العودة إلى تفاصيل المؤلَّف قراءة نفسانية في قصة النبي يوسف عقدة الأخوة أولى من عقدة أوديب

قراءة نفسانية في قصة النبي يوسف عقدة الأخوة أولى من عقدة أوديب

A Psycho-Analytical Reading of the Story of Joseph: Before Oedipus, a Brotherhood Complex

حسن المودن

Hassan Moudden

الملخّص

* أستاذ مساعد في الآداب بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين، مراكش - المغرب. (((القرآن الكريم، «سورة يوسف،» الآية.7 (((المصدر نفسه، «سورة يوسف،» الآية.111

Abstract

Psychological studies in modern Arabic criticism as an attempt to read Arabic literature, ancient and modern, started from the complexes proposed by psychanalysis, that, following Sigmund Freud, are the most able to understand and interpret the psychological makeup of man. This was the method used by Mahmoud Abbas al-Aqqad to read the personality of Abu Nawwas and his poetry through the lens of narcissism in Abu Nawwas al-Hassan bin Hani. It is also the approach how Mohammad al-Nuwayhi took after al-Aqqad studied the Oedipus complex, leading to a chapter in the same book on “The psychology of Abu Nawwas.” Subsequent periods were not devoid of studies in the same direction, including Georges Tarabichi’s “The Oedipus complex in the Arab novel” and Khristo Negm’s “Narcissism in the literature of Nizar Qabbani.”

الكلمات المفتاحية:
  • النفسانية
  • الإخوة
  • النبي يوسف
  • عقدة أوديب
Keywords:
  • Oedipus Complex
  • Prophet Joseph
  • Brotherhood
  • Psychoanalysis
  • Arab Novel

انطلقت الدراسات النفسانية في النقد العربي الحديث وهي تحاول أن تقرأ الأدب العربي، قديمه وحديثه، من مركّبات عُقدية يفترض التحليل النفسي، وخاصة مع سيغموند فرويد، أنها الأقدر على فهم بنية الإنسان النفسية وتفسيرها. وهكذا، وعلى سبيل التمثيل، يمكن أن يُستحضر من البدايات الأولى كيف درَس محمود عباس العقاد شخصية أبي نواس وشعره من خلال عقدة النرجسية في كتابه: أبو نواس الحسن بن هانئ، وكيف جاء محمد النويهي بعده ليدرس عقدة أوديب عند الشاعر نفسه في كتابه: نفسية أبي نواس. ولم تخلُ المراحل اللاحقة من دراسات تسير في الاتجاه نفسه، منها دراسة جورج طرابيشي: عقدة أوديب في الرواية العربية، ودراسة خريستو نجم: النرجسية في أدب نزار قباني. ﴾َ﴿قَدْ كَانَ فِ يُوسُفَ وَإِخْوَتهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِليِن3. ﴿لقَدْ كَانَ فِ قصَصهِمْ عِبَْةٌ لُِّولِ الأَلْبَاب ﴾ِ4. على الرغم من أهمية هذه الدراسات التي يعود إليها الفضل في تأسيس أو تطوير نقد أدبي يستند إلى التحليل النفسي، ويضيء جوانب أخرى مغايرة في المبدع وإبداعه، فإنها تبقى دراسات تطبق التحليل النفسي على النصوص الأدبية تطبيقًا قابلً للمساءلة؛ فهي تسعى إلى تطبيق عُقَد نفسانية جاهزة على النصوص وأصحابها. والحال أن الواقع الذي لا بد من استحضاره باستمرار هو أن مؤسسي التحليل النفسي، وخصوصًا فرويد، استوحوا هذه العُقد من النصوص الأسطورية والأدبية والدينية؛ فعقدة أوديب أو عقدة نرجس مستوحاة من الأساطير الإغريقية، وغيرها من العُقد مستمد من نصوص أخرى، مسرحية وروائية.. من هنا، فإنه ليس على التحليل النفسي أن يضيء الأدب، بل على الأدب أن يضيء التحليل النفسي باستمرار، ذلك لأن الأدب هو الذي يتجدد على نحو مستمر، وهو الأقدر على تجديد

التحليل النفسي وتطويره، فمن أجل ألّ يبقى التحليل النفسي جهازًا مفهوميًا جامدًا، وألّ يبقى النقد النفسي مجرد تمرين تتكرر من خلاله مفاهيم نفسانية جاهزة وجامدة، لا بد من أن نطرح الأسئلة الآتية: ألا يمكن للنقد النفساني أن يستمد مفاهيم نفسانية جديدة من نصوص أخرى؟ ألا يمكن أن يستوحي عُقدًا أخرى من نصوص قد تكون قديمة أو حديثة؟ ما الأكثر فائدة بالنسبة إلى الأدب كما بالنسبة إلى التحليل النفسي: أهو العمل على تطبيق مركّبات عُقدية جاهزة على كل النصوص، قديمة كانت أو حديثة، أم السعي إلى استيلاد مركّبات عُقدية أخرى من هذه النصوص، بما يزيد من عمق فهمنا أو تفسيرنا للإنسان ولغته وأدبه؟ أزعم في هذه المحاولة أن من الممكن أن نستمد من النصوص الأدبية، أو من النصوص الدينية، أو من غيرها من النصوص، مفاهيم وتصورات نفسانية مختلفة ومغايرة لتلك التي صرنا نُسقطها على الكثير من النصوص؛ فبدل أن نُسقط مفهومًا نفسانيًا ما على نص ما، سيكون من الأفضل أن نتساءل: ألا يمكن لهذا النص أن يسمح لنا بأن نستمد منه مفهومًا نفسانيًا جديدًا، فنسجل للنص الأدبي أصالته وفرادته، ونساهم، انطلاقًا منه، في تطوير معرفتنا بالإنسان، بلغته وأدبه، وخاصة من الناحية النفسانية؟ والنص الذي نقترحه حجة على زعمنا إمكانية استيحاء مفاهيم نفسانية أخرى من النصوص، سواء أكانت أدبية أم دينية أم أسطورية، هو قصة من قصص القرآن: قصة يوسف؛ فلاشك أن لهذه القصة مكانة خاصة في النفوس، وحضورًا لافتًا في كثير من الدراسات، ولا يمكن للباحث إلّ أن يتساءل: من أين تستمد هذه القصة قوتّها؟ هناك العديد من الدراسات، ولا سيما الحديثة والمعاصرة، التي كشفت النقاب عن الكثير من الجوانب الجمالية الخلاقة التي قد تشكل جانبًا من جوانب القوة في القصة، إلّ أن الملاحَظ هو أن هذه القصة لم تنل حظها من الدراسات النفسانية إلّ في النادر القليل، وغالبًا ما تعمل هذه الدراسات على تطبيق المفاهيم النفسانية الجاهزة من دون أن تتساءل عن إمكانية استيلاد مفاهيم جديدة من النص موضوع الدرس، بحيث يبدو من الصعب، مثلً، أن نقتنع بأن العقدة المركزية في هذا المحكي الديني هي «عقدة أوديب»، كما تذهب إلى ذلك بعض الدراسات المعاصرة؛ فالقصة لا تركز على علاقة الطفل بأبويه فقط، بل إنها تمنح الأولوية أيضًا لطرف آخر من أطراف العائلة، وهو ما قد يسمح بأن نفترض أن الأمر يتعلق بعقدة مغايرة، قد تكون أولى من عقدة أوديب وأهم. لكن قبل الدخول في تفاصيل هذا الافتراض، فنستوحي من النص الديني صورةَ مركَّب عُقدي جديد، ونعيِّ له اسمًا رمزيًا، نرى من الضروري أن نتوسع قليلً في افتراضات أولية تمنح هذه المحاولة صدقيتها ومشروعيتها.

من تطبيق التحليل النفسي على الأدب إلى تطبيق الأدب على التحليل النفسي

هذا الافتراض الأول هو منطلق هذه المحاولة وأساسها، وهو يستمد مرجعيته ومصداقيته من بعض التصورات النقدية النفسانية المعاصرة، وخصوصًا منها تلك التي تعود إلى الناقد والمحلل النفسي المعاصر بيير بيار الذي ألَّف العديد من الدراسات التي تسائل الروابط بين الأدب والتحليل النفسي، ويعمل في

مجمل أعماله، التي تقارب العشرين، على توظيف السخرية والمفارقة لمصلحة تحليل أدبي متجدّد؛ ففي كلّ عمل نقديٍّ من أعماله، يأتي بشيء مثير وغير منتظَر، يفاجئ القارئ باكتشافاته ومراجعاته، بتحقيقاته وتعديلاته وتنقيحاته، بمساءلاته ومناقشاته للأحكام والمسلمات. في إطار هذا الأسلوب الجديد في التحليل والتفكير، يندرج كتابه الذي أصدره سنة 2004 تحت عنوان: هل يمكن تطبيق الأدب على التحليل النفسي؟5، ويقترح فيه، وبغير قليل من السخرية، نظرية جديدة: تطبيق الأدب على التحليل النفسي؛ فإذا كان المألوف هو تطبيق التحليل النفسي على الأدب، فإن بيار يدعونا إلى قلب الأدوار، وذلك بأن نجرّب تطبيق الأدب على التحليل النفسي. وهناك العديد من الأسباب التي تدعوه إلى مراجعة العلاقة بين الاثنين، ومن أهمها أن النقد الأدبي الذي يطبّق التحليل النفسي على الأدب أصابه الإفلاس، ويعود السبب في ذلك إلى أن تطبيق التحليل النفسي على الأدب يؤكد النظرية التي تمّ الانطلاق منها، ولا يضيء العمل الأدبي؛ وبالعكس، إذا تم الاعتماد على منهج يقلب الأشياء، يكون بإمكان الأدب أن يقول أشياء عديدة للتحليل النفسي. في الاتجاه نفسه، فسَّر بيار كيف أن المعرفة الإنسانية بشأن الجهاز النفسي لم تكن تعرف، كما يعتقد البعض، مسارًا بطيئًا عرف انطلاقته القوية في القرن التاسع عشر، وخصوصًا في أواخره مع فرويد. وقد حان الوقت في نظره لإعادة قراءة ما «قبل» التحليل النفسي، فأصدر في هذا الإطار كتابًا مهمًّا سنة 1994 عنوانه: موباسان، بالضبط قبل فرويد6، يقرأ فيه الناقد المحلل النفسي فرويد بمساعدة كاتبٍ سابق: موباسان. وحان الوقت، في نظره دائمًا، لأن نفحص من جديد أعمال بعض المعاصرين لمؤسس التحليل النفسي فرويد، وهم يتميزون بأنهم لافرويديون من مثل: بيسوا وبروست..؛ وحان الوقت لأن ننتقل إلى كتَّابِ ما «بعد» فرويد من مثل: أندري بروتون وبول فاليري وسارتر وأغاتا كريستي... إلخ. اللافت هنا أن الناقد النفسي، بهذا الأسلوب الجديد، يقوم باكتشاف الإمكانات النظرية التي يمكن أن توفرها الأعمال الأدبية، ويعلّمنا كيف نعيد بلذَّة جديدة اكتشاف هوميروس وسوفوكل وشكسبير وموباسان وهنري جيمس وأغاتا كريستي... وغايته من ذلك كله أن يوضح أن الأدب، بمنطقه الخاص، لا يكفُّ عن الخلق والإبداع، ويقدِّم «نظريات أخرى» قابلة للاكتشاف، ويمكنها أن تكون أكثر تقدّمًا مما يقدمه التحليل النفسي. يرمي بيار من وراء ذلك كله إلى لفت الأنظار إلى أن التحليل النفسي هيمن على أشكال المعرفة التي تهتم بالجهاز النفسي، وقام بابتلاع الأدب بشكل من الأشكال، وجلس على عرش كل المعارف الممكنة حول الجهاز النفسي. وإذا أردنا الاستمرار في إنتاج الفكر بشأن الذات الإنسانية أو العلاقات بين الكائنات الإنسانية، فإن سؤالً أساسيًا يفرض نفسه هو: كيف الخروج من نظام التفكير الذي وضعه التحليل النفسي؟

  1. Pierre Bayard, Peut-on appliquer la littérature à la psychanalyse? , Paradoxe (Paris: Ed. de Minuit, 2004).
  2. Pierre Bayard, Maupassant, juste avant Freud , Paradoxe (Paris: Ed. de Minuit, 1994).

يقترح بيار أن نعتمد على منهج يقلب الأشياء، فنعمل على تطبيق الأدب على التحليل النفسي لا تطبيق التحليل النفسي على الأدب؛ إذ ما عاد من الملائم تعنيف النصوص وإسقاط تأويلات عليها، بل لا بد أن نعمل من أجل أن تمتدَّ معانيها فينا، وأن نعمل من أجل أن تنطلق منها عناصر معرفة جديدة؛ فالأدب، بمنطقه الخاص، لا يكفّ عن الخلق والإبداع، ويقدم «نظريات أخرى» قابلة للاكتشاف، ويمكنها أن تكون أكثر تقدمًا ممّا يقدمه التحليل النفسي. وتبعًا لبيار، فالأدب، قديمه وحديثه، ينتج، بطرقه الخاصة، مفاهيم، وإذا عدنا إلى الأعمال الأدبية القديمة أو الحديثة والمعاصرة، لا يمكن إلّ أن نستمد منها مفاهيم جديدة تساعدنا على قراءة الجهاز النفسي للإنسان. لكنه يوضح أن قوة النماذج الأدبية تعود إلى ضوئها الهارب، واستبدالها المفاهيم بالكلمات، وعدم دقتها النظرية، وهي في الواقع لا تحتوي إلّ على ممكنات أو مقاطع نظرية تستلزم مشاركة قرَّاء قادرين على إبراز هذه العملية الأولية التي تسبق عملية التنظير، والتي انطلاقًا منها يفكر الأدب ويدفع الآخرين إلى التفكير. وبمعنى آخر، من أجل أن نجعل من النماذج الأدبية نسقًا منافسًا للنموذج الفرويدي، لا بد من تحويل الكلمات إلى مفاهيم، وهو ما يعني استيلاد التحليل النفسي من الأعمال الأدبية نفسها. إجمالً، تعود أهمية أعمال بيار، وخاصة كتابه: هل يمكن تطبيق التحليل النفسي على الأدب؟، إلى أنه أحدث تحولً في هوية الناقد والمحلل النفسي للأدب؛ فهو ما عاد ذلك الذي ينطلق من معرفة نفسانية جاهزة يطبِّقها على مختلف النصوص، بل إنه هو هذا الذي يعمل، بعد أن يُلمَّ بمختلف النظريات النفسانية الموجودة، على التحرر من كلِّ معرفة جاهزة، وهو هذا الذي يوسع من قراءاته بطريقة تسمح بتطوير معارفه النفسانية وتجديدها باستمرار؛ وهذا كله يسمح بالحديث عن المحلل القارئ، بالمعنى الذي يقصده جان فرانسوا شيانتاريتو7، الذي وضَّح أن الأمر لا يتعلق هنا بالمحلل النفساني الذي يملك المعرفة والحقيقة كلها، فلا وجود لمحلِّل بهذا المعنى، بل هناك فقط صيرورة محلِّل لا بد من بنائها باستمرار، وهذا البناء باستمرار لا يتحقق إلّ بالقراءة المتواصلة التي لا تعرف الجمود والانقطاع؛ بمعنى أن الأمر يفرض الحديث عن المحلِّل القارئ، أي المحلِّل الذي يقرأ باستمرار، ولا يمكن اختزاله في محلل الجلسات العلاجية؛ فالمحلِّل القارئ هو الذي يقرأ باستمرار، وهو الذي يجعل من القراءة المنطلق لا المنتهى، فتتجدد قراءاته الأدبية  انطلاقًا من جديد الأدب وقديمه، ولا يستند إلى معرفة نقدية نفسانية جاهزة، بل يجدد معرفته الأدبية ومعرفته النفسانية انطلاقًا من قراءاته المتواصلة، بالشكل الذي يثير باستمرار حوارًا داخليًا بين الأدب والتحليل النفسي، بين النص والمنهج والنظرية، من أجل فهمٍ متجدد للإنسان ولغته وأدبه. وبعبارة واحدة، يكفي أن نستحضر أن مؤسس التحليل النفسي فرويد هو نفسه من أقرَّ بأن أعمال المبدعين، من شعراء وروائيين، تعرف أكثر مما يعرفه المحلل النفسي: «إن الشعراء والروائيين هم أعز حلفائنا، وينبغي أن نقدر شهادتهم أحسن تقدير، لأنهم يعرفون أشياء... لم تتمكن بعد حكمتنا المدرسية من الحلم بها. فهم في معرفة النفس مُعَلّمونا، نحن معشر العامة، لأنهم ينهلون من موارد لم نفلح بعدُ في تسهيل ورودها على العلم»8.

  1. Jean-François Chiantaretto, De l’acte autobiographique: Le Psychanalyste et l’écriture autobiographique , l’or d’Atalante (Seyssel: Champ Vallon, 1995).
  2. Sigmund Freud, Délire et rêves dans la Gradiva de Jensen (Paris: NRF; Gallimard, 1970), p. 127.

من تطبيق التحليل النفسي على النص الديني إلى تطبيق النص الديني على التحليل النفسي

يتأسس هذا الافتراض على المنطق نفسه الذي أقمنا عليه الافتراض السابق، وذلك في اتجاهين أساسيين: أولهما، أنه إذا كان المألوف في مراحل سابقة - وخاصة المرحلة التي تلت تأسيس التحليل النفسي بداية القرن الماضي - هو إقامة تعارض بين الدين والتحليل النفسي، تغذّيه بعض كتابات فرويد الذي يوصف ب«اليهودي غير المخلص»، فإن إعادة النظر في هذا التعارض أصبحت أمرًا ضروريًا، خاصة بعد أن عاد الديني بطريقة قوية في عصرنا الراهن. وقد سبق للمحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان، الذي يعود إليه فضل كبير في تجديد التحليل النفسي خلال النصف الثاني من القرن الماضي، أن سجل أنه لا يمكن للمحلل النفسي أن يخفي أو يتجاهل أصوله التربوية الدينية، ولا يمكن لأي باحث نزيه أن ينكر أن الدين الحقيقي هو هذا الذي يتجاوز العلم، لأن له القدرة على أن يبتكر ويعيد ابتكار المعنى حول الواقع، وله القدرة على أن يملأ تلك البياضات والفراغات التي لم يستطع العلم الحديث بعدُ ملأها وسدَّها، وله القدرة على إمتاع النفوس بنصوص تتميز بأدبيتها وجماليتها الخلاقتين. وفوق كل ذلك، يمكن أن نسجل مع مرسيا إلياد، الذي درس تاريخ الأديان، أنه إذا كنا نرمي إلى دراسة الإنسان، لا باعتباره كائنًا تاريخيًا فحسب، بل باعتباره رمزًا حيًّا، فإن الأديان، من خلال تاريخها ونصوصها، يمكن أن تصبح تحليلً نفسيًا واصفًا9) une méta- psychanalyse): هناك قصص ونصوص في الكتب الدينية تحكي مشهد الحياة الذي جرى ويجري بلا توقف؛ وقد تتغير العصور والمظاهر، لكن الأدوار تبقى هي نفسها المؤدّاة في الماضي والحاضر والمستقبل، وهي الأدوار التي تمنح الكلام لهذا «الآخر» في دواخلنا، تدعوه إلى أن يتفضل، وأن يولد من جديد، هو الذي عاش ذلك المشهد مسبقًا. ثانيهما، أنه إذا كان المألوف هو تطبيق التحليل النفسي على النصوص الدينية، فقد حان الوقت لقلب الأدوار، وتطبيق النصوص الدينية على التحليل النفسي، باعتبار أن تلك النصوص يمكنها أن تقول أشياء كثيرة للتحليل النفسي، وأن يستمد منها المحلل النفسي مفاهيم وتصورات نفسانية جديدة. ولا أدلَّ على أهمية هذا القلب من أمر يعرفه أهل الاختصاص؛ فقد استمد جاك لاكان بعض مفاهيمه من الدين، ومنها بالأساس مفهوم: اسم الأب) Le Nom – du – père)، وهو يوضح ذلك في قوله: «... أن نخصَّ الأبَ بالإنجاب أمرٌ لم يكن إلّ تحت تأثير دالٍّ خالص، فهو إشارة لا إلى الأب الواقعي، بل إشارة إلى ما علَّمنا الدينُ أن ندعوه: اسم الأب»10. من هنا السؤال الذي ظل يشغلنا: بدل أن نطبق التحليل النفسي على القرآن، وأن نسقط عليه تأويلات قد لا تلائمه، أليس من الممكن أن نطبق القرآن على التحليل النفسي، فنستمد منه بعض المفاهيم أو التصورات النفسانية التي تساهم في تطوير التحليل النفسي المعاصر؟ ألا يمكن للمحكيات القرآنية أن

  1. Mircea Eliade, Le Sacré et le profane , idées; 76 (Paris: Gallimard, 1956), p. 149.
  2. Jacques Lacan, «D’une question préliminaire à tout traitement possible de la psychose,» dans: Jacques Lacan, Ecrits , le champ freudien (Paris: Editions du Seuil, 1966), p. 556.

تساعد المحلل القارئ على استيلاد مفاهيم نفسانية جديدة؟ ألا تقترح علينا قصة يوسف عقدة أخرى غير هذه العقدة المركزية، عقدة أوديب، التي تحولت في الدراسات النقدية إلى مفتاح سحريّ يفسر مغاليق النصوص كلها؟

قصة يوسف عكس أسطورة أوديب

موضوع هذه المحاولة هو قصة النبي يوسف، النبي الوحيد الذي خصَّه القرآن بسورة كاملة تشكل في مجموعها نصًا قصصيًا احتفت العديد من الدراسات النقدية بأسلوبه السردي وبنيته الشعرية وخصائصه الجمالية الخلاقة، انطلاقًا من منظورات مختلفة، بلاغية وسردية وسيميائية وتناصية وشعرية وتداولية... إلّ أن هذه الدراسات لم تنتبه، كما لاحظ ذلك الباحث التونسي المعاصر يوسف الصديق، إلى أن محكي يوسف هو عكس محكي أوديب وضده، وهو الوجه الآخر لأسطورة أوديب. لكن ما الداعي إلى هذه المقارنة بين محكي ديني ومحكي أسطوري؟ وأين تكمن أهمية أن نزعم أن قصة يوسف هي عكس أسطورة أوديب؟ ينطلق التحليل النفسي، في نموذجه الفرويدي، من أسطورة أوديب التي ألّفها المؤلف التراجيدي الإغريقي سوفوكل (495 - 405 ق.م)، ومنها يستمد مفهومه المركزي، «عقدة أوديب»؛ هذا المفهوم الذي بواسطته قرأ الإنسان قراءة نفسانية، وشيَّد تصورًا نفسانيًا عن الذات الإنسانية انطلاقًا من علاقاتها الأساسية التي تتألف من الأطراف الآتية: طفل / أم / أب. وهكذا، فإذا أخذنا بعين الاعتبار هذه المكانة الكبيرة والخاصة التي تحتلها أسطورة أوديب في التحليل النفسي، وخاصة في نموذجه الفرويدي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا لو كان هناك نص آخر يقول عكس ما يقوله محكي أوديب؟ ماذا لو كان محكي يوسف يقول عكس محكي أوديب؟ ألا يستدعي ذلك أن يعيد التحليل النفسي النظر في مفاهيمه وتصوراته وقراءاته؟ الملاحَظ أن محكي يوسف ومحكي أوديب يشتركان في خاصية مهمة تتجلى في أنهما يؤلفان في سلسلة من الحوادث حقيقة بقيت خبيئةَ لغز (نبوءة المنجمين في أسطورة أوديب، ورؤيا يوسف في السورة القرآنية)، لكن تبقى هذه هي الخاصية المشتركة الوحيدة بينهما، لأن كل محكي منهما سيواصل طريقه بطريقة مستقلة ومختلفة تمامًا. في قصة أوديب، تزوج لايوس جوكاست، ولم يكن له منها أبناء، وسيكشف له المنجمون أن الطفل الذي ينتظره منها سيكون هو سبب موته، ولهذا لا بد من قتله وإبعاده؛ لكن الطفل استطاع أن ينجو وأن ينشأ في مكان آخر، وأن يحقق من دون علم منه قتل أبيه والزواج من أمه، وعندما انكشفت الحقيقة كان الإحساس بالعار والألم، ففقأ أوديب عينيه، ليتيه سنوات قبل أن يلقى حتفه. وإذا استحضرنا قصة يوسف، فإننا سنلاحظ أنها لا تتأسس على هذا الثالوث: طفل / أم / أب، وأنها تقدم صورة معكوسة عن كل طرف من هذه الأطراف الثلاثة، وأنها تؤسس علاقات مغايرة بين هذه الأطراف، وهو ما يسمح بالحديث عن ثالوث جديد مختلف عن الثالوث الأوديبي: - يحتل وجه جوكاست، الأم الزوجة، بحضورها الشهواني، الفضاءَ السردي للأسطورة الإغريقية، لكن الأم في المحكي القرآني تبقى خبيئة بطريقة بارعة، محجوبة بتقنية الحكاية نفسها. فالملاحَظ أن السورة

القرآنية لم تتحدث إطلاقًا عن أم يوسف بطريقة مستقلة، بل هي، لسبب أساسي سنعرفه في ما بعد، تتحدث في أكثر من مكان عن الثنائي الزوج: الأب والأم، مجازًا في بداية السورة (الشمس والقمر في رؤيا يوسف)، وحقيقة في نهايتها ﴿ ورفع أبويه على العرش ﴾11. وبهذا الشكل، قد نخلص إلى أن علاقة الطفل بالأم تبدو غير جوهرية في قصة يوسف، على عكس ما يلاحظ في أسطورة أوديب، إلّ أن بعض الدراسات النفسانية المعاصرة تأبى إلّ أن ترى في امرأة العزيز، بحضورها الشهواني، وجه جوكاست، وأن تؤول العلاقة بين يوسف وامرأة العزيز على أنها أشبه بعلاقة أوديب بأمه، خاصة أن الذي اشتراه من مصر طلب من امرأته تكريم الطفل ﴿ عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا ﴾12، وهو ما قد يسمح بافتراض أن يوسف هو ابن بالتبني، وأن امرأة العزيز هي أمّه الثانية. لكن هذه الدراسات لا تنتبه إلى فوارق جوهرية: أولّها أن في قصة يوسف نجد ﴿ امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا ﴾13، في حين أن أوديب هو من رأى المنجمون أنه سيقتل أباه وسيتزوج أمه، والفارق واضح هنا، ففي الأولى يكون مصدر الرغبة المحرمة هو امرأة العزيز، في حين أن الطفل أوديب هو مصدر الرغبة المحرمة في أسطورة أوديب؛ وثاني هذه الفوارق وأهمها هو أن أوديب متّهَم بزنا المحارم، وأن سوفوكل، مؤلف الأسطورة، أخذ التهمة مأخذ الجِدّ، في حين أن يوسف متهم بإغراء امرأة العزيز، لكن القرآن ما انفك يوضح أن يوسف ليس مسؤولً عمّ اتُّهم به، وحتى إن همَّ بها بعد أن همَّت به، فقد رأى برهان ربه، وفضَّل السجن على ارتكاب المحرم؛ وفوق كل ذلك، فإذا كانت الجماعة هي التي تتهم أوديب في الأسطورة، فإن العكس تمامًا هو ما يجري في قصة يوسف، فقد شهد شاهد من أهل المرأة التي حاولت إغراءه ببراءته، وكان سجنه ظلمً وعدوانًا. بعبارة أخرى، نجد في الأساطير اقتناعًا بأن البطل اقترف جرمًا، ولا بد من التضحية به، في حين أن القصص الديني يفضح هذا الاتهام، ويكشف قسوته وظلمه؛ وفي الأساطير، يُعتبَر إبعاد البطل أو قتله فعلً مبرَّرًا، فالأمر يتعلق بإنسان يحمل الشر ويسبب الألم، في حين أن يوسف يظل بريئًا على طول القصة الدينية، فهو ضحية المرأة ﴿ التي هو في بيتها ﴾14، التي اتهمته ظلمً وسجنته، ولكن مواهبه وكفاياته العالية في تأويل الأحلام أنقدته من السجن، وأظهرت براءته، وبوّأته الصدارة، وهو ما يعني أن القصص الديني يمنح الحق ليوسف، الضحية، ضحية امرأة العزيز المفترض أنها أم ثانية: ﴿ الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ﴾15. - في الأسطورة والقصة الدينية معًا، تحتل علاقة الطفل بالأب مكانة مركزية، لكن بمعنيين مختلفين جذريًا: في أسطورة أوديب، الطفل غير مرغوب فيه من طرف أبيه الذي كرهه حتى قبل أن يولد، في حين أن يوسف هو الطفل المحبوب الذي تربطه علاقة حب خاصة بأبيه: ﴿ قالوا ليوسف وأخوه أحبُّ إلى أبينامنا..﴾16. وكانت هذه العلاقة هي المستهدفة أصلً عندما جرى الفصل بين يوسف وأبيه، هذا الذي فقد بصره حزنًا وبكاء على فقدان طفله المحبوب. وفي نهاية الحكاية، فإن يوسف لن يقتل أباه، ولن يفقأ هو عينيه، بل إن

  1. القرآن الكريم، «سورة يوسف،» الآية.100
  2. المصدر نفسه، «سورة يوسف،» الآية.21
  3. المصدر نفسه، «سورة يوسف،» الآية.30
  4. المصدر نفسه، «سورة يوسف،» الآية.23
  5. المصدر نفسه، «سورة يوسف،» الآية.51
  6. المصدر نفسه، «سورة يوسف،» الآية.8

العكس تماما هو ما حدث، فظهوره من جديد أعاد الحياة إلى نفس أبوية أتعبها البكاء والحزن على الفراق، وقميص الابن هو من أخرج الأب من ظلمات الانفصال والفقدان: ﴿ اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرًا ﴾17، ومكانته في الفضاء الملكي بمصر لن تدفعه إلى ارتكاب المعاصي كما فعل أوديب، بل إنها المكانة التي ستسمح له بأن يتصدر هذا الفضاء، وأن يجتمع بأبويه وعائلته في نهاية الحوادث.

من عقدة أوديب إلى عقدة الأخوة

انطلاقًا ممّا تقدم أعلاه، نفترض أن العلاقة بالأبوين ليست هي العلاقة المركزية في قصة يوسف، وأن هناك علاقة بطرف آخر هي التي تشكل العقدة الجوهرية التي لم تلتفت إليها الدراسات النفسانية، مع أنه يمكن أن تكون أخطر من عقدة أوديب وأكثر أهمية. على عكس أسطورة أوديب، يبدو أن علاقة الطفل بأبويه ليست هي العلاقة التي تبوّؤها القصة الدينية الصدارة، وأن ثالوث: الطفل/ الأم/ الأب ليس هو الثالوث المستهدَف في قصة يوسف. وإذا كان صحيحًا أن العلاقة بالأبوين حاضرة في هذا المحكي، فإن الأبوين معًا (الأم/ الأب) يشكلان طرفًا واحدًا لا طرفين كما في أسطورة أوديب، وأن هناك طرفًا ثالثًا آخر لا بد من أخذه بعين الاعتبار، وعلاقة الطفل بهذا الطرف الثالث هي العلاقة التي يبوّؤها المحكي الصدارة. فمن يمثّل هذا الطرف الثالث في محكي يوسف؟ وما هي هذه العقدة الأخرى التي يمكن أن تكون أهمَّ وأخطر؟ لا بد من أن نلاحظ فارقًا جوهريًا بين قصة يوسف وأسطورة أوديب: إذا كان الأب في الأسطورة من دون أبناء، تحذره نبوءة المنجمين من طفل قادم لم يولد بعد، فإن الأب في القصة الدينية أب بأحد عشر وريثًا، وطفله المحبوب حيٌّ يُرزق، وهو من تلقّى الرؤيا التي لم يوصه بإخفائها إلّ أبوه نفسه، وبإخفائها عن من؟ بإخفائها عن الأبناء الأحد عشر الذين ليسوا إلّ إخوة يوسف. وبهذا، توضح القصة الدينية أن العلاقة التي ينبغي أن تتصدر انشغالنا واهتمامنا هي علاقة يوسف بإخوته، وهو ما نبهت إليه السورة القرآنية: ﴿ قَدْ كَانَ فِ يُوسُفَ وَإخْوَتهِآيَاتٌ لِّلسَّائلِينَِ﴾. بمعنى آخر، إن أطراف الثالوث في قصة يوسف أعم وأشمل، إذ لا يحصرها في علاقة الطفل بأمه وأبيه، بل يوسعها لتشمل أطرافًا أخرى، العلاقة بها أخطر وأهم في الوقت نفسه، فالثالوث الأكبر، وربما الأصلي، لا بد أن يتألف من هذه الأطراف: الطفل/ الأبوان/ الإخوة. والرؤيا التي تلقّاها الطفل لا الأب، وتصدرت السورة القرآنية، هي رؤيا تتحدث مجازًا عن هذا الثالوث: ﴿ إذ قَالَ يُوسفُ لِبَيهِيَا أبَتِ إنِّ رَأَِيْتُأحدَ عشَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ وَالْقمَررأَيْتهُمْ لِ سَاجدِينَ﴾18، وهي رؤيا باستعارات ستنكشف حقيقتها في نهاية الحوادث: ﴿ ورَفعَ أبوَيْهِعلَ الْعَرْشِوخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وقَالَ يَا أبَتِ هذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جعَلهَا رَبِّ حَقًّا وقَدْ أَحْسنَ بِ إذْ أَِخْرجَني مِنَ السِّجْنِوجَاءَ بكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْني وبَيَِْ إخْوَتِ إِنَّ رَبِّ لَطِيفٌ لَِّا يشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الَْكِيم ﴾19.

  1. القرآن الكريم، «سورة يوسف،» الآية.93
  2. المصدر نفسه، «سورة يوسف،» الآية.4
  3. المصدر نفسه، «سورة يوسف،» الآية.100

وواضح في هذا الثالوث الجديد أن النزاع أو الصراع واقع بين يوسف وإخوته، لا بينه وبين أبويه، فلا بد أن نلاحظ أن محكي يوسف يبدأ بحادث عنيف، ولم يكن مصدر هذا العنف إلّ الإخوة: هؤلاء الذين انتبهوا في البداية إلى أن أباهم يميل إلى يوسف أكثر مما يميل إليهم: ﴿ إذ قَالُواْ لَيُوسفُ وأَخُوهُ أحَبُّ إلَِ أَبِينَا مِنَّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُّبيِنٍ﴾20، ثم اتفقوا لاحقًا على التخلص من هذا الأخ، هذا الطفل المحبوب المنافس، وذلك بإبعاده أو قتله من أجل أن يستردوا مكانتهم عند أبيهم: ﴿ اقْتلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وتَكُونُواْ مِن بَعْدهِ قَوْمًا صَاليِنَ﴾21. وهكذا، فمن خلال تحليل هذه القصة الدينية، يمكن أن نخلص إلى أن العنف مصدره ليس شيئًا آخر غير الإخوة: هؤلاء الذين يرغبون في الشيء نفسه، ويتصارعون من أجله، وقد يمارسون القتل أو الإبعاد بعضهم ضد بعض. وهنا لا بد أن نتساءل: ما هو هذا الشيء الذي يتصارع حوله أبناء يعقوب؟ ما هو هذا الشيء الذي يشكّل موضوع حبهم جميعًا ويتصارع كل واحد منهم من أجل الفوز به، ولو اقتضى الأمر تخلص بعضهم من بعض؟ لا بد أن ننتبه إلى أن موضوع الحب في قصة يوسف ليس هو الأم، بل الأب، رب العائلة؛ فقد لاحظ الإخوة في البداية أن يوسف وأخاه أحب إلى أبيهم منهم، ثم قرروا بعد ذلك أن يقتلوه أو يقوموا بإبعاده من أجل أن يخلو لهم وجه أبيهم، وأن ينفردوا بحبه بعيدًا عن هذا المنافس القوي، الطفل المحبوب، الذي أبوا إلّ أن يدفنوه، ولو رمزيًا، في غياهب جبّ بعيد. بعبارة أخرى، تعني الأخوة، على الأقل في هذه القصة الدينية، الرغبة في الشيء نفسه: تلك المكانة الخاصة عند الأب، فالإخوة الآخرون يريدون الشيء نفسه الذي يتمتع به يوسف: حبّ الأب، يريدون أن يقلدوه ويحاكوه وأن يصيروا مثله؛ وبهذا المعنى، فإن هذه الرغبة في الشيء نفسه هي محاكاة للآخر، من أجل أن يكون الإخوة مثل أخيهم تمامًا، فيحصلوا على هذا الانتماء إلى الأب، ويفوزوا هم من دونه هو بهذا الانتساب والانتماء إلى أصل أبوي، خاصة أن يوسف هو من امرأة أخرى، يشاركانه الأب لا الأم، ويرونه منافسًا مستحوذًا على أبيهم بالضبط. وبهذا الشكل، تكون الرغبة التي تميز عقدة الأخوة هي ما يسمّيه رونيه جيرار «الرغبة المحاكاتية » (Le désir mimétique (22، فهُم يحاكون يوسف ويقلدونه ويريدون أن يحلّوا محله، وبهذا المعنى، الرغبة المحاكاتية هذه هي مصدر العنف ومصدر الصراع في هذه القصة الدينية؛ فالأخ هو المنافس الذي لا بد من الاعتراف بأنه شبيه بالذات، لأنه هو القرين الذي يمكن من خلاله أن أتعرَّف إلى ذاتي، أي إنه هو ما يسمّيه رونيه جيرار «القرين النرجسي ») le double narcissique (، فهو مرآتي، وهو آخر غيري أنا في تعاطف معه، هو المثال أو النموذج المضطهد الذي أحس تجاهه بالغيرة، وهذه الغيرة قد تخفي عنفًا يكشف عن هذه الإرادة في أن يكون الأخ مثل أخيه بالضبط، أي أن تمتلك الأنا ما يمتلكه الآخر. بهذا المعنى، إن عقدة الأخوة هي مجموع منظم من التمثلات اللاواعية التي تتشكل انطلاقًا من علاقات تتأسس بين الأفراد والذوات، وفي داخل هذه العلاقات يحتل الفرد الواحد مكان الذات الراغبة؛ أي إن عقدة الأخوة هي تنظيم جوهري للرغبات العاطفية والنرجسية في علاقة بهذا الآخر التي تعترف الذات

  1. القرآن الكريم، «سورة يوسف،» الآية.8
  2. المصدر نفسه، «سورة يوسف،» الآية.9
  3. René Girard, Je vois Satan tomber comme l’éclair (Paris: B. Grasset, 1999).

بأنه أخ أو أخت، وهو تنظيم ينتمي إلى بنية العلاقات التي تجري بين الذوات، ويحكمها التمثل اللاواعي للمواقع التي تحتلها الذات والأخ والأخت بالنظر إلى موضوع الرغبة الذي يتحدد في الأب، كما لاحظنا في القصص الديني. والسؤال الأساسي الذي تطرحه قصة يوسف هو: أمن الممكن أن تتحول هذه الرغبة المحاكاتية التي تميز عقدة الأخوة إلى مصدر الحب والخير والحياة بدل أن تكون مصدر الشر والعنف والموت؟ لا بد أن نلتفت إلى أن مشهد الأخوة يتقدم في محكي يوسف من خلال صورتين متناقضتين: في الصورة الأولى، تتقدم الأخوة بغرابة مقلقة، إذا استعملنا مصطلح فرويد، فالأخوة صراع يكاد يتحول قتلً وموتًا، والتعايش أو التعاون أو التضامن بين الأنا والآخر غير ممكن، والآخر يُعاش كقرين قاس وظالم ومضطهد. لكن سورة يوسف أبت إلّ أن تنتهي بصورة مناقضة، فالأخوة في النهاية تحولت إلى أخوة عجيبة تشكّل كلًّ واحدًا وقويًا وقادرًا على مواجهة المحن والصعاب، وهي بهذا المعنى مرآة يصعب فيها التمييز بين الأنا والآخر، لما بينهما من التماسك والتضامن والمحبة، ولنا في علاقة يوسف بأخيه الصغير الحجة والبرهان على هذا المعنى الآخر للأخوة. ليس اعتباطًا أن تنتهي سورة يوسف في القرآن بقوله تعالى: ﴿لقَدْ كَانَ فِ قصَصهِمْ عِبَْةٌ لِّولِ الأُلْبَابَِ﴾، فالدرس الذي يمكن استخلاصه من محكي يوسف أهم وأخطر من الدرس الذي يمكن استخراجه من أسطورة أوديب؛ ذلك لأننا في مسألة الأخوة أمام عقدة أخطر وأهم في تكوين الذات الإنسانية وبنائها النفسي والاجتماعي، فعقدة الأخوة تسمح لنا بأن نتجاوز التصور الفرويدي الذي يركز على النمو النفسي - الجنسي القائم على دينامية نفسية داخلية إلى تصور نفسي يحاول أن يؤسس تحليلً نفسيًا قادرًا على وصف هذا الفضاء العلائقي التفاعلي بين الذوات في فضائها العائلي الاجتماعي المشترك: أولً، لأن وظيفة الأخوة أخطر من وظيفة الأم أو وظيفة الأب، فإذا كانت وظيفة الأمومة هي الرعاية، وخاصة في مراحل النمو الأولى، وإذا كانت وظيفة الأبوة هي فصلك عن الأم والدفع بك إلى العالم، فإن وظيفة الأخوة هي أن تتعلم التواصل مع الآخرين، وبناء روابط عائلية واجتماعية، ومعالجة العناصر السلبية المدمرة (المنافسة، الغيرة، الكراهية، العنف...)، أي أن تتعلم تدبير العلاقة بين الذات والغير، داخل نسق من الروابط الاجتماعية والثقافية والرمزية، لما فيه خير الجماعة وصلاحها. ثانيًا، يبدو واضحًا أن في الأخوة تستقر تجارب التواصل مع الآخر، ويجري اختبار القبول بالآخر، وامتحان الأنا في قدرتها على قبول التقاسم والتبادل والتضامن والتعاون بعيدًا عن الغيرة والحسد والكراهية. والأخطر من ذلك أن بروابط الأخوة تتأسس الروابط الاجتماعية وتنتظم، فالجماعة الإنسانية ليست ممكنة إلّ بتجاوز أنانيتنا وغيرتنا إلى التماهي مع الآخر، ذلك الأخ الشبيه، وباعتبار أن القوة لا يمكن أن تتحقق إلّ في وجودنا بطريقة جماعية، يطبعها التواصل والتماسك والتعاون، وتحتفي بقيم الحب والخير والحياة. مع ذلك كله، يبدو أن مفهوم «عقدة الأخوة» مفهوم مستبعد أو ثانوي في الفكر النفساني، فهو غير مذكور في المؤلفات الأساسية الموضوعة من أجل تحديد مفاهيم التحليل النفسي، فلا نجده في معجم التحليل

النفسي (1967) لصاحبيه لابلانش وبونتاليس23، ولا نجده في موسوعة التحليل النفسيالتي صدرت سنة 1993 تحت إشراف كوفمان24، ولا نجده في المعجم العالمي للتحليل النفسيالذي صدر سنة 2002 تحت إشراف دوميخولا؛ ولا نجد هذا المفهوم مذكورًا إلّ في مقال تحت عنوان: «العقدة العائلية» لصاحبه ج. ب. كايو المنشور في: معجم التحليل النفسي الجماعي والعائلي)1998(. والمؤلَّف النفساني الوحيد الذي نجده مكرَّسًا بالكامل لهذه العقدة - وقد أفادنا كثيرًا في هذه المحاولة - هو هذا الذي صدر في بداية الألفية الجديدة تحت عنوان يشير صراحة إلى هذا المركَّب العُقدي: العقدة الأخوية (2008) لمؤلِّفه روني كايس. إلى هذا الحد، ألا يحق لنا أن نتساءل: أليست عقدة الأخوة هي عقدتنا الأصل التي لم يولها التحليل النفسي بعدُ ما تستحق من العناية والدرس؟ أليست الكراهية والعداء والرغبة في قتل الأخ عناصر كانت لها دومًا الأولوية والأسبقية؟ أليست هي عقدتنا الأصل منذ البدايات الأولى للعلاقة بين الإنسان وأخيه: قابيل وهابيل؟ أليست هي عقدتنا الأصل في ذلك الماضي البعيد مع يوسف وإخوته، وفي الماضي القريب مع النبي اليتيم محمد (ﷺ) الذي اشتد عليه ظلم أهله وأقاربه فنزلت عليه هذه السورة القرآنية بالذات؟ أليست هي العقدة المركزية في الكثير من الأعمال الأدبية، الروائية بالأخص، في العصر الحديث؟ أليست هي عقدتنا الكبرى اليوم، في العصر الراهن، مع عالم يتقاتل فيه المسلم مع أخيه المسلم، ويحارب الإنسان أخاه الإنسان، بالكثير من العنف والقتل والكراهية؟

  1. Jean-Bertrand Pontalis et Jean Laplanche, Vocabulaire de la psychanalyse , sous la direction du Daniel Lagache (Paris: Presses universitaires de France, 1967).
  2. Pierre Kaufmann, dir., L’Apport freudien: Eléments pour une encyclopédie de la psychanalyse (Paris: Bordas, 1993).
  3. Jean-Pierre Caillot, Simone Decobert et Claude Pigott, dirs., Vocabulaire de psychanalyse groupale et familiale, Tome 1 , avec la participation de Didier Anzieu [et al.] (Paris: Editions du Collège de psychanalyse groupale et familiale,
  4. Girard, Je vois Satan tomber comme l’éclair , et René Kaës, Le Complexe fraternel , psychismes (Paris: Dunod, 2008)

نلاعإ نيمأت ءاجرلا اثيدح ردص