نظرية الإعراب بين فاعلية العامل وتضافر القرائن قراءة في البديل الجديد لتمام حسّان
I'rāb Theory: A reading on “the New Alternative” by Tamam Hassan
الملخّص
يوجّه النظام اللغوي الكثير من البنى الصوتية و الموقعية والصرفية والأبواب المعيارية، وفق معادلة علمية طرفاها مجموعة من البنى الذهنية والعقلية المتحكمة في تعددية أنظمة اللغة، والكثير من الاجتهادات المعيارية التي تناسبت وكثير من الخلاصات التنظيرية في الدرس النحوي، أو اختلفت عنها على سبيل التوسع، فتمّ حشرها على جانب الشذوذ أو الخطأ.
Abstract
This study takes up Tammam Hassan’s critique of the I‘rāb (inflection) theory, which the late Arabic linguist attempted to replace with his notion of “combined evidence” as a “new alternative”: a system of linguistic structures that articulate discourse, wherein the whole should always be seen in light of context. In other words, each illuminating contextual detail or clue contributes to the derivation of the overall functional and grammatical meaning. The “new alternative”, with its synergies of evidence and its interactive overlapping levels of meaning, enabled the discovery of the foundations of a new grammatical methodology. Inflection provides one of many strands of linguistic evidence, clues that reveal the functional meaning of the sequences of enunciation comprising structural or compositional pattern. But it is incapable of doing so alone or in isolation from contextual indications. The inflective ending of an Arabic word does not have the power, in Tammam Hassan’s view, to explain grammatical phenomena and contextual relationships; as linguistic evidence it may be considered to be among the major signs of interpretive exaggeration and insufficiently rigorous scrutiny. The study in hand, however, considers the new alternative to be in essence an elaboration of the classical I‘rāb theory.
- الدرس النحوي
- نظرية الاعراب
- الإجتهادات المعيارية
- أنظمة اللغة
- I‘rÄb
- System of Linguistic Structures
قراءة في البديل الجديد لتمام حسّان
تمهيد
يوجّه النظام اللغوي الكثير من البنى
الصوتية والموقعية والصرفية والأبواب
المعيارية، وفق معادلة علمية طرفاها مجموعة من
البنى الذهنية والعقلية المتحكمة في تعددية أنظمة
اللغة، والكثير من الاجتهادات المعيارية التي
تناسبت وكثير من الخلاصات التنظيرية في الدرس
النحوي، أو اختلفت عنها على سبيل التوسع، فتمّ
حشرها على جانب الشذوذ أو الخطأ. ولتحقيق التناسب بين المؤتلف والمختلف، تمَّت
اجتهادات للتخفيف من عبء هذا التعارض
على سبيل التسهيل وعلى سبيل التوجيه، تناسبًا
مع معطيات النظرية العاملية للتراث المعياري
العربي أو تعارضًا مع الفلسفة العاملية المتحكمة
في هذه النظرية جملة وتفصيلً. توالت الاجتهادات قديمً وحديثًا بدءًا بأبي علي
قطرب البصري (ت 206 ه) تلميذ سيبويه (ت
180 ه)، وابن مضاء القرطبي (ت 592 ه) في
الرد على النحاة، وصولً إلى إبراهيم مصطفى
فيإحياء النحو، وشوقي ضيف في تحقيقه كتاب
الرد على النحاة، حيث أعلن في المدخل حاجة
النحو إلى تصنيف جديد يقوم على الانصراف
عن نظرية العامل، وعلى منع التأويل والتقدير في
الصيغ والعبارات، ومهدي المخزومي في في النحو
العربي نقد وتوجيه، وصولً إلى تمام حسان الذي
أرسى النهج الجديد في البحث النحوي من خلال
استبدال فاعلية العامل بفكرة تضافر القرائن،
واعتبار اللغة سلسلة من الأنظمة المعيارية والبنى
الدالة التي أنزل معالمها في كثير من المؤلفات، بدءًا
بكتاب اللغة العربية معناها ومبناها، وانتهاءً
ب الفكر اللغوي الجديد وحصاد الس ين- من
حقول العربية الصادرين سنة 2011، تاريخ وفاته. يعدّ تمّام حسان، الملقب بسيبويه العصر، أول
من استنبط موازين التنغيم وقواعد النبر في اللغة العربية، وأوّل من درس المعجم باعتباره نظامًا
لغويًا متكاملً. وهو أول من اقترح فاء الكلمة
وعينها ولامها أصلً للاشتقاق عوض المصدر أو الفعل الماضي، وجعل تقسيم الكلام العربي سباعيًا على أساس المبنى والمعنى، وفرّق بين الزمن
النحوي والزمن الصرفي، وسعى إلى التضييق على الشذوذ وعدم القياس لتجاوز جمود اللغة وإهدار التراث اللغوي.
تراوحت هذه الاجتهادات بين الإلزام المرن، بما
أنتجه النظر العقلي والإعمال المنطقي من معايير،
والالتزام بالحلول الطبيعية للغة التي تلائم كل
التوجيهات في المباحث اللغوية. وجرى في هذا الموضع التوقف عند فكرة تضافر
القرائن/ البديل الجديد عند تمام حسان، لأهميته
التنظيرية والفكرية لكل الخلاصات والاجتهادات
اللغوية التي أرساها في كلّ كتبه ومقالاته اللغوية
والأدبية، ولارتباطاته الاصطلاحية بالتراث
المعياري العربي. فإلى أيّ حدّ استطاع هذا البديل الجديد إزاحة
الفلسفة العاملية، والتفوق في التعامل مع الأنماط
التركيبية العربية؟
التعليق النحوي بين العامل وفكرة القرائن
أقام النحاة التراث المعياري على ما عُرف بنظرية
العامل باعتبارها تحليلً للعلاقات التجاورية
النحوية المتحكّمة في المواضعات اللغوية، أو
باعتبارها أساس التعليق الذي قام على أساسه
تعليل اختلاف العلامات الإعرابية، وبُني على
تفسيره الإعراب التقديري والإعراب المحلي،
وأُلّفت في العوامل، لفظية أكانت أم معنوية،
الكثير من المؤلفات. على هذا الأساس اعتبر النحاة الحركات أصلً في
الإعراب لقلّتها وخفّتها، ولدورها في الوصول
إلى الغرض، فلم تكن حاجة إلى تكلّف ما هو
أثقل، والتأمّل في التحليلات اللغوية التي يعجّ به
كتاب سيبويه ومعاني القرآن للفرّاء (ت 207 ه)،
يثبت بجلاء دور العلامة الإعرابية في توضيح
المعنى وإبراز الفوارق وما يطرأ بتغيّها من تغيّ
في هذا المعنى. وكان الربط بين العلامة وتحديد
المعنى صورة من صور المجالس العلمية والأدبية،
والجدل اللغوي في كلّ العصور للكشف عن
الفوارق الدقيقة بين التراكيب اللغوية، وكان
لاختلاف العلامات الإعرابية في ذلك الحظ
الكبير. يقول عبد الكريم الرعيض: «يبقى التفسير الدلالي المبني على نظرية العامل
والذي يربط تغيّ العلامة الإعرابية بتغيّ وظائف
الكلمات في التراكيب - يبقى أصحّ التفاسير
وأكثرها انسجامًا مع العربية وأساليبها، كما أن
تقدير العوامل- إن لم تظهر- أمر قد يحتّمه المعنى
ويسوّغه مراعاة النظائر والأشباه». عُدَّت العوامل أمارات ودوالً على وضعيات
معيَّنة تتطلّب الإعراب الملائم على أساس عدم
نسبة العمل إليها حقيقة. وقد أشار إلى ذلك ابن
جنّي (ت 392 ه) في الخصائصفي باب «مقاييس
العربية»، حيث يقول: «وإنمّا قال النحويّون: عامل لفظيّ، وعامل
معنويّ؛ ليُوكَ أن بعض العمل يأتي مسبّبًا عن
لفظ يصحبه؛ كمررت بزيد، وليت عمرًا قائم،
وبعضه يأتي عاريًا من مصاحبة لفظ يتعلّق به؛
كرفع المبتدأ بالابتداء، ورفع الفعل لوقوعه موقع
الاسم؛ هذا ظاهر الأمر، وعليه صفحة القول. فأمّا
في الحقيقة ومحصول الحديث، فالعمل من الرفع
والنصب والجرّ والجزم إنمّا هو للمتكلّم نفسه، لا
لشيءٍ غيره. وإنمّا قالوا: لفظيّ ومعنويّ لمّا ظهرت
آثار فعل المتكلم بمضامّة اللفظ للفظ، أو باشتمال
المعنى على اللفظ. وهذا واضح». كما نُقل عن النحويين الإجماع على اعتبار أن العوامل
ليست إلّ علامات وأمارات، وينمّ هذا التعبير عن
إدراك عميق لنظرية الإعراب بين قطبي الطبيعة اللغوية والفلسفة العاملية، وهو تعبير عن الفهم
السائد لدى جميع النحاة، وإن لم يذكروا ذلك صراحة، يمكن أن يلتمس من خلال التعابير والتعاريف، ومن خلال التحليلات اللغوية والنماذج التطبيقية الإجرائية، يقول عبد الكريم الرعيض: «وبناء على ما تقدّم، يتّضح أن النحاة لم يخطئوا ولم
يبتعدوا عن الصواب حين نسبوا العمل النحوي إلى أسبابه الظاهرة لأنهم كانوا يقصدون به التقريب والتسهيل على طالب النحو، وهي فوق ذلك تسمية تتفق مع سُنن العربية في التجوّز، ومن
ثمّ أصبحت حقيقة عرفية واصطلاحًا شائعًا، ولا
مشاحة في الاصطلاح ». يرى تمام حسان أن الدارس عندما يريد أن يعرب تركيبًا معيّنًا، فإنه يلجأ إلى عملية ضرورية هي
الكشف عن العلاقات بين مكونات هذا التركيب،
لتحديد الفعل ووزنه مثلً والفاعل من المفعول أو من غيره، ويعتبر هذا التعلق قرينة معنوية تتطلب الروية والتفكر، كما يعتبر: «التأمل فيها يقود في الأغلب الأعم من الحالات
إلى متاهات الأفكار الظنية التي لا تتصل اتصالً مباشرًا بالتفكير النحوي، ونخرج لهذا السبب عن
طبيعة الالتزام بحدود المنهج». والتعلق في نظر تمام حسان يُعَدّ أمّ القرائن النحوية،
قد تجعل الدارس يتعثر تعثرًا يمنعه عن الإعراب
الصائب، ويعتبر: «أن الكشف عن هذه القرينة هو الغاية الكبرى من التحليل الإعرابي، وما دام الناس يحسّون ويعترفون
بالإحساس بصعوبة الإعراب أحيانًا، فإن معنى
ذلك أن من الصعب عليهم أحيانًا أن يكشفوا عن هذه القرينة المعنوية (قرينة التعليق)، وهي أم القرائن النحوية جميعًا ».
إن الكشف عن العلاقات السياقية كما يسمّيها
تمام حسّان، وعن التعليق كما يسمّيه عبد القاهر
الجرجاني (ت 471 ه) قد يجعل الدارس للتركيب يتعثر، ويحس بالصعوبة في تحديد الوظيفة النحوية أو المعنى النحوي لكل مكون من مكونات هذا
التركيب. الجرجاني أدرك إدراكًا شاسعًا الثبات
والتحوّل في صوغ التراكيب اعتمادًا على طاقات
اللغة، أي الثبات على المكونات النحوية التي لا يمكن تجاوزها، والتغيّ الذي يجوز أن يلحقها على
مستوى الرتبة المحفوظة، أو الإضافة أو الإسقاط
بحسب متطلبات السياق، فتصبح للتركيب من
هذا المنظور علاقتان: علاقة الأصل: حيث الثبات على احترام المعايير
النحوية التي تحكم نظام اللغة. علاقة الجديد: حيث التغير الذي يمكن أن يخرق
هذه المعايير من خلال الإضافات على مستوى
الاستعمال. يقول محمد عبد المطلب عن دور ذلك
في تهيئة التحليل الإدراكي للصياغة: «ومن هنا آثر الرجل توجيه دراسته إلى ما بين
مفردات اللغة من علاقات، بوصفها مجسّدة
للنشاط العقلي ومصوّرة له. وهذه العلاقات
بدورها ليست سوى إمكانات النحو التركيبية،
التي تعطي الصياغة ملامحها الأساسية في الشعر
أو في النثر، كما أنها هي التي تخلّصها من فوضى
الألفاظ وعفوية التعبير. وقد أطلق عبد القاهر على
هذا المفهوم كلمة (النظم) ». فالتعليق إذًا هو محصول التفاعل النظمي والدلالي
بين المتتاليات التلفظية ومعانيها من جهة،
والعلاقات التجاورية التي تحكمها المعاني النحوية
والتي أقامها المتكلم بين هذه المتتاليات من جهة
أخرى، والغرض هو تحويل الفكر الخام إلى إبداع
على محوري البناء العقلي والتوالي الأسلوبي، بمعنى
عمل هذا المتكلم على رصف الملفوظات التي
تحكمها علاقات المعاني النحوية وليس الحدود
المعيارية؛ تلك المعاني التي تكشف عن فوارق
دقيقة بين هذا الأسلوب وذاك، أو بين هذا النظم
وذاك، فالمزية غير حاصلة بتحصيل قواعد اللغة
النحوية، أو الدلالات التلفظية المفردة، وإنما
المزيّة في مقدرة المتكلم على إحداث الفوارق
بفضل المعاني النحوية، وتوظيفها توظيفًا إبداعيًا
نلمس فيه معاناة هذا المتكلم على صوغ الدلالات
النحوية بأسلوب مؤثّر. يقول نصر أبو زيد: «إنّ كلّ ما يفعله الشاعر- أو المتكلم - في ألفاظ
اللغة، هو أن يقيم بينها علاقات يتوخّى فيها معاني
النحو. وليست معاني النحو التي يتحدث عنها
عبد القاهر هي (القوا ين المعيارية (التي يتحتّم
أن تتحقق في أيّ كلام لكي يكون كلامًا، ولكنها
المعاني التي تحدث الفروق بين أسلوب وأسلوب،
وبين نظم ونظم ». لقد عُدَّ التوافق بين العلامات الإعرابية والمعاني
جزءًا مهمًّ من فصاحة الكلام، ونحن نقترب من
فكر علماء اللغة، خاصة البلاغيين الذين ربطوا
بين إعجاز القرآن ونظمه والترابط التلفظي القائم
على ربط الألفاظ بعضها ببعض ربطًا معياريًّا؛
ذلك أن الفصاحة لا تكمن في الألفاظ المفردة،
وإنما في العلاقات التجاورية التي تحكمها، أو في
ما جاورها من الألفاظ. يقول أحمد سليمان ياقوت
رابطًا بين نظرية النظم ومعاني النحو: «إنّ السّمة البارزة والعلامة المميّزة لأبحاث
عبد القاهر الجرجاني (ت 471 ه) في البلاغة، أنّه
ربط بينها وبين النحو فيما يعرف عنه بنظريّة النظم،
فالنحو عنده ليس مجرّد قواعد نحوية يعرف بها
المرفوع والمنصوب، أو يميّز بواسطتها المعرب من
المبني، بل إنَّ المعاني النحوية لترتبط ارتباطًا كبيرًا
بنظريّة النظم عنده إنْ لم تكن هي نفسها من حيث
تعليق كلّ كلمة بما يجاورها من الكلمات ». لن يتمكن المتلقي من التوصل والتوسّع في المعنى
في حالة تمكنه عن طريق التحليل الإعرابي إلى
تحديد العلاقات السياقية، إلّ من خلال الكشف عن العلاقة الإسنادية التي تحدد المبتدأ من الخبر على سبيل المثال، وهي علاقة رابطة بين المكونين
النحويين، إلّ أن تمام حسان لا يرى في قرينة الإسناد القدرة على الكشف عن المبتدأ والخبر، بل إن هذا الكشف يحتاج، بالإضافة إلى قرينة الإسناد القرينة المعنوية، إلى قرائن أخرى من صميم التركيب، يسمّيها القرائن اللفظية. وقد تبنّى النحاة نظرية العامل باعتبارها النظرية التفسيرية للعلاقات النحوية، ولاختلاف العلامات الإعرابية، أي باعتبارها أساس مفهوم
التعليق، ولم يُستثن من القدماء في هذا التبني إلّ
قطرب البصريوابن مضاء القرطبي، الذي ثار على الفهم العاملي لطبيعة العلاقات
السياقية، وقصده نقدًا وإبطالً وتجريحًا، وأبان
فسادَه بالحجج المنطقية، مسدّدًا بذلك سهام ثورته
إلى نظرية العامل التي أحالت من منظوره النحو
العربي إلى مسائل يصعب حلُّها؛ فالتصوّر العاملي
تصوّر باطل أتى به النحاة لتعليل صنع الظواهر
النحوية في الكلمات من علامات إعرابية، ومن عناصر عاملة كالأفعال والأسماء والحروف، بل العامل هو المتكلم نفسه. عُدّ هذا التجاوز تركًا لكثير من العلل والأقيسة التي
ما عادت قادرة على تفسير غوامض التعبير واكتناه
أسرار الأسلوب، بل ظلّت حبيسة الافتراض والظنّ والإبهام. يقول شوقي ضيف:
«كل ذلك يدل به ابن مضاء على نظريته، وهي
أنّ حركات الإعراب لا تأتي للدلالة على عوامل
محذوفة، وإنمّا تأتي للدلالة على معانٍفي نفس
المتكلم. وإذًا فحريّ بنا أن نلغي نظرية العامل ما
دامت تحول بيننا وبين الفهم الحقيقي لحركات
الإعراب ودلالاتها، وأيضا فإنّا تؤدّي بنا إلى
التحريف في الصيغ والعبارات، وأنْ نعمد إلى
تأويل لا تجيزه دلالات الكلم ». إن التوجّه الإجرائي القائم على إظهار الاهتمام
بالعلامة الإعرابية والذي يعتبر الإعراب وقوفًا على سلسلة الملفوظات وفق علاقات تجاورية تحكمها شروط اللغة العربية وحدود الصياغة المعيارية، يفرض تحديد الوظائف النحوية لهذه الملفوظات بحسب العوامل، أي تفسيرًا لأواخر
الكلمات، وتحليلً نحويًا للأنماط التركيبية، على
اعتبار أن هذا التحليل هو بمنزلة التوجيهات الإعرابية الملائمة. وهناك محاولات كثيرة لتفسير اختلاف العلامات الإعرابية على أواخر الكلمات، على اعتبار أن هذه
العلامات معان؛ فالضمّ مثلً يدل على الإسناد،
والكسر يدل على الإضافة، والفتح دليل الخفة. إن المعاني النحوية عند تمام حسان لا تتحدد بالعلامات الإعرابية وحدها، بل بمجموعة من القرائن التي تتضافر في ما بينها لتكشف
عن الإفادة وتزيل أيّ لبس، على اعتبار أن هذه
العلامات لا تشكل إلّ قرينة واحدة بين قرائن
عديدة تعجّ بها الأنماط التركيبية، وهي بمفردها
قاصرة عن تحديد الوظائف النحوية والعلاقات
التجاورية بين المكونات التركيبية. ويرى كذلك أن القول بالقرائن مجتمعة تعويض
عن العلامة الإعرابية كقرينة واحدة، وتحقيق
لفهم عميق للتعليق النحوي، أو ما يسمّيه
العلاقات السياقية، وإبعاد لكثير من الجدل
والخلافات التي تعجّ بها نظرية العامل. وينفي
أيضًا كل المسوغات التي كان يقدمها النحاة
لتعزيز هذا العمل أو ذاك، أو الاعتراف بقوة
هذا العامل على حساب الآخر، إلى غير ذلك من
التفسيرات التي تعلل هذا الإعراب أو ذاك قصد
الإقناع بمشروعيته. كما أن الاعتماد على القرائن
في التحليل يساعد أيضًا على إيضاح الروابط بين
أجزاء السياق، وبين المكونات الأخرى من حيث
المعنى ومن حيث المبنى.
الإعراب بين القرائن والمعنى الوظيفي/ النموذج الجديد
قوام أطروحة تمّام حسّان نظرية وظيفية تحث على
تضافر القرائن في مقابل الاستغناء عن نظرية
العامل، وأساسها معادلة علمية قطباها بناء
عقلي وذهني يرصد النظام النحوي كشبكة من
العلاقات السياقية، وطرح إجرائي يقيم كلّ علاقة
من هذه العلاقات عند الوضوح مقام القرائن
المعنوية التي تعتمد أساسًا في وضوحها على
تداخلها وتفاعلها بالقرائن اللفظية في السياق،
مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار تكامل النظامين
النحوي والصرفي وتفاعلهما، لما يقدّمانه من قرائن
تؤدّي إلى حفظ المعنى وأمن اللَّبس، ويشمل
النموذج الذي تقترحه هذه الأطروحة جملة من
القرائن نختزلها في الآتي: • العلامة الإعرابية التي أولاها النحاة عناية كبيرة؛
فهي عبارة عن تشكلّات صوتية ضمن نظام
صوتي يتفاعل باستمرار مع النظام النحوي، كما
أنها عبارة عن تجريد ذهني متمثّل في الإعرابين
التقديري والمحلي، إلّ أن أطروحة تضافر القرائن
بعد الردّ على المنكرين لصلة الإعراب بالمعنى،
الذين ألحّوا على تحويل الحركات الإعرابية علامات
طلبًا للخفة وهربًا من ثقل الإسكان، قامت بالردّ
كذلك على النحاة الذين اعترفوا بصلة الإعراب
بالمعنى، والذين نُعتوا بالمبالغين، ولم يكن خطأهم
أهون من خطأ المنكرين. يقول تمام حسّان: «لقد لقيت قرينة الإعراب من هؤلاء قدرًا من
الحفاوة جعلهم يتجاوزون النظر إلى وضعها بين
قرائن النحو إلى أن يجعلوها النحو كلّه تقريبًا،
وبنوا على الإعراب هيكلً نظريًا أطلقوا عليه اسم
(العمل النحوي). صيروا هذا الهيكل غاية تقصد
إليها دراسة النحو وينتهي إليها فهمه ويسعى إلى
تحصيلها تعليمه. وهكذا أصبح النحو عندهم
ضبط أواخر الكلم بحسب المعنى ». وإذا كان المعنى في بعض المواضع يتوقّف بشكل
كبير على التحليل الإعرابي، فقد يبدو واضحًا
الاعتماد على قرائن لفظية ومعنوية أخرى، وفي
ذلك تضحية شديدة بقرينة الحركة/ العلامة
الإعرابية. ومن أشهر الأمثلة على ذلك: - خرق الثوب المسمار. - كسّ الزجاج الحجر. فقد أغنت قرينة الإسناد عن العلامة الإعرابية
لعدم صحة إسناد الخرق للثوب، والكسر للزجاج، ومن ذلك أيضًا: - جحر ضبّ خرب.
- ﴿عَالِيهِمْ ثِيَابُ سُنْدُس خُضْ﴾ٌ
- ﴿أنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشِْكينَ ورَسُولهِ﴾ - ﴿إن هذان لساحران ﴾ حيث أغنت قرينة التبعية المعنوية عن قرينة الحركة
اللفظية، فجاءت اللفظتان خربوسندسبالكسر
عوض الرفع، كما جاءت لفظة رسوله مكسورة
على العطف بدعوى المجاورة، وتحقيق الموسيقى
الجمالية اللفظية لا المعنى، كما جاء لفظ هذان
بالرفع عوض النصب، ولا صلة في هذا المثال بين
الجمالية الخالصة ومطالب المعاني الوظيفية. وتفتح هذه القراءات الأبواب على مصاريعها لتداخل
معياري جمالي في كثير من الأبواب النحوية التي يمكن
تدريسها في مختلف الأسلاك التعليمية على أسس
معيارية صوتية، وعلى أسس ديداكتيكية جديدة: « واللغة العربية كغيرها من اللغات، لا يمكن فهم
نحوها وصرفها فهمً متكاملً إلّ بعد فهم أصواتها،
وأخذها بعين الاعتبار، حيث تقوم بعض الأبواب
النحوية والصرفية على اكتناه الظواهر الصوتية،
والاعتماد عليها اعتمادًا تامًّا». • البنية الصرفية، أو الصيغة، وهي القرينة التي
يقدمها النظام الصرفي إلى النظام النحوي، وقيمتها
في الإفادة رهينة بارتباط الأبواب النحوية بالأمور
البنائية الخاصة. والحديث عن الصيغة يجرّ حتمً إلى التمييز بين المعنى
الوظيفي النحوي والصرفي، والمعنى المعجمي
العرفي والاجتماعي، على اعتبار أننا لا نلمس البُعد
الاجتماعي إلّ في المعنى الدلالي الذي يكشف عنه
الكلام، وعلى اعتبار أن الصيغة مبنى صرفي، أمّا
الألفاظ المصوغة على قياسها فتنسب إلى الحقل
المعجمي وتنعت بالكلمات. يقول تمام حسّان: «البنية إطار ذهني للكلمة المفردة، وليست هي
الكلمة ذات المعنى المفرد. وربمّا قرب ذلك للفهم
أنْ نقول إنّ البنية مفهوم صرفي لا ينطق، وإنّ
الكلمة مفهوم معجمي منطوق بالقوّة، وإنّ اللفظ
مفهوم استعمالي تتحقق به الكلمة بالفعل بوساطة
النطق أو الكتابة في محيط الجملة ».
وللبنى الصرفية صلة وثيقة بالعلاقات السياقية، من حيث إن الصيغة الصرفية تنبئ عن علاقاتها السياقية، ومن حيث إن لهذه الصيغة ودلالتها أثرًا
نحويًا يتمثّل في هذه العلاقات. وقد عُدّت الضرورات الشعرية ترخيصًا لقرائن
معيّنة وتغييبًا لأخرى، وقد تراوحت بين الزيادة
أو النقصان أو الحذف، من ذلك قول امرئ القيس: فَاليَوْم أَشَْ بْ غير مُسْتَحْقِبٍ
إثْمًا مِن الله ولَ واغِل يريد أَشَْ بُ، وقد حُذفت علامة الإعراب
(الضمة) من الحرف الصحيح تحقيقًا للخفة،
وإجراءً للوصل مجرى الوقف. وقد أنكر البعض
إذهاب قرينة حركة الإعراب بالتسكين، على الرغم من أنه لمعنى، وأنه جائز سماعًا وقياسًا، ولا
أحد من النحاة يخالف ذلك، ويمنع جواز ذهاب حركة الإعراب للإدغام، فالجواز للإدغام بذهاب الضم يقابله عدم الإنكار للتسكين بالإذهاب أيضًا، وقد ثبت هذا التسكين في مواضع شعرية
كثيرة. وفْق هذا التصرف، يمكن أن يغدو كثير من البنى الصرفية كأبواب: المصدر وعمله، واسم الفاعل واسم المفعول وعمله، وأسماء الزمان والمكان، وأسماء المرّة والهيئة، واسم الآلة، وغيرها من
الأبواب التي تدرّس في مؤسّساتنا التعليمية،
أبوابًا لتداخل إبداعي، معياري وبنائي، على اعتبار
أن:
« من الصعب الفصل بين النحو والصرف، لأنّ هذا
الأخير مقدمة للدرس النحوي، وهما متماسكان في
الدرس اللغوي، ومترابطان على اعتبار أنّ اهتمام
الصرف ببنية الكلمة إنمّا هو بهدف استغلالها في التركيب النحوي، وما الفصل بينهما في بعض
الأحيان إلّ أمر صناعي وشكلي، لا تسوّغه إلّ
الرغبة في التحليل، أو تفكيك القول لأغراض تعليمية ». • الربط: ترتبط ظاهرة الربط بالجانب الذهني للفرد، خاصة حقلي الذاكرة والتصرف؛ الذاكرة التي تعمل على تنشيط العقل لتحقيق ما يتصل بالتداعي والترابط. أمّا التصرّف، فيقوم على
الإدراك العميق للقرائن، ولذلك يحتاج الحقلان إلى المثيرات والدوال كعناصر في صميم الربط. ونظرًا إلى محدودية قدرات الذاكرة والتصرف،
فإنهما يحتاجان أيضًا إلى الإكثار من هذه الدوال
لإثارة موضوع التعرف والتحديد، ومن هذه المثيرات التي تحث الإنسان على التذكّر. وهكذا يضمّ التركيب اللغوي جملة من القرائن
التي تساعد على التعرّف والإدراك، كما يضمّ
وسائل ربط تعود إلى النظام الصرفي وتساعد على التذكر. يقول تمام حسّان: «من هنا تشتمل تراكيب اللغة على قرائن تعين على التعرف وتشتمل أساليبها على وسائل تعين على
التذكر، والأمر في الحالين يتعلّق بظاهرة من ظواهر الاستعمال اللغوي تسمى بالربط، سواء في ذلك أنْ
يكون الربط قرينة من قرائن النحو أو وسيلة من وسائل الأسلوب ». وتؤدي الروابط دورًا كبيرًا في تحقيق التماسك بين
المتتاليات اللفظية، من ذلك الضمير الذي يعدّ من
الروابط المهمة في الجملة، وقد يتمّ تعويضه بقرينة
أخرى ويبقى المعنى واضحًا من دون الحاجة إلى
هذا الرابط، من ذلك قوله تعالى:
- ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون
بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم
نسوا الله فنسيهم إنّ المنافقين هم الفاسقون. وعد
﴾الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنّم. - ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض
يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.... وعد الله
﴾المؤم ين والمؤمنات جنّات - ﴿ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا
حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إنّ الذين
﴾يفترون على الله الكذب لا يفلحون. نلاحظ تكرار المنافقين والمنافقاتفي المثال الأول،
والمؤم ين والمؤمنات في المثال الثاني، ولفظة الكذب
ثلاث مرّات في الآية الثالثة. وقد تمّ تكرار الألفاظ
بأصواتها عوض الضمائر العائدة تأكيدًا للربط. كما يعمل عدد كبير من الأدوات على تحقيق الترابط
بين المتتاليات التلفظية، وتحمّل عبء أسلوبها
المعياري، فإسقاط أداة الربط في قولنا: - متى حضر الأستاذ؟ - إنْ نجحت أكرمتك. يحيل الاستفهامَ إلى جملة خبرية (حضر الأستاذ)،
كما يحيل الشرطَ إلى جملتين خبريتين لا يربط بينهما
رابط (نجحت أكرمتك). ويمكن أن تفتح روابط العطف والاستثناء والجر
والحال، وغيرها من الروابط الداخلة على المفردات
من أسماء وأفعال وأوصاف وضمائر، أبواب
الاتّساق والانسجام اللذين يحققان التماسك
على مستوى المتتالية التلفظية، أو المتتالية النصية،
وهما من الدروس اللغوية التي ينكب عليها طلبة
المدارس المغربية ضمن برنامج القراءة المنهجية
للنصوص القرائية.
• الرتبة: وهي قرينة تعود إلى علاقة المبنى بالمعنى
في السياق، والنظام النحوي يقرّ قانون الرتبة مبدأً
ويسمح بالتقليب في الاستخدام أسلوبًا. يقول تمام
حسّان: «وهي قرينة نحوية ووسيلة أسلوبية: أي أنّا في
النحو قرينة على المعنى، وفي الأسلوب مؤشر
أسلوبي ووسيلة إبداع وتقليب عبارة واستجلاب
معنى أدبي ». وللرتبة دور في حفظ النظام والاستعمال بعدم
احتمال التقديم والتأخير رفعًا للَّبس وتحقيقًا لإفادة
المتتاليات التلفظية، أو باحتمال التقديم والتأخير
مع أمن اللبس والتصرف في الاستخدامات
الأسلوبية، وفي ذلك من التفاعل المعياري،
النحوي والبلاغي، والأمثلة على ذلك كثيرة: - ﴿ويصنع الفلك وكلمّا مرّ عليه ملأ من قومه
﴾سخروا منه - ﴿ وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح
﴾ابنه فالرتبة معلومة بين جملة الحال والفعل، وقد وقع
خرقها بحسب الدواعي الأسلوبية، والتقدير:
(وكلمّا مرّ عليه ملأ من قومه سخروا منه وهو
يصنع الفلك)، و (ونادى نوح ابنه وهي تجري بهم)،
ومثيل ذلك قوله تعالى: ﴿ واصطنعتك لنفسي.
﴾اذهب أنت وأخوك بآياتي، والتقدير: (اذهب
أنت وأخوك بآياتي وقد اصطنعتك لنفسي). هذه أمثلة بسيطة للرتبة بين الكلمات. أمّا رتبة
حروف المعاني والأدوات، فأوضح صور حفظها
ما يكون بين الحرف ومدخوله، من ذلك تصدّر
همزة الاستفهام جميع مكونات التركيب، بما في
ذلك العطف، وهو ما يتناسب ومعنى صدارتها،
يقول تعالى:
- ﴿أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون
﴾يمشون في مساكنهم - ﴾ ﴿أو كلمّا عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم - ﴾ ﴿أثُمّ إذا ما وقع أمنتم به فقد تقدمت همزة الاستفهام حروف العطف الفاء
والواو وثمّعلى الرغم من تقدمها على أدوات
استفهام أخرى في مواضع غير الهمزة. ويمكن أن يغدو الكثير من الأبواب النحوية كالفاعل ونائبه بعد الفعل، والموصول بعد الصلة، والتمييز بعد المميّز، والصفة بعد الموصوف،
وغيرها من الأبواب، مجالً للتفاعل الإبداعي بين الدرس النحوي والدرس البلاغي في المنظومة اللغوية العربية، حيث قرينة الرتبة القرينة النحوية والوسيلة الأسلوبية، فهي قرينة على المعنى في
الدرس النحوي، ودالّ أسلوبي في الدراسة الأسلوبية، ووسيلة إبداع في استقطاب المعاني الأدبية. • التضام: في البدء اعتمد تمام حسّان في تناوله قرينة
التضام على شرح محوري التقليب Diachronic / العمودي والتركيب Synchronic / الأفقي في فكر البنيويين، وفي داخل نظام اللغة لأهميتها الخاصة؛ ذلك أن العلاقة التقليبية علاقة رأسية كاشفة عن التنوع المتاح للاختيار، وتسمح باستبدال مكون بآخر، كاستبدال الفرع بالأصل
على أساس أن يكون الأمر مرتبطًا بصلاحية هذا الاستبدال أو عدم صلاحيته، وعلى أساس
أن تحقق المعاقبة وتغيّ المعنى دالّ على اختلاف
الأصلين، وامتناعها دالّ على وحدة الأصل. أمّا العلاقة التركيبية، فهي علاقة أفقية تحكم
الترابط بين مكونات النمط التركيبي/ الجملة،
وعناصر النص. ويعدّ التتابع مظهرًا من مظاهر
هذه العلاقة، كما تعدّ المعاقبة والتضاد والتكامل
فروعًا على العلاقة التركيبية. يقول تمام حسّان عن
علاقة العلاقتين بقرينة التضام: «والعلاقتان التقليبية والتركيبية كلتاهما ذواتا صلة
وثيقة بقرينة التضام التي نعرف من خلالها إمكان
التوارد والمعاقبة والتنافي أو التضاد والتكامل الذي
يظهر بوضوح أنّ العنصرين المتكاملين لا يتعاقبان،
أمّا التتابع فهو المسرح الأصيل لقرينة التضام في
السياق ». وهكذا، فالتضام يخص التراتبية التلفظية أو
التأليف التركيبي وفق محوري التقليب والتركيب،
أو معايير تأليف المتتاليات التركيبية، أو مبادئ
وقواعد إفادة الكلام، كاختصاص دخول لم على
الفعل المضارع، كقوله تعالى: ﴿ لم يكن الذين
كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكيّن حتّى
﴾تأتيهم البيّنة، واختصاص ما بالدخول على
الجملة الاسمية، وعلى الناسخ، كما في قوله تعالى:
﴿وما أنت بهادي العُمْي عن ضلالتهم﴾، و﴿ ما
﴾كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا، واختصاص
إذا بالدخول على الجملة الفعلية، كما في الآية
الكريمة: ﴿ إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقًا وهي
﴾تفور. أمّا إذا دخلت على الاسم، كما في قوله
تعالى:﴿ إذا السمّاء انشقت ﴾، فالواجب تقدير
فعل يفسّه الفعل المذكور، ويصبح التقدير: (إذا
انشقت السمّاء انشقت). ومن شأن هذا الاختصاص أن يحقق التضام
والتناسب بين الكلمات داخل الأنماط التركيبية
في انسجام مع بقية القرائن الأخرى، وأن يلحق
العمل المعنوي بالعمل النحوي المفيد في نظم
الجملة، وفي تحقيق المناسبة المعجمية بأن يرتبط
اللفظ بما يلائمه من الألفاظ، وفي ذلك حثٌّ على
استغلال المعطيات المعيارية في إطار التناسب
النحوي المعجمي، وانفتاحٌ إجرائي جديد
للدرس النحوي على معطيات الدرس المعجمي
العربي. • الأداة: هي القرينة اللفظية المستخدمة في التعليق
والمهمّة في التركيب العربي، وهي القرينة المبنية
التي لا تظهر عليها العلامة الإعرابية كغيرها
من المبنيات ذات الرتبة التي تجعلها في غنى عن
الإعراب. وهي القرينة على المعنى المفرد ورتبتها
التقدم دائمً، كما أنها القرينة على المعنى الجملة/
النمط التركيبي، ولها الصّدارة على العموم، ولكل
أداة من الأدوات الداخلة على المفردات والأدوات
الداخلة على الجمل ضمائم خاصة وتتطلب بعدها
شيئًا معيّنًا، يلائم أو يخالف الشيء الآخر توزيعيًا،
وتكون الأداة قرينة الجملة، وتحديد الجملة بالأداة
هو الأعم في العربية، وقد تحذف هذه الجملة
وتبقى الأداة قرينة ونائبة عنها بحكم ما بينهما من
التضام. يقول تمام حسّان: «من الأدوات ما يدخل على الجملة فيكون مسلطًا
على علاقة الإسناد بين طرفيها أو بين الجملة
وجوابها، ومنها ما يدخل على المفردات فيربط
المفرد الذي في حيزه بعنصر آخر من عناصر
الجملة. والمعروف أنّ الأدوات ذوات معان، فما
كان منها داخلً على الجملة فقد يلخص الأسلوب
النحوي للجملة كالنفي أو الشرط أو الاستفهام ». فالأداة بنية أخرى من بنى الأنماط التركيبية،
وهي تدخل على المفرد فتكون معناه، كما تدخل
على الجملة فتكون معناها، كالنفي أو الشرط أو
الاستفهام أو التوكيد، كقوله تعالى: إنّ﴿ إنّ رحمة الله قريب من المحس ين ﴾
أنّ﴿ قل أُوحي إليّ أنّه استمع نفرٌ من الجن ﴾ّ
أنْ﴿ أنْ طهّرا بيتي للطّائفين ﴾ لام التوكيد (إنّك لسيف يستضاء به) وقد حققت قرينة الأداة في هذه الأمثلة علاقة
الإسناد بين أطراف الجملة، حتى تعيّنت في
الدرس العربي بعض الجمل ببعض الأدوات،
والتعيّ هو الغالب، فقلمّا تخلو الجمل العربية
من الأداة التي قد تبقى دالة بنغمتها على الجملة
المحذوفة بكاملها، كما تبقى الدليل الدّال عليها،
نائبة عنها، وقرينة عليها بحكم قرينة التضام،
ومن ذلك، على سبيل المثال، قولنا: علام، وإلام،
ولو...، وقد يحدث العكس بأن تسقط الأداة عن
الجملة كحذف لا في قوله تعالى: ﴿ تالله تفتأ تذكر
﴾يوسف، فأغنت قرينة النغمة عن قرينة
الأداة، كما دلّت قرينة التضام على المعنى مع تحقق
أمن اللَّبس، كما قد يسقط حرف النداء أو العطف،
ويبقى النداء والعطف مفهومين بقرينة النغمة
أو بواسطة قرائن أخرى، وفي هذا المجال انفتاح
على التفاعل المعياري الصوتي، وتجاوب إبداعي
للدرس النحوي مع الدرس الصوتي على اعتبار
الأداة بنية من البنى الدالة داخل الأنماط التركيبية
العربية: « وقد أدرك النحاة العرب إدراكًا عميقًا هذه العلاقة
بين المستويات اللغوية؛ ووجوب اعتماد النحو على
المعطيات الصرفية والصوتية». كما يمكن أن تستغل الكثير من الأبواب النحوية في
تفاعل واستغلال جمالي للدرس الصوتي: «وما أبواب الإبدال والإعلال بأنواعه الثلاثة،
والتصغير، وغير ذلك، إلّ تجسيد صارخ للعلاقة
الجدلية والفاعلة بين النحو والصوت والصرف،
كمستويات لسانية، واختيارات إبداعية، يقوم
عليها كلّ نظام لغوي ».
• النغمة: نميّز في الكلمات العربية بين الصيغ الصرفية
المرتبطة بالنظام الصرفي، والصيغ التنغيمية المتصلة
بالنظام النحوي أو بالأحرى المعاني النحوية، كما
تميّز الأنماطَ التركيبية قوالبُ تنغيمية ذات أشكال
وأنساق نغمية تفرّق بين جمل النفي وجمل التأكيد،
أو بين جمل الاستفهام وجمل التأكيد والإثبات على
سبيل المثال، لاختلاف الصيغ التنغيمية من حيث
الارتفاع أو الانخفاض، أو الاتّفاق مع النبر أو
عدم ذلك، أو من حيث الصعود من الأسفل أو
الهبوط من الأعلى، وقد تحذف الأداة الدالة فتحمل
النغمة عبء المعنى وعبء القرينة. والنغمة قرينة مهمّة أولاها النحاة قيمة كبيرة،
لا تبدو في صورة اللغة المكتوبة الصامتة، وإنما
في صورة التعبير الفني، شعرًا أكان أم خطابة أم
مسرحًا أم أداءً سينمائيًا. يقول تمام حسّان: «يمكن تعريف التنغيم بأنّه ارتفاع الصوت
وانخفاضه أثناء الكلام، وربما كان له وظيفة نحوية
هي تحديد الإثبات والنفي في جملة لم تستعمل فيها
أداة الاستفهام.... والوظيفة الأصواتية للتنغيم
هي النسق الأصواتي الذي يستنبط التنغيم منه.
أمّا الوظيفة الدلالية، فيمكن رؤيتها لا في اختلاف
علوّ الصوت وانخفاضه فحسب، ولكن في
اختلاف الترتيب العام لنغمات المقاطع في النموذج
التنغيمي الذي يقوم من الأمثلة مقام الميزان الصرفي
من أمثلته، اختلافًا يتناسب مع اختلاف الماجريات
العامة التي تمّ فيها النطق». ويربط تمام حسّان، على سبيل الإجراء، بين النغمة
والاستفهام في سياق الحديث عن حذف أداة
الاستفهام بلا لَبس في بيت شعري لعمر بن أبي
ربيعة (ت 93 ه) الآتي:
ثم قالوا: تُبّها؟ قلتُ: بهرًا! عددَ النَّجمِ والحصى والتّاب
وهذا البيت من شواهد النحاة على جواز حذف
حرف الاستفهام، وبهرا: مصدر بمعنى الغلبة،
كأن حبها غلبه واستولى عليه، وقد يكون المقصود:
بهرًا لكم أي: تبًّا وهلاكًا، أهذا يحتاج إلى سؤال؟ يذكر تمام حسان أن عبارة تحبها؟ قد وردت من
دون أداة الاستفهام كقرينة لفظية دالة، من غير أن
تفقد معناها الاستفهامي من البيت، وذلك بفضل
الصيغة التنغيمية لهذه العبارة، بل يمكن أن تتعدد
معاني هذا البيت الشعري بحسب النغمات التي
يمكن أن يقرأ بها، يقول: «فقد أغنت النغمة الاستفهامية في قوله: (تحبها؟)
بما لها من صفة وسيلة التعليق عن أداة الاستفهام،
فحذفت الأداة وبقي معنى الاستفهام مفهومًا من
البيت...». إن تجويز النحاة للحذف مشروط بوجود ما يشير
أو ما يدل على المحذوف، ولاشك أن في بيت عمر
ابن أبي ربيعة من القرائن، أكانت لفظية أم معنوية،
ما يدل على أن عبارة تحبها؟ تفيد الاستفهام، على
الرغم من عدم اقترانها بأداة الاستفهام. هكذا تسقط أداة الاستفهام هاته فتنوب عنها
النغمة، وتحمل عبء تمام المعنى، لأن تمام المعنى
وعدمه من أسس الدراسة التنغيمية، من ذلك
على سبيل المثال أيضًا إسقاط همزة الاستفهام في
قوله تعالى: ﴿ وتلك نعمة تمنّها عليّ أن عبدت بني
﴾إسرائيل، والتقدير: (أو تلك نعمة؟)، كما
سقطت في قول إبراهيم: ﴿ ومن ذرّيتي ﴾،
والتقدير: (أو من ذرّيتي؟)، وسقطت كذلك في
قول الكميت: طربت وما شوقا إلى البيض أطرب ولا لعبا منّي وذو الشيب يلعب والتقدير: (أو ذو الشيب يلعب؟).
ويعدّ إسقاط الأداة مؤشًّا أسلوبيًا، وتؤدي قرينة
السياق في النص المكتوب دورًا مهمًّ في تعويض
غياب التنغيم الذي يحتاج إلى تصور علمي، وإلى استغلال إجرائي يخدم الفاعلية النبرية المعيارية في التراث المعياري العربي. فالإعراب على هذا الأساس من الوسائل التي تحدد ما يسمّى المعنى الوظيفي الذي يحقق الفهم
المنشود، ويكشف عن المعنى اعتمادًا على ثلاث
ركائز أساسية هي: الصوت والصرف والنحو، وهي في حاجة إلى استغلال أفضل وجيد. يقول تمّام حسان بعد إعرابه بيتًا شعريًا: «هذا الإعراب الكامل التفاصيل يبيّ إلى أيّ حد
نستطيع الاتكال في التحليل اللغوي على ما أطلقنا
عليه اصطلاح (المعنى الوظيفي). فهذا المعنى
الوظيفي يحدد الفهم صوتيًا من حيث إن الحرف
مقابل استبدالي، وصرفيًا من حيث إن المبنى إطار
شكلي يتحقق بالعلامة، ونحويًا من حيث إن
العلاقة السياقية تكشف لنا عن ترابط المباني التي
تحققت بالعلامات في سياق النص». • قرينة السياق: هي ما يكتنف السياق من قيود
التركيب وشروط الإفادة؛ ذلك أنها تقوم على نظام اللغة بملفوظاتها المعجمية وعلاقاتها التجاورية المعيارية، وصيغتها الصرفية، ودلالاتها المتنوعة ومقامها بمختلف العناصر، وهي بذلك كبرى القرائن، ولأن الاعتماد عليها في تحقيق الإفادة وتحديد المعنى أكبر وأجهر من الاعتماد على القرائن اللفظية النحوية (العلامة الإعرابية، الربط، الصيغة،...). وتتحكم قرينة السياق في التمييز بين المعاني الحقيقية والمعاني المجازية، وفي تحديد مقصدية الكلام عند
غياب القرينة اللفظية، وهي التي أبعدت اللَّبس
عن المعاني القرآنية بعيدًا عن كثرة الاحتمالات التي
قد تسمح التراكيب بورودها. هكذا تغدو قرينة السياق كبرى القرائن، وهي
التي تدل على المعنى المقصود عند غياب القرينة
اللفظية، كما يغدو النحو علم علاقات، هي
علاقات النظام والرتبة والربط، إضافة إلى قرينة
السياق التي تكشف عن العلاقات التجاورية
داخل النمط التركيبي الواحد أو الأنماط التركيبية
المختلفة، وعند سقوط القرينة الموضّحة للمعنى
كما هو الأمر في قوله تعالى: ﴿ وإذِ اعتزلتموهم وما
﴾يعبدون إلّ الله، حيث يمكن بحكم التركيب
اعتبار ما نافية، لكن قرينة السياق المتمثلة في الآية،
15 من السورة نفسها: ﴿ هؤلاء قومنا اتّذوا من
﴾دونه آلهة، تدل على أن ما موصولة وليست
نافية، وإلّبمعنىغير أو من دون، ومن ذلك أيضًا
قوله تعالى: - ﴾ ﴿لهم أجرهم عند ربّم - ﴾ ﴿فلهم أجرهم عند ربّم فالإشكال كامن في الفاء الحاضرة فيفلهم والغائبة
في لهم، والحالة الثانية خير محض لم يقترن ب الفاء،
وسبب النزول مجيء عثمان () بألف دينار
لإنفاقها على جيش العسرة، فصبّها في حجر
الرّسول ()، والحالة الأولى معنى مشرّب معنى
الشرط، وسبب النزول الحض على التبرع للجهاد. وهكذا الحسم بين الخير المحض ومعنى الشرط
بقرينة السياق، وذلك دليل مهم على دراسة
العلاقات النحوية والمعجمية والدلالية،
ومعطيات السياق ككبرى الدوال في إطار دراسة
نصية إبداعية، وفي ذلك رجوع بهذه المعطيات أو
المستويات إلى الرّحم الحقيقي للغة، وهو القرآن
الكريم.
الإعراب بين كفاية المنهج وعمق النظرية
يربط مشروع تمام حسّان بين فكرة تضافر القرائن
والتحليل اللغوي على اعتبار الترابط الملحوظ بين
الدراسات اللغوية العربية والمباني على حساب
الاهتمام الباهت بالمعاني، وعلى حساب عدم
الترابط بين المعاني التركيبية والمباني الدالة عليها،
وفي مقابل عدم الاهتمام في التراث المعياري بالمعنى
المعجمي، أغفل حسّان في هذا المشروع دور
العامل النحوي في التحليل اللغوي، وكان البديل
الموضوعي والعلمي هو فكرة القرائن وتضافرها
في سبيل الوصول إلى المعنى التركيبي للقضاء على
وهم هذا العامل، والسؤال المطروح بإلحاح: هل
تغني فكرة القرائن عن نظرية العامل؟ بغضّ النظر عن أصالة مصطلح القرائن أو عدم
أصالته في النظرية النحوية بحكم وروده في عدد
من المصادر النحوية واللغوية، نلاحظ الرغبة
في تصوّر حسّان إلى إيصال المتلقي إلى معنى النمط
التركيبي الذي يقول عنه: « ومن هنا جاء مصطلح (النمط التركيبي) ليدل
على بناء الجملة من ركنيها وما عسى أن يكون
ضروريًا لعنصر الإفادة فيها ». ومواجهة هذا التصوّر يفرض حتمًالحديث عن
فائدة الإعراب وأصالته، لأن اختزال الإعراب في
قرينة واحدة بين قرائن عديدة موصلة إلى المعنى
التركيبي، يعدّ تقليلً من شأن هذه الآلية التي تعدّ
والعربية وجهين لعملة واحدة. وقد دلّ الاسم على
المسمّى، وبينهما من الاشتقاق اللغوي ما يفيد دقّة
المصطلح تحديدًا وغرضًا في الفكر اللغوي العربي.
يقول محمد حسن عن تصوّر تمام حسّان: «وهو محاولة تهويل شأن الإسناد الذي سمّه
التعليق، فهو (أمّ القرائن)، وهو (الغاية الكبرى
من التحليل الإعرابي) ثم محاولة استبعاده من مجال
النحو». وقد ارتكزت فكرة تضافر القرائن بالأساس على تفكيك بنية الإسناد وبيان العلاقات التجاورية بين المواضعات اللغوية الذي يعدّ من مهمات
آلية الإعراب. وهكذا تعدّت الفكرة نظرية
العامل وأثرها في تحديد العلامات الإعرابية إلى مفهوم القرائن، بما فيها القرائن اللفظية والقرائن المعنوية، والذي يقوم على فكرة التعليق أو العلاقات السياقية باعتبارها الفكرة الأساسية في التراث المعياري. ولا يبعد هذا المفهوم الذي هوَّل من شأن الإسناد عن ملاحظات جوهرية
هي كالتالي: إغفال المعنى المعجمي/ المقام: لم تعر فكرة
تضافر القرائن حاجة إلى هذا المستوى إذا اتضح المعنى الوظيفي للملفوظات التي تشكل النمط التركيبي؛ ذلك أن المعنى على المستويين الصوتي والنحوي معنى وظيفي، وأن الإعراب الكامل التفاصيل يمكن أن يعتمد في التحليل اللغوي على هذا المعنى. فالصلة من هذا المنظور قوية بين آلية الإعراب والمعاني الوظيفية؛ ذلك أن التحليل الإعرابي رهين بمجرد العلم بوظيفة الملفوظات في السياق، ويصبح في غاية الإفادة، فالوظائف معلومة من الصيغ والوضع، لا من الدلالة على المفهوم اللغوي، فيستطيع القارئ إعراب ملفوظات لا معنى لها، على أساس الصياغة على شروط العربية، والرصف على شاكلة الأنماط التركيبية. يقول تمام حسّان بشكل مجمل في
الموضوع: «فالإعراب إذًا فرع المعنى الوظيفي، لا المعنى
المعجمي، ولا المعنى الدلالي ».
ولا يمكن بحال من الأحوال تجاوز أو إغفال
المستوى المعجمي/ المقام لدوره في الكشف
عن المعنى، ولتداخله وتفاعله مع آلية الإعراب
في توجيه العلاقات التجاورية داخل النمط
التركيبي، وفي التحكم المنطقي في تحديد الوظائف
النحوية للمواضعات اللغوية إذا حمل الكلام على
الوجه المألوف، ولا تظهر قيمة ذلك في الإفادة إلى
حين التجاوز عن الرتبة حيث يصبح الإعراب
عملية أساسية، فالمعنى المعجمي يوجّه بشكل
قويّ تكييف وتجديد المواقع الإعرابية. إغفال التداخل النحوي المعجمي: نؤكّد مرّة
أخرى العلاقة الجدلية بين المعنى المعجمي/
المقام والمعنى التركيبي؛ ذلك أن ضعف القدرات
الذهنية للمتلقي قد تمنعه في أثناء الوقوف على
القرائن الظاهرة في مكونات النمط التركيبي
من تحسّس المعاني اللغوية والتقلبات النحوية،
ومن عدم التوصل إلى الإعراب الدقيق أو المعنى
التركيبي. يقول محمد حسن: «الوصول إلى الإعراب الدقيق (وهو دليل المعنى
التركيبي الدقيق) عن طريق التحسس للقرائن
الظاهرة المتمثلة في الصيغ وعلامات الإعراب
والرتب وما إليها بالصورة التي وضعها د. تمام
حسّان أمر غير موثوق به حتى على مستوى الجمل
البسيطة التي مثل بها. ذلك أنّه يمكن أن يكون
هناك جمل يخيّل للمتلقي المتحسس الذي لا يُعْمِل
ذهنه أنّا على نفس الصورة الظاهرية، في حين أنّا
مختلفة ولها إعراب مختلف ومعنى تركيبي مختلف ». فهل يمكن النظر إلى التعليق/العلاقات
السياقية الذي استخدمه تمام حسّان والذي
أورده عبد القاهر الجرجاني من دون النظر في
المعاني المعجمية، وأن لا سبيل إلى معرفة تعلّق
الألفاظ بعضها ببعض إلّ بعد معرفة معانيها في
النفس، وأن هذه الألفاظ تخضع لنظم ولتراتبية
نطقية بموازاة مع تراتبية المعاني؟ فالجرجاني لم يفصل بين المعاني النحوية والمعنى
المعجمي، وكان أكثر وضوحًا وبيانًا في اختلاف
المعاني مع ترتيب الألفاظ. وإذا كان تمام حسّان
قد أولى الأهمية للمعاني النحوية بعيدًا عن المعاني
المعجمية، فإن التعليق عند الجرجاني كشف عن
تداخل وتفاعل النحوي والمعجمي في الإفادة وفي
النظم. يقول أحمد سليمان ياقوت (٢: «وهكذا إذا مضينا إلى آخر الشوط، لا بدّ أن نجد
المعنى المعجمي أوّلً، وهو الذي يحدد المعنى
الوظيفي، أي الإعراب. ذلك لأن اللغة ليست
قوالب شكلية مجرّدة يُصبّ فيها أيّ كلام فيستقيم
الإعراب، ولكنّها - أي اللغة - وظيفة اجتماعية
قبل كل شيء، الغرض منها الإفهام. بل إنّ الأمر
يزداد وضوحًا عند عبد القاهر عندما يذكر صراحة
لفظ (العامل) وهو يقصد بالطبع العامل النحوي،
ويربط هذا العامل بالمعنى ووجوه البلاغة ». • السقوط في النمطية/ الصورية: يتمكّن الفرد من
منظور فكرة تضافر القرائن أن يعلم وظيفة الكلمة
في السياق ليعرف إعرابها إعرابًا صحيحًا، من دون
أن يكون لها معنى، على الرغم من أنها مصوغة على شروط اللغة العربية وتراكيبها. وهكذا يمكن إعراب كلام إذا اتضح معناه الوظيفي وغاب معناه المعجمي، ويكفي أن يكون هذا الكلام على شاكلة الأنماط الصورية العربية من حيث التراكيب والحروف والنطق؛ ذلك أن الكشف عن المعنى الوظيفي هو السبيل إلى الكشف عن التعليق/ العلاقات السياقية. ولا ينسجم هذا الأسلوب التحليلي إلّ والجمل النمطية التي هي صور تأليفية للكلام تلتزم الرتبة
وذكر ما يطرد ذكره ووصل ما يطرد وصله.
والنمطية تتعارض وإمكانية التوسع أو التصرّف
في ملفوظات الأنماط التركيبية وأنساقها؛ هذا
التصرف الذي يعدّ أهمّ خصائص اللغة العربية،
وتطبيق هذا الأسلوب يعدّ حرمانًا وانتقاصًا من
حرية اللغة وتراثها وأهلها. يقول أحمد سليمان
ياقوت (٣: «فهل بعد هذا نقول إنّ المعاني الوظيفية - أي
الإعراب - يعرف معزولً عن المعاني المعجمية؟
لا بأس في النظر إلى قرائن التعليق المعنوية
التي ذكرها الدكتور تمام، وهي قرائن الإسناد
والتخصيص والنسبة والتبعية. ولكن هذه القرائن
لا تعرف إلّ بإدراك المعاني المعجمية أوّلً، وإلّ
فمن أين لي أن أعرف أنّ هناك علاقة إسناد بين
(التلميذ) و (مجتهد) في الجملة: (التلميذ مجتهد)،
إذا لم أكن أعرف المعنى المعجمي لكل من التلميذ
والمجتهد؟» • التكلف في النموذج الجديد: نظرية العامل قديمة
قِدم النحو العربي، وردت في الكتابلسيبويه
على أساس نظريات العلماء السابقين، وتعرّضت
للنقد من دون أن يقدّم النقاد بدائل إجرائية قابلة
للتطبيق في الواقع العلمي، بما في ذلك البديل
النحوي الجديد الذي قدّمه تمام حسّان ممثلً في
فكرة تضافر القرائن بمختلف أنواعها، لتؤدي
المعنى المقصود من كل تركيب، وفي ذلك استغناء
عن فكرة العامل النحوي (٤. وتحتل العلاقة الإسنادية موقعًا مركزيًا في نظرية
الإعراب، ويتوقف وضوحها على كل كلام
مقروء على أواخر مكوناته العلامات الدالة، لما
يترتب على ذلك من أحكام دقيقة، إضافة إلى
وضوح العلاقات التجاورية بين المواضعات
اللغوية لدورها في المعنى، وبالتالي في إعطاء الحكم
الإعرابي الملائم، من دون أن نهمل دور الحدود
المعيارية الكثيرة التي شكّلت التراث العربي المعياري كأحكام التقدم أو التأخر، ونوع الكلمة
وصيغتها واشتقاقها وطرق تعلّقها، وغير ذلك من الأساسات، في التعبير عن المعاني. ونظرًا إلى التفاعل والتداخل الآلي بين العلامات
الإعرابية والعوامل، فقد غدت بأنواعها دالة لدورها في العلاقات الإسنادية. يقول عبد الكريم الرعيض (٥: «ومن ثمّ أصبحت القرينة الإعرابية – مع
احتياجها لغيرها – أوضحَ القرائن وأيسر السبل
للوصول إلى المعنى، فلا غرو أن يهتم بها النحاة
أكثر من غيرها، وإن كانوا لم يهملوا غيرها من بقية
القرائن ». وعلى هذا الأساس، لا خلاف بين النحاة والنقاد، ويمكن اعتبار مشروع فكرة تضافر القرائن مشروعًا نظريًا موسّعًا لإنجاز نحوي ضخم
مارسه النحاة العرب عبر التاريخ واختزلوه في ظاهرة الإعراب. والقول بالاستغناء عن العوامل مشروع مبني على فهم خاطئ لهذه الظاهرة، ولعلاقة النحاة التطبيقية بنظرية العامل، ولنمط الفكر المعياري القديم؛ فالنحاة، بحسب هذا التوجيه، سلكوا أبسط الطرق وأقربها، وما القول بصعوبة القواعد النحوية لصعوبة القوانين
العاملية إلّ دليل على العيوب المتمثّلة في الاعتماد على هذه القوانين لإصدار الأحكام النحوية،
وتغليبها على النصوص، والأخذ برأي الجمهور في
نظرية العامل أخذ بالسهل عملً وتطبيقًا وإفادة.
يقول عبد الكريم الرعيض (٦6): «إنّ النحاة لم يقصدوا من القول بالعامل مجرد
توضيح العلامة الإعرابية وتسويغ تغيّها كما
يعتقد هؤلاء الناقدون، بل إنّم كانوا يقصدون
بالعامل ما يوضّح الوظائف النحوية للكلمات من
فاعلية ومفعولية وإضافة ». إن مشروع تمّام حسان في الكشف عن المعنى
من خلال المبنى في اللغة العربية لم يكن معارضة
لمجهودات النحويين التطبيقية في هذا المضمار،
بل على العكس كان اجتهادًا وتوجيهًا في إطار
الأصول اللغوية والحدود المعيارية، وتفصيلً
لبعض المرتكزات التي قام عليها اشتغال آلية
الإعراب في تداخلها وتفاعلها مع مستويات اللغة
العربية التي حرص العلماء على سمتها، وعلى
تفوقها على غيرها من اللغات في البيان والبلاغة.
يقول أحمد بن فارس (ت 395 ه): «وإن أردت أنَّ سائر اللغات تُبينُ إبانة اللغة
العربية فهذا غلط، لأنّا لو احتجنا إلى أن نعبّ عن
السيف وأوصافه باللغة الفارسية لما أمكننا ذلك
إلا باسم واحد، ونحن نذكر للسيف بالعربية
صفات كثيرةً، وكذلك الأسد والفرس وغيرهما
من الأشياء المسمّة بالأسماء المترادفة. فأين هذا
من ذاك؟ وأين لسائر اللغات من السَّعة ما للغة
العرب؟ هذا ما لا خفاء به على ذي نُْيَة ». وهناك من يلاحظ على الأقدمين، خصوصًا
النحاة، قصورهم في إبراز خصائص البيان القرآني
بشكل مفصل يساعد على إظهار الأسلوبية الدقيقة
للنص القرآني، والسبب في ذلك ميلهم إلى التعميم
على الرغم من الجهد الهائل الذي بُذل في هذا
الإطار. وتمام حسان ينطلق دائمً من ملاحظة أساسية
مفادها أن النحاة القدامى أصابوا في تنظيرهم
عندما اعتبروا في قواعدهم الإعراب فرع المعنى،
وأخطأوا في تطبيقهم عندما صرفوا المعنى إلى
الجانب المعجمي والدلالي، ولم يهتموا بالمعنى
الوظيفي، يقول: «وحين قال النحاة قديمً: إنّ الإعراب فرع المعنى
كانوا في منتهى الصواب في القاعدة وفي منتهى
الخطأ في التطبيق. لأنّم طبقوا كلمة المعنى
تطبيقًا معيبًا حيث صرفوها إلى المعنى المعجمي
حينًا، والدلالي حينًا، ولم يصرفوها إلى المعنى
الوظيفي ». فإذا كان النحاة قد أحاطوا ببعض الأبواب دون
أخرى، أو أفرطوا في موضوع على حساب آخر،
فربما لأن الأمر مسلَّم به في ما بينهم، ولا يحتاج إلى
تناول الأمور الدقيقة؛ فالإعراب مثلً تتفاعل فيه
جملة من العناصر، كالمعجم والصوت والعلامة
الإعرابية والرتبة والمقام، وغير ذلك من القرائن
الدالة على المعنى، ولا أظن أن النحاة كانوا على
جهل بهذا التفاعل، لأنهم كانوا يمارسونه في الغالب
من دون تنظير، وليس من حقنا أن نحاسبهم على
ذلك، أو نحكم عليهم انطلاقًا ممّا يملأ الساحة
اللغوية والنقدية الآن من كمّ هائل من التنظيرات
وغياب لافت للتطبيقات الأصيلة والجادة،
فلكل عصر خصوصيته الفكرية والثقافية. فإذا
كانت الأسلوبية قد اعتبُرت في فترة من تاريخ
المناهج النقدية المنهج الجديد والملائم للمقاربة
النصية، فقد مارسها بعض العلماء القدامى في
كثير من مؤلفاتهم، كعبد القاهر الجرجاني في دلائل
الإعجاز، وابن قيم الجوزية (ت 751 ه) في بدائع
الفوائد، وأبي القاسم السهيلي (ت 581 ه) في
الروض الأنف. لقد مارس هؤلاء المنهج الأسلوبي من دون أن
تكون لديهم نظريات كاملة ومرقونة عن هذا
المنهج. يقول الدكتور محمد بوحمدي والدكتور
عبد الرحيم الرحموني:
«نحن لا نزعم أنّ هؤلاء العلماء الأفذاذ يمتلكون
وعيًا نظريًا كاملً عن هذا المنهج، إلّ أنّ متابعة
أعمالهم متابعة متأنية ودقيقة تكشف عن ملامح
أسلوبية واضحة ». كما كان النحاة القدامى يجنحون إلى التعميم،
على اعتبار أن المخاطَب كان ندًا لهم ينطق العربية
سليقة. وقد كان الشعر على اختلاف مراتبه، وهو الصياغة الفنية الراقية عند العرب، وسيلة الخاصة والعامة في التواصل والاتصال. فالنحوي عندما يعرب الكلام، لا يحتاج إلى أن يكشف عن جميع العمليات الذهنية والعلمية الكامنة وراء ذلك الإعراب، لأنه في غنى عنها، ولأن الإعراب بوعي عميق منه قد ناب عن كل ذلك. خذ على سبيل المثال ابن هشام الأنصاري
ت (761 ه) في مؤلَّفه مغني اللبيب عن كتب
الأعاريب، فإنه يكتب باختصار شديد ودقة لغوية
متناهية وأسلوب علمي رصين بعيد عن الجزئيات
النظرية البسيطة، لعلمه الكبير بأن المخاطَب يدرك ذلك، فلا داعي إليها. على الرغم من المآخذ، فإن للنحاة العرب فضلً
كبيرًا على الإعراب والعربية، وجهدًا عظيمً تجلّ
في نظرية العامل، سيحتفظ الزمن بأسرار العلامة الإعرابية وعجائب العلل والأسباب. يقول تمام حسان عن هذا الأمر بإعجاب كبير، وقد جُع
في التراث المعياري بين السهولة والامتناع، وبين منهج النحاة وعمق فلسفة العامل في علاقة الكل بالانبهار إزاء هذا التراث: «وإذا كان الناس يعجبون بمجهود النحاة - وحقهم
أن يعجبوا - فما ذلك لبساطة العرض أو صدق
النظرة أو كفاية المنهج بقدر ما هو لعمق الفكرة
وبراعة الجدل واللون الفلسفي الذي في كتبهم ».
خاتمة
نسجّل في ختام هذا العمل أهمية التعليق النحوي
في تحقيق التضام بين الملفوظات، وإقرار العلاقات
التجاورية للمواضعات اللغوية المقررة في الأنماط
التركيبية، والملزمة في التراث المعياري العربي. وقد
تموضعت نظرية الإعراب وفق البديل الجديد
الممثّل في فكرة تضافر القرائن التي تبنّاها تمام
حسّان بحزم، في بؤرة مركزية تجمع بين الوظيفي
والبنيوي، وتقف عند الحدود الجديدة التي يقرّها
المشروع، والتي تتراوح بين فاعلية القرائن اللفظية
والمعنوية في الأنماط التركيبية العربية، والمعاني
الوظيفية التي تؤديّها البنى اللغوية داخل هذه
الأنماط. وقد آمن هذا البديل بتعدد الأنظمة اللغوية داخل
كليّة اللغة، وبفاعلية البنى الصوتية والصرفية
والنحوية في حيوية هذه اللغة واتساعها، لدورها
في الكشف عن القرائن التي شكلت أساس النظام
النحوي. وحاولت ثنائية المعنى وتضافر القرائن الحلول
كبديل من التحليل الإعرابي الذي اعتبُر قرينة
قاصرة عن كشف كلية المعنى للنمط التركيبي،
والذي لا يتبدّى إلّ بتجاوز احتكار العلامة
الإعرابية للأداء المعنوي، مع إمكانية تعدد
المعنى الوظيفي للبنية الواحدة، والمعنى المعجمي
للملفوظ الواحد، على أساس الترابط القوي بين
التحليل والمعاني الوظيفية من دون اعتبار للمعاني
المعجمية والدلالية. في المقابل نسجّل قصور هذا البديل عن التعامل
مع الأنماط التركيبية العربية بشكل إجرائي وفعّال
لإسقاطه المعاني المعجمية والدلالية عن المستويين
النحوي والصوتي، لأن المعاني على الأبواب
النحوية والبنى الصوتية معان وظيفية، والتحليل
الإعرابي شديد الارتباط بوظيفة الملفوظات في
السياق. نتج من هذا الإسقاط إهمال التفاعل بين المعاني
المعجمية والمعاني النحوية، وهو ما يتعارض
واستيعاب العلاقات السياقية التي تقوم على
خاصية النظم/ التضام بين الملفوظات، وعدم
جدواها في التعرف إلى معانيها، الأمر الذي يحيل
الأنماط التركيبية العربية المعهودة بثرائها إلى أنماط
صورية تتعارض وخصائص التوسّع أو التصرّف
المعهودة في أساليب العربية. ختامًا، نسجل ركوب البديل الجديد للممتنع الذي
يعتبر العلامة الإعرابية قرينة قاصرة عن الوصول
إلى المعنى، ولا اعتبار لها من دون تضافرها مع بقية
القرائن، لفظية أكانت أم معنوية، على حساب
السهل الذي ركبه النحاة القدامى، ومفاده
الفاعلية المحسوسة/ المادية للعلامة الإعرابية،
والترابط الإجرائي والمنطقي بين العلة والأصوات
في مؤخرة الملفوظات؛ هذا السّهل الذي جمع بين
بناء ذهني في فكر النحوي المنظر، وفي ذهن المتكلم
الواعي، وبين بناء إجرائي محسوس يغني عن
المعين المكشوف للعامل الكاشف عن المعنى، لا
كما حاول البديل الجديد أن يستغني بالتضافر عن
نظرية العامل. وهكذا عدّت فكرة تضافر القرائن في نظرنا
أطروحة مهمة للتوسّع في نظرية الإعراب/
التحليل الإعرابي، لكنها زاغت عن مسار التناسب
بين الأصيل والجديد إلى مسار تقوية منهج جديد
يقوم على وصف البنى التركيبية وصفًا وظيفيًا
لا يراعي إطلاقًا مستويات/ أنظمة التركيب
الأخرى. مع ذلك، يعدّ فهم تمام حسان النحوي الجديد
توسيعًا لنظرية الإعراب، واجتهادًا رصينًا حاول
التأصيل من خلال الجمع بين معطيات الدرس
المعياري القديم، ونظريات البحث اللغوي
الحديث في أفق الكشف عن جمالية لغوية، تقوم
على الجمع بين البنيوي والوصفي، في تعارض مع
فهم النحاة القدامى، القائم على الربط بين العلة
والمعلول وعلى معاينة المحسوس، وهو ما فتح،
وسيفتح، آفاقًا رحبة لمسيرة التجديد في النحو
العربي على أساس الثوابت العلمية والأصول
التي ترسّخت على مدى قرون، وليس على أساس
التيسير القائم على الإلغاء أو على استبدال الحركة
بالسكون.
الهوامش
(1) عبد الوكيل عبد الكريم الرعيض، ظاهرة الإعراب في
العربية (طرابلس، ليبيا: جمعية الدعوة الإسلامية العالمية،
1988)، ص 405.
(2) أبو الفتح عثمان بن جني، الخصائص، تحقيق محمد علي
النجار (المدينة المنورة: المكتبة العلمية، [د. ت.])، ج 1، ص (3) الرعيض، ص.373-372
(4) تمام حسان، اللغة العربية: معناها ومبناها (الدار البيضاء،
المغرب: دار الثقافة، [د. ت.])، ص.182
(5) المصدر نفسه، ص.182
(6) محمد عبد المطلب، «النحو بين عبد القاهر وتشومسكي،»
فصول، السنة 5، العدد 2: تراثنا الشعري (1984)، ص.28
(7) نصر أبو زيد، « مفهوم النظم عند عبد القاهر الجرجاني:
قراءة في ضوء الأسلوبية،» فصول، السنة 5، العدد 2: تراثنا
الشعري (1984)، ص.17
(8) أحمد سليمان ياقوت، دراسات نحوية في خصائص ابن
جني (الإسكندرية، مصر: دار المعرفة الجامعية، 1990)، ص (9) أبو علي محمد بن المستنير بن أحمد النحوي اللغوي
البصري، المعروف بقطرب (ت 206 ه)، وانظر: شمس الدين
أبوالعباس أحمد بن محمد بن خلكان، وفيات الأعيان وأنباء
أبناء الزمان، تحقيق إحسان عباس، 8 ج (بيروت: دار صادر،
1972-1970[])، ج 4، ص 312.
(10) أبو العبّاس أحمد بن عبد الرحمن بن محمد
اللخمي القرطبي بن مضاء (ت 592 ه). وانظر: جلال الدين
عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، بغية الوعاة في طبقات
اللغويين والنحاة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط 2
(بيروت: دار الفكر، 1979)، ج 1، ص 323.
(11) أحمد بن عبد الرحمن بن مضاء، كتاب الردّ على النحاة،
تحقيق شوقي ضيف، ط 2 (القاهرة: دار المعارف، 1982)،
المدخل، ص.35-34
(12) انظر: إبراهيم مصطفى، إحياء النحو، ط 2 (القاهرة: دار
الكتاب الإسلامي، 1992)، ص.50
(13) تمام حسان: البيان في روائع القرآن: دراسة لغوية وأسلوبية
للنص القرآني (القاهرة: عالم الكتب، 1993)، ص 198؛
مقالات في اللغة والأدب (القاهرة: عالم الكتب، 2006)، ج 1،
ص 255، واللغة العربية: معناها ومبناها، ص.205
(14) القرآن الكريم، «سورة الإنسان،» الآية.21
(15) المصدر نفسه، «سورة التوبة،» الآية.3
(16) المصدر نفسه، «سورة طه،» الآية.63
(17) عبد النبي هماني، جمالية تحليل الخطاب: دراسة لغوية
وظيفية لبدائع الفوائد لابن قيم الجوزية (الدار البيضاء: أفريقيا
الشرق، 2014)، ص 36.
(18) حسان، البيان في روائع القرآن، ص.17
(19) أبو الحسن علي بن مؤمن بن محمد بن عصفور، ضرائر
الشعر، تحقيق إبراهيم محمد (بيروت: دار الأندلس، 1980)،
ص.93
(20) هماني، ص.33
(21) حسان، مقالات في اللغة والأدب، ج 1، ص 170. ويشير
إلى وظيفة الربط باعتبارها علاقة من العلاقات السياقية في:
حسان: البيان في روائع القرآن، ص 109، واللغة العربية: معناها
ومبناها، ص.213
(22) القرآن الكريم، «سورة التوبة،» الآيتان 6.8-67
(23) القرآن الكريم، «سورة التوبة،» الآيتان.72-71
(24) المصدر نفسه، «سورة النحل،» الآية.116
(25) في رحاب اللغة العربية: السنة الثانية من سلك البكالوريا
(مسلك الآداب والعلوم الإنسانية) (الدار البيضاء: قطاع التربية
الوطنية،.)2007
(26) حسان، البيان في روائع القرآن، ص.91
(27) القرآن الكريم، «سورة هود،» الآية.38
(28) القرآن الكريم، «سورة هود،» الآية.42
(29) المصدر نفسه، «سورة طه،» الآيتان.42-41
(30) المصدر نفسه، «سورة طه،» الآية.128
(31) القرآن الكريم، «سورة البقرة،» الآية.100
(32) المصدر نفسه، «سورة يونس،» الآية.51
(33) حسان، البيان في روائع القرآن، ص 154، وظاهرة التضام
واحدة من القرائن اللفظية الدالة على المعنى النحوي كغيرها
من القرائن الأخرى، كالعلامة الإعرابية والمطابقة والربط
والرتبة والأداة والتنغيم. انظر: تمام حسان: اجتهادات لغوية
(القاهرة: عالم الكتب، 2007 ص)، 1 6، واللغة العربية: معناها
ومبناها، ص.216
(34) القرآن الكريم، «سورة البينة،» الآية.1
(35) المصدر نفسه: «سورة النمل،» الآية 81 و«سورة آل
عمران،» الآية 76 على التوالي.
(36) القرآن الكريم، «سورة الملك،» الآية.7
(37) المصدر نفسه، «سورة الانشقاق،» الآية.1
(38) تمام حسان، الخلاصة النحوية (القاهرة: عالم الكتب،
2000)، ص.70
(39) القرآن الكريم، «سورة الأعراف،» الآية.56
(40) المصدر نفسه، «سورة الجن،» الآية.1
(41) المصدر نفسه، «سورة البقرة،» الآية.125
(42) المصدر نفسه، «سورة يوسف،» الآية.85
(43) هماني، ص.36
(44) المصدر نفسه، ص.38
(45) تمام حسان: مناهج البحث في اللغة (الدار البيضاء: دار
الثقافة، 1979)، ص 198، ومقالات في اللغة والأدب، ج 1،
259، حيث النغمة قرينة مهمة في الكلام المنطوق لم يقلل من
قيمتها النحاة.
(46) محمد محيي الدين عبد الحميد، شرح ديوان عمر بن
أبي ربيعة، ط 3 (القاهرة: مطبعة المدني، 1965)، ص 431،
وحسان، اللغة العربية: معناها ومبناها، ص 227، والبيت من
قصيدة مطلعها:
قال لي صاحبي ليعلم ما بي:
أتُحبُ القتولَأختَ الرَّبابِ؟
انظر: عبد الحميد، ص.430
(47) حسان، اللغة العربية: معناها ومبناها، ص.227
(48) القرآن الكريم، «سورة الشعراء،» الآية.22
(49) المصدر نفسه، «سورة البقرة،» الآية.124
(50) الكميت بن زيد الأسدي، ديوان الكميت بن زيد الأسدي،
جمع وشرح وتحقيق محمد نبيل طريفي (بيروت: دار صادر،
الطبعةالأولى، 2000)، ص 512.
(51) حسان، اللغة العربية: معناها ومبناها، ص.184
(52) انظر: حسان، مقالات في اللغة والأدب، ج 2، ص -65
.66 ويفرّق فاضل صالح السامرائي بين السياق والمقام بقوله:
« والسياق غير المقام ولكنهما قد يتداخلان. فالسياق هو مجرى
الكلام وتسلسله واتصال بعضه ببعض. وأمّا المقام، فهو الحالة
التي يقال فيها الكلام، وذلك كأن يكون المقام مقام حزن وبكاء
أو مقام فرح وسرور أو مقام تكريم أو مقام ذم أو غير ذلك ».
انظر: فاضل صالح السامرائي، الجملة العربية والمعنى (بيروت:
دار ابن حزم، 2000)، ص.63
(53) القرآن الكريم، «سورة الكهف،» الآية.16
(54) المصدر نفسه، «سورة الكهف،» الآية.15
(55) المصدر نفسه، «سورة البقرة،» الآية.262
(56) المصدر نفسه، «سورة البقرة،» الآية.274
(57) لمصطلح القرائن حضور قويّ في التراث المعياري،
وقد استُثمر بشكل فعّال في بيان العلاقات بين الكلمات داخل
الأنماط التركيبية. ونجد الحديث عن القرائن باللفظ الصريح أو
بما يدلّعليه متناثرًا في الكثير من الأبواب النحوية والمصادر
اللغوية، أذكر على سبيل المثال لا الحصر:
أ- ابن جني، ج 1، ص 35، حيث أشار ابن جني إلى الدلائل
التي تقوم مقام بيان الإعراب في باب «القول على الإعراب».
ب- أبو محمد عبد الله بن يوسف بن هشام، مغني اللبيب عن
كتب الأعاريب، حققه وعلق عليه مازن المبارك ومحمد علي
حمد الله؛ راجعه سعيد الأفغاني، ط 5 (بيروت: دار الفكر،
1979)، ص 789 وقد ذكر ابن هشام (ت، 761 مصطلح ه)
القرينة باللفظالصريح في سياق الحديث عن قوله (): « لولا
أن قومك حديثو عهد بالإسلام...»: «وعن الكسائي في إجازته
الجزمَ بأنّه يقدر الشرط مثبتًا مدلولً عليه بالمعنى لا باللفظ،
ترجيحًا للقرينة المعنوية على القرينة اللفظية، وهذا وجه حسن
إذا كان المعنى مفهومًا».
ج- أبو البقاء يعيش بن علي بن يعيش، شرح المفصل (بيروت:
عالم الكتب، 1980[])، ج 1، ص 80، حيث قال ابن يعيش
بخصوص إضمار الفاعل في قولهم: « إذا كان غدًا فأتني»:
«فأضمر الفاعل لدلالة الحال عليه وصار تفسير الحال كتقديم
الظاهر »، على اعتبار كان بمعنى الحدوث، والتقدير: (إذا حدث
هذا الأمر غدًا فأتني).
د- جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، همع الهوامع
في شرح جمع الجوامع، تحقيق أحمد شمس الدين (بيروت؛
القاهرة: دار الكتب العلمية، 1998)، حيث ذكر السيوطي
(911 تالمصطلح صراحة بخصوص تقدير المحذوف في ه)
قوله تعالى: ﴿قالوا لو شاء ربّنا لأنزل ملائكة﴾ (القرآن الكريم،
«سورة فصلت،» الآية 14)، وذلك بقوله: «فإنّ المعنى لو شاء
ربّنا إرسال الرسل لأنزل ملائكة، بقرينة السياق » (السيوطي، ج
2، ص 10)، كما ذكره باللفظ الصريح في باب «أوجه حذف
ناصب المفعول بهجوازًا ووجوبًا»، انظر: السيوطي، ج 2، ص (58) حسان، البيان في روائع القرآن، ص.56
(59) محمد حسن حسن جبل، دفاع عن القرآن الكريم: أصالة
الإعراب ودلالته على المعاني في القرآن الكريم واللغة العربية
(بسيون غربية، مصر: البربري للطباعة الحديثة، [د. ت.])، ص 0(6) حسان، مناهج البحث في اللغة، ص.228
(16) جبل، ص.175
2(6) أحمد سليمان ياقوت، ظاهرة الإعراب في النحو العربي
وتطبيقاتها في القرآن الكريم (الإسكندرية، مصر: دار المعرفة
الجامعية، 1994)، ص 83.
3(6) ياقوت، ص.83
4(6) انظر: الرعيض، ص.375-374
5(6) المصدر نفسه، ص 375. ويقرّ أحمد مختار عمر برأيه
في الإعراب، كما يقرّر وظيفة الضبط الإعرابي في الإفادة،
والتناسب بين الملفوظات والتوسّع في انتقاء المواقع التركيبية
مع أمن اللَّبس، حيث يقول: « فإنّني أرى هذا الإعراب خيرًا لا
شرًا، ونعمة لا نقمة، ذلك أنّ الضبط الإعرابي يوضح العلاقات
بين كلمات الجملة، ويحدّد للسامع وظيفة كلّ كلمة، وهو في
الوقت نفسه يعطي الكاتب حرية تحريك الكلمات من أماكنها،
تقديمًا وتأخيرًا، لأسباب بلاغية وأسلوبية، دون ما خوف من
غموض أو إبهام ». انظر: أحمد مختار عمر، « اللغة العربية بين
الموضوع والأداة،» فصول، السنة 4، العدد 3: الحداثة في اللغة
والأدب (صيف 1984)، ص.146
(66) الرعيض، ص 376. ويقول محمد حسن عن أطروحة
تمام حسّان والنحو القديم: « يلاحظ أنّ تصوّر د/ تمام للتحليل
النحوي مبني على أساس الإحاطة بالمعلومات النحوية التي
أدخلها في التحليل (الصيغ وصور الإعراب والإسناد والتعدية
والرتب والمطابقة.. وصور تركيب الجمل.. إلخ)، هذه واحدة،
والأخرى أنّ ثغرات هذا التصور تجعلنا نتساءل عن جدوى
هجر النحو القديم الذي عالج مئات الأئمة - على امتداد بضعة
عشر قرنًا - كل ثغراته إلى تصور جديد مليء بالثغرات، وهو في
أحسن تقدير له محاولة للتعبير عن القديم نفسه بمصطلحات
جديدة غير محكمة». انظر: جبل، الهامش، ص.179 -178
7(6) أبو الحسين أحمد بن زكريا بن فارس، الصاحبي، تحقيق
أحمد صقر (القاهرة: مطبعة عيسى البابي الحلبي، 1977)، ص 8(6) انظر: عفت محمد الشرقاوي، بلاغة العطف في القرآن
الكريم: دراسة أسلوبية (بيروت: دار النهضة العربية، 1981)،
ص.15
9(6) حسان، مناهج البحث في اللغة، ص.227
(70) عبد الرحيم الرحموني ومحمد بو حمدي، التحليل
اللغوي الأسلوبي: منهج وتطبيق (فاس، المغرب: Info-
Print، 1994)، ص 5. ويقول بوحمدي عن المنهج الأسلوبي
وأبي القاسم الزمخشري (ت 538 ه): «غير أنّ أوضح من طبق
نتفًا من المنهج الأسلوبي هو الزمخشري، ولست أزعم أنّ هذا
العالم الجليل يمتلك وعيًا نظريًا كاملً عن هذا المنهج، إلا أنّ
متابعة تفسيره لكتاب الله عز وجل الموسوم بالكشاف، تكشف
عن ملامح أسلوبية بارزة». انظر: محمد بو حمدي، « ملامح
أسلوبية في تفسير الكشاف للزمخشري،» المناهل (المغرب)،
السنة 20، العدد 48 (أيلول/ سبتمبر 1995)، ص.200
(71) تمام حسان، اللغة بين المعيارية والوصفية (الدار البيضاء:
دار الثقافة، 1980)، ص 172، ويعترف تمام حسان بضرورة
فهم عربي حديث يصحح فهمًا قديمًا في التراث: « أوّل ما ينبغي
أن نعترف به أنّ السلف من علمائنا أبلوا بلاء حسنًا في بناء صرح
العلوم العربية، وأنّ النتائج التي وصلوا إليها تعد رائعة من
جهتين: أولً: أنّ نقاد التراث العربي من المستشرقين يعترفون
طائعين أو مرغمين بأنّ العرب إذا كانت لهم فلسفة حقيقية فهذه
الفلسفة هي دراساتهم اللغوية، وبخاصة النحو، بما اشتمل عليه
من نظام استدلالي لا يمكن أن تصل إليه إلّ عقلية ذات مقدرة
فائقة على التجريد. ثانيًا: أنّ هذه البنية التي أقاموها صمدت
للتطبيق منذ القرن الثاني للهجرة حتى هذه اللحظة». انظر: تمام
حسان، «اللغة العربية والحداثة،» فصول، السنة 4، العدد 3:
الحداثة في اللغة والأدب (صيف 1984)، ص.135