مفهوم الحرية في الفكر الإسلامي المعاصر
The Concept of Freedom in Contemporary Islamic Thought
الملخّص
تختلف معاني الحرية بحسب المغزى أو الدافع من استعمالها، وبحسب السياق؛ فهي أكثر الكلمات استعمالً في القاموس السياسي. على المستوى اللغوي، الحرية في لسان العرب لابن منظور هي نقيض العبودية، فالحُر نقيض العبد، والجمع أحرار وحرار. والحُرة نقيض الأمَة، والجمع حرائر. وفي الحديث «من فعل كذا وكذا فله عدل محرر، أي أجر معتق ،المحرر الذي جعل من العبيد حرًا فأعتقه ». كما تُستعمل كلمة الحرية للتمييز بين من كان حرًا من الولادة ومن كان عبدًا ثم أُعتق.
Abstract
Al- Masawi provides a critical reading of the concept of freedom in contemporary Islamic thought and provides a close reading of the contemporary output of Islamic political thought and the most important writing done on the concept of freedom. The paper is premised on the notion that religious texts in Islam incorporate many principles and ideas that essentially converge with the concept of freedom. This is what prompted a number of Islamic scholars (ulama’) and leaders of Islamic political movements to draft the “Universal Declaration of Human Rights in Islam”, as declared by the World Islamic Council in Paris, on September 19, 1981 – a declaration which summarized much of the literature attempting to formulate the idea of human rights in the Islamic system. The religious texts of the Quran and the Sunnah enabled these thinkers to find Islamic roots for many of the rights and freedoms universally recognized in the Universal Declaration, but a problem remained: how could one determine when or if the bounds of acceptable ijtihad – juristic interpretation – had been exceeded? This paper offers an in-depth discussion on the natural concept of freedom and the ways in which contemporary Islamic thought has debated it, taking various stands regarding civil and political rights, in the framework of the political community.
- القاموس السياسي
- الفكر الإسلامي
- الأمة
- the concept of freedom
- contemporary Islamic
- thought
تختلف معاني الحرية بحسب المغزى أو الدافع من استعمالها، وبحسب السياق؛ فهي أكثر الكلمات استعمالً في القاموس السياسي. على المستوى اللغوي، الحرية في لسان العرب لابن منظور هي نقيض العبودية، فالحُر نقيض العبد، والجمع أحرار وحرار. والحُرة نقيض الأمَة، والجمع حرائر. وفي الحديث «من فعل كذا وكذا فله عدل محرر، أي أجر معتق، المحرر الذي جعل من العبيد حرًا فأعتقه». كما تُستعمل كلمة الحرية للتمييز بين من كان حرًا من الولادة ومن كان عبدًا ثم أُعتق.
وقف المفكر المغربي عبد الله العروي على أربعة معان للحرية في القاموس اللغوي: - معنى خلُقي، وهو الذي كان معروفًا في الجاهلية وحافظ عليه الأدب. في اللسان: الحُرة تعني الكريمة، يقال ناقة حُرة أي جيدة وحسنة، ويقال ما هذا منك بحُر، أي بحسن. - معنى قانوني، وهو المستعمل في القرآن مثلً ﴿ تحرير رقبة مؤمنة ﴾ و﴿ نذرت لك ما في بطني محررًا ﴾2. وهنا الحرية نقيض للعبودية كما قلنا سابقًا. - معنى اجتماعي، وهو استعمال بعض متأخري المؤرخين: الحُر هو المعفى من الضريبة، وهذا يذكّرنا بظاهرة السيبة التي عرفها المغرب في فترات متعددة، حيث إن قبائل كثيرة كانت خارج نفوذ المخزن، وترفض منح الضرائب للسلطة المركزية. - معنى صوفي نقرأه في تعريفات الجرجاني: «الحرية في اصطلاح أهل الحقيقة الخروج عن رق الكائنات وقطع جميع العلائق والأغيار وهي على مراتب»3. والمتصوف هنا يعيش الحرية كانعزال عن الآخرين واتصال بالله.
لذلك، لا يمكن تعريف الحرية لغويًا بشكل صارم، لأن المفهوم في تبدّل من مجتمع إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى؛ فالحرية في نهاية المطاف تجربة، هدف، وليست مفهومًا مجردًا، كل واحد ينعتها بطريقته الخاصة. كل منا يعادل الحرية بمجموعة الحقوق المخولة له، ويفهم من التحرر انخفاض عدد الممنوعات وارتفاع عدد المساحات: الحرية إذًا شعار وتجربة4. وغالبًا ما يُطالَب بالحرية لتحقيق هدف معيّ: الازدهار والتقدم، وهذا ما يؤكد محدودية التعريف اللغوي، لأنه يعكس فقط ما هو موجود في الذهن وقد لا يعكس المفهوم الليبرالي أو الأوروبي. من هنا، لا بد للإحاطة بالمفهوم من الانتقال إلى الثقافة للبحث عن شيء يدل على المفهوم5، وهذا ما سنقوم به في هذه الدراسة من خلال مناقشة مفهوم الحرية في الخطاب الإسلامي المعاصر. في العالم الإسلامي، احتل مفهوم الحرية مكانة مركزية في النقاش الفكري والسياسي والأيديولوجي. وعلى مستوى النصوص الدينية، أولت الشريعة الإسلامية أهمية خاصة للإنسان دون غيره من سائر الكائنات. بعبارة أخرى، جعل الترتيب الإسلامي لعناصر الكون من الإنسان محور الوجود، وجعل بقية الكائنات في مرتبة أدنى منه، بل جعلها في خدمته وتحت سيادته. فهناك مبادئ في الشريعة الإسلامية تتوافق مع مفهوم الحرية ذات الجذور الغربية، ولكن هذه المبادئ العامة غالبًا ما تخضع للتأويل من طرف اتجاهات فكرية متعددة، فمن جهة، ثمة تيار يرفض مفهوم الحرية رفضًا مطلقًا لأنه مفهوم غربي؛ فالمؤرخ المغربي أحمد الناصري يقول في الحرية الأوروبية: «واعلم أن هذه الحرية التي أحدثها الفرنج في هذه السنين، هي من وضع الزنادقة قطعًا، لأنها تستلزم إسقاط حقوق الله وحقوق الوالدين وحقوق الإنسانية رأسًا.. واعلم أن الحرية الشرعية هي التي ذكرها الله في كتابه، وبيّنها رسول الله لأمّته، وحررها الفقهاء في باب الحجر من كتبهم»6. الحرية الغربية إذًا هي في تناقض صارخ مع الحرية في إطار الشرع. من جهة أخرى، هناك تيار ثان يجد في التراث الإسلامي دلالات مفهوم الحرية. يقول الطهطاوي: «الحرية من حيث هي رخصة العمل المباح من دون مانع غير مباح ولا معارض محظور. وتنقسم إلى خمسة: حرية طبيعية وحرية سلوكية وحرية دينية وحرية سياسية». ويقول في موضع آخر: «الحرية الطبيعية هي التي خُلقت مع الإنسان وانطبع عليها، فلا طاقة لقوة البشرية على دفعها، بدون أن يُعدَّ دافعها ظالمًا»7، وهو تأويل يقترب كثيرًا من نظرية القانون الطبيعي التي أسست لمفهوم الحرية. الملاحظ أنه غالبًا ما يُطرح موضوع الحرية في الإسلام من زاوية اتهامية، بحجة أن الإسلام لا يعترف بحرية الإنسان. وقد ساهم في خلق هذا التصور جانب من الفكر السياسي الإسلامي الذي يرفض أي علاقة بين حقوق الإنسان والإسلام، باعتبار أن المفهوم غربي النشأة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى ساهم فيه جانب من الفكر الغربي الذي أسسه عدد كبير من المستشرقين، من أجل الهجوم على الإسلام كدين وثقافة وحضارة. وكلا الجانبين ساهم في رفع جدار سميك بين الحرية والإسلام كدين وفكر وخطاب. هذا الواقع أدى إلى ردات فعل متباينة من جانب المسلمين، يمكن إجمالها في اثنتين أساسيتين:
- الدفاع العاطفي عن الإسلام من دون أي جهد فكري تأصيلي يُذكر، وحتى من دون مناقشة علمية للأمور القابلة للالتباس أو لسوء الفهم. محاولة ربط هذا الطرح بما يُعتقد أنه حملة مبرمجة على الإسلام بصفته العدو الجديد الذي يستهدفه الغرب بعد الشيوعية. وفي الحالتين يوضع الإسلام في موضع الدفاع عن النفس، وهو موقف ضعيف من حيث الأساس. من هنا تحتل هذه الدراسة أهميتها باعتبارها تروم دراسة موقف الفكر الإسلامي المعاصر من مفهوم الحرية. ننطلق في دراستنا من مفهوم الحرية كما أسسته الفلسفة الحديثة في أوروبا، في إطار التطورات السياسية والفكرية والفلسفية التي عرفتها أوروبا منذ عصر النهضة وفلسفة الأنوار، وفي إطار الصراع السياسي الذي كان قائمً بين الكنيسة الكاثوليكية التقليدية، التي تدعم حكم الملَكيات المطلقة بدعم من النبلاء وحركة الإصلاح البروتستانتية وأيضًا من الطبقات البرجوازية الصاعدة التي كانت ترفع شعار الحرية لمواجهة السلطة الكنسية المطلقة، التي كانت سائدة منذ العصور الوسطى. ركزت الفلسفة السياسية الحديثة كثيرًا على الذات الفردية التي تتمتع بنوع من الاستقلالية وبالقدرة على التصرف بشكل حُر؛ فالإنسان عند ديكارت هو كائن الاختيار الحُر، وهو عند كانط مملكة الحرية. كما أن هيغل يعتبر أن حرية التفكير والقرار هي السمة الأساسية المميزة للإنسان في العصور الحديثة، وأن الحق في الحرية الذاتية يشكل النقطة الحاسمة والمركزية التي تجسد اختلاف الأزمنة الحديثة عن العصور القديمة. كما اعتبر روسو الحرية صفة أساسية للإنسان وحقًا غير قابل للسلب وغير قابل للتصرف8. وفي السياق نفسه يقول توكفيل: «إن معنى الحرية الصحيح هو أن كل إنسان نفترض فيه أنه خُلق عاقلً يستطيع حسْن التصرف، يملك حقًا لا يقبل التفويت في أن يعيش مستقلً عن الآخرين، وفي كل ما يتعلق بذاته، وأن ينظم كما يشاء حياته الشخصية»9. لقد انطلقت الفلسفة السياسية الحديثة من نظرية القانون الطبيعي لتؤسس مفهوم الحرية؛ فالإنسان حُر بالطبيعة، ولد وهو يملك هذه الحرية، وهي تتوافق مع الطبيعية الإنسانية. وقد استطاع الإنسان الحفاظ على حريته بوضع مجموعة من القواعد الطبيعية التي تحمي حريته. لذلك، من واجب الدولة، وهي تضع القانون الوضعي المنظم للحياة الاجتماعية، عدم انتهاك الحرية الطبيعية التي سبقت وجود الدولة والجماعة السياسية. لذلك، جرى في الحالة الجديدة الاهتمام كثيرًا بالحريات المدنية والسياسية كحريات تخص الذات الفردية، ويجب أن تحميها ممارسات السلطة السياسية. لذلك، اهتمت الإعلانات الأولى للحقوق، وكذا المواثيق الدولية بعد ذلك، بحماية الفرد حماية قانونية عن طريق وضع حدود على تصرفات الحكام وممارساتهم. هناك إذًا أساس نظري فلسفي يؤسس للحرية الطبيعية، وهناك حراك سياسي واجتماعي من أجل حماية ذات الإنسان وحياته في الحالة الاجتماعية الجديدة. بناء عليه، نطرح الإشكالية التالية: ما موقف الفكر السياسي الإسلامي المعاصر من مفهوم الحرية الطبيعية، ومن نظرية القانون الطبيعي التي هي الأساس
الفلسفي للحرية في سياقها الغربي؟ ثم كيف تناول هذا الفكر مفهوم الحريات المدنية والسياسية التي تهتم بالذات الفردية وحمايتها من الآخرين في إطار الجماعة السياسية؟ وكيف تناول هذا الفكر العلاقة الجدلية بين الحرية والشرع؟ سنعتمد في هذه الدراسة على منهجية تعتمد على قراءة الفكر السياسي المعاصر قراءة نقدية، محاولين البحث عن مدى قدرته على تقديم الأجوبة عن الكثير من الأسئلة، والاعتراضات التي تواجه مفهوم الحرية في التراث الإسلامي. ونحن هنا لن نلبس جلباب الفقيه أو المفكر أو الداعية الإسلامي من أجل الدفاع عن الإسلام، لكننا سنكتفي بقراءة ما أنتجه الفكر السياسي الإسلامي، معتمدين على الفترة المعاصرة من هذا الفكر، وبالأخص أهم الكتابات التي تناولت مفهوم الحرية. سنجيب عن هذه الإشكالية والتساؤلات المتفرعة عنها، معتمدين على فرضية محورية تتمثّل في أن النصوص الدينية في الإسلام، تتضمن كثيرًا من المبادئ والأفكار التي تتلاقى من حيث الجوهر مع مفهوم الحرية - كما حددناه سالفًا، وهذا ما سمح لعدد من علماء الإسلام وقياديي الحركات الإسلامية بصوغ البيان العالمي لحقوق الإنسان في الإسلام، في إطار المجلس الإسلامي العالمي، وهو البيان الذي صدر من باريس بتاريخ 19 أيلول/ سبتمبر 1981، مختزلًالكثير من الكتابات التي حاولت أن تؤصّل لفكرة حقوق الإنسان في المنظومة الإسلامية10. يؤكد هذا أن النصوص الدينية من قرآن وسنّة، مكنت هؤلاء المفكرين من التأصيل لعدد كبير من الحقوق والحريات المتعارف عليها عالميًا في الإعلان العالمي والمواثيق الدولية. لكن يبقى المشكل مشكل اجتهاد في هذه النص، مع ضرورة التمييز في هذا السياق بين الخطاب الديني والنص الديني؛ فالنص هو كل ما ثبت وروده عن الله () وعن رسوله محمد (ﷺ)، وهو فوق المحاسبة والاتهام. أما الخطاب الديني، فهو ما يستنبطه ويفهمه الفقيه والعالم من النص الديني أو من مصادر الاجتهاد، ويتمثّل في فتاوى الفقهاء وكتابات العلماء وأحاديث الخطباء ومواقف القيادات الدينية11، وهنا لا قداسة ولا عصمة، فالمجتهد قد يصيب وقد يخطئ.
سننطلق في دراستنا من مفهوم الحرية الطبيعي وكيف ناقشه الفكر الإسلامي المعاصر، قبل الانتقال إلى دراسة موقف هذا الفكر من الحريات المدنية والسياسية في إطار الجماعة السياسية، وذلك في نقطتين: الأولىهي الفكر الإسلامي المعاصر بين الحرية الطبيعية والحرية في إطار الشرع، والأخرىهي الفكر الإسلامي المعاصر والحريات المدنية والسياسية.
الفكر الإسلامي المعاصر بين الحرية الطبيعية والحرية في إطار الشرع
قبل دراسة الفكر السياسي المعاصر وكيف ناقش مفهوم الحرية الطبيعية، لا بد أولً من تحديد مفهوم الحرية في إطار القانون الطبيعي.
الفقرة الأولى: نظرية القانون الطبيعي والتأسيس لمفهوم الحرية الطبيعية
يمكن تعريف القانون الطبيعي بكونه مجموعة من المبادئ التي تنظم الشروط الأساسية لمجتمع ما، لأنها تلائم طبيعة أي إنسان12، ومرتبطة بالطبيعة الإنسانية؛ فبما أن الإنسان يتصرف بحرية وذكاء، وأن له أهدافًا معيّنة يريد الوصول إليها بناء على طبيعته، وبما أن الإنسان الاجتماعي لا يمكن أن يزدهر إلا داخل المجتمع، المكان الطبيعي لوجوده، وفي إطار العلاقات التي يربطها بالآخرين، فإن هناك قوانين تأسست على متطلبات الطبيعة الإنسانية13، هذه القوانين هي القانون الطبيعي. عرّف كروتيس القانون الطبيعي بأنه «مبادئ القانون العقلية التي تساعدنا على معرفة ما إذا كان فعل ما صحيحًا أخلاقيًا أم لا، بحسب مدى موافقته أو تناقضه مع الطبيعة الإنسانية»14. إنها مجموعة القوانين الطبيعية الأخلاقية المنشئة لمعايير الاستقامة الأخلاقية، كحقوق وواجبات، والتزامات ومحظورات. على الدولة إذًا، وهي تسن قوانين وضعية داخل المجتمع من أجل تحقيق السعادة الإنسانية، عدم انتهاك هذه القوانين الطبيعية. وقد برزت فكرة القانون الطبيعي في الفلسفة السياسية منذ القِدم، فاستند إليها كثير من المفكرين السياسيين، كالسفسطائيين وأفلاطون وأرسطو وغيرهم. أما نحن، فسنعتمد على البناء الذي قامت به المدرسة الرواقية للقانون الطبيعي وقام به أيضًا فلاسفة الأنوار، باعتبار أن هذه الاتجاهات الفكرية هي التي ساعدت على تأسيس مفهوم الحرية الطبيعي. كان للمدرسة الرواقية دور كبير في بلورة مفهوم القانون الطبيعي؛ فحسب هذه المدرسة، لا يمكن أن تكون القوانين الوضعية عادلة، لأنها تتنافى والقانون الطبيعي. وكان الرقيق في المجتمع اليوناني من ضحايا هذه القوانين الوضعية، فهاجمتها هذه المدرسة التي وضعت ما يسمّى النظرية الرواقية في القانون الطبيعي لمواجهة القوانين اليونانية المجحفة في حق العبيد.
وكان القديس توما الأكويني هو الذي طور أفكار هذه المدرسة، وافترض أن الحرية حق ثابت يتمتع به الإنسان، وتُعتبر من خصوصيات المجتمعات البشرية المنظمة. ورأى أن قانون الشعوب، أي القانون الطبيعي، يوجد في مرتبة أعلى من سلطة الدولة. وهو الذي جعل نظرية القانون الطبيعي تدعم مبدأ حقوق الإنسان بأن كل شخص كائن بذاته يتمتع بالحقوق الطبيعية، بصرف النظر عن عضويته في دولة معيّنة. كما كانت هذه المدرسة سبّاقة إلى تأكيد أن مساواة الناس في الحرية وتمتعهم بالعقل هي ما سيضمن لهم ملامسة الفضيلة والأخلاق، على الرغم من اختلاف درجاتهم من المعرفة والقدرة الشخصية. وشددت على أن السلطة السياسية يجب أن تمارس من طرف الإنسان الذي يتمتع بالحرية الفردية15. بحلول عصر النهضة، مُنح مفهوم القانون الطبيعي تفسيرًا عقلانيًا؛ فخلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، طورت مجموعة من المفكرين نظرية القانون الطبيعي بغية التأسيس لمفهوم الحرية، فاهتم كروتيس بمفهوم العدالة والقانون الدولي، وفي نظريته «الحرب العادلة» منح الشعب الحق في الثورة على الحاكم إذا كان ظالمًا، وأكد أن القانون الوضعي يخضع للقانون الطبيعي16. كما أن هوبز رأى أن الحق الطبيعي الوحيد هو الحرية الممنوحة لكل إنسان كي يستخدم قواه الخاصة للمحافظة على طبيعته الخاصة، أعني المحافظة على حياته الخاصة، وبالتالي حريته في أن يفعل أي شيء يكون في تقديره، وأن يتصور عقله أنه أنسب الوسائل لتحقيق هذه الغاية، وهي الحفاظ على الحق في الحياة. لذلك وصف هذه الحالة بحالة الحرب لأن للجميع هدفًا واحدًا هو حماية الحق في البقاء، الأمر الذي يخلق الصراع الدائم بين البشر17. يقول هوبز: «لكل إنسان بطبعه الحق في كل شيء، أي في استطاعته أن يعمل ما يريد، وأن يمتلك كل ما شاء، وما أمكنه أن يملكه فيستعمله ويستمتع به»18. في مقابل هذا التصور، هناك رؤية أخرى لجون لوك الذي يرى أن الحالة الطبيعية كانت حالة حرية، وأن هناك مجموعة من الأعراف والعهود والقواعد الطبيعية، التي تضمن للأفراد التمتع بهذه الحرية والحيلولة دون حالة الحرب التي تحدث عنها هوبز. وبالتالي، ثمة في الحالة الطبيعية حرية لصيقة بالإنسان وبطبيعته. وأضاف جون لوك أن كل شخص فرد في حالة الطبيعة، يمتلك حقوقًا طبيعية معيّنة قبل وجود أي مجتمعات منظَّمة، وقد ولد الناس في حالة من الحرية والمساواة الكاملة، فلا امتياز لأحد على آخر، وكان هدفهم حين كوّنوا تجمعات هو الحفاظ على حقوقهم الطبيعية التي لم يتنازلوا عنها19. وجوهر فكرة جون
لوك أن الرجال يكونون طبيعيًا في حالة حرية كاملة، وأن لكل شخص حقوقًا طبيعية في الحرية والمساواة، وأن لحالة الطبيعة هاته قانون الطبيعة الذي يحكمه ويُلزمه، ونظرًا إلى كون الجميع متساوين ومستقلين، فينبغي لأي فرد ألّ يؤذي فردًا آخر في حياته وصحته وحريته وممتلكاته. على العموم، جوهر نظرية القانون الطبيعي هو أن الحرية شيء لازم للإنسان العاقل، ومن دونها يفقد الإنسان إنسانيته. يقول جان جاك روسو في الحرية: «إن ماهية العقل أن يكون حرًا، ولو أراد أن يخضع لسلطة الغير لما تسنّى له ذلك»20. إذًا لا يمكن الإنسان، ولو أراد، أن يتنازل عن حريته لأنها لصيقة بالطبيعة الإنسانية. إذًا، في هذه الفترة ما عاد القانون الطبيعي قانونًا أبديًا إلهيًا، ويجب عدم البحث عنه في العناية الإلهية، بل إنه قانون يستطيع الإنسان معرفته بعقله، كقواعد طبيعية تحقق حاجات الإنسان الطبيعية21. وكان لفلاسفة الأنوار دور كبير في منح مفهوم القانون الطبيعي هذا المنحى العقلاني، فهُم أسبغوا على حماية الفرد بعدًا علمانيًا فلسفيًا وليس دينيًا، وطوروا مفهوم القانون الطبيعي فآمنوا بأن العقلانية الأساسية في قوانين الطبيعة يمكن تطبيقها على الأوجه المختلفة لحالة الإنسان22. فمع انتقال الإنسان من وضعيته كعضو في المجتمع الإنساني، حيث القانون الأبدي الذي ينظّمه، إلى عضو في دولة الأمّة، مالكٍ للحقوق يحقق نوعًا من الاستقلالية، أصبح القانون الطبيعي مجموعة من القواعد التي يكتشفها الإنسان بعقله والتي تعترف للإنسان بمجموعة من الحقوق، التي يجب أن يعترف بها القانون الوضعي ويضمنها لأنها تتوافق والطبيعة الإنسانية. تبعًا لذلك، استطاعت نظرية القانون الطبيعي في العهد الحديث تبرير مطالب الناس بالحرية، وهي تنطلق من فرضية الإنسان العاقل القادر على القيام بما يريد وفق الطبيعة الإنسانية. وجِّهت إلى نظرية القانون الطبيعي انتقادات كثيرة، من أهمها أنها لا تأخذ بعين الاعتبار الثقافات ودورها في وضع المعايير الطبيعية والأخلاقية، وتهتم أكثر بالتكوين الطبيعي والفيزيائي للإنسان المجرد، لذلك دعا ليوستروس إلى إعادة إدماج الثقافة في الطبيعة، وإعادة الحياة - منحها الحياة والحركية، أي الثقافة- إلى الشروط الفيزيائية والطبيعية للإنسان23. كما هاجم بيرك خاصية التجريد التي تعتمد النظرية عليها، باعتبار أنها تلغي كل ما راكمه الإنسان من تجارب. إنها، بحسب بيرك، نظرية لاتاريخية24، وهي نظرية سياسية أيديولوجية أكثر مما هي فلسفية حقوقية25. وإذا كانت نظرية القانون الطبيعي هي الأساس الفكري والفلسفي لمفهوم الحرية بمعناه الغربي، فما موقف الفكر الإسلامي المعاصر من هذه النظرية ومن مفهوم الحرية الطبيعية؟
الفقرة الثانية: موقف الفكر الإسلامي المعاصر من الحرية الطبيعية
هناك مفهوم إسلامي قريب من مفهوم الحرية الطبيعية، نجده عند لطفي السيد الذي يقول: «خُلقت نفوسنا حرة، طبعها الله على الحرية، فحريتنا هي نحن: هي ذاتنا هي معنى أن الإنسان إنسان، وما حريتنا إلا وجودنا وما وجودنا إلا الحرية»26؛ فالحرية هنا ترتبط بالطبيعة الإنسانية. وفي السياق نفسه يقول رفعت الطهطاوي: «الحرية من حيث هي رخصة العمل المباح من دون مانع غير مباح ولا معارض محظور. وتنقسم إلى [حريات] خمسة: حرية طبيعية وحرية سلوكية وحرية دينية وحرية سياسية». ويقول في موضع آخر: «الحرية الطبيعية هي التي خُلقت مع الإنسان وانطبع عليها، فلا طاقة لقوة البشرية على دفعها بدون أن يُعَدّ دافعها ظالمًا»27. فالعدالة تتحقق باحترام حرية الإنسان الطبيعية، وهو تأويل يتناغم مع فلسفة القانون الطبيعي كما رأينا. نجد عند طه عبد الرحمن ما يمكن أن نسمّيه حرية طبيعية أصلية قبل الاستخلاف في الأرض؛ فهو يرى أن الله ابتلى الإنسان بالعرض الغيبي العظيم، إذ عرض عليه حمل الأمانة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ﴾28، فاختار الإنسان حمل الأمانة. إذا تأملنا هذا الحدث، سنجد أنه يتكون من عنصرين: الاختيار الأول وتحمّل الأمانة. إن تمتع الإنسان بحرية الاختيار منذ وجوده في العالم الغيبي يجعله يُرجع العمل التعبدي والعمل التدبيري29 في العالم المرئي إلى أصل واحد هو الائتمان الإلهي. إذًا، فاختيار الإنسان تحمُّل الأمانة كان اختيارًا حرًا، لذلك يجب أن تكون حرية الاختيار هي الأصل في العمل التعبدي للإنسان وهو يعبد ربه، وأيضًا في العمل التدبيري المتعلق بتدبير الشؤون الدنيوية، لكن مع اعتراض هو أن هذا العمل الذي يقوم به الإنسان في المجالين (الدين والسياسة) ائتمان إلهي. نتيجة لهذا الائتمان الإلهي، بقي الفكر الاسلامي وفيًا لقاعدة ربط المسؤولية بالحرية؛ فالإنسان ولد حرًا، لكن هناك إرادة إلهية موجِّهة لسلوكه منذ ولادته، وهي نقطة اختلاف بين نظرية القانون الطبيعي الحديثة والتصور الإسلامي. وقد عبّ الناصري عن هذا الربط بين المسؤولية والحرية، حينما رأى أن الحرية الغربية تُسقط حقوق الإنسان وحقوق الله، حيث يقول: «أما إسقاطها لحقوق الإنسانية، فإن الله تعالى لمّا خلق الإنسان كرّمه وشرّفه بالعقل الذي يعقله عن الوقوع في الرذائل، ويبعثه على الاتفاق بالفضائل، وبذلك تميز عما عداه من الحيوان»30. فالحرية في الفقه الإسلامي هي إذًا الاتفاق مع ما يوحي به الشرع والعقل؛ الحرية حكم شرعي لكنه في الوقت نفسه إثبات واقع هو مدى قدرة الفرد على تحقيق العقل في حياته، وهذا التطابق بين الشرع والعقل والحرية هو العدل الذي يقوم عليه الكون. والإشكال الذي يطرح هنا هو علاقة العقل بالنفس وعلاقة الإرادة الفردية بالإرادة الإلهية؟
إن أغلب المسلمين يحاول التوفيق بين الإرادتين، والنموذج هو الإمام الغزالي؛ ففي شأن علاقة العقل بالنفس يجيب الغزالي: «الذين يتبعون النفس دون نداء الدين، هم إما غافلون أو جاهلون أو ضالون... ليس الهدف محو الطبيعة رأسًا، وإنما الوصول إلى الوسط... بحيث يكون العقل هو الضابط»31. وفي شأن علاقة الحرية بإرادة الله، يقول الغزالي: «الاختيار أيضًا من خلق الله تعالى، والعبد مضطر في الاختيار الذي له، فإن الله إذا خلق اليد الصحيحة، وخلق الطعام اللذيذ والشهوة للطعام في المعدة، وخلق العلم في القلب بأن هذا الطعام يسكن الشهوة، وخلق الخواطر المتعارضة في أن هذا الطعام [....] فيه مضرة مع أنه يسكن الشهوة، وهل دون تناوله مانع يتعذر معه تناوله أم لا، ثم خلق العلم بأنه لا مانع، ثم عند هذه الأسباب تنجزم الإرادة الباعثة على التناول، فانجزام الإرادة بعد تردد الخواطر المتعارضة، وبعد وقوع الشهوة للطعام يسمّى اختيارًا، ولا بد من حصوله عند إتمام أسبابه»...32؛ فالاختيار إذًا يأتي وفق الإرادة الإلهية، لكن باستعمال العقل الإنساني. وهذا التصور شبيه بالربط الذي قام به توما الأكويني بين العقل الإنساني والعقل الإلهي في إطار المدرسة الرواقية33. إن الفرد يشعر عندما يشاور نفسه قبل الإقدام على عمل ما بأنه حر وشعوره صادق، غير أن نتيجة المشاورة، أكانت إقدامًا أم إحجامًا، لا يمكن أن تعارض مجال ما قدّر الخالق لسببين: أولً لأن الأشياء مرتبة ترتيبًا معلومًا لدى الخالق، وثانيًا لأن تلك الأشياء لا يتولد بعضها عن بعض بكيفية تلقائية، فالترتيب المحكم وعدم التولد يضمنان في آن معًا العلم والقدرة للخالق والشعور بالحرية للمخلوق34. بالتالي، هناك، بحسب الغزالي، قدر محتوم، لكن هناك في الوقت نفسه إرادة بشرية في التصرف في العقل، لكنه عقل موجَّه من طرف العقل الإلهي. في السياق ذاته تحدث المفكر المغربي علال الفاسي عن ضرورة الحرية، لكن في إطار الشرع، وليس بمعناها الطبيعي الغربي. يقول بشأن الحرية: «إنها جعل قانوني وليس حقًا طبيعيًا، فما كانت للإنسان ليصل إلى حريته لولا نزول الوحي... وأن الإنسان لم يُلق حرًا، وإنما ليكون حرًا»35. ويضيف: «... إن التفويت وقع على الإنسانية زمنًا طويلً.. فلمّ جاء الإسلام وضع هذه الأوزار وفك هذه الأغلال، وذلك عن طريق تفويت التفويت ونفي النفي إثبات.. عن طريق الإيمان بالله، أي عن طريق الإيمان بالحرية الحرة»36؛ إذًا هناك انتقال من حرية غريزية إلى شعور وجداني. ويقول في موضع آخر: «إن الحر ضد الزائف، أي الذي تتصور فيه الفطرة الإنسانية متغلبة على الطبيعة الحيوانية»..37. انطلاقًا من هذه النصوص، فإن الحرية عند علال الفاسي هي مكون دائم وقار للإنسان، إذا انتفت انتفت نزعة الإنسانية عن الإنسان، وعاد إلى
طبيعته الحيوانية. وبالتالي، يكتشف الإنسان فطرة الحرية بعد التخلص من الزيف وكسر الأصنام، وهو ما قام به الإسلام. أما الشيخ راشد الغنوشي، فإنه رفض المفهوم الطبيعي للحرية، كما تبلور في الغرب. وهو يرى أن تصور الإسلام للحرية لا ينطلق من أن طبيعة الإنسان تنبثق عنها بذاتها حقوق- كما ادعى الفكر الغربي- وتبين زيفه، يقول: «إنه خالق هذا الكون ومالكه، وهو أعلم بمخلوقاته، فهو المشرع الأعلى والآمر- وأن الإنسان خص من دون الكائنات بالاستخلاف، بما استحفظ عليه من أمانات العقل والإرادة والحرية والمسؤولية والمنهج الإلهي المنظم لحياته. فالحرية في التصور الإسلامي أمانة، أي مسؤولية ووعي بالحق، والتزام به، وفناء فيه. نعم إن الحرية بالمعنى التكويني هي إباحة واختيار أو هي فطرة، فقد اختصنا الله بخلقة تحمل القدرة على فعل الخير والشر.... الحرية أن نمارس مسؤوليتنا ممارسة إيجابية، أن نفعل الواجب طوعًا،.. بإتيان الأمر واجتناب النهي، فنستحق درجة الخلفاء وأولياء الله الصالحين... وإن جملة مواقف مفكري الإسلام حول الحرية تدور حول هذا المعنى»38. وبحسب الغنوشي أيضًا، فإن أصل الحقوق والحريات هو الذات الإلهية، ذلك أن مفكري الإسلام يرون أن الإيمان بالله هو أساس الحقوق والحريات ومعينها، في حين يؤكد الغربيون استناد هذه الحقوق إلى الطبيعة، ومن ثم لا عجب إن بدأت في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان ملامح العلمانية أو الدين البشري القائم على أولوية الإنسان في الوجود وقيامه بنفسه مصدرًا لكل حق وتشريع، في حين يؤكد التصور الإسلامي ارتباط كل قيمة واستنادها إلى المصدر الذي تستمد منه الموجودات وجودها والغاية منه ومنهاج سيرها.. ألا هو الله تبارك وتعالى... وأن الإنسان مستخلف، قد كرّمه خالقه بالعقل والإرادة والحرية، وإرسال الرسل لإعانته على استبانة طريق الحق والتدرج في طريق الكمال من خلال التزامه بالشريعة أو قانون الله.. تاركة له ضمن ذلك الإطار مجالات واسعة هي مناطق فارغة، مطلوب منه ممارسة خلافته من خلال ملئها، فيتحقق الجمع بين الحرية والالتزام والوحدة والتعدد39. كما يقول الغنوشي إن «[...] الإنسان ليس مالكًا للحقوق والحريات بل مالكها هو الله». ويضيف في هذا السياق: «إن الحقوق هنا تغدو واجبات مقدسة لا حق لعبد الله المستخلَف أن يفرّط أو يتهاون فيها. إنها ليست ملكًا له، بل الله -سبحانه- مالكها الواحد، والإنسان مستخلَف فيها، مطلوب منه التصرف في تلك الوظيفة وفقًا لإرادة المالك. فمحافظة الإنسان على حياته وتوفير مقومات بقائها وتطورها وسعادتها، ليست حقًا للإنسان يستطيع أن يفرّط فيها بالانتحار مثلً أو الإهمال أو التجويع أو الانتقام، بل ذلك واجب شرعي»...40. إنها بحسب الغنوشي حرية أصلية، لكن أصلها ليس الطبيعة بل الإرادة الإلهية. هذه المواقف تتّحد كلها إذًا حول رفض الحرية الغربية، لأنها حرية طبيعية حيوانية من دون قيود، والبديل هو الحرية في إطار الشرع، وهي تعني حرية اختيار الإنسان باستعمال عقله، لكن من غير الخروج عن الضوابط الشرعية، أي استعمال العقل الإنساني لكن مع الخضوع للعقل الإلهي، وهذا الخضوع ليس
عبودية لأحد، إنه خضوع لله عالم الغيب؛ خضوع يتناغم مع حرية الإنسان في التصرف التي هي الأصل منذ تحمّله الأمانة. وقد تناول المفكر المغربي عبد الله العروي هذه العلاقة التي يقوم بها الفكر الإسلامي بين الحرية والتعبد، حيث يرى أن المسلمين يعيشون التقوى ليس خضوعًا لأمر خارجي، بل استجابة لنداء موجّه إلى الجزء الأسمى في الإنسان، وهو العقل، لكي يتغلب على الجزء الأدنى، أي النفس؛ فالائتمار بالشرع هو في نظرهم تحرير العقل من قيود الجسم وارتقاء من طبيعة سفلى إلى طبيعة عليا، في حين يرى المستشرقون أن التعبد خضوع وليس حرية41. لكن على الرغم من هذا الفارق الشاسع بين مفهوم الحرية الطبيعية العقلانية كما تبلور في الفلسفة السياسية الحديثة، ومفهوم الحرية الأصلية في الفكر الإسلامي، يمكن الأخذ بعين الاعتبار السياق الذي ظهر فيه المفهوم الغربي، والذي يبرر إلى حد ما شعار العقلانية الذي رُفع هذه الفترة. فالرقي بالعقل الإنساني في فلسفة الأنوار في أوروبا، تم بعد عصر عانى فيه العقل الإنساني الانحطاط في إطار الفكر الكنسي الذي جعل مصدر كل تحليل وفهم هو العقل الكنسي، الذي لم يترك أي مجال لحرية العقل البشري. لذلك حينما أراد الإنسان أن يتحرر من القيود الكنسية، رفع شعار العقل، وبشكل متطرف في كثير من الحالات، كما هو الشأن في مجال الحرية، حيث أصبحت تعني سلطة الإنسان على عقله وفكره وجسده. وإذا كانت الحرية الطبيعية هي أصل الحريات المدنية والسياسية التي ركز عليها الخطاب السياسي والقانوني الغربي في القرن التاسع كثيرًا، مع الدساتير التي تلت الثورات في أوروبا، فما موقف الفكر السياسي الإسلامي المعاصر من هذه الحريات؟
الفكر الإسلامي المعاصر والحريات المدنية والسياسية
يُقصد بالحريات المدنية مجموعة من الحريات الفكرية والجسدية والنقابية...، التي تبنّتها الفلسفة الليبرالية، وهي حريات يجب على الدولة احترامها وعدم المس بها مهما تكن المبررات؛ فبما أن الإنسان حر بالطبيعة، فإن من حقه أن يتمتع بمجموعة من الحريات التي أصبحت تحد من سلطات الدولة، ما دامت هذه الحريات سابقة على وجود السلطة السياسية في إطار الجماعة السياسية. وهي بالتالي تمنح الفرد نوعًا من الحماية من سلطات الدولة. عبّ جون ستيوارت ميل عن هذا النوع من الحريات بقوله: «للفرد سلطان مطلق على نفسه وجسمه وفكره»42؛ إنها حريات تتطلب قدرة أي شخص في القيام بما يريد، وفق ما تمليه عليه رغبته وإرادته، من دون ضغط أو إكراه من شخص آخر، في إطار العلاقات الاجتماعية والسياسية. هذا المعنى عبّ عنه لالاند بقوله: «هي غياب أي إكراه اجتماعي يُفرض على الفرد». إنها «الحالة التي يكون عليها ذاك الذي يفعل ما يريد، وليس ما يريده شخص آخر غيره، إنها تعني غياب الإكراه الخارجي... إنها الوضعية التي يكون عليها كائن لا يخضع لإكراه، ويتصرف حسب ما تمليه عليه إرادته وطبيعته»43.
وللحريات المدنية هنا معنيان: الأولإيجابي، ويقصَد به أن لكل شخص الحق في أن يكون سيد نفسه، من دون أن يقرر أي شخص مكانه. والمعنى الثانيسلبي، ويعني أن هناك مجالً داخليًا يخص كل شخص، يتصرف فيه كيفما يشاء من دون تدخّل من الآخرين44. وقد ميز بنجمان كونستان بين حرية القدامى وحرية المحدثين، بين الحرية السياسية التي تعني الحق في المشاركة السياسية في إطار الديمقراطية اليونانية، والحريات المدنية التي تعني أن هناك مجالً خاصًا بمالك الحق يجب عدم المس به. ففي الحضارات القديمة، كلما كان الإنسان فاعلً في النظام السياسي كان أكثر حرية. وعلى العكس من ذلك، في الحضارات الحديثة هناك اهتمام خاص بالشؤون الخاصة (الحريات المدنية)، لذلك فُوّضت الشؤون السياسية إلى السياسيين المنتخبين من أجل التفرغ للشؤون الخاصة45. إذًا، في إطار المفهوم الكلاسيكي للديمقراطية، هناك مشاركة سياسية لجميع المواطنين، وهو ما يشعرهم بحرية أكثر، في حين أن في الديمقراطية التمثيلية الحديثة يجري تفويض الشؤون السياسية إلى النخبة، والاهتمام أكثر بالشؤون الخاصة، أي بالحريات الفردية. تضمّن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 مجموعة من الحريات التي تُدرج ضمن الحريات المدنية، وهي حريات تهم الإنسان كشخص طبيعي، كالحق في الحياة وفي الحرية، ومنع الرق والتعذيب (المواد 1 إلى 5)؛ الحق في الأمن (المادة 9) والمساواة في القانون، وحق اللجوء إلى المحاكم للدفاع عن الحقوق، وعدم رجعية القانون الجنائي وضمان حقوق الدفاع (المواد 8 إلى 11)؛ حماية الحياة الخاصة (المادة 12)؛ حرية التنقل داخل الوطن وخارجه (المادتان 13 و 14)؛ الحق في الجنسية (المادة 15)؛ الحق في الزواج (المادة 16)؛ ضمان الحق في التملك (المادة.)17 كما تضمّن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 مجموعة من الحريات التي تصنَّف ضمن الحريات المدنية، وهي: - المساواة بين الرجل والمرأة في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية (المادة.)4 - منع التعذيب والمعاملات غير الإنسانية المؤذية لكرامة الإنسان؛ منع استرقاق الأشخاص أو الاتجار بالرق (المادة 8)؛ منع الأعمال الناتجة من عقوبات جنائية. - الحق في الحرية والأمن الشخصي: منع الاعتقالات التعسفية؛ حق الإنسان في الحرية والأمان على شخصه (المادة 9)؛ ضرورة بتّ أسباب الاعتقال من لدن محكمة مختصة؛ الحق في الضمانات القضائية والمساواة أمام العدالة واعتبار كل شخص بريئًا إلى غاية إثبات شرعية الجريمة الجنائية؛ الحق في الدفاع وشرعية الجنح والجنايات (المادة 14)؛ عدم رجعية القانون الجنائي (المادة 15). - الحق في الحياة الخاصة: عدم التدخل في حياة الشخص وحياة أسرته وعدم المساس بشرفه وسمعته، واحترام سرية المراسلات؛ الحق في الزواج؛ حرية التنقل واختيار مكان الإقامة ومغادرة البلد (المادة.)12 - حرية الفكر والعقيدة، وحرية الرأي والتعبير، وحرية التجمع وتكوين الجمعيات.
وسنميز في إطار دراستنا لموقف الفكر الإسلامي من هذه الحريات بين الحريات المدنية وحرية العقيدة والحريات السياسية.
الفقرة الأولى: الحريات المدنية
غالبًا ما يلجأ المفكرون الإسلاميون إلى فكرة محورية لتأكيد أسبقية الإسلام في احترام حرية الإنسان وفي احترام وكالته عن نفسه أمام الله، وهي إلغاء أي وساطة بين الله والإنسان. وكانت هذه الوساطة التي نسجها الفكر الكنسي في أوروبا وراء انفجار العلاقة بين الكنيسة والمجتمع الأوروبي في العصور الوسطى، حيث قامت حركات تغييرية اكتسبت في ما بعد اسم الحركات الإصلاحية، وانبثق عن هذه الحركات مبدأ حقوق الذات الفردية، وتوفير ضمانات لاحترامها في الأنظمة والقوانين الوضعية. في هذا السياق، يرى محمد عمارة أن الإسلام بلغ بالإنسان «في تقديس حقوقه إلى الحد الذي تجاوز بها حرفية الحقوق، عندما اعتبرها ضرورات، ومن ثم أدخلها في إطار الواجبات، فالمأكل والملبس والحرية في الفكر والاعتقاد والمشاركة السياسية.. في نظر الإسلام ليست مجرد حقوق.. وإنما هي ضرورات واجبة»46، بل إن الإسلام ليبلغ في تقديس هذه الضرورات الإنسانية الواجبة، إلى الحد الذي يراها الأساس الذي يستحيل قيام الدين من دون توافرها للإنسان؛ فعليها يتوقف الإيمان والتدين بالدين. وبحسب محمد عمارة أيضًا، ف«إن صحة الأبدان مقدمة للتكليف وموضوع للتدين والإيمان.. ومن هنا كانت إباحة الضرورات الإنسانية للمحظورات الدينية»..47. في السياق عينه يقول الإمام الغزالي: «إن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا.. فنظام الدين بالمعرفة والعبادة لا يتوصل إليهما إلا بصحة البدن، وبقاء الحياة، وسلامة قدر الحاجات في الكسوة والمسكن والأقوات والأمن.. فلا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن على هذه المهمات الضرورية.. إذن فنظام الدنيا، أعني مقادير الحاجة، شرط لنظام الدين»...48. إذًا، وفق هذا التحليل، ليست الحريات المدنية حقوقًا شكلية فقط تضمنها القوانين الوضعية، بل هي أيضًا ضرورات مفروضة على الحكام، لا يعاقَبون فقط عند انتهاكها بالحق في المقاومة - كما في الفكر الليبرالي، بل هناك عقاب شديد أيضًا ينتظر هؤلاء الحكام في الآخرة، لأن هذه الحريات شرط أساسي لا بد منه لقيام الدين والدنيا في الوقت نفسه. إذا كانت الحريات المدنية تتأسس على الفكر العقلاني، باعتبارها حرية الإنسان العاقل في التصرف، فالإسلام - بحسب محمد عمارة - يدعو إلى استعمال العقل في كثير من الآيات القرآنية49. وأكثر من ذلك، الإسلام لا يدعو إلى استعمال العقل في الأمور الدنيوية فقط، بل حتى في الدين والنصوص الدينية، أي التدبر في النص والنقل الموحى به من السماء، وليس مطلوبًا فقط في كتاب الطبيعة والكون، ففريضة
إلهية على الإنسان أن يحاكم النقل إلى العقل لأنه هو الحاكم50. وهكذا تحدث القرآن عن العقل في 79 آية، وكلها تدعو المسلم إلى استعمال العقل51. في هذا السياق، يتحدث طه بعد الرحمن عن حرية الاختيار التي يملكها الإنسان، لكن في إطار المسؤولية، وعن ضرورة استعمال العقل، لكن مع الأخذ بعين الاعتبار سمو العقل الإلهي العالم بكل الأمور على العقل الإنساني. وبحسب طه عبد الرحمن، فإن مقتضى الاختيار هو أن يرجّح الإنسان من الأطراف المتضادة المقدورة له الطرف الذي يظهر لواسع عقله أنه خير له في عالميه المرئي والغيبي. وهذا الحكم بخيرية الطرف المختار هو نتاج الاستدلال العقلي الموسع. ولمّا كان فوق كل ذي عقل عاقل، جاز أن يظهر لعقل هذا ما لا يظهر لعقل ذاك من الخير، بحيث يختار أحدهما ما لا يختاره الآخر، مع اعتقاد كل منهما أنه أصاب أفضل اختيار، أو المصلحة الأكبر أو الخير الأكبر، بحسب عقله، فيلزم أن أعقل العاقلين هو من يأخذ بأسباب هذا العمل الأصلح الذي لا ينفك ينزل عالمه الغيبي على عالمه المرئي. الاختيار العقلي يتضمن إذًا جهتين: الجهة البشرية، حيث يختار الإنسان بعقله، والجهة الإلهية حيث الله هو العالم بكل الأمور52. إضافة إلى ذلك، يرى طه عبد الرحمن أن ما دام الاختيار يستلزم الخير، فإنه يستوجب المسؤولية أيضًا، وشعور المختار بالمسؤولية هو أن يعلم أن اختياره تترتب عليه عواقب مخصوصة، مبديًا كامل استعداده لتحمّلها. لتحقيق ذلك، هناك شرائط مختلفة، كالتمييز بين الحق والباطل، وتمييز المصلحة من المضرة والقدرة على الفعل، والتكليف الذي يجعل الإنسان مسؤولً عن اختياره، يتحمل عواقب قراره في العالم المرئي أو الغيبي53. إذًا، تقترن حرية الاختيار بالمسؤولية؛ إذ إن الإنسان ملزم بتحمّل مسؤولية اختياره، وبالتالي ليست حريته مطلقة، باعتبار أنه سيحاسَب على أفعاله الإرادية في الدنيا والآخرة. خلاصة فكر طه عبد الرحمن في هذا الشأن هي أن حرية الاختيار التي يملكها الإنسان هي الأصل، ما دام أنه مختار حتى في تحمل الأمانة أمام الله، لكن الاختيار لا يحكمه العقل البشري فقط، لأن هذا العقل عاجز عن الوصول إلى الحقيقة المطلقة، وبالتالي تبقى حرية الاختيار في ظل الإرادة الإلهية، فالعقل الإلهي أعلم بكل الأمور. وهذه الخلاصات يكاد يتحقق حولها نوع من الإجماع بين المفكرين الإسلاميين، سواء القدامى أو المحدثين أو المعاصرين. وقد توصل عبد الله العروي من قراءته للفكر الإسلامي إلى نتيجة مفادها أن هناك فارقًا كبيرًا بين التصور الإسلامي للحرية والتصور الليبرالي لها؛ فالليبرالي جون ستيوارت ميل يتحدث عن حرية الإنسان العاقل القادر على تحديد الفعل الصحيح، وعلى تحديد مصلحته، في حين أن الإنسان في الإسلام - كما يرى عبد الله العروي- جاهل، ولا يستطيع تحديد مصلحته، ولذلك يحُول الدين الإسلامي دون استعماله
الحرية للإضرار بنفسه أو بالآخرين54. كما يرى عبد الله العروي أن الفقه الإسلامي عادة ما يربط الحرية بالمسؤولية، إذ غالبًا ما يتعرض لمسألة حرية التصرف في أبواب معروفة تعالج مسائل الرق والحجر وكفالة المرأة والطفل. ويتضح للقارئ من أول وهلة أن الفقه يربط مفهوم الحرية الشخصية بمفهوم المروءة، ولا تكتمل الإنسانية في الفرد إلا إذا شُف بالتكليف، أي إذا أصبح قادرًا على الانضباط إزاء قواعد وأوامر سماوية. إن الطفل والمعتوه ومن شابههما يستطيعون أن يفعلوا ما يشاؤون، لأنهم غير مكلفين، حريتهم واسعة لكن إنسانيتهم ناقصة55. على العموم، تأثر الفكر الإسلامي المعاصر بالنقاش الفكري الغربي بشأن الحريات المدنية، وحاول أن يبدي رأيه في هذا النقاش من خلال تأكيد أحقية الإنسان في امتلاك هذه الحريات التي تحميه من ظلم الآخر، وهي ليست مجرد حريات شكلية، بل ضرورات لا بد منها لصلاح الدنيا والدين. وإذا كان الفكر الليبرالي يرفع من شأن العقل الإنساني وهو يناقش قضية الحرية، فإن الفكر الإسلامي يؤكد أسبقية الإسلام في التشديد على ضرورة استعمال العقل والعلم للحكم على الأمور، لكنه استعمال يجب أن يكون بمسؤولية وفي إطار سمو العقل الإلهي. وسنتعمق أكثر في تحليلنا موقف الفكر الإسلامي المعاصر من الحرية حينما سنناقش حرية العقيدة بوصفها واحدة من الحريات المدينة التي عادة ما يثار حول النقاش في الإسلام.
الفقرة الثانية: حرية العقيدة كإحدى الحريات المدنية
ظهر مفهوم حرية العقيدة بشكل واضح في كتابات فلاسفة الأنوار، خاصة جون لوك وجان جاك روسو. فالتسامح الديني في الدولة المدنية واجب، ولكل إنسان الحق في اعتناق ما يريده من مبادئ وديانات، وعلى الدولة أن تضمن التسامح الديني وعدم التدخل في الشؤون الخاصة بخلاص النفوس، وأن تهتم فقط بالشؤون الدنيوية. وكان الهدف من ذلك فصل الدين عن السياسة، من أجل تجاوز ممارسات العصور الوسطى، حين كان رجال الدين يتحكمون في السياسة والدولة. ينتقد المستشرقون والعلمانيون الإسلام عادة، بدعوى أنه لا يضمن حرية العقيدة، ويعاقب المرتد عن دينه. وواجه الفكر الإسلامي هذه التهم، محاولً تأكيد أن من أهم الحريات التي أسس لها الإسلام هي حرية المعتقد. وقد فسر الغنوشي هذه الحرية بأنها «حق الفرد في اختيار عقيدته بعيدًا عن كل إكراه»56. والشريعة الإسلامية تضمنت هذه الحرية كثمرة لمسؤوليته، فمنعت كل وسائل الإكراه، وتكاد كتب التفسير والفقه تُمع على اعتبار آية ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ قاعدة كبرى من قواعد الإسلام، وركنًا عظيمً من أركان سماحته؛ فهو لا يجيز إكراه أحد على الدخول فيه، وأمر المسلمين بأن يعتمدوا في دعوة خصومهم أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة لتبيين الرشد من الغي. والإيمان لا يكون بالإكراه ﴿ لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ﴾57.
وبحسب الغنوشي، فإن الإيمان بالله في الإسلام لا يكون وراثيًا من بطن أم مثلً، ولا يكون إجرائيًا بطقوس رمزية، بل يكون بفعل إرادة فردية ﴿ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ﴾58. ويضيف الغنوشي: «إن الله تعالى ما بنى أمر الإيمان على الإجبار والقسر، وإنما بناه على التمكن والاختيار، إن في القهر والإكراه على الدين معنى الابتلاء والامتحان»59. وفي حديث لرسول الله () ما يفيد حرية المعتقد، حيث جاء فيه أن «اليهود والنصارى الذين يدخلون في ذمتنا، يجب حمايتهم من أي إهانة أو غيظ، ولهم نفس الحقوق.. وسيمارسون دينهم بحرية مثل المسلمين»؛ هذا الحديث اعتبُر أول ميثاق لحرية الضمير والعقيدة في تاريخ البشرية60. وردًّا على الذين يستعملون آية ﴿ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ﴾61 لضرب مبدأ حرية المعتقد في الإسلام، أكد راشد الغنوشي أن الهدف من الجهاد وفق الآية هو محاربة الفتن التي تهدد حرية المؤمن في الاعتقاد، وليس فرض الدين على الغير: «إن أهم غايات الجهاد الإسلامي كسر شوكة الطواغيت، وإبطال سحرهم وبطشهم، وترك الناس بعد ذلك وما يدينون»62؛ و«إن الردة جريمة لا علاقة لها بحرية العقيدة التي أقرها الإسلام، وأنها مسألة سياسية قصد بها حياطة المسلمين، وحياطة تنظيمات الدولة الإسلامية من نيل أعدائها.... وإنها جريمة سياسية تقابل في الأنظمة الأخرى، بجريمة الخروج بالقوة عن نظام الدولة ومحاولة زعزعته، وتعالج بما يناسب حجمها وخطرها من معالجات»... إذًا، حرية المعتقد هي، بحسب الغنوشي، الأصل في الإسلام، وحكم المرتد عن الإسلام حكم سياسي يهدف إلى ضمان النظام العام الذي يُستعمل حتى في الدول الحديثة لمعاقبة المعارضين. في السياق ذاته، يرى محمد سليم العوا أن الردة ليست من الحدود بل هي عقوبة تعزيزية، مستدلين بما نُقل عن بعض فقهاء السلف كإبراهيم النخعي، من أن المرتد «يستثاب أبدًا» وقد رواه عنه سفيان الثوري، واستشهد كذلك برواية عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن قوم قُتلوا بعد ردتهم، فقال: «كنت عارضًا عليهم الباب الذي خرجوا منه، أن يدخلوا، فإن فعلوا ذلك قبلت منهم، وإلا استودعتهم السجن». كذلك نُقل عن عمر بن عبد العزيز أن قومًا أسلموا ثم ارتدوا فأمر برد الجزية عليهم، وتركهم. ومن ذلك يتوصل الدكتور العوا إلى أن «عقوبة الردة إنما هي عقوبة تعزيزية، وليست عقوبة حد، وإنها عقوبة مفوضة إلى السلطة المختصة، تقرر بشأنها ما تراه ملائمً بين أنواع العقاب». خلاصة القول أن النصوص الإسلامية وممارسات الرسول - وفق هذه الأفكار- تضمن حرية المعتقد، على الرغم من أن الاجتهاد لم يحسم بعدُ في حكم المرتد عن دينه، إذ توقف فقط إما عند تبرير القتل، باعتبار أن ذلك خيانة شبيهة بالخيانة العظمى في الأنظمة الحديثة التي تستوجب الإعدام، وإما عند اعتباره عقوبة تعزيز لا عقوبة حد.
الفقرة الثالثة: الحريات السياسية
الحرية السياسية هي من دعائم مفهوم حقوق الإنسان كما تبلور في أوروبا، بل إن الهدف من كل النظريات المؤسِّسة للمفهوم في هذه الفترة هو الوصول إلى الحرية السياسية، أي حق الإنسان في اختيار من يحكمه وفق مفهوم الديمقراطية التمثيلية؛ فالطبقة البرجوازية الصاعدة آنذاك كانت تحتاج إلى هذه الحرية من أجل الوصول إلى السلطة. وقد تضمن الإعلان العالمي أهم الحريات السياسية، وهي: - الاعتراف بالشعب كمصدر للسلطة والتعبير عن إرادته عن طريق انتخابات حرة ونزيهة ودورية، وعن طريق الاقتراع العام المباشر. - حق المواطنين في المشاركة في تسيير الشؤون العامة للبلاد، سواء بطريقة مباشرة أو عن طريق انتخابات حرة. - حق الجميع في ولوج الوظائف العمومية، ويمكن اعتبار هذا الحق كذلك من الحقوق الفردية التقليدية. والحرية السياسية تُعتبر من أهم الحريات في الإسلام، وهي جزء من الحريات التي يجب حمايتها، بحسب علال الفاسي الذي قال: «ومن لوازم حرية الدين حرية الفكر، فللناس جميعًا الحق في أن يفكروا إزاء كل مسألة على الطريقة التي يختارونها وبالفكر الذي يريدونه، وليس لأحد أن يكرههم على اعتقاد مذهب فلسفي أو سياسي، إذا كانوا لا يختارونه لأنفسهم، وكل من فعل ذلك فقد أخل بأعظم المقدسات».... وبحسب محمد عمارة، أجمع الفكر الإسلامي على أن الشورى هي الفلسفة الأساسية للحكم في الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي، مع أن التاريخ الإسلامي تاريخ الفردية والاستبداد؛ حيث جاء في القرآن الكريم ﴿ وأمرهم شورى بينهم ﴾. وتنفيذًا لهذه الآية، قال أبو بكر عقب توليه الخلافة: «إني وُليت عليكم ولست بخيركم، إن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم». ويرى راشد الغنوشي أن الشورى هي «الأصل الثاني للنظام الإسلامي بعد النص، والشورى هي بذاتها نص؛ نص على الإقرار للأمة المستخلَفة بحقها في المشاركة العامة في شؤون الحكم، بل إن ذلك من واجباتها الشرعية؛ إذ الشورى علم على دولة الإسلام وأمة الإسلام، ولهذا لو قلت إنها دولة الشورى وأمة الشورى لهديت للحقوق تفرد الإسلام بهذا المبدأ الأصيل، وأقره سلوكًا عامًا في المجتمع وأسلوبًا في إدارة الشؤون العامة». ويضيف راشد الغنوشي بشأن علاقة الطاعة بالشورى، أن كل من له مسؤولية (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) يجب أن يطاع في مجاله، ما دام أنه قام بأمانته في حدود الشرع، وكل نزاع يحدث،
سواء بين الأفراد أو بين السلطات، يجب التسليم بأن مرجع الحسم فيه الكتاب والسنّة. فالقرآن الكريم يتحدث عن الشورى كفريضة واجبة على الرسول في شؤون الحكم والسياسة، لأنه في هذا المجال مجتهد غير معصوم. يقول الله تعالى: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ﴾. وعبارة العزم يستعملها البعض للقول بأن الشورى هي عملية رمزية فقط، حيث يبقى القرار النهائي بيد ولي الأمر الذي يجب أن يطاع («قاعدة طاعة ولي الأمر»)، لكن المقصود هنا العزم الناتج من الاستشارة. وبحسب محمد عمارة، فإن في صحيح البخاري ما يؤكد ذلك، حيث إن المراد، وفق نزول الآية، أن المشاورة قبل العزم والتبين، أي إنها المقدمة التي تفضي إلى القرار وتحدد طبيعة العزم؛ فسبب نزول الآية، تكمن في حادثة استشارة الرسول لأصحابه حول مكان لقاء المشركين يوم غزوة أحد، وكان رأي الرسول مع قلة من الصحابة البقاء في المدينة، والاستفادة بموقعها وتحصيناتها في قتال المشركين الغزاة، لكن الأغلبية رأت الخروج لملاقاة الأعداء عند أحد، فنزل الرسول على رأي الأغلبية، فاتخذوا الخروج كثمرة لمشورة الأغلبية. لذلك، ليست الشورى مجرد عملية رمزية، بل إنها منهجية في اتخاذ القرار السياسي. على العموم، يمكن أن يكون نظام الشورى منطلق الفكر السياسي الإسلامي من أجل التأسيس لمفهوم الحرية السياسية. ومما يؤسف له هو أن الفكر السياسي المعاصر لم يذهب حتى الآن بعيدًا في هذا الاتجاه؛ فحتى راشد الغنوشي، وعلى الرغم من أنه يدافع عن الشورى، فإنه يتحدث في سياق آخر عن واجب طاعة ولي الأمر أو أهل الحق والعقد، وهم العلماء، وعن أن الفصل في الخلاف بين الإنسان وأولي الأمر هو النص: القرآن والسنّة النبوية، وهذا كله ينقص من قيمة الحرية السياسية في الإسلام. لكن مع ذلك، يمكن القول إن الفكر الإسلامي المعاصر تعامل بنوع من الجرأة مع الحرية السياسية مقارنة بالحريات الأخرى. واستطاع أن يجتهد في قاعدة الشورى ويجعل منها أصل الحرية السياسية في الإسلام. ويمكن فهم هذه الجرأة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن هؤلاء المفكرين الإسلاميين كانوا يحتاجون إلى هذه الحرية إما لمقاومة الاستعمار، كعلال الفاسي مثلً، وإما لمقاومة الأنظمة السياسية القائمة في العالم العربي، كالغنوشي وعمارة والعوا، باعتبار أن هذا الفكر يصنَّف ضمن فكر الحركات الإسلامية المناهضة للأنظمة القائمة، وهو ما يؤكد فرضية أن النصوص الدينية تسمح في كثير من الحالات بالتأصيل للحريات في الإسلام، لكن ما ينقص في أغلب الأحيان هو الاجتهاد العقلي، حيث يلتزم الفقهاء والمفكرون عادة بحرفية النصوص من دون أن يأخذوا بعين الاعتبار تطور الحياة والحاجات الإنسانية، وهو تطور فرض على الغرب القيام بإصلاح ديني ساعدهم بعد ذلك على التأصيل فلسفيًا لمفهوم الحرية.
خلاصة القول أن الإسلام تضمّن كثيرًا من النصوص والأحاديث التي تؤكد حرية الإنسان في الاختيار، وحرية المعتقد، والشورى كحرية سياسية، لكن ما زالت الممارسات التي ألصقها التاريخ السياسي الإسلامي بالإسلام، وهي كثيرة، تسيء إلى مفهوم الحرية، وهذا ما يفرض على رجال الاجتهاد بذل جهد أكبر من أجل استعمال العقل لاستنباط أحكام تساند دفاع الإنسان عن الحرية والحق.
خاتمة
إذا كان الهدف المعلن من التأسيس للحرية في جذورها التاريخية هو حماية الإنسان وتحقيق كرامته وضمان عيشه الكريم، فإن مدخل الكرامة الإنسانية يمكن أن يكون المنطلق الذي من خلاله يمكن التأسيس لمفهوم الحرية في الإسلام، باعتبار أن الفكر الإسلامي يؤكد عادة أن الهدف من الرسالة الإسلامية هو تحقيق الكرامة الإنسانية. وإذا كانت هذه الكرامة الإنسانية تعتمد في الفكر الليبرالي على ضمان حرياته المدنية والسياسية، وإلغاء عبوديته لرجال الدين، وهذا حصر للكرامة الإنسانية يجعل هذه الحرية حرية شكلية في خدمة مالكي الثروة، فإن للإسلام، بحسب الفكر الإسلامي، تصورًا شاملً لمفهوم الكرامة الإنسانية. فالإنسان في الإسلام هو خليفة الله على الأرض، وخلافة الله مهمة تعكس أعلى مراتب التكريم الإلهي للإنسان. وبحسب محمد عمارة، تذكّر آيات قرآنية كثيرة بتسخير الله البر والبحر والنبات والحيوان لخدمة الإنسان، بل إن الكون في سيره وانتظامه في الليل والنهار ودوران الشمس والقمر والنجوم والكواكب في أفلاكها، إنما هو مظهر لنعَم الله على الإنسان وآية من آيات قدرته. فالكرامة التي وهبها الله لبني آدم ليست شعارًا، وإنما هي بناء أصيل في الإسلام، له مؤيداته وشواهده في كثير من نصوص الكتاب والسنّة. إنها كرامة الإنسان حين يولد وكرامته في العيش وكرامته حين يموت. فالإسلام وحده سبق إلى تقرير تلك الكرامة قبل مواثيق البشر في صورة كاملة للكرامة الإنسانية، يعرفها المسلمون منذ أكثر من ألف وأربع مئة سنة. وهذا التكريم الإلهي عام لكل الناس، بغضّ النظر عن العرق واللون والوضع الاجتماعي. عمومًا، في وسع مدخل الكرامة الإنسانية أن يسعف الفكر الإسلامي في تأسيس مفهوم للحرية قريب من المفهوم الغربي، ما دام الهدف النهائي المعلن لحقوق الإنسان حتى في الحضارة الغربية هو ضمان العيش الكريم، وما دام من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية تحقيق الكرامة الإنسانية. لذلك، وتجاوزًا لكل الاختلافات التي يمكن أن تكون قائمة بين الحضارات حول مضمون الحرية وطبيعتها، يمكن أن يكون هذا المدخل حاسمً في خلق التوافق بين الجميع حول مقومات حقوق الإنسان. لقد تضمنت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وسيرة الرسول العديد من النصوص التي تفيد إيمان الإسلام بمضمون الحرية. لكن التجربة التاريخية الإسلامية استعملت في كثير من الأحيان هذه النصوص من أجل ممارسة الاستبداد والطغيان وحرمان الناس من الحقوق والحريات، باعتبار أن حقوق الإنسان لا تخص الإنسان المسلم بل الإنسان الأوروبي فحسب. وقد استندت هذه الممارسات على كثير من الاجتهادات الفقهية السلبية التي تلتزم بمنطوق النص، وتحد حتى من مضمونه الحقوقي، وبالتالي يقع التحدي اليوم على عاتق الاجتهاد الفقهي الذي يجب أن يستعمل العقل وليس النقل فقط.
على الرغم من المجهود الكبير الذي قام به الفكر السياسي المعاصر من أجل إبراز مكانة الإنسان في الإسلام، وتأكيد حماية الإسلام لحقوق الإنسان -وهو يقاوم الأنظمة السياسية المستبدة في العالم العربي المعاصر باسم الحرية- فإن المنهج الوحيد لحماية حقوق الإنسان في العالم الإسلامي هو بلورة فكر سياسي عصري يلائم حاجات الإنسان المسلم الحديث، بما في ذلك حاجته إلى العيش مع الآخرين، وفق مفهوم المواطَنة وحقوق الإنسان. وهنا لا بد من التطرق بجرأة إلى كثير من القضايا التي ما زال فيها نقاش، كحرية الاختيار في الجانب المدني وحرية المعتقد وحرية المرأة والحرية السياسية، بعيدًا عن النقاش والجدل الذي يثار حول ثنائيات: الحرية الطبيعية/ الحرية في إطار الشرع؛ الحرية/ المسؤولية؛ العقل الإنساني/ العقل الإلهي؛ حرية العقيدة/ حكم الردة... وهي ثنائيات تجعل الفكر الإسلامي يكثف جهده كله لنفي التُّهم عن الإسلام، بدل القيام بجهد علمي وعقلي من أجل بلورة اجتهادات فكرية تلائم العصر الحالي.
مراجع إضافية
العربية
كتب
الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد. الأحكام السلطانية والولايات الدينية. عني بتصحيحه محمد بدر الدين النعساني الحلبي. القاهرة: مطبعة السعادة،.1909 الناصري، أبو العباس أحمد بن خالد. الإستقصا لاخبار دول المغرب الأقصى. 9 ج. الدار البيضاء: [دار الكتاب]،.1945
دورية
الجابري، محمد عابد. «هوامش حول موضوع حقوق الإنسان: (1) الحق والواجب أم الحقوق الطبيعية.» فكر ونقد: العدد 25، كانون الثاني/ يناير.2000
الأجنبية