القانون والدِّين في فلسفة مونتسكيو
Law and Religion in Montesquieu’s Philosophy
الملخّص
يتسم إرث مونتسكيو، أحد أهم فلاسفة الأنوار، بتنوع لافت. وقد نشر في سنة 1721 الرسائل الفارسية ، ونشر في سنة 1734 نظرات في أسباب عظمة الرومان وانحطاطهم ،وهذا الأخير عمل تأريخي عظيم. كما نشر في سنة 1748 روح الشرائع الذي يشكّل، إلى حدما، خلاصة أبحاث استغرقت سنوات عدة، وحصيلة تأملاته السياسية والتاريخية.
Abstract
The legacy of Montesquieu, one of the key philosophers of the Enlightenment, is remarkably diverse. In 1721 he published Persian Letters ; in 1734 Considerations on the Causes of the Greatness of the Romans and their Decline , a formidable work of history; and in 1748 The Spirit of the Laws , which represents the essence of many years of research and the fruits of his political and historical reflections. From these works, Montesquieu appears at times as a man of politics, at times as a historian, and at times as a law-maker and jurist. Such range, however, does not detract from the unity of his thought and the connectedness of his reflections, since in all his works he strove to understand the laws governing societies and organizing the course of the phenomena of history and nature, and to observe their effect on human life. In his first work, Persian Letters , Montesquieu dealt with the relationship of religion and law. He established the relativism of beliefs and a topography of precepts and laws, called for religious tolerance, and produced a pluralist discourse for understanding religious and cultural difference. In the second work, Considerations on the Causes of the Greatness of the Romans and their Decline , he dealt with law in its relation to the movement of history, revealing the laws that govern the progress and retrogression of states and civilizations. In his greatest and most renowned work, The Spirit of the Laws , he dealt with law in its relation with various factors that define general laws such as climate, territory, population, economy, morality, religion, and power. These factors combine the material with the ideal, the conceptual with the tangible. They also reveal the dialectical nature of Montesquieu’s thought. He tried to found a comprehensive positivist approach to human and religious history and formulate ideas on the future of institutions and their transformation in real history.
- مونتسكيو
- فلاسفة الأنوار
- القانون
- الدين
- : Montesquieu
- Philosophers of the Enlightenment
- Religion.
- Law
يتسم إرث مونتسكيو، أحد أهم فلاسفة الأنوار، بتنوع لافت. وقد نشر في سنة 1721 الرسائل الفارسية، ونشر في سنة 1734 نظرات يف أسباب عظمة الرومان وانحطاطهم، وهذا الأخير عمل تأريخي عظيم. كما نشر في سنة 1748 روح الرشائع الذي يشكّل، إلى حد ما، خلاصة أبحاث استغرقت سنوات عدة، وحصيلة تأملاته السياسية والتاريخية. ويظهر من خلال هذه الأعمال رجلً سياسيًا تارة، ومؤرخًا تارة ثانية، ومشرّعًا وقانونيًا تارة أخرى. بيد أن هذا التعدد لا يلغي وحدة فكره واتصال تأملاته؛ إذ إنه اشتغل في جميع أعماله بالبحث في القوا ين المتحكمة في المجتمعات والمنظِّمة لسير ظواهر التاريخ والطبيعة، ورصد تأثيرها في حياة الناس؛ ففي أول أعماله الرسائل الفارسية، عالج علاقة الدِّين بالقانون مؤسِّسًا لنسبية المعتقدات وجغرافية الأحكام والشرائع، وداعيًا إلى التسامح الديني، ومنتجًا خطابًا تعدديًا يتفهم المخالف دينيًا وحضاريًا. وعالج في ثاني أعماله، نظرات يف أسباب عظمة الرومان وانحطاطهم، القانون في علاقته بحركة التاريخ، كاشفًا عن القوا ين المتحكمة في تقدم الدول والحضارات وتأخرها. وفي كتابه العمدة والأشهر بين أعماله كلها، روح الرشائع، عالج القانون في علاقته بعوامل مختلفة تحدد القوا ين العامة، كالمناخ والأرض والسكان والاقتصاد والأخلاق والدِّين والسلطة. وفي هذه العوامل يتداخل ما هو مادي مع ما هو مثالي، وما هو صوري مع ما هو عياني. ويُفصح ذلك عن الطابع الجدلي لفكر مونتسكيو الذي سعى إلى تأسيس منهج وضعي لتفسير التاريخ الإنساني والديني تفسيرًا شاملً، وتسويغ التفكير أيضًا في مستقبل المؤسسات وتحولّها في التاريخ الواقعي. اإلنسان كائن حمدود اإلدراك وخملوق حساس عُرضة للجهل واخلطأ، وأمكن له أن ينسى خالقه يف كل حني، فدعاه اهلل بقوانني الدِّين، وأمكن له أن يغفل عن نفسه فأيقظه الفالسفة بقوانني األخالق، وأمكن له أن ينسى اآلخرين الذين يعيشون معه، فردّه املرشعون إىل واجباته بالقوانني السياسية واملدنية.
روح الشرائع، ص 14.
مدخل عام
يُعد مونتسكيو (1755-1689) من أهم فلاسفة الأنوار الذين ساهمت أفكارهم في التمهيد للثورة الفرنسية؛ فقد عاش في نهاية حكم لويس الرابع عشر التي تميزت بالتزمّت والاضطهاد الديني. وهو، كما وصفه عبد الله العروي، «واسع الاطلاع، متحرر الفكر، متنوع التجربة، يجمع بين ذوق الأديب وعمق الباحث المتحرر. نجد هذه الصفات واضحة في كل مؤلفاته، القصيرة والطويلة، الهزلية والجدية، الأدبية والفلسفية»1. ولعل هذا ما جعل منه المنبع الذي نهل منه فقهاء القانون ومؤسسو علم الاجتماع والتاريخ المقارن ودعاة الليبرالية، لس عة معارفه بحيث دفعه حب اطلاعه على المعرفة إلى دراسة الفيزياء والفلسفة الأخلاقية والتاريخ. كما أنه كان يُعَدّ المفكر السياسي الأكثر هيبة ونفوذًا في دوائر المعارضة البرجوازية في القرن الثامن عشر في فرنسا2. وشكّلت كتاباته في مجملها دعوة إلى قيم الحرية والتعددية والتسامح والتأسيس للديمقراطية والفصل بين السلطات، وهيأت أذهان المواطنين لإعادة النظر في حياتهم العامة وفي علاقتهم بالدولة3. يتداخل في فكر مونتسكيو القانون والدِّين والسياسة، ويتفاعل في منهجه التفسير والتجريب والتأويل، ويدرس الماهيات والوقائع والعلاقات، ولهذا يتسم نسقه الفلسفي بطابع تركيبي؛ فقد عمل، من موقع الفيلسوف، على الانخراط في قضايا عصره، متوسلً بعُدّة معرفية ومنهجية حققت له بناء خطاب فلسفي يعبّ عن أنطولوجيا حاضره. وإذ يفكر في حاضره الذي عرف تحولً عميقًا في العالم الفكري والثقافي بفعل الصراع بين القيم التقليدية والقيم الحديثة، فإنه يستند إلى الوقائع ويفسر الأحداث وينسج العلاقات ويصوغ القوانين. ربما يبدو غريبًا جدًا أن كاتبًا مثل مونتسكيو أنتج خطابًا سياسيًا يملك الأهلية لمعالجة الظواهر الأكثر معاصرة لنا؛ فهو يحضر في أغلب الكتابات السياسية المعاصرة، منها، مثلً، أعمال الفيلسوفة هانّا أرندت، وخاصة عملها المهم أصول التوتاليتارية؛ فهي تميز بين صنفين من الكُتاب الفلاسفة والمفكرين (فلاسفة السياسة ومفكري السياسة)، وتضع مونتسكيو ضمن الصنف الثاني إلى جانب مكيافيلّ وتوكفيل4. ويتميز كتّاب هذا الصنف من غيرهم بأنهم كتبوا انطلاقًا من تجاربهم السياسية، وبأن كتاباتهم ساهمت في فهم الحداثة وميلاد علم السياسة الجديد. كان الواقع التاريخي السابق للثورة الفرنسية سنة 1789 غنيًا بالأحداث والتحولات في جميع المجالات العلمية والدينية والسياسية، وهي قضايا فرضت نفسها بقوة على مونتسكيو، ووجدت صداها في فكره، وعملت على توجيه جميع أعماله في اتجاه الكشف عن القوانين والمبادئ العامة التي تسمح بفهم التاريخ
البشري في ديناميته وسيرورته. واتخذت الكتابة عنده شكل سرد ووصف لأمثال ونماذج مستعارة من القدامى والمحدثين، المسيحيين أو الآخرين، في أوروبا أو الشرق. والسؤال الذي يُطرح: ما هو الإطار العام والخيط الناظم لتفكير مونتسكيو؟
الموضوع والمنهج
في المنهج
يذهب ألتوسير إلى أن ما يميّز مونتسكيو، مقارنة بفلاسفة الأنوار، انطلاقه من الوقائع لاستخلاص القوانين وليس من الماهيات. فلم يلجأ مونتسكيو، خلافًا لزملائه، إلى العقل من حيث إنه المبدأ الأساسي للسياسة والمجتمع، بل تناول هذه الموضوعات من الناحية السوسيولوجية، وجعل الصور السياسية لبلد ما ومؤسساته تعتمد على «روح» نظام الحكم وظروفه الفيزيائية والتاريخية5. هذا الأسلوب السوسيولوجي، الذي بدأ في التشكل، لم يكن ملائمً للفلاسفة الذين عاصروا مونتسكيو، من أمثال فولتير وديدرو وكوندرسيه الذين اعتقدوا أن وظيفة العقل هي أن يقدم مبادئ كلية مستقلة عن التاريخ والظروف والروح الوطنية. بل إن مونتسكيو، وخلافًا لأغلب مفكري عصره، كما يرى تودوروف، كان يحذّر من استعمال العقل بإفراط6. ويكاد يكون الوحيد الذي نظر في المشكلات السياسية بحد ذاتها من دون أن يحيل إلى تصور ناجز للفكر وللطبيعة7 أو أن يؤسس فلسفته السياسية على الميتافيزيقا. إنه يختلف عنهم على مستوى الموضوع وعلى مستوى المنهج أيضًا. وبخصوص الموضوع، لم يكن همّه التفكير في ماهية المجتمع المجردة أو بناء مفهوم مثالي له، بل اهتم بالمجتمعات الواقعية والمجسّدة في التاريخ. وقد انعكست طبيعة الموضوع على اختياره المنهجي بحيث قام بإضفاء روح الفيزياء الجديدة والانطلاق من الوقائع8. وتبعًا لذلك، يقرر ألتوسير ما إذا كان مونتسكيو مارس في كتبه دور المشرّ ع السياسي وليس دور اللاهوتي؛ فمن غير المشكوك فيه أنه يستعرض في كثير من المرات أمثلة الحجج الكاملة لنظرية سوسيولوجية حقيقية بشأن العقائد الدينية والأخلاقية9؛ فالعلم الاجتماعي الجديد الذي توجد بوادره وإرهاصاته في مؤلَّفات مونتسيكو لا يعالج وعي الإنسان الفردي وإنما يجعل الأشياء الاجتماعية هدفًا له. ومن ثم باشر مونتسكيو دراسة الظواهر الاجتماعية من أجل اختبار طبيعتها والبحث في أصلها واكتشاف أسبابها الفيزيائية والأخلاقية10، وصاغ نظامًا عامًا معقول (ordre intelligible) يسمح له بالتمييز والتعليل.
هذا الاختيار المنهجي الذي اعتمده مونتسكيو دفع إيميل دوركهايم إلى اعتباره واضع المبادئ الكبرى للعلم الاجتماعي الجديد الذي سيُطلق أوغست كونت عليه في ما بعد اسم السوسيولوجيا11. وشكّل كتاب روح الشرائع النواة الصلبة لتشكّل هذا العلم الجديد. ولا شك، كما يرى دوركهايم، أن مونتسكيو لم يعالج الظواهر الاجتماعية كلها، وإنما اهتم بنوع واحد يتعلق بالقوانين. كما أن المنهج الذي اعتمده لتفسير أشكال القانون المختلفة وتأويلها يصلح كذلك لباقي المؤسسات الاجتماعية، ويمكن أن يطبَّق بكيفية عامة. وبما أن القوانين تمس الحياة الاجتماعية من الداخل، فإن مونتسكيو قاربها من أوجه شتى ومن ناحية علاقاتها بالدِّين والأخلاق وتأثيرها في العائلة والعلاقات الاجتماعية والنظم السياسية والمدنية. وعلى حد تعبير عبد الله العروي، فإن لب منهج مونتسكيو يتجلى في الجمع بين المقابلة والموازنة12 للكشف عن القواعد المتحكمة في الظواهر الاجتماعية والسياسية؛ القوانين والمؤسسات والأخلاق، وهي كلها تقبل التغير تبعًا لشروط الحياة. راهن مونتسكيو من خلال اختياره المنهجي على الكشف عن مبادئ عامة تسمح بفهم التاريخ البشري كله13 أو باقتراح منهج وضعي لتفسير التاريخ تفسيرًا شاملً وتسويغ التفكير أيضًا بمستقبل المؤسسات وتحولّها في التاريخ الواقعي14. كما أنه طمح إلى تقديم تفسير علمي للظواهر السياسية واكتشاف منطق الأنظمة القانونية15. واتفاقًا مع تقاليد عصر الأنوار الأصلية، كان مونتسكيو دائم البحث عن القوانين بمفاهيمها العلمية الصحيحة، فاجتهد، مثلً، في تطبيق منهاج نيوتن على ظواهر الحضارة الإنسانية. وانسجامًا مع هذه الروح العلمية، أرجع الشرائع والوقائع السياسية والاجتماعية إلى أسباب طبيعية وإنسانية بحتة، لكونه رفض إخضاعها لمبادئ الدِّين والأخلاق أو للمفاهيم المجردة لنظرية الحق الطبيعي. وهذا ما أتاح له مدخلً نظريًا ومنهجيًا لبناء نظرية جديدة عن القانون16، وتفترض هذه النظرية إمكانية تطبيق مجموعة من القوانين العلمية (النيوتنية) في مجالي السياسة والتاريخ. وفق هذا التصور المنهجي، كما يشير ألتوسير، لا يمكن الحكم على التاريخ الإنساني بعناصره كلها بمعايير دينية وأخلاقية، بل على العكس من ذلك، يجب وضع الدِّين والأخلاق ضمن سياق التاريخ وإخضاعهما له، إذ يغدو القانون علاقة ماثلة في الظواهر وتُستخلص من الوقائع. وبهذه الصورة يكون مونتسكيو أقرب إلى النزعة الوضعية والتجريبية منه إلى النزعة المجردة والمتعالية عن الواقع الفعلي للناس. لهذا يشير هيغل إلى كون مونتسكيو صاحب الفضل في إعطاء القانون طابعًا وضعيًا، أو تأسيس علم القانون الوضعي، لأنه أول من درس القوانين، آخذًا الوضع التاريخي في الحسبان17. وفي كتاب أصول فلسفة الحقيذهب هيغل، في ما يتعلق بالعنصر التاريخي في القانون الوضعي، إلى أن مونتسكيو نادى
بوجهة نظر تاريخية صحيحة تعبّ عن موقف فلسفي أصيل، ويعنى بوجهة النظر القائلة بأنه ينبغي للتشريع، سواء في مجاله العام أو في حالاته الجزئية، ألا يعالَج على أنه شيء معزول ومجرد، وإنما على أنه لحظة معتمدة على الكل وترتبط بجميع الخصائص الأخرى التي تشكّل شخصية أمة ما أو عصر ما18. وحتى لو كان مونتسكيو يبحث عن تصور عام للقوانين، فإنه لم يقصد وضع فلسفة للقانون تردّ القوانين إلى مبادئ عقلية كلية، وإنما قصد تفسير أصل القوانين بعوامل فيزيائية طبيعية (المناخ) وعوامل أخلاقية (الدِّين والتقاليد والعادات) تُعرف بالملاحظة والتجربة التاريخية.
في الموضوع
حتى وإن لم يكن مونتسكيو فيلسوفًا نسقيًا19 وكانت أعماله مسربلة بالغموض ومسكونة الالتباس، فإن الموضوع الأساسي الذي شغل فكره وتأمله هو القوانين التي ينتظم وفقها جميع الظواهر الإنسانية والوقائع القانونية والتاريخية والدينية. لا ينفصل المنهج الذي اعتمده مونتسكيو عن الموضوع الذي شغل فكره؛ فهمّه لم يكن التفكير في ماهية المجتمع أو بناء مجتمع مثالي، كما هو الأمر بالنسبة إلى أغلب فلاسفة العقد الاجتماعي، بقدر ما كان التفكير في المجتمعات المجسّدة في التاريخ الإنساني. بالإضافة إلى ذلك، انعكست طبيعة الموضوع الذي عالجه في مؤلفاته كلها على اختياره المنهجي، بحيث قام باستلهام روح الفيزياء الجديدة والانطلاق من الوقائع20. وتبعًا لهذه الروح الوضعية، فإن القوانين، في أوسع معناها، كما حددها مونتسكيو، هي العلاقات الضرورية المشتقة من طبيعة الأشياء؛ فهي موجودة بصورة موضوعية وبالضرورة، وهي تحكم سلوك الأشياء كلها، أي تأثير الله في العالم، وتأثير الأجسام بعضها في بعض، وهكذا. وهذه المشروعية الكلية هي الخلفية التي يجب أن يُرى في مقابلها القانون البشري21. يبيّ ريمون آرون أن لفظة «القانون» في كتابات مونتسكيو تُطلَق للدلالة على معنيين مختلفين: أولهما العلاقة الضرورية التي هي من طبيعة الأشياء، وثانيهما التشريع ذاته، أي أوامر المجتمع22. وتشير طبيعة الأشياء أو العلاقات اللازمة إلى وجود مبادئ متأصلة في تكوين العالم تُلزم الكائنات كلها بالخضوع لها. وإذا كان لمفهوم القانون تاريخ طويل يجسد ارتباطه القوي بالدِّين والأخلاق والسياسة والعلم، فإنه لم يكتسب معناه الحديث، بمعنى العلاقة، إلا في أعمال فيزيائيي القرنين السادس عشر والسابع عشر وفلاسفتهما؛ فقبل ذلك، كان القانون يُطلق للدلالة على «الوصية»، بمعنى الأوامر الصادرة عن الله إلى الطبيعة والبشر، فالقانون الإلهي يسود القوانين كافة23.
بهذه الصورة، نجد أن لجميع الموجودات قوانينها؛ فللألوهية قوانينها، وللعالم المادي قوانينه، وللحيوانات قوانينها، وللإنسان قوانينه. والقوانين هي العلاقات أو الصلات القائمة بين الموجودات المختلفة والعقل الأزلي (العقل الموضوعي) لنظام الأسباب والعلل الذي يشيع الانسجام في الكون. وهي علاقات دائمة الاستقرار، لأن العالم بعناصره كلها لا يدوم بغيرها. وإذا كان من المحال دوام العالم ودوام نظامه من دون هذه القوانين، فإن المجتمعات الإنسانية أيضًا تحتاج إلى القوانين لتحافظ على وجودها ونظامها. يكرس مونتسكيو سيادة القانون على جميع الموجودات «من الله حتى الحجارة»، وكأننا أمام بنية واحدة تسمح بالكلام على القانون الإلهي والقوانين الطبيعية والقوانين الوضعية بالمعنى نفسه24. القوانين كالعلاقات التي تفرض ذاتها على جميع الموجودات تقوم على الضرورة، أي الضرورة العقلية. وعلى الرغم من هذا التعميم الذي بموجبه تخضع جميع الكائنات للقوانين/العلاقات، فإن مونتسكيو يميّز بين هذه القوانين، فالقوانين الطبيعية التي تسيّ المادة الجامدة تتميز بالثبات والدقة، في حين أن القوانين الوضعية التي تنظم العالم العاقل تقبل الخرق والتبدل لأن الإنسان كائن غير خاضع دائمً للقوانين. وموقف الإنسان من القوانين وتفاعله معها لا ينفصل عن طبيعة وجوده المزدوج، فهو من جهة كائن فيزيائي كغيره من الأجسام تسيّه قوانين لا تتغير، لكنه من جهة أخرى كائن عاقل ما انفك يخرق القوانين التي سنّها الله ويغيّ القوانين التي سنّها هو نفسه. وغالبًا ما يستسلم لسلطان الأهواء والغرائز، وينتهك القوانين ويخرقها ويحورها لتحقيق مصالحه الشخصية. الإنسان بوصفه كائنًا حرًا وموجودًا عاقلً ينتهك القوانين التي أقرها الله ويغير القوانين التي أقرها بنفسه. تشترك القوانين كلها عند مونتسكيو في فكرة «العلاقة اللازمة» أو العلاقة السببية، التي يُفهم القانون بموجبها كقاعدة كونية تسري على العالم الإلهي والعالم المادي والحيواني والعالم الإنساني. وإن تعريف القانون كعلاقة لا كإرادة أو وصية، لم يكن موجَّهًا ضد اللاهوتيين فقط، بل إنه ساهم في تعميم فكرة القانون لتشمل جميع الظواهر، وأدخل في السياسة مفهومًا مستلهَمً من الفيزياء التجريبية بوصفها النموذج الإرشادي العلمي السائد في القرن الثامن عشر. ومن مفاعيل هذا التصور أنه يضفي طابعًا ماديًا على الواقع الإنساني وإنكار الحرية الميتافيزيقية أو الحرية كإرادة25، كما يقلب العلاقة بين الحرية والقانون؛ فليست الحرية مقدمة وشرطًا للقوانين بل هي فعل ما تسمح به القوانين. ومونتسكيو يخلّص الحرية من طبيعتها الميتافيزيقية، فهي ليست حالة نفسية أو شعورًا داخليًا أو علاقة مع الذات، وإنما هي فعل عملي وممارسة تظهر في احترام القوانين وخرقها معًا. ولهذا، لم يكن مذهبه في الحرية تأمليًا خالصًا، فعلى اعتبار أن الحرية هي «الحق في فعل ما تبيحه القوانين»، فإنها تختلف من شعب إلى شعب بحسب القوانين التي تسود المجتمعات. وعندما يربط مونتسكيو بين الحرية والقانون يَظهر منظِّرًا للدولة الليبرالية ويرى أن أساس الحرية السياسية هو الفصل بين السلطات بما يساهم في توازن القوى26 ويدعو إلى الحرية الحلوة المطابقة للعقل والإنسانية والطبيعة27 والتي ينزلها منزلة الأنوار الخاصة بكل فرد.
على أهمية هذا الربط الذي أقامه مونتسكيو بين الحرية والقانون، فإن ذلك لا ينفي أن يتحول القانون نفسه إلى نفي، أو على الأقل إلى وسيلة تقييد للحرية؛ فليس كل ما هو قانوني حقًا وعادلً، ولا تكفي القوانين وحدها لضمان الحرية. إن عدم كفاية القوانين هي التي دفعت مونتسكيو إلى التفكير في العدالة، لأن هذه الأخيرة، كما يرى، ليست رهن القوانين أو متوقفة عليها. ومن أجل التوضيح، يضرب المثال التالي: «إن القول بأن لا عدل وأن لا ظلم إلا ما تأمر أو تمنعه القوانين الوضعية هو كأن نقول إن شعاعات الدائرة لم تكن متساوية قبل أن ترسم الدائرة»28، فالعدالة أرقى من القوانين وأسبق منها. ولئن كان مونتسكيو قد اهتم بالقوانين التي تتعلق بكائنات خاصة وذكية، فإنه صاغ فكرة وجود قوانين عامة تتحكم في ظواهر الطبيعة والحياة الاجتماعية على حد سواء بوضوح ودقة لم يعهدهما القرن الثامن عشر. ولا ريب في أن مونتسكيو تخطى عصره عندما تطلع إلى تحديد القوانين التي تسوس الحياة الاجتماعية، لكنه لم يعرف مع ذلك كيف يطبِّق، على نحو منطقي متماسك، تصوّره للقوانين كعلاقات قائمة وثابتة؛ فتحْت تأثير نظرية الحق الطبيعي، السائدة في عصره، لم يضف على القانون الاجتماعي طابع العلاقة الإلزامية فحسب، بل أضفى أيضًا الطابع المعياري للحق الطبيعي29. كما أننا نلمس في فكر مونتسكيو الغموض واللبس اللذين يلفان علاقة القانون الوضعي الذي مصدره العقل البشري بالقانون الطبيعي والإلهي، العلاقة بين قانونية الطبيعة الاجتماعية وقانونية الطبيعة الفيزيائية، بين نسبية القوانين الوضعية وحتمية القوانين الطبيعية. وهو تارة ينفي كون القانون الطبيعي أصلً أو نموذجًا للقانون الوضعي وتارة أخرى يعتبره بديلً منه أو وجهه الآخر. كما أنه يبيّ أن في وسع القانون الوضعي القيام بدور القانون الطبيعي عند بعض الشعوب30. عندما يربط مونتسكيو القانون الوضعي بالعقل البشري، فإنه لا يفسح المجال أمام ما هو معجز، كما إنه يرفض القول بضرورة الكلية العمياء التي تشتغل وفق منطقها الخاص في تعاليها على ما بشري، ويسعى إلى بيان حدود الفعل البشري لأن «هناك عظمة القانون وعجز المشرعين»31، فالمشرعون أناس محدودون وضعتهم الصدفة على رؤوس الآخرين.
القوانين الوضعية
يظهر أن مونتسكيو يميّز بين أنواع عدة من القوانين: قوانين الطبيعة، والقوانين الوضعية، والقوانين الدينية، على اعتبار أن يُفهم القانون الوضعي في ارتباطه بالقانون الأزلي؛ القانون الطبيعي أو القانون الموحى به. القانون بصورة عامة هو العقل الإنساني من حيث إنه يحكم جميع شعوب الأرض، ويجب أن ألا تكون القوانين السياسية والمدنية الخاصة بكل أمة سوى حالات خاصة يُطبَّق فيها العقل الإنساني32. فالقانون من حيث هو كذلك شريعة للعقل يصنعها حاكم المجتمع، ويصدرها ويطبقها من أجل الخير
العام، ومصدر القانون النهائي هو عقل الله33. ويكوّن مونتسكيو فكرة سامية عن القانون، «فالقانون هو - أو ما يجب أن يكون - تجسيدًا للعقل»، وتعود هذه الفكرة إلى التصور الأفلاطوني الذي يعتبر أن القوانين صُنعت لتبليغ أوامر العقل إلى أولئك الذين لا يستطيعون تلقيها مباشرة. يوضح الفيلسوف المسيحي ألكسندرو ستوردزا ()A. Sturdza (1854-1791) أن مونتسكيو قدّم تصورًا تراتبيًا يشير إلى وجود مستويات مختلفة من القوانين تنسجم مع مستويات الواقع الإنساني في كليته34، فنجد قوانين الطبيعة وقوانين العقل وقوانين الأخلاق وقوانين الدِّين والقوانين السياسية والمدنية. غير أن ما يميز هذا التصور التراتبي هو أن مونتسكيو لا ينظر في الأصل الإلهي للقوانين لأنه لم يكن من رجال اللاهوت، بل كان كاتبًا سياسيًا. يصرح مونتسكيو، بوضوح تام، محددًّا موضوع أبحاثه من تفكيره في القوانين، بالقول: «إنني لا أعالج القوانين بشكل مطلق، بل روح القوانين... تكمن هذه الروح في الروابط المختلفة التي يمكن أن تكون للقوانين مع الأشياء المختلفة»35؛ فثمة عوامل متعددة تحدد الإنسان، ومنها تتكون روح عامة، كالعوامل الطبيعية (الأرض والمناخ والإقليم)، والعوامل الاجتماعية والتاريخية (الأديان والآداب والتاريخ والنمط الاقتصادي والنظام السياسي). وتشكل هذه العوامل، مرتبطة بعضها ببعض، كلًّ اجتماعيًا كاملً. بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك للقول إن نظرية الأسباب العامة التي صاغها مونتسكيو هي بمنزلة تاريخ فلسفي للإنسان36. عندما يشرح مونتسكيو طبيعة البنى والممارسات الاجتماعية ضمن ما أسماه الأسباب الفيزيائية والأخلاقية، فإنه يعتبر الأولى مستقلة عن الفعل الإنساني ومؤثرة فيه، وتشتمل على الحجم والموقع وطبيعة الأرض ونوعية التراب والموارد الاقتصادية، وقبل كل شيء المناخ، في حين تشير الأسباب الأخلاقية إلى الأفعال والمؤسسات الإنسانية. وبفضل تفاعل نوعي الأسباب، كما يعتقد بيخو باريخ، يستطيع كل مجتمع تطوير «عبقرية» أو روح قومية متميزة قادرة على ممارسة تأثير مستقل على مؤسساته وممارساته الاجتماعية، ودمجها في كلٍّ منطقي37. يلمّح مونتسكيو في الوقت نفسه، وانطلاقًا من الوقائع والتجارب، إلى أن هذه العوامل ربما لا تؤدي بالضرورة إلى أي قاعدة قانونية محددة. وتكمن أهمية هذه العوامل في إضفاء طابع وضعي ونسبي على القوانين؛ فإذا كانت قوانين الطبيعة والقوانين الإلهية تتميز بالثبات والوحدة والاستمرارية، فإن القوانين الوضعية التي يشرّعها العقل البشري تتميز بالقابلية للتغير والتعدد والنسبية، وبالتالي يجب أن «تكون هذه القوانين الوضعية خاصة بطبيعة البلد، خاصة بالإقليم البارد أو الحار أو المعتدل، وبطبيعة الأرض
وموقعها واتساعها وبجنس حياة الأمم»38. ذلك أن البشر، بحسب مونتسكيو، يتأثرون بعلل وعوامل متنوعة (المناخ والدِّين والقوانين ومبادئ الحكم وبالأخلاق والعادات) تتشكل منها روح عامة الأمم. واللافت للانتباه أن العوامل الطبيعية والفيزيائية تحتل الصدارة في تحديد قوانين الأمم. وكما يرى بعض النقاد، فإن الأفكار التي طرحها مونتسكيو بشأن تأثير هذه العوامل، وعلى الرغم من سذاجتها، كانت بحد ذاتها متقدمة في عصره، لا مقارنة بالرؤية اللاهوتية للعالم فحسب، بل أيضًا بالتصورات العقلانية التي قامت من قبْل باستنباط الوجود الاجتماعي من خصائص الإنسان الطبيعية39. والسؤالان اللذان يفرضان نفسيهما بقوة هما: كيف كانت حال الناس قبل أن تكون هناك قوانين بشرية؟ ولماذا تنشأ القوانين؟ يثير هذان السؤالان أوجه العلاقة بين مونتسكيو وفلاسفة العقد الاجتماعي من جهة، وعلاقته بفلاسفة الأنوار من جهة ثانية، كما يثيران إشكالية العلاقة بين الحق الطبيعي والحق الوضعي. إن ما يوحِّد فلاسفة العقد الاجتماعي، من أمثال توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو، هو طرحهم مسألة أصل المجتمع، أي البحث في كيفية الانتقال من العدم الاجتماعي إلى أشكال وعلاقات اجتماعية منظَّمة، أو الانتقال من حالة الطبيعة إلى حالة المدنية، أو بلغة روسو الانتقال من حق القوة إلى قوة الحق، من حالة كان يسلك فيها الإنسان طبقًا لطبيعته وغرائزه وقوته الجسدية إلى حالة أصبح يستشير فيها عقله قبل أن يصغي إلى ميوله. ويُرجع هؤلاء هذا الانتقال إلى العقد الاجتماعي بالنظر إليه كنظام قانوني وسياسي واجتماعي وأخلاقي يعبّ عن الإرادة العامة، إذ هو ما يُؤمّن هذا العبور من انعدام المجتمع إلى المجتمع الحالي. ويُستشف من نظريات العقد الاجتماعي أن الإنسان لم يكن اجتماعيًا وإنما صار كذلك، وتُعَدّ القوانين التي وضعها الناس واتفقوا عليها أهم مظهر دال على طبيعتهم الاجتماعية. كما يُفهم أن المجتمع كيان اصطناعي لم ينتج من تأثير إلهي أو طبيعي. يختلف مونتسكيو عن فلاسفة العقد الاجتماعي بأنه لم يكن منشغلً بالبحث في أصل المجتمع بقدر ما كان مهتمً بالمجتمعات الفعلية، والأهم من ذلك، كما يوضح ألتوسير، غياب فكرة العقد الاجتماعي في كتابات مونتسكيو40 لتحل محلها غريزة الألفة والاجتماع؛ فالابن وُلد بقرب أبيه ويبقى بقربه، وللتعبير عن المجتمع يكفي وجود رجل وابنه. ولم يتضمن كتاب روح الشرائع أي شيء عن العقد الاجتماعي، لأن العقد مفهوم نظري، وأنموذج فقط، ونادرًا ما يلتقي بالتاريخي الواقعي41. وانسجامًا مع هذا التصور، كما ترى جاكلين روس، فإن مونتسكيو يؤيد فصل الحق الطبيعي عن الحق الإلهي، كما أن الحق الطبيعي لا يكتفي بذاته ويفترض العودة إلى العقل الإنساني؛ فهو يخلص الحق والقانون من كل تعال لأنهما يتجذران في العقل42. ويمكن إجمال الاختلاف بين مونتسكيو وفلاسفة العقد الاجتماعي بالاختلاف بين أطروحتين: أطروحة «الليبرالية بلا ديمقراطية» و«أطروحة الديمقراطية بلا ليبرالية.»
ينطلق مونتسكيو في استدلاله بشأن نشأة القوانين من حالة قلمّا كان يميَّز فيها البشر من باقي الحيوانات، فقد كان ينقصهم العقل واللغة، وكانت تتحكم فيهم الغرائز والحاجات الفيزيائية التي قادتهم إلى الحفاظ على أنفسهم بطريقة فردية، ثم الارتباط بعضهم ببعض، إلى أن امتلكوا بصورة واعية الرغبةَ في أن يبقوا في المجتمع. غير أن المجتمع لا يسلم من صراع الإرادات وتناقض المصالح اللذين يقودان إلى الحرب، وهنا ينشأ القانون وسيلةً لإخماد الحرب، سواء داخل المجتمع نفسه أو بين مجتمع وآخر. تبعًا لذلك، يميز مونتسكيو بين صنفين من القوانين الوضعية: يشمل الصنف الأول «حقوق الأمم» التي تنتظم وفقها لها العلاقاتُ بين الأمم والدول والمجتمعات وتستند إليها العلاقات الدولية. ويشمل الصنف الثانيالحقوق السياسية والحقوق المدنية، حيث إن الحقوق السياسية تنظم العلاقات بين أفراد المجتمع والحكام، وتنظم الحقوق المدنية علاقات الأفراد في ما بينهم. ويمثّل التمييز في القوانين الوضعية بين حقوق الأمم والحقوق السياسية والحقوق المدنية سندًا للتمييز بين القانون الدولي والقانون العام والقانون الخاص. وتجري السيطرة على الناس بأنواع مختلفة من القوانين، كالقوانين الطبيعية، والقوانين الإلهية التي هي حقوق الدِّين، والقوانين الكنسية التي هي ضابطة الحقوق الدينية والقوانين السياسية والقوانين المدنية والقوانين المنزلية وقوانين الأمم43. ويسند مونتسكيو إلى العقل البشري مهمة معرفة القوانين التي يجب أن يُقضى بموجبها كل مرة.
الدِّين وقوانينه
إلى جانب القوانين الوضعية، وفي موازاتها، توجد في المجتمعات قوانين أخرى تعمل على قيادة الناس وتوجيه سلوكاتهم، وهي القوانين الدينية؛ فكما يقرر مونتسكيو، فإن «الدِّين يخاطب القلب، والقانون يخاطب العقل»، وعلى القوانين التي توضع لمخاطبة العقل أن تنعم بقواعد لا بنصائح مطلقًا، وعلى الدِّين الذي يشرّع لمخاطبة القلب أن ينعم بكثير من النصائح وبقليل من القواعد44. ويراهن مونتسكيو كثيرًا على التكامل بين الدِّين والقوانين المدنية أو الوضعية من أجل ضمان السلم؛ فالدِّين والقانون يهدفان إلى جعل المواطنين صالحين مبدئيًا، وكلما قلَّ ردع الدِّين وجب على القوانين المدنية أن تزداد زجرًا، وعدم الانسجام بين الدِّين والقوانين المدنية يشكل خطرًا؛ فمن جهة يدعو مونتسكيو إلى الجمع بين مصالح الدِّين ومصالح الساسة، ويدعو من جهة ثانية إلى التوافق بين قوانين الدِّين وقوانين الأخلاق، ذلك لأن التكامل بين الدِّين والقوانين المدنية لا يعني التماهي والتطابق بينهما، بل يعني التكامل في الوظيفة، مع تمايز بينهما. وتستلزم مثل هذه العلاقة أن «لا يُقضى بالقوانين الإلهية في ما يجب أن يقضُى فيه بالقوانين البشرية، ولا أن يُنظم بالقوانين البشرية ما يجب أن يُنظم بالقوانين الإلهية»45. يقرر مونتسكيو أن القوانين البشرية تختلف، من حيث أصلها وطبيعتها وموضوعها، عن القوانين الإلهية. وتشكّل القابلية للتغير خاصية مميزة للقوانين البشرية، بينما تقوم طبيعة قوانين الدِّين على عدم التغير، وتقضي القوانين البشرية بالحسن (الذي له وجوه متعددة) ويقضي الدِّين بالأحسن (الذي له وجه واحد). وتبعًا لذلك، فإن القوانين الدينية أكثر
سموًّا والقوانين المدنية أكثر اتساعًا46. وفي حال كانت لقوانين الدِّين طبيعة القوانين البشرية نفسها، لا تعود قوانين الدِّين شيئًا مذكورًا، فمن الضروري للمجتمع على وجه الخصوص أن ينطوي على شيء ثابت، والدِّين هو هذا الشيء الثابت47. وتنشأ قوة الدِّين من الإيمان به، وتنشأ قوة القوانين البشرية من كونها تُشى. وفي سياق هذه المقارنة، وانطلاقًا من تجربته الحضارية، وانسجامًا مع روح عصره، ينتهي مونتسكيو إلى أن الدِّين تلائمه القرون القديمة وتلائم القوانين البشرية الأزمنة الحديثة. وهكذا، ينبغي ألا تُتخذ الأفكار التي تنشأ عن الدِّين مباشرة مبدأ للقوانين المدنية مهما يكن مقدار الاحترام الذي تحظى به. وتترتب عن هذه المقارنة قضايا عملية عدة: فمثلً، ينبغي عدم تنظيم المحاكم البشرية بمبادئ المحاكم التي تنظر في أمور الحياة الأخرى48. ويمتد ذلك إلى عدم جواز القضاء بالحقوق المدنية عندما يتوجب القضاء بالحقوق السياسية49. كما ينبغي ألا يُنظم بالحقوق الطبيعية ما يتعلق بالحقوق المدنية من أمور50، وينبغي ألا يُقضى بالقوانين المدنية في أمور يجب أن يُقضى فيها بالقوانين المنزلية51، وأخيرًا ينبغي ألا يُقضى بمبادئ القوانين المدنية في أمور خاصة بحقوق الأمم52. هذه الاشتراطات تهدف بمجملها إلى تحديد مجال تدخّل الدِّين، أو التمييز بين المجال الديني والمجال الدنيوي، أو الفصل بين السلطة الدينية والسلطة الزمنية. ولعل هذا هو أهم رهان ناضل من أجله فلاسفة الأنوار أجمعين. خصص مونتسكيو الجزء الخامس من كتابهروح الشرائعلمعالجة الدِّين بوصفه أحد العناصر المُشكّلة لروح القوانين، كما عالجه ضمنيًا في كتابه رسائل فارسية الذي هو في الأصل مقدمة لكتابه الأول. وبمنتهى الوضوح المنهجي، يحدد مونتسكيو الغاية من البحث في الأديان قائلً: «لا أبحث، إذن، في مختلف أديان العالم إلا من حيث الخير الذي يُستخلص منها في الأحوال المدنية، سواء عليّ تكلمت عن الدِّين الذي يكون أصله من السماء أم تكلمت عن الأديان التي يكون أصلها في الأرض»53. ولتحقيق هذه الغاية، سيقارب مونتسكيو الدِّين من منطلق الكاتب السياسي والمفكر الوضعي لا من منطلق العالِاللاهوتي. ويتساءل مونتسكيو: هل من الأفضل ألا يكون للشعب د ين من أن يُساء استعمال الدِّين له؟ وما هو الأقل ضررًا: إساءة استعمال الدِّين أحيانًا أم عدم وجود د ين بين الناس مطلقًا؟ وما هو الأخطر: عدم تديّن الإنسان بدِين أم تديّنه بدِين رديء؟ هذه الأسئلة تحمل في مجملها شحنة استنكارية موجَّهة إلى آراء مسيو بيل54الذي كان يزعم أن لا حاجة إلى الدِّين، ومن الأفضل أن يكون الإنسان زنديقًا من أن يكون وثنيًا، وأن عدم تديّن الإنسان أقل خطرًا من تديّنه بدِين رديء. بالنسبة إلى مونتسكيو، ليس الأمر أن يُعرف هل الأفضل ألا يكون للإنسان أو للشعب دِين من أن يُساء استعمال الدِّين الذي له، بل أن يُعرف ما هو أقل ضررًا: هل إساءة استعمال الدِّين أحيانًا أم عدم وجود د ين بين الناس مطلقًا. ويسوق هذا المثال
لتأكيد الحاجة إلى الدِّين ودوره في توجيه الفعل السياسي للحاكم: «ويُعَدّ الأمير الذي يُب الدِّين ويخشاه كالأسد الذي يذعن لليد التي تلاطفه أو الصوت الذي يسكنه، ويُعَدّ الأمير الذي يخاف الدِّين ويمقته كالوحوش تفرض القيد الرادع لها من الانقضاض على المارين، ويُعَدّ الامير الذي لا د ين له كالحيوان الهائل الذي لا يشعر بحريته إلا إذا مزق وافترس»55. يراهن مونتسكيو على الدِّين الذي يؤدي أدوارًا متعددة اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا، ويساهم في إشاعة الأمن والاستقرار، كما ينتقد الدِّين عندما يتحول إلى عامل قهر وسند للاستبداد والطغيان. قدّم مونتسكيو في موضوع الدِّين معالجة شمولية تلقي الضوء على أبعاده الروحية والعقائدية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. وتقوم هذه المعالجة على تقديم الأمثلة التاريخية، واستعراض النماذج الواقعية، بما يسمح له باستخلاص القوانين العامة؛ ففي كتابه روح الشرائع، عالج أصل الدِّين، وحدّد دوافع الناس للتديّن، ورصد الاختلافات بين المذاهب والعقائد الدينية، وتناول قضايا حياتية في غاية الدقة كالزواج وتعدد الزوجات والطلاق والخيانة الزوجية والقوامة والإرث ووضعية المرأة في المجتمع وزواج المحارم والتربية. وكثيرة هي القضايا التي عالجها في كتابهأفكار، الذي هو عبارة عن مجموعة من التأملات الشخصية، وخاصة تلك التي تخص علاقات الدِّين بالسياسة وبأنظمة الحكم وأنماط الحياة الاجتماعية، وتعالج القوانين الإلهية وطبيعة الإله، وتنتقد اللاهوت والصراعات الدينية واللاتسامح والتعصب. ويتخذ في أغلبه شكل شذرات تبحث في المعجزات والأفعال المنسوبة إلى التدخل الإلهي وأصل المعتقدات وأمراض الأديان56، ويجعل من الوثنية مختبرًا لفحص ميكانيزمات الظاهرة الدينية، وكأنه يبرهن بالخلف على الحاجة الماسة إلى الدِّين. ويعتبر مونتسكيو أن الوثنية هي دين الأمم الغليظة، وأن الدِّين الذي يتخذ الكائن الروحي موضوعًا له هو دِين الأمم المنورة57. ومما ينبغي الإشارة إليه هو أن حجاج مونتسكيو بشأن الحاجة إلى الدِّين لا تنبع من تديّنه أو إيمانه بل من تصوره الوظيفي للدِّين في المجالين الاجتماعي والسياسي؛ فالدِّين -في نظره- واجهة جميلة كما هي في الرسائل الفارسية، ورادع اجتماعي في آن معًا. ومونتسكيو المناوئ للإكليروس وغير المتديّن، يبرئ نفسه من أن يكون ملحدًا، وهو يعتقد بفائدة الدِّين من حيث هو وازع قمع58. كما يخلص فولغين إلى أن ملاحظات مونتسكيو المتعلقة بالدِّين هي ذات طبيعة خاصة؛ فالدِّين بحد ذاته لا يثير اهتمامه على الإطلاق، وهو لا ينظر إليه إلا بوصفه عاملًاجتماعيًا، مفيدًا أو مضرًا، أسوة بالسياسة أو التجارة59. ولهذا يعلن مونتسكيو أن تأثير الدِّين في السلوك والعادات مسألة أكثر أهمية في نظره من معرفة ما إذا كان الدِّين قويمً أم لا. كما أوضح بول هازار ()P. Hazard أن مونتسكيو لا يفحص ديانات العالم المختلفة إلا من حيث علاقتها بالخير الذي يُستخلص منها في الدولة المدنية، سواء أكان يتحدث عن الديانة التي أصلها من السماء أم يتحدث عن الديانات التي أصلها من الأرض60. وإذا كان موقف مونتسكيو من
الدِّين ينسجم مع التصور العام للتنوير الفرنسي، الذي كان يستند إلى العقل ويعمل على تحييد الدِّين من الحياة العامة والإقلال من شأن المعتقد الديني والمؤسسات الدينية، فإن ذلك لم يمنعه من العمل على رصد تأثير الدِّين في تشريع القوانين وفي تحديد طبيعة الأنظمة السياسية. نعيد القول إن مونتسكيو لا يهتم بالدِّين في بُعده العقائدي والشعائري، وإنما يركز على بُعده الوظيفي؛ فصحة العقيدة أو بطلانها ليسا مدار الحكم على الدِّين، لأنه ربما يكون لأصح العقائد وأطهرها أسوأ النتائج إذا لم ترتبط بمبادئ المجتمع، كما ربما يكون لأفسد العقائد أروع النتائج إذا ارتبطت بمبادئ المجتمع، فلا يكفي أن يقيم الدِّين عقيدة، بل يجب أن يوجّهها حتى لا تنحرف أو حتى لا تقود إلى الانحراف؛ فسوء تلقّي عقيدة خلود الروح في بعض الديانات قاد إلى نتائج فظيعة، ودفع إلى قتل النساء والعبيد والرعايا لكي يكونوا خدمًا في العالم الآخر. ويحرص مونتسكيو كل الحرص على الوعي بخصوصية كل دِين وفهمه في بُعده الموضوعي المرتبط بالواقع الاجتماعي وشروطه التاريخية، مؤكدًا في الوقت ذاته أن أديان العالم لا تقدم إلى من يمارسونها عوامل متساوية في التمسك بها، وإنما يتوقف هذا كثيرًا على وجه مواقفتها لطراز تفكير الناس وشعورهم61. ويرى أن الدِّين بقوانينه ينهض بوظيفة إصلاح مضار النظام السياسي ويدعم الدولة السياسية عندما تكون قوانينها عاجزة، ومن ذلك أن «الدِّين يقوم بالشيء الكثير إذا ما هزت الدولةَ حروب أهلية»62؛ فالدِّين يساهم في حفظ النظام وإشاعة الأمن. ويضرب مونتسكيو مثالً لذلك بالأشهر الحرُم «في كل أربعة أشهر من كل سنة ينقطع كل نزاع بين قبائل العرب، فيُعَدّ من الإلحاد أقل إخلال بذلك»63. وفي حالات أخرى يكون لقوانين الدِّين نتائج القوانين المدنية نفسها. بغضّ النظر عن العقائد، أكانت صالحة أم فاسدة، وعن الشعائر، أكانت كثيرة أم قليلة، فإن مونتسكيو يعتبر الدِّين الأساس الضروري للحياة الاجتماعية؛ إذ إنه يدعم الأخلاق، وينمّي الفضيلة، وينظم الأهواء، ويوفر البواعث للعمل المنزَّه عن المصلحة. ونظرًا إلى أن قيمة الدِّين عملية بكلّيتها تقريبّا، يجب أن يخلو الدِّين من العناصر الغامضة والخرافية، وعليه تجنّب الدوغمائية الإيمانية، كما يجب ألا يكون تأمليًا خالصًا أو منغمسًا في الشأن السياسي لا مرهِقًا لأتباعه بكثرة التكاليف. وقد شكّلت هذه السمات عند مونتسكيو معايير للمقارنة بين الأديان، وحتى للمفاضلة بينها، فهو لم يكن مهتمًّ بالتفسير فحسب، بل أيضًا بتقييم جملة المعتقدات والممارسات السائدة في هذا المجتمع أو ذاك، ولذلك أدرك الحاجة الملحة إلى إيجاد معايير كونية شاملة64. ويتجلى بعض هذه المعايير في الأمان والحرية والأسرة المستقرة والعلاقات الصحية بين الجنسين، وضبط النفس، وتخفيف حدة الأهواء، وشيوع العقلانية والشك وروح المنافسة، وتجنّب الدوغمائية والتزمّت والتعصب. ويهدف هذا الإطار المعياري إلى تدجين الدِّين عقليًا، وتسخيره لخدمة المجتمع، وضمان توافقه مع القوانين المدنية وتكامله معها. وفي ضوء هذه المعايير، قارَن بين الأديان وبين أنماط الحياة التي تسود في المجتمعات.
يمكن أن نورد هنا، على سبيل المثال، نموذجًا للمقارنة التي عقدها مونتسكيو بين المسيحية والإسلام: فالأخير، بحسب رأيه، لا يحقق معظم هذه المعايير التي تصورها، بينما تحققها المسيحية التي يعتبرها الدِّين الحق الوحيد؛ إذ يرى أن الدِّين النصراني بعيد عن الاستبداد المحض65 في حين أن الإسلام لا يتكلم بغير السيف، ويؤثر في الناس بروح الهدم الذي أقامته66، وأن الحكومة المعتدلة أكثر ملاءمة للنصرانية والحكومة المستبدة أكثر ملاءمة للإسلام67. وعندما يقارن مونتسكيو بين المجتمعات الأوروبية، ذلك الجزء الجميل من العالم، وغير الأوروبية، الشرقية منها على وجه الخصوص، يلُاحظ تضادًا حادًا وتشوهات عدة عميقة في تحليلاته؛ فأوروبا ابتدعت الحرية وأبدعت فيها، بينما لم تعرف بقية العالم سوى الاستبداد والعبودية والخنوع. وقد بالغ مونتسكيو إلى أقصى الحدود عندما أطلق بعض التعميمات السخيفة، مثل قوله «قلمّا يضحك مخلوق في تركيا» و«لا يتمتع الشرقيون بروح الدعابة» و«لا وجود للصداقة في تركيا وبلاد فارس»، والدِّين في المجتمعات الإسلامية «فزع مضاف إلى فزع» و«شعوب الشمال أشجع من شعوب الجنوب»، و«الشرقيون كسالى فكريًا»، فالصورة العامة التي يُشكلها هي أن الشرق المسلم عالم غرائبي تسكنه الكائنات الشريرة وتنعدم فيه الفضائل الإنسانية وتسوده روح الهدم. ولا يفصل مونتسكيو تنوع الشرائع والعقائد والأديان عن تنوع العوامل الجغرافية واختلاف طباع الناس، فكلما عملت هذه الأخيرة على تحديد طبيعة الأنظمة السياسية وأشكال الحكم، عملت كذلك على التأثير في الأديان وشرائعها، بحيث ينبغي لكل د ين أن يتلاءم مع مناخ البلد الذي ينتشر فيه، وأي دِين لا يتلاءم مع مناخ بلد من البلدان لن يعرف رواجًا طويل الأمد فيه68. فعلى الدِّين أن يتكيّف مع واقعه وأن ينظر إلى حاجات الناس أكثر مما ينظر إلى عظمة الكائن الذي يُعظمه؛ فالأحكام والشرائع الدينية التي تنظم حياة الناس لا تنفصل عن أحوالهم ونمط عيشهم، حيث إن الأديان كلها تُوجد قوانين محلية، من ذلك أن مذهب التناسخ الذي يحرّم ذبح الأبقار وأكلها ينسجم مع إقليم الهند الذي يتَميز بارتفاع الحرارة وكثرة الأمراض التي كانت تمنع الأبقار من التكاثر. وهذا القانون المحلي الذي يُرم ذلك لا يكون صالحًا لبلدان أخرى. ومما يسترعي الانتباه أن الإطار التفسيري الذي قدمه مونتسكيو-خاصة في ما يتعلق بالعقائد والشرائع الدينية- يشدد على دور الأسباب الفيزيائية، خصوصًا المناخ، في فهم المجتمعات غير الأوروبية، في حين تقدم العوامل التاريخية مفاتيح فهم مثيلاتها الأوروبية69. فعلى الرغم من حرص مونتسكيو على فهم كل مجتمع ضمن معاييره الخاصة، ومحاولة إيجاد نظرية سياسية وأخلاقية تستند إلى رؤية تعددية وتطوير هذه النظرية، فإن نجاحه يبقى محدودًا، ويرجع ذلك، بحسب بيخو باريخ، إلى عاملين وثيقي الصلة أحدهما بالآخر: مركزيته الأوروبية واعتقاده الأحادي بأن رؤيته المفضّ لة للحياة الكريمة هي الرؤية الأمثل والوحيدة التي يمكن اعتبارها إنسانية حقًا70، وهي رؤية متأثرة بالدِّين المسيحي. لقد أفسد هذان العاملان رؤيته الفلسفية المنفتحة ومنعاه من إدراك قيمة التنوع الأخلاقي والثقافي، كما أنهما شوّشا على دعوته إلى التسامح الديني.