التاريخي دولة النخبة الحاكمة، منتجة حداثة حثالة صارت عقبة رئيسية أمام امتلاك الحداثة الفعلية. لا ينسى غليون تعقّب الأطوار التاريخية للدولة التحديثية: دولة الإصلاح الديني والدولة الوطنية ذات الشعارات القومية ودولة الانفتاح. ولا يُغفل الاحتمالات التي فتحتها تجربة محمد علي، ومن بعدها التجربة الناصرية. ويتوقف طويلً أمام بناء الدولة الوطنية (القطرية) التي رفعت شعارات الاشتراكية كتعويض عن تراجعها عن مشروع الوحدة. وتبنّت خطابًا اقتصادويًا سلطويًا جعل مفهوم التنمية مجرد تراكم تقنيات وتحديث لأجهزة الدولة، فظهر - بحسب غليون- مسار التحديث على حقيقته، كتنازع بين تحضر طبقة وتقهقر الشعب، وتعميق للتبعية والتفكك على ثقافتين متعارضتين. فيستنتج غليون - والحالة هذه- أن التحديث والاندراج في الحضارة لا يمكن أن ينطلقا إلا عندما تنجح المجتمعات العربية في السيطرة على هذه الدولة من جهة، وعلى تنظيم الإدارة الجماعية من جهة ثانية.

تحديث العصبية الطائفية

ربط غليون انفجار العصبية الطائفية في المجتمعات العربية باستبدادية الدولة التحديثية. وبتأثير أيديولوجية الحداثة العربية التي بشّت بنظرية دمجية للأمة، تنكرت الدولة بموجبها للخصوصيات الثقافية والدينية، ومنحت نفسها دورًا مركزيًا في هذا الدمج. وصورت القومية حركةً معادية للخصائص المحلية ونفيًا لها، وجردت الدولة التحديثية الجماعة من سلطانها فتحولت إلى سلطة عصبوية تخدم القائمين عليها، سلطة مضافة إلى الأمة لا دولة الأمة (٧2. لم تتفجر العصبوية بسبب زيغ الوعي الطبقي أو بسبب قصور الوعي الحداثي أو لتراجع الفكر القومي، فهذه التفسيرات برمّتها - عند غليون - لا تتعدى أن تكون مظهرًا للأزمة التي فجّرت الطائفية. وليس من الضروري أن يتم الانقسام «الطائفي» لمجرد وجود تعددية ثقافية أو دينية ما دامت تلك الجماعات تجد المجال مفتوحًا أمامها للمشاركة في السلطة والقرار والتعبير عن نفسها، لكن عندما أغلقت السلطة الأبواب أمام أي مشاركة، انفتح الطريق أمام الجماعات لتحويل الدين والثقافة إلى قوة سياسية، ومحاولة بناء دولة عصبوية موازية للدولة المركزية. فالطائفية عند غليون هي التعبير المباشر عن انحطاط الدولة

ومأزق أيديولوجيتها بقدر ما أن الأصولية هي التعبير عن مأزق الهوية.

أزمة الهوية والانشطار الثقافي

لم تتوقف آثار أزمة الحداثة - عند غليون- عند إبراز الانشقاق الطائفي في المجتمع العربي، بل تعدته إلى شق الهيئة الثقافية، وإلى تكريس وجود ثقافتين، لكل منهما منظومة وشبكة انتشار تقود إلى تكوين جماعتين متنافرتين. ويرمز هذا التنافر إلى تدهور وظيفة الثقافة كلاحم اجتماعي، فأضحت ثقافة تدفع إلى الفتنة. يعود ذلك إلى أن نخبة الدولة أعادت تنظيم المجال الثقافي وتوزيع الثروة بما يستجيب لمصالحها على حساب الفئات التقليدية المهددة بمواقعها الاجتماعية والثقافية، فانكفأت الفئات الشعبية نحو «الأصالة» مقاومةً سيطرة الأقلية المتفرنجة، فانفجر الانقسام الثقافي - الاجتماعي معبًِّا عن نفسه في حزمة من المفاهيم المتضاربة. وأعاد غليون القطعية القائمة بين التراث والمعاصرة والهوية والحداثة إلى أزمة الحداثة العربية، كما أن هذه القطيعة عكست إخفاق الحداثة في تحقيق النهضة والمعاصرة، وعبّت عن تقهقر الوضع التاريخي للعرب أمام ضغط التحدي الخارجي؛ فبقدر ما انطوى الاندماج في «الحضارة» على رفض للذات، أخفق في إنتاج آليات محلية لنمو الحضارة، واقتصر على مجرد اندماج الفئات العليا فحسب، فانكفأت الجماعة إلى التراث الذي ضاق تدريجيًا حتى تماهى في الدين، الأمر الذي قاد «الهوية» إلى مأزق القطعية بين الثقافة المحلية والحضارة، وهذه هي حال المجتمعات التي فقدت «مدنيتها». ويرتبط الخروج من هذه الأزمة - لدى غليون - بقدرة المجتمعات العربية على وضع خلافاتها في إطار يتيح لها التنافس على المواقع، والتعاون أيضًا على أرض مشتركة، بما هما شرط للتميز والتفاعل والإبداع.

نقد أيديولوجية الحداثة

ترافق نقد غليون ل«أفعال» الدولة التحديثية العربية مع نقد «أقوال» النخبة الحداثوية العاملة في الدولة وأيديولوجيتها التي تعاملت مع الحداثة «الحضارة» كبضاعة بعد إفقارها في كل اتجاه. وركز غليون على استراتيجيات عدة لتلك النخبة، وفي مقدمتها: العقلانية وعقيدة التقدم والعلمانية.

العقلانية

بينما اتخذت العقلانية الأوروبية «العقل» مفهومًا يشمل جميع مجالات الفاعلية البشرية لتنظيم زمن عملية الإنجاز وتسريعه واختصاره، واستيعاب الأخلاق والفن والسياسية، تحول الكثير من القيم التي بشّت بها تلك العقلانية (المساواة والمواطنة الحرة والمشاركة السياسية والتقدم التقني) إلى قيم اجتماعية وإنسانية عامة. وعندما استوردتها النخبة العربية حولتها إلى أيديولوجيا علموية جافة منحطة، وقلّصت مفهوم العقل إلى «العلم» والعلم إلى معلومات. ولم تُيّز بين مجال العلم الذي موضوعه تقرير الحقائق ومجال الأيديولوجيا التي تهدف إلى تبديل الوقائع أو تكوين شرعية جديدة. والحال أن العلم والأيديولوجيا كليهما ضروريان للمجتمع؛ إذ يسعى العلم لكشف قوانين الظواهر، وتحدِّد الأيديولوجيا كيفية الاستفادة من المعارف الصحيحة لتقوم بوظيفتها من أجل تحقيق أهداف اجتماعية، يشارك في بلورتها النظام القيمي والرمزي للجماعة. ولم تظهر العقلانية العربية - بحسب غليون - كازدهار مواقف وتوجهات أصلية نقدية موضوعية، بقدر ما ظهرت كاستيراد مُفقِر للنظريات، أدخلتها فئات عليا وحولتها إلى أيديولوجيا فئة اجتماعية مندمجة في «المعاصرة»

بدل معاصرة المجتمع. لهذا ربط غليون مستقبل العقلانية العربية بما تريد أن تكون عليه المجتمعات العربية كمدنية ذات أسلوب في الحياة والنظر والعمل، وأن يكون لها مركز في هذا العالم، لأنه لم يكن لهذا العالم ولن يكون له مركز واحد، والغرب نفسه ما عاد يعتقد أنه مركز العالم.

عقيدة التقدم والانكفاء على الماضي

إذا كانت الدولة التحديثية العربية قد ترجمت فكرة «التقدم» كتقليد للنماذج الأوروبية الجاهزة، ونظرت إلى نفسها كمركز لعملية التقدم، فإن فكرة التقدم التي بشّت بها النخب الحداثوية قدمت تصورًا موازيًا يدعم دور الدولة على حساب الجماعة، واختلط عندها التقدم بالتحديث، وترجمته إلى دعوة تقليد أوروبا، وتقدّم في الاستهلاك، والنظر إلى إشباع هذا الاستهلاك كمصدر للقيم. تعامل غليون مع فكرة «التقدم» كما هي على حقيقتها، كأيديولوجيا لها جوانبها الإيجابية التي حفزّت أوروبا على تطوير نفسها، ولها أوهامها السلبية التي شكلت فكرةُ المركزية الأوروبية والتفوق الغربي جزءًا منها. ويتجلّ الجانب الوهمي الأيديولوجي في سحب فكرة التقدم الأيديولوجي (الذاتية) على فكرة التطور (الموضوعية)، وإظهار كل تطور كتقدم بحد ذاته، ويشير إلى أن أوروبا الحديثة استبدلت التصور الدوري للتاريخ بالتصور التعاقبي المستقيم الذي جسّده هيغل بصورته القصوى، إذ دمج «التطور» بالتقدم والتقدم بالعقل، فظهر كل تطور تقدمًا، وظهر له التاريخ كتقدم للعقل تقف أوروبا في ذروته القصوى، فأسس مفهوم المركزية الأوروبية الذي أصبحت فيه تواريخ الشعوب الأخرى عناصر هامشية في متنه، فلم تدرك النخبة أن من أجل ألا نُستلب لماضينا أو للحاضر الغربي، علينا أن نبدأ بالكفاح من أجل الحرية، مطلب ومحرك كل تاريخ ومحركه.

العلمانوية

انتقد غليون الطريق الخاطئ الذي سلكته النخب الحداثوية العربية في ترجمتها وتوظيفها لمفهوم العلمانية في بلادنا، وفكك معانيها الأصلية وتوظيفاتها التاريخية، فأشار إلى أن للعلمانية معنيين: المعنىالأول فلسفي يتعلق بتنظيم العلاقة بين مصادر العقل العلمية والدينية والروحية والمادية، ويتجسد ذلك في نمو الوعي الخاص بالحياة والعالم والدنيا، وهو ثمرة طبيعية وعفوية لتطور الحضارة ولمستوى استخدام العقل، وترسيخ المعرفة والمشاعر الدنيوية، كما أنه ميل طبيعي لتطور المجتمعات كلها. والمعنى الثاني إجرائي سياسي يتعلق بتنظيم العلاقة بين الدين والدولة. ومضمونه نزع القداسة عن نشاط الدولة وحكامها، وهو برنامج يعتقد غليون أنه نُفِّذ في العالم كله، وهذه الحال تنطبق بشكل عام على الدولة العربية الحديثة. أما الأصل التاريخي لنشوء العلمانية في أوروبا، فترجع دوافعه المحركة إلى تسلط الكنيسة على الدولة والسياسة وعلى الضمير الفردي للمؤمن، وإلى حرمان المجتمع من تأسيس نفسه سياسيًا، وهو ما أدى إلى ولادة موقف علماني يدعو إلى تحرير الدولة والسياسة من سيطرة الدين (= الكنيسة)، بينما الدولة في الجانب العربي- الإسلامي تطورت على نحو مختلف، فلم تترك أي باعث جدي لإثارة مطلب العلمانية بالطريقة المصطنعة التي أثارها المثقف الحداثي العربي؛ إذ لم يشهد تاريخه السياسي القديم والحديث سيطرة «مؤسسة دينية» على الدولة أو على الضمير الفردي، بل شهد دائمً سيطرة الدولة على الهيئة الدينية وعلى الجماعة معًا؛ فمنذ الأمويين حتى الخلافة العثمانية، انقلبت الخلافة ملْكًا زمنيًا، «الملْك العضوض»، وساد نمط الدولة «السلطانية» التي ميّزت بين السلطان الزمني ومهمات الهيئة الدينية، ثم أعادت بناء هيئة

دينية مرتبطة بها، ملأت بها أُطر السلطة التشريعية والقضائية، وحولت مؤسسة الإفتاء إلى مؤسسة حكومة، وهو ما ظل تقليدًا سائدًا إلى اليوم. أدى إخضاع الهيئة الدينية، ومعها الجماعة المؤمنة، للدولة إلى تحول الإسلام إلى ملجأ للجماعة ولاحم لها في وجه الدولة. وصار مطلب تحرير المجتمع والدين من سيطرة الدولة واستبدادها، أي الدفع باتجاه الديمقراطية، شرطًا لتأسيس مجال حر للسياسة. كما أن الهيئة الدينية في العصر الحديث ساندت التحديث، وهو ما تجلى في مواقف مؤسسي المدرسة الإصلاحية الإسلامية، منهم محمد عبده الذي أكد الطابع المدني للسلطة ونفى وجود سلطة دينية في الإسلام، ولم يحارب العلمانية إذا فُهمت كرفض للسلطة الكهنوتية، وكفتح لحرية الاجتهاد والعقل. لكن فقط، ومع انهيار المقاومة العربية - الإسلامية للغرب وتفاقم التبعية، انشقت الجماعة العربية حول روايتين: العلمانية والإسلامية. تصاعد التطلُّب للعلمانية مع إخفاق الدولة التحديثية، فظهرت طبعة جديدة راديكالية للعلمانية تعويضًا أيديولوجيًا لهذا الفشل وتعبيرًا عن تعثّر نشوء وعي علماني حقيقي، وكأننا أمام مفارقة عجيبة: ازداد التشديد على العلمانية في وضعٍ غدت فيه الأنظمة العربية أكثر الأنظمة دهرية في العالم، وكأن النخبة الحداثية عند غليون ما عادت تكتفي بما أنجزته الدولة من سيطرة على الشأن السياسي وعلى الهيئة الدينية، بل تريدها الآن أن تمد سطوتها لتطاول ضمير الفرد وقلبه وعقله!

من الحداثة والعلمانوية إلى الإسلاموية

انتزعت النخبة الحداثية «العلمنة» من سياقها التاريخي وحولتها إلى عقيدة أو شارة تمييز اجتماعي، فغدا أنصار العلمانية مثل أنصار العقيدة الإسلاموية، غير قادرين على تحرير مفهوم الدولة من سيطرة العقيدة الحزبية. وتحول شعار العلمانية إلى صور مقلوبة لمفهوم «حاكمية الله» الذي رفعته الحركة الإسلاموية. والحال أن العرب، كما يرى غليون، لن يصلوا إلى السلام الداخلي ما دام بعضهم يطالب بفصل الدين عن الدولة، وبعضهم الآخر يطالب بدولة دينية، بدلً من أن يحتكموا إلى المعادلة الديمقراطية. وكان مقتل العلمانية الحقيقي أنها غطَّت على تفريخ الاستبدادية الحديثة، ولم تكن جزءًا من نشاط يدفع إلى الديمقراطية، وغليون يُعمّم بهذا حكمه ليشمل المثقف العربي الحداثي كي يحمّله وزر أنظمة الاستبداد الذي كان هذا المثقف (بما في ذلك غليون نفسه) من ضحاياها. يعتقد غليون أن المخرج الحقيقي من أزمة العلمانية والإسلامية هو البدء بالديمقراطية، أي إرجاع السياسة إلى أصحابها، ورفع قيمة الديمقراطية في حياتنا، وتجاوز مجال الدولة الوطنية إلى العالم العربي لتتمكن الجماعة العربية من إجراء الحوار الخلاّق والصعب مع الحضارة الراهنة، من موقع المشارك في صنعها. انطلاقًا من نقده هذا لما يُسمِّيه الحداثة المشوَّهة التي شقّت المجتمعات العربية والإسلامية إلى فريقين، أحدهما يستقبل هذه الحداثة والعلمانية والآخر مازال ينتمي إلى التقليد الإسلامي ويرفع شعار الدولة الإسلامية، أو على الأقل مطلب تطبيق الشريعة، يذهب غليون في تفحصه ظاهرة الإسلام السياسي واستدعائها المتزايد لفكرة «الدولة الإسلامية» ولشعار الإسلام دين ودولة، مصحف وسيف، ليقول إن «المشكلة الحقيقية في الثقافة العربية هي هذا الانشقاق المتزايد بين (ثقافتين) لكل منهما منظومة قيم ومعايير ووسائل انتشار، وشبكات نقل متميزة تعزل إحداها عن

الأخرى، وتقود إلى تكوين جماعتين متنافرتين لا تحتمل إحداهما وجود الأخرى، ليست لغتها بلغة الأخرى، ولا لسانها بلسانها، ولا قيمها بقيمها». على الرغم من قول غليون: «ليس معنى هذا أن التحديث خاطئ بحد ذاته»، فإن سلسلة استدلالاته تذهب أحيانًا في هذا الاتجاه؛ فهو يحمل على فاعليات التحديث ومظاهرها التقنية والأيديولوجية برمّتها، محمِّلً إياها مسؤولية بروز الإسلام السياسي حركيًا وفكريًا، كقوله: «هكذا حلّت الأيديولوجية العلموية محل الرؤية القديمة لدى النخب المثقفة، حاولت الفئة الأولى العلمانية أن تستفيد من الدارونية لتفرض مفاهيم الوضعية الغربية، وحلّت حكمتها الضيقة مكان حكمة الشريعة.. أما على الصعيد السياسي فحلت العقائد العلمية محل المذاهب الدينية، والتحليلات الاجتماعية محل التأويلات الفقهية. وتركت مفاهيم العدالة والحق والخلافة مكانها لمفاهيم الاشتراكية والديمقراطية والجمهورية.. وأصبح العلم أيديولوجية.. وأصبح مذهبًا مغلقًا ووسيلة تضليل وإرهاب». ويذهب غليون إلى حد القول: «إن منظومة القيم الثقافية الجديدة دخلت أولً عن طريق مثقفين بعيدين نسبيًا عن الشعب وعن الأغلبية.. ودخلت النزعة العقلانية عن طريق الفئات العليا السائدة وحاولت أن تستخدمها لتخليد سيطرتها وتأمين ركود العلاقات الاجتماعية.. ودخلت العقلانية العربية كحليف للطبقات العليا وللغرب المستعمر.. بينما انكفأت الأغلبية الشعبية.. إلى منظومة القيم التقليدية». تحمل أحكام غليون هنا بعض التعميم، وذلك حين يوحي بأنه يضع السلطة، وأيضًا الدولة، ومعهما المثقف الحديث، في صف واحد مع المسؤول عن أزمة الحداثة. كما يوحي بأن القطاع التقليدي بكل رموزه ومفكريه وبتجلياته المختلفة في صف الضحية، على الرغم من أقوال أخرى له لا تتسق مع هذا المضمون! يخلص غليون إلى القول إن «هذه السياسة الاجتماعية هي التي تفسِّر ليس فقط استمرار (الخرافة) لدى الأوساط الشعبية، ولكن أكثر من ذلك تحول العقلانية الغربية المنقولة إلى المجتمع العربي إلى أيديولوجية لاعقلانية لاهوتية وخرافية من نوع جديد، أي استلاب عقلي». وبالتالي، فإن ما يريد غليون أن يقوله هو أن التحديث قسّم المجتمعات العربية إلى مجتمعين وثقافتين متنافرين، وهما على تنافرهما ذاك، يلتقيان على هيمنة روح العصبوية على سلوكهما. بناء على هذا، يُرجع غليون بروز ظاهرة الإسلام السياسي وبروز شعار «الدولة الإسلامية» ومطلب تطبيق الشريعة إلى هذا المناخ العصبوي الشامل، وبالتالي يعتبر أن الحقيقة التي تكمن وراء بروز الحركة الإسلامية وشعاراتها ومفاهيمها هي الصراع السياسي على السلطة. كتب غليون: «من الواضح بالنسبة لي أن الناس لا يتنازعون في هذا السياق على تعيين حقيقة الإسلام.. إنما يرتبط نزاعهم النظري بالصراع على السلطة الذي تستغرقه مسألتان رئيسيتان متفجرتان، لم يحسم أمرهما في المجتمعات العربية والإسلامية. الأولى هي: مسألة تداول السلطة، والثانية هي: مسألة علاقة الدولة ومؤسساتها بالمجتمع». فالدولة العربية الحديثة طورت آليات أفضت إلى تأبيد سيطرة النخب الحاكمة، فلا تجد النخب المعارضة الإسلامية التي تواجه سلطة تعتمد لتبرير حكمها على رأس مال رمزي ذي سمة علمانية، سوى الدين مصدرًا للشرعية وسلاحًا لإزاحة النخبة الحاكمة، «من هنا تشكل صياغة المذهب الإسلاموي الذي

يربط النظام السياسي بالدين الأساس لبناء مصدر شرعية جديد، يبرر تغيير النخب الحاكمة التي تظهر بمنظار نخبة كافرة وليست شرعية». والحال أن تعلُّق هذه النخبة بالإسلام كسلاح يعينها في صراعها على السلطة مع النخبة الحاكمة المتشحة بأيديولوجيا حداثية وعلمانية، لا يعفيها، إن وصلت إلى السلطة، من الرضوخ لمفاهيم الحكم المعاصرة وإلا أدخلت البلاد في دورة جديدة من الاستبداد، وهذا غالبًا ما يحدث. كتب غليون: «في العمق، ليس للإسلاميين أو غيرهم من مهرب من التفكير في النظام السياسي اليوم انطلاقًا من مفاهيم العصر، وإن لم يفعلوا ذلك تحولوا، كما هو حاصل مع طالبان أفغانستان، إلى أناس خارجين عن العصر، يعيشون في عالم غير عالم مجتمعهم». ويذهب إلى القول إن «مصطلح الدولة الإسلامية نفسه مبتدع حديث، يعبر عن تأثير الفكر الإسلامي المعاصر الشديد بالفكر القومي الحديث السائد». يضعنا غليون في هذا المناخ من «الأزمة» ليفسر صعود الحركة الإسلامية وبروز مفهوم (الدولة الإسلامية)؛ هذا الصعود يفترض تجديدًا للعمل السياسي، وبالتالي إعادة بناء النخب السياسية، وبالتالي تجديد العقائد الحاكمة أو القائدة، وهو ما يدفع إلى زيادة الضغط على الإسلام كرأس مال رمزي قابل للتثمير في صراعها السياسي، وذلك لأن تحويل «الإسلام إلى مذهبية سياسية اجتماعية تعمل على إعادة ترتيب مسألة السلطة الاجتماعية العامة، لابد من (= أي يفترض) إعادة تفسير وتحديد مكانته (أي الإسلام) في منظومة القيم الاجتماعية الواعية والمنظمة، وبما يجعله يرد على الحاجات الجديدة.. ولا يعني هذا التوظيف (للإسلام) إلّ إعادة التأويل حسب المنطق السياسي السائد في الحقبة الحضارية، للعقيدة الإسلامية، بما يسمح بتحويلها إلى عامل تكوين السلطة الجديدة». ويلخص غليون إلى القول: «إن أحد مصادر النمو الكبرى للحركة الإسلامية السياسية في الوقت الراهن هو صعود القيمة المقارنة للمرجعية الإسلامية الحضارية والدينية في تقديم فرص إعادة تكوين وبناء العقيدة الاجتماعية، التي انهارت أسسها الحديثة». لهذا فهو يرى أن السؤال الملائم الذي يجب أن يطرحه المد الإسلامي على الباحث ليس هل تستجيب العقائدية الإسلامية لحاجات التقدم الحضاري أم لا؟ بل لماذا توجهت الحركة الاجتماعية نحو استلهام المرجعية الإسلامية؟ وما الذي يفسر نجاح الحركة الإسلامية في تحويل العقيدة الدينية إلى خطاب السلطة؟ وبالتالي، لماذا لم تنجح حركة الإخوان في الأمس، ونجحت الحركة الإسلامية المعاصرة اليوم، ويصبح شعار الإسلام مستودع آمال المساواة والكرامة الذاتية والعدالة؟ والجواب عنده هو ان الدين المهمَّش التقى، في هذا اليوم، بالشعب المستبعَد من الحياة والحضارة، ليجعل منه قاعدة وإطارًا للاندماج خارج النظام أو ضد النظام الاجتماعي السياسي السائد!

الهوامش

نلاعإ نيمأت ءاجرلا اثيدح ردص