الجابري: الدولة في الإسلام بين المفهوم والتاريخ
Al-Jabri: The State in Islam-Between Concept and History
الملخّص
ينطلق الجابري في مشروعه النقدي من افتراضه أن سلطة النموذج المرجع هي التي جعلت فريقًا منا يرى الأصالة في التراث وفي العودة إليه وحده، بينما الأصالة الحقيقية هي تلك التي يجب أن نحققها مع الفكر العالمي المعاصر ومن خلال التفاعل معه. وفريق آخر رأى نموذج «المعاصرة »في الفكر الأوروبي وحده، ف «حال ذلك الفهم دونه ودون أن يَطُر بباله أن المعاصرة الحقيقية بالنسبة لنا.. هي تلك التي يجب أن نحققها في تعاملنا مع تراثنا أولًا
Abstract
In his critical program al-Jabri starts from the assumption that the authority of inherited sources made a group of us see authenticity in the tradition alone and in the return to it, postulating that genuine authenticity—to the contrary— is what we must achieve in the interaction with contemporary universal thought. He further explained that, in the same vein, some believe that “being contemporary” is only being present in European thought, and that “this understanding prevents this and prevents the idea that really being contemporary for us is what we must bring about through our handling of our heritage in the first place.”
- الإسلام
- الجابري
- الفكر الأوروبي
- النقدي
- Al-Jabri
- Critical
- State
- Islam
- European Thought
- History
قدّم محمد عابد الجابري الكثير من الآراء بشأن تجربة بناء الدولة في الإسلام على الصعيد النظري وعلى مستوى الممارسة التاريخية، وذلك في سياق مشروعه النقدي للعقل العربي الذي استحضر فيه سلطات مرجعية ومنهجية متعددة، مرورًا بفلسفة الأنوار المكافحة، وانتهاء ببعض مفاهيم فوكو وألتوسير وغرامشي، من دون أن يغفل الدرس الماركسي. وأخضع للنقد المرجعية الفكرية الغربية، وأردفها بنقد المنظومة الفكرية العربية والإسلامية، إلى أن توصل إلى دعوته الشهيرة للانتظام داخل التراث، لإتمام ما بدأه ابن رشد وابن خلدون والشاطبي، وذلك كشرط لا بد منه للنهضة والتجديد، والتحرر من هيمنة الفكر الأوروبي من دون القطيعة معه، وأيضًا من دون الخضوع للتراث، ويتم ذلك عبر تملكهما من خلال تفحصهما نقديًا تحت غطاء الاستقلال التاريخي للذات الثقافية العربية. هذه إشكالية تردد صداها مطولً في المجال الثقافي العربي لتداول الأفكار، منذ الانكفاء على (الهوية) في إثر هزيمة 7691، واتخذت لها مكانًا في النقاش الدائر. ولعل الإشكالية الرئيسية التي نواجهها مع فلسفة الجابري هي: هل استطاع أن يقدم صياغة نظرية وشواهد تجريبية تاريخية، لأطروحته عن ضرورة انتظام المفاهيم التحديثية للدولة العربية في التراث كشرط للتجديد والتحديث؟ وهل سبر منهجياته في البحث ما كانت تتسق مع مقدماته ومع النتائج التي توصل إليها؟ وإلى أي مدى استطاع أن يجمع في قراءته للتراث بين تمحيص التراث وتفكيكه ونقده واستثماره من أجل قضايانا الحاضرة؟
الانتظام في التراث عبر نقده وتفكيكه
ينطلق الجابري في مشروعه النقدي من افتراضه أن سلطة النموذج المرجع هي التي جعلت فريقًا منا يرى الأصالة في التراث وفي العودة إليه وحده، بينما الأصالة الحقيقية هي تلك التي يجب أن نحققها مع الفكر العالمي المعاصر ومن خلال التفاعل معه. وفريق آخر رأى نموذج «المعاصرة» في الفكر الأوروبي وحده، ف«حال ذلك الفهم دونه ودون أن يَطُر بباله أن المعاصرة الحقيقية بالنسبة لنا.. هي تلك التي يجب أن نحققها في تعاملنا مع تراثنا أول » (١6. إن هذين النموذجين اللذين يتجاذبان الذات العربية، أي النموذج العربي الإسلامي والنموذج الأوروبي، هما ما يُفقد الذات العربية استقلالها التام، وبالتالي فإن التحرر منهما، أي التحرر من سلطتهما المرجعية، هو السبيل إلى تحقيق الاستقلال
التاريخي للذات العربية. فالتحرر من الغرب - في دائرة الثقافة والفكر- معناه التعامل معه نقديًا، أي الدخول مع ثقافته المتزايدة عالميتها في حوار نقدي، وذلك في قراءة تاريخها وفهم مقولاتها ومفاهيمها في نسبيتها، وأيضًا التعرف إلى أسس تقدُّم الغرب والعمل على غرسها داخل ثقافتنا وفكرنا، والتحرر أيضًا من التراث بامتلاكه، ومن ثم تحقيقه وتجاوزه، وذلك بإعادة بنائه بإعادة ترتيب العلاقة بأجزائه من جهة، والعلاقة بينه وبيننا من جهة أخرى، بالشكل الذي نعي تاريخيته ونسبية مفاهيمه ومقولاته، ثم، لا بد من حضور الأنا العربية حضورًا واعيًا، حضورها كذات لها تاريخ (٢. أما وسائل عصرنا المنهجية والمعرفية، فيجب أن نستعين بها فعلً، لكن ليس بفرضها على الموضوع وتطويعه، على أن نعرف أنه «لا بد من الانتظام في عمل سابق، أعني في التراث» (٣. والرجوع إلى «الأصول» ميكانيزم نهضوي عرفته جميع اليقظات النهضوية المماثلة، وقوامه الانتظام في «تراث» والعودة إلى أصول الارتكاز عليها في نقد الحاضر والماضي القريب منه والملتصق به، والقفز بالتالي إلى المستقبل (٤.
المنهج والمحددات والمرجعية
المنهج في المجال السياسي
عمل الجابري على استخدام أدوات التحليل المعرفي ومناهجه في دراسته وفي تحليل نصوص التراث ومنظوماته الفكرية. واتجه إلى زمن التأسيس (بين القرنين الأول والرابع للهجرة) للبحث عن أسباب ذلك الجمود والتخثُّر، وعن النظُم المعرفية التي تحكمت في «العقل العربي»، فرأى في كتابيه تكوين العقل العربيوبنية العقل العربيأن في «عصر التدوين» سادت ثلاثة نظُم معرفية: النظام البياني والنظام العرفاني والنظام البرهاني، وأن تيار العرفان الذي حطّ من شأنه أثّر في التيارين الآخرين بدرجات متفاوتة، فأفسد العقلانية الأرسطية منذ الفارابي في المشرق. كما استطاع التأثير سلبًا في «معقول» أهل البيان. غير أن العقلانية والبرهانية استقرتا في المغرب والأندلس ومنهما انتقلتا إلى أوروبا الوسيطة من خلال ترجمة أعمال ابن رشد. وقد ميَّز الجابري بين العقل النظري المجرد والعقل العملي؛ عمل في الأول على رسم القواعد والأسس المتحكمة في العقل العربي في كتابيه تكوين العقل العربيوبنية العقل العربي، وعمل في الآخر على المحددات والتجليات التي ترسم مفاعيله ونشاطه، وموضوعه السياسة. وهو بذلك يشبه إيمانويل كانط في تقسيمه العقل إلى «عقل محض» رسم فيه (أي كانط) المقولات الأساسية التي تتحكم في معرفة العالم (قانون السببية، والمكان والزمان)، وأيضًا «العقل العملي» الذي يتحكم في قواعد الأخلاق والسياسة. إن «نقد ملكة الحكم» يتعلق بمعايير الجمال؛ لذا لم يستخدم الجابري النظُم المعرفية الثلاثة (البيان والعرفان والبرهان) في مجال السياسة، بل استخدم محددات وتجليات أخرى للعقل السياسي؛ فالسياسة لديه هي فعل اجتماعي يعبّ عن علاقة قوى بين طرفين يمارس أحدهما على الآخر نوعًا من السلطة، وخصوصًا سلطة الحكم. كما تشكّل محددات الفعل السياسي بمجموعها ما ندعوه هنا «العقل السياسي»، وهو سياسي لأن وظيفته ليست إنتاج المعرفة بل ممارسة السلطة، سلطة الحكم، أو بيان كيفية ممارستها.
يعلل الجابري استخدامه محددات جديدة بصدد السياسي بدلً من محددات العقل النظري العربي بالقول: كان موضوع البحث والدراسة في الجزأين، الأول والثاني، من هذا الكتاب (نقد العقل العربي) هو «عقل الفكر العربي»، أي أسس الفعل المعرفي وآلياته وموجّهاته في الثقافة العربية. أما موضوع هذا الجزء - الثالث - فهو «عقل الواقع العربي»، ونقصد به محددات الممارسة السياسية وتجلياتها في الحضارة العربية الإسلامية وامتداداتها إلى اليوم. إذن، طبيعة الموضوع هنا تختلف عن طبيعة الموضوع هناك: إنتاج المعرفة شيء وممارسة السياسة شيء آخر. وبما أن طبيعة الموضوع هي التي تفرض نوعية المنهج، فمن المنتظر أن يختلف منهجنا في البحث هنا عن منهجنا هناك (٥. يقدّم الجابري بعض المفاهيم التي يرى أنها ستساعده في إغناء تعريف «العقل السياسي»: «اللاشعور السياسي» الذي اقتبسه من ريجس دوبريه، لإبراز ما هو سياسي في السلوك الديني. واستعار مفهوم «المخيال الاجتماعي» من ماكس فيبر بافتراض وجود بنية معقدة من القيم والدلالات، واستعار المفهوم الثالث، «المجال السياسي»، من يورغن هابرماس، واستعار مفهوم «الراعي والرعية» من ميشيل فوكو. ويعود بعد هذا المحددات الواسعة إلى ابن خلدون ليقدم ثلاثة مفاتيح هي: العصبية القبلية والعقيدة والغنيمة/ الاقتصاد الريعي، ويوظفها لقراءة التجربة السياسية العربية الإسلامية.
محددات التجربة السياسية العربية الإسلامية
استند الجابري إلى ابن خلدون ليشير إلى ثلاثة محددات حكمت الفكر السياسي العربي الإسلامي؛ فهناك «ثلاثة عوامل أساسية يعتبرها ابن خلدون، مجتمعة متفاعلة، ذات أثر حاسم في التجربة الحضارية في الإسلامية: عوامل إيديولوجية، عوامل اجتماعية، عوامل اقتصادية»، إذ قرَّر ابن خلدون بوضوح أن الدين كان شرطًا ضروريًا لبناء «دولة العرب»، غير أن هذا الشرط ليس كافيًا في نظره، فالدعوة الدينية من غير «عصبة» لا تتم؛ فعصبية قريش أولً وعصبية العرب جميعًا، كانتا شرطًا ضروريًا لنجاح الدعوة الإسلامية وقيام دولة العرب. وأبرز ابن خلدون، بالإضافة إلى ذلك، دور «الخصب والجدب» و«شؤون المعاش» في العمران البشري (٦) الذي يلائمه (اقتصاد الغزو)، وليس قوى اقتصادية خالصة، بل «قوى حربية» على وجه العموم، وهذه علاقات من نوع خاص ناتجة من الجاه والسلطة وتنهار بانهيارهما. وعلى هذا، «فإن البنيات الفوقية في هذا الاقتصاد غير مرتبطة بالبنيات التحتية، والسلطة السياسية ليست نتيجة السيطرة على قوى الإنتاج، بل هي نتيجة التلاحم العصبي الذي يؤطر، ويقنع سعي الجماعات البدوية المحرومة والمستغَلة، نحو أقصى السلطة وأوسع الامتيازات الناتجة عنها. والغاية التي تجري إليها العصبية هي الملْك» (٧؛ فقد زاوج ابن خلدون بين العصبية والدين، ونظر إلى فاعليتهما من خلال تأثيرهما المتبادل، كما زاوج بين العامل الاقتصادي (شؤون المعاش) والعامل الطبيعي (تأثير المناخ والخصب والجدب)، ونظر إلى تأثيرها ككل، ثم ربط بين تأثير العصبية والدين والطبيعة والاقتصاد، في منظومة واحدة متداخلة العناصر، وسمّها «طبيعة العمران» (٨. أما بخصوص الدراسات الفقهية بشأن الحكم / الإمامة، فقد دار البحث في نظر الجابري حول مسألتين: الأولىوجوب قيام الحكم الإسلامي
من عدمه، واتفق معظم الفقهاء والمتكلمين، في هذا الصدد، على وجوب قيام الحكم في الإسلام، والأخرىمسألة الصفات والشروط التي يجب أن تتوافر في الحاكم، فبعد أن حصرها الماوردي في سبعة شروط: العدالة والعلم وسلامة الحواس والرأي الراجح والشجاعة والنجدة والنَّسب بأن يكون من قريش، تطور الأمر في النهاية إلى تعويض شرط القرشية ب «الكفاية»، أو بالشوكة عمومًا، كقول الغزالي: «إن الإمامة عندنا تنعقد بالشوكة.. إنما الغرض قيام شوكة الإمام بالاتباع والاشباع (الرجال والمال)..»، فشكّل موقف الغزالي «مرحلة جديدة في تطور نظرية أهل السنّة في الخلافة»، ستتلوها في المرحلة التالية مباشرة نظرية ابن خلدون في «العصبية»، كشف فيها أن اشتراط النَّسب القرشي في الخليفة لم يكن من أجل التبرك بالاتصال بالنبي، كما هو مشهور، بل إن السر في ذلك هو اعتماد العصبية التي تكون فيها الحماية والمطالبة، وكانت العصبة العربية أيام النبي وفي عهد الخلفاء الراشدين هي الراجحة، وعلى هذا يعتبر الجابري «أن نظرية ابن خلدون في العصبية، وهي النظرية التي فسَّ بها نشوء الدول وتطورها وسقوطها، هي استمرار وتطوير لما انتهى فيه الفكر السياسي السني في موضوع الخلافة» (٩. وأشار إلى أن الفكر السياسي في الإسلام تحول بعد الغزالي من البحث في كيف يجب أن يكون الحكم في الإسلام، إلى البحث في كيف كان هذا الحكم فعلً في الماضي. من هنا «ارتبط البحث في السياسة بالتاريخ. هذا الاتجاه الجديد الذي دشنه الغزالي.. هو نفس الاتجاه الذي جاء به ابن خلدون..وخلع عليه اسمً هو (علم العمران»..) (٠١. يخلص الجابري إلى التنويه بأن المسألة الرئيسية التي دار حولها الفكر السياسي في الإسلام، بنوعيه الفقهي وغير الفقهي، هي البحث عن الأسس التي يقوم عليها الحكم في المجتمع الإسلامي، ثم عن كيف يمكن للحاكم/الخليفة أن يحتفظ بحكمه ويحظى برضى رعيته، فانتهى البحث في الجواب عن السؤال الأول إلى القول ب«الشوكة. أما السؤال الثاني، فكان الجواب عنه يدور دومًا حول الجند والمال، وهذا وذاك، هو بالضبط، ما قرره ابن خلدون» (١١. وينفي الجابري وجود «نظرية» في الحكم الإسلامي «لأن الشرط الضروري في قيام نظرية إسلامية في الحكم غير متوفر، نعني بذلك وجود نص صريح من القرآن أو السنّة يشرّع للمسألة السياسية... والنظرية (الإسلامية) في الحكم، إذا كان لا بد من استعمال هذا التعبير، هي نظرية هذا المسلم أو هذه الجماعة من المسلمين في هذ العصر أو ذاك، في هذا البلد أو ذاك، لدى هذه الفرقة أو تلك» (٢١. عاد الجابري إلى ابن خلدون الذي قدَّم المفاتيح لفهم الماضي؛ إذ «ليست العصبية القبلية والدعوة الدينية هما كلُّ ما تقدمه لنا مقدمة ابن خلدون من ‹مفاتيح› تخص التاريخ العربي الإسلامي، بل هناك ‹مفتاح› ثالث كان حاضرًا باستمرار في تفكير صاحب المقدمة..: إنه العامل الاقتصادي » (٣١الذي أطلق عليه الجابري اسم «اقتصاد الغزو»، حيث كانت الدولة، في المجال العربي الإسلامي، تجمع أموال الرعية وتنفقها في بطانتها ورجالها، ليخلص إلى القول إن «الاقتصاد الريعي، السلوك العصبي العشائري، التطرف الديني، ثلاثة (مفاتيح) أو محددات لا يمكن حل ألغاز الحاضر العربي الراهن بدونها، وهي نفسها (المفاتيح) التي وظفها ابن خلدون في قراءته للتجربة الحضارية العربية الإسلامية إلى عهده، فلنعمل بدورنا على توظيفها توظيفًا جديدًا يستجيب لمشاغلنا الفكرية المعاصرة» (٤١.
يقترح الجابري قراءة التاريخ السياسي العربي بواسطة ثلاثة محددات هي: القبيلة والغنيمة والعقيدة؛ ثلاثة «مفاتيح» نقرأ بواسطتها التاريخ السياسي العربي، وهي إذًا محددات «العقل» المضمر في هذا التاريخ، أي العقل السياسي العربي. إن أهمية هذا المحدد أو ذاك تختلف من حالة إلى أخرى ومن عصر إلى آخر؛ ف«إن كان العقل السياسي العربي يتحدد في العصر الجاهلي بالقبيلة والغنيمة أساسًا، وفي عصر النبوية بالعقيدة أولً، وأن هذه المحددات الثلاثة تداخلت مع بعضها خلال دولة الفتوحات، ومع بروز دور القبيلة في العصر الأموي ودور العقيدة في العصر العباسي الأول، فإن مضمون هذه المحددات اختلف عن ذلك في العصور اللاحقة» (٥١. يشبِّه الجابري موقع تلك المحددات من العقل السياسي العربي بموقع مقولات المكان والزمان وقانون السببية من التجربة في فلسفة كانط، فيكتب: «إننا نستعمل هذه الألفاظ (قبيلة، غنيمة، عقيدة) بالمعنى الترنسندنتالي، قريب من ذلك الذي يعطيه الفيلسوف كانط بالنسبة للمقولات، أي بوصفها مفاهيم أو قوالب.. سابقة للفعل السياسي، تؤسسه وتمده بالطاقة الضرورية له كفعل تضحية وكفعل تحريض.. إنها أشبه بالدوافع اللاشعورية» (٦١. ومال الجابري إلى اعتبار أن المرجعية العامة لأبحاثه تتمثّل في حقبة الصحابة: «فإن المرجعية الوحيدة في مجال العلاقة بين الدين والدولة ومسألة تطبيق الشريعة هي عمل الصحابة. إنهم هم الذين مارسوا السياسة وشيدوا صرح الدولة وطبّقوا الشريعة على أساس فهم أصيل لروح الإسلام سابق لأنواع الفهم الأخرى التي ظهرت في إطار الصراعات والنزاعات والخلافات التي عرفها تاريخ الإسلام منذ النزاع بين علي ومعاوية» (٧١.
فترة الدعوة النبوية، وخلوّها من نظرية في الحكم
بما أن محددات العقل السياسي العربي (العقيدة والقبيلة والغنيمة) تؤثر بشكل متفاوت في كل مرحلة مرّت بها التجربة الإسلامية، فإن «الدعوة»، أي العقيدة، تنهض في المرحلة النبوية بالدور الحاسم. وإذا ظهرت ل«السياسي» بعض المظاهر، فإنها كانت في خدمة العقيدة/الدعوة وتحددت بها. وينطلق الجابري في تحليله لعلاقة المرحلة النبوية بالسياسة من اعتقاده أن «القرآن قرر تشريعًا وحدودًا، وحلّل وحرّم، وفرض فرائض، لكنه لم ينص لا على أن أمة الإسلام يجب أن يتطابق معها (ملك) الإسلام، أو (دولة) الإسلام، ولا على من يخلف الرسول في تدبير شؤون هذه الأمة.. بل ترك المسألة للمسلمين، وكأنها داخلة في قوله عليه السلام (أنتم أدرى بشؤون دنياكم »..) (٨١. ويستدرك قائلً إن الدعوة الإسلامية انساقت إلى تكوين الدولة الذي ليس بالأساس مشروعًا خاصًا بها؛ إذ مع البعثة المحمدية، «بدأ المسلمون يمارسون الدين الجديد، ليس فقط كموقف فردي إزاء الله، بل أيضًا كسلوك جماعي منظم.. ومع أن الرسول () كان بالفعل رئيس الجماعة الإسلامية وقائدها ومرشدها، فقد رفض رفضًا باتًا أن يسمّى ملكًا أو أن يُعتبر رئيس دولة... فعل ذلك كله لا بوصفه زعيمً سياسيًا.. بل بوصفه صاحب دعوة ونشر دين جديد» (٩١. ثم إن هذا الذي فرضه تطور الدعوة «من تنظيم لشؤون الدنيا، دنيا الرسول وأصحابه، قد بلغ مع نهاية الدعوة درجة من الاتساع والإحكام والبنية جعلت أصحاب الرسول يشعرون أن غياب الرسول سيترك فراغًا مؤسساتيًا، وأن التنظيم السياسي الاقتصادي الاجتماعي الذي نما بنمو الدعوة
وانتشارها يحتاج إلى من يرعاه ويدبّره ويسهر على حسن سيره بعد وفاة الرسول» (٠٢. مرَّت الدعوة، في نظر الجابري، بطورين: فمع الهجرة إلى المدينة، تنتهي مرحلة وتبدأ مرحلة أخرى. كانت المرحلة المكية مرحلة الدعوة والصبر، أما المرحلة المدينية فكانت مرحلة تأسيس الدولة والحرب، ثم ستشق الدعوة المحمدية طريقها إلى الدولة، عاملة في واجهتين: البناء الداخلي من جهة، وممارسة «السياسة» مع قريش بوسائل أخرى من جهة أخرى. إلّ أن الجابري يرجع فيقول: «إذا كان موضوع العلاقة بين الدين والدولة في الإسلام يعاني من عدم وجود نصوص من الكتاب والسنّة تبين وجوب أو عدم وجوب نصب الإمام (وإقامة الدولة)، وتحدد كيفية اختياره ومدى صلاحياته.. الخ، فإن هناك حقيقة لا يمكن أن تكون موضوع جدال، وهي أن الإسلام عقيدة وشريعة. فإذا كانت العقيدة تخص الإيمان، فإن الشريعة تتضمن - فضلً عن العبادات - أحكامًا ذات طبيعة اجتماعية تنظم علاقات الناس ببعضهم البعض مما لا بد فيه من سلطة تنفذ تلك الأحكام» (١٢. ويرجع الجابري إلى التاريخ ليتفحص بصورة حاسمة دور العقيدة في هذه الفترة النبوية. لذا تبدو السياسة، وحتى الدولة كتنظيم لحياة الجماعات، غير مرئية قياسًا بدور العقيدة المهيمن، وهذا الحكم ينطبق على حقبة النبوة؛ ففي المرحلة المكية، كان «دور «العقيدة» في تكوين العقل السياسي العربي حاسم (٢٢. أما تأثير «القبيلة»، فتجلى في أنه قام بدور حامي المسلمين الذين ينتسبون إلى قبائل بعينها، «فكان الاعتداء على أي فرد له قبيلة ينتمي إليها بالنسب يهدد بإشعال حرب أهلية شاملة» (٣٢. وكان النبي () محميًا بعشيرته كلها (بني هاشم وبني المطلب) (٤٢. مع ذلك، ف«القبيلة» ليست في نهاية التحليل إلّ الإطار الاجتماعي الذي يتم بواسطته كسب «الغنيمة». فمن جهة، كانت أصنام قريش وآلهتها مصدرًا للثروة وأساسًا للاقتصاد. وفي المقابل، أتت غزوة بدر الكبرى بعد شهر من قرار تحويل القِبلة إلى مكة لتعطي لهذا القرار بعده التاريخي: «لقد كسر المسلمون في هذه الغزوة شوكة قريش»، كما أن «من نتائج غزوة بدر حصول المسلمين على غنائم هامة، أزالت الحاجة إلى نظام المؤاخاة، فجاء الوحي بإبطال الإرث بالمؤاخاة وإعادته إلى النسب فقط.. ولقد تنازع المسلمون حول غنائم بدر فقسمها الرسول ‹على السواء› بين من حضر من المسلمين». ثم جاءت سورة «الأنفال» لتقرر الطريقة التي سيسير عليها المسلمون في توزيع (الغنائم). ثم أصبحت «الغنيمة» من جملة الحوافز التي تحرك البعض على الأقل، وصارت حاضرة في غزوات النبي () وسراياه (٥٢. كانت المرحلة المكية مرحلة الدعوة والصبر، أما المرحلة المدينية فكانت مرحلة تأسيس الدولة والحرب، عاملة في واجهتين: البناء الداخلي وممارسة «السياسة» مع قريش بوسائل أخرى (٦٢. وكانت «صحيفة» المدينة بمنزلة «العقد الاجتماعي» الذي تأسست عليه دولة المدينة، وكان عقدًا حربيًا (٧٢.
الخلافة النبوية (الراشدية): رجحان العقيدة وتنامي دور القبيلة والغنيمة
عندما يرصد الجابري فترة الخلافة، ينوه بأن موضوعه ليس «الحقيقة التاريخية» بذاتها، وبمعزل عن شهادة الناس ورؤيتهم لحوادثها، بل إن ما
يثير اهتمامه هو «الكيفية التي» يقرأ «الناس بها الأحداث التاريخية» (٨٢. وأول ما يلاحظه هو «أن جميع الأخبار التي تنقلها مختلف الروايات حول الطريقة التي بويع بها أبو بكر تجعل ‹القبيلة› المحدد الأول والأخير لجميع المواقف » (٩٢. فالنقاش الذي جرى في سقيفة بني ساعدة وأسفر في النهاية عن مبايعة أبي بكر خليفة للرسول (أي يتولى أمر المسلمين بعده)، كان نقاشًا سياسيًا محضًا، وقد حسمه ميزان القوى السياسي/ الاجتماعي (القبيلة). لقد اعتبر المسلمون القضية مسألة اجتهادية، وتعاملوا معها بوصفها كذلك، وراعوا ميزان القوى والمقدرة والكفاءة ومصلحة المجتمع الإسلامي الوليد، وكان ذلك كله محكومًا بمنطق «القبيلة» (٠٣، فسارع الأنصار إلى سقيفة بني ساعدة وبايعوا زعيمهم سعيد بن عباد، فخطب سعيد: «يا معشر الأنصار، لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب.. فشدوا أيديكم بهذا الأمر»، ثم قالوا «[...] منا أمير ومنكم أمير». وبعد أن أتى عمر وأبو بكر على رأس المهاجرين، قال أبو بكر: «وإن العرب لا تدين إلّ لهذا الحي من قريش»، وعندما تردد الأنصار أمام مبايعة المهاجرين لأبي بكر، رد عمر على قضية «منا أمير ومنكم أمير»: «هيهات هيهات، لا يجتمع سيفان في غمد واحد. إنه والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم. ولكن العرب لا ينبغي أن تولي هذا الأمر إلّ من كانت النبوة فيهم وأولو الأمر منهم» (١٣. كما أن الطريقة التي بويع فيها عمر وعثمان وعلي، والتي اعتمدت كذلك النقاش والمشاورة، راعت أيضًا ميزان القوى القبلي، فيرى الجابري- استنادًا إلى هذا التاريخ - أن مسألة «العلاقة بين الدين والدولة لم تُطرح لا في زمن النبي ولا في زمن الخلفاء الراشدين»، بل إن هذه المسألة «لم تكن مطروحة، ولا كان يمكن أن تُطرح. إنها من المسائل التي لم يكن من الممكن التفكير فيها، لأن كل شيء في المجتمع الإسلامي هو الإسلام، ماعدا ما حرّمه الله بنص القرآن أو على لسان الرسول. وليس هناك نص من هذا النوع يلزم المسلمين بنوع من الحكم معي » (٢٣. لقد اعتبر الصحابة القضية مسألة اجتهادية، وتعاملوا معها بوصفها كذلك، فاعتبروا ميزان القوى، وراعوا المقدرة والكفاءة ومصلحة الدولة (٣٣. ولا يختلف الأمر في ما يخص الخلاف بين المهاجرين أنفسهم. يذكر الجابري قول أبي سفيان لعلي بن أبي طالب:«ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش (أبو بكر من قبيلة تيم القرشية الضعيفة). والله لئن شئت لأملأنها عليه خيلً ورجالً»! خرج الأمر من الأنصار نهائيًا، فأصبحت الدولة دولة قريش بلا منازع. إن أبناء قريش هم الذين قضوا على حركات التمرد والردة، ونازلوا الدولتين العظميين في ذلك الوقت، الفرس والروم. والشيء الذي لا بد أن يكون مهيمنًا على المخيال العربي يومئذ هو أن قريشًا وبني عمومتها من قيس عيلام أصبحا يحكمان (العرب). وقد أوجد «الفتح» زمن عمر وضعية قبلية جديدة تتميز بتجميع القبائل في معسكرات (أمصار) كوحدات مستقلة، ولكن في اتصال واحتكاك مباشرين، الشيء الذي يذكي العصبيات الخاصة داخل العصبيات العامة من جهة، ويوقظها بعضها ضد بعض من جهة أخرى (٤٣. كما أن الثورة على عثمان حرّكتها عوامل أخرى على مستوى «الغنيمة» و«العقيدة»، واكتسبت، على مستوى (القبيلة)، «طابع ثورة العرب على قريش». كما أن الإمام علي، وفي محاولة منه لإقامة نوع من الانسجام في جيشه، عقد حلفًا بين ربيعة والقبائل اليمنية ضد قريش (٥٣.
أما في ما يتعلق ب«الغنيمة»، فيؤكد الجابري أنه كان لها «شأن كبير جدًا»، «وهل هناك (أفضل) من مدينة يتلقى أهلها رزقهم مما يأتيهم من غنائم؟» (٦٣. ولما كانت الغنائم في زمن أبي بكر قليلة، «فنحن نتصور أن توزيعها بالسوية، على أهل المدينة جميعهم»، غير أن الوضعية تغيرت في زمن عمر بن الخطاب الذي فاضل بين الناس في «العطاء» على أساس القرابة من الرسول (القبيلة)، والأسبقية في الإسلام (العقيدة) بعد تأسيس «ديوان العطاء»، ونظام الخراج، النظام الإداري والاقتصادي الذي قامت عليه هذه الدولة (٧٣. هذا النظام قام على أساس توزيع الجزية على الأفراد والخراج على الأرض، فيقول الجابري «هكذا صار اقتصاد (الغنيمة) يقوم على ركنين اثنين: الخراج وضمنه الجزية من جهة، والعطاء من جهة أخرى. إنه: الاقتصاد الريعي بالاصطلاح المعاصر، والدولة القائمة عليه دولة ريعية. هذا الطابع الريعي للاقتصاد والدولة في الإسلام ترسَّم منذ عمر بن الخطاب. قال علي لابن الأشتر واليه في مصر (..الناس كلهم عيال على الخراج وأهله») (٨٣.
نماذج تراثية يمكن لحداثتنا السياسية أن تنتظم فيها
يذكِّر الجابري بأن أتباع محمد () لم تربطهم بالنبي علاقة الملك باتباعه، بل أطّرتهم علاقة مختلفة، ورسم القرآن الكريم الأسس التي تُبنى عليها هذه «الصحبة»، فذكر منها فكرة «الشورى»: «أمرهم شورى بينهم» و«وشاورهم في الأمر» و«أنتم أدرى بشؤون دنياكم». هذه الأفكار يعتبرها الجابري معالم ثلاثة في «نموذج» للحكم يختلف عن نموذج «الراعي والرعية» الذي عرفته حضارات الشرق القديمة، ويختلف عن النموذج السلطاني الإسلامي، نموذج «الراعي والرعية» الحاضر في الأدبيات السلطانية في الثقافة العربية والإسلامية، عن طريق اقتباسها مضمون الفكر الشرقي القديم. فقد تجلى النموذج الإسلامي في الحديث النبوي الذي يقطع مع مفهوم «الراعي والرعية»، ويعطي مضمونًا جديدًا للرعاية، وهو حفظ الأمانة والمسؤولية، موزعة على جميع أفراد المجتمع، كلّ بحسب وظيفته؛ فقد جاء في الحديث: «ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها...الخ». ثم يخلص إلى القول: «تلك هي المعالم الرئيسية للنموذج الذي يمكن استخلاصه من مرحلة الدعوة المحمدية عن (الحاكم) في الإسلام، إسلام عهد النبوة. إنه نموذج مفتوح، بدون شك، بمعنى أنه يقبل إضافات كثيرة مختلفة ومتباينة، ومع ذلك فإن اعتبار هذه المعالم الأربعة (وأمرهم شورى بينهم) و (شاورهم في الأمر) و (أنتم أدرى بشؤون دنياكم)، و (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، إن اعتبار هذه المعالم كضوابط موجَّهة أو كأصول تأسيسية يسد الباب أمام جميع أنواع التسلط والاستبداد» (٩٣. نوّه الجابري أيضًا بتمسك العهد الراشدي ب«الشورى»، وذلك انطلاقًا من الحوارات الصاخبة التي جرت في السقيفة: ما إن سمع الصحابة بخبر وفاة النبي حتى بادروا إلى الاجتماع في سقيفة بني ساعدة (وأمرهم شورى بينهم) فتداولوا في (الأمر) أحرارًا من كل قيد. وقد حصلت مشادة كلامية انتهت إلى بروز رأي عام تبلور كأغلبية بايعت أبا بكر. وعبَّ أبو بكر عن ذلك في خطبته: «يا أيها الناس إني قد وليت
عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على باطل فسدّدوني». لقد طُبقت «الشورى» زمن أبي بكر وعمر بالكيفية التي كانت تتلاءم مع ذلك العصر، غير أن «الفتنة» وحوادثها الدامية إنما تعبّ، في نظر الجابري، «عن فراغ دستوري كبير في نظام الحكم الذي قام بعد وفاة النبي، ويتجلى هذا الفراغ في القضايا الثلاث الرئيسية.. -1 عدم إقرار طريقة واحدة مقننة لتعيين الخليفة-2..عدم تحديد مدة ولاية ‹الأمير...› -3 عدم تحديد اختصاصات الخليفة» (٠٤.
من خلافة الشورى إلى الملْك السياسي
يستشهد الجابري بحديث نبوي مشهور، ونصّه: «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا بعد ذلك»، ليؤكد أن المعنى السياسي الذي أراد أهل السنّة، من هذا الحديث، هو، بالإضافة إلى إقرارهم بتبدل طبيعة السلطة من «الخلافة» إلى «الملْك»، أنهم يريدون أيضًا إضفاء نوع من الشرعية على حكم معاوية، المؤسس الأول ل«الملك» في الإسلام، ومن خلال إضفاء الشرعية كذلك على الخلفاء الذين جاؤوا من بعده، على الخلفاء الأمويين والعباسيين وغيرهم. إذن، يكتسب «الملْك العضوض» الذي أقامه معاوية شرعيته الدينية ليس فقط من «البيعة» التي كانت ب«الإجماع»، حتى سمّي عام تولية معاوية وتنازل الحسن «عام الجماعة»، بل أيضًا من كونه جاء تصديقًا لما سبق أن أخبر به النبي (). كما أنه ينبه إلى حقيقة أخرى ترتبط بهذه المسألة، وتتعلق بما يسمّيه «الضمير السني» الذي ينظر إلى «ملك» معاوية أولً بوصفه البديل من الفتنة. وإذا كان عطف المؤلفات السنية على الإمام علي «كبيرًا وعميقًا»، فإن «العقل السياسي» عند أهل السنّة عمومًا لا يُفي امتعاضه من تردده. ومهما يكن، فقد تعامل أهل السنّة مع النتيجة التي أسفر عنها الصراع بين معاوية وعلي على أساس المبدأ القائل: «إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون»، فينتهي الجابري إلى القول: «وإذا نحن نظرنا إلى الدولة بوصفها ظاهرة سياسية، أولً وقبل كل شيء، فإننا سنجد أن ‹ملك› معاوية كان فعلً ‹دولة السياسة› في الإسلام، الدولة التي ستكون النموذج الذي بقي سائدًا إلى اليوم» (١٤. بناء على هذا يذكر الجابري أن معاوية دشن خطابًا سياسيًا مختلفًا، واقترح «عقدًا» آخر جديدًا، عقدًا «سياسيًا» يقوم على «المنفعة» و«المشاركة»، لكن لا في السلطة بل في ثمراتها: الغنيمة. بل إن معاوية يلتزم بأن «لا أحمل سيفًا على من لا سيف له»، وبقوله «إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطتنا» (٢٤. الأمر يتعلق بدولة لا تتحدد بالمحددات الثلاثة (القبيلة والغنيمة والعقيدة) بصورة مباشرة، بل تتميز بممارسة السياسة في هذه المحددات. سيصبح فعل هذه المحددات مع «ملك» معاوية فعلً يمارس بتوسط السياسة (٣٤، وذلك لأنه جرى «انتقال من دولة بدون مجال سياسي إلى دولة انبثق فيها مجال خاص تُارس فيه السياسة كسياسة»؛ إذ إن دولة الخلفاء الراشدين كانت - في رأي الجابري- دولة فتوحات، كان فيها الأمراء/ القادة العسكريون رجال دين في الوقت نفسه، وبالتالي لا يمكن في مثل هذا المجتمع أن تُارس السياسة كسياسة؛ كانت السياسة تطبيقًا للدين وخادمة له. كما أن دولة الخلافة كانت بلا «مجال سياسي» لأن الخلاف لم يكن قد حدث بعد، لا على مستوى العقيدة (الفرق) ولا على مستوى الشريعة (المذاهب الفقهية).
تغير الوضع تمامًا مع الدولة الأموية؛ فقد حكم معاوية باسم «القبيلة» وليس باسم «العقيدة»، فانفصل في شخصه «الأمير» عن «العالِ»، وامتد ذلك إلى أجهزة الدولة، فصار «الأمراء» فيها فريقًا و«العلماء» فريقًا آخر، بينما انقسمت زمن الفتنة إلى معسكرين: معسكر قريش ومعسكر العرب (من اليمن وربيعة) وعلى رأسه علي بن أبي طالب (٤٤. لكن بما أن المعارضة للأمويين، وبالتالي ل«قريش»، كان رمزها علي بن أبي طالب، فإنها جعلت من قرابته للنبي علاقة قرابة «روحية» تتجاوز النسب وتسمو عليه، فشكل هذا مظهرًا من مظاهر اختراق «القبيلة». وقد بقيت «القبيلة» تمارس مفعولها كاملً على مستوى الأشراف ورجال الدولة، في المقابل خف مفعولها في صفوف الرعية، فجعل هذه المعارضة السياسية للأمويين تتلون بألوان هذا المجتمع المدني الناشئ والمتنوع (٥٤. أما الخوارج الذين مارسوا الازدواجية، فقد كانوا تحت مفعول «القبيلة» إلى حد بعيد، في وقت كان شعارهم الشهير (لا حكم إلا لله) يمثل أكبر تحد ل«القبيلة» منذ المرحلة المكية (٦٤. وإلى جانب من آثر الاعتكاف أو الحياد من الصحابة والقراء، تطور موقع الموالي الذين أصبحوا قوة اجتماعية لا يستهان بها، وبرزت مجموعة منها «إنتليجنسيا» جعلت من «الكلام» في القضايا الدينية وسيلة لممارسة السياسة بواسطة «العقيدة»، ضدًا على «القبيلة» وأيديولوجيتها. كان العطاء السياسي (الغنيمة) الوسيلة المفضّلة لدى الأمويين لممارسة السياسة في «القبيلة»، لإسكات خصومهم وشل معارضيهم، مستفيدين من موارد الدولة الريعية: الغنائم والخراج. وروّج الأمويون لأيديولوجية «الجبر» لتعزيز حكمهم: «لقد دشن معاوية القول في الأيديولوجيا الجبرية الأموية وسيعمل ولاته والخلفاء الأمويون من بعده على تكريسها تكريسًا» (٧٤. واعتمد هؤلاء الخلفاء على القول بالجبر كأيديولوجيا والعطاء كممارسة سياسية، فكان هذا وذاك هما أساس الشرعية التي بنوا عليها حكمهم. وعندما نجحت الثورة العباسية في إقامة دولتها، لم يكن من الممكن أن يعتمد رجالها أيديولوجية الجبر الأموي، فقالوا ب«إرادة الله ومشيئته»؛ فخطب المنصور: «أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه، فأصبح الخليفة العباسي (خليفة الله) و (سلطانه في أرضه)، وأصبح ذلك هو أساس الشرعية عنده» (٨٤. ميّز الجابري بين العهدين الأموي والعباسي والعصور التالية في طريقة توظيف المحددات الثلاثة (القبيلة والغنيمة والعقيدة)؛ فالمعطيات التاريخية الجديدة تفرض التمييز بين دول المركز (بغداد القاهرة قرطبة) ودولة الأطراف. وقد برز نموذج جديد للدولة الإسلامية يختلف في كثير من الوجوه عن نموذج الدولة الأموية. فالنموذج العباسي «يتميز بكون الهيئة الاجتماعية وهرمها تنتظمهما بنيتان: بنية سطحية وبنية عميقة. أما البنية العميقة فتبقى دائمً محكومة بالمحددات الثلاثة (القبيلة) و (الغنيمة) و (العقيدة)، التي تتناوب على (التحديد النهائي) حسب الظروف. وأما البنية السطحية، فيتطلب وصفها إدخال مفهومين جديدين آخرين إلى جهازنا المفاهيمي هما: مفهوم (الخاصة)، ومفهوم (العامة»..) (٩٤؛ فأصبح اللفظان: خاصة /عامة يدلّن على شريحتين اجتماعيتين مختلفتين، لكل منهما سلطتها وتقاليدها الاجتماعية والفكرية الخاصة، وتمخضت عنهما ضرورة «إنزال الناس منازلهم»، حيث كانت تلك القاعدة من مظاهر «العدل» على الصعيدين السياسي والاجتماعي. واحتل الخليفة ذروة الهرم الاجتماعي، تليه الخاصة، ثم تأتي
العامة. ويرى الجابري أن الخاصة الجديدة تختلف عن خاصة الزمن الأموي؛ فبعد أن كان «صحابة» الخليفة الأموي وخاصته من زعماء القبائل التي يعتمد عليهم كجند لدولته يشاركون في السلطة، فإن الخاصة الجديدة العباسية تتكون أساسًا من رجال لهم سمعة وصيت لكنهم لا يملكون سلطة مادية، وهم بتقريب السلطان لهم و«تزيين» مجلسه بهم يكتسبون جاهًا ونفوذًا، ويستمدون جميع مقومات وجودهم ك«خاصة» من «الأمير». يتفانون في خدمة السلطان، ومهمتهم هي أن يبينوا للأمير كيف ينبغي التعامل مع الجند وكيف ينبغي التصرف بالمال (٠٥. لهذا يبدو كاتب الأحكام السلطانية خير معبّ عن وظيفة هؤلاء ودورهم. وقد رافق هذا التغير على مستوى «القبيلة» تغيّ مماثل على مستوى «الغنيمة»، وهو ما عبّ عنه اقتراح ابن المقفع للخليفة المنصور بإصدار قانون ضريبي واحد يطبَّق على جميع النواحي، وهذا القانون الضريبي «يرمي كما هو واضح إلى الانتقال باقتصاد الدولة من الاقتصاد الريعي (غنائم الفتوحات وخراج الأراضي المفتوحة والجزية) إلى الاقتصاد (الخراجي) من النمط الآسيوي» (١٥. وينبّه الجابري إلى التغيرات التي أصابت القبيلة والغنيمة؛ فقد كان العلماء والأمراء فريقًا واحدًا في زمن الخلفاء الراشدين، ثم تطور الوضع فصار العلماء فريقًا والأمراء فريقًا آخر في عهد الأمويين. أما في العصر العباسي، فصرنا أمام وضعية أصبح فيها العلماء والأمراء شخصًا واحدًا، إنه الخليفة، من هنا أتى ترويج الكتّاب المنتجين للأيديولوجيا السلطانية لفكرة أن طاعة الخليفة من طاعة الله، ومن هنا يأتي اقتراح ابن المقفع لتحويل «القبيلة» إلى عسكر و«الغنيمة» إلى وظيفة (= ضريبة محددة) و«العقيدة» إلى طاعة الإمام (٢٥.
حصيلة الفقه السياسي الإسلامي
أما بشأن «النظريات السياسية» التي واكبت التجربة الفعلية، فرأى الجابري أن نظرية الإمامية رفعت السياسي (الإمامة) إلى مستوى اللاهوت، وتداولت مفاهيم الوصية والعصمة والعلم السري والغيبة والرجعة والمهدية والبداء ونظريات الخوارج (التكفيرية) التي رفعت شعار «لا حكم إلاّ لله»، والخلافة تكون، بحسب رأي أهل السنّة، ب«الاختيار» لا ب «النص». أما كيفية «اختيار الخليفة»، فهذا موضوع تقرره موازين القوى، فنظرية الخلافة عند أهل السنّة «هي في جملتها محاولة تقنين لأمر واقع، وبالتالي لم يكن هناك فرق كبير بين نظريات الفقهاء في موضوع الخلافة والصورة الواقعية التي كان عليها الحكم في الإسلام» (٣٥. أصبح فقه السياسة محكومًا بثلاثة ثوابت: -1 ضرورة الإمام /الدولة؛ -2 لزوم طاعة الإمام ما لم يأمر بمعصية؛ -3 نظام الحكم بعد الخلفاء الراشدين ملك دنيوي (٤٥. ويخلص الجابري إلى نتيجة مفادها أن هذه الثوابت تسد الباب أمام أي نظرية إسلامية في الحكم، بما فيها ما يسمّى «نظرية الخلافة»، نافيًا بذلك نفيًا قاطعًا وجود «نظرية للحكم» في الإسلام. ويردّ على من يحتج بالماوردي ليثبت وجود هذه النظرية» بالتشديد على أن عنوان كتاب أبي حسن الماوردي الأحكام السلطانية والولاية الدينية يدل على موضوعه، إلّ أنه يستند في ما يقرره من آراء على وصف ما هو موجود في عصره بالنسبة إلى «الأحكام السلطانية»، ولم يذكر «الإمامة» في العنوان لأنه اعتبرها هو نفسه في مقدمة الكتاب شيئًا ينتمي إلى الماضي، وبيّ أنه إنما ذكرها لأن الحكم القائم في عصره «صدر أصلً عن نظام الإمامة» (٥٥، فكان فقه السياسة في حقيقته
وجوهره، بحسب الجابري، «تشريعًا لماضي الحكم في الإسلام، وبالخصوص فترة الخلفاء الراشدين، ولم يكن تشريعًا لحاضره، ولا لمستقبله » (٦٥. ويلفت الجابري النظر، في هذا السياق، إلى أن «الأيديولوجية السلطانية في الثقافة العربية منقولة، في معظمها، عن الأدبيات السلطانية الفارسية.. في العصر العباسي الأول» (٧٥.
التجديد والنهضة
لاحظ الجابري أن الفكر السياسي الإسلامي الحديث تمحور حول الخلافة، وبالتالي «كان دائمً كلامًا في سياسة الماضي (الخلافة).. فهو يلجأ إلى الماضي السياسي يؤوّله بالكيفية التي تجعل الحاضر شبيهًا له ونظيرًا، حتى يأتي قياسه عليه»، فيرى السلفيون أن «الإسلام دين ودولة، والحكومة الإسلامية هي التي يكون قانونها شرع الإسلام... تلك هي النتيجة الهزيلة التي خرجت بها السلفية الجامعة المعاصرة بمختلف تلويناتها، من قراءتها للتاريخ الإسلامي، بل تأويلها للشرع الإسلامي... فالسلفية تقرأ التاريخ في الشرع، وتقرأ الشرع في التاريخ، تمامًا مثلما تقرأ الدولة في الدين والدين في الدولة» (٨٥. يعود الجابري ليطبق منهجيته «التوفيقية» في التجديد: الانتظام في التراث ودخول في حوار نقدي مع الحداثة الغربية، فيكتب: «يجب أن ننطلق من إعادة تأصيل الأصول التي تؤسس النموذج الذي يمكن استخلاصه من مرحلة الدعوة المحمدية (وأمرهم شورى بينهم)، (وشاورهم في الأمر)، (أنتم أدرى بشؤون دنياكم)، (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، وإعادة تأصيل هذه الأصول يتطلب كخطوة أولى إقرار المبادئ الدستورية التي تجعل حدًا لمثل ذلك الفراغ السياسي الدستوري الذي برز واضحًا في أواخر عهد عثمان والذي جسمته الثغرات الثلاث: (عدم تحديد طريقة مضبوطة لاختيار الخليفة، عدم تحديد مدة ولايته، عدم تحديد اختصاصاته») (٩٥. ومن ثم، ينتقل إلى الضفة الأخرى، إلى التجربة السياسية المعاصرة، فيقول: «وفي العصر الحاضر ليس هناك غير أساليب الديمقراطية الحديثة، التي هي إرث الإنسانية كلها. إن تحديد طريقة ممارسة الشورى بالانتخاب الديمقراطي الحر، وإن تحديد مدة ولاية (رئيس الدولة) في حال النظام الجمهوري، مع إسناد مهام السلطة التنفيذية لحكومة مسؤولة أمام البرلمان. وإن تحديد اختصاصات كلّ من رئيس الدولة والحكومة ومجلس الأمة بصورة تجعل هذا الأخير هو وحده مصدر السلطات، تلك ثلاثة مبادئ لا يمكن ممارسة (الشورى) في العصر الحاضر بدون إقرارها والعمل على ضوئها» (٠ ٦). ولا بد أن يرافق ذلك تجديد لمحددات العقل السياسي التي تشكّل في العمق (اللاشعور السياسي العربي)، فيعبّ عن ذلك بوضوح بقوله: «وبالنسبة للعقل السياسي العربي، فإن (تجديد) محدداته الثلاثة (القبيلة، والغنيمة، والعقيدة) شرط ضروري للارتفاع به إلى المستوى الذي يستجيب لمهمة النهضة والتقدم في العصر الحاضر. وبهذا التجديد، يجب إذن أن يتجه نقد المحددات إلى ما يؤسس، شعوريًا ولا شعوريًا، العقل السياسي فيهما: إلى (القبيلة) و (الغنيمة) و (العقيدة») (١ ٦). يصبح المطلوب - لدى الجابري - والحالة هذه: -«أ تحويل القبيلة في مجتمعنا إلى لا قبيلة: إلى تنظيم مدني سياسي اجتماعي: أحزاب نقابات، جمعيات حرة، مؤسسات دستورية.. وبعبارة أخرى بناء مجتمع فيه تمايز واضح بين المجتمع السياسي (الدولة
وأجهزتها) والمجتمع المدني (التنظيمات الاجتماعية المستقلة عن أجهزة الدولة).... ب- تحويل (الغنيمة) إلى اقتصاد (ضريبة)، وبعبارة أخرى، تحويل الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد إنتاجي.. ج- تحويل (العقيدة) إلى مجرد رأي: فبدلً من التفكير المذهبي الطائفي المتعصب الذي يدعي امتلاك الحقيقة، يجب فسح المجال لحرية التفكير، لحرية المغايرة والاختلاف» (٢ ٦). هذه هي خلاصة برنامج الجابري (التوفيقي) للنهضة والتحديث السياسيين، ولنهضة العقل السياسي العربي وتحديثه عن طريق تحديث محدداته اللاشعورية. ويبدو هذا البرنامج للكثير من النقاد نوعًا من التلفيق يجمع بين محددات متضاربة المقاصد والمعاني، ويقوم على رصف بعض الأعراض الضعيفة التي شابت الاجتماع السياسي العربي، وهي معروفة لدى الكثير من الباحثين، غير أنه يقصرها في عوامل ثلاثة يضعها في قفص بنيوي مغلق يعيق تقدم العرب السياسي، ويحتاج هذا القفص البنيوي كي ينفتح ليخرج الاجتماع السياسي العربي من قمقمه، إلى محرضات (إلى مفاتيح) على شكل محددات جديدة نهضوية! ولعل التذكير بمفهوم الشورى الإسلامي وبدعوة النبي لأصحابه بأنهم أدرى بشؤون دنياهم وبأنهم كلهم راع وكلهم مسؤول عن رعيته، لعل هذا التذكير يزيد اطمئنان بعض المسلمين إلى أن الحداثة السياسية لا تتعاض مع إيمانهم الإسلامي، إلّ أنه ربما لا يشكل، دائمً، لكل أطراف الاجتماع السياسي العربي ضرورة لا بد منها للحداثة السياسية العربية ولاندماجهم في هذه الحداثة. كما أنه لا يستقيم نظريًا مع النسق الفكري للحداثة.
خاتمة
لعل شعارَي الديمقراطية والعقلانية اللذين يطرحهما الجابري بديلً من شعار العلمانية، يحتاجان إلى دور ما للعلمانية التي ينبذها، ويحتاجان إلى دورها في تحييد السياسي عن الديني، وذلك بأن ترتكز الديمقراطية على مفهوم «المواطنة» للتعامل مع الأفراد كمواطنين أحرار خارج دائرة انتمائهم المذهبي. وبالتالي، فإن مفهوم المساواة المدنية والحرية والمواطنة لا تتعارض بأي حال مع مفهوم منفتح للعلمانية، وربما تحتاج إليها كمفهوم إجرائي ينظم العلاقة بين الدين والدولة، ويسهل انبثاق المجال السياسي، وينظم الخلاف بين أطراف الاجتماع السياسي في سياق آليات تداول السلطة بطريقة ديمقراطية سلمية. ولعل أطروحة الجابري في تشطيره التحليلي للعقل العربي وقسمته، بطريقة جازمة، إلى حقول معرفية ثلاثة (عقل بياني وعرفاني وبرهاني)، غيَّب إلى حد ما الوحدة الجامعة المحددة لهذا العقل. وقد أثقلت أغراضه الأيديولوجية المتعلقة بمفاهيمه عن النهضة ومتطلباتها على متانة نصه، غير أن للجابري حق الريادة في كثير من الأبواب البحثية، فهو أضاء بقعًا من التراث لم يسعف الحظ أحدًا في طرقها من قبل.