العودة إلى تفاصيل المؤلَّف في غياب مفهوم الحرية السياسية عن فكر المسلمين وتجربتهم التاريخية

في غياب مفهوم الحرية السياسية عن فكر المسلمين وتجربتهم التاريخية

How the Concept of Political Freedom is Absent from the Historical Thinking and Experience of Muslims

عبد الرحيم العلام

Abderrahim Allam

الملخّص

أن الفكر الإسلامي لا يزال حتى أمد قريب يتوجس مسألة الحرية، ويحْذر استمراءها أو تبيئتها ضمن البيئة العربية الإسلامية. وإذا كان السؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق هو: لئن كان هذا هو حال بعض الفكر الإسلامي الحديث حيال مفهوم الحرية، فما هو موقف الفكر الإسلامي الكلاسيكي من هذه التِّيمة؟ ويتفرّع عن هذا السؤال سؤال آخر مكمّل: ما هو الوضع الذي آلت إليه ممارسة الحرية بوجه عام، والحرية السياسية بوجه خاص، ضمن مجال المسلمين السياسي؟

Abstract

Renowned Moroccan historian Ahmed al-Nasiri states, "Know that this freedom created by the Europeans in these years is total atheism, because it absolutely requires the inversion of God's rights, parents' rights and human rights […] Know too that the freedom of the Sharia is what God spoke in his book and the Messenger of God explicated to his Umma and the jurists compiled in the chapter on restraint in their works." In the same vein, Tunisian historian Ahmad ibn Abi Diyaf states, "For this reason the rulers of the Europeans said that opinion is free," and later adds "It is no secret that slavery in itself is not egregious to human nature and does not contradict higher morality or religion because it is an affliction only to those for whom freedom is innate." Until recently, maintains al-Allam, Islamic thought had misgivings over the notion of freedom, and was wary about accepting freedom, or naturalizing it within the Arab-Islamic milieu. Given the position of some modern Islamic thinking on freedom, the question that arises is how has classical Islamic thought understood freedom? And where has the practice of freedom in general and of political freedom in particular led to in the Muslim political sphere? Referring to previous studies exploring the notion of freedom, and ones that specifically address freedom among Muslims, the author attempts to reach conclusions that support or challenge the claim that there is an absence of freedom – both in practice and in theory – in the Muslim world. Al-Allam proposes to tackle the subject along the following lines: first, definitions; second, the concept of freedom in western thought; third, political freedom in the thinking and political practice of Muslims; and fourth, freedom in Islamic political philosophy. For the purpose of this study, the concept of freedom chiefly refers to political freedom, and more broadly to freedom of thought and belief.

الكلمات المفتاحية:
  • الحرية السياسية
  • الفكر الاسلامي
  • التاريخ
  • غياب المفهوم
Keywords:
  • Islamic Thought
  • Historic
  • Absence of Concept.

عن فكر المسلمين وتجربتهم التاريخية

يقول المؤرّخ المغربي الشهير أحمد الناصري: «واعلم أن هذه الحرية التي أحدثها الف رنج في هذه الس ين هي من وضع الزنادقة قطعًا، لأنها قطعًا تستلزم إسقاط حقوق الله وحقوق الوالدين وحقوق الإنسانية رأسًا... واعلم أن الحرية الشرعية هي التي ذكرها الله في كتابه وبيّنها رسول الله لأمته وحررها الفقهاء في باب الحجر من كتبهم»1. ويقول المؤرخ التونسي ابن أبي ضياف: «لذلك قالت حكماء الإِفرنج: الرأي حر»، ثم يعلّق: «لا يخفي أن الرق في نفسه غير قادح في الفطرة الإنسانية ولا ينافي أخلاق الكمال والدين لأنه مصيبة نزلت بمن الحرية فيه أصل»2. يتضح من النصين اللذين تُستهل بهما هذه الدراسة أن الفكر الإسلامي لا يزال حتى أمد قريب يتوجس مسألة الحرية، ويحْذر استمراءها أو تبيئتها ضمن البيئة العربية الإسلامية. وإذا كان السؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق هو: لئن كان هذا هو حال بعض الفكر الإسلامي الحديث حيال مفهوم الحرية، فما هو موقف الفكر الإسلامي الكلاسيكي من هذه التِّيمة؟ ويتفرّع عن هذا السؤال سؤال آخر مكمّل: ما هو الوضع الذي آلت إليه ممارسة الحرية بوجه عام، والحرية السياسية بوجه خاص، ضمن مجال المسلمين السياسي؟

بداية، لا بد من توضيح أن الباحث ليس بصدد البحث في مفهوم الحرية بتجلياته المختلفة، وإنما ينصب اهتمامه بشكل أساسي على تناول مفهوم الحرية السياسية، مع التّعريج، بما يسمح به المجال

  1. أبو العباس أحمد بن عمر بن أحمد بن نصر بن أبي الضياف، إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان (تونس: [د. ن:. د. ت.])، ج 1، ص 23، نقلا عن: العروي، ص.12

وبما يساهم في معالجة الإشكالية، على بعض تمظهرات الحرية، من قبيل حرية الفكر والعقيدة. كما يجدر التنويه بأنه يركِّز، من أجل الإحاطة بالموضوع، على بعض الدراسات التي تناولت مسألة الحرية بشكل عام، والحرية لدى المسلمين بشكل خاص، محاولً تركيب ما قد يكون تفرّق في هذه الدراسات3، ومن ثم الخلوص إلى نتائج من شأنها تأكيد أو نفي الفرضية التي انطلق منها، وهي المتعلقة بغياب مفهوم الحرية ممارسة وفكرًا في تجربة المسلمين. ولهذا، نقترح الاشتغال على الموضوع وفق المحاور التالية: تعريفات؛ مفهوم الحرية في الفكر الغربي؛ الحرية السياسية في الفكر والممارسة السياسية لدى المسلمين؛ الحرية في الفلسفة السياسية الاسلامية؛ الانتهاء إلى بعض الأفكار الختامية.

تعريفات

نعي تمامًا أن ما نحن مقبلون عليه لا يمكن حسمه من خلال القواميس اللغوية، وذلك لكون البحث في المفاهيم4 يستدعي تتبّع الممارسة الواقعية وليس الممارسة اللغوية فحسب. حقًا، إن اللغة تعكس ثقافة مجتمع في حقبة من حقب التاريخ، ولذلك لا يمكن إنكار أهمية التحليل اللغوي. لكن يجب في الوقت نفسه الانتباه إلى حدوده؛ إذ يعتقد كثيرون، بحسب عبد الله العروي، أننا نذهب طبيعيًا من الكلمة إلى المفهوم. هل هذا صحيح؟ كيف نستطيع أن نحدد المجال اللغوي الذي يجب أن نحلله إذا لم يكن عندنا مفهوم مسبق؟ ويضيف العروي، مَن أشار علينا بفتح القاموس في مادة حرّر لو لم نكن نعرف أن كلمة حرية هي التي تعبّ عن المفهوم الذي هو موجود في ذهننا، و المفهوم الموجود بالطبع في ذهن المستشرقين هو المفهوم الليبرالي للحرية. هل يجب أن نتعجب إذن إن لم نجد في القاموس ما تصورناه مسبقًا في أذهاننا؟5لتحرير هذه الأسئلة، لا بد أولً من التوجّه رأسًا صوب القواميس العربية للتأكّد من خلوها أو من تضمُّنها ما قد يتوافق والمفهوم الغربي لكلمة «حرية»، على الرغم من أننا مُلزَمون في مرحلة ثانية بتحرير مفهوم الحرية في الثقافة الغربية نفسها، حتى نتبيّ ما استشكل علينا لغويًا ومفهوميًا. تُعفينا بعض الدراسات التي رجع أصحابها إلى المراجع اللغوية من أجل تتبّع كلمة «الحرية» في مصادرها، من إعادة البحث في الموضوع، ولا سيما أننا لسنا بصدد التحرير اللغوي، وإنما هدفنا الحرية كمفهوم وممارسة تاريخية، وإذا كان من شأن العودة إلى المصادر الأصلية تعميق الدراسة، فإن المجال لم يتح لنا أكثر مما بحثنا فيه. إن الآراء المسجَّلة بشأن الموقف من الحرية متناثرة هنا وهناك في ثنايا المؤلفات الإسلامية. وقد تتبّع أحد المتخصصين بالموضوع هذه الآراء وأعاد تجميعها وتنظيمها، من دون أن يعني ذلك أنه قام بالاستقصاء

  1. نشير هنا إلى كتاب الحرية في الإسلاملفرانز روزنتال، وكتاب مفهوم الحرية لعبد الله العروي، وكتاب السلطة في الإسلام لعبد الجواد ياسين، وكتاب لغة السياسة في الإسلاملبرنارد لويس، فضلً عن كتابات أخرى توسّلنا بها مراجعَ إضافية.
  2. يُقصد بالمفهوم فلسفيًا معرفة الشيء على وجهه، ومنه مشكلة الفهم. وبوجه عام، ما يتكون لدى شخص ما عندما يكون قادرًا على الفهم والتعبير عنه باقتدار لغوي. وعبر تاريخ الفكر الفلسفي، كان سقراط أول فيلسوف يقوم بالتركيز على التصورات المحيرة. انظر: المعجم الفلسفي (القاهرة: مجمع اللغة العربية، 1979)، ص 189، نقل عن: ياسر قنصوه، «إشكالية المفاهيم المعاصرة: تحولات
  3. التفكير أم انحرافاته؟،» التسامح، العدد.)2009(27
  4. العروي، ص.14

الكامل لمواطنها كافة، بل كان تركيزه على ما أسماه «الشخصيات الجذّابة التي كانت لها أحيانًا مواقف متفرّدة فيما يتّصل بالموضوع»6. ومع هذا، فإننا نأمل أن نستطيع من خلال أبحاث مستقبلية استعادة البحث في هذا المجال بدل الاقتصار على ما أُنتج قديمً أو حديثًا. في هذا السياق يقول روزنتال: «تَظهر تعريفات الحرية في عدد من المواطن، وتعكس اتجاهات متباينة في عالم الفكر الإسلامي. لكن هذه التعريفات ليست بالتنوُّع والتردّد اللذين يأملهما الباحث، ذلك أن تتبّعها في بعض الأماكن التي يتوقّع وجودها فيها يبقى بغير طائل. ففي رسالة الكندي حول الحدود على سبيل المثال لا نجد شيئًا عن الحرية، كما أن الكلمة لا توجد في قواميس التعريفات التي وضعها الفلاسفة المسلمون. أما الفقهاء في كتبهم الأصولية، فيُور دُون قوائم بالتعريفات، إلا أنه ليس من المدهش ألا تكون تعريفات الحرية مضمّنة فيها، لأنها لم تكن مصطلحًا فنّيًا أساسيًا في هذا المجال»7. المستفاد من هذا التقرير أن القواميس اللغوية العربية التي رامت تعريف «الحر» و«الحرية»، وعلى الرغم من كثرتها وتعدّدها، لا تُفيد في إخراج مصطلحي «الحر» و«الحرية» من عقد مقابلة بينهما وبين اصطلاحي «العبد» و«العبودية»؛ إذ لم يكن مصطلح الحرية حاضرًا في الاستخدام التقليدي إلا بمعنى واحد هو المعنى المقابل للعبودية، ذلك أن الإنسان «الحر» هو من ليس عبدًا بالمفهوم القانوني الفقهي8. نجد هذا التأويل مثلً عند الجرجاني الذي يقول: «الحرية في اصطلاح أهل الحقيقة: الخروج عن رق الكائنات، وقطع جميع العلائق والأغيار. وهي على مراتب: حرية العامة عن رق الشهوات، وحرية الخاصة عن رق المرادات لفناء إرادتهم في إرادة الحق، وحرية خاصة الخاصة عن رق الرسوم والآثار لانمحاقهم في تجلي نور الأنوار»9. إن الحرية في التحديدات اللغوية ذات الخلفية الفقهية الدينية تظهر كميزة للإنسان الأخلاقي، لأن حرية الإنسان تقترن بالسِمات الخيّة، في مقابل السمات الشرّيرة التي يتّصف بها العبد. ولم يختلف الأمر كثيرًا عند من يسمّيهم أركون «دعاة النزعة الأنسية في الفكر الإسلامي»؛ فابن مسكويه مثلً، عرّف الرجل الحر بأنه الرجل المتحرر من سيطرة الشهوات الحيوانية القوية، وذهب الى أن الحرية «فضيلة السخاء، وأنها أحد فروع العفّة. فهو يرى الحرية على نحو يجعلها فيه مرتبطة بزوال الم لكية أو الامتلاك على النفس، كما يجعلِ زوالها معلقًا على مدى ما يمتلكه أو يميل إليه الإنسان»...10.

  1. فرانز روزنتال، مفهوم الحرية في الإسلام: دراسة في مشكلات المصطلح وأبعاده في التراث العربي الإسلامي، ترجمة وتقديم معن زيادة ورضوان السيد، ط 2 (بيروت: دار المدار الإسلامي، 2007)، ص.16
  2. قارن، على سبيل المثال، قائمة تعريفات: أبو محمد علي بن احمد بن حزم، الأحكام في أصول الأحكام، عني بتصحيحه صاحب الفضيلة أحمد محمد شاكر، 8 ج في 2 مج (القاهرة: مطبعة السعادة، 1929-1926)، ج 1، ص 5 وما بعدها، نقلا عن: روزنتال، ص.37
  3. وردت مشتقات اللفظة في القرآن ثماني مرات، وفي ما عدا الآية 35 من آل عمران، فإن الآيات الأخرى كانت جميعها تشير إلى المعنى المقابل للعبودية، أي العبد. أما في آية آل عمران ﴿ إذ قالت امرأة آل عمران إني نذرت لك ما فيبطني محررًا فتقبّل مني إنك أنت السميع العليم ﴾، فإن كلمة محررًا تعني خالصًا فارغًا للعبادة، وهو استخدام خام لأصل المادة لغويًا يرجع بها إلى معنى الطلاقة من القيد بوجه عام. انظر: عبد الجواد ياسين، السلطة في الإسلام، 2 ج (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2009-1998)، ج:2 نقد النظرية السلفية، ص.67
  4. روزنتال، ص.52
  5. المصدر نفسه، ص.148

وفي السياق ذاته، حاول الراغب الأصفهاني في معجمه لمفردات القرآن أن يقدم تعريفًا للحرية يقيم تمايزًا بين بُعدها الشرعي وبُعدها الأخلاقي، فحدد الحر أولً بأنه يقابل العبد، ثم فرّق بين ضربين للحرية11. أما فخر الدين الرازي، فإنه يعرّف الحرية تعريفًا فلسفيًا لا يخرج عمّ يراه حرية للنفس، وهو ما يقع ضمن التقليد الأخلاقي الذي يربط الحرية بما هو ذاتي؛ فوفق الرازي، تعني حرية النفس «إما ألا تكون الأخيرة تائقة بغريزتها إلى الأمور البدنية، وإما أن تكون تائقة، فالتي تكون تائقة هي الحرة وإنما سمّينا هذه الحالة بالحرية، لأن الحرية في اللغة تقال عن ما يقابل العبودية... »12. وقد لاحظ عبد الجواد ياسين، بحق، أن مصطلح الحرية كمقابل للجبر لم يُستخدم على مستوى علم الكلام، وهو علم تجريد نظري. وعلى مدى الجدل الكلامي بشأن هذه القضية بين المعتزلة والجهمّية والأشاعرة، لم يبرز مصطلح «حرية الإرادة»، واستُخدمت في مقابل الجبر مصطلحات أخرى مثل «خلق الأفعال» و«القدر» و«الاختيار»؛ فالجبر في تعريف الأشاعرة هو نفي «الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى الرب تعالى»13، أما الاختيار، فيشرحه الشهرستاني عن المعتزلة بأن «الباري تعالى عارف، ولا يجوز أن يضاف إليه شر ولا ظلم، ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر، ويحتم عليهم شيئًا ثم يجازيهم عليه، فالعبد هو الفاعل للخير والشر والإيمان والكفر، الطاعة والمعصية، وهو المجازى على فعله، والرب تعالى أقدره على ذلك كله»14. فالمسألة إذن، يضيف ياسين، تتعلق بالقدرة أكثر مما تتعلق بالإرادة، من حيث إنها تبحث في إطار العلاقة بين الإنسان العبد المخلوق والله المقتدر الخالق وفقًا لتقنيات علم الكلام الدينية15. وإذا شئنا مسايرة عبد الله العروي في تمشّيه المتّصل بكوننا بحثنا في القاموس عن مادة «حرّر» فقط، فلأننا كنا نعلم أنها تقابل الكلمة الأوروبية التي تعبّ عن مفهوم الحرية كما نتصوره مبدئيًا، واستخلصنا من القاموس أن الكلمة العربية ضيّقة بالنسبة إلى المفهوم الغربي. ونتساءل أيضًا مع العروي: أولَم نرتكب هنا خطأ منهجيًا؟ أولَم يكن التحليل اللغوي ناقصًا؟ أولَم يكن من الواجب علينا أن نتحقّق من عدم وجود مفردات أخرى تُشارك مفهوم الحرية كما نتمثّله حاليًا؟ علينا، والحديث للعروي، أن ننتقل من اللغة إلى الثقافة ومن الثقافة إلى التاريخ الوقائعي، بحثًا عن كلمات أخرى، عن رموز أخرى، مرادفة لكلمة حرية في مفهومها الحالي16. ولتجنّب هذه المحاذير، قمنا بمحاولة لاستجلاء بعض المفردات التي من شأنها قراءة الموضوع من زاوية مغايرة؛ فبصرف النّظر عمّ ألمعنا إليه سلفًا، في ما يتّصل بكون التحديدات اللغوية والتنظيرات الفقهية لم تُرِج كلمة الحرية عن سيّاق «التحرر من الرغبات الدنيا» و«حب الشهوات والتعلق بالحياة»، حيث لم يُقابل الفقهاء مسألة الإلزام بالواجبات الدينية بمفهوم الحرية، وإنما جعلوا ذلك

  1. أبو القاسم الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن (القاهرة: المطبعة الميمنية، 1906[])، ج 1، ص 109، نقلً عن: روزنتال، ص.49
  2. فخر الدين محمد بن عمر الرازي، كتاب المباحث المشرقية في علم الإلهيات والطبيعيات، 2 ج (حيدرآباد الدكن، الهند: مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية، 1924)، أورده: روزنتال، ص.51
  3. أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، الملل والنحل (بيروت؛ صيدا: المكتبة العصرية، 2004)، ص.67
  4. المصدر نفسه، ص.68
  5. ياسين، السلطة في الإسلام، ج:2 نقد النظرية السلفية، ص.32
  6. العروي، ص.14

مقابلً لمفردة «الإباحة»، وبه تمّ تنظيم العلاقة بين الإله «المبيح» والإنسان المتلقي «المباح له»، فإن هناك بالفعل كلمات أخرى متعدّدة من شأنها التدليل على حرية الإنسان، لكن بما هي مقابل للعبودية، من قبيل «التخلية وإطلاق السراح، والانعتاق، والخلاص». والفكرة الأخيرة متضمّنة في الجذر «خلص» الذي يُستخدم عادة لشرح كلمة حر. أما الاختيار، فهو مصطلح فنّي ذو أهمية خاصة، ذلك لأنه يشير إلى الإرادة الحرة، ففي المناقشات التي أثيرت حول «حرية الإرادة»، استُخدمت كلمة «إرادة» أيضًا بالمعنى نفسه17. يمكن إرجاع ذلك إلى أن الفكر الإسلامي لم ينظر إلى «الاختيار» في موازاة الحرية، ولا اعتبَه أحد مظاهر ترتيب الحرية المعقَّد، بل بقي اصطلاحًا محدود الاستخدام. أضف إلى ذلك، يقول روزنتال، «أن المصطلح فقد الكثير من زخمه المضموني تحت تأثير توجيهات الفكر الكلامي الإسلامي المتعلق بالإرادة الحرة. لقد حُددت الإرادة الحرة هذه لتعني القدرة على الاختيار في موقف ما»18، حيث كانت مسألة «الجبر» معروفة لدى العرب قبل الإسلام، كما تنبّه إلى ذلك صاحب كتاب الحرية في الإسلام؛ إذ عنى الجبر «سلبًا تامًا للإرادة الحرة، ولقد كانت هذه الفكرة أوضح مفهوم ميتافيزيقي عندهم. لهذا السبب فإن جبرية ما قبل الإسلام كانت موضوع دراسات حديثة مستفيضة نسبيًا. وهذه الدراسات لم تتعرّض على أي حال لمفهوم الحرية»19. لتفسير هذا المنحى في النظر إلى فكرة «الحرية»، يقترح روزنتال أن نبحث عن أصل مفهوم الحرية في النطاق القانوني وفي عصور ما قبل التاريخ؛ فالإنسان الحر كان من الوجهة القانونية -في رأيه- مختلفًا عن العبد الذي كان مِلكًا له. لذا، فإن تعريف الحرية لا يثير أي مشكلات عندما توجد العبودية باعتبارها مؤسسة، لأن الحرية في هذه الحالة هي كون الانسان حرًا في مقابل أن يكون عبدًا. ولقد كان فهم الحرية بهذا المعنى واضحًا تمامًا ومقبولً بشكل عام، واحتاج الأمر إلى جهد عقلي كبير للابتعاد عنه ولإعطاء «الحرية» مفهومًا جديدًا يوسِّع من معنى مفهومها القديم. وتسنّى دفع الحرية على الطريق الذي جعلها إحدى الأيديولوجيات التي تحدّد المسار التاريخي للعالم20. يعود بنا هذا الطرح التاريخي لقضية الحرية، وربطها بالوجود المؤسّساتي للعبودية، إلى البدايات الأولى لبروز التنظير لفكرة الحرية، ولا سيما أن الكثير من الفلسفات السياسية القديمة لم تكن ترى في احتفائها بقيمة الحرية أي تعارض مع دفاعها عن البنية التراتبية للمجتمع؛ فالفلسفة الإغريقية، مثلً، لم تكن ترى في العبودية نقيصة وجب تجاوزها، ونجد خير مثال على ذلك في التصوّر السياسي الأفلاطوني الذي دافع من خلاله أفلاطون عن تراتبية المجتمع وتعدد طبقاته، فإلى جانب الأحرار يوجد الجُند والأحرار، وكل فئة تتكفّل بما يتلاءم وقدراتها البدنية والعقلية. لمّا كنا سنعود إلى عرض ملامح الحرية في الفكر الغربي، فإننا نفضّ ل ختم هذه الفقرة بالنتيجة الآتية: إن التحديدات اللغوية لم تسعفنا في تبيُّ مسألة الحرية في الفكر الإسلامي، ربما بسبب اختلاف ما نكوّنه ذهنيًا

  1. روزنتال، ص.31
  2. المصدر نفسه، ص.32
  3. المصدر نفسه، ص.33
  4. المصدر نفسه، ص.17

عن مفهوم الحرية في عصرنا الحالي عمّ كان سائدًا خلال العصور القديمة، أو ربما لأسباب تتعدّى هذا التأويل إلى ما هو ثقافي وسياسي واجتماعي، وهو ما سيدفعنا إلى مغادرة المعجم اللغوي باتجاه الاجتماع الديني والسياسي. كما أن من المفيد التطرّق، بشكل وجيز، إلى مفهوم الحرية الذي أنتجه الفكر الغربي حديثًا لكي نعود بعد ذلك إلى البحث عمّ يقابل هذا المفهوم في الفكر والممارسة في تاريخ المسلمين.

مفهوم الحرية في الفكر الغربي

تُبيّ الدراسات أن الفكر الغربي الحديث لم يرث مفهوم الحرية كما هو متعارف عليه اليوم، بل واجه تصورًا للحرية شبيهًا بالرؤيا الإسلامية في الموضوع، إن لم نقل إنه مطابق لها، وهو ما صعّب القدرة على التمييز بينهما؛ فالم دراش اليهودي يرى أن «الإنسان الحر الوحيد في العالم هو الذي يطبّق أحكام ألواحِ الشريعة»21، وهو ما عبّ عنه، مثلً، متصوّفو الإسلام وزهّاده بالفكرة نفسها وبأشكال متمايزة. وهذه الفكرة تبَرُز بأجلى معانيها في قصة لقمان السرخسي الذي يُروى أنه «التمس من الله أن يحرّره من عبوديته، أو من موقفه كعبد في مقابل الله. وكانت الحرية التي مُنحت له هي الجنون»22. أما الفكر المسيحي، وعلى الرغم من رفضه فكرة تأليه الحاكم، فإنه أقام في مقابل هذا التفكير تصورًا آخر مفاده أن الحاكم إنما يحكم بمقتضى حق إلهي مقدس؛ ذلك أن الحاكم، وإن لم يكن إلهًا، هو ظ ل الله على الأرض، وهو يحكم بإرادة الله وتفويض منه، وأن طاعته بناء على ذلك واجبة، ومناقشته ممتن، عةِ ومسؤوليته مُرجأة إلى الحياة الآخرة23 (سنوردُ في المحاور المقبلة نصوصًا إسلامية تتطابق وهذا المنحى من مناحي النظر.) بالإضافة إلى ذلك، هناك مفهوم الحرية الذي يعني تسليم الفرد بالقانون والنظام الإلهييّن، وهو ما يعنينا هنا مباشرة لأنه ينطبق -كما هو واضح- على السائد في الفكر الإسلامي. لقد حدث هذا في الواقع؛ فكما يقرر غارديه (Gardet)، يشترك المفهومان الإسلامي والمسيحي للحرية، على الرغم من الاختلافات كلها، في أمر واحد، فكلاهما يقف ضد البحث غير المشروع عن حرية متوهَّ ة ولفظية... «فالمسيحي كالمسلم [سنأتي إلى تبيان ذلك] ليس عنده حسّ بالحرية إلا إذا كان على توافق تام مع نفسه ومع نظام أسمى»24. في ظل مثل هذا التفكير، تعلو السلطة فوق الحرية، ويستند الاستبداد إلى أساس متين. ويبدو أن آباء الكنيسة الأوائل كانوا يريدون نوعًا من المصالحة مع السلطة الزمنية، بحيث يتركون لتلك السلطة ميدانها تفعل فيه ما تشاء من دون رقيب أو حسيب في مقابل أن تترك لهم تلك السلطة حرية ممارسة الشعائر الدينية والتبشير بها. بناء على ذلك، وعلى الرغم من دعوة المسيحية إلى الحرية والمساواة بين البشر، فإن تلك الحرية والمساواة فُسّتا تفسيرًا روحيًا خالصًا «يعلو» مطالب الحياة ومقتضياتها، على اعتبار أنها من قبيل الأعراض الزائلة، وأن المهم في «مدينة الرب» هو الخير الباقي بعد هذه الحياة الدنيا25.

  1. روزنتال، ص.23
  2. المصدر نفسه.
  3. يحيى الجمل، «الحرية في المذاهب السياسية المختلفة،» عالم الفكر، السنة 1، العدد 4 (آذار/ مارس 1971)، ص.140
  4. روزنتال، ص.22
  5. المصدر نفسه.

إذا كانت هذه هي حال التصور الديني لمسألة الحرية في الفكر الديني الغربي، فكيف تصدى دعاة الاستنارة والحرية لهذا المنحى من التفكير؟ لقيت محاولات تحديد الحرية بمصطلحات جامعة -والحديث هنا لروزنتال- فشلً ذريعًا كما كان متوقعًا، وذلك بدءًا بالتعريف المنسوب إلى أرختياس الذي أعطى ال Eleuthon وجودًا منفصلً باعتباره مدخل للفصل بين المصطلحين النسبيين للسيد والعبد. هذه المحاولات كانت، باعتراف أصحابها، تترك المسألة حيث بدأت بها، وتستخدم الحريةَ مصطلحًا تعسفيًا لتحدد بعض الأمور التي تدخل في أي مصطلح آخر، حتى العبودية نفسها26. وهكذا، فإن المضمون النهائي لمفهوم الحرية، ونعني الحرية الوجودية، هو عند ياسبرز «عصي على الإدراك... إن الحرية لا يمكن أن تدرَك، أو تفهَم بعمليات فكرية موضوعية. إنني واثق أنها موجودة، ليس بفكري، بل بوجودي27، ليس بتأملاتي حولها وبحثي عن معنى لها، ولكن بأني أعيشها؛ فكل ما يقال حول الحرية هو في الواقع وسيلة للتواصل، والحرية هي موضوع سوء فهم مستمر، كما أنها لا تقدم لنا إلا إشارات غير مباشرة فقط»28. لكن، على الرغم من هذه المحاذير كلها، فإن عددًا كبيرًا من المفكرين والمنظّرين تصدى لمحاولة التحديد المفهومي للحرية. وفي هذا السياق، يبدأ روسو كتابه العقد الاجتماعيبعبارته المشهورة: «لقد ولد الإنسان حرًا. وهو اليوم مقيَّد بالأغلال في كل مكان... كيف حدث ذلك؟ لست أدري»29. في الواقع، لم يكن روسو يجهل تمامًا السبب الرئيسي الذي حال دون إطلاق حرية الإنسان، ولكنه حاول استفزاز العقل البشري من خلال دعوته إلى تعقّل وضعه وطرح الأسئلة التي كانت محرجة آنذاك. لقد عنى روسو بسؤاله معالجة دور الفُهومات الدينية في تكريس هذا الوضع وإطالة أمديته؛ فصاحب العقد الاجتماعي يدرك أن الحرية قمينة في الوجود الإنسان، ومع ذلك تجده تارة يطرح الموضوع على صيغة السؤال الاستنكاري، وتجده تارة أخرى يتوسّل بغيره للبرهنة على قوله، وفي هذا السياق نجده يستشهد بما كتبه المركيز دارجنسون من قبيل قول الأخير: «يكون كل شخص في الجمهورية حرًا كامل الحرية في ما لا يعود بالضرر على الآخرين»، قبل أن يجيب بنفسه على هذه الاشكالية بقوله «ألا إن ذلك لهوَ القيد الثابت والذي ليس بمِكننا أن نرسم قيدًا أصح منه »30. لم يكن روسو وحده من دافع عن قيم الحرية، بل سبقه إلى ذلك منظّر آخر للعقد الاجتماعي؛ فجون لوك يُعتبر من أوائل الفلاسفة الذين احتفوا احتفاء كبيرًا بقيمة الحرية، ودافعوا عنها، حتى يمكن القول

  1. قارن: بروزنتال، ص.21
  2. الفكرة نفسها يدافع عنها عبد الله العروي بقوله: «إن البدوي يمارس الحرية مع أن العالم الجغرافي يراه خاضعًا لقوانين لا تتغير، ويعطي البدوي للحضري فكرة عن الحرية خارج القوانين الإصلاحية. وحتى داخل الدولة يستطيع الفرد، وراء متراس القبيلة أو العائلة أو الحرفة، أن ينفي أوامر السلطان. في المجتمع إذًا واقع الحرية أوسع من مفهومها. في نطاق الدولة السلطانية نجد الحرية كهدف، كرمز، كحكم ضمني على الاستبداد القائم. وهذه الطوبى تؤثر في الذهن والسلوك وبالتالي في علاقة الحاكم والمحكوم. إن الحرية في نطاق الدولة لا تعدو كونها تعبّر عن ذاتها بكيفية عكسية، في شكل طوبوي، لكن الدولة لم تكن تمثّل بالنسبة للفرد إلا حيزًا ضيقًا. إن حيّز الحرية مواز ومخارج لحيّز الدولة. لكن حيّز الدولة ضيّق وحيّز اللادولة (أي حيّز الحرية) واسع». انظر: العروي، ص.24
  3. المصدر نفسه.
  4. الجمل، ص.145
  5. جان جاك روسو، في العقد الاجتماعي أو مبادئ القانون السياسي، ترجمة وتقديم وتعليق عبد العزيز لبيب (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2011)، ص.248

إن روسو يُعتبر، مقارنةً بجون لوك، أقلّ دفاعًا عن قيمة الحرية؛ فحرية الفرد الطبيعية تعني بالنسبة إلى صاحب الحكومة المدنية عدم خضوعه لأي قوة على وجه الأرض، أو عدم الوقوع تحت سيطرة السلطة القانونية، أو عدم السماح لأي مخلوق بأن يفرض إرادته عليه، إلا قانون الطبيعة وما يمليه من أحكام. وحرية الفرد في المجتمع تعني عدم خضوعه لغير سلطة القانون القائمة، من دون اعتبار لأي سيادة أو إرادة مستمَدة من قانون آخر، وعندئذ يصبح للحرية معنى مغاير ينقله لوك عن سير روبرت فيلمر، وهو يتضمّن مبدأ «حرية المرء في أن يفعل ما يشاء، ويحيا بالطريقة التي يراها، ولا يرتبط بأي قوانين»، من دون أن يعني ذلك بالنسبة إلى جون لوك أن تكون حرية الأفراد في ظل الحكومة غياب وجود نظام دائم يلتزمونه، بل لا بد من نظام «يسري على جميع أفراد المجتمع، ويكون للطاقة القانونية كيان واضح فيه. وإذ ذاك يصبح لي مطلق الحرية في التصرف على شرط ألا تتعارض هذه الحرية مع حريات الآخرين أو تنتقص منها، كما أن الحرية الطبيعية لا تخضع لغير قانون الطبيعة»31. بعد قرون على فسلفتَي النهضة والأنوار، استُعيد، أو بالأحرى استمر، الحديث عن الحرية في أوساط الفكر الغربي، فاعتُب ت الحرية بمظاهرها الثلاثة: حرية الاعتقاد وحرية الرأي وحرية التصرف، هي أساس السعادة وأساس التقدم وأساس الحكم الديمقراطي جميعًا. ومن أشهر من اهتم بهذا الموضوع جون ستيوارت مِل الذي رأى أن «الفكرة القائلة بأن من واجب الإنسان حمل غيره على إطاعة أوامر الدين هي الأصل والأساس لكل ما ارتكبه البشر من ضروب الاضطهاد الديني، فإذا سلّمنا بصحتها وجب أن نسلّم بمشروعية كل ما وقع من حوادث ذلك الاضطهاد»32. ولم يكتف مِل بمطلب الحرية المدنية، بل نافح، إلى جانب أقرانه ومعاصريه، عن الحريات السياسية، ونقتبس له في هذا المضمار قوله: «إن دولة تقزِّم رعاياها لتجعلهم مجرد أدوات خنوعة لخدمة مشاريعها، حتى وإن كانت هذه المشاريع مفيدة، ستعجز في النهاية عن القيام بمنجزات كبرى اعتمادًا على أقزام»33. الواضح من خلال هذه القراءات وغيرها أن الفكر الغربي، في معظمه، رفع من درجة مفهوم الحرية، وقرّبه من دائرة القداسة، ليس الحرية بما هي قضايا شخصية أو مدنية لا يحق للدولة أن تتدخّل فيها أو تُوجّهها فحسب، ولكن أيضًا بما هي حقُّ المواطن في المشاركة السياسية والاعتراض على الحكم، وحق الثورة على الأنظمة المستبدة، حتى عُدّت مسألة تغيير الأنظمة السياسية بطريقة سلسلة إحدى أهم سمات الديمقراطية، ف«الدولة تكون حرة من الناحية السياسية إذا أتاحت مؤسساتها السياسية لمواطنيها حق تغيير حكومة قائمة دون سفك دماء متى ما كانت الأغلبية راغبة بذلك. أو بصورة أكثر اختصارًا: نحن أحرار إذا كان بإمكاننا التخلص من حكامنا دون إراقة دماء»34. لهذا، فإن معنى الحرية قبل كل شيء هو انعدام القيود. ويُفهم من هذا أنها تعني أن للفرد القدرة والحرية على اختيار طريقه الخاص في الحياة، من دون التعرّض لقيود مُحفة مفروضة من الخارج: «إنك لا تستطيع، كما قال روسو، أن تجبر الناس على

  1. جون لوك، الحكومة المدنية، ترجمة محمد شوقي الكيال (القاهرة: مطابع شركة الإعلانات الشرقية، [د. ت.])، ص.27
  2. جون ستيوارت ميل، الحرية، ترجمة طه السباعي (القاهرة: مطبعة الشعب، 1922)، ص.220
  3. المصدر نفسه.
  4. كارل بوبر، في الحرية والديمقراطية، ترجمة عقيل يوسف عيدان؛ مراجعة محمد عبد الجبار الشبوط (الكويت: مركز الحوار للثقافة، 2009)، ص.44

الإيمان بالحرية»35؛ إذ تتطلّب الحرية دائمً تقييد السلطة السياسية، «ولن يتحقّق للحرية وجود ما لم يقدّم حكّام الدولة -إذا ما اقتضت الضرورة- حسابهم للشعب. لهذا آمن بيركليس إيمانًا قويًّا بأن الشجاعة هي سر الحرية»36. هذا، ويميّز الفكر الغربي بين الحرية والتحرّر؛ فالتحرّر بالنسبة إلى هانّا أرندت «قد يكون هو شرط الحرية لكنه لا يقود إليها آليًا، وإن فكرة الحرية التي ينطوي عليها التحرر لا يمكن أن تكون إلا سلبية، لذا فحتى النية بالتحرر لا تتشابه مع الرغبة في الحرية، ولئن كانت مثل هذه الحقائق منسية في الغالب، فلئن التحرر كان هو الطاغي دائمً وأن أساس الحرية كان غالبًا ما يلفّه الغموض، إن لم نقل إنه كان عقيمً بالكامل»37. من هذا المنظور، تمسي قضية الحرية من القضايا المستحدثة في الفكر الإنساني، وخاصة الحرية السياسية التي كانت غير موجودة، وربما كانت الإنسانية غير مشغولة بها، وهكذا أضحى من البديهي، تقول أرندت، حتى في النظرية السياسية، «أن نفهم من الحرية أنها ليست ظاهرة سياسية، وإنما على العكس، السلسلة الحرة من الأفعال غير السياسية التي يبيحها كيان سياسي ويضمنها للأفراد الذين يكونون هذا الكيان»38. إن ما يميّز الحرية في العالم القديم من تلك التي أضحت من أهم سمات العالم الجديد، هو دخول الدولة الحديثة على ساحة الفعل السياسي والاجتماعي؛ فوجود الدولة ارتبط بأدوارها حيال احترام الحقوق والحريات وتنفيذ القوانين التي يوافق عليها الشعب، ذلك أن الدولة هي حامية الحرية. ومع أن نشأة الدولة الحديثة لم تكن بالضرورة مرتبطة بحماية الحرية، فإن الفرق بين الدولة القديمة والدولة الحديثة يكمن في أن الأولى «كانت تتجسّد في شخص، في القديم مصالح الدولة تتطابق مع مصالح الأمراء. وابتداء من عصر الثورة، أخد المواطن يتعامل مع الدولة تعامل الند للند، حيث احتفظت الدولة بسلطتها، أي بقوتّها التي تجعلها تحظى بالاحترام وتشكّل المصدر الوحيد للثقة بها وتمنحها اختصاصات وسلطات ولكنها فقدت نفوذها السلطوي»39. ومن ثمّ أصبحت مهمة حماية الحرية تخضع للاختصاص المزدوج للدولة والمجتمع المدني؛ فالأخير هو الحريص الفعلي على بقاء الحريات وضمان عدم انتهاكها من ق بل الأشخاص الموجودين في سدّة الحكم، فإذا ما تهاونت الدولة في حماية الحريات، وجب على المواطنين تنبيه الحكّام إلى ذلك بالسُبل المختلفة. ومن أهم السبل التي دافعت عنها الفلسفة السياسية نجد: الانتخاب الحر والمباشر بشكل دوري، والحق في الاعتراض والتظاهر، والحق في الثورة على حكم الطاغية في حالة انسداد الأدوات السياسية وانتشار الفساد والاستبداد. إذا كانت هذه هي بعض تجلّيات الحرية بوجه عام، والحرية السياسية بوجه خاص، في الفكر الغربي، فكيف فُهمت الحرية في الفكر الإسلامي القديم؟ وكيف مُورست الحرية السياسية في تاريخ المسلمين السياسي؟

  1. هارود لاسكي، الحرية في الدولة الحديثة، اخترنا لكم؛ 543 (القاهرة: مطابع شركة الاعلانات الشرقية، [د.ت.])، ص.53
  2. المصدر نفسه، ص.55
  3. حنّة أر، ندت في الثورة، ترجمة عطا عبد الوهاب؛ مراجعة رامز بورسلان (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008)، ص.39
  4. المصدر نفسه.
  5. Pierre-Joseph Proudhon, Théorie de l’impôt (Paris: [s. n.], 1861), chap. 2. بتوسّط من: محمد الهلالي وعزيز لزرق، الدولة، دفاتر فلسفية: نصوص مختارة؛ 21 (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2011)، ص.42

الحرية السياسية في الفكر والممارسة السياسية لدى المسلمين

أفادتنا الفقرات أعلاه في تملّك فكرة ملخّصة عن الحرية في اللغة العربية، وتعيين مفهوم الحرية كما نظّر له الفكر الغربي، فأكملنا بالتحليل الثقافي التحليل اللغوي. ولم نجد في القواميس ما قد يتطابق مع المفهوم الحديث للحرية كما تصوره فلاسفة النهضة والأنوار، وكما ورثناه كليًا أو جزئيًا. فإن نحن انتقلنا إلى مُساءلة متن المسلمين الفكري وممارستهم السياسية، هل سنصادف ما يوازي الحرية في التأليف الغربي؟ وردت كلمة الحرية في بعض التأليف الإسلامي، ولكنها لم تحمل المعاني التي أضحت لصيقة بمفهوم الحرية في العصر الحديث؛ ففي الكتابات الصوفية، نُظ ر إلى الحرية على أنها تعني «التحرر من قيود الأهواء وتمزيق الحجاب للتعرض لنور الشمس... فمحور رسالة الأنبياء هي هذه المسألة وما سواها هي هوامش وتفرّعات لها؛ فعندما يتحرر هذا الصقر من القيود ويستعدّ للطيران، فإنه في هذه الصورة يرى جميع ما في الأرض تحت جناحيه، وعندما يجد الإنسان أن يده مقيّدة في مقام العمل، فإن ذلك معلول لتقييد قدم الروح على مستوى السلوك المعنوي. فالأشخاص الذين لا يعيشون الحرية في واقعهم النفساني ووجودهم الباطني ولم يتحرّكوا في خط تحرير أنفسهم من قيود الأهواء، فإنهم لا يستطيعون في الخارج تحرير الآخرين»40. أما في الكتابات السياسية، فقد كان الفكر السياسي التقليدي يَعْر ف الحاكم العادل ويتكلم على العدل كأساس للملْك، ولكنه لم يعرف المحكوم صاحب الحق في المشاركة، ولم يتكلم على الحرية كنقيض للاستبداد أو الطغيان، أي إن الحرية بالمعنى السياسي لم تناقَش داخل هذا الفكر، على الرغم من طول وعمق النقاش الذي دار حول الحرية بالمعنى الكلامي الميتافيزيقي تحت عنوان الجبر والاختيار، ومن تناولها بالمعنى الأصولي الفقهي تحت عنوان الإباحة والتكليف41. يلاحظ برنارد لويس أن الاستخدامات الأولى لمصطلح الحرية بالمعنى السياسي الصريح في البلاد الإسلامية جاءت من الإمبراطورية العثمانية42 في القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، وكان ذلك بتأثير أوروبي واضح نجم عبر الترجمة بشكل مباشر أحيانًا. نقرأ للويس في هذا الصدد «المصطلح الإسلامي الذي يعبّ عن الحر يدل، حتى القرن الثامن عشر، على مغزى شرعي بادئ ذي بدء واجتماعي في بعض الأحيان على ما تقتضيه الشريعة. ولم يستخدم المصطلح ‹حر› والمصطلح ‹عبد› في سياق سياسي. وليس الاستخدام الغربي المعتاد لمصطلح الحرية والعبودية كاستعارات بالنسبة للحقوق المدنية والحكم الاستبدادي معروفًا في لغة استخدام الإسلام السياسي الكلاسيكي، هناك حقًا معالجات للحكومة المستقبَحة والحكومة المستحسَنة، لكن المقولة المطروحة ليست الحرية بل العدالة»43.

  1. عبد الكريم سروش، الدين العلماني، ترجمة أحمد القبانجي (بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، 2009)، ص.187
  2. عبد الجواد ياسين: السلطة في الإسلام، ج ٢، ص.31
  3. يوافقه في ذلك المستشرق صاحب كتاب الحرية في الإسلامبقوله: «إن حقيقة كون مصطلح-حر- في تاريخه المضموني يعني أكثر من مجرد الحرية، هو أمر بالغ الأهمية؛ إذ إنه خارج نطاقه القانوني يتحول مصطلح -حر- إلى تعبير غامض بين مصطلحات اللغة المتنوعة. على هذا يمكن القول: إن العربية لم تعرف مصطلحًا يُستخدم استخدامًا عمليًا للتعبير عن كل ما يحمله مفهوم الحرية من سعة، حتى جاء التأثير الغربي في مطلع العصور الحديثة فأعطى معنى جديدًا لمفرد -الحرية- القديم». انظر: روزنتال، ص.31
  4. برنارد لويس، لغة السياسة في الإسلام، ترجمة إبراهيم شتا (الرياض: دار قرطبة، 1993)، ص.103

اللافت في المسألة هو أن على الرغم من وجود مدارس كبيرة في التاريخ الإسلامي تدافع عن فكرة الحرية، مثل مدرسة المعتزلة، فإن المضمون الذي حمّلته تلك المدرسة للحرية لا يخرج كثيرًا عن باقي المضامين التي تعطيها إيّاها القراءات الصوفية والفقهية؛ إذ كان «ثمة مقابل للمصطلح الغائب هو الجبر، سواء كانت منصوصة أو أصلية، وكان ثمة مقابل للمصطلح الغائب هو التكليف. أما بالمعنى السياسي، فلم تكن فكرة الحرية -بما هي موضوع- ماثلة تحت أي اسم، ولم تناقَش على الصعيد النظري كحق للمحكوم في مواجهة الحاكم، ولم تتبنّها بهذا المعنى فرقة فكرية أو مدرسة فقهية، ولم يكن لها مقابل في الاستخدام السلفي، مثل الجبر الكلامي والتكليف الأصولي. كما أنها لم تبحث حتى في إطار المقابلة بين الحاكم وبين الله، بحيث يكون الاستبداد افتئاتًا على الحاكمية العليا لله»44. غير أن أسئلة مهمة ينبغي البحث فيها في هذا السياق، وهي الأسئلة المتعلّقة بما إذا كان غياب كلمة الحرية السياسية مُقترنًا بغياب الموضوع، أم أن هناك ما يدلّل على وجود الموضوع على الرغم من غياب المسمّى؟ وهل نُوقشت مسألة الحرية في الحقل السياسي بالمقدار الذي عرفته الكلمة في الكتابات الكلامية والصوفية؟ وهل استطاعت الفلسفة السياسية الإسلامية، بعد اصطدامها بالرافد اليوناني، أن تملأ الفراغ الذي تركته الكتابات التقليدية؟ قبل معالجة التساؤل المتعلق بمسألة تأثير الفلسفة السياسية اليونانية في الفكر الإسلامي، نفضّ ل التعريج على تناول الفقه الإسلامي للبديل المقابل للحرية، وتوظيف حكام الدول المتعاق بة للتنظير الفقهي من أجل تكريس مزيد من الاستبداد وتقييد الحريات. لأننا نعتقد -كما سنبُرهن على ذلك- أن في مقابل إبعاد مفهوم الحرية في جانبه السياسي، استُبعدت أيضًا الحرية بما هي حرية الاعتقاد وحرية التصرف، بل تم التنظير لما يخالف الحرية ويؤصّل للاستبدادين السياسي والديني. لقد راح معظم الفقه الإسلامي يبحث عمّ يبرّر به واقع القهر والتغلب الذي باشرته الأنظمة السياسية المتعاقبة، متوسِّلة في ذلك بظاهرة التنصيص السياسي وتأويل الآيات وابتكار الأحكام؛ فالماوردي يورد، في معرض دفاعه عن كون «السلطان ظل الله في الأرض»، الكثير من خصائص الملوك، فيشير إلى أن الله «جعلهم عمار بلاده، وسمّهم رعاة عباده، تشبيهًا لهم بالرعاة الذين يرعون السوائم والبهائم، تمثيلً لرعاياهم، بالإضافة إليهم بها، ولهذا المعنى سمّهم الحكماء ساسة، إذ كان محلّهم من مسوسيهم محل السائس مما يسوسه من البهائم والدواب الناقصة الحال من القيام بأمور أنفسها، والعلم بمصالحها ومفاسدها، وسمّوا أفعالهم الخاصة بهم سياسة. ولذلك كانت الأمم الماضية في الأيام الخالية، والعرب خاصة، تسميهم ‹أرباب الأرض› والأرباب مطلقًا»45. بهذا النص وغيره كثير في المصنَّفات الإسلامية، يكون الإنسان قد تدحرج من مرتبة الإنسانية صوب الحياة البهائمية، حيث سيادة مفهوم الرّاعي والرّعية، والنظر إلى الإنسان كفاقد للإرادة والقدرة على تدبير شؤونه الحياتية. ولم يُكتفَ بذلك، بل شُ عن بعض الظواهر السياسية الغريبة على الطبيعة البشرية، من

  1. عبد الجواد ياسين: السلطة في الإسلام، ص.33
  2. أبو الحسن علي بن محمد الماوردي، نصيحة الملوك، تحقيق ودراسة فؤاد عبد المنعم أحمد (الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة، 1988)، ص.63

قبيل تبرير الانقلابات التي يمارسها الحكام، وتسويغ تغلّبهم بمسوّغات شرعية. يروي في هذا المجال أبو يعلى في الأحكام السلطانية عن أحمد ابن حنبل ما يلي: «ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمّي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه خليفة إمام، برًا كان أو فاجرًا»46. لسنا بهذه القراءة أمام إعدام حرية الإنسان في الاعتراض على الحاكم المتغلب وحسب، بل أمست حرية الأحلام محرّمة؛ فبحسب رأي ابن حنبل، لا يمكن المرء أن ينام ولا يرى - مجرد الرؤية - في الحاكم المتغلب أميرًا له بغضّ النظر عن عدله أو جوره. يشرح ابن تيمية هذا الأمر بقوله: «المقصود من الإمام إنما يحصل بالقدرة والسلطان.. والقدرة على سياسة الناس إما بطاعتهم له وإما بقهره لهم... »47. ولم تكن هذه الأقوال منفصلة عن الواقع أو سابقة عليه، بل إن الدراسات التاريخية بيّنت أن الممارسة السياسية هي من دفعت بالتأليف الإسلامي إلى نهج مسلك التبرير والتسويغ. وفي هذا الإطار نقرأ في كتب التاريخ قول معاوية لمن يسمّيهم الفقه «رعية:» «والله ما وليتها بمحبة علمتها منكم ولا مسرّة بولايتي، ولكني جالدتكم بسيفي هذا مجالدة»48. والمضمون نفسه نجده في تصريحات عبد الملك بن مروان، فهو القائل «والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه»49. كما كان أمر سليمان بن عبد الملك «إجمع الناس ومُرهم بالبيعة، فمن أبى أضرب عنقه»50. إن التأليف الإسلامي والممارسة السياسية كما دوّنتها كتب التاريخ، لا يدعان مجالً للشك في أن الحرية السياسية غابت عن الفقه، ولم يكن لها تطبيق على المستوى العملي، بل إن نقيض الحرية هو ما صادفه دارسو الآداب السلطانية ضمن مؤلفات النصح والإرشاد، وخلّده المؤرّخون. ولم تكن الحرية السياسية الغائب الوحيد عن المجال الإسلامي، وإنما شمل الأمر حرية التعبير والاعتقاد أيضًا؛ إذ على عكس جميع النصوص القرآنية التي تُقرّ مبدأ الحرية الدينية وفق مبدأ «لا إكراه في الدين»، اجتهد الفقه في ابتداع مجموعة من الآراء التي ضربت هذا المبدأ في مقتل واستحال إلى نقيضه. يمكننا في هذا الإطار أن نسوق بعض النصوص والمواقف التي تزخر بها كتب التراث، حيث التشجيع على عدم التسامح في العقيدة، وقتل المخالف في الرأي، واستتابة «البُغاة»، فضلً عن أن التاريخ شاهد على حوادث قتل مروعة راح ضحيتها أناس اقترفوا «جريمة» الحرية؛ ففي الفقه الشافعي، مثلً، يعرف البغاة بأنهم «مسلمون خالفوا الإمام ولو جائرًا بخروج عليه»51، أمّا في فقه المالكية، فالبغاة «طائفة من

  1. محمد بن الحسين أبو يعلى الفراء، الأحكام السلطانية (بيروت: دار الكتب العلمية، 1982)، ص 24 أورده: ياسين، السلطة في الإسلام، ص.84
  2. أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، منهاج السنّة النبوية، ج 1، ص 190-189. أورده: ياسين، السلطة في الإسلام، ص.84
  3. اقتبسه عبد الجواد ياسين من: أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه، العقد الفريد، تحقيق عبد المجيد الترحيني ومفيد محمد قميحة ط 3 (بيروت: دار الكتب العلمية، 19874)، ج، ص.170
  4. المصدر نفسه، ص.178
  5. جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تاريخ الخلفاء، ص 258، عن: ياسين، السلطة في الإسلام، ص.109
  6. ياسين، السلطة في الإسلام، ص.170

المسلمين خالفت الإمام الذي ثبتت إمامته باتفاق الناس عليه لمنع حق الله أو لآدمي وجب عليها كزكاة... أو خالفته لإرادتها خلعه أو عزله، لحرمة ذلك عليهم وإن جار، إذ لا يعزل السلطان بالظلم والفسق وتعطيل الحقوق بعد انعقاد إمامته، وانما يجب وعظه»52. وينقل عبد الجواد ياسين نصًا مطوّلً لابن قدامة في المغني من باب قتال أهل البغي، يتضمن شرحه لرأي مالك في الموضوع، ونكتفي بأن نقتبس منه ما يلي: «.... وقال مالك في الإباضية وسائر أهل البدع يُستتابون، فإن تابوا وإلا ضُ بت أعناقهم. قال إسماعيل ابن إسحاق: رأى مالك قتل الخوارج وأهل القدر (المعتزلة) من أجل الفساد الداخل في الدين كقطاع الطريق، فإن تابوا وإلا قُتلوا على إفسادهم لا على كفرهم. وأما من رأى تكفيرهم فمقتضى قوله: إنهم يستتابون وإلا قُتلوا لكفرهم كما يُقتل المرتد»53. فالنصوص الواردة أعلاه تجاوزت مسألة التحريض على قتل من خرج مسلّحًا على الحكام، إلى الدعوة لقتل من نصح الحكام ونهاهم عن الجور تطبيقًا للمبدأ القرآني «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، بل إن حكم القتل شمل مؤمنين مسالمين لكنهم لا يعتقدون بمذهب الحاكم وفقهائه، فكيف لفقه لا يستطيع أن يتقبّل من يخالفه تأويل النصوص، أن يدافع عن الحرية السياسية وحرية الاعتقاد وحق غير المؤمنين في تولّ شؤون الحكم، وحق المرأة في المساهمة في تدبير الشأن العام؟ وبشكل عام: هل يستطيع من يعارض الحرية الدينية وحرية التصرف تقبّل الحرية السياسية؟ وهل يمكن الفصل بين تجلّيات الحرية أو تمييزها إلى مستويات ميتافيزيقية وأخرى دنيوية؟ يمكن القول إن معالجة هذه الأسئلة تحتاج إلى التطرق إلى موضوع من مختلف الزوايا؛ إذ جرت العادة أن يتم التمييز مبدئيًا بين مستويين من مستويات الحرية: الأولهو المستوى الفلسفي الوجودي الذي يضيف إليه الإسلام، والمجتمعات الدينية الأخرى، بُعدًا كلاميًا ميتافيزيقيًا، والآخر هو المستوى الاجتماعي54، حيث يقيم الفقهاء المسلمون بصورة تلقائية فصلً قاطعًا بين هذين المستويين من مستويات الحرية؛ فمفهوم حرية الإرادة وحرية الاختيار يُعبّ عنه بمصطلح يختلف عن ذلك الذي يُستخدم للتعبير عن الحرية الاجتماعية كما فصّلنا فيه سالفًا. وعندما تكون المسألة متّصلة بتحديد العلاقة النسبية للحرية بأوضاع عملية خاصة، أو بمشكلات نظرية معيّنة، يمكن هذين المستويين أن يتشعبا مرة أخرى. يقرر الفيلسوف الألماني كارل ياسبرز أنه «يمكن على المستوى الاجتماعي أن يكون هناك تمايز بين الحرية الشخصية والمدنية والسياسية؛ فالحرية الشخصية تعني تصرف الإنسان بأموره الخاصة، إنها يمكن أن تقوم في غياب الحريتين المدنية والسياسية، كما كان الحال على سبيل المثال في روسيا القيصرية، وذلك إذا ما أتيحت للفرد الاحتياجات الاقتصادية الأساسية. أما الحرية المدنية، فلا يمكن أن تزدهر إلا في مجتمع الأمن والقانون،

  1. أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر، الاستذكار لمذاهب فقهاء الأمصار، وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار (أبو ظبي: مؤسسة النداء، 2002)، مج 9، ص 588 و 560، نقل، عن: ياسين السلطة في الإسلام، ص.170
  2. أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، المغني (بيروت: دار الكتب العلمية، [د. ت.])، ج 1، ص 58، راجعه في: ياسين، السلطة في الإسلام، ج:2 نقد النظرية السلفية، ص.171
  3. روزنتال، ص.19

وإنْ في غياب الحرية السياسية، كما كان عليه الحال في ألمانيا القيصرية، أما الحرية السياسية فتتلخّص في أن يكون لكل مواطن الحق في اختيار من يحكمه، كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية»55. أمّا حرية الفكر التي تساعد على التأكد من منطقية آرائنا، فتحتاج إلى الآخر من أجل اختبارها؛ حيث إن «حرية الفكر مستحيلة بدون حرية سياسية. ويعني ذلك أيضًا أن الحرية السياسية شرط مسبق للاستخدام العقلي لكل فرد»56، فهي لم تكن واردة في التاريخ الإسلامي وتاريخ الأديان بصورة عامة، ذلك أن بعض الأشخاص طالب بالحرية الباطنية فقط، وهؤلاء كانوا يرون أن الوصول إلى حقيقة الشّ ع إنما يتم من خلال طلب الحرية الباطنية، ولهذا «عاشوا بعيدًا عن الحياة السياسية، فلم يهتموا بالظلم والجور الذي كان يحيق بالناس، فالعدو الأساس في نظرهم يكمن في باطن الإنسان ويمثّل نفسه الأمّارة بالسوء، وعلى الإنسان أن يتحرك في حياته للتخلص من هذا العدو الغاشم»57.

الحرية في الفلسفة السياسية الإسلامية

أتاح لنا المحور السابق تبيُّ رأي القواميس اللغوية والمؤلفات الفقهية، وجانب من الممارسة السياسية التاريخية، في ما يتصل بقضية الحرية، حيث اتّضح أن المفهوم الذي نكوّنه اليوم عن الحرية لم يكن مفكَّرًا فيه ضمن مجالات المسلمين السياسية والفكرية. غير أن هذا الأمر لم يكن واردًا لدى الفكر السياسي والفلسفي الإسلامي كله؛ إذ يمكن أن نصادف فكرة الحرية في بعض الكتابات التي اعتنت بالتنظير لما تسميه الحكم القويم أو المدن الفاضلة، وذلك بتأثير من الترجمات العربية للفلسفة اليونانية، وعلى رأسها كتابات أفلاطون وأرسطو. سنحاول، بقدر ما يسمح المجال، أن نمثِّل لهذه الكتابات بمثالين طبعا التداول السياسي الإسلامي بطابعهما، وتركا كبير الأثر في البلاد الإسلامية من الناحية النظرية على الأقل، نقصد بالقول هنا كلًّ من الفارابي صاحب طوبى المدينة الفاضلة، وابن رشد الذي يُعتبر من كبار الفلاسفة الذين عرفتهم البلاد الإسلامية. فهل استطاع مفهوم الحرية اختراق الفكر الإسلامي من خلالها تنظيراتهما، أم إن التأطير الديني والبيئة غير المؤاتية كانا أقوى من أن تتوغّل الحرية في الفلسفة الإسلامية؟ لقد حضر كلٌّ من مصطلحي «الحرية» و«الاستبداد» كمفهومين سياسيين في كتابات بعض الفلاسفة المسلمين، كما برز حضور «المحكوم» ودوره في الحياة المجتمعية والسياسية. ومع أن هذا الحضور كان في سياق التعليق على سياسات أفلاطون وأرسطو، حيث قال الفارابي في معرض وصفه المدينة الجماعية: «هي المدينة التي كل واحد من أهلها مطلق مخلى بنفسه يعمل ما يشاء، وأهلها متساوون وتكون سنّتهم أن لا فصل لإنسان على إنسان في شيء أصر، وأن يكون أهلها أحرارًا يعملون بما شاءوا، وهؤلاء لا يكون لأحد منهم على أحد منهم ومن غيرهم سلطان»58. ويترتب على هذه التفلسف أن «رئيس

  1. Karl Jaspers, Philosophie , 2eme éd. (Berlin; Heidelberg: [s. n.], 1984), p. 437. اقتبسه روزنتال في: روزنتال: الحرية في الإسلام، ص.20-19
  2. بوبر، ص.39
  3. سروش، ص.170
  4. أبو نصر محمد بن محمد الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، ط 2 (بيروت: دار الطليعة، [د. ت.])، ص 110، بتوسط من: منى أحمد أبو زيد، «المصطلح المدني عند الفارابي وفي الفلسفة الاسلامية،» التفاهم، العدد 39 (2013)، ص.63

المدينة الفاضلة هو الذي ينفرد وحده بتدبير أمورها: فليس هناك أي إنسان أو هيئة أخرى يمكنها أن تستقطع جزءًا من سلطانه»59. من هنا، فإن سلطة الرئيس الأول في التشريع تكون «أعظم قوة وأوسع مدى من غيره؛ فهو الدستور، والمقتدى به في سيره وأفعاله، والمقبولة أقاويله ووصاياه، وله أن يدبر بما رأى وكيف شاء. وتكون التشريعات الصادرة منه مستمدة إما من الوحي الإلهي المباشر الذي يفيض من الله إلى العقل الفعّال ثم إلى قوته المتخيلة بواسطة العقل المستفاد»60. مآل هذا النظام السياسي الذي يرتئيه منظّر الفلسفة السياسية الإسلامية هو أن «الملك أو الإمام هو بماهيته وبصناعته ملك وإمام، سواء وجد من يقبل منه أو لم يجد، أطيع أو لم يطَع، وجد قومًا يعاونون على غرضه أو لم يجد»61. هذا المنحى الطّارد لعنصر الفرد من المدينة الفارابية الفاضلة، سيتعزّز من خلال ت عداده المدن وموقفه منِ الحرية؛ فهو يضادّ المدينة الفاضلة ويقابلها بمدن يعتبرها جاهلة أو فاسقة أو ضالة، بينما يسلّط جام غضبه على قيمة الحرية بحسْبه إياها مصدرًا للشرور، بل هي الشر بعينه، فالحرية هي من خربت المدينة وجعلت منها جاهلة62، وهي (الحرية) رذيلة يتوجّب على الرئيس الأول أن يحاربها ويقضي عليها، أو هي نتيجة للمدينة الجاهلة لكونها تتيح للأفراد العمل بمعزل عن سلطات الرئيس. تتناقض إذن مدينة الفارابي والحرية التي هي ديْدن المدينة الجاهلة، والسبب في نظره هو أن «كل واحد من أهلها مطلق خال بنفسه يعمل ما يشاء، أهلها يتساوون وسنّتهم أن لا فضل لإنسان على إنسان في شيء أصلً. ويكون أهلها أحرارًا يعملون ما يشاؤون ولا يكون لأحد على أحد منهم ولا من غيرهم سلطان إلا أن يعمل ما تزول به حريتهم. ومن ذلك يحصل منهم أخلاق كثيرة وشهوات متعددة والتذاذ بأشياء لا تصُى كثيرة. فأهلها يصبحون طوائف كثيرة وهمم كثيرة متشابهة ومتباينة لا تحصى كثيرة»63. إن هذه الأفكار وغيرها من الطروحات السياسية للفارابي المتنازعة مع الإنسان بصفته المفردة والمنحازة إلى الحكم المطلق الذي يجب على الناس أن تقلده وتنصاع له، هي ما ساهمت في إضعاف المشرع الفكري والفلسفي لأبي نصر الفارابي، الأمر الذي عرّضه لكثير من النقد والاستدراك؛ فهو «يلجأ إلى إسقاط مصطلحاته بشكل صريح على واقع الدولة الإسلامية أو تاريخها، بل اتجه مباشرة إلى التأليف في الفكر السياسي المجرد، واصطنع لنفسه نموذجًا خاصًا للمدينة المثالية، هو بعينه مدينة أفلاطون الفاضلة بعد تطعيمها ببعض المفاهيم ‹الدينية› الإسلامية المشربة بمسحة لا تخفى من الأفلاطونية المحدثة، فالدولة عنده مثلما هي عند افلاطون تتمحور حول الرئيس الذي يجب أن يكون فليسوفًا أو -وهناك تبدأ إضافة الفارابي- نبيًا أو إمامًا»64. لقد عاش الفارابي في «مجتمع يختلف في بنيته ومكوناته الحضارية الثقافية عن

  1. مصطفى سيد أحمد صقر، نظرية الدولة عند الفارابي: دراسة تحليلية تأصيلية لفلسفة الفارابي السياسية (المنصورة، مصر: مكتبة الجلاء الجديدة، 1989)، ص.70
  2. أبو نصر محمد بن محمد الفارابي، فصول منتزعة، ص 66، بتوسّط: صقر، ص.92
  3. صقر، نظرية الدولة عند الفارابي.
  4. أبو نصر محمد بن محمد الفارابي، السياسة المدنية، تحقيق فوزي متري النجار (بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 1964)، ص.99
  5. صقر، ص.53
  6. ياسين، السلطة في الإسلام، ج:2 نقد النظرية السلفية، ص.63

المجتمع اليوناني، إن مجتمع الفارابي، مجتمع الدولة العربية الإسلامية، ذو بنية هرمية الشكل، في قمته الخليفة، تليه فئات ‹الخاصة›، بينما تعمِّر ‹العامة› قاعدته العريضة». لقد أخذ الفارابي65، والقول للجابري، هذا المجتمع «كمعطى قائم يفرض نفسه ولا يترك المجال للتفكير في بديل آخر، تمامًا كما أخذ أفلاطون المجتمع اليوناني ذا الطبقات الثلاث (العبيد، الحراس، الحكام) كمعطى واقعي يفرض نفسه كما يفرض الكون الطبيعي نفسه على الفكر والخيال، كما لم يفكر أفلاطون في تغيير هذا الواقع القائم، إذ مثل هذا التغيير كان من اللامفكر فيه عنده، لذلك ركز جهوده في البحث عن أفضل السبل لجعل هذا الواقع القائم متوازنًا ومنسجمً بصورة تحاكي توازن وانسجام أجزاء الكون كما يتصوّره اليونان». ويضيف صاحب نقد العقل السياسيأن «ذلك ما فعله الفارابي الذي قدّمت له نظرة ‹الفيض› التي روّجتها الأفلاطونية المحدثة أساسًا لتشييد تصور للكون قوامه بنية من ثلاثة عناصر أو ثلاث مراتب: العقل الأول (= الله) الذي فاضت عنه العقول السماوية؛ (= الملائكة) التي تدبر عالم ما تحت فلك القمر، ثم هذه المدبّرات نفسها، ثم عالم العارض والإنسان»66. إننا أمام تصور إلهي ثيوقراطي للمدينة، فهذه الأخيرة هي محضن للناس من أجل التّساكن وتحصيل السعادة من دون أن تكون لها أدنى مشاركة في الحياة السياسية، ما دامت السياسة مقتصرة على الحاكم الفيلسوف أو النبي. فالفارابي يقترح مدينة إلهية67، مصدر الحكم فيها مرتبط بالوحي عن طريق العقل الفعّال المستند إلى الفيض الإلهي لمصلحة الرئيس الأول. لقد «تجاوز الفارابي تلك المماثلة التي تقول بها الآداب السلطانية بين الإله والحاكم، بأن جعل رئيس المدينة الفاضلة سابقًا على القول في شكلها وصفاتها»68. إن ما يمكن استخلاصه من كلام الفارابي هو أنه وقع ضحية اختلاط بعض المفاهيم الواردة على الثقافة الإسلامية بتلك التي نمت فيها حياته البيولوجية والفكرية، إذ لم يقو على التمييز بين مفهومي الطاعة والحرية، وهو ما دفعه إلى محاولة -نرى أنها غير موفقة- من أجل المزج بين حمولات هذه المفاهيم ودلالاتها.

  1. في الوقت الذي لم يتعامل فيه الفارابي مع «كتب أفلاطون إلا من الزاوية الميتافيزيقية، يؤكد الجابري، فرغم أن العلاقة بين السياسة والميتافيزيقيا في الفكر اليوناني علاقة عضوية ووشيجة، إلا أن ما يجب الانتباه إليه هو أنه بينما بنى اليونان مدينتهم الإلهية (الميتافيزيقيا) على غرار مدينتهم السياسية، قلب الفارابي الوضع قلبًا، إذ راح يشيد المدينة الفاضلة، مدينته السياسية، على غرار المدينة الإلهية التي شيدتها الفلسفة الدينية الحرانية الهرمسية على أساس فكرة الفيض. ليس هذا فحسب، بل ربط الفارابي ‹الصلاح› في السياسة ب ‹صلاح› المعتقدات الدينية الفلسفية». هذا ما وصف به الجابري فلسفة الفارابي السياسية، وذلك ضمن تقديمه لترجمة كتاب: أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد، الضروري في السياسة: مختصر كتاب السياسة لأفلاطون، نقله من العبرية إلى العربية أحمد شحلان؛ مع مدخل ومقدمة تحليلية وشروح للمشرف على المشروع محمد عابد الجابري، سلسلة التراث الفلسفي العربي. مؤلفات ابن رشد؛ 4 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998)، ص.22
  2. محمد عابد الجابري، قضايا في الفكر المعاصر: العولمة، صراع الحضارات، العودة الى الأخلاق، التسامح، الديمقراطية ونظام القيم، الفلسفة والمدينة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997)، ص.79
  3. فالفارابي لم يهتم بالجانب الذي شغل أفلاطون لمّا كان بصدد التنظير لمدينته الفاضلة، وهو الانشغال بعنصر التربية بالنسبة إلى رجال الدولة؛ إذ سلك الفارابي مسلكًا مغايرًا أبان عنه من خلال عنوان كتابه آراء أهل المدينة الفاضلة. إن «المدينة تتلخص، من منظور، في آراء أهلها، فهي فاضلة إذا كان أهلها يعتقدون في ‹المبدأ الأول› (الله) وفي ‹الثواني› أي العقول الفلكية التي هي الملائكة». من تقديم الجابري في: ابن رشد، الضروري في السياسة، ص.23
  4. تقديم الجابري في: ابن رشد، الضروري في السياسة، ص.22

لعل ذلك ما دفع أركون إلى طرح السؤال التالي: كيف يمكن إنسانًا أن يطيع إنسانًا آخر يتمتّع بممارسة السلطة؟ قبل أن يجد إجابته عند الباحث الفرنسي مارسيل غوشيه الذي يقول إن أصل هذه العلاقة، أي علاقة الطاعة، هو «مديونية المعنى». ماذا يعني ذلك؟ إنه يعني أنني -والقول لغوشيه- أقبل بطاعة ذلك الشخص الذي يُشبع رغبتي في التوصل إلى معنى مليء، وبالتالي «فأنا أطيعه طبقًا لضرورة داخلية ذاتية وليس لإكراه خارجي، وعندئذ تتحول السلطة إلى سيادة عليا ومشروعية كاملة لا تحتاج إلى اللجوء للقوّة من أجل أن يطيعها الناس. وهذا ما حصل في التاريخ؛ فقد استمد الحكام مديونية المعنى طوال قرون عديدة من الوحي، وذلك في عالم المسيحية كما في عالم الإسلام»69. أما ابن رشد، ففهم رأيه في تعليقاته على جمهورية أفلاطون بأن على كل إنسان أن يقتنع بأنه إنسان حر. إن شكل الدولة التي تمثّل الحرية هو الديمقراطية. ويبقى هنا على كل حال احتمال تحوّل الزيادة في الحرية لغير مصلحتها. إن الإنسان المنحط يستطيع أن يدّعي لنفسه الحرية المطلقة70، غير أن التمعّن في ما يقصده ابن رشد بالديمقراطية يدفع بنا إلى القول إن هذا الفيلسوف لا يكنّ كبير تقدير للديمقراطية كما نُظّر يونانيًا، فأفكاره بشأن الموضوع لم تصل مداها المتصل بالتأسيس النظري لمفهوم الحرية السياسية، بل لحِقتها اشتراطات وتنبيهات تَطابق بموجبها المفهوم الفلسفي للحرية باصطلاحات قواميس اللغة والفقهاء والمتصوفة. يقول ابن رشد محذرًا من الإفراط في المطالبة بالحرية: «وبصورة مماثلة، فإن سبب تحوّل الدستور الجماعي (الديمقراطي) إلى استبدادي حينما يعود فقط الى الإفراط في طلب الحرية وزيادتها من غير حد»71. ويستدعي ابن رشد التاريخ الإسلامي في معرض مسايرة أفلاطون بخصوص تحوّل المدن الفاضلة إلى مدن كرامية، معتبرًا أن التجربة الإسلامية عرفت الأولى والثانية قائلً: «وأنت تقف على الذي قاله أفلاطون في تحول السياسة الفاضلة إلى السياسة الكرامية، من سياسة العرب في الزمن القديم، لأنهم حاكوا السياسة الفاضلة ثم تحوّلوا عنها أيام معاوية إلى الكرامية. ويشبه أن يكون الأمر كذلك في السياسة الموجودة في هذه الجزر»72. بهذا المنظور تكون «دولة» من يسمّيهم العرب «الخلفاء الراشدين» تقابل المدينة الفاضلة عند أفلاطون، والفيلسوف رئيس المدينة الفاضلة يقابل الإمام رئيس الدولة الراشدة؛ فوفقًا لابن رشد، «حد الفيلسوف هو بعينه حد الملك والشارع والإمام، كلها بمعنى واحد، ما دام الإمام في لغة العرب يعني الرجل المتبوع في أفعاله، والذي يؤتم به ومن هذه صنعته هو بصورة تامة فيلسوف وهو الإمام بصورة مطلقة»73. أما بشأن المضمون الأيديولوجي لمدينتي أفلاطون و«الخلافة»،

  1. محمد أركون، العلمنة والدين: الإسلام، المسيحية، الغرب، ترجمة هاشم صالح، بحوث اجتماعية، ط 3 (بيروت: دار الساقي، 1996)، ص.65
  2. روزنتال، ص.151
  3. أبو الوليد محمد بن احمد بن رشد، تلخيص السياسة لأفلاطون: (محاورة الجمهورية)، نقله إلى العربية حسن مجيد العبيدي وفاطمة كاظم الذهبي، ط 2 (بيروت: دار الطليعة، 2002)، ص.210
  4. ابن رشد، الضروري في السياسة، ص.184
  5. المصدر نفسه، ص.139

فإن ابن رشد يقابل «الفلسفة أو الحكمة التي تُسب غ على مدينة أفلاطون وصف الفاضلة، بالشرع الذيِ قامت عليه الدولة الإسلامية الأولى»74. يقرر ابن رشد، في إطار نقده الواقع السياسي الماثل أمامه (540 ه تاريخ استيلاء الموحدين على قرطبة)، بفعل انقطاع «أصحاب السيادة والمراتب» عن «السياسة الكرامية التي نشأوا عليها»، و«صار أمرهم إلى الدنيويات»، أنه «إنما يثبت منهم على الخلق الفاضل من كانت به فضيلة الشريعة القرآنية، وهم فيهم قلة»75. هل يُفضي هذا التصور بابن رشد إلى التماهي مع الأدبيات السلطانية التي تجعل الدّين ص نوًا للسياسة والمدينة وتمنع عن الانسان قيمة الحرية، أم أن الواقع السياسي الذي عاشه ابن رشد والتحوّل الذي صاحب امتعاض الحكم الموحّدي (يعقوب المنصور) من الفلاسفة وأهل الرأي جعلا فيلسوف قرطبة يُافظ على خيط رفيع مع الشريعة؟ِ الواقع أن الأوضاع السياسية إبان حياة ابن رشد لم يكن لها تأثير في مواقفه السياسية فحسب، بل دفعته أيضًا إلى الخلط بين المدينة الجماعية (الديمقراطية) وحكم الجماعة الذي كان سائدًا في عصره، وهو الخلط الذي دفعه إلى انتقاد هذا النوع من المدن باعتبار أنها في رأيه تُكم بناء على ما يقرّره رؤساء البيوت، يقول: «بيِّ أن البيت في هذه المدينة هو المقصد الأول. والمدينة هي من أجله، ولذلك كانت المدينة أسروية في معناها الكامل، على عكس ما عليه الحال في المدينة الفاضلة (...) ولعل أغلب المدن الموجودة اليوم هي جماعية. والرجل الذي هو فيها سيد حقًا هو من كانت له قدرة تدبير، بها يمكن كل واحد من بلوغ شهوته ويحفظها، وهذه المدينة هي التي ترى العامة أنها أحق بالحرية، لأن كل واحد منهم فيها يعتقد، ببادئ الرأي، أنه أحق بأن يكون حرًا»76، مضيفًا: «فأما الجماعية فهي التي يكون فيها كل واحد من الناس مطلقًا ويفعل ما يرغب فيه... ولذلك ينشأ في هذه المدينة جماع الأشياء المختلفة مما هو في المدن الأخرى.... ولذلك تنشأ في هذه المدينة كل الصنائع والهيئات، وتكون معدَّة لأن تنشأ فيها المدينة الفاضلة وسائر أنواع المدن77. يُستخلَص من عرض أفكار ابن رشد السياسية -وهي ليست خلاصة بالمعنى التقليدي، إذ ينبغي أن يظل البحث في فكر ابن رشد مفتوحًا- هو أن فيلسوف قرطبة حاول التمايُز عن النموذج الطوباوي لأفلاطون والفارابي، مُفضّ لً خفض سقف الاشتراطات على مشروعه السياسي، وهو ما جعل مشروعه يتّسم بنوع من الموضوعية والمقبولية، وإن لم تتعيّ ملامحه الرئيسية، ولا سيما في ما يتعلّق بدور مسألة الحرية، فهو تارة ينتصر لها ويحسبها من جوهريات الإنسان، وتارة أخرى ينتقد الحرية ويعدّها من سلبيات المدينة «الجماعية»، ويدعو إلى ترشيد طلب الحرية. يضاف إلى النقد المضموني الموجَّه إلى الفلسفة الإسلامية التي اعتنت بالحرية، نقد آخر مس هذه المرة جانب الممارسة؛ فمع افتراض أهمية هذه الأفكار التي تتناول الأشكال المتغيرة للمدن والمتعلقة بعظمة الحرية

  1. ياسين، السلطة في الإسلام، ج:2 نقد النظرية السلفية، ص.35
  2. محمد عابد الجابري، ابن رشد، سيرة وفكر: دراسة ونصوص (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998)، ص.257
  3. الجابري، ابن رشد، ص.253
  4. ابن رشد، الضروري في السياسة، ص.174

وأهميتها الكبرى عند المفكرين المسلمين، فقد ظلت كلها تأملات نظرية ولم تمتحن بالتجربة الواقعية في الحياة السياسية، ويمكن لأحلام الديمقراطية أن تكون قد راودت بعض الفلاسفة كابن رشد، ويمكن أن يكونوا قد عملوا على إقناع الحكام بأهمية وضع فكرة الحرية موقع الامتحان، بيد أن النجاح لم يحالفهم في هذا المضمار78. وهكذا نخلُص إلى القول إن مفاهيم الحرية التي بلورتها الثقافة السياسية المعاصرة غابت كليًا عن الثقافة الإسلامية لغة وفقها وتصوفًا، كما حضرت بشكل خجول في الفلسفة السياسية لبعض المفكرين المسلمين، أو كان التناقض سمة معتنقيها؛ فبعض المفكرين انتهج في كتاباته منهج «لكل مقام مقال»، فعندما يكتب هؤلاء في الفقه والسياسة الشرعية، تجدهم في خ صام مع الحكام، وحين يكتبون في نصح الملوك والآداب السلطانية، تجدهم يناقضون أنفسهم، محاولين تبرير واقع التغلب والقهر الذي حاط بالمجال السياسي في عصرهم أو العصور التي سبقتهم. رأينا ذلك في كتابات ابن حنبل وابن تيمية والغزالي؛ فمن ناحية تجدهم أشداء على الحكام كلما تعلق الأمر بمسألة فقهية أو كلامية، ومن ناحية أخرى ينصاعون للأمراء ويدعون إلى طاعتهم على الرغم من انتهاكهم الحريات الفردية والجماعية79. من هنا تبرز الحاجة إلى التمييز بين المضمون الميتافيزيقي الذي تضفيه أغلب الكتابات الإسلامية على مفهوم الحرية، والمضمون الليبرالي الذي ترتئيه الأدبيات السياسية الحديثة والمعاصرة، حيث لا يمكن الفصل بين تجليات الحرية الميتافزيقية والطبيعية والمدنية والسياسية، و«ينتج بالطبع عن اختلاف الاهتمام والنظرة اختلاف في المفاهيم»80، وهو ما شكّل الضمير النفسي التاريخي للشعوب المسلمة، وبسط تأثيره على التفكير الفلسفي والديني إلى عصرنا هذا. ولم تسلم الممارسة السياسية من هذا التأثير، سواء أكانت ممارسة تاريخية أم ما يعتمل اليوم داخل المجال السياسي والثقافي والاجتماعي في البلدان الإسلامية.

  1. روزنتال، ص.153
  2. يمكن هنا أن نقارن ما كتبه أبو حامد الغزالي بصفته الفقهية في كتابه إحياء علوم الدين، بكتاباته السياسية بصفته ناصحًا ومقربًا من ملوك بني بويه. في الإطار الأول يحذّر الغزالي بقوة من أخطار تعدي السلطة السياسية على الحرية الفردية، متبعًا في ذلك التقليد الكلاسيكي في التعبير عن أفكاره بشأن العلاقة بين السلطة السياسية والرعية، والتي تشكل تحديًا للحرية أعظم خطورة من العبودية؛ إذ إن الأخيرة تعني امتلاك الجهات الأقوى اقتصاديًا يمين العبد. أما الطغيان السياسي الذي يسميه الغزالي «الجاه»، فهدفه الإخضاع الإرادي للأحرار من قِبل أولئك الذين يمتلكون السلطة. إن هذا الاخضاع لا يعني عبودية أجسامهم فقط بل عبودية العقول أيضًا. انظر: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، إحياء علوم الدين، مج 3، ص 241، أورده: روزنتال، ص 158. أمّا في السياق الثاني، فنقرأ له: «إعلم وتيقن أن الله اختار من بني آدم طائفتين: وهُم الأنبياء؛ ليبيّنوا للعباد على عبادته الدليل.... واختار الملوك لحفظ العباد من اعتداء بعضهم على بعض... كما يسمع في الأخبار: السلطان ظل الله في أرضه، فينبغي أن يعلم أن من أعطاه الله درجة الملوك، وجعله ظله في الأرض، فإنه يجب على الخلق محبته، ويلزمهم متابعته وطاعته، ولا يجوز معصيته ومنازعته... فينبغي لكل من أتاه الله البدن أن يحب الملوك والسلاطين، وأن يعطيهم فيما يأمرون، ويعلم الله تعالى يعطي السلطنة والمملكة، وانه يؤتي ملكه من يشاء.» انظر: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، سير الملوك، ص 15، مقتبس من: محمد خاتمي، الدين والفكر في فخ الاستبداد: دراسة في الفكر السياسي للمسلمين بين ازدهار الحضارة الإسلامية وانهيارها، تعريب واختصار وتعليق ثريا محمد علي وعلاء عبد العزيز السباعي (القاهرة: مكتبة الشروق، 2001)، ص.252
  3. العروي، ص.17

على سبيل الختم

ربما حالفَنا التوفيق في عرض إشكالية غياب مفهوم الحرية في الفكر والممارسة الإسلاميين، وربما نكون قد أخطأنا في المنهج على أساس أن تجربة المجتمع الإسلامي، كما ذهب إلى ذلك عبد الله العروي، في مجال حرية الفرد أوسع كثيرًا مما يشير إليه نظام الدولة الإسلامي التقليدي81، غير أن الإدراك حاصل، كون الحرية، بما هي مفهوم وممارسة في التاريخ والحاضر، شكّلت شبه غياب عن ساحتي النظر والفعل في البلدان العربية والإسلامية82؛ فكتب التاريخ تزخر بحوادث قتل الخلفاء والأمراء وتنفيذ الانقلابات والمؤامرات السياسية83، وهو ما يدلّل على أن الوسيلة الوحيدة التي توافرت آنذاك لتداول الحكم هي العنف المسلح، علاوة على أن الكتب الفقهية خلّدت الكثير من المقُولات الدالّة على أن مجال الحرية الفكرية والاعتقادية حُفَّ بالمخاطر والتهديدات، وما صمود أسماء ضحايا حرية الفكر والرأي على الرغم من محاولات التعتيم، إلا دليل إضافي على ذلك. أما في الوقت الحاضر، لا بد أن تحاط مسألة الحرية بوجه عام، والحرية السياسية بوجه خاص، بالعناية اللازمة، مع التأسيس لفضاء عمومي يساعد على الاستخدام الجماعي للعقل، فضلً على أنه ينبغي بذل جهد أكبر على المستويين الثقافي والسياسي من أجل معالجة تلك النظرة التي يحاول الساسة تسويقها في ما يتصل بمسألة ربط الحرية السياسية بالرفاه الاقتصادي، إذ ينبغي ألّ نعزو الرفاه المادي والتقدم إلى الديمقراطية والحرية وحسبْ، فالحرية ليست موردًا يوص ل إلينا خيرات الحياة إلى منازلنا، والديمقراطية لا تضمن إنجاز أي شيء، وبالتأكيد لا تضمن تحقيق معجزة اقتصادية، ومن الخطأ، بل من الخطر إلى أبعد الحدود، أن يجري تعظيم الحرية بإخبار الناس أنهم سيكونون على ما يرام بمجرد أن يصبحوا أحرارًا. إن أقصى ما يمكن قوله عن الديمقراطية أو الحرية، بحسب كارل بوبر، هو إنهما تمنحان قدراتنا الشخصية قليلً من القدرة على التأثير في رفاهيتنا84. يتعيّ ألّ نختار الحرية السياسية لأننا نأمل بحياة مريحة، بل لأن الحرية نفسها تمثّل القيمة النهائية التي لا يمكن تحجيمها بقيم مادية. يجب أن نختارها بطريقة ديمقريطس الذي قال ذات مرة: إنني أفضل الحياة

  1. ربما سمح ضعف سيطرة الدولة في التاريخ الاسلامي على المجال الترابي بهامش من الحرية في الضواحي والمناطق البعيدة عن المركز، خاصة في ظل وجود ذلك التخارج بين الدولة والحرية؛ فحيثما تقلصت سلطة الدولة اتسع مجال الحرية والعكس أيضًا صحيح.
  2. ولا سيما أن مفهوم الحرية المتداول اليوم في الأوساط الفكرية والسياسية في البلدان الاسلامية ليس مُنتَجًا جوانيًا، بل هو من إفراز التفاعلات البرانية، شأنه في ذلك شأن باقي المفاهيم المستحدثة، وذلك بتأثير من مختلف العوامل من قبيل الاستعمار والثورات، فكثير من المصطلحات المستعملة في العالم الاسلامي في أواسط القرن 19 أضحت تحمل مدلولات أخرى، إذ نجد مثلًالكلمة التركية فطن/وطن Vatan)) المستعملة حتى ذلك الحين لتصف مكان ولادة المرء أو إقامته، تستخدم تحت تأثير الثورة الفرنسية، للدلالة على معنى آخر، هو الوطن/المواطن؛ أما مصطلح الحرية، الذي كان قبل سنة 1800 يستخدم باعتباره تعبيرًا قانونيًا يقابله الرِّق والعبودية، فقد غدا له مضمون سياسي»، يمكن مراجعة هذا الموضوع عند: إريك هوبزباوم، عصر الثورة: أوروبا، 1848-1789، ترجمة فايز الصياغ؛ تقديم مصطفى الحمارنة (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص.129
  3. للتفصيل أكثر في هذا الموضوع، يمكن مراجعة الكتابات التي أرّخت لحوادث القتل في التاريخ الإسلامي، ومنها كتاب: هادي العلوي، تاريخ الاغتيال السياسي في الإسلام، الأعمال الكاملة؛ 2، ط 4 (دمشق: دار المدى،.)2004
  4. بوبر، ص.49

الفقيرة في ظل الديمقراطية على الغنى في ظل حكم مستبد... إن الفقر في الديمقراطية أفضل من كل ثراء في ظل الأرستقراطية أو الأوتوقراطية لأن الحرية أفضل من العبودية. وكم هي عميقة تلك القصة التي أوردها روزنتال في سياق دفاعه عن الحرية، قائلً: «لقد فضّل ديوجنيس الفقر على خدمة الملوك: رآه رجل من أطباء الإسكندر يغسل بقلً ليأكله فقال له: لو غشيت الملك لم تفتقر إلى أكل هذا، فقال له ديوجنيس: وأنت أيضًا لو اقتصرت على أكل هذا لم تَصِ عبدًا لملك بعد أن كنتَ حرًا »85.

مراجع إضافية

عبد الله العروي، مفهوم الدولة، ط 6 (بيروت: المركز الثقافي العربي،.)1998 أبو الفتوح أحمد بن محمد الغزالي، المستصفى من أصول الفقه (بيروت: دار الكتب العلمية،.)1993

  1. روزنتال، ص.156 مؤلف هذا الكتاب هو أحد أهم وزراء الخارجية العرب في النصف الثاني من القرن العشرين. ويمثل كتابه هذا شهادة تاريخية فائقة الأهمية عن الحوادث التي عاشتها سورية ومعها لبنان وفلسطين والمشرق العربي، وهي شهادة ثرية عن المفاوضات السورية - الإسرائيلية. أما عنوانه المفتاحي الدال “الرواية المفقودة” فهو يعبر عن الواقع تمامًا؛ فقد كتب دبلوماسيون وعسكريون إسرائيليون أمثال أوري ساغي وإيتمار رابينوفيتش الرواية الإسرائيلية عن المفاوضات، وكتب دنيس روس ومادلين أولبرايت والرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون وغيرهم الرواية الأميركية، وظل الطرف السوري وحده صامتا كًاتما روايته، يتكلم الجميع عنه بينما يلتزم الصمت. يقدّم المؤلّف كتابه كوزير للخارجية، وهو يروي كل ما يتعلق بالسياسة الخارجية لبلده، كلاعب وشاهد وعارف بالأسرار والتفصيلات وصاحب وجهة نظر تفرز الغثّ عن الثمين، والشائعة عن الحقيقة، بلغة رشيقة وجذابة، وحافلة برنين الوجدان والصدق. ومع ذلك فإن الفصول التي يتضمنها الكتاب تحفل بتفصيلات مثيرة عن علاقة الرئيس حافظ الأسد بأخيه رفعت، وعن العلاقة بالعراق وصدام حسين، وبعض تفصيلات العلاقة بياسر عرفات والتدخل في لبنان وغيرها، وهي لا تقل أهمية عن الفصول التي تتناول المفاوضات السورية - الإسرائيلية منذ مدريد حتى فشل لقاء جنيف بين كلينتون والأسد الذي يورد هذا الكتاب، أول مرة، الرواية السورية في شأنه. وتتجاوز أهمية هذا الكتاب حدود تقديم “الرواية المفقودة” إلى محاولة فيها كثير مما يفيد الباحثين والمؤرخين والمؤثرين في الرأي والمهتمين بالسياسة الخارجية وبتعقيدات الصراع العربي - الإسرائيلي والمنخرطين في الشأن العام، وسيرجع إليه كثيرون لمعرفة ما حدث ولفهم الخفايا، والإفادة من ذلك كله في مواجهة ما يحدث وما يمكن أن يحدث.

نلاعإ نيمأت ءاجرلا

فاروق الشرع

اثيدح ردص

الرواية المفقودة