فرانسواز داستور فلسفة هايدغر
“Heidegger’s Philosophy” by Françoise Dastur
الملخّص
كان هايدغر -قبل أيام من وفاته- قد اختار العبارة التالية شاهدًا مميزًا لمجموع مؤلفاته: «مسارات وليس مؤلفات ». وكان يود بذلك أن يشير لقرائه في المستقبل إلى أن فكره لا يمكن اختزاله إلى مجموعة قضايا وطروحات، وإلى أن هذا الفكر، في بُعده المسائل والمتسائل، يظل محافظًا على سمة كونه مسارات لا تقود إلى أي مكان آخر.
Abstract
A few days before his death, Heidegger chose the following expression as the best testimony to all his works: "Avenues, not compositions." By this he wanted to indicate to his future readers that his thought could not be reduced to a series of questions or propositions, and that this thought, in its interrogative aspect, retains the nature of avenues that do not lead to another place.
- هايدغر
- الكينونة
- أنطولوجيا
- الزمان
- الاحتجاب
- Heidegger
- Being
- Time
- Dasein,
- Avenues
ترجمة: محمد سبيلا *
كان هايدغر -قبل أيام من وفاته- قد اختار العبارة التالية شاهدًا مميزًا لمجموع مؤلفاته: «مسارات - وليس مؤلفات». وكان يود بذلك أن يشير لقرائه في المستقبل إلى أن فكره لا يمكن اختزاله إلى مجموعة قضايا وطروحات، وإلى أن هذا الفكر، في بُعده المسائل والمتسائل، يظل محافظًا على سمة كونه مسارات لا تقود إلى أي مكان آخر. ومع ذلك، فإن بإمكاننا أن نميز في المسار الفكري الهايدغري الذي يمتد من الدراسة التي صدرت سنة 1914 إلى غاية ندوة زاهرينغن الجامعية سنة 1973، علامات عدة مميزة، لأنه لا يمكن أن يكون هناك طريق أو مسار إلا إذا كان الفكر يصر، عبر هذا المسار كله، على أن يتوجه -على الرغم من كل الانعطافات- نحو المسألة نفسها والسؤال نفسه. لقد أكد هايدغر دومًا أن سؤال (أو مسألة) الكينونة ظل هو الانشغال الوحيد لفكره. لكنه تحدث كذلك، ابتداء من سنة 1930، عن «الانعطاف» الذي شهده فكره، وعن اضطراره، وهو يعيد التفكير في المسألة الموجهة للفلسفة ويعيد تعميقها، إلى وضع نفسه خارج ما كان الغرب يسمّيه فلسفة. فهذا الانعطاف الذي قاده من التعمق في الميتافيزيقا التقليدية إلى مجاوزة الميتافيزيقا عامة، هو التحول الذي اتُّذ كمحور مرجعي متميز في هذه الدراسة.
مسألة الكينونة
عندما يحاول هايدغر أن يحدد النقطة التي انطلق منها في مساره الفكري، فإنه يسرد دومًا الجملة التي أوردها أرسطو في كتاب الميتافيزيقا، وهي بالإغريقية to on légétail pollakòs، أي: «الكينونة تقال بكيفيات متعددة»، وهي الجملة التي وضعها فرانز برنتانو في مطلع دراسة له سنة 1862، تحت عنوان «في الدلالة الثلاثية المتعددة للكينونة لدى أرسطو». كان هذا الكتاب الذي تلقاه هايدغر من كونراد كروبر في سنة 1907، أول قراءاته الفلسفية. وقد وجهته هذه القراءة نحو مسألة المعنىالموحَّد للكينونة، وهي المسألة التي يمكن أن تكون المصدر المشترك بين الدلالات الأربع للكينونة التي يميز أرسطو بينها: - الكينونة في ذاتها وبذاتها؛
- الكينونة بالعرض؛ - الكينونة بالقوة والكينونة بالفعل؛ - الكينونة من حيث هي حقيقة والكينونة بحسب خطاطة المقولات. لكن في حين أن برنتانو كان يُرجع الدلالات الثلاث الأخرى للكينونة إلى الدلالة المقولية، فإن هايدغر، من حيث أنه كان يبحث عن حل للمشكلة التي طرحها برنتانو في الفينومينولوجيا التي طورها تلميذه هوسرل، هو الذي أعطى أهمية حاسمة للكينونة من حيث هي معطى حقيقي.
الفينومينولوجيا والأنطولوجيا
التي طرحها هوسرل والمساءلة الأنطولوجية التي طرحها ما هي العلاقة بين الإشكالية الفينومينولوجية هايدغر؟ إذا كان هايدغر في شبابه «مفتونًا» ب«أبحاث منطقية»، فإنه على العكس من ذلك كان من الذين رفضوا مسايرة هوسرل في «منعطفه الترنسندنتالي». لا يتعلق الأمر هنا بالفينومينولوجيا من حيث هي علم الذاتية المجاوزة لذاتها التي يعلن هايدغر الانتساب إليها، بل يتعلق بهذا العلم بالظواهر الذي يرفع شعار: «العودة إلى الأشياء ذاتها». يذكر هايدغر أن من بين أكبر مكتشفات الفينومينولوجيا – إلى جانب القصدية وكنتيجة مشتقة عنها- فكرة الحدس المقولي التي يتحدث عنها كتاب أبحاث منطقية في قسمه السادس، وهو النص الذي لم يقبل هوسرل إعادة نشره سنة 1913 إلا بطلب ملحّ من هايدغر. ونظرية الحدس المقولي هي، بكل جلاء، نظرية موجَّهة ضد التمييز الكانطي بين الحدس والفكر؛ ففي حين كان كانط يرى أن الحدس لا يمكن أن يكون إلا حسيًا، كان هوسرل يرى أن المقولة معطى تجريبي وليست فقط مجرد بنية من بنى الفكر. ليست المقولات إذن مشتقة من الأحكام، كما كان يقول كانط، بل هي بنى للظواهر ذاتها. وهذا يسري أيضًا على الكينونة التي لم يعد هوسرل يطابق بينها وبين الرابط (est) الوارد في فعل الحكم، كما دأب على ذلك التقليد الفلسفي، بل كان يرى فيها (أي الكينونة) أيضًا معطى من معطيات الرؤية. إن الرابط المتمثّل في كلمة هو (est) الصغيرة، هو علامة لا تكتسب «حقيقة» إلا عندما تمتلئ برؤية مقولية فعلية، وذلك لأن الحقيقة - بالمعنى الفينومينولوجي- لا تتطلب فقط عدم تناقض الحكم، بل تفرض أيضًا التماهي بين ما هو مقصود شعوريًا وما هو محدوس حسيًا. وبذلك يهز هوسرل أركان التعريف التقليدي للحكم، الذي يجعل هذا الأخير موطن الحقيقة، كما يعود إلى مفهوم أوسع للحقيقة، وهو المفهوم الذي يعثر هايدغر على نموذج له لدى أرسطو. ذلك أننا نجد لدى هذا الأخير فكرة عن الحقيقة لا من حيث أنها كيان منطقي فقط، بل من حيث أنها كيان وجودي (أنطولوجي) أيضًا: هناك حقيقة في الأشياء ذاتها، وهي الحقيقة التي يهدف الحكم إلى الكشف عنها، لكنه (أي الحكم) لا يضيف إليها شيئًا آخر. هذا التماهي إذن بين الكينونة (أو الوجود) والحقيقة هو الذي يكشف عنه هايدغر من خلال قراءته ل الأبحاث المنطقية، باعتبار أنه ما يشكل «الشيء ذاته» الذي تسعى الفينومينولوجيا للعودة إليه. والحال أن هذا التوجه قاد هايدغر إلى تبنّي تصور عن الظاهرة لا يتطابق تمامًا مع مفهوم الظاهرة عند هوسرل؛ إذ إن الأمر لا يتعلق، بالنسبة إلى هايدغر، بالعودة إلى «المعيش» وبربط الظاهرة
بالشعور الذي يشكِّلها ويبنيها، بل يتعلق -على العكس من ذلك- بالنظر إلى الظاهرة من حيث أنها بُعد للأشياء ذاتها وليست بُعدًا من أبعاد الذاتية، وهذا هو ما جعل هايدغر يرى في الانعطاف الترنسندنتالي لهوسرل نوعًا من التخلي عن البُعد الأنطولوجي للفينومينولوجيا ووقوعًا في سياق تذويت الكينونة الذي يسم الفلسفة الحديثة. ومع ذلك، لم يتوقف هايدغر عن إعلان الانتساب إلى الفينومينولوجيا؛ فقد نشر كتابه الأساسي الكينونة والزمنسنة 1927 في مجلة الاتجاه الفينومينولوجي حوليات الفلسفة والبحث الفينومينولوجي، بل إن كتابه ذاته مهدى إلى هوسرل؛ ذلك أنه إذا كان بحث هايدغر أنطولوجيًا، فإن منهجه ظل فينومينولوجيًا كما يؤكد هو نفسه في الفقرة السابعة من مقدمة الكتاب. إن الفينومينولوجيا هي فعلً، بالنسبة إلى هايدغر، أفهوم منهجي، أي أفهوم لا يحدد موضوع البحث بل نمط وكيفية دراسته فقط، وهو ما يعبّ عنه الشعار الهوسرلي، شعار العودة إلى الأشياء ذاتها. انطلاقًا من ذلك فقط، يتعيّ علينا أن نفهم ما يعنيه لفظ الفينومينولوجيا المكوّن من الكلمتين الإغريقيتين: phainomenon و Logos. ما هي الظاهرة؟ إنها ما يُظهر نفسه بذاته، أي إنها ما يَظهر أو إنها الظاهر. لكن الظاهر ليس دومًا الظهور الذاتي للشيء نفسه؛ فالشيء يمكن -على العكس من ذلك- أن يختفي في فعل الظهور نفسه: إنه ظاهرة الظهور. كما يمكن للشيء أيضًا ألا يقدم نفسه أبدًا إلا عبر أو بواسطة علامات أو أعراض تعلنه، كما هو الأمر بالنسبة إلى المرض، وهنا يكون معنى الظهور عدم إظهار الشيء ذاته. وهذا ما جعل هايدغر يميز.) Erscheinung من فعل الظهور () Phänomen الظاهرة (كان كانط، على سبيل المثال، يرى أن فعل الظهور (Erscheinung) هو موضوع الحدس الحسي وفَه مه في الوقت نفسه على أنه ما يمثّل الظاهرة (phănomen)، أي ما يُظهر نفسه في الحدس ويتعارض بالتالي مع ما يَظهر، لكنه فهمه أيضًا على أنه بمثابة ظهور ما لا يُظهر ذاته أبدًا، أي لما يدعوه كانط الشيء في ذاته. وهكذا، ظل كانط بذلك في حدود التصور «العادي الشائع» عن الظاهرة، لأن المفهوم الفينومينولوجي للظاهرة لا يتعلق بما يظهر بل بما يُظهر نفسه بصورة غير متبلورة فيوعبر ما هو ظاهر. نجد لدى كانط أن الظاهرة، بالمعنى الفينومينولوجي، ليست موضوع الحدس الحسي، بل إن موضوع الحدس الحسي هو الزمان والمكان من حيث أنهما شكلان صوريان للحدس وشرطان للظهور، وذلك لأن مثل هذه الظاهرة في حاجة إلى «إظهار سريع» حتى تُدرَك. ليس هناك حاجة إلى فينومينولوجيا، إلا لأن الظواهر ليست معطاة أولً كما يشير إلى ذلك هايدغر، مما يجعله يلتحق - بمعنى ما- بأستاذه هوسرل الذي كان قد بيّ أن المعطى المطلق، أو «الظاهرة الخالصة» لا يمكن أن تظهر إلا بواسطة عملية الاختزال أو التعليق (Reduction)، أي بواسطة وضع ما يظهر بين قوسين. في كلمة « phenomenologie » نجد أن لفظ Logos يعني، من خلال مدلوله الإغريقي الخاص، Apophansis، أي إظهار، في حين أن هدف الفينومينولوجيا وغايتها -كما يدل على ذلك اسمها- هما جعل ما يُظهر ذاته من تلقاء ذاته phainom () enon مرئيًا. لكن ما هي المكونات الخصوصية للظاهرة؟ أي ما هو «مختف » في ما يُظهر نفسه أولً وفي أغلب الحالات لكنه مع ذلك يشكّل أساس ما يظهر. هايدغر يسمّي ذلك الكينونة (l'etre) (أو الوجود)، ومن ثم تلتقي الفينومينولوجيا بالأنطولوجيا: «ليست الأنطولوجيا ممكنة إلا على هيئة فينومينولوجيا»
وذلك لأن الكينونة ليست ما يظهر، لكن أيضًا لأن الكينونة لا توجد خارج ما يظهر، لأنه «لا يوجد أي شيء وراء أو خارج ظواهر الفينومينولوجيا». يعتبر هايدغر أيضًا أن هذه الفينومينولوجيا المطابقة للأنطولوجيا نظرية تأويلية (Hermeneutique.) وإذا كان هايدغر يوافق هوسرل على أن الفينومينولوجيا وصفية أساسًا، فإنه، على العكس من ذلك، يتصور هاته الفينومينولوجيا تفسيرًا وليس فقط تفكيرًا في المعيش. فالتأويلية (Hermeneutique) تعني في الأصل التأويل أو التفسير، كما يذكّر بذلك هايدغر؛ وأن نقول أن العلم أو اللوغوس الفينومينولوجي يصف عبر الشرح والتوضيح، معناه أن الفينومينولوجي الهايدغري لا يَشْغَل موقع ذلك الملاحظ غير المتحيز الذي كان يمثّله، في منظور هوسرل، الفيلسوف الذي يفكر ويتأمل فينومينولوجيًا، وذلك لأنه ليس في وضعية خارجية عن الظواهر التي يشرحها ويوضحها، بل على العكس من ذلك، يبقى في حالة اتحاد معها، الأمر الذي يعني أن الأنطولوجيا في تصور هايدغر ليست علمً يقوم بتشخيص نظري، بل هي أقرب ما تكون إلى علم عملي أو تطبيقي بالأساس لأن من غير الممكن أن تنفصل عن جذرها الوجودي الملموس. وهكذا يتوجه هايدغر نحو فهمٍ للأنطولوجيا مختلف كثيرًا عن ذلك التصور والفهم اللذين نجدهما في التراث الفلسفي المتوارَث.
الزمن كأفق لفهم الكينونة
يطرح هايدغر في الكينونة والزمنمسألة تتعلق بمجموع التراث الفكري الغربي الذي أرساه وتحدد مع أرسطو (الذي حذا في ذلك حذو أستاذه أفلاطون، والذي كان أول فيلسوف بالمعنى المحدد والمضبوط لهذا اللفظ) كفلسفة، أي كأنطولوجيا أو كخطاب حول الكينونة (أو الوجود). يذكر هايدغر في بداية هذا الكتاب أن التراث الغربي يبدأ -كما أشار إلى ذلك أفلاطون- عندما نكف عن رواية حكاية، أي عندما نكف عن تفسير شيء بشيء آخر، وذلك وفق النمط الميثولوجي أو الثيولوجي للفكر الذي يعتبر أن كائنًا أو كائنات عليا عدة هما مصدر الكائنات الموجودة وأصلها. فالأنطولوجيا، من حيث هي ذلك العلم الأفلاطوني-الأرسطي الذي يتخذ الكينونة موضوعًا له، تقتصر على دراسة ما هو موجود أو معطى في الحاضر، أي على الكائن (To on بالإغريقية) من حيث هو كذلك لتعرّفه وتحدّد ماهيته. الفلسفة إذن هي هذا النمط من الفكر الذي يدّعي دراسة الكائن من حيث هو كذلك من دون الرجوع إلى أصل ينتمي إلى نظام أو مستوى آخر غير مستوى المعطى الموجود. إن الاقتصار على المعطى الحاضر هو ما يشكّل أصالة الفلسفة وتميزها من نمط التفكير الأسطوري، وتلك هي الكيفية التي تفهم بها الفلسفة الغربية نفسها باعتبارها ذلك النمط من الفكر الذي يؤكد سيادة العقل (اللوغوس) على الأسطورة (الميتوس) ويضمنها، ويؤكد سيادة العقلاني على اللاعقلاني ويضمنها. ينطلق هايدغر من فهم التراث الفلسفي الغربي لذاته ليضعه موضع تساؤل، ويطرح - مثل أفلاطون وأرسطو- سؤال «ما هي الكينونة؟»، لكنه يطرحه بمعنى جديد؛ فهو لا يطرحه من أجل أن يبلور فكرة عمّ يشكّل أساس كل كائن من حيث هو كذلك، أي عن المعطى الحاضر، بل يطرحه من أجل أن يتساءل عن شرط إمكانالحضور ذاته؛ هذا الحضور الذي هو في الوقت نفسه ما يجعل علم الحضور هذا
(الذي هو الأنطولوجيا كما حددها أفلاطون وأرسطو) علمً ممكنًا. الأمر هنا لا يتعلق، بالنسبة إلى هايدغر، بإدراج سؤاله الأساسي ضمن المجال الفلسفي كما هو متوارَث، بل يتعلق الأمر -عكس ذلك- بالتساؤل عمّ يشكّل أساس العقلانية الغربية؛ فهذه المسألة الأساسية التي تتعلق بشرط إمكان فهم الكينونة كحضور ثابتومستمر (كما تصورها الفلاسفة الإغريق ووارثوهم من الفلاسفة الغربيين)، هي مسألة تدور حول العلاقة بين الكينونة والزمن، وهي العلاقة التي لم يجرِ قط توضيحها وبسطها في التراث الفلسفي الغربي. ما الذي يجعل من الممكن فهم الكينونة انطلاقًا من بُعد محدَّد للزمن وهو الحاضر؟ تلك هي الكيفية التي صيغت بها مسألة الكينونة التي كانت هي أصل كتاب الكينونة والزمنوجذره. وقد سبق لهايدغر أن أكد في كتابه كانط ومسألة الميتافيزيقا سنة 1929 أن الحرف الصغير «و» الموجود بين كلمتي الكينونة والزمن، هو الذي يتضمن في ذاته المشكل المركزي، وذلك لأن الأمر لا يتعلق، بالنسبة إلى هايدغر، بإقامة تعارض بين الزمن (والصيرورة) من جهة والكينونة من جهة أخرى، كما فعل نيتشه الذي كانت الكينونة بالنسبة إليه وهمًا خاليًا من المعنى، بل إن الأمر يتعلق لدى هايدغر، على العكس من ذلك، بإبراز مدى بداهة وتلقائية الرابطة السرية التي تربط ما ندعوه «كينونة» بالزمن: بل إن هايدغر سيذهب إلى حد التحدث عن «الانتماء المشترك الحميمي القائم بين الكينونة والزمن»، وهو ما يعني أننا أمام كيفية حاسمة في مساءلة ومجادلة ذلك التعادل بين الكينونة والأبدية (l'eternité) أو اللازمنية، وهو التعادل التقليدي الموروث عن التراث الفلسفي. إن ما سيطرحه هايدغر على نفسه في كتابهالكينونة والزمنهو إذن «الإعداد العيني الملموس لمسألة معنى الكينونة»، وهو ما لا يعني أبدًا مجرد إعادة استعمال للأنطولوجيا القديمة ولسؤالها الرئيسي الموجِّه. إن الأمر هنا لا يتعلق فقط بإيجاد أساس للكائن، بل بالتساؤل أيضًا عن سبب إنكار أي وظيفة أنطولوجية للزمن؛ ذلك أننا نقيم فعليًا -انطلاقًا من الزمن متخذًا هنا كمعيار- تعارضًا بين مناطق الكائن المختلفة، أي بين الزمني واللازمني (المكاني) والمحايد زمنيًا (المثال) وما فوق الزمني (الخالد)، وذلك من خلال تصوُّر للزمن مؤداه أن الزمني هو ما هو موجود (دومًا وباستمرار) في الزمن. وهكذا، يجري فهم الكينونة وتصورها هنا انطلاقًا من الزمن، وهو تصور يتضمن سمتها «الزمنية» الأساسية (temporal) والصميمة، لا بمعنى أن الكينونة موجودة «في قلب الزمن»، بل بمعنى أن الكينونة مفهومة ومتصوَّرة انطلاقًا من الزمن. هناك إذن معنى «زمني أصيل» وأساسي (Temporal) للكينونة، حيث يقصد هايدغر بهذا اللفظ الأخير الإشارة إلى العلاقة الإيجابية التي تقيمها الكينونة مع الزمن، وذلك بعكس العلاقة السلبية التي تقيمها الكينونة مع ما سيدعوه هايدغر الزمنية الباطنية (Intratemporalité). هناك إذن «زمنية الكينونة» لأن الأصل الذي يتحدد به ومنه معنى الكينونة هو الزمن، وهذا الأصل هو ما يتعين شرحه وتوضيحه إذا ما أردنا أن نقدم جوابًا ملموسًا عن مسألة معنى الكينونة. لكن إذا كانت الأنطولوجيا (أو علم الكينونة)، مدعوة، وفق تصور هايدغر، إلى الاستجابة لشرط إمكانها، أي لفهم الكينونة وتصورها انطلاقًا من الزمن أو في أفق الزمن، فإن ذلك يتضمن التساؤل عن أساس الأنطولوجيا نفسه ويقتضيه.
الأنطولوجيا الأساسية
ما الذي يجعل صوغ خطاب عقلاني في المنطق الغربي ممكنًا؟ يجيب هايدغر عن هذا السؤال بتبيين أن المسألة الفلسفية، أي مسألة الكينونة، تجد أصولها وجذورها في كائن خاص قادر على طرح تساؤلات لا بشأن الكائنات الأخرى فحسب، بل بشأن كينونته نفسها أيضًا؛ إذ إن فهم الكينونة نمط من أنماط الكينونة أو سلوك إنساني: إن أساس الكينونة إذن هو الإنسان، أي ذلك الكائن الذي لديه فكرة الكينونة. هكذا نرى أن مسألة الكينونة تصبح، مع هايدغر، أكثر المسائل تجسُّدًا وعينية: مسألة الكينونة هنا ليست مسألة بالغة التجريد بل مسألة ملموسة تخص ذلك الكائن نفسه الذي يطرح هذه المسألة، وذلك لأن هذه المسألة وهذا السؤال المتولد عنها يشملان المتسائل ذاته.
التحليلات الوجودية الأساسية
إن الكائن المتضمن بهذا الشكل في التساؤل الذي يطرحه حول الكينونة لا يسمّيه هايدغر «ذاتًا» ولا حتى «إنسانًا»، بل يسمّيه دازاين، وهو لفظ استُعمل في اللغة الألمانية لترجمة اللفظ اللاتيني Existentia الذي يعني حرفيًا الكينونة - هناك (أو الكائن-هناك). وسيعطي هايدغر هذا اللفظ مدلولً خاصًا جدًا، حيث لم يعد لفظ Dasein يعني لديه الوجود بصفة عامة، بل أصبح يخص فقط نمط كينونة الكائن الإنساني. يتعين إذن ألّ نفهم هذا الكائن كموجود بين موجودات، بحيث يكون مجرد كائن موجود هناك بين الموجودات، بل يتعيّ أن نفهمه -على العكس من ذلك- على أنه ذلك الكائن الخاص الذي هو، بشكل ما، كل كائن، مثلما قال أرسطو ذلك عن النفس الإنسانية. هذا الكائن الذي تخصه مسألة الكينونة ليس كائنًا لامباليًا تجاه كينونته ذاتها، إذ هو كائن ينتمي إليه -على العكس من ذلك- وبشكل أساسي، ما يدعوه هايدغر الإنِّيَّه، أي واقعة قوله: «أنا»، معلنًا بذلك تعلقه بذاته وانتسابه إليها. إن هذا الكائن، من حيث أن فهم الكينونة أمر يخصه وينتسب إليه، ويميزه بشكل أساسي عن الشيء الذي هو كيان غير مبال وغير معنيٍّ بكينونته الخاصة، وبسبب هذا الفهم، هذا الكائن، لا يوجد على نمط وجود الشيء والواقع، بل يوجد بصيغة الإمكان، وما يمكن أن يكون، أي الوجود. وهذا اللفظ ذاته لا يدل على مجرد واقعة الكينونة بالنسبة إلى الكائن في صورته العامة، بل يدل بشكل مخصوص على نمط الكينونة الخاص بالكائن الإنساني (الدازاين). إن الفهم لدى الكائن الإنساني عن ذاته هو إذن فهم وجودي. لكن ما يدعوه هايدغر، على العكس من ذلك، التحليل الوجودي الأساسي لا يأخذ في الاعتبار السلوك الفردي العيني، بل يراعي فقط بنيته الوجودية أو الأنطولوجية. إن مهمة التحليلات الوجودية الأساسية (Existentiale) هي تحليل وتمييز الأنماط الأساسية لكينونة الكائن الإنساني، أي محدداته الوجودية الأساسية، وهو ما يقتضي ويتضمن -على عكس التحليل الوجودي العادي الذي يظل هو ذلك التحليل المتعلق بكائن منظور إليه في خصوصيته- أمر أن التحليل الوجودوي الأساسي يشمل علاقة كينونة الإنسان بكينونة الكائنات الأخرى. إن ما يميّز الدزاين الهايدغري من مفهوم الذات فعلً وبشكل أساسي، كما ورد في الفلسفة الحديثة، هو انفتاحية هذا الكائن تجاه ذاته وتجاه الكائنات الأخرى، وهي السمة التي يعتبر هايدغر أنها تشكّل الصفة الخاصة المميزة للوجود، مُعطيًا لفظ الانفتاحية -من حيث هي سمة أساسية لنمط كينونة
الكائن الإنساني- مدلولً قويًا يخص كائنًا ليس مجرد كيان جوهري قائم، بل كائن هو باستمرار «في حالة ارتماء وانقذاف»، أي كائن مختلف عن ذاك الذي تصورته الفلسفة الحديثة منذ ديكارت على أنه «ذات» (sujet)، أي كيان جوهري (Substance) «ليس في حاجة إلى أي شيء آخر لكي يحقق وجوده» كما ينص على ذلك التعريف التقليدي للجوهر. وعلى العكس من ذلك، فإن هذا الوجود المنخرج (Ekstatiqie) الذي هو الوجود الإنساني، بحاجة أساسية لأن يخرج من ذاته (وهذا هو المعنى الأول لكلمة Existère)، وهو لا يحقق وجوده إلا من خلال العلاقة الثلاثية التي يقيمها مع ذاته، ومع الموجودات الأخرى، ومع العالم. ليس الوجود الإنساني وجودًا متمركزًا حول نفسه، كما هو الأمر في مفهوم الذات محور الفلسفة الحديثة، بل هو، على العكس من ذلك، كائن أو كينونة منفتحة و«منخرجة» في أساسها - كما يقول هايدغر في ملاحظة مدرجة في نص أهداه لهوسرل سنة 1929- لأن هذا الوجود (الإنساني) لا شيء من دون العلاقة بآخر غير ذاته. إن غاية التحليلات الوجودية الأساسية -التي تشكّل القسم الأول من الجزء المنشور من الكينونةوالزمن - هي بالضبط تعريف كينونة الدازاين في كليتها، انطلاقًا من مختلف الأبعاد الوجودية الأساسية التي سبق ذكرها في هذا القسم. ومنطلق هذا التحليل هو الكينونة اليومية للكائن الإنساني (أو للدازاين)، الذي تُعتبر بنيته الأساسية هي الكينونة -في- العالم؛ فالعالم ليس داخلً في علاقة تخارج مع الكائن الإنساني، لأن هذا الأخير ليس ذاتًا بحاجة إلى الخروج من ذاتها لتذهب نحو موضوعات العالم، بل إن الكائن الإنساني وجود على مقربة من الأشياء دومًا، وهو في حالة تفاعل وتبادل دائم معها. يتعلق مدلول الكينونة -في- العالم بظاهرة واحدة موحَّدة يقوم تحليلها على استخراج اللحظات البنيوية الأساسية من أجل التوصل، بعد ذلك، إلى فهم ما يشكّل كيان هذه الكينونة ووحدتها. يود هايدغر أولً أن يبيّ أن الأفهوم المتداول عن العالم، والذي يفهم العالم على أنه المجموع العددي للكائنات، هو أفهوم لا يراعي ولا يعكس البنية الأساسية للعالمية (Mondaneité)، التي ليست تحديدًا للكائن غير الإنساني، بل هي على العكس من ذلك، سمة الكائن الإنساني نفسه. إن العالم، من حيث هو بنية للدازاين، هو الشرط الأنطولوجي لكل التقاء مع أي شيء من أشياء العالم. إن هذا الأفهوم الأنطولوجي- الوجودوي عن العالم لا يمكن بتاتًا أن يصبح مفهومًا انطلاقًا من أفهوم الطبيعة بالمعنى الذي يرد به في الفكر الحديث، أي كموضوع للعلوم الفيزيائية، بل يتعين، على العكس من ذلك -من أجل فهم إشكالية عالمية العالم من حيث هي- الانطلاق من الكينونة (اليومية) - في- العالم، ومن تأويل الكائن الذي نصادفه في العالم المحيط بنا. إن عالم الحياة اليومية هو فعلًالعالم المحيط (Umwelt)، عالم الانشغالات اليومية، وليس ذلك الكونَ الكلي الذي لا ينفتح إلا للرؤية النظرية المتأملة؛ ذلك أن النمط الأولّي للعلاقة بالكائن ليس المعرفة بل الانشغال بالأشياء واستخدامها، والانشغال يلاقي الكائن لا فقط كشيء حاضر أمامه أو قبله (وهو ما يعبّ عنه اللفظ الألماني Vorhanden)، بل يلاقيه ويتعامل معه أيضًا كشيء قابل للاستعمال (أي كشيء موجود من أجل أن تستعمله اليد Zu-handen.) إن ما يشكّل العالم المحيط إذن هو تلك البنية المرجعية لقابلية الأشياء للاستعمال من حيث أن الأشياء جملة «أدوات» غير منفصلة عن الكائن الإنساني الذي تحلينا إليه هاته الأشياء. إن «القابلية للاستعمال»
أو الوقوع طوع اليد (Maniabilité-Zuhandenheit) وليس مجرد الحضور أمام اليد (Vorhandenheit)، هو إذن النمط الأصلي لانكشاف الكائن الموجود في العالم. يتعيّ بعد ذلك تحديد نوع ذلك الكائن الذي هو موجود على هيئة كينونة - في- العالم: إنه ذلك «الوجود الإنسان» الذي لا يجيب عن السؤال «ماذا؟» (أي عن السؤال الذي لا يحدد إلا الأشياء الموجودة في العالم) بل عن السؤال: «من؟»، على مستوى الانشغال اليومي المطبوع بانخراط «الكائن الإنساني» في العالم. فالأمر هنا لا يتعلق بهذا الكائن البشري أو ذاك، بل بذلك الكائن المحايد، الجماعي المبني للمجهول (on بالفرنسية) الذي يشكّل الظاهرة الأصلية التي يتعين على كل كائن بشري الانطلاق منها والبداية بها ليعثر على ذاته. ليس مجال الحياة اليومية إذن هو المجال الذي سيستطيع فيه «الكائن الإنساني» (وهو موجود مشتت الاهتمام) أن يعثر على وحدته، لأن هذا المجال ليس المجال الذي يكون فيه الكائن الإنساني منتميًا إلى ذاته ومطابقًا لها. يمكن للكائن الإنساني أن يكون ذاتَه إمّا بصورة ملائمة وإمّا بصورة غير ملائمة، لأن هذا الكائن هو إمكانيته ذاتها، ولأن عليه أن يتملك كينونته الخاصة به. لذلك، فإن استعمال مصطلحات «الصدقية» و«عدم الصدقية» و«الأصالة» و«عدم الأصالة» في ما يخص تصور الكائن الإنساني هو حكم لا يتضمن أي دلالة أخلاقية، بل يتعين، بالأحرى، الإلحاح على أن المحدد الوجودوي الأساسي هنا هو المبني للمجهول (on) الذي ليس الكائن الإنساني الحق أو الأصيل إلا تحويرًا وجوديًا له. بعد تحديد معنى العنصرين «عالم» و«كائن إنساني»، من الضروري التساؤل عن العلاقة التي تجمعهما وعن معنى لفظَي «كينونة -في» و«كينونة -في-العالم». هنا يميز هايدغر بين مستويين يمكن من خلالهما إقامة هذه العلاقة، وهما مستوى التشكّل الوجودوي الأصلي للكينونة - في - العالم، ومستوى نمط كينونته اليومية. يتضمن المستوى الأول تحليل ثلاثة أبعاد وجودية أساسيةأو ثلاث طرائق أصلية للدازاين يحقق بها بُعده الانفتاحي: الاستعداد أو التهيؤ الوجداني (disposition)، و الفهم، والخطاب (أو استعمال اللغة)؛ فالتهيؤ الوجداني يعني لدى هايدغر ما ندعوه عادة الحالة الوجدانية أو الحساسية، لكن بمعنى مختلف عن المعاني الفلسفية المتوارثة التي لا ترى فيها إلا كونها ظاهرة ثانوية أو ظلِّية تابعة، بينما يرى هايدغر أن بُعد الاستعداد والتهيؤ كبُعد وجودوي أساسي يعني القدرة على الاكتشاف الأولّي للعالم. إذا كان بُعد التهيؤ يكشف السمة الأساسية للكائن الإنساني، أي كونه موجودًا مسبقًا -في- العالم، فإن بُعد الفهم يكشف عن مستوى أصيل كذلك، هو مستوى وجودوية الدازاين، أي مستوى إمكان وجوده (أو كينونته). أمّا الخطاب أو اللغة، فيشكّل أي منهما أيضًا طريقة أصلية لانفتاحية الكائن الإنساني، من حيث أنه تمفصل بين ما هو مفهوم وما لم يصبح كذلك إلا على أساس التهيؤ. المستوى الثاني، الذي يخص السمات الوجودوية اليومي، يتعلق بكيفية أو نمط انطراح أبعاده الوجودية الأساسية. ما يقصده هايدغر بكلمة Decheance (Verfallen انطراح...) بُعد وجودي أساسي كسابقيه، لكنه، على العكس من البُعدين السابقين، يسم الكينونة الذاتية الحقيقية والأصيلة للكائن البشري في حياته اليومية. فالانطراح أو الانقذاف في العالم لا يعني أبدًا «سقوط» الدازاين من حالة أكثر أصالة وأكثر صفاء وأكثر سموًّا، بل يعني فقط وضعيته العادية في الانخراط في عالم الانشغال.
يُطلق هايدغر على هذه البنية التي تَنْظم الأبعاد الوجودوية الأساسية في ظاهرة موحَّدة، اسمِّالهم، لكن مع الحرص على تخليص هذا اللفظ من أي مدلول أخلاقي، فالأمر يتعلق بالنسبة إليه بالتفكير -عبر استخدام لفظ الهم (Sorge -) لا فقط في علاقة الكائن الإنساني المنفتح بذاته، بل بالتفكير أيضًا في علاقته بالكائن عامة، والتي سمّيت الانشغال (Besorgen)، وكذا بالتفكير في علاقته بالكائن الإنساني الآخر، وهي العلاقة التي فُهمت بأنها بُعد التماس وانفتاح Sollicitude(،)Fürsorge. اختيار هذه الألفاظ والمصطلحات ليس اختيارًا تعسفيًا في مجمله، لأن هايدغر يعتمد على حكاية مستقاة من إحدى الأساطير نعثر فيها على تصور قبل - فلسفي يُعرِّف الإنسان أساسًا كهمّ. يرى هايدغر في ذلك دليلً على أن التعريف الفلسفي للإنسان كحيوان عاقل (Animale rationale) هو تعريف مشتق، لأنه يتصور الإنسان كمزيج من المعقول والمحسوس، من الحيوانية ومن العقلانية وليس كوحدة كلية؛ ذلك أن اعتبار الإنسان كائنًا حيًّا ليس هو الطريق إلى تقدير الوجود الإنساني. إن هايدغر - بتأكيده هنا أن الهمَّ ينتمي أساسًا إلى مستوى آخر غير مستوى الدوافع (الحسية والنفسية) المميزة للكائن الحي بصفة عامة- يقطع مع «فلسفة الحياة» التي وسمت التيار المهيمن في الفلسفة الألمانية منذ النزعة الرومانسية، ويؤكد بقوة أن تحليل الكائن الإنساني المنفتح لا يمكن أن يكون من اختصاص بيولوجيا عامة، لن تكون الأنثروبولوجيا والسيكولوجيا إلا فروعًا لها وأقسامًا منها. يود هايدغر أن يقدّم تأويلً للإنسان أكثر أصالة من التأويل التقليدي المتداول في مجال الفلسفة والذي يرى أن الإنسان مزيج من مادة جسمية ومن صورة روحية. يبقى من المطروح الآن، أن التأويل الذي يرى أن الهمَّ ظاهرة موحَّدة تعكس المظاهر المختلفة للوجود الإنساني هو ذاته تأويل في حاجة إلى أن يُعمَّق أكثر، لأن التحليل السابق جرى كله إلى حد الآن فقط على مستوى الحياة اليومية ولم يبلغ مستوى الكائن الإنساني المنفتح في خلوصه وصدقيته الأصلية.
الوجود والزمنية
هايدغر في القسم الثاني من يحاول الكينونة والزمنأن يبيّ أن المعنى الأنطولوجي للهمّ هو الزمنية. فإذا لم يكن الإنسان مادة جوهرية، وليس «شيئًا»، وليس حيوانًا، حتى ولو كان مزوَّدًا بهذا المميز النوعي الخاص الذي هو العقل، فذلك لأنه كائن في حالة انبثاق (انبجاس، انقذاف) دائم (Etre-en-jet)، أي إنه زمنية، أو حركة، أو انطلاقة. يمكن أن نقول هنا أن تصور هايدغر للكائن الإنساني تصور «دينامي» لا تصور سكوني، لأنه يعرّف هذا الأخير بأنه الكائن الملقى به والمقذوف به دومًا إلى العالم الذي هو موجود دائمً كمشروع للذات. والحال أنه إذا كانت هذه البنية الموحَّدة التي تَنْظم ما كانته (l’avoir-été) الكينونة الملقى بها دومًا في العالم، والتي هي مستقبل المشروع الذاتي وحاضر الكينونة إزاء هذا الكائن أو ذاك، فذلك بالضبط لأن الهمّ، من حيث معناه ومدلوله الأنطولوجي، هو الزمنية. لكن أن نقول أن الإنسان يقوم ويتأسس على الزمنية، وأن كيانه الجوهري يقوم في وجوده، فإن معنى ذلك أيضًا أن نتصور الإنسان كائنًا متّجهًا نحو الموت لا كائنًا يشارك بجزء منه (قسطه «العقلاني») في «الأبدية». والدوام. هذا الفكر المتعلق بالمنذورية للموت ليس، في منظور هايدغر، علامة من علامات
النزعة التشاؤمية، ولا إعلان نزعة عدمية، بل هو، على العكس من ذلك، اعتراف بما للوجود من ملمح إيجابي بيِّ، وذلك لأن كينونة الإنسان لا يمكن أن تكون منفتحة على ذاتها وعلى الآخرين إلا من حيث أنها كينونة معرّضة بصورة دائمة لإمكانية الانغلاق عن كل ما هو موجود. لا يمكن إذن أن نفكر تفكيرًا مشروعًا في فعل الوجود إلا في إطار العلاقة بالمنذورية للموت، كما لا يمكن أن نفكر في قابلية الكائن الإنساني للانفتاح إلا من حيث أن منبعها ومصدرها انغلاق أصلي لا يمكن لهذا الكائن أن يصبح سيدًا عليه ومتحكمً فيه. وهذا هو ما يجعل هايدغر يرى في الموت الإمكانية المتميزة للكائن الإنساني، لأن هذه الإمكانية -على عكس إمكانيات الوجود الأخرى- لا تقترح ولا تقدم شيئًا يمكن ل«الكائن الإنساني» أن ينجزه أو يقوم بتنفيذه. وفي هذه الاستحالة الفعلية بالضبط تنكشف الإمكانية في كل حقيقتها: فالموت هو ممكن محض، لا يصبح أبدًا «أمرًا واقعًا» لأن الموت عندما يَُل، فإن الكائن الإنساني لن يكون موجودًا حتى يختبره ويجربه. لا يمكن للكائن الإنساني أن يشعر بذاته وأن يختبرها إذن كإمكانية (إمكانية وجود، وليس كموجود واقعي كما يفعل هو ذلك باستمرار من حيث أنه كائن ملقى به في العالم وفي الحياة اليومية) إلا في إطار ما يدعوه هايدغر «استباقية الموت»، وإلا من حيث أن الإنسان هو ذلك الكائن المنذور، حقًا وأصلً، للموت. إمكانية الوجود هاته هي، على الدوام، إمكانية واقعية وفعلية؛ إذ إن الكائن الإنساني هو -بصورة ما- دومًا في حالة تأخر زمني عن انفتاحيته على ذاته، لأنه ليس مصدر وجوده الخاص. وقائعية كينونة الكائن الإنساني من حيث هي كينونة ملقى بها من قبل في العالم ليست فقط سمة ملازمة لوجوده يتعين عليه مشاهدتها وتتبعها، بل إنها معطى وقائعي لا يمكن الاعتراف به والتعرف إليه إلا إذا جرى تبنّيه وتحمُّل مسؤوليته. وبهذا الصعود لتحمُّل مسؤولية الكينونة ينفتح الوجود الإنساني على الوجود الحقيقي الأصيل. إن هذا النمط المتميز لانفتاح الكائن الإنساني، والذي يفهم بواسطته ذاته انطلاقًا من إمكانياته الوجودية الخاصة، يسمّيه هايدغر الإصرار أو التصميم. [هناك تقارب لفظي في اللغة الألمانية
هذا التقارب يدعم سهولة الانتقال من حالة انفتاح الكائن الإنساني (من حيث هو كذلك) إلى حالة تحمُّل هذا الكائن مسؤولية وجوده. إذن لن يكون هناك أي تصميم وإصرار إلا في ارتباط بكينونة حقيقية وبكائن حقيقي منذور للموت ومتجه نحوه، وهو ما يفسر لنا تسمية هايدغر النمط الحقيقي للهمّ ب«الإصرار الاستباقي». والحال أن هذا النمط الحقيقي والأصيل للهمّ يجد أساسه في الزمنية، فالزمنية هي التي تجعل البنية الكاملة للهمّ ممكنة. لكن معنى الزمنية، كما يتصورها هايدغر، ليس كما يفهمها التراث الفلسفي التقليدي، أي ما يشكّل «المعنى الداخلي أو الباطني» ويسم بالتالي كينونة الذات تجاه ذاتها، بل إن الزمنية هنا، بالمعنى الهايدغري، تكشف نفسها، على العكس من ذلك، ك«انخراج»، أو ك«خروج خارج الذات» من حيث أن هذا الانخراج عملية أساسية وأصلية. وهنا يتعين أن نأخذ لفظ خروج أو انخراج (Ekstatikon)، الذي يستعيره هايدغر من أرسطو، بالمعنى المتداول في اللغة الإغريقية، أي بمعنى فعل الخروج من الذات، كما يتعين أن نقرّب هذا اللفظ من لفظ «الوجود» (Existence.) يُقصد بتسمية المستقبل، وما كان، والحاضر «بانخراجات الزمنية»، أي إبراز الزمنية كحدث خالص وليس كخروج «للذات» منذاتها بعد أن كانت من قبلُ «في» ذاتها.
إن وجود الإنسان، من حيث هو كائن ملقى به في العالم وكائن منذور للموت، وجود متناه أساسًا، وهذا يتضمن ويقتضي أن الزمنية المنخرجة هي زمنية متناهية؛ وهذه الزمنية المتناهية والمحدودة هي ما يشكِّل ويؤسس الزمن الأصلي: وتلك هي الأطروحة الأساسية التي يقدمها هايدغر في كتابه الكينونة والزمن؛ الأطروحة التي تتعارض مع التصور التقليدي للزمن الذي يتصور الزمن سلسلة غير متناهية من اللحظات المتتابعة. لكن يتعين ألا نفهم تناهي الوجود هنا بمعنى سلبي فقط؛ ذلك أن التناهي ليس صفة أو خصيصة عرضية للعقل الإنساني، وليس هو ما يميز الإنسان من الإله الخالق، بل إن التناهي هنا يعني الضرورة التي يجد الإنسان نفسه فيها (في اختلاف عن الحيوان) مرغمً على فتح أفق لفهم ممكن لما يجد الإنسان نفسه متوقفًا عليه ولما يجد الإنسان نفسه في «حالة انهمام» تجاهه - أي تجاه ذاته وتجاه الكائن الإنساني الآخر، وتجاه الكائن الملتقي به داخل العالم، أي تجاه الكائن الذي ليس هو (أي الإنسان) مصدره وأصله. إن الكائن الإنساني مرغم على أن يفهم ويؤوّل كل ما يجده أمامه، باعتبار أن العالم موجود قبل الذات، وذلك لأن هذا الكائن الإنساني ليس مصدر أو أصل وجوده الخاص. إن هذا الأفق التأويلي الذي يتعيّ على «الكائن الإنساني» أن يبلوره هو الذي يشكّل -في الوقت نفسه - المقصد الغائي لحركة الانخراج، ومنبع الانفتاح على الكائنات الأخرى. إن زمنية «الكائن الإنساني» إذن هي زمنيةمنخرجة وأفقية، وهذا البُعد الأفقي للزمنية هو بالضبط البُعد الذي يجسد التناهي في وضعية ملموسة، وذلك لأن هذا التناهي جذر ومصدر هذا الفهم للكينونة الذي يسم «الكائن الإنساني»، وهو ما يمكّننا من أن نؤكد بالتالي أن الزمنية المتناهية لفعل الوجود منبع فكرة الكينونة التي تتأسس عليها العقلانية الغربية. تناهي الزمنية هذا، والذي هو سمتها الجوهرية، هو أساس ما يدعوه هايدغر الطابع التاريخي للكائن الإنساني. لا يقصد هايدغر بهذا المصطلح أن هذا الكائن يمكن أن يكون موضوع العلم التاريخي، بل يقصد به كونه وجودًا تاريخيًا صميميًا ككائن ينسب إلى ذاته إمكانات يرثها عندما يولد، كما يتعيّ عليه تحمُّل مسؤوليتها. إن ما يشكل أساس الأنطولوجيا، أي علم الكينونة الذي يحدد المشروع الفلسفي للعقلانية الغربية في مجمله ويوجهه، هو ذلك السلوك المخصوص الذي يقوم به الإنسان والذي يسقط بواسطته على الكائن الذي يلاقيه أفق فهمه المنخرج للكائن. إذا كان أفق فهم الكينونة هنا أفقًا ينتسب إلى الزمنية المنخرجة ل«الكائن الإنساني»، فإن ذلك يعني بالتالي أن علم الكينونة علم زمني، أي علم لا يمكن أن يتأسس لا على لازمنية العقل ولا على أبدية الحقيقة.
الميتافيزيقا الحقة
كان هايدغر قد طرح على نفسه في كتاب الكينونة والزمنمهمة «إعادة طرح» مسألة الكينونة، لكن في ارتباطٍ بمشروع «تقويض» تاريخ الأنطولوجيا، الذي يهدف إلى استخراج التجارب الأصلية التي كانت أساس مفهومنا للكينونة. كان الأمر يتعلق بإعادة ربط الصلة بالبحث الأنطولوجي لدى أفلاطون وأرسطو، لكن الأمر هنا ليس مجرد مواصلة لهذا البحث، بل إن تعميق وتجذير التعريف الأرسطي والوسطوي للكينونة كنزوع نحو المفارقة والمجاوزة، هما ما سيقودان هايدغر نحو فكرة «الفرق أو الاختلاف الأنطولوجي»؛
الفكرة التي تشكِّل وترسم الأفق الضمني لإشكالية كتاب الكينونة والزمن (1927)، الذي نعثر فيه على تأكيدٍ لسمة المفارقة والنزوع- نحو (La transcendance) المميز للكينونة، وذلك على الرغم من أن هايدغر لم يفصِّل فكرة النزوع (بمعنى التعدي أو التجاوز) إلا بعد هذا الكتاب بمدة. إن تعريف الأنطولوجيا بأنها «علم نزوع ومجاوزة» سيقود هايدغر، في الدرس الافتتاحي الذي قدمه سنة 1929 تحت عنوان «ما الميتافيزيقا؟»، نحو المطابقة بين الميتافيزيقا وطبيعة الإنسان، تمامًا مثلما فعل ذلك كانط قبله. ضمن هذا الأفق، أفق النزوع والتجاوز، تحدد في هذا العصر، بالنسبة إلى هايدغر، أفهوم الميتافيزيقا الذي يعني، بحسب المعنى المتداول والمعترف به بكلمة meta ta physica: «التساؤل الذي يتوجه نحو ما وراء الكائن من أجل دراسة هذا الأخير في سياقه هذا وفي مجموعه ضمن الإدراك المفهومي أو التصوري». فالميتافيزيقا، من حيث هي تساؤل عام حول الكينونة، لا تفكر هنا في الفرق أو الاختلاف الموجودي-الوجودي، أو في اختلاف الكينونة عن الكائن ما لم تجعل -على الأقل- من الكينونة ومن العدم موضوعين من بين الموضوعات التي تدرسها، وكانت تلك حال الميتافيزيقا التقليدية. يؤكد هايدغر في هذا الصدد أن مع طرح مسألة العدم فقط «يستفيق التساؤل الميتافيزيقي بمعناه الدقيق، حول كينونة الكائن»، وذلك لأن كينونة الكائن لن تكون موضع تساؤل فلسفي حقيقي إلا عندما يتم التفكير فيها من حيث اختلافها عن الكائن، منظورًا إلى الكينونة هنا كلا-كائن أو حتى كعدم. قاد هذا السؤال الذي طرحه هايدغر: «ما الميتافيزيقا؟» صاحبه إلى التمييز بين تصورين أو أفهومين للميتافيزيقا، وهما تصوران يتعارضان كما هو الأمر بالنسبة إلى التعارض بين الأنطولوجيا التقليدية و«الأنطولوجيا الأساسية» (أو «أنطولوجيا الدازاين»)؛ فشرط إمكان وجود الميتافيزيقا بمعناها الدقيق أو الميتافيزيقا الحقة، هو وجود الإنسان، هذا الكائن الذي لا يقيم علاقة بالكائن إلا على أساس الانفتاح قبليًا على العدم، أي على كينونة الكائن. إذا كانت الميتافيزيقا بذلك هي «الكائن الإنساني» ذاته، وإذا كان فعل الوجود إنجاز ذلك الفرق الأنطولوجي وتحقيقه، فإن الفلسفة لن تكون سوى «جعل الميتافيزيقا تمشي»، أي تقدم تفسيرًا ل«طبيعة» الإنسان الميتافيزيقية، ذلك الكائن الذي لا يمكن أن يكتمل إلا بهذه القفزة التي تنقلنا من الوجود الزائف إلى الوجود الحق. إن «الكائن الإنساني»، في سياق ما يدعوه هايدغر بالألمانية Verfallen، أي الانقذاف أو الانطراح في العالم، يظل أسيرًا بمعنى ما للمهمات اليومية التي تبتلعه، وهكذا يتولد لديه بالتالي ميل إلى عدم الاعتراف بذاته وإلى عدم التعرف إلى ذاته ك«كائن إنساني منفتح» أي ككائن -في- العالم. كما يتولد لديه ميل إلى أن يفهم ذاته انطلاقًا من الكائن المختلف الذي ليس هو، وهذا ما يفسر إغفال الميتافيزيقا التقليدية بُعد «الكائن الإنساني» أو إغفال شرط وجوده (l'existentialitè)؛ فهذا البُعد لا يمكن أن ينكشف إلا في القلق الذي يستطيع، وحده، أن ينقلنا ويضعنا أمام الكائن كما هو، وذلك لأن هذا القلق هو تجربة العدم. وهكذا تبدو الفلسفة إذن على أنها هي التعبير عن «الكائن الإنساني» الحق، أي عن كائن إنساني يوجد فعليًا على هيئة نزوع وتجاوز (transcendance). وهذه الماهية النزوعية والتجاوزية الخاصة بالفلسفة هي التي يتعين، بحسب هايدغر، مواصلتها وإنجازها من دون ضرورة إعادة طرح السؤال عن الأصول الأفلاطونية لمثل هذا المشروع.
ذاك هو السبب الذي جعل هايدغر يضع على عاتقه مهمَّة إعادة تكرار التأسيس الكانطي للميتافيزيقا في كتابه كانط ومسألة الميتافيزيقا؛ فكانط أول مفكر حاول فعليًا، بعد أرسطو، إعطاء الميتافيزيقا التقليدية الأساس الذي تفتقده والذي هو وحده يجعلها ممكنة، وهذا الأساس هو نزوع «الكائن الإنساني خارج ذاته». ولكن بما أن كانط ظل سجين التقليد الفلسفي، وخصوصًا للتعريف الديكارتي للإنسان كذات (Sujet)، فإن من الضروري إعادة طرح مسألة الأساس الكانطي بصورة أكثر أصالة، وهو ما يعني لدى هايدغر الإنجاز والاستكمال الحق للميتافيزيقا وليس فقط مجاوزتها؛ فقد ظلت الميتافيزيقا في تلك الفترة، متصوَّرة ومفهومة على أنها ميتافيزيقا «الكائن الإنساني»، وهي الميتافيزيقا التي تختلط بالأنطولوجيا الأساسية وتهدف «قبل كل شيء إلى تبيين أن الفكر الفلسفي يتحقق وينجز ذاته من خلال نزوع الكائن الإنساني الواضح نحو مجاوزة ذاته».
مجاوزة الميتافيزيقا
إن «إعادة طرح» مسألة الكينونة هي المشروع الذي ظل يوجه مسار هايدغر الفلسفي إلى حدود سنة 1929؛ السنة التي تخلى فيها، بشكل نهائي، عن إكمال كتابه الكينونة والزمن. كانت بداية الثلاثينيات من القرن العشرين التي التزم فيها هايدغر مع النازيين، هي أيضًا الفترة التي أنجز فيها «انعطافه» الفلسفي؛ فعندما قبل تحمُّل مسؤولية عميد جامعة فريبورغ في نيسان/أبريل 1933، كان لا يزال يسعى نحو تحقيق غاية تربوية بالأساس، تتمثل في إنجاز إصلاح للمعرفة يمكن بواسطته إعادة استنبات جذور التقليد الفلسفي المتكلس في تربة ماهيته الفلسفية، وذلك عن طريق «تقويض» هذا التراث الفلسفي المتجمد. إن فشل مهمة عمادة الجامعة وعودة هايدغر إلى ممارسة التدريس هما اعتراف بأن إعادة استنبات جذور التقليد الفلسفي أمر لم يعد ممكنًا، بل ربما لم يعد مأمولً أو مرغوبًا فيه؛ إذ في هذه الفترة، أي بعد مرحلة العمادة، ظهرت ثيمة مجاوزة الميتافيزيقا، وهي الثيمة المستقاة من نيتشه ومن مشروعه في «قلب الأفلاطونية» الذي حلله هايدغر في الدروس الأولى التي خصصها لنيتشه في شتاء.1936-1937 يمكن اعتبار أن هذه الفترة هي فترة التساؤل عن حدود الفكر الفلسفي، كما يظهر ذلك لا فقط في حوار هايدغر مع نيتشه بين سنتي 1936 و 1940، بل أيضًا في حواره مع شعر هولدرلين (سنة)1934 وقراءته ما قبل السقراطيين: بارميند وهيراقليط (1942-1943). يتعلق الأمر هنا بالوعي بالبداية الإغريقية للفكر الغربي، وهو ما يتطلب ضرورة مراعاة موقع الفلسفة الإغريقية قياسًا بفكر ما قبل السقراطيين.
الصعود نحو أساس الميتافيزيقا
يميّز هايدغر في دروسه لسنة 1935 التي نشرت في ما بعد تحت عنوان «مدخل إلى الميتافيزيقا» في البداية الإغريقية ذاتها بين بداية ونهاية، أي بين فلسفة أفلاطون وفلسفة أرسطو. فما قبل السقراطيين هم فعل أولئك المفكرون الذين انفتحت الكينونة أمامهم على هيئة physis، أي ما يبدو ويظهر من تلقاء ذاته، مع الإشارة إلى أن لكلمة physis ولكلمة phaos الجذر اللغوي نفسه: النور أو الضوء.
إن التعريف الأفلاطوني للكينونة (être) كفكرة أو صورة أو مثال (Idéa) أمر لا يمكن التوصل إليه إلا على أساس تجربة الكينونة من حيث أنها ما يظهر من تلقاء ذاته (physis). ومع ذلك، فإن فعل الظهور، ضمن ما يُظهر ذاته تلقائيًا، ليس محط تفكير مستقل خاص به، بل يتم فيه الرجوع إلى الإحالة إلى زاوية نظر ممكنة. ينتج من هذا الامتياز الذي أعطي للفكرة (Idea) أو الصورة المرئية (Idein) في مقابل الفيزيس (physis) ذلك التحول العميق المعروف في ماهية الحقيقة الذي ينسبه هايدغر إلى أفلاطون في تأويله حكاية الكهف سنة 1942 في مبحثه: «المذهب الأفلاطوني حول الحقيقة». يعني هذا التحول العميق إخضاع الكينونة للفكر، والإدراك لفعل التفكير noein الذي تولدت عنه الميتافيزيقا التي رأت أن الكائن الحقيقي (L'ontòs on) هو المثال (أو الصورة أو الفكرة Idéa)، ورأت أن الفيزيس لا وجود خالص. هكذا بدت الميتافيزيقا إذن لا باعتبارها ذلك التهيؤ والاستعداد الطبيعي لدى الإنسان الذي تحدث عنه كانط، بل باعتبارها مطابقة لهذا الحدث التاريخي الذي هو الأفلاطونية. وهذا هو السبب الذي جعل هايدغر يقرر ضرورة مراجعة الدرس الافتتاحي الذي قدمه سنة 1929 ليضيف إليه لاحقة سنة 1943 ومقدمة سنة 1949، حين تم تدقيق أكبر في هذا التعريف الجديد للميتافيزيقا. يؤكد هايدغر في اللاحقة التي أضافها سنة 1943، أن السؤال «ما الميتافيزيقا؟» «ينبثق عن فكر سبق أن انخرط في محاولة مجاوزة الميتافيزيقا»، وينتهي باستحضار القرابة الغامضة بين المفكر والشاعر اللذين يوحدهما الهمّ نفسه: همّ اللغة. أما في ما يخص نص التقديم الذي كتبه هايدغر سنة 1949، والذي هو لاحق لهذا التنبيه الحاسم الذي هو «رسالة في النزعة الإنسانية» (سنة 1946)، فإنه مخصص لعرض الأفهوم الجديد للميتافيزيقا وبسطه، وهو الأفهوم الذي لم يعد يجد أساسه في نزوع الكائن الإنساني «نحو مجاوزة ذاته، بل يجد أساسه في تاريخ الكينونة ذاتها». وقد كتب هايدغر هذا التقديم تحت عنوان «العودة إلى أساس الميتافيزيقا.» هكذا تحدد الآن أن أساس الميتافيزيقا هو «حقيقة الكينونة» التي لا تعرف عنها الميتافيزيقا - من حيث هي فكر يخص حقيقة الكائن، والكائنية- أي شيء؛ إذ إن ما يجهله فكر الكائن منظورًا إليه من خلال ال Idéa، هو أن ضوء الكينونة مصدر لوضوح الفكرة؛ ففكر الكائن هذا لا يخبر الضوء إلا كعملية إضاءة في إطارها يقوم الكائن، وعندما يتساءل هذا النمط من الفكر فإنه لا يتساءل عن الوضوح ذاته، بل يطرح السؤال فقط عن مصدر هذا الوضوح أو عن منبعه؛ فهو لا يدرك إذن إلا حالة الوضوح، ولا يدرك صيرورة الضوء ذاته من حيث هو حدث. إن ما تفكر فيه الميتافيزيقا يتمثّل فقط في كون الكائن مضاءً ولا تفكر في الإضاءة ذاتها، أي الإضاءة التي تقدمها الكينونة، وهي المصدر الذي يأتي منه ذلك الوضوح (أو الضوء) الذي يضيء الكائن: «فالكينونة لا يتم التفكير فيها هنا في ماهيتها الإجلائية والتوضيحية، أي في حقيقتها». والميتافيزيقا لا تفكر إذن إلا في حقيقة الكائن، ولا تفكر في حقيقة الكينونة، وهذا ما دفع هايدغر إلى التأكيد بأن «الميتافيزيقا متجاوزة في الفكر الذي يفكر في حقيقة الكينونة».
هنا يتعين ألا نفهم ما يقصده هايدغر بمصطلح «حقيقة الكينونة» بمعنى أن الأمر يتعلق بالكينونة «ك» حقيقة، وأن الانكشاف ذاته (Aletheia) يعني، وفق مدلوله الاشتقاقي، عدم- الإخفاء (بالألمانية Un-verborgenheit)؛ فتساؤل هايدغر تحوّل فعليًا: انتقل من التساؤل عن معنىالكينونة إلى التساؤل عن حقيقة الكينونة، وهذا التحول يدل على مدى سعة «الانعطاف» الذي جابه فكره؛ الانعطاف الذي بدأ «يركز على انفتاحية الكينونة ذاتها أكثر مما بدأ يركز على انفتاحية ‹الكائن الإنساني› تجاه انفتاحية الكينونة». مدلول الانعطاف هو أن الفكر لم يعد يتصور الكينونة من منظور «الكائن الإنساني»، أي من حيث أنها مشروع ل«كائن إنساني» يبلور ويطور -خلال وجوده- معنى ما، بل إن الفكر بدأ يتصور الكينونة كمجال يقيم «الكائن الإنساني»، وعليه أن يستجيب له وأن يتفاعل معه. في نصٍّ كتبه هايدغر فيه بين سنتي ٤194 و ٥194 تحت عنوان «التَّْك» (Gelassenheit)، وهو مصطلح ألماني يعني: القدرة على ترك الكينونة وحالها أو وتلقائيتها وعدم التدخل أو التحكم فيها، بمعنى عدم التقوقع حول الكائن، يشير الفيلسوف إلى ضرورة مساءلة الفكر النزوعي- الأفقي، كما يؤكد أن أفهوم الأفق المفارق لا يكفي ولا يفي بالغرض المطلوب عند التفكير في مجال الانفتاح الذي يمكن أن نصادف الكائن داخله. ويؤكد هايدغر أن ما هو مطلوب ليس التخلي عن وجهة النظر النزوعية السابقة بقدر ما هو الانزياح الفعلي عن وجهة النظر هاته؛ ذلك أن الأفق -من حيث سماته الخاصة- ليس إلا الجهة الموجَّهة نحونا من طرف هذا الأفق المنفتح الذي يحيط بنا. يطلق هايدغر على هذا الأفق المنفتح ذاته - من حيث هو ذلك المكان/ الزمان الذي تظهر داخله الأشياء كلها- اسم «القارة»، ليشير بذلك إلى أننا لسنا نحن الذين نُسقطه حولنا، بل على العكس من ذلك، الأفق المنفتح هذا هو الذي يأتي أمامنا ويتجه إلى ملاقاتنا. وهكذا نرى بوضوح أن الانعطاف (Kehre) هو بالضبط الالتفات نحو الكينونة ذاتها، وإيلاء الاهتمام للوجه الآخر للأفق، أي لوجهه المخفي عنا ولا ندركه إلا انطلاقًا من الموضوعات التي تواجه فكرنا التمثلي (أو الاستحضاري) وتقابله. إن معنى مثل هذا «الانعطاف»، ومثل هذا الخروج عن التمثل، هو الدخول في علاقة «أقل توترًا» مع الكينونة، أي في علاقة «تترك» الكينونة تكون في تلقائيتها، بحيث لا تجعلها منتوجًا لنشاطنا الفكري. وفي الوقت نفسه، قادت ضرورة التفكير بشكل أدق في عملية الانخراج إلى أن نرى أنها تعكس تجربة التعرض لعملية انفتاح الكينونة، وهو ما يتضمن ويقتضي أن ماهية الانخراج لا يمكن أبدًا أن يفكر فيها فقط ككينونة خارجذاتها (ذات لا يزال التفكير فيها يدور حول كونها مادة أو كيانًا جوهريًا (Substance) أو ذاتًا فاعلة)، بل، على العكس من ذلك، أن يفكر فيها ككينونة قائمة داخلحقيقة الكينونة، كهيئة قائمة بذاتها. لم يكن هذا الانعطاف يعني إذن التخلي عن وجهة النظر الواردة في كتاب الكينونة والزمن، بل كان يعني، على العكس من ذلك، تعميق وجهة النظر الواردة في هذا الكتاب والتي كانت بمثابة مرحلة أولى لفكر جديد بشأن كينونة الإنسان، أي لفكر كان يتعين عليه بالضرورة أن يبدأ باتخاذ موقف تجاه تعريف الميتافيزيقا للإنسان بأنه ذات (Sujet.)
ماهية التقنية كميتافيزيقا متحققة
كان هايدغر، في اللحظة التي قبل فيها تحمُّل مسؤولية عمادة جامعة مسيَّسة وفي طور الخضوع للنازيةِ، لا يزال مقتنعًا بالمثال الأفلاطوني المتعلق بإمكان إقامة مصالحة بين السياسة والفلسفة، وهو ما جعله
لا يتشكك في الوظيفة «السيادية» للفلسفة التي اعترف بها هوسرل في كهولته. وإذا كان هايدغر قد قطع نهائيًا مع النظام النازي باستقالته من منصب العمادة في سنة 1934، فإنه، مع ذلك، لم يستوعب جميع أبعاد الظاهرة النازية إلا بين سنتي 1936 و 1937، أي في الفترة التي بدأ خلالها يلقي مجموعة من الدروس عن نيتشه. وكان معنى استيعاب مجمل الظاهرة النازية النظر إليها فلسفيًا كظاهرة متولدة أساسًا عن ماهية التقنية الحديثة، وعن سيادة ما سيدعوه هايدغر «إرادة القوة»، وذلك في نص تحت عنوان «مجاوزة الميتافيزيقا»، جمّع فيه النقاط والملاحظات المدونة بين سنتي 1936 و 1946. هنا يتعي ألا نفهم مصطلح المجاوزة هذا بأنه مجرد قلب للأفلاطونية لا يغير سوى معنى التعارض الميتافيزيقي بين ما هو حسي وما هو عقلي، بل هو على العكس من ذلك، تبنٍّ للميتافيزيقا. وبدل فهم معنى كلمة «تجاوز» (Uberwindung) بأنها تسريح الميتافيزيقا والابتعاد عنها، فإن هايدغر يفضّ ل عليها كلمة رفع أو صعود (Verwindung)، التي تدل على العكس من ذلك، تدل على القدرة على تقبّل الميتافيزيقا والوصول إلى حقيقتها؛ ذلك أن الميتافيزيقا - في أفق مصطلح الصعود الوارد في الجملة السابقة- تحافظ على حقيقة طويلة الأمد، إذ يفكَّر فيها هنا بالضبط في أفق تاريخ الكينونة ومنظوره. خلال هذا التاريخ، تعرض الكينونة نفسها (بكل حرية) بكيفيات متعددة، محدِّدة وموجِّهة بذلك عصورًا بأكملها، غير أن هذه العصور ليست -كما هو الأمر عند هيغل- أوجهًا للروح الكل (Esprit)، بل صور وأشكال متعددة لنسيان الكينونة، أي تحديداتلكائنية (Etantité) الكائن: الفكرة عند أفلاطون، الانيرخيا عند أرسطو، اليقينلدى ديكارت، المعرفة المطلقة لدى هيغل، إرادة القدرة لدى نيتشه، وهذه المحدّدات هي أيضًا أسماء للكائن في مجمله. تاريخ العصور هذا هو الميتافيزيقا ذاتها، من حيث أنها هذا الحدوث ذاته لواقعة نسيان الكينونة؛ ذلك أن الكينونة لا يمكنها أن تبسط ذاتها وتعرضها إلا وهي تنسحب، وما تعرضه وتفسح له مجال الظهور بانسحابها هذا هو الكائن ذاته. ليست الميتافيزيقا إذن (من حيث أنها ذلك الفكر الذي يفكر في كائنية الكائن «وينسى»، بذلك، الكينونة) «تاريخ خطأ»، اللهم إلا إذا نُظر إليها من منظور وحيد الجانب، كما نظر إليها نيتشه في غسق الأوثان؛ بل إن الميتافيزيقا يمكن أن تصبح تجربة «حقة وصادقة» لنسيان الكينونة، وذلك بقدر ما لا يكون النسيان نفسه منسيًا، وبقدر ما تُفهم الميتافيزيقا بأنها تاريخ انسحاب الكينونة. لكن التوقف عن نسيان النسيان ليس نتيجة قرار يتخذه الفكر؛ فليست الفلسفة هي التي تُصدر، في يوم من الأيام، قرار مجاوزة الميتافيزيقا. لا مكان هنا لأي نزعة إرادية، لأن الأمر لا يعني هنا التخلي عن شكل من أشكال الفكر أصبح مهجورًا وغير ذي جدوى، شكل من أشكال الفكر لم يعد صالحًا للاستعمال وغدا غير ملائم لعصرنا. إن معنى قولنا إن الميتافيزيقا مضى زمنها وإنها أصبحت في عداد الماضي هو أنها لا تزال تشكّل الحاضر في ماهيته ذاتها، وأن ذلك، بالنسبة إلى هايدغر، هو السبب في أن عصر مجاوزة الميتافيزيقا هو أيضًا عصر سيطرتها المطلقة، وأن نيتشه، ذاك الذي أعلن مجاوزة الميتافيزيقا، هو نفسه الذي استكملها. نحن نعيش فعلًالعصر الذي تتحقق فيه الميتافيزيقا وتصبح فيه عالمًا، وذاك في مرحلة الميتافيزيقا المكتملة، أي المتحققة في الواقع. وهايدغر يفهم اكتمال الميتافيزيقا هذا على أنه «خسوف حقيقة الكائن»، أي إن واقعة تجلي الكائن فقدت خصوصيتها. توجد فعلً لدى هايدغر فكرة مؤداها أن هناك استمرارية
في تطور الميتافيزيقا كفكر استحضاري أو تمثُلّي توجد نواته الأولى في «الفكرة» الأفلاطونية، التي أرست أولوية النظر والرؤية والتي اكتملت في ما بعد كيقين وكمعرفة مطلقة للذات مع ديكارت وهيغل. وقد دشن نيتشه -آخر ميتافيزيقي- عملية إغلاق هذه السيرورة الميتافيزيقية؛ إذ إن ما ظهر وفرض نفسه مع إرادة القوة هو حقيقة الذات، أي إن هذه الذات تريد ذاتها بشكل غير مشروط كواقع وحيد وككائن حقيقي وحيد. وعندما تظهر إرادة القوة وتحتل المقام الأول، وعندما تظهر كإرادة إرادة من حيث أن إرادة القوة ليست إلا إرادة تريد ذاتها بشكل غير مشروط، فإن الكينونة ستتوقف عن الصيرورة، ولن تبعث بإشارتها، ولن تهب ذاتها. وما سيستقر ويفرض نفسه في هذه الحالة هو هيمنة الحساب الشامل، والتنظيم الكلي لكل الأشياء في إطار من اللاتاريخية، وغياب الأهداف والغايات، وهذه هي السمات المميزة ل«العدمية المطلقة»، أي أقصى درجات نسيان الكينونة. يطلق هايدغر على هذه المرحلة من مراحل تطور الميتافيزيقا في مسعاها نحو الاكتمال والتحقق اسم «عصر التقنية»، مع إعطاء معنى خاص لهذا اللفظ بحيث لا يشمل فقط مجال إنتاج الآلات، بل يشمل أيضًا جميع المجالات الأخرى للكائن، بما فيها الثقافة والسياسة، بل حتى الطبيعة ذاتها وقد أصبحت موضوعًا. سيواصل هايدغر تفكيره في ماهية التقنية في إحدى المحاضرات التي ألقاها سنة 1949 تحت عنوان «إلقاء نظرة على ما هو موجود»، وهي المحاضرة التي نشُرت في ما بعد تحت عنوان «مسألة التقنية»، وفيها يبُرز الفيلسوف أن علاقات الإنسان بالموضوع -في أفق التقنية الحديثة- لم تعد قابلة للتناول بطريقة قديمة؛ إذ لا شيء يقدم نفسه اليوم على هيئة موضوع مطروح أمام ذات، بل إن كل شيء من أشياء العالم بدأ يظهر -على العكس- كأساس وكمخزون من القوة والقدرة مسخَّر من أجل الذات. واختفاء الموضوع في ثنايا الخطة الحسابية الشاملة يسير في موازاة اختفاء الذات نفسها، لأن «الذات» الحديثة والمجتمع الصناعي في مجمله، أصبحا خاضعين، هما أيضًا، للقوة التحريضية لما سيطلق عليه هايدغر اسم «النسق التقني- الصناعي الكلي» (Gestell). وهذا المصطلح يعبِّ عن نمط الانكشاف التقني الذي يضع أمامنا الكائنات كلها ككائنات قابلة للمناداة والمساءلة، بهدف الإنجاز والمحاسبة والتحكم، وذلك من أجل إنتاج الطاقة. إن المفارقة الأساسية التي تسم التقنية الحديثة هي أنها تبدو، من جهة، وكأنها تعكس هيمنة إرادة الإرادة والسيطرة المطلقة على الكائن، لكنها تُظهر، من زاوية أخرى، أن الكشف عن الواقع كمخزون قابل الاستهلاك سيقود نحو اختفاء الذات نفسها، ويشهد على أن التحريض الذي يمارسه «النسق التقني الكلي» أمر لا يتولد عن قرار إنساني، لأن الإنسان نفسه يرى ذاته مأخوذة في سياق هذا النسق. فالتقنية الحديثة تضع الإنسان في موقع يجعله يستسلم لجنون السيطرة بقدر ما يمكّنه من أن يصبح متنبهًا لنصيبه من المسؤولية في هذا الكشف، وذلك لأن هيمنة الفكر العملياتي التقني وتمدده ليشمل جميع مجالات الكائن، وليطاول الإنسان ذاته، ذلك الكائن الذي يجد نفسه مطلوبًا ومتحكَّمً فيه من طرف «النسق التقني الكلي»، هما اللذان يجعلان الانتماء المشترك والمتبادل بين الإنسان والكينونة يُعلن نفسه عبر استشعاره للخطر، وهو ذلك الانتماء المتبادل الذي سبق لهايدغر أن أطلق عليه اسم «الكائن الإنساني»، والذي حاول - بعد انعطافه الفكري- التفكير فيه تفكيرًا خاصًا تحت عنوان «الحدوث الكبير»(الإيرايغنيس Ereignis.)
الميتافيزيقا مزيجًا من الأنطولوجيا واللاهوت
يتعلق الأمر، عند العودة إلى أساس الميتافيزيقا، بتوجيه السؤال نحو ما ظل ويظل منسيًا وغير مفكَّر فيه في تاريخ الميتافيزيقا، من دون أن يعني ذلك تصوّر اللامفكَّر فيه على أنه ما هو مهمَل، وتصوّر النسيان على أنه حدث عارض: بل إن اللامفكَّر فيه والنسيان هما شرط إمكان التاريخ الذي لا يمكن أن يتحرك إلا انطلاقًا من هذا الإبعاد الأول. إن الكينونة - من حيث أن اختلافها عن الكائن اختلاف منسي أو لامفكَّر فيه- تنسحب بكيفيات وعبر طرائق متعددة لكي تفتتح مجال الظهور هذا الذي يطلق عليه هايدغر لفظ Lichtung، أي المضَاءة أو فسحة الضوء، بحيث يمكن أن تصبح خصائص كينونة الكائن-ضمن مجال الظهور هذا- موضوع تفكير، وهذا هو السبب في أن التساؤل عن النسيان وعن العودة صعودًا إلى الأساس، لا يمكن أن يحدث إلا عندما تكون الميتافيزيقا قد اكتملت وتحققت، أي استنفدت جميع التحديدات الممكنة لكائنية الكائن. وهكذا، فإن كل عصر من عصور الميتافيزيقا هو بالتالي إعادة تناول للأصل نفسه الذي ظل غير مفكَّر فيه من طرف التراث الغربي من بدايته إلى نهايته، من انكسيماندر إلى نيتشه، وذلك لأن ما قبل السقراطيين أنفسهم لم يفكروا إلا في كائنية الكائن لا في حقيقة الكينونة، حتى وإن سمَّوا عملية «الانكشاف» L’alètheia؛ فالبقاء تحت هيمنة الأليتيا لا يعني بتاتًا إخضاعها للمساءلة، والأمر لا يتعلق إذن، بعد الانعطاف، «بألا نتفلسف إلا كما قبلسقراطيين»، «وبأن ندين كل ماعدا ذلك على أنه سوء فهم وانحطاط». كما أن الأمر لم يكن يعني، في سنة 1927، تكرار الأرسطية. إن ما هو محط سؤال هو، على العكس من ذلك، قياس نسيان الكينونة، حتى في الوقت الذي يتم فيه إعطاء اسم لهذه الكينونة؛ إذ إن الميتافيزيقا ذاتها تعطي الانطباع ظاهريًا بأنها تطرح مسألة الكينونة وتتناولها لأنها -وهي تتقصد الكائن في كليته- إنما تتحدث عن الكائن، وبذلك تجد نفسها تخوض، بطريقة غريبة، في عملية خلط دائم بين الكينونة والكائن، وذلك منذ بدايتها إلى مرحلة اكتمالها وتمامها. وعندما نسلط الضوء على هذا الطابع المزدوج الأساسي للميتافيزيقا من حيث أنها هي، في الوقت نفسه، علم وجود (أنطولوجيا) وعلم لاهوت (ثيولوجيا)، فإن المقصود من ذلك هو إبراز هذا الخلط بين الكينونة والكائن. أن نعتبر الميتافيزيقا علم وجود وعلم لاهوت (أنطو- ثيولوجيا)، كما فعل هايدغر بوضوح سنة 1957 في دراسته «الهوية والاختلاف»، ليس إلا عودة إلى تبنّي التعريف الأرسطي ل«الفلسفة الأولى») proté philosophia (، وهي الفلسفة التي أطلق عليها التقليد الفلسفي المتوارث اسم الميتافيزيقا، وذلك لأن الفلسفة الأولى بالنسبة إلى أرسطو -كما بيّ ذلك هايدغر سنة 1927 - هي معرفة الكائن من حيث هو كائن، أي علم وجود (أنطولوجيا) بقدر ما هي معرفة بالمنطقة الأسمى من الكائن، أي علم لاهوت (ثيولوجيا). لكن من أين أتى هذا التقسيم الثنائي؟ ذاك هو سؤال هايدغر. يتعيّ قبل كل شيء أن يُشار إلى أن الطابع اللاهوتي للميتافيزيقا لا يأتي من التحول الذي تعرضت له بسبب التقائها بالمسيحية، بل على العكس من ذلك تمامًا، فإن الثنائية الأصلية العميقة للميتافيزيقا هي التي مكّنت اللاهوت المسيحي من الاستيلاء على الفلسفة الإغريقية. إن الماهية الوجودية اللاهوتية
(ontotheologique) للميتافيزيقا قائمة فقط على أساس الكيفية التي يظهر لها بها الكائن من حيث هو كائن. والضوء الذي تسلطه عليه ندوة ٦-195٧195 المخصصة للتشكّلالأنطو- ثيولوجي للميتافيزيقا، الذي يُعتبر القسم الثاني من «الهوية والاختلاف»، هو أن الميتافيزيقا فكرت دومًا، ومنذ البداية، في كينونة الكائن باعتبارها أساسًا، أي علم (Logos). لقد فكرت الميتافيزيقا فعلً في الكينونة في اتجاه الكائن وانطلاقًا منه، وهو ما يتضمن أن اختلاف الكينونة عن الكائن اتخذ بالنسبة إلى الميتافيزيقا شكل تمييز بين لفظين أو حدين. إن ما نسُي بصفة خاصة هو الفرق أو الاختلاف ذاته كما هو، من حيث أن هذا الفرق أو الاختلاف يبعد ويسحب -منذ الأصل- عن الرؤية، وذلك لأن ما يتم توجيه النظر إليه وتركيز الرؤية عليه هو ما مُيِّز وبُيِّ اختلافه، أي الكينونة من حيث هي الوجه الكيان الآخر للكائن؛ فالميتافيزيقا إذن تضع الكينونة والكائن بعضهما خارج بعض؛ فهي تعرِّف نفسها بذلك كمحاولة للتأسيس تتقصد الاهتمام بالكائن بإرجاعه إلى كينونته من زاوية نظر مزدوجة: زاوية العمومية وزاوية الكلية (totalité.) وهكذا، فإن الأنطولوجيا والثيولوجيا هما، بمعنى ما، «نوعان من المنطق»، أي خطابات وأقوال تستهدف التأسيس. إن السبب في كون الأنطولوجيا أيضًا لاهوتًا ومنطقًا (theo-logie) لا ينفصمان، هو كون الميتافيزيقا تأسيسًا عقليا للكائن. لقد كان هناك ضرورة لإدخال الله في الفلسفة لأن الفكر الباحث عن الأساس والتأسيس كان يدعو إلى ضرورة إيجاد أساس أول وعلّة قصوى (ultima- ratio). ولم يكن هذا التأسيس على علّة أسمى ليُتصوَّر هو ذاته إلا على شكل علة ذاتية (Causa sui)، وذاك هو الأفهوم الميتافيزيقي لله. هكذا، أمكن هايدغر أن يستخلص من هذا التحليل أن البنية الوجودية -اللاهوتية- المنطقية (onto-theo-logique) للميتافيزيقا هي نتيجة لتخبّط الميتافيزيقا في فهم الاختلاف، من دون أن يفكَّر في هذا الأخير في حد ذاته؛ ذلك أن التفكير في الاختلاف لا فقط في المختلف، هو ما قاد هايدغر ذاته إلى تجاوز الاختلاف الأنطولوجي ولما يتضمنه من بُعد نزوعي أو تجاوزي، فالأمر هنا أقل من أن يكون تفكيرًا في الفروق والاختلافات بقدر ما هو تفكير في صدورها انطلاقًا من ذات الشيء؛ إذ إن وحدة ماهية الميتافيزيقا هي ما استمر تناسي التفكير فيه، وهذا هو السبب الذي جعل هايدغر يفضّ ل فكرة الازدواجية والانثنائية المضاعفة للعلاقة بين الكينونة والكائن، وهي الفكرة التي تحرص على الجمع والفصل بينهما في آن واحد، لا على مجرد فكرة اختلاف أحدهما عن الآخر فقط. فوفقًا للفكر الذي «لم يعد فلسفة لأنه فكر يفكر بشكل أكثر عمقًا وأكثر أصالة من الميتافيزيقا»، ووفقًا لمعنى الانعطاف الذي يعني نقل الصفات التي كانت منسوبة في السابق إلى «الكائن الإنساني»، إلى الكينونة نفسها، فإن الكينونة ذاتها (وليس نزوع الدازاين نحو شيء آخر) هي التي تولّد اختلاف الكينونة عن الكائن.
نهاية الفلسفة
تعلن موضوعة نهاية الفلسفة نفسَها في النصوص التي نشرها هايدغر قبل محاضرة سنة 1964، وعنوانها «نهاية الفلسفة ومهمّة الفكر». كان هايدغر قد أشار من قبل، في واحدة من النقط التي جمّعها تحت عنوان «مجاوزة الميتافيزيقا»، إلى أن الميتافيزيقا منذ نيتشه اكتملت وتحققت، لكنه يؤكد أن نهاية الفلسفة ليست
مع ذلك نهاية الفكر، فكيف نفهم معنى «النهاية» في الفلسفة؟ هنا يتعين علينا أن نترك المعاني السلبية جانبًا للنهاية من منطلق أنها تعني التوقف أو التخلف أو الانحطاط، وذلك لنفهمها بالأحرى في مدلولها الإيجابي كاكتمال، كامتلاء، وكاستجابة لمهمّة نذرت الفلسفة نفسها لها منذ بدء تاريخها: وهي مهمّة التفكير في أساس الكائن. وهايدغر ينظر إلى هذا الاكتمال من منظور أنه لا يزال شغَّالا في العصر الحاضر في ما يظهر وكأنه تحلل الفلسفة وتفكّكها، أي تحرر الكثير من العلوم المقننة تجاه أصلها الفلسفي. ألم تبق اليوم، مع ذلك، مهمّة خاصة لفكر لن يكون ميتافيزيقيًا ولا علميًا؟ تلك هي المسألة التي ينكبّ عليها هايدغر والتي تشير إلى نمط آخر من الفكر غير فكر التأسيس، أي إلى فكر لا يشكّل ولا يؤسس ولا ينتج شيئًا؛ فكر هو بذلك «أفقر» من الفكر الميتافيزيقي، لكنه فكر ينجز ويستكمل، مع ذلك، علاقة الإنسان بالكينونة، وذلك بتركه الكينونة تأتي نحو اللغة.
مسألة اللغة
كان هايدغر قد اعترف سنة 1954، في حوار دار حول الكلام، أمام محاوره الياباني، بأن «التأمل في اللغة وفي الكينونة وجه، منذ البداية، مساره الفكري، وبأن هذا هو ما فرض ضرورة فحص موقعهما المفترض في خلفية فكره». وفعلً، فإن مساءلات هايدغر الفلسفية، بعد الانعطاف، وفي أفق فكر الكينونة الذي لم يعد فكرًا حول تأسيس الكائن، بدأت تتمركز بشكل قوي حول مشكل علاقة الكينونة باللغة؛ فنسيان الكينونة بلغ ذروته عندما كفّت الميتافيزيقا عن أن ترى في فعل الكينونة مجرد مقولة منطقية رابطة. وهكذا، بدا أن كلمة «كينونة» (Etre) حالة قصوى من حالات اللغة، أو «بخار كلمة» خالص، بحسب تعبير نيتشه؛ ذلك أن في إمكاننا أن نميز في جميع كلمات أي لغة الدال (الصوتي أو الكتابي) من المدلول (المعنى)، ثم من الشيء الذي تشير أو تحيل إليه الكلمة (المرجع). وهذه القاعدة لا تنطبق على كلمة «كينونة» التي لا تحيل إلى أي كائن والتي ليست إلا مظهرًا لعلاقة، علاقة «الكائن الإنساني» مع الكائن في مجمله، وهذه العلاقة هي التي تتفاعل وتتجسد كلغة. إن ماهية اللغة متخفية فعلً في تصور يجعل الكلمة مجرد علامة على كائن موجود من قبل. وبما أن الفلسفة أنطولوجيا، أو علم لوجود الأشياء وللحضور القبلي، فإنها لا تعرف اللغة إلا على هيئة منطوق أو حكم يعطي فكرة عن صفات الكائنات المعزولة والمفصولة، سواء عن مكان ظهورها، أي العالم، أو عن ذلك الكائن الذي ظهرت الكلمة من أجله، أي «الكائن الإنساني المنفتح». هكذا تبدو اللغة ذاتها، منذئذ، مجموعة من الكائنات القائمة، كما تفهم أساسًا انطلاقًا من عنصرها الصوتي، وذاك هو مصدر تعريف الحقيقة كتطابق بين كائنين موجودين: الشيء من جهة، والمنطوق اللغوي من جهة أخرى. إن ما هو مطروح للنقاش هنا، بالنسبة إلى هايدغر، هو مصطلح علامة ذاته، لأن أنطولوجيا الأشياء الموجودة أو المعروضة أمام الإنسان تنتهي إلى الاعتراف بالمكانة الأنطولوجية نفسها لكلٍّ من الشيء والعلامة، كما لو كانا متساويين في الوجود. هكذا إذن تنغلق لغة من اللغات (حين يجري تصوّرها في هيئة نسق من العلامات) على نفسها، وتظل غير قادرة على أن تقول الكينونة وتعب عنها في زمنيتها الخاصة. وهذا هو السبب الذي جعل هايدغر يوضح في «رسالة في النزعة الإنسانية» أنه تراجع عن نشر القسم الثالث من الجزء الأول من الوجود والزمن، لأن الفكر لا يتوصل إلى إنجاز مهمّته
كاملة عندما يستعين بلغة الميتافيزيقا. من الواضح إذن أنه لكي يتم التفكير في زمنية الكينونة، فإن من المطلوب البحث عن لغة أخرى غير لغة التراث الفلسفي التقليدي. لكن تحوير اللغة المطلوب إنجازه هنا -كما أشار هايدغر إلى ذلك في «التوجه نحو اللغة-» «لن يتحقق بمجرد صوغ ألفاظ جديدة أو تبنّي مصطلحات أخرى»، وكأن الأمر يتعلق بمحاولة التعبير عن الظواهر بشكل أدق وأكثر تطابقًا؛ ذلك أنه لو كان الأمر كذلك، فإن معناه أن هايدغر ظل أسير تصوّر للغة يرى أنها صورة خالصة للأشياء. وعلى العكس من ذلك، فإن المطلوب هو تحوير علاقتنا باللغة؛ إذ من الضروري تجريب لغة يتم فيها تغيير مسار هذا التصور المتداول عن اللغة باعتبارها طلاء وصباغة للأشياء. هنا يؤدي الحوار مع الشعراء دورًا حاسمً؛ فاللغة الشعرية ليست فقط إشارة إلى الأشياء وتعيينًا لها، بل هي تجسيد للكائنات وإقامة لها أو إرساء لها، كما لو أن الكائن يأتي إلى كلمات اللغة ليستشعر وجوده فيها أول مرة. وهايدغر لا يحيل هنا إلى الشعر عامة بل إلى شعر هولدرلين وريلكه وتراكل وجورج، أي إلى شعراء يستقدمون إلى اللغة -في أشعارهم- ماهية اللغة الشعرية ذاتها؛ إذ إن عنف القول الشعري عنف الانكشاف والكشف: فالكشف والانكشاف (الأليتيا) ليسا واقعة تحدث قبليًا، بل إن الكشف لا يحدث إلا إذا أُحدث بواسطة العمل الأدبي. لكن العمل الأدبي ليس، في حد ذاته، كشفًا إلا لأنه قول أو شعر؛ فالشعر، بمعنى الخطاب الشعري، هو ذاته نمط مشتق من أنماط القول، على غرار الأنماط الأخرى: فالمعبد الإغريقي شعر أيضًا، بمعنى أنه يرتب الأشياء كلها حوله، حيث يقيم أو يشكّل عالمًا، إلا أن الشعر في مدلوله المحدود، من حيث هو فن من فنون القول، لا يقل خصوصية وتميزًا ضمن مجموع الفنون، لأنه يتأسس على اللغة، وذلك لأن تسمية الكائن إظهار وإبراز له للمرة الأولى، وكل الفنون لا تشارك في فعل القول، وليست قولً إلا لأنها تأتي إلى «داخل فسحة الكائن (المضيئة) الحالَّة من قبل على الرغم من أنها، في كليتها، غير مدركة في اللغة». وهكذا، لا يمكن إذن تسليط الضوء على ماهية اللغة إلا عبر حوار الفكر والشعر، وفقط عبر هذا الحوار بين الفكر والشعر يمكن أن تنجلي ماهية اللغة، كما يمكن أن ينجلي أيضًا أن «هذه السمة الخاصة بالفكر، من حيث أنه هو منتوج شاعر، لا تزال سمة خفية». هذا ما قاد إلى التعريف الشهير للغة بأنها «بيت الكينونة»، وهو التعريف الذي نعثر عليه في «رسالة في النزعة الإنسانية». ومع ذلك، فإنه يتعيّ ألا نعتبر هذا التعريف صيغة تقدم لنا ماهية اللغة، كما يتعين ألا نؤوّله انطلاقًا من المعنى العادي للكلمات التي يتكون منها هذا التعريف؛ إذ إنه ليس مجازًا أو صورة تشبيهية: «فأن نتحدث عن بيت الكينونة ليس معناه أبدًا أننا نضفي على الكينونة صورة ‹بيت›، بل على العكس من ذلك فإننا فقط عندما نكون قد فكرنا وتصورنا ماهية الكينونة وفق ما هي، نكون قد استطعنا يومًا ما أن نتصور ما هو ‹البيت› وما معنى أن ‹نسكن»›. ففعل السكن، الذي علَّمنا بيت شعري شهير لهولدرلين أنه دومًا سكن شعري، هو ماهية كينونة الإنسان ذاتها من حيث أنه هو ذلك الكائن الذي يسكن أو يقيم في حقيقة الكينونة، ومن حيث أن هذه العلاقة بالكينونة التي تشكّله علاقة تتحقق على هيئة لغة، وتلك هي علة كون «اللغة هي في الوقت نفسه بيت الكينونة ومحل استظلال الماهية الإنسانية.»
ليست اللغةإذن، بأي معنى من المعاني، أداة تمكّن الإنسان من السيطرة على الكائن، بل هي الكيفية التي تحدث أو تتحقق أو تحصل بها علاقة الإنسان بالكينونة، أي يتحقق بها الحدوث الكبير (الإيرايغنيس) ذاته. إن ما يطلق عليه هايدغر اسم الإيرايغنيس (وهو اللفظ الألماني الذي أصبح هو اللفظ الأساسي الموجه لفكر الفيلسوف ابتداء من ثلاثينيات القرن العشرين) هو الانتماء المشترك والمتبادل بين الإنسان والكينونة؛ ذلك أنه يتعيّ أن نفهم هذا اللفظ (الذي يدل في اللغة الألمانية المتداولة، على «الحدث») أيضًا بمعنى العين والرؤية (كما يسعف بذلك بعض الاشتقاقات في اللغة الألمانية) لا بمعنى الانتماء الخاص والتملك الخاص (كما تسعف بذلك اشتقاقات لغوية أخرى). في هذا المنظور، نتبين أن كلمة Ereignen تعني إذن إرجاع الشيء أو المعنى إلى انتمائه الخاص به عن طريق جعله مرئيًا. إن تشابك هذه المعاني الثلاثة هو ما يجعل لفظ الإيرايغنيس لفظًا غير قابل للترجمة. إن ضرورة التفكير في الانكشاف أو عدم الاحتجاب (L'alétheia)، أي في فسحة الضوء (أو المضَ اءة) ذاتها، قادت هايدغر إلى التخلي عن كلمة كينونة بوصفها كلمة لا تزال تنتمي إلى ميتافيزيقا الكينونة؛ فتحْت هذا الاسم (=الكينونة)، لا نستطيع أن نفكر إلا في كينونة الكائن لا في الكينونة كحقيقة، أي ليس في الفسحة ذاتها كمكان لظهور كل كائن. هناك عادة راسخة في الفكر لا يمكن اقتلاعها وتتمثّل في أنه يتم دومًا التفكير -تحت اسم الكينونة- في شيء- مقابل، في حين أن الكينونة هي محل انبثاق كل ما هو مقابل، وهي مكان انبثاق كل موضوع. يتعين إذن التخلي عن اسم الكينونة أو وضع علامة حذف X عليه، كما فعل ذلك هايدغر نفسه سنة 1956 في دراسته «مساهمة في مسألة الكينونة»، وذلك لأنه إذا كان لهذه العلامة معنى سلبي يتمثّل في نزع مظهر «الذات الفاعلة» عن الكينونة، فإن لها معنى آخر إيجابيًا هذه المرة، وهو الإشارة إلى فسحة الضوء ذاتها من حيث أنها هي مكان سكن الفانين، وكذا الإشارة إلى هذا الإطار الرباعي (Geviert) الذي يتشكل من خلال التعارض المزدوج بين الأرض والسماء، ثم بين الفانين والآلهة، وهو الرابوع الذي لمح فيه هايدغر قضية فكر جديد ليس هو فكر معنى الكينونة، ولا هو فكر حقيقة الكينونة، بل هو «موقع وفضاء (Topologie) للكينونة.»
قضية الفكر
ما هي فعلًالمهمّة المنذورة لفكرٍ لن يكون فكر تأسيس بل سيكون فكرًا محدودًا ومتناهيًا حول السكن؟ ذاك هو السؤال الذي طرحه هايدغر في محاضرتين، إحداهما ألقاها سنة 1964 تحت عنوان «نهاية الفلسفة ومهمّة الفكر»، بينما ألقى الأخرى سنة 1965، بالفرنسية، تحت عنوان «قضية الفكر»؛ ذلك أن مهمّة الفكر الفلسفي، أي ما هو مطروح للتساؤل بالنسبة إلى هذا الفكر، منذ ديكارت إلى هوسرل، هي مسألة الذاتية. ومعنى ذلك أن ما يهم الفكر الفلسفي عرْضه ذاته وتقديمها أكثر مما هو «الشيء» ذاته؛ ذلك أن الأمر بالنسبة إلى الفلسفة يتعلق -كما هي الحال لدى هيغل وهوسرل- بتوجيه قضيتها الخاصة ورفعها إلى مستوى المعرفة المطلقة، وإلى درجة البداهة القصوى، أي إلى مستوى الظهور المطلق. إذن، إن القضية الأساسية للفلسفة - ليس فقط للفلسفة الحديثة، بل أيضًا للفلسفة بصورة عامة، منذ
نشأتها الأفلاطونية- هي ضوء الظهور وضوء الرؤية. وما ظل غير مفكَّر فيه في الفلسفة وما أخفته بسبب طريقتها في طرح الأسئلة والتطرق إلى المسائل، هو محل فعل الظهور ومحل فعل الرؤية، أي ما ظل هايدغر منذ الكينونة والزمنيطلق عليه اسم الفسحة الضوئية (Lichtung)، وهو اللفظ الذي أعطاه بعد ذلك معنى أكثر خصوصية هو المضَ (اءة clairiere). بصدد هذه المسألة، يشير هايدغر إلى أن كلمة lichtung لا تنحدر من licht (ضوء) بل تُشتق من النعت Leicht الذي يعني الخفيف، الخافت. كلمة Lichtung تعني بالخصوص المكان أو الفضاء المفتوح القليل الأشجار، الفسحة أو المضاءة. وهكذا، ليس الضوء هو الذي يخلق الفسحة أو المضاءة، بل الفسحة هي التي تفتتح عملية تناوب الضوء والظل وتتيحها. الفسحة Lichtung أو المضاءة هي إذن ظاهرة أصلية؛ إنها ذاك «الشيء» الأصلي الذي لا تقول عنه الميتافيزيقا أي شيء. إن ما فكرت الفلسفة فيه وتفكر، كل مرة، هو حضور الحاضر من قبل، وليس ما يمنح الحضور والغياب في حد ذاتهما. الميتافيزيقا كلها تتحدث لغة أفلاطون، وهي ذاتها أفلاطونية، لأن الفلسفة كلها قول أو تعبير عن «الفكرة» -المثال، وهي منطق- فكرة (Ideo-logie)، بمعنى أن الفلسفة كلها تفكر في ما يظهر من حيث أنه يمكن أن يكون محط رؤية. هكذا، نرى هنا أن للمعادلة: «الميتافيزيقا تساوي الأفلاطونية» معنى مختلفًا لدى كلٍّ من نيتشه وهايدغر؛ فهي تعني لدى نيتشه الحط من قيمة المحسوس والاعتقاد في وجود عالم حقيقي يقوم خلف عالم المظاهر هذا. أما بالنسبة إلى هايدغر، فمعنى المعادلة هو وجود فكر إنارة ورؤية؛ فلكي يُظهر شيء ما نفسه لنا من خلال مظهره، أي من خلال «فكرته» أو صورته (eidos)، يتعيّ أن يكون مكان إمكان الالتقاء به موجودًا ومفتوحًا من قبلُ، أي يجب أن يكون مكان الانكشاف أو عدم الانحجاب مفتوحًا من قبل. لكن الفكر الفلسفي لا يفكر في الانكشاف (l'alètheia)، من حيث هو كذلك، مع أنه، هو نفسه، يتأسس على عدم الاحتجاب. فالفلسفة، من حيث هي فكر يتمحور حول «الفكرة-الصورة»، تفكر في ما يظهر من خلال تعرضه للرؤية أو قابليته للرؤية وليس في عملية «انعطاء» كل ما يظهر، أي في المنفتح من حيث هو كذلك. أما الميتافيزيقا -من حيث هي أنطوثيولوجيا- فهي تفكر في الكائن عامة انطلاقًا من تأسسه على كائن أسمى بدل أن تفكر في ما يوجد انطلاقًا منه كائن بصفة عامة ويوجد انطلاقًا منه كائن أسمى. الفكر الفلسفي لا يمكنه فعلً أن يفكر في ما يجعله ممكنًا، وهذا لا يرجع بتاتًا إلى نوع من الإهمال الإنساني، بل يرجع إلى بنية عملية الانكشاف (Alétheia) ذاتها، التي هي عملية تبعد نفسها عن الرؤية لمصلحة ما تدعه يظهر، أي لمصلحةالكائن ذاته. إننا دومًا، وبصورة قبلية، في حالة انكشاف أو عدم انحجاب، وهذا سبب كوننا لا نستطيع أن نفكر في عملية حدوث هذا الانكشاف ذاته، أي في عملية القدوم والحضور ذاتها، أي في عملية الظهور ذاتها من حيث أنها خروج من دائرة الانحجاب؛ ذلك أن عملية الانحجاب تحصل انطلاقًا من انحجاب أو احتجاب أصلي بل أصلي جدًا، مرتبط ب lèthè التي هي قلب الأليتيا، أي بانحجاب ونسيان في آن واحد، وعملية الانحجاب الأصلية هاته هي التي تظل، من حيث هي كذلك، شيئًا لم يجرِ التفكير فيه. ولعل حدث الانفتاح انطلاقًا من انغلاق أكثر أصلية منه هو ما يظل من الضروري إلى حد الآن التفكير فيه في عصر نهاية الفلسفة.
كان هايدغر يقول مرات كثيرة إن الفكر الذي لم يعد ميتافيزيقا هو أقل من الفلسفة قيمة، وأنه أكثر منها فقرًا، لأنه لا يرفع نفسه إلى مستوى فكر التأسيس، وذلك لأن هايدغر يطرح فكرًا س مته التناهي؛ فكرًا ليس موضوع ذاته، أي «شيئه» الخاص به؛ فكرًا تعني ماهيته الموقته «إفساح المجال لهذا الذي يتجه أو يُساق نحوه الفكر ليبرز نفسه بتلقائية»، وهو يطرح هذا الفكر كنقيض للحلم الفلسفي بإنشاء فكر استيفائي، أو فكر الفكر كذاك الذي جعله أرسطو فكرًا خاصًا بالله، والذي استكمل في «علم المنطق» لهيغل. إن كون الفينومينولوجيا تعرّف نفسها منذ هوسرل بأنها منهج وطريق يقود إلى «الشيء ذاته»، إلى الشيء الذي هو محط السؤال، هو ما جعل هايدغر يستمر في تعريف فكره في سنة 1973 بأنه «فينومينولوجيا ما لا يظهر». ومع ذلك، يتعيّ علينا ألا نرى في ذلك أي تناقض، لأن هذا الذي لا يظهر لا يحيل إلى أي «عالم خلفي»، بل يحيل فقط إلى الما لا يظهر الذي يقيم في كل فعل ظهور، أي يحيل إلى فعل حدوث عملية الظهور وإلى عملية « انعطاء» الكينونة أو «انوهابها» *.