العودة إلى تفاصيل المؤلَّف جون غراي والتفلسف برؤية مختلفة سياحة موجزة في فكره

جون غراي والتفلسف برؤية مختلفة سياحة موجزة في فكره

John Gray and Philosophizing with a Different Vision: A Brief Tour of Gray’s Thought

النور حمد

Elnour Hamad

الملخّص

يقول غراي إن الشقة بين صمت البشر وصمت الحيوانات إنما حدثت نتيجة لاستخدام اللغة.ولا يعني هذا أن بقية الحيوانات تفتقر إلى اللغة؛ فخطاب الطيور أكثر كثيرًا من المجاز اللغوي البشري، إذ إن الحيوانات تعيش في نومها، و تتحدث إلى نفسها وهي تقوم بتأدية شؤونها اليومية. والبشر هم النوع الوحيد الذي يستخدم أفرادُه الكلمات ليشيدوا صورًا للذات، وقصصًا لحيواتهم. ولكن إذا كانت بقية الحيوانات تفتقر إلى هذا المونولوغ الداخلي، فليس من الواضح لماذا تضع هذه المزية البشر في مقام أعلى؟

Abstract

2013 بعنوان: The Silence of Animals: On صمت (Progress and other Modern Myths

الفجر (Delusions of Global Capitalism

الكلمات المفتاحية:
  • جون غراي
  • التفلسف
  • المجاز
Keywords:
  • John Gray
  • Philosophizing
  • Metaphor

سياحة موجزة في فكره

تعريف بجون غراي

جون غراي (J. Gray) فيلسوف سياسي وُلد في بريطانيا سنة 1948، وهو من المشتغلين في كتاباتهم بالفلسفة التحليلية وبتاريخ الأفكار. عمل غراي أستاذًا للفكر الأوروبي بكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، واشتهر في العقدين الأخيرين بسبب تأليفه مجموعة من الكتب التي أثارت جدلا واسعًا، خاصة كتابه Straw Dogs (كلاب من قش)، الذي لقي احتفاءً كبيرًا وسط كبار مراجعي الكتب، لدى الصحف الغربية الرئيسية. كتب جورج والدن عن ذلك الكتاب في صحيفة الديلي تلغرافما نصه: «ليس هناك شيء يمكن أن يدفع بك إلى التفكير مثلما يفعل هذا الكتاب». وكتب عنه جي بالارد في صحيفة الغارديان: «إنه كتاب يتحدى كل افتراضاتنا بشأن ما يجعل الانسان إنسانًا». وكتب عنه ويل سلف في صحيفة الإندبندنت: «ستجد بعد أن تقرأ هذا الكتاب أن كل شيء يبقى تمامًا كما هو ولكنه يبدو مختلفًا جدًا، وهذا مزعج». أعقب غراي كتابه المشار إليه ببعض الكتب التي لاقت رواجًا كبيرًا، من بينها كتابه الذي صدر سنة

الحيوانات: حول التقدم والخرافات الأخرى

للحداثة)، وهو الكتاب الذي سأركز عليه في عرض أفكاره في هذه الورقة، مع استصحاب شواهد من كتابه الآخر Straw Dogs، الذي صدر سنة 2003. وقد صدر الكتابان عن دار فارار وستراوس وجيرو في نيويورك. عمل غراي، عقب تقاعده عن التدريس، مراجعًا رئيسيًا للكتب لدى صحيفة الغارديان، والملحق الأدبي لصحيفة التايمز، وكذلك لمجلة نيوستيتسمان. وجاءت مؤلفاته كلها لافتة للنظر بسبب قدرتها الكبيرة على زلزلة القناعات السائدة بشأن فهم الإنسان للكون وطبيعة علاقته به، وفهمه لنفسه، وعلاقته بأخيه الإنسان. ينتقد غراي العلمانية الإنسانوية بقدر انتقاده الأديان، وتتمحور أفكاره في منحاها النقدي حول ما تسميه أدبيات الحداثة «حتمية التقدم». ويرى أن فكرة «التقدم» في الأصل فكرة دينية، مسيحية، وأنها مجرد خرافة ورثتها العلمانية الإنسانوية، زاعمةً أنها فكرة علمية. من كتب غراي الأخرى، التي لقيت إعجابًا لدى المفكرين والاقتصاديين والسياسيين وعامة الجمهور، كتابه False Dawn: The

الكاذب: ضلالات الرأسمالية المعولمة) الذي صدر سنة 1998. ومن بين كتبه التي استرعت

ه الانتباه أيضًا، كتابه Black Mass: Apoca

lyptic Religion and the Death of Utopia

(الكتلة السوداء: ديّانةُ القيامة وموت اليوتوبيا)، الذي صدر سنة 2007. أما كتابه الأخير الذي تستعرضه هذه الورقة، وهو صمت الحيوانات: حول التقدم وغيره من خرافات الحداثة، فيلخص رؤية غراي عجز البشر المستمر عن تحقيق الحالة الانسانية المنشودة التي طالما تصوروها، وعن الشقة التي تبقى شبه ثابتة، بين عالم الأفكار والتصورات والحلم بحالة إنسانية أفضل، وبين ما عليه حقيقة أفعال الناس في الواقع. ويمكن القول إن خيطًا واحدًا يربط مؤلفات غراي، وهو أن حلم التقدم، أي تجاوز الانسان حالة الوحشية إلى حالة الإنسية، إنما هو وهمٌ أكثر من كونه حقيقة.

من كتاب كلاب من قش إلى كتاب صمت الحيوانات

لا يختلف كتاب صمت الحيواناتمن حيث الثيمات الفكرية الرئيسية عن سابقه كلاب من قش؛ فهو يبدو مجرد تنويع على اللحن القديم ذاته، مع استطرادات وشواهد جديدة تدعم أفكار غراي الرئيسية التي سبق أن عبّ عنها. يقول غراي في مقدمة كتابه كلاب من قش، إن الإنسانويين يحبون أن يروا أنفسهم بوصفهم يملكون منظورًا عقلانيًا للعالم. غير أن عقيدتهم المركزية حول التقدم (Progress) ليست سوى خرافة، وهي أبعد من حيث القدرة على إدراك حقيقة «الحيوان البشري» من أي ديانة من ديانات العالم1. ويقول غراي إن الإنسانويين المعاصرين عندما ولّدوا فكرة «التقدم» مزجوا في الحقيقة بين خرافتين مختلفتين: الخرافة السقراطية المتعلقة بالعقل والعقلانية، وخرافة الخلاص المسيحية. وإذا كان الناتج من جماع هذه الأفكار ليس متجانسًا، فهذا هو ما جعله ذا قابلية للتصديق وسط الناس. يعتقد الإنسانويون أن البشر يتحسنون مع تقدم المعرفة؛ إذ يرون أن تحقيق التصورات المنتظرة لما يجب أن يكون عليه البشر هو الهدف الأعلى للتاريخ. غير أن البحث والتقصي العقلاني يقولان أن ليس للتاريخ هدف. إنهم يبالغون في تصوير الطبيعة عندما يصرون بأن الإنسان، الذي هو أحد مصادفات الطبيعة، سوف يتجاوز الحدود التي تؤطر حيوات الحيوانات الأخرى وتحدها. وفي رأي غراي أن من السخف البيِّ القول إن هذا الهراء يمنح حيوات الناس المعنى الذي يظنون أنهم قد خلفوا كل الخرافات وراء ظهورهم2. يرى غراي أن الاعتقاد بأن الإنسان متميز على سائر الحيوانات لأنه يملك إرادة حرة، مسألة موروثة من المسيحية. ويقول، ما كانت نظرية داروِن لتُحدث الدوي الفضائحي الذي أحدثته لو أنها ظهرت في الهند الهندوسية أو الصين التاوية أو أفريقيا الأرواحية. وبالقدر نفسه، لم يُهد الفلاسفة أنفسهم «روحيًا» ليوفّقوا بين الحتمية العلمية والاعتقاد بتفرد البشر بخاصية أنهم كائنات تملك حرية الاختيار، إلا في الثقافات التي تلت ظهور المسيحية. ويرى غراي أن الجهل باللاهوت والأديان وسط الفلاسفة المعاصرين بقي مدعاة للفخر لديهم، وهذا هو ما جعل الأصل المسيحي للعلمانية الإنسانوية لا يُفهم إلا نادرًا. ويرى أيضًا أن العلمويين الفرنسيين، مثل سان سيمون وأوغست كونت، اخترعوا «ديانة الإنسانية» كرؤية لحضارة عالمية مبنية على العلوم الطبيعية. ولقد أدى تأثيرهما في جون ستيوارت ميل إلى أن تصبح العقيدة العلمانية على الهيئة التي هي عليها اليوم. كما أن سيمون وكونت ساعدا بتأثيرهما العميق في كارل ماركس على تشكيل «الاشتراكية العلمية». وللمفارقة، فإن سان سيمون وكونت ك ناا ناقدين شرسين لاقتصاد «دعه يعمل» (lais sez-faire). يقول غراي إن الإنسانوية ليست علمً، وإنما هي دين. ففي أوروبا ما قبل المسيحية، كان الاعتقاد الراسخ هو أن المستقبل سوف يكون كما الماضي؛ إذ إن المعرفة والاختراعات تتقدم، ولكن الأخلاق تبقى، في الغالب، كما هي، وإن

التاريخ سلسلة من الحلقات لا يربطها معنى كلي. وعلى عكس هذا الفهم الذي كانت عليه ديانات التعدد (paganism)، فهِم المسيحيون التاريخ كقصة للخطيئة والخلاص منها. والإنسانوية، وفقًا لما يراه غراي، تمثّل تبنيًا وتحويرًا لهذه العقيدة المسيحية المتجذرة في فكرة الخلاص، تم تحويلها إلى مشروع عالمي للتحرر الإنساني. ويقول غراي إن للإيمان ب«التقدم» مصدرًا آخر، أيضًا؛ فنمو المعرفة في العلوم الطبيعية تراكمي، غير أن الحياة البشرية بصورة كلية ليست تراكمية، فما يُكتسَب في جيل واحد يمكن أن يُفقَد في الجيل التالي. وفي العلوم الطبيعية، المعرفة خير غير مخلوط، أما في الأخلاق والسياسة فإن الأمور خليط من الخير والشر. والعلوم الطبيعية تزيد القدرة البشرية، ولكنها، في الوقت نفسه، تضخم الإخفاقات الإنسانية3. العلوم الطبيعية تجعلنا نعيش أطول، ونحقق مستوى أعلى من العيش، مقارنة بما كانت عليه الحال في السابق، ولكنها تجعلنا في الوقت نفسه نتسبب في أن ندمر حيوات بعضنا البعض وأن ندمر الأرض بصورٍ غير مسبوقة. يقول غراي في ختام مقدمته لكتاب كلاب من قشإن هيغل كتب في مكان ما أن البشرية لن تقنع إلا بعد أن تعيش في عالم من صنعها. ولكن على العكس من ذلك، يحاجج الكتاب من أجل إحداث نقلة تخرج بنا من هذه الحالة من تضخم الوعي بالذات وبالأنا (Solipsism)؛ فالبشر لن ينقذوا العالم، وهذا ليس مدعاة لليأس، لأن العالم لا يحتاج إلى إنقاذ. بل لعل من المفرح أن البشر لن يعيشوا أبدًا في عالم من صنعهم. ينقسم كتاب صمت الحيواناتإلى ثلاثة أقسام بالعناوين التالية: «فوضى قديمة» (القسم الأول)؛ «وراء الفكرة الأخيرة» (القسم الثاني)؛ «ضوء شمس آخر» (القسم الثالث). استهل غراي كتابه الأخير هذا باقتباس قصيرٍ لجون آشبري يقول فيه: «ما عادت المواسم مثلما كانت من قبل، غير أن هذه هي طبيعة الأشياء التي تُرى مرةً واحدةً وهي تواصل الحدوث...». ولقد تكررت ثيمة المواسم الطبيعية مراتٍ في هذا الكتاب، ويبدو أنها تمثّل الفكرة المحورية في تصورات غراي التي ترى أن التاريخ يسير في دورات هي أشبه ما تكون بفصول السنة، أي لا يوجد، وفق رؤيته، تقدم يسير في خط صاعد على الدوام، بقدر ما يوجد تبدّل في التاريخ البشري هو أقرب ما يكون إلى الحركة الدائرية، ولذلك، هو أشبه ما يكون بتبدل الفصول. من الأمور الصادمة في رؤية غراي أنه لا يرى أن الخير يتنامى والشر يتناقص، وذلك على عكس فكرة «التقدم»، بقدر ما يرى أنها دورات تتعاقب في المسار الكلي، كما تتعاقب فصول السنة. وهذا المعنى هو ما أشار إليه ويل سلف حين كتب معلّقًا على كتاب كلاب من قشفي صحيفة الإندبندت، مما جرى إيراده سابقًا، حيث قال: «بعد أن تقرأ هذا الكتاب ستجد أن كل شيء يبقى تمامًا كما هو - ولكنه يبدو مختلفًا جدًا، وهذا مزعج».

نداء التقدم

في الفصل الأولمن كتاب « صمت الحيوانات »، وهو بعنوان «نداء التقدم»، اعتمد غراي في طرح رؤاه على القصة القصيرة An Outpost of Progress (محطة التقدم) التي كتبها الروائي المعروف جوزيف كونراد سنة 1896 وكان. كونراد قد كتب هذه القصة بناءً على تجربة عيشه في الكونغو، وهي تتلخص في أن أوربييْ اثنين (كيرتس وكارلي) أُوكلت إليهما، في أوج الحملة الاستعمارية، مهمة إقامة محطة نهرية في أدغال الكونغو لتسهيل تجارة العاج. وكما تنتفع الشركة التي أوكلت لهما هذه المهمة ماليًا، فإنهما أيضًا كانا ينتفعان ماليًا. بعد فترة من الوقت، عرض عليهما ماسك دفاترهما، وهو من السكان الأفارقة المحليين، أن يستبدلا تجارة العاج بالرقيق، لأن ذلك سوف يدر عليهما دخلً إضافيًا. أُصيب الرجلان بالصدمة والاستغراب، وأبديا الاستنكار والاستياء تجاه ذلك المقترح. غير أنهما ما لبثا أن قبلا

به. وبمرور الزمن واشتداد حالة العزلة، تدهورت صحة الرجلين وتدهورت روحهما المعنوية. وفي ثورة غضب عارمة نتجت من الخلاف في مسألة تافهة، قام كيرتس بقتل رفيقه كارلي. بعد ذلك أصيب كيرتس بحالة اكتئاب شديدة. وحين وصلت الباخرة التي تربط تلك المحطة بالعالم الخارجي، متأخرة شهرين عن موعدها المعتاد، وجدت أن كيرتس شنق نفسه للتو4. واضح أن كونراد ضمَّن سخريته من الفكرة الاستعمارية في جعل عنوان تلك الأقصوصة «محطة للتقدم». ويبدو أن غراي وجد تلك القصة ملائمة جدًا لاتخاذها نموذجًا لما يود طرحه في كتابه هذا، ليوضح من خلالها فكرته القائلة إن فكرة «التقدم» فكرة مهلهلة، وليست بالتماسك الذي تبدو عليه. وإضافةً إلى استخدامه اقتباسات طويلة من النص الذي كتبه كونراد، يحكي غراي أيضًا عن التحول الذي طرأ على كونراد نفسه، نتيجة رؤيته الممارسات الاستعمارية البلجيكية الفظيعة في الكونغو ومعايشته اليومية لها. يقول غراي إن كونراد زار الكونغو، أول مرة، سنة 1890، ليعمل قائدا لباخرة، وإنه، أي كونراد، استخدم بعبقرية آسرة التحول الذي جرى له في أثناء تجربة عيشه هناك؛ فمجيؤه ممتلئًا بالإحساس بأنه انسان متفوق جعله يكتشف خطأ ذلك الإحساس، حتى أنه قال: «قبل أن أجيء إلى الكونغو كنت مجرد حيوان». ويعلق غراي على هذه الجملة بقوله: الحيوان الذي يقصده كونراد هو الإنسانية الأوروبية التي تسببت في موت الملايين من البشر عندما جاءت إلى الكونغو بدعوى نشر «التقدم». ويضيف: إن تصور أن الإمبريالية يمكن أن تكون قوة للتقدم الإنساني سقط في دائرة سوء السمعة منذ تلك اللحظة. ويردف معلقًا: غير أن الإيمان الذي أُلصق بالإمبراطورية في ذلك الزمان لم يجرِ التراجع عنه، بل على العكس من ذلك، انتشر في كل الأماكن، حتى وسط أولئك الذين يعتمدون، شكليًا، عقائد أكثر تقليدية، تعتمد على الإيمان في المستقبل، ولكن، من أجل إراحة العقول من عناء التفكير المضني، لا أكثر7. يقول غراي: «على الرغم من أن التاريخ يبدو مسلسلً متتابعًا من اللامنطق والمآسي والجرائم، فإن كل واحد يصر على أن المستقبل سيكون أفضل من أي شيء جرى في الماضي. وما ذاك إلا لأن التخلي عن الأمل سوف يبعث حالة من اليأس كالتي سقط بها كيرتس، بطل رواية كونراد. إذًا، لا يمثّل الإيمان بتقدم النفس البشرية وترقيها المستمر من الوحشية إلى الإنسية سوى حيلة عقلية ووجدانية لحفظ التوازن النفسي، ومحاولة لصناعة المعنى عن طريق التشبث بأهداب أمل كاذب. يقول غراي إن من الممكن القول إن من أهم الفوائد العديدة للإيمان بحتمية التقدم هي أن في إمكانه أن يَُول بين الفرد والمعرفة العميقة للذات. ولذلك، عندما غامر كيرتس ورفيقه بالإيغال في مجاهل الكونغو، لم يكن الأغراب الذين التقيا بهم من السكان الأصليين، وإنما هُم نفساهما اللتان لم يكونا يعرفانهما بالقدر الكافي9. ولقد استخدم غراي في كتبه صمت الحيواناتشواهد عدة من شهادات وردت في مذكرات كُتَّاب سجلوا بدقة تراجع الأخلاق لدى الأفراد في أوقات الحروب والأزمات، وانفراط القانون في المجتمعات؛ أي إن الأزمات والحروب تعيد الكائن البشري إلى ما لا يختلف عمّ هي عليه بقية الحيوانات الأخرى. بل يرى غراي أن البشر في وقت الأزمات والحروب يرتدّون إلى ما دون مستوى الحيوانات الأخرى. استخدم غراي في كتابه هذا عددًا من النصوص المقتبسة من الأعمال الروائية الشهيرة، ليدلل بها على خيبات الناس في ما يعتنقون من أفكار، وفي عدم قدرتهم أيضًا على العيش وفقًا للمبادئ التي اعتنقوها. ومن الروايات العديدة التي استخدمها في كتابه هذا رواية آرثر كويستلر التي صدرت سنة 1940 بعنوان Darkness at Noon (ظلام في الظهيرة). يقول غراي إن الرواية تعكس تجربة

كويستلر الحياتية الشخصية؛ ففي هذه الرواية يحكي مؤلفها عن تقلّب بطل روايته بين الشيوعية والتجارب الروحية. فكويستلر نشأ في عائلة يهودية منعمة ومثقفة، لكنه شاهد انهيار حضارة البرجوازية بسبب الحرب العالمية الثانية، وجعل من نفسه عدوًا للبرجوازية، ثم أصبح شيوعيًا. كما شاهد كويستلر انهيار قيم المجتمع الفرنسي وهي تتحلل في فترة الاحتلال النازي. عبر تجربة حياة قلقة متقلبة، خلص كويستلر إلى القول في إحدى مقالاته: «ربما ليست عبقرية هتلر في الديماغوجية، وليست في الكذب، وإنما في المقاربة اللاعقلانية الجذرية لكسب الجمهور، والقدرة على جذب الذهنية الطوطمية لمرحلة ما قبل المنطق»12. ويستند غراي إلى ما كتبه الصحافي الألماني الليبرالي سباستيان هافنر عن تجربة النازية في ألمانيا، حين قال إن كثيرًا من الألمان كانوا سعداء تحت الحكم النازي. ومع أنه قيل إن الألمان أُكرهوا على قبول النازية، فإن ذلك لا يمثّل إلا نصف الحقيقة؛ فهُم كانوا شيئًا آخر؛ شيئًا أسوأ من ذلك، لا توجد كلمات لوصفه، وقد جرى في حقيقة الأمر تحويلهم إلى رفاق (comrade)، فقد عاشوا مخدَّرين في عالم من الأحلام. كانوا يظنون أنهم يتسلقون قممً شاهقة، في حين كانوا، في حقيقة الأمر، يزحفون على بطونهم في مستنقع13. وفي السياق ذاته، يعلق غراي على ما يصفه بأنه خطأ في رواية لجورج أورويل بعنوان 1984 والتي يمكن تلخيصها في الصورة التي رسمها أورويل ل«المحقق الشامل». يرى غراي، خلافًا لأورويل، أن الروس الذين كانوا يقومون بالتعذيب في الحقبة الشيوعية، كانوا مجرد أدوات إجرائية، إذ كانوا يعرقون ويعيشون في حالة من مستدامة من الخوف. تحت سطح الشعارات الشيوعية في الاتحاد السوفياتي، كانت الأرض والبحيرات تُسمَّم بحراك التصنيع السريع؛ فهناك مشاريع ضخمة لا قيمة لها أُنجزت بتكلفة بشرية باهظة. كما كانت الحياة صراعًا وحشيًا من أجل مجرد البقاء. مات الملايين بلا سبب، وعانى عشرات الملايين حيوات محطمة، ومضوا من دون أن يتركوا أثرًا يدل على أنهم كانوا موجودين أصل14. لإعطاء نموذج للتراجعات التي لا تلبث أن تحدث، اقتبس غراي نصوصًا من السيرة الذاتية التي كتبها ستيفان زفايغ سنة 1942 تحت عنوان

عالم (The World of Yesterday عالم الأمس

الأمس) التي صور فيها ما جرى لإمبراطورية هابسبيرغ النمسوية التي استمرت ألف سنة، ووصفها بأنها أُسست كأنها ستدوم إلى الأبد، إلى أن قوّضتها الحرب العالمية الأولى. فنتيجةً لمقررات مؤتمر فرساي للسلام، ودعوة الرئيس وُدرو ويلسون لتقرير المصير الوطني للشعوب، أصبحت أوروبا ساحة معركة للجماعات الإثنية المتصارعة. تحطمت الطبقة الوسطة تمامًا وأصبح الاقتصاد يتأرج بين التضخم إلى اللاتضخم، ثم إلى التضخم الفظيع، مع حالة غير مسبوقة من العطالة. أما السياسة، فاستحالت شظايا من متطرفين، مع بروز الفاشيين والشيوعيين الذي يرفضون الديمقراطية، مع حالة ضعف شديدة وسط الأحزاب المعتدلة جعلتها عاجزة عن الإمساك بمنطقة الوسط15. أخذ غراي اقتباسات أيضًا من رواية أورويل 1984. في تلك الرواية، يقول أوبراين، موجِّهًا حديثه إلى وينستون: «أنت تعتقد أن الواقع شيء موضوعي، وأنه شيء خارجي موجود وجودًا مستقلا بذاته.... عندما تخدع نفسك بالانجرار في التفكير بأنك عندما ترى شيئًا، تفترض أن الآخرين يرون الشيء الذي تراه. ولكنني أخبرك يا وينستون أن الواقع ليس شيئًا خارجنا. الواقع موجود في العقل البشري، وليس في أي مكان آخر. إنه ليس في عقل الفرد الذي يرتكب الأخطاء، والذي هو في كل الأحوال عقل يفنى، وإنما في عقل الحزب، الذي هو عقل جمعي وخالد. فكل ما يراه الحزب حقًا فهو حق.... نحن لسنا مهتمين بخير الآخرين؛ وإنما

نحن مهتمون بالقوة بصورة حصرية. اهتمامنا ليس منصبًّا على جني الثروة، وليس في الحياة الباذخة، أو الحياة الطويلة. اهتمامنا فقط في القوة؛ القوة الصرف.... عليك التخلص من تلك الأفكار عن قوانين الطبيعة التي تعود إلى القرن التاسع عشر..... إذا كنت تريد أن ترى صورة المستقبل، على حقيقتها، فتخيل حذاءً ضخمً يطأ وجهًا بشريًا، ويظل ضاغطًا عليه، من الآن وإلى الأبد». يقول غراي: في القصة التي يعيد العالم الحديث قصّها على نفسه، نجد أن الاعتقاد في التقدم يقف على طرفي نقيض مع الدين؛ ففي العصور المظلمة من تاريخ الإيمان الديني، لم يكن هناك أي أمل في تحقيق تغيير جوهري في حياة الناس. ولكن مع بروز العلوم الحديثة، تفتّح أفق جديد للتحسن. فالمعرفة المتنامية جعلت البشر يحسون بأنهم يتحكمون في مصيرهم. فقد تحركوا من حالة الضياع في منطقة الظلال، وأمكنهم، من ثم، أن يخطوا إلى دائرة الضوء. لكن، في حقيقة الأمر، ليست فكرة التقدم على النقيض من الدين، كما تبدو في ما تقترحه هذه «الحدوتة» الحداثية16. يرى غراي أن الإيمان بدوام التقدم لم يكن سوى محاولة أخيرةٍ لإنقاذ المسيحية المتجذرة في رسالة يسوع المسيح؛ النبي اليهودي المتمرد الذي أعلن نهاية العالم. ويرى غراي أن الفكرة المسيحية مناقضة لما كانت عليه الحال لدى المصريين القدماء، والإغريق القدماء، الذين لم يكونوا يرون أن هناك جديدًا تحت الشمس؛ فالتاريخ الإنساني بالنسبة إليهم يتبع دورات العالم الطبيعي. ويقول غراي إن ما كان يراه قدماء المصريين وقدماء الإغريق ينطبق أيضًا على الهندوسية والبوذية والتاوية وديانة الشنتو، والأجزاء الأقدم من الديانة اليهودية. عن طريق توقُّع إمكان حدوث تحوّل جذري في الحالة الإنسانية، أصبحت المسيحية التي ابتكرها القديس بولس، من حياة عيسى وأقواله، هي الطاقة التي أوجدت العالم الحديث. ويضيف غراي أيضًا: إذا نظرنا إلى المسألة من الناحية العملية، فإننا نجد أن البشر استمروا يعيشون، إلى حدٍّ كبير، بالصورة نفسها التي ظلوا يعيشون بها، عبر التاريخ. فالتبدل في الفكرة بشأن العالم لم يحدث إلا قبل وقت قصير من التحول الذي أتى بالتوقع الحرفي للنهاية، «القيامة»، بحيث أصبح مجازًا يشير إلى الترقي الروحاني. وقد كان لا بد من أن تحدث مجموعة من التحولات، ليصبح في وسع المسيحية أن تجدد نفسها في صيغة ما يمكن أن نسمّيه «خرافة التقدم». هكذا تحول التاريخ من صيغته القديمة الشبيهة بتعاقب للفصول، ليصبح قصة للخلاص. وفي الأزمنة الحديثة، اختلطت هوية الخلاص بزيادة المعرفة والقوة، وهذه عينها هي الخرافة التي ساقت كلًّ من كيرتس وكارلي إلى مجاهل الكونغو، كما ورد في رواية جوزيف كونراد.

الإنسانوية والأطباق الطائرة

يقول غراي، لو كان الإيمان بعقلانية الإنسان نظريةً علميةً، لهُجرت هذه النظرية منذ وقت طويل. ولكي يرسم غراي صورة أوضح للاعقلانية البشر، يورد قصة عن فريق علميٍّ برئاسة ليون فستينغر الذي أخرج في سنة 1956 كتابًا في كلاسيكيات علم النفس الاجتماعي عندما تفشل (When Prophecy Fails بعنوان النبوءة)، تم فيه رصد حالة امرأة أميركية من ولاية ميشيغن كانت تزعم أنها تتلقى رسائل من كوكب آخر، تخبرها أن نهاية العالم سوف تحدث عن طريق فيضان كبير يحدث قبل فجر يوم 21 كانون الأول/ ديسمبر 1954. ولقد قامت تلك المرأة ومن صدّقها ممن كانوا حولها، بترك أعمالهم، وهجر من لهم بهم علاقة من أقاربهم وأصدقائهم. كما قاموا بالتخلص من ممتلكاتهم استعدادًا للطبق الطائر الذي سوف يأتي لينقذهم من العالم الذي حُق عليه الدمار. وبما أن فيستينغر كان من أعضاء الفريق الذي طور نظرية «التناقض الإدراكي»

(Cognitive Dissonance)، فقد وجد هو

وفريقه في قصة تلك المرأة فرصة لاختبار نظريتهم.

تزعم تلك النظرية أن البشر لا يتعاملون مع المعتقدات المتناقضة باختبارها عن طريق مضاهاتها بحقائق الواقع، وإنما يخفِّضون من حدة التناقض عن طريق إعادة تأويل الحقائق التي تتحدى معتقداتهم، التي أصبحوا أكثر التصاقًا بها ولا يستطيعون فكاكًا منها. في هذا الصدد، يستشهد غراي ب ت. س. إليوت الذي يقول «إن الجنس البشري لا يحتمل كثيرًا الأمور الشديدة الواقعية». ومن أجل أن يختبر المحللون النفسانيون نظريتهم، اخترقوا تلك المجموعة التي آمنت بمزاعم تلك المرأة، بغرض مراقبة ردة فعلهم عندما لا تحدث تلك القيامة التي تنبأوا بها. وكما توقعوا، رفضت المجموعة أن تقر بأن منظومتهم المعتقدية كانت خاطئة. وقاموا بدلً من ذلك بتأويل عدم حدوث الكارثة الكونية التي توقعوها، مرجعين ذلك إلى كونهم قد ظلوا في حالة صلاة مستمرة طوال تلك الليلة، وهو ما جعلهم ينجحون في منع حدوثها. وكان النتيجة أن أصبحوا أكثر التصاقًا بمعتقدهم. يقول غراي إن إنكار الواقع من أجل الإبقاء على التصور للعالم الذي يعتنقه الفرد، أو المجموعة، ليس منحصرًا في المجموعات ذات المعتقدات الباطنية الشاطحة (Cults)، ولا في فرضية أن «التناقض الإدراكي» حالة بشرية طبيعية؛ فالحركات التي يعيش تابعوها في انتظار مُلِّص، يعتنقون هذا التناقض في صورته الصرف. وينقل غراي عن فيستينغر أن منذ أن صُلب المسيح، ظل كثير من المسيحيين يأملون في عودته الثانية. ولم تكن الحركات التي حددت لتلك العودة تواريخ بعينها نادرةً في ذلك المجال. بل يرى غراي أن ظِلَّ القيامة يتعدى الجماعات الدينية ليلقي بنفسه على الحركات الراديكالية أيضًا، وذلك عن طريق إعادة إنتاجه في صورة معلمنة. فقد تلبَّست الخرافات الثوريين، من يعَاقِبة الثورة الفرنسية إلى البلاشفة، وإلى ما وراء ذلك. بل إن الخرافات ألهمت حركات تبدو مختلفة جدًا، مثل التروتسكية، بل وحركاتِ نهايات القرن العشرين، كالمحافظين الجدد الأميركيين. يقول غراي، إذا كان هناك شيء مميز جدًا لدى «الحيوان البشري»، فهو قدرته على إنماء المعرفة بمعدلات متسارعة. غير أنه، مع ذلك، يبقى عاجزًا عجزًا مزمنًا عن التعلم من تجربته؛ فالعلم والتكنولوجيا تراكميان، حيث تلغي النظريات الأجد النظريات الأقدم. أما الأخلاق والسياسة، فتمثّل دوامات تعيد نفسها. فالتعذيب والاستعباد، مهما يُطلَق عليهما من أسماء، هما من الشرور الكوكبية. غير أن هذه الشرور لا يمكن أن تُنسب إلى الماضي كما تُنسب النظريات العلمية التي تخطاها العلم، فهي، على خلاف النظريات العلمية، تعود تحت مسميات جديدة؛ فالتعذيب يعود في صورة أساليب استجواب محسنة، والعبودية تعود في صورة الاتجار بالبشر. وموانع تحقق الحياة المتمدنة ليست كموانع تحقق المعرفة في العلوم الطبيعية التي يمكن حفظها في ذاكرة الكمبيوتر، إذ هي عاداتٌ سلوكية، متى انكسرت يصعب إصلاحها. التمدن طبيعيّ في البشر، ولكن بالصورة نفسها يمكن القول إن الهمجية أيضًا طبيعية فيهم. ويخلص غراي إلى القول إن المتحمسين للعقلانية ربما لم يلاحظوا أن الفكرة القائلة بأن البشر سيصبحون، يومًا ما، أكثر عقلانية، تقتضي قفزة أعظم في الإيمان، تفوق تلك التي قامت عليها الأديان. فما دام تحقُّق هذا الحلم يقتضي خرقًا إعجازيًا لناموس الأشياء، فإن عودة يسوع من الأموات ليست مناقضة للعقلانية، بأكثر من فكرة أن البشر سيصبحون في المستقبل مختلفين عما ظلوا عليه عبر التاريخ. ويرى غراي أيضًا أن من الممكن، بشكل عام، القول إن الإنسانوية تقوم على فكرة أن «الحيوان البشري» هو الكيان الحاوي لنوعٍ من القيمة المتميزة في العالم؛ ففلاسفة اليونان القدماء يؤمنون بأن البشر متميزون لامتلاكهم العقل الذي ينقص بقية الكائنات. ومن بين هؤلاء، يرى سقراط بخاصة، بحسب وصف أفلاطون، أن الإنسان يمكنه باستخدام العقل أن يلج المجال الروحاني.

ومن ضمن جوانب الإنسانوية المتصلة بهذا الشأن، الفكرة القائلة إن العقل البشري يعكس الناموس الكوني. ومع ذلك، فإن مايكل مونتين، الذي يُعَدّ أحد إنسانويي القرن السادس عشر، كان يرفض الفكرة القائلة إن العقل البشري يمثّل مرآةً للعالم. كما إنه كان يسخر من الفكرة القائلة إن العقل هو الذي يجعل البشر قادرين على أن يعيشوا عيشًا جيدًا. ومع ذلك، لم يقفل مونتين الباب أمام عودة الروحانية، بسبب أنه كان في الأصل متشككًا. يورد غراي، بناءً على أقوال بعض المؤرخين، أن حالة اللامساواة في أميركا، في بداية القرن الواحد والعشرين، أكبر من تلك التي كانت سائدةً في الاقتصاد القائم على الرق في روما الإمبراطورية، في القرن الثاني الميلادي. ويعلق غراي على ما أورده أولئك المؤرخون بقوله: بالطبع، ليست الإنسانية متجهة إلى أي جهة؛ ف«الإنسانية» مجرد خيال مكون من مليارات الأفراد، الحياة بالنسبة إلى كل واحد منهم مفردة ونهائية. غير أن خرافة التقدم لها قوة مفرطة، وعندما تفقد هذه الخرافة قوتّها فإن الذين عاشوا معتقدين فيها يصبحون، كما يصف جوزيف كونراد بطلي روايته، محطة التقدم، كيرتس وكارلي بقوله: «إن مثَلُهم مثَلُ من كانوا مسجونين طوال أعمارهم، ثم أُطلقوا بعد سنين طويلة؛ لا يعرفون ماذا يصنعون بحريتهم»؛ في وجودهم الإيمان فهم عندما يضعف بالمستقبل تضيع منهم أيضًا الصورة التي رسموها لأنفسهم في أفئدتهم. ولو أنهم اختاروا الموت بعد ذلك، فلأنهم، من دون ذلك الإيمان، لم يكن في وسعهم أن يعرفوا معنى للعيش الذي عاشوه17. يقول غراي إن انسانويِّي اليوم يزعمون أن لهم فهمً علمانيًا صرفًا للأمور، ويسخرون من التدين والروحانية. غير أن من الصعب الدفاع عن، أو حتى فهم، تميز الإنسان من بقية المخلوقات عندما يُفصَل عن مفاهيم التجاوز (Transcendence)؛ فوفقًا للنظرة الطبيعية الصارمة، التي يتم النظر فيها إلى العالم بشروطه الخاصة به من دون الرجوع إلى خالق، أو إلى أي نطاق روحاني، لن يكون هناك تراتبية تجعل الانسان يتبوأ وضعًا في القمة. ببساطة، تبقى هناك حيوانات متنوعة، لكلٍّ منها حاجاته الخاصة به. فالتميز الإنساني خرافة موروثة من الدين، أعاد البشر تدويرها ليضعوها في نطاق العلم. خرافة أن البشر يستخدمون عقولهم ليرفعوا أنفسهم فوق العالم الطبيعي، التي عكستها آراء سقراط وأفلاطون كجزء من الفلسفة الروحانية، أعيد تجديدها في نسخة مشوَّهة حملتها لغة نظرية التطور؛ فكثير مما ورد في «صرعة» نظريات التطور الراهنة يمكن إيجاده، وأحيانًا بصورة أوضح، في ما عبّ عنه هربرت سبنسر. ويرى غراي أن سبنسر هو النبي الفيكتوري لما أصبح معروفًا، في ما بعد، ب«الداروِنية الاجتماعية». كان سبنسر يرى أن خلاصة السيرورة تنتهي في حرية الرأسمال

) ثم جاء من بعده Laissez-faire Capitalism (

تلاميذه الذين كانوا من أوائل الفابيين المعجبين بتجربة الاتحاد السوفياتي، ليقولوا إن النهاية هي الشيوعية. أما الأجيال الأخيرة من المنظّرين الذي ودوا أن يكونوا أكثر انتماءً إلى مفاهيم العدالة، فقد رشحوا «الرأسمالية الديمقراطية» لتكون هي النهاية لتلك «السيرورة التطورية».

صمت الحيوانات

في الفصل الذي يحمل عنوان «صمت الحيوانات» الذي هو عنوان الكتاب أيضًا، يقول غراي: يبدو أن البحث عن الصمت أمر يخص البشر وحدهم؛ فالحيوانات تهرب من الأصوات، ولكن من تلك التي يصدرها غيرها. أما البشر، فوحدهم هم الذين يودون إسكات الضجيج الثائر في رؤوسهم. فلأنهم متعَبون بسبب الثرثرة الداخلية، فإنهم ينزعون إلى الصمت ليُخرسوا أصوات

أفكارهم. وما يبحث عنه الناس عندما يبحثون عن الصمت إنما هو نوع مختلف من الضجيج؛ فالمؤسسات البشرية التي أُنشئت من أجل الصمت مملوءة في حقيقة أمرها بالضجيج، والكنائس لا تنعم بالصمت إلا حين تكون فارغة من الناس. يقول غراي إن رجل الدين الكاثوليكي ماكس بيكارد يرى أن صمت البشر مختلف عن صمت الحيوانات؛ فهو يراه صمتًا شفافًا ومشرقًا لأنه صمت يواجه العالم؛ فهو يطلق العالمَ ويستقبله عائدًا في كل لحظة ليدخل في ذاته مرة أخرى. أما صمت الحيوانات، فثقيل مثل الحجارة. ولكن غراي، الذي يوافق على ما قاله بيكارد من أن صمت الحيوانات مختلف عن صمت البشر، يخالفه الرأي قائلا: في حين أن صمت الحيوانات يمثّل حالة طبيعية من الراحة، فإن صمت البشر يمثل هروبًا من حالة الضوضاء الداخلية. فالصمت لدى الحيوانات حق بالميلاد، في حين أنه حالة فالتة ومتطايرة لدى البشر، يهربون إليها لكيلا يكونوا ذواتهم التي هم عليها. يسعى البشر إلى الصمت من أجل الخلاص من ذواتهم، أما بقية الحيوانات، فتستمتع بالصمت لأنها لا تحتاج إلى خلاص من شيء. ويرى غراي أن عكس بيكارد لخصائص الصمت البشري وصمت الحيوانات يجعل البشر يجلسون فوق منصة عالية، تمامًا مثلما فعل مارتن هايدغر الذي يصف الحيوانات بأنها «مساكين العالم». فمن وجهة نظر هايدغر المسيحية الجديدة، تعيش الفئران والنمور والغوريلا والضباع لكون ردات أفعالها تجاه العالم سلبية؛ ذلك أن الحيوانات بافتقادها أي مفهوم لمعنى «الكينونة» المحير، ليست أكثر من أشياء. ومن الجانب الآخر، ليس البشر أشياء لأنهم يشكلون العالم الذي يعيشون فيه. ويرى غراي أن ذلك ليس صحيحًا تمامًا؛ فكل حيوان صانع لعالمه: عالم الصقر المحلق في الهواء هو خلْق بالمقدار ذاته الذي به عالم الإنسان المشدود إلى الأرض، وربما يكون هناك إحساس من نوع ما بأن الحيوانات مسكينة، غير أن مسكنتها هي حالة مثالية لن يُفلح البشر أبدًا في تحقيقها؛ ففي حين يطفف المسيحيون وتوابعهم من «الإنسانويين» صمت الحيوانات، فإن الحسد ربما يكون هو الذي يدفعهم إلى فعل ذلك.

اللغة بين البشر والحيوانات

يقول غراي إن الشقة بين صمت البشر وصمت الحيوانات إنما حدثت نتيجة لاستخدام اللغة. ولا يعني هذا أن بقية الحيوانات تفتقر إلى اللغة؛ فخطاب الطيور أكثر كثيرًا من المجاز اللغوي البشري، إذ إن الحيوانات تعيش في نومها، وتتحدث إلى نفسها وهي تقوم بتأدية شؤونها اليومية. والبشر هم النوع الوحيد الذي يستخدم أفرادُه الكلمات ليشيدوا صورًا للذات، وقصصًا لحيواتهم. ولكن إذا كانت بقية الحيوانات تفتقر إلى هذا المونولوغ الداخلي، فليس من الواضح لماذا تضع هذه المزية البشر في مقام أعلى. لماذا يجعل كسر الصمت ثم المكابدة بضجيج شديد لاستعادته مرة أخرى، إنجازًا؟ يقول غراي إن الانسان هو الفراغ ينظر إلى ذاته! هذه صورة جميلة بلا شك، ولكن لماذا تمنح الإنسان ميزة؟ فعيون الحيوانات الأخرى ربما تكون أكثر إشراقًا، لأن البشر لا يملكون فكاكًا من رؤية العالم من خلال حجاب اللغة. فمن خلال الشعر والدين والانغماس في العالم الطبيعي، يحاول البشر نثر الكلمات التي تُلبس حياتهم قناعًا. وإنه لمن المستحيل بداهة أن تتخطى اللغة بوسيلة اللغة ذاتها. وغراي يؤكد هذا المعنى في كتابه كلاب من قش، السابق لكتاب صمت الحيوانات، حيث يقول: «الكتابة تخلق ذاكرة مزيفة، فيها يستطيع البشر تضخيم تجاربهم إلى ما وراء حدود الجيل الواحد وحدود أسلوب الحياة. وفي الوقت نفسه، تسمح الكتابة للبشر باختراع عالم من الكيانات التجريدية والتعامل معها خطأ بوصفها الواقع. فتطور الكتابة مكّن البشر من تطوير فلسفات أوهمهم انغماسهم فيها أنهم لا ينتمون إلى العالم الطبيعي».

ويستطرد غراي في مكان آخر قائلا إن من الممكن أن نفهم التأمل على أنه نشاط لا يهدف إلى تغيير الواقع، ولا إلى فهمه، وإنما ببساطة، أن نتركه ليكون ما هو عليه. فالتأمل في مثل هذه الصيغة معروف لدى المتصوفة، فهو يتمحور حول محو الذات، ولكن بلا غرض الدخول في أي ذات عليا؛ وذلك هو الوهم الذي تركته الحيوانات وراء ظهرها. فالمتصوفة يودون أن يقودهم هذا الوهم إلى طريقة جديدة للعيش؛ فهم على حق في تفكيرهم في أن الحياة المصنوعة من الفعل فقط ليست سوى سعيٍ وراء أشباح.

غراي وفرويد

يعرّج غراي في القسم الثاني من كتابه صمت الحيواناتعلى فرويد، فيقول إن فرويد زرع علامة استفهام فوق أفكار الحداثة؛ ففرويد الذي لم يتنازل عن إلحاده الثابت، أعاد تشكيل أحد أهم رؤى الدين، وهي أن الإنسان قارورة مكسورة. يقول غراي إن ما يحول بين الإنسان وتحقيق ما يريد ليس الظروف المحيطة به وحدها، وإنما النزعات التي تُهض ذلك التوق داخل نفسه؛ فغريزة الحب (Eros) والابتكار يمثلّان مكونًا رئيسيًا في تكاملية أن تكون إنسانًا. ولكن فرويد يرى أن غريزة الموت (Thanatos) التي تجد تعبيرها في الكراهية والتخريب هي الأخرى طرف من هذه التكاملية. فقصد المعالجة النفسانية إذًا لا يتمثّل في تحقيق السلام بين هذه النزعات المتحاربة، أو في تحقيق انتصار إحداها على الأخرى، وإنما إحداث تغيير في العقل بحيث يصبح ممكنًا من خلاله قبول الاثنين معًا. فعبر التاريخ وما قبل التاريخ، ظل الاعتقاد السائد والمقبول هو أن هناك علة في الحيوان البشري؛ فالصحة ربما فُهمت بوصفها الحالة الطبيعية للحيوانات، ولكن المرض هو الأمر الطبيعي في البشر. بعبارة أخرى، أن تكون معتلً بصورة مزمنة هو جزء من أن تكون إنسانًا. فالمحللون النفسانيون العصريون وقبائل الشامان يجرون المعالجات نفسها تقريبًا. يقول غراي إن ما يميز فرويد من سابقيه ولاحقيه من المعالجين النفسانيين هو أنه لم يطرح شفاءً للروح. ونتيجة لكتابات فرويد، أصبح يُنظر إلى التناقضات الطبيعية في العقل البشري على أنها عللً تحتاج إلى المعالجة. قَبل فرويد مقولة أن الانسان كائن معتل، ولكنه كان أصيلً في الاعتقاد بأن علل الإنسان ليس لها علاج؛ ففي حين عمد فرويد إلى تسليح الفرد البشري ضد العالم، كان يعرف أن العالم سوف يكسب المعركة ضد الفرد البشري في نهاية المطاف، فالقدر وليس الاختيار هو ما يقرر أين نُولد، ولأي والدين نُولد، وأي ظروف سوف تحيط بنا، وإلى أي حد سوف نعاني في حيواتنا. المفكرون الحداثيون يظنون أن في وسع الإنسان أن يكون سيد مصيره، وهذا الاعتقاد هو، إلى حد كبير، الاعتقاد نفسه بأنه لا يوجد قدر أصلً، وغاية الاستطباب النفسي لدى فرويد هي أن نقبل أقدرانا. ويقول غراي إن هذا المنحى لدى فرويد ليس منحى استسلاميًا بقدر ما هو منحى للاصطراع العقلي مع القدر في الحيز المتاح. ويقول أيضًا، في منحىً مشابه لمنحى نيتشه، ولكنه أكثر صحوًا منه، تصور فرويد شكلً من الحياة وراء ثنائية الخير والشر. ويمثّل هذا الفصل الذي كتبه غراي عن فرويد وأجرى مقارنات فيه بينه وبين شوبنهاور، عارضًا فيه رسائل فرويد إلى أينشتاين، وتجربة موت فرويد بداء السرطان، وحرصه على تدخين السيغار حتى آخر لحظة، أكثر الفصول إمتاعًا وإثارة للتساؤلات في كتابه صمت الحيوانات.

خاتمة

ما من شك أن الرؤى التي قدمها غراي رؤى جديدة وطازجة في وقت انخفض فيه صوت الفلسفة كثيرًا، وتراجع الاهتمام بها حتى وسط النخب. وقد تعدّت رؤاه أطر النقد الذي صوبته أفكار ما بعد الحداثة لأفكار حقبة الحداثة،

ووصلت بالمراجعة النقدية إلى لب فكرة الإنسان عن ذاته، بوصفه كائنًا يمتلك وضعًا يميزه من بقية الأحياء، وشككت في وهمه المسيطر عليه بأن في وسعه أن يكون، عبر التطور، سيدًا لمصيره. غير أن أفكار غراي، على قوتها ومتانة حجتها، تصبح مربكة، بل ربما مفسدةً للمعنى في الوجود الإنساني، وهو معنى ظل الإنسان يشيده عبر الحقب. ولربما أمكننا التساؤل: هل ملك الإنسان، في أي يوم من الأيام من تاريخه، أن ينفك عن رؤية ذاته كمخلوق مميز؟ وهل في وسعه أن يملك في مستقبله سوى أن يفكر في نفسه بهذه الطريقة التي انتقدها غراي ووصفها بأنها محض وهم؟ البنى العقدية والتصورية التي شيدتها البشرية، عبر التاريخ، أضحت جزءًا لا يتجزأ من منظومة صناعة المعنى في الوجود الإنساني، ووسيلة حاسمة من وسائل التصالح مع فكرة الوجود والعيش، وخلق التوازن النفسي والوجداني، وحراسة الكثير من منظومات القيم. ولا يقلل من أهميتها، من الناحية العملية، كونها وهمًا أو حقيقة؛ فما هو وهمٌ أو حقيقي لا يُنسب إلى العالم الطبيعي، وإنما إلى العقل البشري. فالمشكلة هي في العقل البشري الذي من طبيعته أن يكون محشوًا بالأوهام. وهذه الأوهام ذاتها جزءٌ من الناموس الكوني، وليست شيئًا خارجًا عنه، ولا سيما إن استخدمنا رؤية الفيلسوف الأميركي كين ويلبر، الذي يرى أن مشكلة العقل الحداثي هي أنه رسم خريطة للعالم من دون أن يرسم نفسه فيها، معطيًا هذا المسلك «راسم الخريطة الذي هو ليس جزءًا منها». يقع غراي، هو الآخر، وفق ما أرى، في إشكالية فصل الذات عن الموضوع، كما وقع قبله إيمانويل كانط. ومع ذلك، نجد أن غراي مقرٌّ بأن المتصوفة، على سبيل المثال، يودون أن يقودهم الوهم إلى طريقة جديدة للعيش، وهذه تشفع له في تقديري. في سياق مشابه، يقول محمود محمد طه: «ساير الدين طفولة البشرية في سحيق الآماد، وأحسن مسايرتها، وكان بها رفيقًا، شفيقًا، يمد لها في الأوهام، والأباطيل، التي كانت تكتنف تفكيرها، ريثما ينقلها، على مكث، وفي أناة، من وهمٍ غليظ، إلى وهمٍ أدق، ومن باطل غليظ إلى باطل أدق، وهكذا، دواليك». لذلك، فإن إخبار البشر بأن ليس للتاريخ هدف، وأنه ينبغي ألّ نبحث عن معنى للوجود، أو للحياة، وأن تنامي الخير وتنامي الحس الأخلاقي لا يتمان وفق منظومة تراكمية كما يجري في العلوم الطبيعية، وأن على البشر ألّ يجهدوا أنفسهم في إيجاد معنى له، دعوة صفوية، ولن تجد، بالضرورة، استجابة واسعة. ولكن هل دفع جون غراي بالتنوير إلى أفق جديد، وجذب التفكير الفلسفي إلى منطقة جديدة؟ نعم، لقد فعل ذلك من دون أدنى شك.

الهوامش