العودة إلى تفاصيل المؤلَّف جان جاك روسّو و «الاعتراف »: تمهيد في مشروعية دراسته فلسفيًا وعربيًا

جان جاك روسّو و «الاعتراف »: تمهيد في مشروعية دراسته فلسفيًا وعربيًا

Legitimacy of Studying Jean Jacques Rousseau and the “Confession” Philosophically and from an Arab Perspective

حسام الدين درويش

Hossam al-Din Darwish

الملخّص

هذا بحث في المشروعية أو في مداها؛ بحث في مشروعية دراسة فلسفة جان جاك روسّو ونظرية الاعتراف، على الصعيد الفلسفي وعلى الصعيد العربي. فهو من جهة أولى، بحث في مشروعية دراسة نظرية الاعتراف وارتباطها بنظرية العدالة، في تلك الفلسفة؛ وهو من جهة ثانية، بحث في مشروعية دراستها عربيًا. ونعني بالمشروعية، في هذا السياق، وجود مسوّغات فكرية أو واقعية، نظرية أو عملية، معقولة ومقبولة، جزئيًا ونسبيًا على الأقل، تُظهر إمكانية القيام بدراسة ما وضرورة القيام بهذه الدراسة

Abstract

(1) Patchen Markell, Bound by Recognition (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2003), p. 7.

الكلمات المفتاحية:
  • روسو
  • الاعتراف
  • الصعيد العربي
  • نظرية العدالة
Keywords:
  • Rousseau
  • Confession
  • Arab Level
  • Theory of Justice

هذا بحث في المشروعية أو في مداها؛ بحث في مشروعية دراسة فلسفة جان جاك روسّو

ونظرية الاعتراف، على الصعيد الفلسفي وعلى الصعيد العربي. فهو من جهة أولى، بحث

في مشروعية دراسة نظرية الاعتراف وارتباطها بنظرية العدالة، في تلك الفلسفة؛ وهو من

جهة ثانية، بحث في مشروعية دراستها عربيًا. ونعني بالمشروعية، في هذا السياق، وجود

مسوّغات فكرية أو واقعية، نظرية أو عملية، معقولة ومقبولة، جزئيًا ونسبيًا على الأقل،

تُظهر إمكانية القيام بدراسة ما وضرورة القيام بهذه الدراسة. وتتمثّل هذه المسوّغات عمومًا

في الجِدّة التي تتضمّنها الدراسة، وفي الفائدة التي تسعى إلى تقديمها، وفي مدى تناسبها مع

القارئ المستهدف وواقعه. وبالنسبة إلى المشروعية الأولى، سيكون السؤال الذي سنتناوله

هو: ما مدى مشروعية دراسة نظرية الاعتراف عند روسّو، ومشروعية القول إن هذه

النظرية هي النظرية التأسيسية الرائدة في تاريخ فلسفة الاعتراف؟ وبالنسبة إلى المشروعية

الثانية، فإنها ستتّخذ شكل الراهنية، إذ سيكون السؤال المطروح بهذا الخصوص هو: ما

هي راهنية فلسفة روسّو عمومًا، ونظريتي الاعتراف والعدالة لديه خصوصًا، بالنسبة إلى

الواقع والقارئ العربيين؟ وبخصوص سؤالَ المشروعية، يتبنى البحث أطروحة مفادها

تأكيد وجود هاتين المشروعيتين. وعلى هذا الأساس، ينقسم بحثنا إلى قسمين أساسيين:

يناقش القسم الأوّل علاقة روسّو بفلسفة الاعتراف، في حين يوضّح القسم الثاني مدى

حضور فلسفة روسّو في الفكر العربي الحديث والمعاصر، ومدى أهمّية هذا الحضور

وضرورته، بالنسبة إلى القارئ والواقع العربيين.

روسّو وفلسفة الاعتراف

يُنظَر إلى هيغل عادةً بوصفه «العرّاب الفلسفي للمقاربة النموذجية للاعتراف»، ويمكن

الحديث عن وجود اتجاهين أساسيين في ما يتعلق بتأريخ ظهور نظريات الاعتراف وبداية

تأسُّسها فلسفيًا: يرى الاتجاه الأول أن هذا التأسيس بدأ مع المثالية الألمانية عمومًا، ومع فلسفة كلٍّ

من فيخته وهيغل خصوصًا أو تحديدًا؛ أمّا الاتجاه الآخر، فيرى أن ذلك الظهور وتلك البداية

موجودان منذ تأسيس الفلسفة اليونانية، وأن المثالية الألمانية ليست سوى مرحلة -لا جدال

بخصوص أهميتها- من مراحل تكوُّن وتطوُّر ما بات معروفًا في الفلسفة المعاصرة باسم «فلسفة

الاعتراف». الاتجاه الأول هو السائد عمومًا، وهو يرى في فلسفة فيخته بداية التأسيس الفلسفي

لمفهوم الاعتراف، وفي فلسفة هيغل اكتمال هذا التأسيس وذروته. أمّا الاتجاه الآخر، فيعترف

بمركزية اللحظة الهيغلية في مسيرة فلسفة الاعتراف، لكنه يعود إلى فلاسفة، مثل أفلاطون وديكارت

وكانط، في تأريخه الفلسفي لهذه المسيرة، ويتجسّد، بشكلٍ نموذجي، لدى بول ريكور في كتابه المهم

مسيرة الاعتراف: ثلاث دراسات، وبشكل جزئي ونسبي، لدى فرانسيس فوكوياما في كتابه الشهير

نهاية التاريخ والإنسان الأخير. ينطلق هذا البحث من أطروحة مختلفة عن أطروحتي الاتجاهين السابقين؛ إذ يقول إن البداية الفعلية

والمركزية لفكرة الاعتراف في الفلسفة حصلت تحديدًا مع جان جاك روسّو، وليس مع من جاء قبله أو

بعده من الفلاسفة. فمع روسّو فقط أصبحت فكرة الاعتراف محورًا أساسيًا في الفلسفة، بل ربما يمكن

أن نجازف بالقول إنها كانت المحور الأساسي -وليس مجرّد محور- الذي تدور حوله كلّ عناصر فلسفة

روسّو تقريبًا. وبهذا المعنى، تمثِّل فلسفة روسّو حالةً غير مسبوقة في تاريخ الفلسفة، لكن هذه الحالة

وجدت صدى كبيرًا لاحقًا لدى فلاسفة عصره، كآدم سميث وفيخته وهيغل. فضلً عن ذلك، يمكن

تتبّع آثار فلسفة روسّو بشأن الاعتراف أو صداها في بعض نظريات الاعتراف المعاصرة، على الرغم

من الحضور النادر لفلسفة روسّو عمومًا، في تلك النظريات، وفي الدراسات التي تتناولها تحليلً ونقدًا

وتقييمً. وعلى الرغم من اتفاقنا المبدئي مع فريدريك نيوهوسير -أحد أبرز من تناولوا فكرة الاعتراف

عند روسّو- في قوله إن «روسّو هو أول مفكر، في تاريخ الفلسفة، يضع الكفاح من أجل الحصول

على اعتراف الآخرين، في صميم قلب الطبيعة البشرية»، فإننا لن نذهب معه إلى درجة القول «إن

فلسفات الاعتراف في القرنين التاسع عشر والعشرين ليست جوهريًا سوى سلسلة من الهوامش

بالنسبة إلى روسّو». ويمكننا أن نوافق على القول الأخير، إذا تبنّينا نظرة تفكيكية ترى أن الهوامش

والحواشي، في نصوص فلسفة الاعتراف، لا تقلّ أهمية عن المتن، بل ربما فاقته أهميةً أحيانًا. ولا يروم

بحثنا هذا الدخول في تفاصيل نظرية الاعتراف الروسّوي، وإنما يسعى إلى التدليل على أهمية البحث

في هذه النظرية وضرورته، ومناقشة بعض أهمّ العقبات أو الاعتراضات المبدئية التي يمكن توجيهها

(2) Robert R. Williams, Recognition: Fichte and Hegel on the Other , SUNY Series in Hegelian Studies (Albany: State University of New York Press, 1992). (3) Ludwig Siep, “Recognition in Hegel’s Phenomenology of Spirit and Contemporary Practical Philosophy,” in: Hans- Christoph Schmidt am Busch and Christopher F. Zurn, eds., The Philosophy of Recognition: Historical and Contemporary Perspectives (Lanham: Lexington Books, 2010), p. 107. (4) Paul Ricoeur, Parcours de la reconnaissance: Trois études , Folio. Essais; 459 (Paris: Gallimard, 2005).

(((فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ والإنسان الأخير، الإشراف والمراجعة والتقديم مطاع صفدي؛ فريق الترجمة فؤاد شاهين،

جميل قاسم ورضا الشايبي (بيروت: مركز الإنماء القومي،.)1993

(6) Frederick Neuhouser, Rousseau’s Theodicy of Self-Love: Evil, Rationality, and the Drive for Recognition (Oxford; New York: Oxford University Press, 2008). (7) Frederick Neuhouser, “Rousseau and the Human Drive for Recognition (Amour Propre),” in: Schmidt am Busch and Zurn, eds., p. 21. (8) Neuhouser, “Rousseau and the Human Drive”.

إلى هذه المحاولة. ولهذا السبب، وضعنا كلمة «تمهيد» في عنوان هذا البحث؛ فهو تمهيد لبحث نظرية

الاعتراف الروسّوية، وليس تناولً مباشرًا لهذه النظرية. ولا تبين الاعتراضات المبدئية المفترضة صعوبة

التدليل على أطروحتنا فحسب، وإنما تبين، في الوقت نفسه، المعقولية الجزئية والنسبية لأطروحتي

الاتجاهين المخالفين. العقبة أو الاعتراض الأكثر أهمية يتعلق بمسألة الاصطلاح أو اللغة. فارتباط فكرة الاعتراف المعاصرة

بكلمة anerkennung الألمانية - التي أصبحت تقابل لاحقًا كلمة reconnaissance الفرنسية، وكلمة

recognition الإنكليزية - لم يبدأ مع روسّو، وإنمّا بدأ تحديدًا مع فيخته، في كتابه الأهم، في هذا الخصوص،

أسس الحقّ الطبيعي وفقًا لمبادئ مذهب العلم)1796(. ففي هذا الكتاب، ظهر وتبلور، بشكل مبدئي

وأساسي، مفهوم الاعتراف المعاصر، إذ أُوّلت فيه الحقوق من خلال ارتباطها الضروري بالاعتراف

الفردي المتبادل الذي يمنح كلّ شخص وضعية حامل الحق. ثمّ قام هيغل لاحقًا بتعميق هذا المفهوم

وتوسيعه في فينومينولوجيا الروح (1807)، وفي أصول فلسفة الحق)1821(، ليصبح، منذ ذلك

الحين، «موضوعًا مألوفًا في الفلسفة الأوروبية». إن المفهوم أو المصطلح الأساسي في فلسفة الاعتراف عند روسّو لا يتعلّق بكلمة reconnaissance؛ فهذه

الكلمة موجودة، وبكثرة، في نصوص روسّو، لكن يغيب عنها معظم المعاني الأساسية الملازمة لمفهوم

الاعتراف الفيختي- الهيغلي. ف reconnaissance لا تمثّل مصطلحًا تقنيًا خاصًّا أو متميزًا في فلسفة روسّو،

وهي تحمل عمومًا الدلالات نفسها التي نجدها في اللغة الفرنسية آنذاك، والملازمة لها حتّى أيامنا هذه.

ويمكن أن نميز ثلاث دلالات أساسية لهذه الكلمة، في النصوص الروسّوية: الشعور بالعرفان بالجميل أو

بالامتنان، أو التعبير عن هذا الشعور (وهذه الدلالة الأولى نجدها واضحة مسبقًا في انفعالات النفس

لدى ديكارت)؛ الاعتراف أو الإقرار بحقيقة ما؛ والتعرّف إلى شيء أو شخص ما، أو إعادة معرفته.

فالمفهوم المركزي في فلسفة الاعتراف الروسّوية هو amour propre الذي سنعتمد مصطلح « الحب

الشخصي » مقابلً له، كما فعل بولس غانم في ترجمته لكتاب روسّو عن التفاوت. ففكرة الاعتراف

عند روسّو تتعلّق بمصطلح «الحب الشخصي» لا بمفهوم confession الذي كان روسّو قد وضعه عنوانًا

لسيرته الذاتية، والذي قد يتبادر إلى ذهن الكثيرين حين يكون هناك حديث عن الاعتراف عند روسّو.

(9) Johann Gottlieb Fichte, Foundations of Natural Right: According to the Principles of the Wissenschaftslehre , Edited by Frederick Neuhouser; Translated by Michael Baur, Cambridge Texts in the History of Philosophy (Cambridge, UK; New York: Cambridge University Press, 2000).

(1((غِيُورْغ فِلْهِلْم فرِدْريشْ هيغل: فنومينولوجيا الروح، ترجمة وتقديم ناجي العوْنلِّي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2006)،

وأصول فلسفة الحق، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام (القاهرة: مكتبة مدبولي،.)1996

(11) Terry Pinkard, “Recognition, the Right, and the Good,” in: Schmidt am Busch and Zurn, eds., p. 129.

(1((رينيه ديكارت، انفعالات النفس، ترجمة وتقديم وتعليق جورج زيناتي (بيروت: دار المنتخَب العربي، 1993)، المقالة 64،

ص.49

(1((جان جاك روسّو، خطاب في أصل التفاوت وفي أُسسه بين البشر، ترجمة بولس غانم؛ تدقيق وتعليق وتقديم عبد العزيز لبيب

(بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009). سنتبّنى عمومًا الرأي الشائع الذي يسمي هذا الخطاب باسم « الخطاب الثاني» تمييزًا له

من «خطاب في العلوم والفنون» الذي يسمّى « الخطاب الأوّل ». وبسبب عجزنا عن الحصول على نسخة من هذه الترجمة، فسنكتفي

بالإحالة إلى النص الفرنسي و/أو الترجمة الإنكليزية لهذا الكتاب. انظر:

Jean-Jacques Rousseau, Discours sur les sciences et les arts (1750) (édition électronique réalisée par Jean-Marie Tremblay, complétée le 1er avril 2002 à Chicoutimi, Québec), on the Web: <http://classiques.uqac.ca/classiques/ Rousseau_jj/discours_sciences_arts/discours_sc_arts.html>.

ويحيل مفهوم «الحب الشخصي» إلى حاجة الذات، أو سعيها إلى، أو رغبتها في، الحصول على استحسان

الآخرين، أو إعجابهم، أو تقييمهم الإيجابي. يطرح غياب مصطلح الاعتراف، بالمعنى المعاصر له، عن فلسفة روسّو شكوكًا كبيرة بخصوص إمكانية

التدليل على معقولية أطروحتنا القائلة بريادة روسّو في مضمار فلسفة الاعتراف. ولا يمكن نفي المعقولية

الجزئية والنسبية لهذه الشكوك، إذا أخذنا في الحسبان التعريف الدولوزي- الغتّاري للفلسفة بوصفها

«فنّ تكوين وإبداع، وصناعة المفاهيم». وخلقُ مفهوم ما لا يعني مجرّد إحلال كلمة ما محلّ كلمة

أخرى، بل يعني أيضًا تكوين فضاء دلالي جديد تبدو الكينونة معه مختلفة عمّ سبق. فالمفهوم الجديد يفسح

المجال أمام منظور مختلف، و«مسطَّح معرفي» جديد، تكشف الكينونة من خلالهما عن نفسها، بطريقة

مختلفة. وعلى هذا الأساس، نفهم اقتران المناقشات اللغوية بالمناقشات الفلسفية، منذ كراتيليوس

أفلاطون على الأقل، حتى عصرنا الراهن، حيث «تتلاقى كلّ البحوث الفلسفية في مجال اللغة»، كما

يقول ريكور محقًّا. من المشروع دائمً، ومن الضروري غالبًا، على الأقل، أن يرافق التحليل أو النقاش اللغوي للمبنى التحليل

أو النقاش الفكري- الفلسفي للمعنى. ونجد ذلك واضحًا بصورة نموذجية، لكن ليست حصرية، في

تساوق التحليلين الأنطولوجي واللغوي عند كلٍّ من هايدغر وغادامير. ولكن ينبغي، من وجهة نظرنا،

ألّ يُتزل التحليل الفلسفي، بشكل كامل أو بشكل جزئي وشبه كامل، إلى مجرّد تحليل لغوي، كما فعل

بعض أعلام الفلسفة التحليلية والوضعية المنطقية (ألفرد آير، على سبيل المثال)، في تناولهم المذاهب

أو الموضوعات الفلسفية؛ وكما حدث سابقًا في عصر روسّو، حيث كان من الشائع عمومًا لدى فلاسفة

القرن الثامن عشر «تقديم الخلافات الفلسفية على أنها خلافات سيمانطيقية»، أي بوصفها خلافات

تتعلّق، بالدرجة الأولى، بمدى دقّة أو عدم دقّة الدلالات المعزوّة إلى الكلمات أو المفاهيم المستخدمة. يتضمّن التمييز بين النقاش اللغوي أو المتعلّق باللغة أو بمبنى الفكرة، بالدرجة الأولى، والنقاش الفلسفي

المتعلّق بالفكرة من حيث دلالاتها أو معانيها ومضامينها، تمييزًا بين الفكرة والاصطلاح المعبِّ عنها.

ويأتي قولنا بريادة روسّو، في ميدان فلسفة الاعتراف، في إطار الاهتمام بتاريخ فكرة الاعتراف لا بتاريخ

المصطلح المعاصر الذي يبيّ أسبقية فيخته، ومن بعده هيغل، في هذا المجال. ومن حيث المبدأ، ينبغي ألّ

يثير هذا الفصل - الجزئي والنسبي بالتأكيد - بين الفكرة والكلمة أو الكلمات التي تعبّ عنها، الاستهجان

(1((جيل دولوز وفليكس غتاري، ما هي الفلسفة، ترجمة ومراجعة وتقديم مطاع الصفدي وفريق مركز الإنماء القومي (بيروت:

مركز الإنماء القومي؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1997)، ص.28

(1((أفلاطون، محاورة كراتيليوس في فلسفة اللغة، ترجمة وتقديم عزمي طه السيد أحمد (عمان، الأردن: وزارة الثقافة،.)1995

(1((بول ريكور، في التفسير: محاولة في فرويد، ترجمة وجيه أسعد (دمشق: أطلس للنشر والتوزيع، 2003)، ص.13

(1((انظر بشكل خاص: مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، ترجمة وتقديم وتعليق فتحي المسكيني؛ مراجعة إسماعيل المصدق

(بيروت: دار الكتاب الجديدة المتحدة، 2012)، وهانز جورج غادامير، بداية الفلسفة، ترجمة علي حاكم صالح وحسن ناظم

(بيروت: دار الكتاب الجديدة المتحدة،.)2002

(1((انظر: براين ماجي، محرر، رجال الفكر: مقدمة للفلسفة الغربية المعاصرة، ترجمة وتقديم نجيب الحصادي (بنغازي، ليبيا:

جامعة قاريونس، 1998)، ص.273-272

(1((للاطّلاع على عرضٍ أو تلخيصٍ لنقد آير للمذهب الوجودي، انظر: عبد الفتاح الديدي، الاتجاهات المعاصرة في الفلسفة، ط

5 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1985)، ص.265-258

(20) Pierre Force, “First Principles in Translation: The Axiom of Self-Interest from Adam Smith to Jean-Baptiste Say,” History of Political Economy , vol. 38, no. 2 (2006), p. 326.

أو الرفض؛ لأنّ إمكانية قول الشيء نفسه « تقريبًا » بكلمات أخرى - كما يبيّ أمبرتو إيكو - مسألة غير

خلافية إلى حدٍّ كبير؛ وفي هذه الإمكانية يكمن معنى الترجمة بالشكل الواسع للكلمة. فهذه الإمكانية

بالتحديد هي التي تسمح بالترجمة الخارجية - ترجمة الكلمات من لغة إلى أخرى - وبما يمكن تسميته، مع

ريكور، الترجمة الداخلية، أي محاولة شرح معنى كلام ما، والتعبير عنه، بكلمات أخرى من داخل اللغة

نفسها. ولولا القناعة بوجود هذه الإمكانية وبمعقوليتها، لما تسنّى القول بوجود تكافؤٍ نسبي، في المعنى،

بين كلمات recognition الإنكليزية و reconnaissance الفرنسية و anerkennung الألمانية والاعتراف

العربية، بل لما استطعنا القول بإمكانية الترجمة أصلً؛ لأن الترجمة قائمة على افتراض معنى مثالي ما، يمكن

التعبير عنه بكلمات مختلفة، داخل اللغة الواحدة، أو من خلال لغات مختلفة. وعلى هذا الأساس، نتّفق مع

رولز وأمارتيا سِن، في أن للكلمات أهميتها، أي نعم، لكنْ يجب ألّ تكبّلنا كثيرًا. ويوضح التمييز، في دراسة الاعتراف، بين الفكرة واللغة المعبِّة عنها، سبب، أو أحد أسباب، «تجاهل»

ريكور التامّ لفلسفة روسّو في معجمه الفلسفي والتأريخي لمفهوم الاعتراف في الفلسفة الغربية. فبتتبّعه

المبنى أو تاريخ الكلمة في الفلسفة، أحالنا ريكور إلى معانٍمتباينة وغير متجانسة في معظمها، وليس

لبعضها، على الأقل، علاقة وثيقة بفكرة الاعتراف السائدة منذ فيخته وهيغل حتى الفلسفة المعاصرة. لكن إبرازنا مشروعية التركيز على الفكرة، وغضّ النظر جزئيًا عن المصطلح الحامل لها أو المعبّ عنها،

يفضي إلى مواجهة إشكالية جديدة يمكن التعبير عنها من خلال طرح التساؤل التالي: إذا كان الكشف

عن التأسيس الفلسفي لفكرة الاعتراف، السائدة في الفلسفة المعاصرة، يقتضي العودة إلى ما قبل اللحظة

الفيختية/ الهيغلية - وهي اللحظة التي بدأ فيها الصوغ الأولّي والأساسي لمفهوم الاعتراف المعاصر - أو

يسمح بتلك العودة، ألَ يتضمَّن ذلك الاقتضاء، أو السماح، الإقرار بمشروعية محاولات الحديث عن

أسس فلسفية قديمة، تصل غالبًا إلى الفلسفة اليونانية (الأفلاطونية والأرسطية خصوصًا)؟ وانطلاقًا

من ذلك الإقرار المُفترَض، ألَ يمكن تبرير موقف ريكور بالقول إنه لم يكن يتجاهل فكرة الاعتراف

المعاصرة، لمصلحة التركيز على الكلمة المعبّة عنها، وإنمّا كان يسعى إلى البحث في إمكانية الجمع بين

الدلالات المختلفة لمفهوم الاعتراف في تاريخ الفلسفة، بما يسمح لاحقًا بتأسيس نظرية فلسفية شاملة

عن الاعتراف، وهي نظرية تفتقدها الفلسفة حتى الآن، من وجهة نظره؟ ويتعزّز هذا الفهم، إذا أخذنا

في الحسبان أن بحث ريكور في الاعتراف لا «يتجاهل» روسّو فحسب، وإنمّا «يتجاهل» أيضًا فيخته الذي

كان أول من استخدم مفهوم الاعتراف بمعناه المعاصر، في تاريخ الفلسفة. فهل يعقل أن يُتّهم ريكور

بالتركيز على المبنى على حساب المعنى، على الرغم من عدم اهتمامه بمن قام بأول عملية بناء لمفهوم أو

لمصطلح الاعتراف المعاصر؟ إن قولنا بريادة روسّو في ميدان فلسفة الاعتراف لا يعني أن الفلاسفة - قبل روسّو - لم يهتمّوا إطلاقًا

بفكرة الاعتراف؛ وإنما يعني أن مع روسّو تحديدًا، وليس مع أي فيلسوف آخر قبله، اكتسبت هذه الفكرة

(2((انظر: أمبرتو إيكو، أن نقول الشيء نفسه تقريبًا، ترجمة أحمد الصمعي؛ مراجعة نجم بو فاضل (بيروت: المنظمة العربية

للترجمة، 2012)، ص.15-14

(2((انظر: بول ريكور، عن الترجمة، ترجمة حسين خمري (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون؛ الجزائر: منشورات الاختلاف،

2008)، ص.48-47

(2((أمارتيا سن، فكرة العدالة، نقله إلى العربية مازن جندلي (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2012)، ص.127

مركزية ومكانة لم تحظَ بها من قبل. فمن المألوف والمشروع، من حيث المبدأ، البحث عن جذور سابقة

لأفكار لاحقة، وهو ما يحدث، على سبيل المثال، عندما يبحث البعض عن سوابق ﻟ «شكّ ديكارت»،

ويجده عند الغزالي، أو عندما يرى أن الكوجيتو الديكارتي موجود مسبقًا عند أوغسطين. لكن هذه

المحاولات لتأصيل المعنى، أو لتأثيل المبنى، تغفل غالبًا عن تمييز أساسي نسبي بين وجود الفكرة وموقعها

أو وظيفتها ومدى مركزيتها أو أهميتها عند هذا الفيلسوف أو ذاك. فالوجود الهامشي أو العرضي ﻟﻟ

«أنا أفكر» عند أوغسطين، يختلف تمامًا عن المركزية التي حظيت بها هذه الفكرة لدى ديكارت، بحيث

أصبحت أساسًا ليس لفلسفته فحسب، بل للفلسفة الحديثة عمومًا. فالأهمية المعطاة للفكرة، وللوظيفة

التي تقوم بها، في إطار الفلسفة والواقع الذي تتحدث عنه، هي العامل الحاسم، من وجهة نظرنا، عند

الحديث عن التأسيس الفلسفي لفكرة ما أو لموضوع ما. انطلاقًا من ذلك، نتَّفق مع فوكوياما الذي

استدعى أفكار أفلاطون ومكيافيلّ وألكسندر هاملتون وروسّو وغيرهم، ليقول إن «المفهوم الذي

يوحي ﺑ«الاعتراف» لم يخترعه هيغل. فهو قديم قِدم الفلسفة السياسية الغربية ذاتها، وهو يستند إلى

جانب مألوف تمامًا من الشخصية الإنسانية». ومن دون التقليل من أهمية معالجة فوكوياما لفكرة

«الرغبة في الاعتراف»، فإننا نختلف معه في توظيفه هذه الفكرة وربطها بأطروحته بشأن نهاية التاريخ،

وفي تغييبه دور فيخته وتقليله من دور روسّو وإفراطه في إبراز دور أفلاطون، في تاريخ الاعتراف. كما

نختلف معه في ما نرى أنّه اختزال شبه كامل - بتأثير من تأويل كوجيف ﻟ« فينومينولوجيا الروح » -

لنظرية الاعتراف عند هيغل، إلى جدل السيد والعبد، وفي تجاهله عمومًا لفلسفة الاعتراف المعروضة في

« أصول فلسفة الحقّ». ولهذا ينبغي التأكيد بأن فكرة «الرغبة في الاعتراف» أو «الحب الشخصي» لم تحظَ،

قبل روسّو، بالمكانة التي حظيت بها في فلسفته، بما في ذلك تناول أفلاطون فكرة التيموس (thymos) أو

النفس الغضبية- يحيل إليها فوكوياما وآخرون - التي تحمل بعض سمات القرابة والتشابه مع فكرة

«الرغبة في الاعتراف» أو «الحب الشخصي». إن ريادة أو أصالة روسّو في ميدان فلسفة الاعتراف، لا تكمن في مركزية هذه الفكرة لديه فحسب، بل

تكمن أيضًا في ارتباطها الضمني، لكن المتين أو الوثيق، من وجهة نظرنا، بفكرة العدالة. وإذا كان من

الشائع عدم إعطاء فلسفة روسّو مكانًا بارزًا ومؤسِّسًا لنظريات الاعتراف - عند محاولات البحث في

تاريخ هذه النظريات وفي أسسها الفلسفية - فمن المألوف أيضًا عدم إيلاء أفكار روسّو عن العدالة مكانًا

أو مكانة متميزة في تأريخ نظريات العدالة في الفلسفة الغربية، عبر تاريخها الطويل. وعلى الرغم من

هذا الموقع الهامشي لروسّو في التأريخ الشائع لفلسفة العدالة ونظرياتها، فقد أعاد بعض الفلاسفة، في

العقود الأخيرة، اكتشاف أهمية أفكار روسّو عن العدالة، لدرجة يمكن معها البحث في فلسفة روسّو لا

عن العدالة بوصفها اعترافًا فحسب، بل بوصفها إنصافًا أيضًا، كما هي الحال في نظرية جون رولز البالغة

الأهمية في الفلسفة السياسية المعاصرة.

((2(فوكوياما، ص.162

(25) Alexandre Kojève, Introduction to the Reading of Hegel: Lectures on the Phenomenology of Spirit , Assembled by

Raymond Queneau; Edited by Allan Bloom; Translated from the French by James H. Nichols, Agora Paperback Editions (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1980).

(2((انظر خصوصًا: أفلاطون، الجمهورية، ترجمة ودراسة فؤاد زكريا (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.)1974

(2((انظر على سبيل المثال: ديفيد جونستون، مختصر تاريخ العدالة، ترجمة مصطفى ناصر، عالم المعرفة؛ 387 (الكويت: المجلس

الوطني للثقافة والفنون والآداب،.)2012

التلازم بين مبحثي الاعتراف والعدالة قائم في كلّ نظريات الاعتراف المعاصرة تقريبًا. ويبدو هذا

التلازم، في أوضح صوره، لدى أكسل هونيت الذي رأى - كما هو واضح في عنوان ومضمون كتابه

التأسيسي الأهم لنظريته بشأن الاعتراف - في الكفاح من أجل الاعتراف «القاعدة الأخلاقية للصراعات

الاجتماعية»، وبدا واضحًا - من خلال مناقشته مع نانسي فريزر، على سبيل المثال - أنّه يحاول أن

يجعل من نظرية الاعتراف نظرية شاملة في العدالة. وعلى الرغم من «الندرة النسبية» لإحالة هونيت على

روسّو، أو لمناقشته أفكار روسّو عن الاعتراف أو العدالة، فإننا نعتقد بإمكانية قراءة العدالة بوصفها

اعترافًا عند روسّو، من خلال الثالوث الهيغلي- الهونيتي (التقدير والاحترام والحب). ويمكن أن نضيف

إلى هذا الثالوث المفاهيمي مفهوم العرفان أو الاعتراف بالجميل. ففكرة العرفان كانت ولا تزل مؤسِّسة

للمفهوم الفرنسي للاعتراف « reconnaissance »، إلى جانب الأفكار أو الدلالات التي أُلحقت بها بعد

فلسفة كلٍّ من فيخته وهيغل. يمكن مناقشة الارتباط الوثيق بين نظريتي الاعتراف والعدالة عند روسّو من خلال وحدة المفاهيم

والإشكاليات الأساسية المبحوثة في كلتا النظريتين عمومًا، ومن خلال إشكالية المساواة/التفاوت

خصوصًا. وتكمن أهمية هذه الإشكالية ومركزيتها، ليس فقط في كونها محايثة لكلّ نظريات الاعتراف

والعدالة في تاريخ الفلسفة عمومًا، ولنظريتي الاعتراف والعدالة عند روسّو خصوصًا؛ وإنما أيضًا في

كونها الأساس الذي تتمحور وتتضارب حوله معظم التأويلات أو الشروحات التي تتناول أفكار

روسّو بشأن الاعتراف والعدالة. وعلى الرّغم من أن الاتجاه الشائع في شرح أو تأويل أو استخدام

أفكار روسّو، في هذا الخصوص، يربط العدالة والرغبة «الصحية» أو «السليمة» بالاعتراف، بالمساواة،

لا بالتفاوت أو بالتمايز، فإننا نعتقد أنه ينبغي لمركزية فكرة المساواة في نظريتي روسّو عن الاعتراف

والعدالة، ألّ تفضي إلى إقصاء أفكار التفاوت والتمايز، وإلى الربط الدائم لهذه الأفكار بالظلم وبالصيغة

أو بالنمط السلبي من «الحب الشخصي» الذي يُسمّى عادة الحب الشخصي «الهائج» أو «المشتعل» أو

«الملتهب» (inflamed / enflammé).

إضافة إلى المساواة على الصعيد الاقتصادي، يمكن مناقشة مفهوم المساواة انطلاقًا من ربطه بمفهوم

«الاحترام»، بشكل خاص. وفي المقابل، يرتبط مفهوم التمايز والتفاوت، في الحصول على الامتياز، بمفهوم

«التقدير» خصوصًا. انطلاقًا من هذا التمييز، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل الاحترام/المساواة

فقط هو ما تقتضيه العدالة ويستهدفه الحب الشخصي «السوي»، أم أن التقدير/التفوق والتفاوت في

الحصول على الامتيازات أمر ضروري، لا على الصعيد الأخلاقي فحسب، بل على الصعيد الأنطولوجي

(الوجودي) أيضًا؟ لكن، إذا كان بإمكان العلاقة بين المساواة والتفاوت في نظريتي الاعتراف والعدالة

(28) Axel Honneth, The Struggle for Recognition: The Moral Grammar of Social Conflicts , Translated by Joel Anderson, Studies in Contemporary German Social Thought (Cambridge, MA: MIT Press, 1996). (29) Nancy Fraser and Axel Honneth, Redistribution or Recognition?: A Political-Philosophical Exchange , Translated by Joel Golb, James Ingram and Christiane Wilke (London; New York: Verso, 2003).

((3(لم يستخدم روسّو هذا المصطلح في حديثه عن الحب الشخصي، سوى مرة واحدة، لكن هذا التمييز - الإشكالي، بحدّ ذاته،

أو بالأشكال والمضامين التي يتّخذها - هو تمييز أساسي ومحوري في بحثنا، وفي نصوص روسّو المتعلقة بهذه المسألة، من وجهة

نظرنا. انظر:

Jean-Jacques Rousseau: Emile, or, on Education , Introd., Translation, and Notes by Allan Bloom (New York: Basic Books, 1979), p. 247, and Emile, ou, De l’éducation (édition numérique: Pierre Hidalgo, février 2012), p. 427, on the Web: <www.ac-grenoble.fr/PhiloSophie/file/rousseau_emile.pdf>.

أن تكون علاقة تكاملية وغير قابلة للاختزال في قضية عنادية تمنع الجمع بين الطرفين، فمن الضروري

حينئذ بحث العلاقات المعقدة التي تربط بين هذه المفاهيم، بحيث نتبيّ المعايير التي يمكن من خلالها

تمييز الأشكال والمضامين الإيجابية أو الصحية للرغبة في الاعتراف من الأشكال السلبية أو المرَضية لهذه

الرغبة. وتتماهى هذه الأشكال والمضامين الإيجابية أو الصحية مع نظريةٍ في العدالة تقرّ بضرورة وأخلاقية

المساواة/الاحترام والتفاوت/التقدير، في الوقت نفسه، لكن من جوانب مختلفة، وعلى صعد متعددة.

ربما يثار اعتراض على دراسة روسّو انطلاقًا من مفاهيم وإشكاليات تبدو، للوهلة الأولى، غريبة على

نصوصه، ويصعب تصوّر أنها مؤسِّسة لمعنى هذه النصوص؛ فبالإضافة إلى غياب مصطلح الاعتراف

المعاصر، لا يربط روسّو بوضوحٍ بين فكرة الاعتراف - المتعلّقة بمفهوم الحب الشخصي - وفكرة العدالة.

فضلً عن ذلك، لا يميز روسّو تمييزًا صريحًا وواضحًا - كما هي الحال عمومًا في اللغة الفرنسية العادية -

بين كلمتي الاحترام والتقدير؛ إذ يستخدمهما غالبًا للدلالة على المعنى ذاته، من دون أن يكون لأي منهما

دلالة تقنية خاصة ومتميزة، كما هي الحال لاحقًا، ابتداءً من فلسفة كانط خصوصًا. فالاعتراض المبدئي

المحتمل على دراسة فكرتي الاعتراف والعدالة عند روسّو، انطلاقًا من مفاهيم وإشكاليات معاصرة، هو

اعتراض على إسقاط أفكارنا المعاصرة على نصوص روسّو، من دون مراعاة المسافة الزمنية التي تفصلنا

عنها، وما نتج من هذه المسافة من اختلافات كبيرة، على كلّ المستويات، وفي مختلف المجالات. وبكلمات

أخرى، عند دراستنا نصوص روسّو، انطلاقا من مفاهيم وإشكاليات معاصرة، ألا نجازف بتحميل هذه

النصوص معاني غريبة عليها وبعيدة عن مقاصدها ودلالاتها الممكنة؟ تستدعي هذه المسألة المنهجية التي يثيرها هذا الاعتراض المفترض أو المحتمل، مناقشة مفصَّلة نسبيًا. ففي

الردّ على هذا الاعتراض المحتمل، وعلى الأسئلة الكثيرة التي يمكن أن نثيرها، لا بدّ بدايةً من توضيح

الافتراض الأساسي الذي ينطلق منه هذا الاعتراض، من دون أن يفصح عنه أو يضعه موضع تساؤل

نقدي. فهذا الاعتراض المحتمل، وما يتضمَّنه من أسئلة، ينطلقان من افتراض سيرورة خطّية، من اتجاه

واحدٍ، للتاريخ أو لعلاقة الماضي بالحاضر. ووفقًا لهذا الافتراض، يؤثِّر الماضي في الحاضر، ولا يمكن

تصوُّر العكس؛ وعلى هذا الأساس يؤثّر الفلاسفة السابقون في الفلاسفة اللاحقين، من دون إمكانية

حصول التأثير المعاكس. وفي رفضنا لهذه العلاقة الأحادية الاتجاه بين الماضي والحاضر، نحن نقول بتبادلية

أو جدلية التأثير بينهما. فالماضي يؤثّر بالتأكيد في الحاضر، لكن هذا التأثير لا يتمِّ مطلقًا بمعزل عن تأثير هذا

الحاضر في ذاك الماضي. فالاهتمام بالماضي لا يمكن أن يحصل إلّ إذا كان الحاضر يستدعي هذا الاهتمام،

بطريقة أو بأخرى، ولدرجة أو لأخرى. ويختلف الماضي المستدعى تبعًا لاختلاف العوامل التي أفضت

إلى استدعائه. وحتى على صعيد علم التاريخ، أصبح «بديهيًا» القول إن صوغ الأسئلة التي نوجهها

إلى الماضي، الذي نستهدف تأريخه، يقوم بدور مهم وحاسم في صوغ الإجابات التي تشكِّل نصوصنا

التأريخية. ولا بدّ من الإشارة إلى أننا نتحدث عن الماضي، بوصفه ظاهرة أو موضوعًا فينومينولوجيًا،

أي بوصفه ماضينا أو ماضيًا بالنسبة إلينا، ولا نتحدث عن الماضي بوصفه شيئًا في ذاته، ومستقلً عنّا وعن

إدراكنا له. وانطلاقًا من هذه الإشارة، أليس من المشروع، بل ومن الضروري، في هذا السياق، الحديث

(3((انظر: بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة وتقديم وتعليق جورج زيناتي (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،

2009)، ص.271-270

عن وجود تأثير متبادل ودائم بين كلّ فيلسوف ومن سبقه أو لحقه من الفلاسفة، بدلً من الحديث عن

تأثير أحادي الاتجاه، بين الماضي والحاضر؟ وللتشديد على فاعلية الحاضر في علاقته بالماضي، ربما أمكننا

القول، بمعنى نسبي وجزئي، إن الماضي لا يؤثِّر في الحاضر، وإنما الحاضر هو الذي يتأثّر بهذا الماضي، ويؤثّر

فيه في الوقت نفسه. وإذا كانت الفلسفة هي إعادة قراءة مستمرة لتاريخها، فهل يبقى هذا التاريخ على حاله

بعد كلِّ قراءة فلسفية جديدة له، أم أن هذه القراءة تزوّدنا دائمً برؤية جديدة تؤثّر في هذا التاريخ أو الماضي،

وتمنحه معاني ودلالات لم يكن ليحملها من دون تأثير هذه القراءات المبدعة؟ يحيل الحديث عن تأثير الحاضر في الماضي إلى الحديث عن تأثير الذات في الموضوع، أو بالأحرى الذاتية

في الموضوعية، بحيث يكون الإقرار بوجود أثر للذات في عملية المعرفة إقرارًا، في الوقت نفسه، بوجود

نقص في موضوعية هذه المعرفة. وعلى أساس هذا الفهم لعلاقة الذاتية بالموضوعية، تتناسب موضوعية

أي معرفة عكسًا مع تأثير الذات في هذه المعرفة. وبالتضادِّ مع هذا الفهم، ينطلق بحثنا من فكرة أن الذاتية

ليست مضادة بالضرورة للموضوعية، بل هي، في كلِّ الأحوال، عنصرًا ضروريًا لتأسيسها، والسبيل

الوحيد الذي يمكن أن يفضي إليها. والأمر نفسه نقوله بخصوص العلاقة بين الحاضر والماضي، فالتناول

المعرفي للماضي ينطلق من حاضر ما، ويستند، صراحة أو ضمنًا، إلى معارف هذا الحاضر وإشكالياته

ومفاهيمه وحاجاته... إلخ. فتدخُّل أو تأثير الذاتية والحاضر في معرفتنا لموضوعات الواقع والماضي أمر

لا يمكن تجنُّبه، وهو ليس أمرًا سلبيًا بالضرورة. لكن، إذا كان من غير الملائم الحديث عن رفض أو

انتقاد مبدئي لهذا التدخُّل، فهذا لا يعني أن كلَّ أشكال هذا التدخُّل أو التأثير ملائمة ومقبولة. ومن هنا

ضرورة المعاينة الإفرادية لكلّ حالة من حالات ما يسمّيه غادامير «الإشكالية التأويلية» المحايثة للعلوم

الإنسانية، بشكل خاص. إذا كانت دراسة نصوص روسّو، انطلاقًا من مفاهيم وإشكاليات معاصرة، تندرج نسبيًا في إطار تأثير

الحاضر في الماضي، أو اللاحق في السابق، فينبغي لهذه الدراسة أن تتضمَّن أيضًا إبرازًا لتأثير ذلك الماضي

في هذا الحاضر، من خلال مناقشة صدى هذه النصوص في نصوص ونظريات معاصرة لها أو لنا،

بحيث لا يكون لعلاقة الماضي بالحاضر سمة أحادية غير جدلية. ونعتقد أن من المفيد والضروري، في

هذا السياق، دراسة صدى أفكار روسّو بشأن الاعتراف والعدالة، لدى ثلاثة فلاسفة مهمِيّن في تاريخ

فلسفة الاعتراف: آدم سميثوأيريس ماريون يونغوتشارلز تايلور. فآدم سميث تبنَّى تبنِّيًا كاملا تقريبًا

أفكار روسّو، ليس في ما يتعلق بمركزية « الحب الشخصي » في حياة الإنسان في المجتمع فحسب،

وإنما أيضًا في ما يتعلق بالاستعدادات الطبيعية أو الفطرية للإنسان، والمتمثِّلة خصوصًا، عند روسّو،

في حب الذات (l’amour de soi) والشفقة أو التحنُّن (la pitié). أمّا يونغ، فهي تركِّز - بوصفها علَمً

من أعلام الفلسفة النسوية المعاصرة - على رؤية روسّو بخصوص المرأة، وعلاقتها بالرجل، ومكانتها

في الدولة والمجتمع. ويمكن لمناقشة أفكار يونغ أن تفسح المجال أمام تناولٍنقدي، مفصَّلٍومعمَّقٍ،

لرؤية روسّو للعدالة المتعلّقة بمسألة الاختلاف أو التماثل، والتفاوت أو المساواة، في العلاقة بين الرجل

(3((انظر: هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج: الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح؛ راجعه

عن الألمانية جورج كتورة (طرابلس، ليبيا: دار أويا للطباعة والنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007)، ص.703

((3(لم يستعمل سميث مصطلح «الحبّ الشخصي» أو مصطلح «الرغبة في الاعتراف»، للحديث عن رغبة الإنسان القوية في

الحصول على استحسان الآخرين وتقييمهم الإيجابي، بما يعطيه مكانة وحظوة بينهم، وإنما استخدم مصطلح « vanity » الذي

سنترجمه عمومًا بالغرور أو بالاغترار بالذات.

والمرأة. وبين تبنّي سميث أفكار روسّو وموقف يونغ الانتقادي، يتموضع موقف تايلور «الوسطي »

من أفكار روسّو عن الاعتراف والعدالة. فعلى العكس من هونيت، الذي لم يستند عمومًا إلى أفكار

روسّو في نصوصه الأولى المؤسسة لفلسفة الاعتراف، فإن تايلور هو أحد المنظّرين القلائل لفلسفة

الاعتراف الذين يقرُّون، صراحةً وبوضوح، بأهمية أفكار روسّو في فلسفة الاعتراف، ويستندون إليها،

لدرجة كبيرة، في تناولهم أو تنظيرهم لهذه الفلسفة. وإضافة إلى إبرازه أهمّية روسّو وريادته، في مضمار

فلسفة الاعتراف، تكمن أهمية تايلور - في سياق تناول أفكار روسّو بشأن العدالة والاعتراف - في

تأكيده الحضور المهمّ لروسّو في الميدان التقليدي والأساسي لفلسفة الاعتراف المعاصرة، وهو الميدان

المتعلِّق بمسألة الاعتراف بالهُوية، بشكل عام، والهُوية الثقافية للجماعات والأفراد، ومدى العدالة في

التعامل مع الأقليات الثقافية أو القومية أو العرقية... إلخ، بشكل خاص. وهكذا، فإن دراسة صدى

أفكار روسّو بشأن الاعتراف والعدالة لدى كلٍّ من سميث ويونغ وتايلور تسمح بتناول أوسع، وأكثر

تفصيلً، لعلاقة الاعتراف بالعدالة الاقتصادية (من خلال سميث خصوصًا)، والعدالة الجنسية المتعلِّقة

بوضعيَة المرأة في المجتمع، ولاعدالة هذا الوضع (من خلال يونغ خصوصًا)، إضافة إلى العدالة الثقافية

التي تتمحور حولها «سياسة الاعتراف» عند تايلور. لكن ما الجِدّة التي يمكن أن يضيفها بحث جديد في فلسفة روسّو، إذا أخذنا بعين الاعتبار آلاف الأبحاث

التي سبق أن تناولت هذه الفلسفة؟ وهل يمكن لبحث جديد أن يزعم امتلاكه مثل هذه الجدّة؟ سنجازف

بالإجابة بالإيجاب عن السؤال الأخير، مع التشديد على عدم إمكانية التدليل عليها أو تقديم المبرّرات أو

المسوِّغات الكاملة أو الكافية لها، في السياق الحالي؛ لكننا سنعمل على توضيح الخطوط الأساسية العامة

لماهية هذه الجدّة المزعومة أو المفترَضة. تتضاءل إمكانية الإتيان بجديد بقدر ما تتسع مساحة المقارنة؛ فعلى سبيل المثال، إذا تحدّثنا فقط عن

الأبحاث العربية التي تتناول روسّو، فمن السهل المسارعة إلى القول حينها إن بحثًا في نظرية الاعتراف

عند روسّو هو بحث جديد كلّ الجدّة؛ إذ لا يوجد حتى الآن - على حدّ علمنا - أي بحث يتناول

فكرة الاعتراف عند روسّو أو يربطها بفكرة العدالة لديه. لكن يصعب قول الشيء نفسه إذا أخذنا

في الحسبان الأبحاث الموجودة باللغتين الفرنسية والإنكليزية. فمعظم الكتب الفرنسية والإنكليزية

التي تتناول فلسفة روسّو، تبُرز، لدرجة أو لأخرى، أهمية فكرة «الحب الشخصي» أو «الرغبة في

الاعتراف» في فلسفة روسّو. ولعل كتب نيكولاس دِنت الدائرة حول فلسفة روسّو هي من أبرز

الكتب التي ينبغي الإشارة إليها في هذا الصدد. فكثيرًا ما جرى الحديث عن هذه الكتب بوصفها

من أهمّ، وربما أهمّ، الكتب التي تتضمن «أفضل نقاش متاحٍ لرؤية روسّو النفسانية»، و«شرحًا

غنيًا» ومفصّلً لمفهوم أو فكرة «الحبّ الشخصي» عند روسّو؛ ولهذا لا يتردّد معظم من يتناول

(34) Iris Marion Young, Justice and the Politics of Difference (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1990).

((3(انظر خصوصًا كتاب هونيت الأهم، في هذا الموضوع: The Struggle for Recognition Honneth.

(36) Nicholas J. H. Dent: Rousseau: An Introduction to his Psychological, Social and Political Theory (Oxford, UK; New York: B. Blackwell, 1988); A Rousseau Dictionary , Blackwell Philosopher Dictionaries (Cambridge, MA: Blackwell Reference, 1992), and Rousseau , Routledge Philosophers (London; New York: Routledge, 2005). (37) Joshua Cohen, “The Natural Goodness of Humanity,” in: Andrews Reath, Barbara Herman and Christine M. Korsgaard, eds., Reclaiming the History of Ethics: Essays for John Rawls (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1997), p. 135, note (27). (38) Neuhouser, Rousseau’s Theodicy of Self-Love , p. 59, note (3).

هذا الموضوع في الإحالة إلى دِنت، وإعلان تبنّيهم، الجزئي أو الكامل، لشروحاته واستنادهم إليها في

خصوص موضوع «الحب الشخصي». يلاحظ أي قارئ لكتب دِنت وغيرها من الكتب التي تتناول فلسفة روسّو عمومًا، أن هذه الكتب تقتصر

على تناول «الحب الشخصي» بوصفه مجرّد فكرة مهمّة أو، على الأكثر، بوصفه مجرّد محور من محاور فلسفة

روسّو. وعلى هذا الأساس نعتقد بضرورة تناول هذا المفهوم، بوصفه المحور الأساسي الذي تدور حوله،

وتشُرح من خلاله، الأفكار الأساسية في الفلسفة الروسّوية. ويمكن أو ينبغي لهذا التناول ألّ يقتصر على

تناول فكرة «الحب الشخصي» في فلسفة روسّو، وإنما أن يعمل أيضًا على توضيح فلسفة روسّو بمجملها

انطلاقًا من هذه الفكرة، واستنادًا إليها، وتأسيسًا عليها. ويغيب هذا الجدل بين الكلِّ (فلسفة روسّو)

والجزء (فكرة الحب الشخصي لديه) عن كتب دِنت وغيره من الكتب التي تتناول فكرة «الحب الشخصي»

أو الرغبة في الاعتراف، في فلسفة روسّو، بوصفها مجرّد جانب من جوانب فلسفته. ومن المفيد والضروري

دراسة فكرة الاعتراف في فلسفة روسّو، ودراسة مختلف جوانب هذه الفلسفة كلها، من منظور هذه

الفكرة، وانطلاقًا من الصلات التي تربطها بها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

يبقى أن نناقش مشروعية القيام ببحث جديد عن نظرية الاعتراف أو «الحب الشخصي» عند روسّو،

مقارنةً بأبحاث فريدريك نيوهوسير في فلسفة الاعتراف عند روسّو، بشكل عام، وكتابه ثيوديسيا روسّو

عن الحب الشخصي: الشر والعقلانية والدافع من أجل الاعتراف، بشكل خاص. وتأتي أهمية هذا

الكتاب من كونه الكتاب أو البحث الوحيد - على حدّ علمنا - المكرّس بالكامل لهذه الفلسفة. ونظرًا إلى

تهميش أو إهمال دور روسّو في فلسفة الاعتراف المعاصرة وفي معظم محاولات تأريخها، من قِبل معظم

الباحثين المهتميّن بهذا المجال، فقد أخذ بعض الباحثين المختصين بالفلسفة الروسّوية على عاتقهم القيام

بهذا الدور. ويُعدّ نيوهوسير من أبرز هؤلاء الباحثين؛ ففي كتابه المذكور، يناقش بتوسُّع وتعمّق طبيعة

الحب الشخصي، وأخطاره، والأنواع المختلفة لصيغته الملتهبة أو المرَضية، وسبب شيوع هذه الصيغة

أو تلك الأنواع، ومدى إمكانية تجنّب وجودها أو معالجتها أو التخفيف من آثارها السلبية، مع تأكيد

الجوانب الإيجابية الكبيرة والكثيرة المرتبطة بالحب الشخصي، في فلسفة روسّو. وقد يتساءل قارئ هذا

الكتاب: ما الحاجة إلى كتاب جديد عن فكرة الاعتراف عند روسّو، بعد كتاب نيوهوسير؟

سنكتفي بالإشارة إلى بعض النقاط التي قد تساعد على التدليل على معقولية القول بوجود مشروعية

وضرورة ما، لكتابة بحث بل أبحاث جديدة عن فلسفة الاعتراف عند روسّو. ويمكن لهذه الأبحاث

أن تستند، لدرجة أو لأخرى، إلى كتابات نيوهوسير (بالإضافة إلى استنادها إلى غيره من الباحثين المهميّن

في هذا السياق)؛ لكن ذلك الاستناد لا يعني بالضرورة تبنّيها كلّ آرائه؛ إذ تستطيع هذه الأبحاث أن

((3(هذا ما فعله رولز، على سبيل المثال، في كتاباته عن روسّو، في إطار محاضراته في تاريخ الفلسفة السياسية، انظر:

John Rawls, Lectures on the History of Political Philosophy , Edited by Samuel Freeman (Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press, 2007), p. 198, note (9). (40) Neuhouser, Rousseau’s Theodicy of Self-Love.

يمكن شرح معنى مصطلح «الثيوديسيا» (théodicée/theodicy)، من خلال الإشارة إلى أمرين: أولً، المصطلح يعني، وفقا لأصول

تركيبه في اللغة اليونانية، «العدالة الإلهية»: ﻓ« theo »تشير إلى ما هو إلهي، أمّا « dicée/dicy » فمشتقّةٌ من « dikē » اليونانية التي تعني

«العدالة»؛ ثانيًا، تشير الثيوديسيا، في العصور الوسطى المسيحية، إلى فرع من اللاهوت المختص بالدفاع عن عدالة الله وتأكيدها،

على الرغم من «سماحه» بوجود الشرّ المادي والمعنوي، في العالم المخلوق.

تختلف عنكتاب نيوهوسير، بقدر استطاعتها الاختلاف معه. ومن النقاط التي يمكن فيها الاختلاف عن

نيوهوسير، نذكر، على سبيل المثال، لا الحصر: أولً، يهتمّ نيوهوسير على نحو خاص بربط فكرة الاعتراف بفكرة العقل أو العقلانية، في فلسفة روسّو

(في الفصلين الأخيرين من الكتاب خصوصًا)، في حين أننا نعتقد بفائدة وضرورة تناول فكرة الاعتراف

في فلسفة روسّو ومناقشتها في إطار علاقتها بفكرة العدالة في تلك الفلسفة. ثانيًا، على الرغم من قول نيوهوسير إنه يهتم بتطوّر أفكار روسّو وباستكشاف الوعود الفلسفية التي

تقدمها، أكثر من اهتمامه بأصول هذه الأفكار أو بسوابقها في تاريخ الفلسفة، فإننا لا نجد، في كتابه،

أي حضور تقريبًا لأعلام فلسفة الاعتراف المعاصرة، سواءٌ من اهتمّ منهم بروسّو (تايلور مثلً) أو لم يهتم

(هونيت مثلً). وانطلاقًا من الأطروحة القائلة بريادة روسّو وأصالته في ميدان نظريتي الاعتراف والعدالة

بشكل خاص، نعتقد بضرورة إيلاء اهتمام أكبر بمقارنة أفكار روسّو، ليس مع بعض من لحقه أو تلاه من

الفلاسفة والمفكرين فحسب، وإنما مع بعض من سبقه أو عاصره من المفكرين والفلاسفة أيضًا؛ كما نعتقد

بضرورة التركيز، بشكل خاص، على العلاقة الجدلية التي يمكن إقامتها بين فلسفة الاعتراف والعدالة عند

روسّو وفلسفة الاعتراف والعدالة المعاصرة، وعلى صدى روسّو أو تأثيره في فلسفة الاعتراف المعاصرة

عمومًا، وفي فلسفتي تايلور ويونغ، خصوصًا. ثالثًا، لا يناقش نيوهوسير نظرة روسّو التمييزية لطبيعة الرجل والمرأة، ولموقعهما «التراتبي» في المجتمع

والدولة، وبدلً من استخدام الضمائر اللغوية المحدّدة لجنس من تشير إليه (مذكّرًا كان أو مؤنّثًا)، فهو

يتناول خطاب روسّو كما لو أن روسّو يتحدث عن الإنسان عمومًا، بعيدًا عن الاعتقاد بوجود اختلافات

كبيرة أو جوهرية بين الجنسين (وهذا غير صحيح، كما يقرّ نيوهوسير نفسه). والسبب الذي يقدّمه

نيوهوسير لتبرير أو تسويغ معقولية موقفه، في هذا الخصوص، هو أنه مهتم بإعادة بناءٍ معاصرةٍ لنصوص

روسّو، أكثر من اهتمامه بالوفاء للمعاني التي تتضمّنها هذه النصوص، أو بتقديم صورة تأريخية دقيقة

عن وجهة النظر التي كان روسّو يتبنّاها. في هذه النقطة خصوصًا، يمكن للاختلاف عن نيوهوسير

أن يتقاطع مع الاختلاف معه؛ فمع الإقرار بالمشروعية النسبية والجزئية للمنهجية التأويلية التي يتبّعها،

فإننا نعتقد أن لا ضرورة لوضع وجهة نظر روسّو الدقيقة، والآفاق المعاصرة التي يمكن تأسيسها

على نصوص روسّو، موضع تضادّ أو تناقض يصعب الجمع بين طرفيه، كما يفعل نيوهوسير، في هذا

السياق. وانطلاقًا من هذا الاعتقاد، فإننا نرى أن السعي إلى إظهار التأثير البنّاء والإيجابي لروسّو في فلسفة

الاعتراف والعدالة المعاصرة، لا يمنع، بالضرورة أو من حيث المبدأ، من إبراز موقفه التمييزي بخصوص

طبيعة المرأة وعلاقتها بالرجل ومكانتهما المتفاوتة في المجتمع والدولة. فإحياء جانب من روسّو قد يتطلّب

دفن جانب آخر منه. وحتّى إذا كان غرض نيوهوسير هو البناء أو إعادة البناء، انطلاقًا من النصوص

الروسّوية، فهذا لا يقتضي بالضرورة استبعاد كلّ عملية هدم. فالهدم أو التقويض جزء أساسي من كلِّ

عملية بناء، كما علّمنا هايدغر. وعلى هذا الأساس لا نرى تناقضًا في محاولتنا استكشاف الآفاق المعاصرة

لفلسفة الاعتراف عند روسّو، من جهة أولى، وإظهار النقد، أو بالأحرى الانتقاد، الذي تعرّض، أو يمكن

((4(يحيل الكتاب إلى هونيت إحالة عابرة وهامشية، مرّتين فقط، في الهامشين 8 و 2 من الصفحتين 26 و 94، على التوالي، وفي

المقابل، لا نجد فيه أي ذكر لتايلور أو لسياسة الاعتراف لديه.

(42) Neuhouser, Rousseau’s Theodicy of Self-Love , p. 25.

أن يتعرّض له بعض جوانب هذه الفلسفة، انطلاقًا من نظريات الاعتراف المعاصرة أو غيرها، من جهة

ثانية. ويظهر هذا الجانب الانتقادي، بشكل خاص، في تناول يونغ أفكار روسّو حول طبيعة كلٍّ من

الرجل والمرأة ومكانتهما المرغوب فيها أو الواجبة في المجتمع والدولة. فخصوصية أي بحث لا تكمن، بالدرجة الأولى، في تبنّيه أو تضمُّنه هذه الفكرة أو الفقرة الجزئية أو تلك؛

فهذه الخصوصية ماثلة، أولً وأساسًا، في النص بوصفه كلًّ، وفي تفاعل هذا الكلّ مع أجزائه، وتفاعل

أجزائه بعضها مع بعض. ونعتقد بمشروعية أن يكون محور هذا الكلّ، في بحث عن فكرة الاعتراف في

فلسفة روسّو، هو الأطروحة القائلة بمركزية فكرة الاعتراف في هذه الفلسفة، وريادة هذه الفلسفة، في

هذا المجال، وبالارتباط الوثيق لهذه الفكرة مع فكرة العدالة، وبتأثيرها المستمر في نظريات الاعتراف

والعدالة في الفلسفات الحديثة والمعاصرة. وإمكانية الاختلاف عن معظم الأبحاث التي تتناول فلسفة

روسّو عمومًا، وفكرتي الاعتراف والعدالة خصوصًا، لا تقتصر على الاختلاف في الأفكار أو المضامين،

وإنما يمكن أن تمتد لتكون اختلافًا جزئيًا، لكن أساسيًا، في «المنهج» أو في بعض الأسس المنهجية، الصريحة

أو الضمنية، التي توجّه البحث. وتبيّ النقطة الثالثة السابقة من نقاط الاختلاف الممكنة عن بحث

نيوهوسير، التشابك والتقاطع بين الاختلاف على صعيد الأفكار أو المضامين والاختلاف على صعيد

المنهج أو المنهجية. فالاختلاف في أي من هذين الجانبين يفضي، غالبًا على الأقل، إلى اختلاف في الجانب

الآخر. ومن هذه العلاقة الجدلية تأتي عمومًا ضرورة توضيح الأسس المنهجية للأبحاث والدراسات

الأكاديمية وما يماثلها.

راهنية روسّو وأهمية الأبحاث في شأنه بالنسبة إلى القارئ والواقع العربيين

أشرنا، منذ البداية، إلى انطلاق هذا البحث من أفق نظريات الاعتراف في الفلسفة المعاصرة، أي من

مفاهيم هذه النظريات وموضوعاتها وأسئلتها وإشكالياتها وأطروحاتها، لكن هل ثمّة تقاطع أو تلاق

ممكن بين هذا الأفق وأفق كتابات روسّو، من جهة أولى، وآفاق القارئ والواقع العربيين من جهة أخرى؟

يبدو هذا السؤال مسوَّغًا وضروريًا إذا انطلقنا من بديهية أو مسلّمة تقول إن استحضار ماضٍما لا يتمّ،

أو ينبغي ألّ يتمّ، بمعزل عن هواجس الحاضر الذي يستحضره، وعن «حاجات» هذا الحاضر. ولا يُقصد

بالحاضر هنا ذاك المطلق والمجرّد من كلِّ خصوصية، وإنما يقصد به ذلك الحاضر المتعين بسياق خاص

ومحدّد. وباختصار، إذا كان البحث الذي يتناول روسّو موجّهًا بالدرجة الأولى إلى القرّاء باللغة العربية

والمنتمين، لدرجة أو لأخرى، إلى الواقع العربي ولثقافته عمومًا، فما هي راهنيته المفترضة والممكنة لدى

هؤلاء القراء، وهذا الواقع، وتلك الثقافة؟ للإجابة عن هذا السؤال، سننطلق ممّا نعدّه إجابة عامة، ثم سنقوم بتفصيل هذه الإجابة وتخصيصها

تدريجيًا. تتضمن الإجابة العامة القول إن الفلسفة - من حيث هي فلسفة، وبالمعنى الذي سنحدّده لاحقًا

- تمتلك، من حيث المبدأ، إمكانية أن تكون حاضرة في كلّ عصر ومصر. وأفكار روسّو عمومًا، وحدوسه

الأساسية خصوصًا، هي ذات طابع فلسفي بامتياز. لكن قد لا يكون هذا المنطق «المجرّد» في المحاجّة كافيًا

لإثبات مشروعية استحضار روسّو وراهنية أفكاره، بالنسبة إلى القارئ والواقع العربيين. لهذا، سنحاول

تفصيل هذه الإجابة أو تخصيصها، والإشارة إلى بعض أفكاره الأساسية التي كانت - في عصر النهضة

العربية - وما زالت، حتى الآن، مهمة وحاضرة في الثقافة العربية، وبالنسبة إلى الواقع العربي عمومًا.

يتناول السؤال الفلسفي - منذ العهد اليوناني - تحديد المفاهيم ودراسة الموضوعات ومعرفة المبادئ

والأسس، بأعمّ طريقة ممكنة. وعمومية البحث الفلسفي وتجرّده، النسبي والجزئي، عن خصوصيات

الزمان والمكان والثقافة والمجتمع، هما اللذان يمنحانه قدرة مبدئية على امتلاك الراهنية والحضور في كلّ

زمان ومكان. ولا يعني زعمنا هذه القدرة القولَ بلاتاريخية المعرفة الفلسفية، وإنما يعني تحديدًا القول

بكونها عابرة للتاريخ، وقادرة، من حيث المبدأ، على التفاعل مع صيرورته. وما هو عابر للتاريخ ينوس بين

التاريخية واللاتاريخية، بين النسبي والمطلق، بين الجزئي والكلي، من دون أن يتماهى مع أحدهما أو يُتزل

فيه أو إليه. الفلسفة هي فكر كلاسيكي، أو هي الفكر عندما يكون كلاسيكيًا، بالمعنى المعياري للكلمة،

وهو المعنى المستقل نسبيًا عن التحقيب الزمني أو المعنى التأريخي. وتظهر كلاسيكية الفكر الفلسفي

في كونّه، من حيث المبدأ، فكرًا «للجميع وليس لأحد»، كما أشار نيتشه في العنوان الفرعي لكتابه هكذا

تكلّم زرادشت. وكلاسيكية الفكر الفلسفي لا تنفي ارتباطه الأولّي بسياق تاريخي معين، ولا تعبيره

عن هذا السياق بأبعاده المتعدّدة وهمومه وانشغالاته الخاصّة. لكن ثمة فائض معنىً في كلّ فكر فلسفي،

وهو فائض يسمح له بتجاوز بيئته، والانفتاح على العالم أو العالمية، ويعطيه إمكانية الحضور، لدرجة أو

لأخرى، في أمكنة وأزمنة أخرى. فارتباط الفكر الفلسفي ببيئته لا يمنعه من الانفتاح على عالم أوسع؛ على

العكس من ذلك تمامًا، فذاك الارتباط بالبيئة الضيقة، زمانًا ومكانًا، هو عمومًا أحد العوامل التي تسمح

للفكر الفلسفي بامتلاك عالم إنساني واسع، يسمح بالحديث عن الإمكانية الدائمة التي يمتلكها هذا الفكر

للعبور إلى العالمية. وهذا ما عبّ عنه كمال عبد اللطيف حين تحدّث عن الفكر الفلسفي «باعتباره فكرًا

كونيًا، فكرًا تتسع دائرة كونيته بمقدار تعبيره عن قضايا المحلي والخصوصي». لكن عبور الفكر الفلسفي عمومًا، أو هذا الفكر الفلسفي أو ذاك، إلى العالمية لا يتحقّق دائمً وفي كلّ

الأزمنة والأمكنة. كما أن عبوره يأخذ أشكالً مختلفة، تتراوح بين سلبية النقل والتقليد الساذجين

المتجاهلين لخصوصيات وضرورة «تبيئة المفاهيم»، وإيجابية التفاعل النقدي الذي يحاول أن يغتني بهذا

((4(يبدو المعنى المعياري لمصطلح «كلاسيكي» واضحًا في قول غوته - في سياق رفضه التمييز بين الكلاسيكي والرومانسي -

«كلّ ما هو جيد كلاسيكي بطبيعته ». الاقتباس مأخوذ من: رينيه ويليك، مفاهيم نقدية، ترجمة محمد عصفور، عالم المعرفة؛ 110

(الكويت: المجلس الوطني للثّقافة والفنون والآداب، 1987). أمّا المعنى التأريخي المرتبط بالتحقيب الزمني فيحيل، بالدرجة

الأولى، إلى فنون العصر اليوناني وآدابه، وبالدرجة الثانية، إلى بعض الأعمال الفنية والأدبية الأوروبية، في القرنين السابع عشر

والثامن عشر. للمزيد حول هذا المصطلح، انظر الفصل السابع من مفاهيم نقدية، والمعنون ﺑ«الكلاسيكية كاصطلاحٍومفهومٍفي

التاريخالأدبي » (ص).215-183

(4((فريدريخ ويلهلم نيتشه، هكذا تكلم زرادشت: كتاب للجميع ولغير أحد، ترجمة علي مصباح (كولونيا، بغداد: منشورات

الجمل،.)2007

(4((كمال عبد اللطيف، «نحن والأنوار: من أيديولوجيا التنوير إلى فلسفة الأنوار،» في: كمال عبد اللطيف، التفكير في العلمانية:

إعادة بناء المجال السياسي في الفكر العربي (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2007)، ص 23. هذا البحث هو تعديل طفيف عمومًا

لبحث منشور سابقًا في: كمال عبد اللطيف، قراءات في الفلسفة العربية المعاصرة (بيروت: دار الطليعة، 1982)، ص 56-39،

والاقتباس المذكور موجود بصيغة مختلفة قليلً في ص.40

((4(نتحدّث عن «التبيئة»، في هذا السياق، بالمعنى «الإيجابي»، والمتمثّل في المعنى الثاني الذي يشير إليه لبيب، في سياق حديثه

عن معنيين لهذا المفهوم. يكتب لبيب: «قد تكون التبيئة تأوّدًا أيديولوجيًا يبدّل بنية وكينونة الموضوعات الوافدة، وكأنّنا في عالم

البصريات، أي بحسب هيئة المرايا العاكسة، أو الموشورات - المرشِّحات (Prisme-Filtres)، ولكن من الجائز اعتبار التبيئة

تجريبًا وتحقيقًا للموضوعات في سياق المتلقّي». انظر: عبد العزيز لبيب، «المعرفي والأيديولوجي في دراسات الفكر الغربي، التلقّي

العربي للفكر التنويري: فرح أنطون نموذجًا،» في: حسن حنفي [وآخرون]، المعرفي والأيديولوجي في الفكر العربي المعاصر:

بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، تحرير عبد الإله بلقزيز (بيروت: مركز دراسات الوحدة

العربية، 2010)، ص.417

الفكر ويغنيه، في الوقت نفسه. فعالمية الفكر الفلسفي تتّخذ غالبًا شكل عالمية «الاستهلاك لا الإنتاج»،

بمعنى أن إنتاج «الفلسفات العالمية» يتركّز غالبًا في مناطق أو ثقافات معيّنة، في حين تقتصر المناطق أو

الثقافات الأخرى عمومًا على استهلاك هذه الفلسفات أو تبيئتها. وينطبق هذا الوضع، انطباقًا نموذجيًا،

على حال الفلسفة في عالمنا العربي الحديث والمعاصر، إذ لا تندرج الكتابة الفلسفية العربية «في سياق تاريخ

الفلسفة بمعناه الكوني والشمولي؛ إنها تنمو على هامش تاريخ الفلسفة، وتساهم في صياغة مجراها الفكري

في اتّصال وانفصال عن هذا التاريخ». والمساهمة أو الاتصال اللذان يتحدث عبد اللطيف عنهما،

حاضران عمومًا من خلال التأثّر، لا التأثير، من خلال التلقّي المستهلِك، لا الإنتاج المبدِع؛ فثمة اتصًال في

التأثُّر، وانفصال أو هامشية في التأثير. ولهامشية أو ندرة الإبداع الفلسفي، في الثقافة العربية، أسباب كثيرة

ولا شك؛ بعضها موضوعي يتعلّق بالواقع العربي عمومًا، وأحواله السياسية في ظل غياب الديمقراطية

ومعظم أو كلّ الحريات الأساسية، خصوصًا، وبعضها ذاتي - يرتبط بالأسباب الموضوعية المذكورة، من

دون أن يكون ناتجًا منها فقط - يتعلَّق بفرط حضور الهاجس السياسي الذي يصل إلى درجة تحويل الفلسفة

إلى علمٍ للسياسة، وفي هذا التحويل «إلغاء ذاتي للفلسفة»، كما يقول غادامير. ومع السياسة و«علمها»،

نكون في الميدان الأساسي والمفضّل للأيديولوجيا. وغالبًا ما يكون الأيديولوجيون «ضيقي الصدر جدًّا»

أمام الانتقادات أو حتى النقاشات، «ربما لأنهم يريدون تغيير العالم وليس تفسيره (إذا استحضرنا هنا

التمييز القديم لكارل ماركس الشهير»). ولا يمكن للفلسفة أن تزدهر إلّ في واقع يسمح بالحرية

عمومًا، وبحرّية التعبير والنقاش خصوصًا. هذا الاهتمام أو الانهمام الفكري العربي بالسياسة، واقعًا وفكرًا، كان أحد أهمّ العوامل التي أدّت إلى

اهتمام بعض المفكرّين العرب بروسّو، منذ عصر النهضة العربية وحتى الآن. فروسّو كان لديه، من حيث

المبدأ، اهتمام أو انشغال كبير ومماثل بالسياسة. ولا عجب في هذا الاهتمام أو الانشغال، فقد رأى روسّو

أن «كلّ شيءٍ يتّصل اتّصالً جوهريًا بالاعتبارات السياسية »، لكن اهتمامه بالسياسة اتّذ شكل المساءلة

الفلسفية التي تتناول الموضوعات الكلاسيكية المتعلّقة بالإنسان، من حيث الطبيعة والواقع والمثال.

وهكذا تبدو كلاسيكية روسّو - بالمعنى المحدّد آنفًا لمصطلح كلاسيكي - من خلال الأسئلة الأساسية

التي عمل على البحث فيها وإيجاد أجوبة لها: ما طبيعة الإنسان أو سماته في حالته الطبيعية قبل الاجتماعية؟

وما طبيعة الإنسان الاجتماعي (الإنسان في المجتمع الحديث)، وما حاله في هذا المجتمع؟ وما طبيعة أو

سمات المجتمع الحديث، وما أصل أو جذر الشرور الموجودة فيه؟ تبدو الشرور في أشكال كثيرة، ويأتي

في مقدمتها التفاوت غير الطبيعي وغير المنصف بين الناس، فما أسباب هذا التفاوت أو أسسه ونتائجه،

(4((عبد اللطيف، قراءات في الفلسفة العربية المعاصرة، ص.130

(4((غادامير، الحقيقة والمنهج، ص.461

((4(سن، ص 501. لا بدّ من الإشارة هنا إلى أن هذا الحكم يتعلّق، في نص س ن، بنشطاء حقوق الإنسان، ونحن من يعتقد بمعقولية

مدّ هذا الحكم وتطبيقه على حالة الكثير من «المفكرين- الأيديولوجيين» العرب. وتجنّبًا لسوء التعبير وما قد ينجم عنه من سوء فهم،

ينبغي التشديد بأننا لا نعتقد بإمكانية خلوّ أي فكر أو تنظير، فلسفيا أكان أم غير فلسفي، من أيديولوجيا ما، مضمّرة أو صريحة. ولا

نعتقد أن الحضور الأيديولوجي يلغي حضور الفلسفة بالضرورة، كما أن هذا الحضور ليس سلبيًا أو مدانًا بالضرورة، أو من حيث

المبدأ، بل يمكن أن يكون تعبيرًا إيجابيًا عن تطلّع المفكّر إلى ربط الفكر بالممارسة، وعن التنظير الملتزم بقضايا الفئة او الجماعة

أو الثقافة أو الأمّة التي يعتقد بانتمائه إليها. وبهذا المعنى، ينتمي مصطلح الأيديولوجيا إلى حقلي الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماع

السياسي، مع انتمائه، في الوقت نفسه، إلى حقل نظرية المعرفة من حيث كونه وعيًا زائفًا أو مطابقًا، من حيث إن الأيديولوجيات يمكن

أن تتضمن أحد الوعيين أو كلاهما، أو أن تنوس بينهما، أو أن تفضي إلى ذلك، لدرجة أو لأخرى.

(5((جان جاك روسّو، اعترافات جان جاك روسّو، ترجمة حلمي مراد (دمشق؛ بيروت: دار البشير، 1998[])، ص.288

وكيف يمكن معالجتها وتجاوزها، نحو تحقيق مجتمع نموذجي ينتفي فيه الظلم وتتحقق فيه العدالة،

بأفضل شكل ومضمون ممكنين، سواءٌ من حيث المبدأ أو من حيث الواقع؟ وما طبيعة هذا المجتمع المثالي

المنشود؟ وما السبيل الضروري أو الممكن للوصول إليه؟ إجابة روسّو عن هذه الأسئلة المهمة، وهي إجابة

مختصرة جدًّا، تتمثّل في القول إن الإنسان في حالته الطبيعية قبل الاجتماعية كان وحيدًا وخيًّا وسعيدًا،

لكن اضطراره إلى أن يصبح إنسانًا اجتماعيًا أدّى إلى تغييرات كبيرة في شخصيته أو طبيعته، بحيث أصبح

شريرًا وتعيسًا في حياته، بسبب تبعيته المفرطة وغير المتوازنة للآخرين، وحاجته المرَضية الملتهبة إلى نيل

اعتراف الآخرين به. والحلّ لهذا الواقع «المَرضَي» المزري يكمن في توفير الظروف الاجتماعية - الاقتصادية

- السياسية - التربوية الملائمة التي تمنع التهاب أو مرض الحاجة الطبيعية - الاجتماعية إلى الاعتراف أو

الرغبة فيه، وتسمح بقيام المجتمع العادل الذي ينال فيه كلُّ فرد الاعتراف الذي يستحقه. هذا الحديث الثلاثي الأبعاد، عمّ يُفترض أو يُعتقد أنه كان، وعمّ هو كائن، وعمّ ينبغي أن يكون، هو

موضوع كلاسيكي تتناوله تقريبًا كلّ الفلسفات، بل كلّ الثقافات أيضًا، بطريقة أو بأخرى. لكن تفكير

روسّو في هذا الخصوص يتضمّن جِدّة وأهمية خاصة، سواءٌ من حيث الشكل أو من حيث المضمون. وقد

اختلف المفكرون العرب الذين اهتموا بفلسفة روسّو، من حيث تركيزهم على هذا الجانب أو ذاك من

هذه الفلسفة. وسنوجز في ما يلي بعض مظاهر الحضور الروسّوي في الفكر العربي الحديث (النهضوي)

والمعاصر، وآراء بعض المفكرين العرب، في هذا الخصوص. ولن نعرض هذه الآراء وفقًا لترتيب زمني،

كما لن نتناول الآراء الخاصة بهذا الجانب أو ذاك من فلسفة روسّو، وإنما سنقتصر على عرض نماذج من آراء

بعض المفكرين العرب، حول مدى راهنية روسّو، بالنسبة إلى الفكر والواقع العربيين.

نعرض آراء محمد حسين هيكللأنه صاحب أوّل وأهمّ كتاب عن مجمل فلسفة روسّو، ولأن كتابه يتضمّن

إشارات إلى راهنية هذه الفلسفة، بالنسبة إلى الثقافة العربية. ثم نناقش آراء جمال الدين الأفغانيوحسن

حنفي، بوصفهما ممثّلين نموذجيين للتلقّي الانتقادي الإسلامي أو العربي لفلسفة التنوير عمومًا، ولفلسفة

روسّو خصوصًا. ثم نبيّ التلقّي العربي المتبنّي أفكار روسّو والمرحّب بها، من دون إبداء أي تحفظ تقريبًا.

وقد اخترنا فرنسيس مرّاش (٥٣٨١-٣٧٨١) وفرح أنطون (٤٧٨١-٢٢٩١) بوصفهما نموذجين لهذا

التلقّي. وفي النهاية، نوضح بعض آراء عبد الله العرويوعبد العزيز لبيب بخصوص راهنية أفكار روسّو

بالنسبة إلى الثقافة العربية أو الإسلامية المعاصرة. في عشرينيات القرن الماضي (1923-1921) نشر محمد حسين هيكل كتابه جان جاك روسّو: حياته

وكتبه، وهو، على حدّ علمنا، أحد الكتابين الوحيدين المكتوبين باللغة العربية، واللذين يحاولان

الإحاطة المبسّطة والشاملة، بكلّ الموضوعات الأساسية التي تتناولها الكتابات الروسّوية. وفي مقدّمة

الكتاب، يضع هيكل روسّو في مصافّ «الهداة والمرشدين في تاريخ البشرية». وعلى الرغم من موافقة

هيكل النسبية على مضمون قول الشاعر الإنكليزي روديارد كيبلنغ «الشرق شرق والغرب غرب، ولن

يلتقيا»، فإنه يعتقد بوجود استثناءات تتمثّل في الأفكار الإنسانية الخالدة التي تشكّل ميراثًا إنسانيًا عظيمً

(5((محمد حسين هيكل، جان جاك روسّو: حياته وكتبه، ط 2 (القاهرة: مكتبة القاهرة المصرية،.)1965

(5((الكتاب الآخر هو: نجيب المستكاوي، جان جاك روسو: حياته، مؤلفاته، غرامياته (القاهرة: دار الشروق،.)1989

((5(هيكل، ص.10-9

ومشتركًا. ويرى هيكل في روسّو نموذجًا لهذه الاستثناءات وهذه الأفكار، إذ ساهم روسّو في هذا

الميراث الإنساني من خلال عرض تلك الأفكار بأسلوب فني فريد وبديع ومؤثّر. فأفكار روسّو تؤثِّر

فينا، نحن العرب، حتى الآن، على الرغم من «بعد عصرنا عن عصره واختلاف وسطنا عن وسطه»؛

لأنّا «تخاطب القلب والخيال بقوّة وحرارة وثورة تدفع إليهما من الإيمان والإذعان ما يخضع معه الفكر

ويستسلم له اللبّ». وهذا الميراث من الأفكار الخالدة، ومن الأسلوب الفني البديع لعرضها، هو -

بالنسبة إلى هيكل - بمنزلة النور الذي ينير لنا «الوجه الأصحّ من فطرتنا الإنسانية المركّبة»، بما قد «يجعل

الصلة بين الشرق والغرب ممكنة على أساس التفاهم الحرّ المخلص لا على مجرّد القوّة الغاشمة».

وعلى الرغم من اتفاقنا المبدئي مع هيكل، في حديثه عن ارتباط فلسفة روسّو بالأفكار الخالدة - وهذا

قريب من حديثنا عن كلاسيكية الفكر الفلسفي - فإننا نختلف معه بخصوص اعتقاده أن الجديد

في أفكار روسّو يقتصر على عرض تلك الأفكار الخالدة «بأسلوب موسيقي مبدع»، «مليء بالخيال

والقوة»، ووضعها في «قالب روائي مدهش». فهيكل يرى أن الفكرة السامية الخالدة الموجودة في

فكر روسّو تمثّلت خصوصًا في نزعته إلى الفضيلة «القائمة على أساسين متينين من العدالة الاجتماعية

والإيمان بالعمل»؛ ونحن نعتقد أن جِدّة فكر روسّو تظهر، بشكل خاص، في حديثه عن العدالة

الاجتماعية، وأن هذه الجدِّة لا يمكن اختزالها وينبغي ألّ تُتزل إلى مجرّد جدّة شكلية تتعلّق بطريقة

التعبير - وروسّو كان بالفعل متميزًا جدًّا، في هذا الخصوص - ففي فكر روسّو، هذه الجِدّة بارزة أيضًا في

مضامين تناوله هذه «الأفكار الخالدة أو السامية». وخصوصية هذا الفكر، في هذا المجال، هي ما يجعل

روسّو «بطل المساواة»، كما يصفه هيكل محقًّا. وفكرة المساواة/التفاوت هي الموضوع الأساسي في

نظريتَي الاعتراف والعدالة عند روسّو، وهي الفكرة التي لا تجعل الارتباط بين هاتين النظريتين ممكنًا

فحسب، بل وثيقًا وضروريًا أيضًا. جرى تلقّي روسّو عربيًا، ودراسة هذا التلقّي، بشكل عام، على أساس انتماء روسّو إلى الفكر التنويري

الفرنسي أو الغربي في القرن الثامن عشر، ولم يُنبَّه غالبًا، بشكلٍواضح وكافٍ، إلى الاختلاف الكبير بين

أفكار روسّو وأفكار التنويريين الفرنسيين عمومًا، وأفكار الموسوعيين منهم خصوصًا. فروسّو كان من

نقّاد أو منتقدي قيم عصر التنوير، بقدر ما كان من المساهمين في الدعوة إليها وتأسيسها وشيوعها، وهو

بهذا المعنى ينتمي إلى فكر ما بعد الحداثة (أو ما بعد التنوير)، بقدر انتمائه إلى قيم الحداثة والتنوير.

وعلى هذا الأساس، يمكننا أن نفهم قول غوته «مع فولتير فإن العالم القديم هو الذي ينتهي، أمّا مع

روسّو، فإن عالًَا جديدًا يبدأ». ولم يقتصر فكر التنوير عمومًا، وفكر روسّو خصوصًا، على تلقّي

الاستحسان والتبني، الجزئي أو الكلّ، لبعض مضامينه (وهو حال تلقّي الفكر الروسّوي لدى كلٍّ

من فرنسيس مرّاش وفرح أنطون وشبلي الشميل وسلامة موسى ولطفي السيد... إلخ)؛ فقد وجّه

((5(المصدر نفسه، ص.11

((5(المصدر نفسه، ص.12

((5(انظر: هيكل، ص 11، 70، 85 و.231

((5(المصدر نفسه، ص.14

((5(المصدر نفسه، ص.16

((5(يشير عبد العزيز لبيب إلى هذه النقطة المهمّة، فيكتب: «منزلة روسّو ضمن حركة الأنوار منزلة عويصة وحرجة لتردّدها بين

الانتماء الشديد لبؤرة التنوير والمروق عنها». انظر: لبيب، «المعرفي والأيديولوجي في دراسات الفكر الغربي،» ص.393

6(((الاقتباس مأخوذ من: جورج طرابيشي، إعداد، معجم الفلاسفة (الفلاسفة، المناطقة، المتكلمون، اللاهوتيون، المتصوفون)، ط

3 (بيروت: دار الطليعة، 2006)، ص.331

بعض المفكرين انتقادّا شديدًا إلى هذا الفكر، وصل أحيانًا إلى حدّ رفضه بمجمله. ويبدو ذلك واضحًا،

بصورة نموذجية، في آراء بعض المفكرين ذوي التوجّه «الديني أو الإسلامي»، مثل جمال الدين الأفغاني

وحسن حنفي. يتّخذ الأفغاني من روسّو وفولتير، في معرض ردّه على «الدهريين»، نموذجًا لتوضيح تهافت «التنوير»

الفرنسي، ويضعهما في خانة واحدة هي خانة الزعم الكاذب ﺑ«حماية العدل، ومغالبة الظلم، والقيام

بإنارة الأفكار، وهداية العقول». ويقع الأفغاني، عمدًا أو من غير قصد، في «مغالطة رجل القشّ»

(straw man fallacy)، في انتقاده روسّو وفولتير ومهاجمة أفكارهما و«مزاعمهما»؛ إذ ينسب إليهما الجهر

ﺑ«إنكار الألوهية»، وهو أمر لم يفعله أي منهما. ويرى الأفغاني أن «الأضاليل» التي بثّاها «هي التي أضرمت

نار الثورة الفرنسية المشهورة، ثم فرّقت بعد ذلك أهواء الأمّة، وأفسدت أخلاق الكثير من أبنائها، فاختلفت

فيها المشارب، وتباينت المذاهب [...] وأعقب ذلك عروض الخلل لسياستهم الخارجية شرقًا وغربًا.

[... و] استمرّ الاختلاف إلى الحد الذي هم عليه اليوم». ويصعب مناقشة مضامين كلّ السلبيات التي

ينسبها الأفغاني إلى فكري روسّو وفولتير، لكن ينبغي التشديد على أمرين: أولهما أن الأفغاني بنى انتقاداته

«المجحفة» على بعض الوقائع غير الصحيحة؛ وتأكيد تهافت المقدّمات يغْني، في هذا السياق، على الأقل،

عن مناقشة النتائج المترتّبة عليها أو المستخلصة منها؛ وثانيهما أن الأفغاني يقيّم سلبًا معظم ما قد يرى فيه

الكثيرون قيمة إيجابية. ففي سياق انتقاداته لروسّو وفولتير، لا يرى في الثورة الفرنسية إلّ فتنة، ولا في

الاختلاف إلّ تناحرًا، ولا في الأفكار التنويرية إلّ إفسادًا للأخلاق. ونصّ الأفغاني مليء بهذه الأحكام

التقييمية التي تفتقر إلى محاجّة تسندها وتسوّغها؛ ولهذا ليس بالإمكان مناقشتها، رفضًا أو تأييدًا، لأن الردّ

على أفكار من نختلف معه يكون من خلال الردّ على الحجج التي يسند بها أفكاره ويدلّل عليها، وليس

بمجرّد تبني قول مضاد أو موافق له أو مختلف عنه. يندرج تناول حسن حنفي فكر التنوير في التوجّه الانتقادي ذاته الذي رأيناه عند الأفغاني، لكنه يختلف

عنه من حيث إن انتقاده موجّه أساسًا نحو الأحكام المسبقة لعصر التنوير، ونحو ما أسماه «القصور

الذاتي لفلسفة التنوير»، وهو القصور المتمثّل في أن لهذه الفلسفة حدودًا «لم تتجاوزها، قد تكون هي

السبب في عدم رسوخها في الوعي الأوربي، وعدم تأثيرها في سلوكه»؛ فحنفي يشيد، من حيث المبدأ،

بقيم التنوير، ويعدّ فلسفة التنوير «من أزهر ما أنتجه الوعي الأوروبي من فلسفات، بل إنها أزهرها على

الإطلاق» لكنّه، في المقابل، ينتقد الوعي الأوروبي الذي عجز، في رأيه، عن تمثّل هذه القيم والحفاظ

عليها وتعميقها نظريًا، وعن ممارستها وتجسيدها عمليًا، بحيث أفضى تطوّر هذه القيم، في هذا الوعي، إلى

6(((جمال الدين الأفغاني، رسائل في الفلسفة والعرفان: الرسائل والمقالات، إعداد وتقديم سيد هادي خسرو شاهي، الآثار

الكاملة؛ 3-2 (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2002)، ص.174

(6((تقوم هذه المغالطة على تشويه أفكار الغير، وتقديمها في صورة ضعيفة منطقيًا، وهشّة فكريًا، وغير حقيقية واقعيًا، بما يجعلها

سهلة الدحض والتفنيد. للمزيد حول هذه المغالطة، انظر: عادل مصطفى، المغالطات المنطقية: طبيعتنا الثانية وخبزنا اليومي (فصول

في المنطق غير الصوري) (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2007)، ص.171-163

(6((الأفغاني، ص.175

(6((سنقتصر في هذا السياق على الإحالة إلى نصٍّ لحسن حنفي بعنوان «حدود فلسفة التنوير». وهذا النصّ هو جزء من مقدمة

ترجمته لكتاب: هوجوتهولد لسنج، تربية الجنس البشري، ترجمة وتقديم وتعليق حسن حنفي حسنين (القاهرة: دار الثقافة الجديدة،

1977)، ص.223-206

(6((حنفي، «حدود فلسفة التنوير،» في: لسنج، ص.212

(((6 المصدر نفسه، ص.212

نقيض هذه القيم ونقضها. وتتمثّل قيم التنوير عند حنفي في العقل، والتقدّم والإنسان الشامل أو العالمي،

والتنوير العقلي، والفردية، والأمّة، والشمول أو العالمية. ويرى حنفي أن « العقلالغربي» سقط في هاوية اللامعقول، أو انتهى إليه، متخليًا عن «العقل التنويري».

أمّا الحرية التي كانت في فلسفة التنوير «حرية هادفة تبغي خلاص الإنسان من كلّ صور القهر والطغيان

الديني أو السياسي»، فقد «انتهت بعد فلسفة التنوير إلى كونها تعبيرًا عن إرادة لاعاقلة، [...]. فلم تعد

حرية هادفة بل أصبحت حرية عابثة تعبّ عن أزمة الوجدان أكثر ممّا تعبّ عن غائيته». أمّا التقدّم،

فظلّ حبيس «التنوير العقلي لا التغير الاجتماعي»، إذ حاول فلاسفة التنوير دفعه «على كلّ المستويات»،

العقلية والعلمية والحضارية والاجتماعية، لكن قوة الدفع هذه تلاشت لاحقًا ولم تستطع «تحريك الوعي

الأوربي إلّ بضع خطوات»، وانتهى «التقدّم والثورة إلى سكون ونظام على يد الأيديولوجيين وأوجست

كونت». وعلى الرغم من أن القرن الثامن عشر جعل الاستنارة العقلية تشمل الواقع الاجتماعي، فإنها

ظلّت منفصلة عن هذا الواقع، ولم تتحوّل إلى ثورة اجتماعية بالفعل - باستثناء الثورة الفرنسية - إلّ في

القرن التاسع عشر. وعلى صعيد مفهوم الإنسان، انتقل الوعي الأوروبي من مفهوم «الإنسان الشامل

العاقل الحر» إلى مفهومٍ عنصري أو مركزي ضيق يتمحور حول الإنسان الأوروبي أو الغربي الأبيض أو

المسيحي. وبذلك «فقد الوعي الأوربي في حكمه على التاريخ حياده، ولم يستطع تجاوز حدوده، ومن ثم

فلم يعد يمثّل إلّ نفسه». أمّا الفردية التي أصبحت «أحد مكاسب الليبرالية منذ القرن السابع عشر»،

وكانت، في فلسفة التنوير، «أكبر ردّ فعل على قهر الفرد قبل العصور الحديثة في المؤسّسات الدينية أو عند

أمراء الإقطاع وكبار الملّ» ك، فلم يصحبها، في فلسفة التنوير، بُعد اجتماعي واضح؛ «فلو أن هذا البُعد

الاجتماعي كان حاضرًا في فلسفة التنوير حضورًا أساسيًا، لربما أمكن استمرارها، ولظهرت فاعليتها في

الواقع، وبدا أثرها على الجماهير؛ ولتغلغلت في الشعور التاريخي بدلً من أن تظل مجرّد افتراض نظري

في الدوائر الثقافية ولا تتجاوز سطح الأشياء». أمّا مفهوم « الأمّة »، فكان في فلسفة التنوير ذا طابع

إنساني شامل أو عالمي، إذ كان يحيل إلى الإنسان «المواطن»، ويعبّ عن «ولائه للأمّة والأرض»، «لكن،

ولسوء الحظ، سرعان ما تحوّل مفهوم الأمّة إلى الأمّة القومية، أي الأمّة المتميزة من غيرها بتاريخ ودين

ولغة وتراث وحضارة على أحسن الفروض، وبجنس وعرف وهبات فطرية على أسوأ الفروض».

وأدّى ذلك إلى تكوين «أيديولوجيات عنصرية» و«حروب عالمية» «وظلّ الوعي الأوربي قاصرًا على تجاوز

حدوده، وعاجزًا عن الوصول إلى ما هو أبعد من قومياته المتطاحنة». وهكذا جرى التحوّل، في الوعي

الأوروبي، من الشمولوالعالمية التي ترتفع فوق خصوصية العقائد أو الطبقة أو المذهب، إلى خصوصيات

قومية أو عنصرية متمركزة حول ذاتها الضيقة. من الواضح أن نقد حنفي أو انتقاده منصبّ، تحديدًا وعمومًا، على الوعي الأوروبي أو الغربي أكثر من

كونه يستهدف فلسفة التنوير وقيمها. ولهذا كان الأكثر ملاءمة هو الحديث عن «أوجه القصور في الوعي

(6((حنفي، ص.215-214

(6((المصدر نفسه، ص.216-215

(6((المصدر نفسه، ص.217

((7(حنفي، ص.218

((7(المصدر نفسه، ص.219

((7(حنفي، ص.219

((7(المصدر نفسه، ص.220

الأوروبي» - وهي الأوجه التي ظهرت عمومًا بعد عصر التنوير - بدلً من الحديث عن «أوجه القصور في

فلسفة التنوير». لكننا نرى في هذا الانتقاد اختزالً مزدوجًا إلى رؤية أحادية تبسيطية لا تتلاءم مع تعقيد

الموضوع المبحوث فيه. يكمن الاختزال الأولفي القطيعة التي يقيمها بين الوعي الفلسفي الأوروبي

التنويري والوعي الأوروبي اللاحق، ووضعه للوعيين في حالة تناقض لا مجال للتشابك أو التصالح

بينهما. ويترافق هذا التوصيف للوعيين مع تقييم إيجابي، دائم تقريبًا، للوعي الأول وتقييم سلبي، دائم

تقريبًا، للوعي الثاني. في ما يخص العقل، لا نعتقد أن من الملائم أو المعقول اختزال فلسفة التنوير إلى فلسفة للعقل

وللعقلانية النقدية، واختزال الوعي الأوروبي اللاحق إلى وعي يسود فيه اللامعقول، بشكل كامل،

لدرجة يمكن معها القول: «خرج العقل من الإنسان وظهر في الآلة [...]، فلم يعد للعقل وظيفة،

وتخلّ عن عرشه إمّا للتصوّف أو للآلة»؛ فالتنوير والعقل النقدي كانا وما زالا حاضرين في الوعي

الأوروبي، النخبوي وغير النخبوي، وفلسفة ماركيوز - الذي يستشهد به حنفي نفسه - تنتمي إلى

تيار فلسفي عقلاني كان له حضور قوي في القرن العشرين (مدرسة فرانكفورت الاجتماعية النقدية).

وقد مارس هذا التيار وغيره وظيفة الرفض والنقد والسلب، بقدر انتقاده عدم تفعيل هذه الوظيفة

في عالمنا المعاصر. فالحداثة، بتنويرها وعقلانيتها النقدية، حاضرة، في قلب عالم ما بعد الحداثة. وبهذا

المعنى يمكن أن نفهم أطروحة هابرماس - أحد ممثلي العقلانية النقدية المعاصرة - بخصوص الراهنية

المستمرة للحداثة وعدم اكتمالها حتى الآن. فعالم أو فكر ما بعد الحداثة تجاوز عالم أو فكر الحداثة،

بالمعنى الهيغلي للتجاوز، وهو المعنى الذي يعني التضمّن والاستيعاب والانتقال إلى مرحلة جديدة

«مختلفة» أو «أرقى»، في الصيرورة التاريخية. وفي المقابل، لم يكن الوعي التنويري عقلً محضًا، إذ تضمّن

مسبقًا إرهاصات الوعي الذي سيتجاوزه لاحقًا. وبدا ذلك واضحًا، خصوصًا وتحديدًا، في فلسفة

روسّو التي تنتمي إلى وعي ما بعد الحداثة بقدر انتمائها إلى وعي الحداثة التنويرية، وربما أكثر؛ فعلى

الرغم من النزعة العقلانية السائدة في بعض أعمال روسّو (في العقد الاجتماعي خصوصًا)، فإن هذه

الفلسفة تتضمّن أيضًا (في الخطابين الأول والثاني خصوصًا) نقدًا شديدًا وجذريًا للعقل وللعقلانية

التنويرية السائدة آنذاك. وبالنسبة إلى الحرية، ليس صحيحًا التعميم القائل إن حرية فلسفة التنوير كانت «تبغي خلاص الإنسان

من كلّ صور القهر والطغيان الديني أو السياسي»؛ فكثيرون من فلاسفة عصر التنوير - ومنهم روسّو -

لم يكونوا يقولون بحرّية الاعتقاد، بشكل كامل، إذ شدّد فولتير على الأهمية الكبيرة للإيمان بالله، بالنسبة

إلى الأخلاق والنظام الاجتماعي، وذهب روسّو إلى حدّ القول:«لا يمكن للمرء أن يكون لا مواطنًا

صالحًا ولا رعية من الرعايا المخلصين» ما لم يقرّ ﺑ«إعلان إيمان مدني خالص يعود لصاحب السيادة أن

يضبطَ بنوده لا على جهة أنها، بالتدقيق، عقائد دينية، بل على أنها شعور بالألفة الاجتماعية». وعلى

صعيد الحريات السياسية، لم يكن فلاسفة التنوير الفرنسي عمومًا - باستثناء روسّو فقط - شديدي

((7(المصدر نفسه، ص.214

(7((انظر: يورجن هبرماس، القول الفلسفي للحداثة، ترجمة فاطمة الجيوشي (دمشق: وزارة الثقافة،.)1995

(76) Stephen Ronald Craig Hicks, Explaining Postmodernism: Skepticism and Socialism from Rousseau to Foucault (Phoenix, Ariz.: Scholarly Pub., 2004), esp. pp. 91-104.

(7((جان جاك روسّو، في العقد الاجتماعي، ص.249

الإيمان بالديمقراطية، «فقليل فقط من الناس كانوا في ذلك الوقت يؤمنون بالديمقراطية». وفي

مقابل ذلك، نجد أن العالم الأوروبي، في ما بعد عصر التنوير، أصبح يؤمن إيمانًا متزايدًا بالحريات

الدينية والسياسية. ولا يمكن اختزال هذه الحريات المتزايدة، كمًّ وكيفًا، إلى مجرّد «حرية عابثة»، كما

فعل حنفي. أمّا بالنسبة إلى فكرة التقدّم، فقد كان نقدها وانتقادها الشديدان حاضرين في عصر التنوير الذي رفع

معظم فلاسفته لواء هذه الفكرة. وتتضمّن فلسفة روسّو - في الخطابين الأول والثاني خصوصًا - أقوى

أشكال ومضامين هذا النقد أو الانتقاد. كما أن هذه الفلسفة دليل على أن عصر التنوير كان يتضمّن

استهدافًا للتغير والتغيير الاجتماعيين، ولم تكن أهدافه تقتصر على التنوير العقلي. وقد استمرت

هذه الدعوة إلى التغير الاجتماعي، في القرنين اللاحقين، من خلال الفلسفات «اليسارية» عمومًا،

والفلسفة الماركسية، خصوصًا. وما زالت دعاوى التغيير والثورة حاضرة، لدرجة أو لأخرى، في

الوعي والواقع الغربيين. وربما كان من الصعب القول إن القرن العشرين كان قرن ثورات اجتماعية

أو سياسية في أوروبا، لكن، في المقابل، الأصعب من ذلك هو القول إن ذلك القرن كان قرن «سكون

ونظام» فقط. فتغيرات كثيرة وكبيرة حدثت في أوروبا القرن العشرين، وإن لم تتّخذ هذه التغييرات

طابع الثورات غالبًا. لن نستفيض في مناقشة بقية الانتقادات، لأن منطق ردودنا السابقة وبعض مضامينها، يمكن أن يتكرّر

في مناقشة فكرتي « الإنسان » و« الاستنارة العقلية » و« الشمول ». لكننا نعتقد أن فكرة « الفردية » تستحق

اهتمامًا خاصًّا. فنحن نعتقد أن البُعد الاجتماعي الواضح لم يكن غائبًا عن فكرة الفردية في عصر التنوير.

ومن اللافت للانتباه أن حنفي يستحضر فكرة «الإنسان الطبيعي» عند روسّو، للإشارة إلى هذا الغياب.

لهذا كان من الضروري، في هذا السياق، التذكير بأن مفهوم «الإنسان الطبيعي»، عند روسّو، يحيل إلى

نموذجٍ نظري افتراضي، أكثر ممّا يحيل إلى واقعة تاريخية. وغياب البُعد الاجتماعي عن نموذج «الإنسان

الطبيعي» يقابله محايَثة هذا البُعد، في فلسفة روسّو نفسها، للإنسان في المجتمع. فطبيعة الإنسان في

المجتمع طبيعة اجتماعية بامتياز، من وجهة نظر روسّو. ويتضح البُعد الاجتماعي للفرد، إذا أخذنا في

الحسبان مدى أهمية أو حيوية اعتراف الآخر، بالنسبة إلى كلّ إنسان في المجتمع. ويتضح هذا البُعد أكثر،

عندما نتذكّر أفكار روسّو عن «الإرادة العامة»، المختلفة عن إرادة الجميع أو المجموع، و«الخير العام»

و«المصلحة العامة». ففي عقد روسّو الاجتماعي يصبح للمجتمع بحد ذاته أهمية لا يمكن ردّها إلى

مجموع ما للأفراد من أهمية. وإلى هذه النقطة، يشير حنفي نفسه، في حديثه عن «الأمّة» الذي يلي حديثه

عن «الفردية»، فيقول: «أصبح انتساب المرء إلى جماعة أحد أبعاده الإنسانية. [...] وظهرت مفاهيم

المجتمع المدني والقانون الوضعي والنظام الاجتماعي لتؤكّد على هذا الجانب الجماعي في الإنسان».

والجدير بالذكر أن تيار الجماعاتيين والقائلين بفلسفة الاعتراف، في الفلسفة المعاصرة، يشدّد على

أهمية البُعد الاجتماعي للأفراد، لتجاوز التركيز المبالغ فيه على الفردية، لدى الليبرالية التقليدية أو

(7((رونالد سترومبرج، تاريخ الفكر الأوروبي الحديث، 1977-1601، ترجمة أحمد الشيباني، ط 3 (القاهرة: دار القارئ العربي،

1994)، ص.199

((7(حنفي، ص.219

المتطرفة. وكما ذكرنا سابقًا، يستند تايلور - وهو أحد المنتمين إلى الجماعاتيين والمنظّرين لفلسفة

الاعتراف المعاصرة - إلى روسّو وفيخته وهيغل، في إبرازه الأهمية الكبيرة للبُعد الاجتماعي والبينذواتي

للفرد. لهذا، ينبغي عدم القول بغياب كامل للبُعد الاجتماعي عن مفهوم الفرد، سواءٌ تعلّق الأمر بفلسفة

التنوير أو بالفلسفة المعاصرة. يكمن الاختزال الثانيالذي يقوم به حنفي، في ردّ التنوير وقيمه إلى أصل واحد ناجز وكاملٍيتمثّل في

«الإسلام» أو في «التراث الاعتزالي وروح الإسلام». ووفقًا لهذا الاختزال، فإن «فلسفة التنوير في القرن

الثامن عشر ودعوتها إلى العقل والحرية والتقدّم والمساواة دعوة إسلامية خالصة»؛ ويكون الإسلام

«نموذجًا»، بل النموذج، لفلسفة التنوير؛ ولو كان فلاسفة التنوير عالين بهذا الإسلام ومطّلعين عليه

وعلى التيار الاعتزالي، لتجنّبوا الأحكام المسبقة التي صنعت «القصور الذاتي لفلسفة التنوير». ويبدو

واضحًا التوجّه «السلفي» و«الأصولي» في فكر حنفي، فالأسلاف (الإسلام والتيار الاعتزالي خصوصًا)

لم يتركوا مجالا للأخلاف، لكي يضيفوا شيئًا جديدًا. ولقيم الحقيقة والخير، ولقيم التنوير جميعًا، أصل

ناجز ومكتمل، ﻓ«ما أعلن لسنج اكتماله في القرن الثامن عشر قد أعلن الإسلام تحقيقه في القرن السابع

من قبل باكتمال الوحي، وإعلان استقلال الإنسان عقلً وإرادة، وتأسيس مجتمع العدل والمساواة».

ﻓ«الانحراف نحو الغرب واغتراب شعورنا القومي» «هو السبب في إغراء فلسفة التنوير للمثقّفين

العرب وللمصلحين الدينيين، وهم لا يعلمون أنها تحاول اكتشاف ما وضعه الإسلام قبل ذلك

بأحد عشر قرنًا، وما صاغه المعتزلة بثمانية قرون». يعاني تناول حنفي «التنوير الأوروبي» و«التنوير الإسلامي» أسلوبَ «الكيل بمكيالين» الذي يتجسّد

في تغيير المعيار الأساسي الذي يجري من خلاله تقييم كلّ «تنوير»؛ فما يأخذه حنفي على فلسفة التنوير،

بالدرجة الأولى، لا يكمن في سلبية القيم التي تدعو إليها؛ فهذه الدعوة إيجابية - بالنسبة إلى حنفي -

لدرجة أنه عدّها «دعوة إسلامية خالصة»، وإنما يكمن هذا المأخذ، تحديدًا أو خصوصًا، في عجز قيم

التنوير - في رأيه - عن أن تكون راسخة في الوعي الأوروبي، ومؤثّرة في سلوكه. لكن حنفي يتجاهل

هذا الأساس أو المعيار تمامًا، في حديثه عن «التنوير الإسلامي»؛ فهل حضور قيم التنوير في مجتمعاتنا

العربية أو الإسلامية المعاصرة أقوى من حضور هذه القيم في المجتمعات الأوروبية المعاصرة؟ من

الواضح أن «مجتمع العدل والمساواة» الذي يعتقد حنفي أن الإسلام أو تنويره قد أسّسه في مرحلة تاريخية

ما، تلاشى تمامًا تقريبًا. ألا يعني ذلك أن من الأ ولى - وفقًا لمنطق حنفي نفسه - الحديث عن «حدود

التنوير الإسلامي» بوصفها «السبب في عدم رسوخ قيم هذا التنوير، في الوعي العربي أو الإسلامي،

وعدم تأثيرها في سلوكه؟». ثمّ إن حنفي يعتبر «التقدّم» إحدى أهم قيم التنوير، و«إحدى الدعائم

الأساسية في فلسفة التنوير على كلّ المستويات »[...]. فهل ثمّة مجال أو معنىً للحديث عن تقدّم

فكري (أو عقلي، كما يسمّيه حنفي)، مع القول، في الوقت نفسه، إن قيم التنوير أُنجزت إنجازًا كاملً

(80) Charles Taylor, “Cross-Purposes: The Liberal-Communitarian Debate,” in: Derek Matravers and Jon Pike, eds., Debates in Contemporary Political Philosophy: An Anthology (London; New York: Routledge, 2003), pp. 195-218.

((8(حنفي، ص.211

((8(المصدر نفسه، ص.212

((8(المصدر نفسه، ص.212

((8(المصدر نفسه، ص.215

منذ قرون طويلة؟ وإذا كان التقدّم يعني «حركة إلى الأمام، بالمعنى الوصفي أو المعياري أو كلاهما،

ألا يعني ذلك أن قيمة التقدّم في التنوير، «الإسلامي وغير الإسلامي»، تتناقض مع تلك العودة إلى

الوراء، التي يبدو أن حنفي يدعونا إلى القيام بها، للتزوّد بالحقيقة الناجزة الكاملة أو المكتملة، في

ماضٍما؟ وفي مناقشته لمفهومي «الإنسان» و«الأمّة»، انتقد نزعة بعض الحضارات «للتّمركز حول

الذات» بحيث «لا ترى أبعد من ذاتها»، كما انتقد «النظريات العنصرية التي تمجّد الأمّة من حيث هي

شعب يتميز بخصال فريدة دون غيره»، كما رفض زعْم أي أمّة أنها «غاية التاريخ وكمال الإنسانية

ونهاية التطوّر وآخر المطاف». ألا يقع فكر حنفي في ما يشبه هذه النزعة وهذا الزعم، عندما يقول

بعجز الوعي الأوروبي عن امتلاك شعور حضاري «قادر على الحفاظ على مثل فلسفة التنوير يكتمل

الوحي فيه»، وبأنه ربما نكون نحن - شعوب العالم الثالث أو الشعوب الإسلامية - «ممثلي هذه

الإنسانية الجديدة؟». في نهاية هذا النقاش المكثّف والموجز، مع حنفي، ينبغي التشديد على أن تنديده بما أسماه «الانحراف

نحو الغرب»، لم يفضِعنده إلى رفض دراسة «التنوير الغربي»؛ لكنه يرى أن مهمّة الباحثين في هذا

المجال ينبغي أن تقتصر على «مقارنة فلسفة التنوير بالتراث الاعتزالي وبروح الإسلام كما عبّ عنها

الوحي من أجل إيجاد أوجه التشابه بين التيارين، ومعرفة أسباب قصور فلسفة التنوير وعدم رسوخها

في أعماق الوعي الأوربي». ونحن نعتقد أن هذه المهمة ينبغي أن تتضمّن، أيضًا وخصوصًا، معرفة

«أسباب ضعف قيم التنوير وعدم رسوخها في أعماق وعينا وفي مجتمعاتنا العربية أو الإسلامية». فعلم

الاستغراب، الذي يعكس العلاقة بين الذات العارفة والموضوع المعروف - بحيث يصبح الغرب

موضوعًا لدراستنا بعد أن كان «ذاتًا» تدرسنا وتدرّسنا - لا ينفي ضرورة أن نبقى موضوعًا للدراسة.

كما أننا لا نعتقد بضرورة أو فائدة وضع الفكر العربي أمام تخيير يمارس كلّ طرف فيه دور الإقصاء تجاه

الطرف الآخر. فالتنوير «العربي» أو «الإسلامي» المنشود إحياؤه أو بناؤه أو قيامه، لا يقتضي بالضرورة

التعارض أو التناقض مع التنوير الغربي، وينبغي ألّ يردّ أحدهما إلى الآخر واختزاله إليه، كما يفعل

حنفي الذي يعتبر التنوير الغربي مجرّد تكرار، غير أصيل وغير مكتمل، لتنوير إسلامي، جاء به الوحي،

وقام المعتزلة ببنائه وتوضيح أسسه. وعلى أي فكر أو أمّة أو جهة عدم ادّعاء امتلاك الحقيقة المطلقة

والكاملة والناجزة؛ فمثل هذا الادّعاء قد يعبّ عن مدى جهل المدّعي، أكثر مما يدلّ على امتلاكه تلك

الحقيقة المزعومة. ومن الضروري، أو من المفيد، في هذا السياق، استحضار رأي ابن رشد الذي أكّد

وجوب النظر في كتب الأمم السالفة أو المعاصرة، «فإن كان كلّه صوابًا قبلناه منهم، وإن كان فيه ما

ليس بصوابٍ نبهنا عليه». وينبغي للحكمة أن تكون «ضالّة المؤمن» وغير المؤمن، بغضّ النظر عن

مصدرها أو مكمنها. خلافًا لهذا الاستقبال الانتقادي، حظي التنوير الأوروبي عمومًا، بما في ذلك فكر روسّو، برواج كبير

لدى معظم مفكري عصر النهضة العربية. وبدا تأثير روسو واضحًا، بشكل خاصّ، لدى فرنسيس

((8(حنفي، ص.219

((8(المصدر نفسه، ص.223

((8(المصدر نفسه، ص.223

((8(المصدر نفسه، ص.212

(8((أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد، فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، دراسة وتحقيق محمد عمارة، ذخائر

العرب؛ 47، ط 3 (القاهرة: دار المعارف، 1999)، ص.26

مرّاش وفرح أنطون. وقد أظهرت دراسات كثيرة تأثير روسّو الكبير في فكر التنوير النهضوي العربي

عموما، وفكر مرّاش وأنطون خصوصًا.

يرى باروت في فكر فرنسيس مرّاش «الحالة المنمذجة للتلقّي العربي للفكر التنويري الغربي على

مستوى العلاقة مع جان جاك روسّو تحديدًا». ويظهر التداخل النصّ بين خطاب مرّاشوالخطاب

التنويري الفرنسي، عمومًا، وخطاب روسّو خصوصًا، من خلال حضور عدد كبير من مفاهيم هذا

التنوير في خطاب مرّاش، مثل: «التمدّن» و«التنوّر» و«الحرية» و«الحق الطبيعي» و«العقد الاجتماعي»

و«المساواة».. إلخ. ويبيّ باروت أن مرّاش يكاد «يكون أوّل منوّر استوعب نظريتي ‹الحقّ الطبيعي›

و‹العقد الاجتماعي› التنويريتين على نحوٍ منظومي مترابط». وفيما يخصّ « الحرية »، أكد مرّاش نسبيتها

في المجتمع الإنساني، وكونها مقيدة ﺑ«العقد الاجتماعي» أو ب«عقد الهيئة الاجتماعية» على حدّ تعبيره.

وفي ما يخصّ « المساواة »، يبيّ باروت تبنّي مرّاش «أيديولوجيا مساواتية» قريبة من أيديولوجيا روسّو،

في هذا الصدّد، وإن كانت أقل جذرية منها. وانطلاقًا من مفهومه ﻟ«الصالح العام»، والذي يقترب

من مفهوم روسّو ﻟ«الخير العامّ» أو «الخير المشترك»، قال مرّاش بضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية،

وانتقد التفاوت الكبير بين الأغنياء والفقراء، ودعا إلى «حق الاقتراع العام» وتحريره من أي قيد طبقي

يعيق تعميمه وشموله. كما رأى مرّاش في «الصالح العام» معيار العقد الاجتماعي المنشود، وميز بين

هذا العقد والعقد الاجتماعي المفترض وجوده وتأسيسه للمجتمع الحالي؛ وهو التمييز الموجود، في فلسفة

روسّو، بين العقد الاجتماعي المؤسّس للمجتمع القائم المُنتقَد في « الخطاب الثاني »، والعقد الاجتماعي

النموذجي أو المثالي الذي يطرحه روسّو في كتابه في العقد الاجتماعي.... وفي رواية غابة الحق

تحديدًا أو خصوصًا، يبدو مرّاش أقرب إلى روسّو منه إلى الفلاسفة الموسوعيين، كما يبدو متأثّرًا كثيرًا

(9((سبق أن ذكرنا أن مرّاش ولد سنةِ ٥٣٨١ وتوفي سنة ٣٧٨١، لكن هناك بعض الخلافات حول تاريخ ولادة مراش وتاريخ وفاته،

للاطّلاع على ترجمته أو على موجز لسيرته، انظر: قسطاكي الحمصي، أدباء حلب ذوو الأثر في القرن التاسع عشر (حلب: المطبعة

المارونية، 1925)، ص 30-20، ومارون عبود، مؤلفات مارون عبود: المجموعة الكاملة (بيروت: دار مارون عبّود، 1986)، ج 2:

في الدراسة: رواد النهضة الحديثة، الشعر العامي، جدد وقدماء، ص.136-121

(9((بالنسبة إلى تأثير روسّو في مرّاش، انظر خصوصًا: محمد جمال باروت، حركة التنوير العربية في القرن التاسع عشر: حلقة

حلب، دراسة ومختارات، قضايا وحوارات النهضة العربية؛ 17 (دمشق: وزارة الثقافة، 1994)، ص 105-63. وسنعتمد عمومًا على

دراسة باروت اعتمادًا كبيرًا، في عرضنا لأفكار مرّاش وتأثره بروسّو. انظر أيضًا، في هذا الخصوص: خليل الموسى، «تجليات الفضاء

التنويري في أدب فرنسيس المراش،» مجلّة جامعة دمشق، السنة 26، العددان 4-3 (2010)، ص.46-11

((9(بالنسبة إلى تأثير روسّو في أنطون، انظر خصوصًا: عبد العال حسن القدرة، «تأثير جان جاك روسّو على فرح أنطون (دراسة

مقارنة)،» مجلة الجامعة الإسلامية، السنة 10، العدد 1 (2002)، ص 248-213، ولبيب، «المعرفي والأيديولوجي في دراسات

الفكر الغربي،» ص.419-385

((9(محمد جمال باروت، في مناقشته لبحث: لبيب، «المعرفي والأيديولوجي في دراسات الفكر الغربي،» ص.437

((9(باروت، ص 4.1016 و

((9(المصدر نفسه، ص.85

((9(المصدر نفسه، ص.87

((9(المصدر نفسه، ص.89

((9(المصدر نفسه، ص.92

(9((فرنسيس فتح الله مراش، غابة الحق (بيروت: مطبعة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس، 1881). ونجد تلخيصًا للحكاية

التي تتضمّنها هذه الرواية في: الموسى، ص.28-22

به حين يتحدّث عن «الإنسان الطبيعي» الساذج، وتحوّله إلى «أشدّ المخلوقات وأوحشها» في المجتمع

المعاصر، وتأكيده «طبيعية الحرية والمساواة، و«اجتماعية» العبودية والتفاوت»، وضرورة الانتقال من

«مجتمع التوحّش» إلى «مجتمع التمدّن» أو «مجتمع التقدّم». لكن هذا التأثير يخفت قليلً، حين يتحدّث

مرّاش عن دعائم هذا المجتمع: وهي خمس: «تهذيب السياسة»، و«تثقيف العقل»، و«تحسين العوائد

والأخلاق»، و«صحّة المدينة»، و«المحبّة». ويرى باروت، في مقارنته بين مرّاش وروسّو، أن مرّاش

كان غير محظوظ مقارنة بروسّو، إذ إن الأخير وجد حراكًا اجتماعيا يحمل أفكاره ومنظّرين يقومون

بشرحها وتحويلها إلى «فلسفة أساسية للجمهورية»، في حين أن فكر مرّاش لم يحظَ بهذا الحراك الاجتماعي

ولا بهؤلاء الشرّاح والمنظّرين. ويختم باروت دراسته، بتأكيد راهنية أفكار مرّاش، وأفكار التنوير الفرنسي

عمومًا، وأفكار روسّو خصوصًا، وضرورة استئناف حوار الفكر العربي مع فكر «الأنوار»، فيكتب: «ما

تبقّى من المراش هو ما يجب أن ننجزه نحن ورثته... وهو بهذا المعنى إرث كبير في ثقافتنا الوطنية، يدعونا إلى إعادة فتح حوار جديد مع ‹الأنوار› يستكمل حوار سلفنا العظيم: المنوّر العربي مع قيم العقل والحرّية

والمساواة والحقوق الأساسية للإنسان والمجتمع المدني، كي لا تبقى هذه القفزة الهائلة في نسيج الوعي الإنساني خارج نسيجنا نحن العرب». وبالنسبة إلى تلقّي فرح أنطون لروسّو، يرى كمال عبد اللطيف فيه «إحدى لحظتين هامّتين تعامل فيهما

العرب مع روسّو». وثمّة إجماع، تقريبًا، بين دارسي فكر النهضة العربية، على أن فرح أنطون هو أحد

أهمّ المفكرين النهضويين الذين تأثّروا كثيرًا بروسّو. ويذهب لبيب إلى حدّ القول: «ليس هناك من بين

مفكري الغرب الكبار من كان أقرب إلى عقل أنطون ووجدانه من جان جاك روسّو». وقد تنوّعت

أشكال التأثير الروسوي في كتابات فرح أنطون، ومضامين هذا التأثير، ليشمل الجانبين الأساسيين لهذا الفكر: «الإنشاءات العقلية» و«الإنشاءات الذاتية». وعلى الرغم من صعوبة الفصل الكامل بين هذين الجانبين، في النصوص الروسّوية، يمكننا القول إن الجانب الأوّل يحيل، بالدرجة الأولى، إلى « الخطابين »

و« إميل » و« العقد الاجتماعي »، في حين يتضمّن الجانب الثاني، بشكل خاص، ما يمكننا تسميته «ثالوث

السيرة الذاتية» لدى روسو، والذي يشمل: « الاعترافات » و« روسّو يحاكم جان جاك - حوارات »

و« أحلام يقظة جوّال مُنفرد ». ويرى لبيب أن أنطون هو أول من اعتنى ﺑ« الخطاب الثاني » من العرب،

((10(انظر: مراش، الفصل 5، ص.95-57

((10(باروت، ص.102

((10(«أفكار روسو التنويرية وتمثلّاتها في الجدل السياسي العربي،» حوار مع كمال عبد اللطيف؛ أجرى الحوار محمود معروف،

حريات (السودان)، 2013/4/15، على الموقع الإلكتروني:

<http://www.hurriyatsudan.com/?p=105357> (Accessed 18/7/2013).

((10(لبيب، «المعرفي والأيديولوجي في دراسات الفكر الغربي،» ص 397. وفي تعقيبه على بحث لبيب، يرى محمّد الشيخ «أن

الفيلسوف الأكثر حضورًا لدى الرجل [أنطون] ما كان هو روسّو ولا مونتسكيو ولا فولتير، وإنّما جول سيمون، وهو استمرار لفكر

التنوير وللثورة الفرنسية». تعقيب محمّد الشيخ على: لبيب، «المعرفي والأيديولوجي في دراسات الفكر الغربي،» ص.431

(10((انظر: عبد العزيز لبيب، «مقدمة المترجم»، في: روسّو، في العقد الاجتماعي، ص.55

(105) Jean-Jacques Rousseau, Collection complète des oeuvres (Genève: [s. n.], 1780-1788), vol. 11: Rousseau, juge de Jean-Jaques. Dialogues (édition électronique), on the Web: <www.rousseauonline.ch> (Accessed 18/7/2013).

(10((جان جاك روسّو، أحلام يقظة جوّالٍمُنفردٍ، ترجمة وتعليق ثريا توفيق؛ مراجعة صالح جودت (القاهرة: المركز القومي

للترجمة،.)2009

«قراءة واستلهامًا ونقلً». كما اتّذ أنطون من إحدى عبارات روسّو، الواردة في « الخطاب الأوّل »،

شعارًا دائمً لمجلة الجامعة. واستند إلى الدين الطبيعي أو «دين الفطرة» أو «دين العقل» عند روسّو، وإلى

أفكار ابن رشد وغيره، ليؤكّد أهمية التسامح (أو «التساهل»، وفقًا لمصطلحات أنطون) وضرورته مع

الاختلاف عمومًا، ومع الاختلافات الدينية خصوصًا، وليدعو إلى دين «عالمي» أو «إنساني» مشابه

مضمونًا لدين روسّو، هو «دين العدالة والحق والمحبة والصفح للجميع»، كما رأى في رواية أورشليم

الجديدة. وقد استخدم أنطون فن الرواية «للترويج» لأفكاره أو للدعوة إلى تبنّيها، مثلما فعل روسو

في هيلويز الجديدة، ومرّاش في غابة الحق، وأراد أن تكون روايته فلسفية، واجتماعية - أخلاقية، وأدبية

- عاطفية، في الوقت نفسه. ولهذا السبب، وقعت روايات أنطون في المطبّ نفسه الذي تقع فيه عادةً

غالبية الروايات أو القصص التي يؤلّفها الفلاسفة والمفكرون، وهو المطبّ المتمثّل في المباشرة الخطابية

وضعف الحبكة والبنية الروائية أو القصصية. وعلى هذا الأساس، يمكننا أن نفهم لماذا لا تحقّق الروايات

التي يكتبها الفلاسفة أو المفكرون غالبًا نجاحًا يتجاوز النجاح الذي يتمّ تحقيقه أحيانًا في عصرها. وينطبق

هذا الحكم على روايات مفكري عصر النهضة عمومًا، وعلى الأعمال الروائية أو المسرحية لروسو أيضًا،

على الرغم من أن رواية روسّو المذكورة حققت نجاحًا مدوّيًا في عصرها، لدرجة وصْفها بأنها «أنجح

رواية في التاريخ». وما يؤخذ غالبًا على تلقّي فرنسيس مرّاش وفرح أنطون، ومعظم مفكري عصر النهضة العربية عمومًا،

لفكر روسّو، وغيره من فلاسفة التنوير الأوروبي، هو الغياب الكامل أو شبه الكامل للبُعد النقدي عن

هذا التلقّي؛ فقد انشغل هؤلاء المفكرون بالاستخدام الأيديولوجي لأفكار التنوير الغربي، من دون

استحضار تأسيسه الفلسفي أو القيام بهذا التأسيس. وبذلك، اندرج فكر روسّو، على أيدي هؤلاء

المفكرين، في ما يمكن تسميته الفكر «الدعوي» (أي الفكر الأيديولوجي القائم على الدعوة إلى

(10((عبد العزيز لبيب، «تقديم»، في: روسّو، خطاب في أصل التفاوت، ص 31. وربما ينبغي إبداء بعض الحذر والتحفّظ تجاه هذا

الحكم؛ فقد سبق لمرّاش في غابة الحقّأن استوحى من هذا «الخطاب» مفهومه ﻟ «الإنسان الطبيعي» أو «طبيعة الإنسان»، وﻟ «مجتمع

التوحّش»، وبدا شديد التأثّر به، في تقييمه الإيجابي للأول وانتقاداته الكثيرة والكبيرة للثاني.

(108) Rousseau, Discours sur les sciences, p. 16, note (1).

(10((فرح أنطون، أورشليم الجديدة، أو، فتح العرب بيت المقدس والرجل المريض والإسرائيلية الجميلة فيها (الإسكندرية، مصر:

مجلة الجامعة،.)1904

(110) Julie ou La nouvelle Héloïse: Lettres de deux amants habitants d’une petite ville au pied des Alpes , recueillies et publiées par Jean-Jacques Rousseau, on the Web: <http://www.ecole-alsacienne.org/CDI/pdf/1301/130128_ROU.pdf> (Accessed 18/7/2013).

((11(انظر: أنطون، ص.1

((11(سترومبرج، ص.206

((11(هذا الانتقاد للفكر العربي (النهضوي خصوصّا) حاضر في معظم نصوص دارسي هذا الفكر. فعلى سبيل المثال، يبيّن العروي،

في حديثه عن تأثّر مفكري النهضة العربية بفكرة الحرية الحاضرة بقوّةٍ في المنظومة الليبرالية، أن هؤلاء المفكرين «لا يضعون قضية

الحرية في إطار فلسفي ولا يبحثون عن أصلها ومداها، وإنما يكتفون بوصفها والمطالبة بها». انظر: عبد الله العروي، مفهوم الحرّية،

ط 5 (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1993)، ص 49. وفي سياق حديث لبيب عن تلقّي فرح أنطون للفكر الروسّوي، يشير إلى أن

أنطون «ضحّى بالتأسيس الفلسفي على قربان العمل التربوي والتنويري». انظر: لبيب، «المعرفي والأيديولوجي في دراسات الفكر

الغربي،» ص 413. ويرى عبد اللطيف أن «النصوص الأنوارية، نصوص عصر النهضة، تتضمّن كثيرًا من الحماسة الأيديولوجية،

وقليلً من النظر النقدي، المؤطّر للفكر الفلسفي». انظر: عبد اللطيف، «نحن والأنوار،» ص.28

(11((للمزيد حول هذا المفهوم وحضوره في الثقافة العربية المعاصرة، ونقد هذا الحضور، انظر: عبد الإله بلقزيز، نهاية الداعية:

الممكن والممتنع في أدوار المثقفين، ط 2 (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.)2010

تبنّي هذه الفكرة أو تلك، وتغيير هذا الوضع أو ذاك)، أكثر من كونه ساهم في تحفيز التساؤل الفلسفي العربي وتعميقه. ويروم بحثنا المساهمة في هذا التأسيس المفتقد، ليكون جزءًا من قاعدة معرفية يمكن

أن تسمح بالوصول إلى فهم أفضل للواقع العربي، وبتقديم تسويغ أكبر للحديث عن ضرورات تغييره وتطويره وتثويره. وفقًا لعبد اللطيف، فإن اللحظة المهمة الثانية في تفاعل العرب مع فكر روسّو تتمثّل في ترجمة عبد الله

العروي نص دين الفطرة- الذي يشغل القسم الأكبر من الكتاب الرابع في إميل - وفي المقدّمة التي

كتبها لهذه الترجمة، وفي ملاحظاته في هوامشها. وعلى الرغم من اعتقادنا بتباين لحظة أنطون عن لحظة

العروي، من حيث إن لحظة أنطون شهدت تفاعلً أكبر وأوسع من تفاعل العروي في ترجمته ل دين

الفطرة، فإننا نعتقد بأهمية الدلالات الحاضرة في تفاعل العروي مع الفكر الروسّوي. وقد كانت أفكار

روسّو المتعلّقة بالدين والحرية الدينية موضع اهتمام النهضويين العربي عمومًا، بحيث انتقدها البعض

(أمثال الأفغاني) وأشاد بها البعض الآخر (أمثال أنطون). ويبدو العروي عمومًا، في تقديمه، أقرب إلى

الاتجاه الثاني، مع أنه لا يرى أن نصّ روسّو يتعلّق بالدين بحدّ ذاته، بقدر ما يتعلّق ﺑ«الهمّ الديني» الملازم

للإنسان بوصفه إنسانًا. ﻓ«هذا الهمّ عاد بعد أن غاب، وإن قُدّر له أن يغيب مجدّدًا فهو لا محالة عائد ما دام

الإنسان إنسانًا». وتظهر راهنية روسّو عربيًا أو إسلاميًا، بالنسبة إلى العروي، في تأكيده، منذ الصفحة

الأولى لل«تقديم»، أنه لم يختر نقل هذا النصّ إلى اللغة العربية «اعتباطًا»، وإنما جاء هذا الاختيار بناءً على

خطّة نقدية، تنطلق من اعتقاد «دائم» لديه بأن الفكر الغربي كان قريبًا من تمثّل الفكر الإسلامي في منتصف

القرن الثامن عشر فقط، لا قبل ذلك ولا بعده. وفي تناول سؤال «لماذا ترجم عبد الله العروي نصّ دين

الفطرة لروسّو؟»، يحيلنا كمال عبد اللطيف إلى تأكيد العروي - في إحدى يومياته في الجزء الثالث من

خواطر الصباح)1999-1982(- «حاجة الفكر العربي إلى أمّهات الكتب في الفكر الحديث والمعاصر،

بحكم أنها تضيء الطريق أمام مساعي التحديث المتواصلة في فكرنا ومجتمعنا». ففي مواجهة المجتمع القلق المضطرب الذي نعايشه، يرى العروي أن روسّو يقدّم لنا «عقيدة، بسيطة،

بيّنة، صادقة، توفّق بين العقل والوجدان، تضمن للفرد الطمأنينة وللمجتمع الوحدة والاستقرار».

ويعتقد العروي أنه يمكن لهذه العقيدة، والتجربة الوجدانية التي أفضت إلى رسمها، مساعدتنا في فهم

كتاب روسّو وكتابات إسلامية مشابهة له، وتزويدنا بالمعيار الذي يساعدنا على «الحكم بعمق وموضوعية

على المشاريع الإصلاحية التي ظهرت عبر القرون في مجتمعنا الإسلامي»، لكن إذا كان ثمّة كتابات

إسلامية شبيهة بكتابات روسّو، فما حاجتنا إلى تلك الكتابات الأخيرة وما تقتضيه من جهد النقل أو

الترجمة؟ يشير العروي إلى أن نصّ روسّو يتضمّن مفهومًا مهمًّ، تفتقده نصوص المفكرين والفلاسفة

(11((جان جاك روسّو، دين الفطرة أو عقيدة القس من جبل السافوا، نقله إلى العربية عبد الله العروي (الدار البيضاء؛ بيروت: المركز

الثقافي العربي،.)2012

((11(العروي، «تقديم،» في: المصدر نفسه، ص.21

(11((كمال عبد اللطيف، «لماذا ترجم عبد الله العروي نصّ «دين الفطرة» لروسّو؟،» تبين، السنة 1، العدد 1 (صيف 2012)،

ص.212

((11(العروي، «تقديم،» ص.6

((11(المصدر نفسه، ص.6

الإسلاميين، أمثال الغزالي وابن طفيل وابن باجة وابن رشد. ويتمثّل هذا المفهوم - الذي يشكّل عماد

الفكر الحديث، وركيزة أساسية في فكر روسّو - في «وجدان الفرد الحرّ المستقلّ». وينسب العروي إلى

روسّو تبنّي نزعة «فردانية مطلقة» - تمثّل أحد «أهمّ أركان الحداثة » - وذلك من خلال الاعتقاد بأن «الفرد

لا يسعى إلّ إلى ضمان سعادته، وأعلى صور السعادة هي رضى النفس على ذاتها». ونحن نعتقد أن

هذا التأويل أحادي، ولا يعبّ عن مجمل وجهة نظر روسّو، في هذا الصدد. ففلسفة روسّو - «الجمهوري»،

وأحد ملهمي التيار الجمهوري في الفلسفة المعاصرة، وصاحب العقد الاجتماعي، والمتحمّس لأسبرطة

وروما القديمتين - لا يمكنها الاقتصار على تبنّي نزعة فردانية، ومن ثم لا يمكن لتلك الفردانية بالتأكيد

أن تكون مطلقة. وإذا كان روسّو في إميليبدو أقرب إلى تلك «الفردانية» التي يتحدّث عنها العروي،

فهو، في العقد الاجتماعيعكس ذلك تمامًا؛ فوفقًا للعقد، يذوب الفرد، بشكل كامل تقريبًا، في الجماعة،

ولا تكون إرادته حرّة إلّ بمقدار ما تعبّ عن «الإرادة العامة» أو «المصلحة العامة»، بغضّ النظر عن

انعكاس ذلك على مصلحته الخاصة الضيقة. وحتى في إميل، حيث يسعى روسّو إلى تكوين ذلك الإنسان

الحر المستقل عن الآخرين، فإن «رضى النفس على ذاتها» مرهون، لدرجة أو لأخرى، برضى الآخرين

عليها وباعترافهم بها وبتقبّلهم لها. ويبدو بُعد فكر روسّو عن تلك «الفردانية المطلقة» المزعومة، في أوضح

صوره، في نظريتي الاعتراف والعدالة في فلسفته. والتوفيق بين النزعة الفردانية الموجودة في إميلوالنزعة

«الجماعاتية» المهيمنة في العقد الاجتماعي، هو أحد أهمّ التحدّيات التي تواجه دارسي روسّو عمومًا،

والمهتميّن بنظريتي الاعتراف والعدالة خصوصًا. يرى العروي، في معرض تحديده مكمن الأهمية في فكر روسّو، بالنسبة إلى الفكر الإسلامي، أن هذه الأهمية

لا تتمثّل في كيفية «تعرّف روسّو، والغرب عمومًا، على الإسلام» أو في رأيهم فيه، ولا في كيفية اكتشاف

المسلمين للغرب؛ وإنمّا تتمثّل تحديدًا في «السؤال الذي طرحه روسّو على نفسه منذ أن حلّ بباريس وعاشر

الفلاسفة العلمانيين»، وهو السؤال الذي ينبغي لنا أن نقوم بطرحه على أنفسنا، نظرًا إلى كوننا، بكيفية ما،

في «وضعٍ مماثل» لوضع روسّو. ويتمثّل هذا السؤال في البحث عن «شكل التعبّد المناسب لمجتمع يعتقد

أنه وجد في علم المادّيات بديلً كافيًا مناسبًا عن الدين التقليدي». ويرى العروي، في حديثه عن « راهنّية روسّو » عمومًا، أن سؤال الراهنية هذا هو «سؤال خطابي، إذ تتوالى

على الكاتب فترات إعجاب مفرط وفترات إهمال أو نقد لاذع». وعلى الرغم من «خطابية» هذا

السؤال بشأن الراهنية، فإننا نجد بعض الإجابات عنه في «تقديم» العروي؛ فهو من جهة، يشير إلى إعجاب

«علماء الاجتماع والأنثروبولوجيين واللغويين ومنظّري السياسة ونقّاد النصوص..إلخ»، وإشادتهم به

وبأفكاره؛ لكنّه يعتقد، من جهة أخرى، أن روسّو ليس «في قلب الحداثة كما نعيشها اليوم»، وهو

بالتالي ليس معنيًا أو مقصودًا ﺑ«الانتقادات الموجّهة إلى هذه الحداثة»؛ نظرًا إلى كون روح هذا العصر

أقرب إلى خصوم روسّو من الفلاسفة، من قربها منه أو من أفكاره. وهكذا نجد ثنائية تتمثّل في حضور

((12(المصدر نفسه، ص.18

((12(المصدر نفسه، ص.16

((12(العروي، «تقديم،» ص.19

((12(المصدر نفسه، ص.20

((12(المصدر نفسه، ص.20

روسّو «الإيجابي»، على المستوى الفكري أو النظري النخبوي، وغيابه «السلبي»، على المستوى «الواقعي»

أو «الحياتي». لكن ينبغي الحذر في التعامل مع هذه الثنائية التي قد تتضمّن تقييمً إيجابيًا لكلّ حضور أو

تأثير روسّوي في روح هذا العصر وفكره، وتقييمً سلبيًا لأي تضاد قائم بين روح هذا العصر والأفكار

الروسّوية. فضلً عن ذلك، ينبغي أن نأخذ في الحسبان أن أفكار روسّو عن «فردانية الإنسان» وعن الدين

بوصفه ظاهرة اجتماعية - سياسية، هي جزء من أركان الحداثة وأسسها، كما يشير العروي نفسه محقًّا.

وهذا يعني أن روسّو حاضر، جزئيًا ونسبيًا، «في قلب الحداثة، كما نعيشها اليوم»، بقدر ما هو غائب عن

هذا القلب، جزئيًا ونسبيًا، أيضًا. فالأسس أو الأركان جزء من هذا القلب، بل ربما كانت قلبه. وعلى

هذا الأساس، نفهم قول نظمي لوقا: «زماننا ما كان ليوجد على هذه الصورة لولا أن روسّو قد مهّد له،

وبذر بتعاليمه وأحلامه وصرخات نفسه الشاعرة بذور الحرية الفكرية والحرية التربوية التي حدّدت معالم

عصرنا الحديث ». يبيّ لنا العروي، في «تقديمه» و«ملاحظاته»، وفي أعماله عمومًا، «أهمّية المقارنة في المنزع التاريخاني»،

و«ضرورة الاستفادة من مكاسب التاريخ والعصر لمواجهة العلل المتشابهة فيه». ومضمون نصّ

روسّو، المترجَم والمقدَّم، هو ما يجعل العروي يركّز على ما أسماه «الهمّ الديني» وما يتّصل به أو يثيره،

كحرية العقيدة والفكر عمومًا، وأخلاقية التدين... إلخ. لكن العروي، في توضيحه مضامين الفكر

الروسّوي، يقدم إشارات إلى مدى راهنية هذا النصّ، على المستوى السياسي أيضًا. وهو صعيد متّصل،

لدرجة ما، بالصعيد الديني، إذا أخذنا بعين الاعتبار، من جهة أولى، أن الدين يمثّل ظاهرة اجتماعية

- سياسية، ومن جهة ثانية، أن الواقع العربي يشهد وصول أو إمكانية وصول «بعض تيارات الإسلام

السياسي إلى السلطة في بعض البلدان العربية» عمومًا، وتلك التي تشهد «ربيعًا عربيًا»، خصوصًا.

وتبدو هذه الإشارات، على سبيل المثال، في حديثه عن الإصلاح والثورة الاستباقية التي نادى بها

فلاسفة التنوير الفرنسي، لتجنّب حصول «ثورة شعبية عارمة»، وفي عرضه جذرية التفكير الروسّوي

الساعي إلى «بناء مجتمع جديد وعقيدة جديدة». وقد حاول عبد اللطيف البحث في أهمية مشروع

العروي الفكري، الوثيق الصلة بمشروع روسّو، «في أزمنة وصول بعض تيارات الإسلام السياسي إلى

السلطة في بعض البلدان العربية». ويتحدّث عبد العزيز لبيب، في تقديمه الممتاز والمهمّ لترجمة العقد الاجتماعي، عن إمكانية إقامة صلة أو

علاقة بين فكرة أو مفهوم «الديمقراطية المباشرة والراديكالية» التي دعا إليها روسّو، و«الأزمات الثورية

العربية الحالية» وما أفضت إليه من مطارحات قانونية وسياسية وفكرية، في بعض البلدان العربية عمومًا،

وفي تونس ما بعد الثورة خصوصًا. ويستخدم لبيب أحيانًا الواقع السياسي العربي، لتأكيد موضوعية

أو واقعية بعض أفكار روسّو أو أحكامه، أو يستخدم هذه الأفكار والأحكام، للإحالة إلى ذلك الواقع

أو شرحه. ويكتب في تعليقه على قول روسو بضرورة وجود دستورٍ ثابت لا يُعبث به، وفقًا للأهواء

والمصالح الشخصية ومصالح الحكّام: «إن روسّو محقٌّ كلّ الحق. ولنا في البلاد العربية في هذا الوقت

(12((نظمي لوقا، «التربية عند جان جاك روسّو،» في: جان جاك روسّو، إميل أو التربية، ص 16-15 (التشديد من عندنا.)

((12(عبد اللطيف، «لماذا ترجم عبد الله العروي،» ص.213

((12(المصدر نفسه، ص.20

((12(انظر: لبيب، «مقدمة المترجم،» ص 15 و.54

أمثلة على التلازم بين العبث بالدستور والاستبداد والطغيان، فعندنا تُنسج القوانين على قياس الطغاة

وتتبدّل بحسب مقامهم وسنّهم ونسبهم... إلخ».. وفي تعليقه على توصيف روسّو لسلوك كلٍّ من

الطغاة والمستبدّين، والتمييز بينهما، يكتب: «من المدهش أن تنطبق حركة الحكومات واضطراباتها كما

يرسم روسّو مسارها العام، ومنها بالخصوص فساد الجمهوريات وانحلالها إلى طغيان واستبداد، على

الحالة السياسية العربية». في الختام، نعتقد أن جولتنا السريعة والمكثّفة في آراء بعض المفكرين العرب حيال روسّو أوضحت بعض

تفاصيل حضور روسّو في الفكر العربي، وأهمية هذا الحضور، بالنسبة إلى الفكر والواقع العربيين. ومن

حيث المبدأ، ينبغي ألّ يكون هذا الحضور القوي مفاجئًا، إذا أخذنا بعين الاعتبار كلاسيكية الفكر

الروسوي وأصالته في تناول مسائل الحرية، والمساواة أو التفاوت، والسعادة وطبيعة «إنسان الطبيعة»

ومدى اختلافها عن طبيعة «إنسان الإنسان» أو «إنسان المجتمع القائم»، وطروحاته بخصوص المجتمع

المنشود، وهو مجتمع العدالة والاعتراف. ويمكن لأفكار روسّو أن تساهم في تعميق أفكارنا بشأن واقعنا

العربي وتأسيسها فلسفيًا، بما يسمح لنا ببناء معيار فكري نقدي لمحاكمة الواقع الراهن، وبلوغٍ تصوُّر

أوضح بخصوص مستقبلنا المنشود. وعلى هذا الأساس نتّفق مع عبد اللطيف، في قوله: «إن روسّو حاضر

ومستمر الحضور في الثقافة العربية، لأنه لم يكن مفكرًا منغلقًا مذهبيًا، بقدر ما كان يلامس في القضايا،

التي يعالجها، قضايا الهمّ الإنساني، وهي قضايا مفتوحة على إشكالات مستمرة. والإسهام الروسّوي

في هذا الباب دون شك يُعدّ إسهامًا إنسانيًا نحتاج دائمً إلى مراجعته، للتعليق عليه، وإلى ترجمته والعناية

به». وإذا كان لبيب محقًّا في اعتقاده بأن صورة روسّو الأصيلة، التي كانت سائدة عمومًا لدى روّاد

النهضة العربية، قد «خبا بريقها وخفت تأثيرها» في الفكر العربي أو الإسلامي المعاصر، فإننا نأمل بأن

يساعد هذا التمهيد - والأبحاث المستقبلية أو المنشودة التي عمل التمهيد على إظهار مشروعيتها أو أهمية

وجودها وضرورته - على إعادة هذا البريق وزيادة ذلك التأثير، بالقدر الذي يمكن فيه، لهذا البريق وذلك

التأثير، أن يساهما في الوصول إلى فهم أفضل لواقعنا العربي ولضرورات تحديثه أو تغييره. ونعتقد أن

تناول روسّو، من زاوية نظريتي الاعتراف والعدالة لديه، يمكن أن يكون أحد المداخل الملائمة والمعقولة،

للعمل على تحقيق ذلك الأمل.

((12(المصدر نفسه، ص 24، هامش.)8(

((13(لبيب، «مقدمة المترجم،» ص 28، هامش.)9(

((13(«أفكار روسو التنويرية.»

((13(لبيب، «مقدمة المترجم،» ص.61