العودة إلى تفاصيل المؤلَّف نقد التنوير عند الفيلسوف برلين

نقد التنوير عند الفيلسوف برلين

Isaiah Berlin’s Critique of Enlightenment

إبراهيم طلبه عبد الخالق

Ibrahim Tolba Abdel Khalek

الملخّص

* أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة، كلية الآداب - جامعة طنطا، مصر.

(((المصدر نفسه، ص x.

Abstract

Isaiah Berlin started his academic work as a philosopher in Oxford, and gained renown as a historian of ideas. He was clearly influenced in Oxford by Austin, Ayer, Hampshire, MacKinnon, and Macnabb, who instilled in him the English method of linguistic analysis derived from Hume, Mill, and Russell. Perhaps his article "Austin and the Early Beginnings of Oxford Philosophy" is the most prominent piece on this Oxford analytical movement.

الكلمات المفتاحية:
  • التنوير
  • الطريقة التحليلية
  • فلسفة أكسفورد
Keywords:
  • Enlightenment
  • Criticism
  • Analytical Method
  • Oxford Philosophy.

تمهيد

برلين أيزياه **)1997-1909(فيلسوف سياسي وكاتب ومحاضر ومحدِّث ومؤرخ أفكار يهودي روسي. عاش في بريطانيا، وهو أحد قادة الفكر الليبرالي في القرن العشرين. ولد برلين في ريغاِواحدًا من الرعايا اليهود في الإمبراطورية الروسية، وأمضى طفولته في بتروغراد خلال المراحل الأولى من الثورة الروسية، حيث شهد سلسلة من الأحداث ملأته بكراهية دائمة للعنف. انتقل إلى إنكلترا وهو في الحادية عشرة، وسرعان ما تكيف مع بيئته الجديدة، وأصبح له عمل أكاديمي بارز في

أُكسفورد، وأصوله جعلت له ثلاثة أنواع من الولاء: يهودي وإنكليزي وروسي. وربما كان هذا التضارب في تكوينه كرجل شديد الذكاء والحساسية، هو ما حفزه على الاهتمام بموضوعات مختلفة شغلته عبر حياته. وكان من أكبر العواصف السياسية التي أفسدت عليه طفولته وتحكمت في جانب كبير من حياته الحرب العالمية الثانية، وعمله محللً سياسيًا في واشنطن وموسكو، علاوة على الاضطهاد الذى لقيه كثير

من أقاربه اليهود، وفقدانهم في الهولوكوست النازية. وما من دراسة عن حياته إلا أشارت إلى هذا الأمر على الرغم من أنه كان نادرًا ما يتحدث عنه. بدأ برلين عمله الأكاديمي فيلسوفًا في أُكسفورد، واشتهر بأنه مؤرخ أفكار، وتأثر تأثرًا واضحًا بالفلاسفة

التحليليين في أُكسفورد، وعلى رأسهم: أوستن وإير وهامبشير وماكينون وماك ناب؛ إذ غرس فيه هؤلاء

الطريقة التحليلية اللغوية الإنكليزية المنحدرة من هيوم ومِل ورَسِل. ولعل مقاله «أوستن والإرهاصات

الأولى لفلسفة أكسفورد» من أبرز ما كُتب عن هذه الحركة التحليلية في أُكسفورد.

(1) Marilyn Berger, «Isaiah Berlin, 88, Philosopher and Historian of Ideas,» New York Times , 10/11/1997, p.2. (2) Isaiah Berlin, The Proper Study of Mankind: An Anthology of Essays , Edited by Henry Hardy and Roger Hausheer; Foreword by Noel Annan; Introduction by Roger Hausheer (New York: Farrar, Straus and Giroux, 1998), p.xxi.

عُرفبرلين بفهمه العميق للمكانة الحيوية للفلسفة في جميع الأنشطة الفكرية، وخاصة لمكانة تاريخ الأفكار

كمحاولة فلسفية يمكن أن تزودنا بمعرفة أساسية تنويرية وتحريرية في ضوء الدراسة المنهجية للتاريخ الفكري للبشر والثقافات والحضارات والحركات السياسية والمعرفية المختلفة... إلخ. فتاريخ الفكر هو، بشكل كبير، قصة تصنيف الموضوعات عبر نوعين من المسائل: مسائل تتعلق بالعلوم الطبيعية، ومسائل تتعلق بالرياضة

والمنطق، أي مسائل الأنساق التركيبية « التجريبية » ومسائل الأنساق الاستنباطية « الصورية ». أهم ما كتبه برلين: كارل ماركس: حياته وبيئته (1948)؛ عصر التنوير: فلاسفة القرن الثامن عشر

(1956)؛ أربع مقالات عن الحرية (1969)؛ فيكو وهيردر: دراستان في تاريخ الأفكار (1976)؛

مفكرون روس (1978)؛ مفاهيم ومقولات: مقالات فلسفية)1995(؛ الدراسة الملائمة للجنس

البشري (1998)، وهي عبارة عن مقالات عدة مختارة من كتاباته. وبسبب غزارة إنتاجه ودقة منهجه في عرض قضاياه، أشاد به كثير من المفكرين؛ فهنري هاردي مثل

يقول: «... برلين هو من أفضل الفلاسفة وكتّاب المقال الإنكليز في القرن العشرين.. فمجموعة مقالاته

المثيرة... ثبت أنها مرموقة وملهمة دومًا، وخلفيته رحبة: من فلسفة وتاريخ أفكار إلى صور معرفية مختلفة

للمعاصرين، من أفكار سياسية إلى رجال فكر في القرن التاسع عشر. وإن وضوحه المنهجي واختراقه النادرين مألوفان ويقدّرهما عدد كبير من القراء». وقد حظيت كلٌّ من حركة التنوير (Enlightenment movement) والحركة المضادة للتنوير (Counter Enlightenment movement) باهت امم برل ني عبر مؤلفاته عامة، وع ىل وجه الخصوص عبر كتبه: ع رص التنوير: فلاسفة القرن الثامن عشر؛ ه ريدر والتنوير؛ ثلاثة انتقالات للتنوير؛ ضد

التيار؛ ضد التنوير؛ جذور الرومانسية... إلخ. والحركتان المذكورتان من الظواهر المعقدة؛ فقد تركتا

أثرًا في الفكر والثقافة الأوربي ني في القرن ني الثامن عشر والتاسع ع رش، وأصبحتا من الموضوعات

الشديدة الأهمية في سياق الحياة الفكرية الأوروبية. ولذلك، كان برل ني مقتنعًا باستمرار أصداء

حروبه ام ب ني الفلاسفة في القرنين الثامن عشر والتاسع ع رش ونقادهم حتى اليوم، ويستطيع مؤرخو الأفكار إلقاء مزيد من الضوء عليها.

في هذا البحث محاولة لتحقيق الأهداف التالية:

- إلقاء الضوء على موقف برلين من التنوير ونقاده؛ فقد استخدم مصطلح «نقد التنوير» وتحدث عنه في

غير موضع، وله مقال بعنوان «ثلاثة انتقادات للتنوير: فيكو، هامان، هيردر»، كما أنه استعرض أفكار

(4) Isaiah Berlin, Against the Current: Essays in the History of Ideas , Edited with a Bibliography by Henry Hardy; with an Introduction by Roger Hausheer, Selected Writings; v. 3 (London: Hogarth Press, 1979), p. x. (5) Berlin, The Proper Study of Mankind , p. xvi. (6) Michael Confino, «Isaiah Berlin, Alexander Herzen, and Russia’s Elusive Counter- Enlightenment,» in: Joseph Mali and Robert Wokler, eds., Isaiah Berlin’s Counter - Enlightenment , Transactions of the American Philosophical Society; v. 93, pt. 5 (Philadelphia, PA: American Philosophical Society, 2003), p. 177.

مجموعة من المفكرين ركزوا في أعمالهم على نقد التنوير، وجمعهم في إطار حركة فكرية سمّها «الحركة

المضادة للتنوير». وقد نشر مقالته «الحركة المضادة للتنوير» في كتابهضد التيار، كما أعيد نشر المقالة ضمن مقالات مختارة من كتاباته بعنوان «الدراسة الملائمة للجنس البشري». فلماذا ارتبط مصطلح «ضد التنوير» ببرلين؟ وهل استُخدم قبله؟ ولماذا ربط برلين الحركة المضادة للتنوير بالفلاسفة الألمان؟ - معرفة مقومات الحركة المضادة للتنوير والفرق بينها وبين حركة التنوير، ومناقشة الاعتراضات الأساسية على معالجة برلين لهذه الحركة وتوضيح صورها المختلفة. - بيان كيف شغلت قضية «ضد التنوير» برلين واستأثرت باهتماماته، ومعرفة ما إذا كان برلين ينتمي إلى طائفة الفلاسفة «القنافذ» أم الفلاسفة «الثعالب» في عرضه لها. فلقد اقتبس برلين عنوان مقالته الشهيرة «القنفذ والثعلب» من أحد أبيات الشعر الإغريقي يقول: «الثعلب يعرف أشياء كثيرة، ولكن القنفذ يعرف شيئًا واحدًا كبيرًا»، وميّز فيها بين فئتين من الكتّاب

والمفكرين: الأولى فئة القنافذ، وتضم أفلاطون ولوكريتيوس وبسكال وهيغل ودوستويفسكي ونيتشه وإبسن. والقنافذ «هم الذين يربطون كل شيء برؤية واحدة أساسية، وبنسق واحد، وفي حدوده يفهمون ويفكرون ويشعرون». و الثانية فئة الثعالب، وتضم هيرودوت وأرسطو ومونتاني وأرازموس وموليير وغوته وبوشكين وبلزاك وشكسبير. والثعالب «هم الذين يبحثون عن غايات كثيرة، لا ترتبط في ما بينها في غالب الأمر، بل ربما تكون متناقضة، وترتبط فقط -إذا ارتبطت على الإطلاق- بطريقة واقعية، وبسبب سيكولوجي أو فسيولوجي، ولا ترتبط بمبدأ أخلاقي أو جمالي». فما الفئة التي ينتمى إليها برلين؟ وهل اهتمامه بالحركة المضادة للتنوير جعله من أنصارها، أم أنه عارض مبادئها ودافع في الوقت نفسه عن مثُل التنوير؟

حركة التنوير

يبدو أن ميراث برلين بالنسبة إلى الدراسة التاريخية للتنوير ذو بعدين؛ فهو إن كان قد ركز اهتمامه كله على الحركة المضادة للتنوير، فهذا لا يعني أنه تجاهل التنوير نفسه، بل إن اكتشافه فكرة «ضد التنوير» افترض

مسبقًا وجود التنوير ذاته ودلالته. ولبيان موقف برلين من التنوير، يجب أن نلقي نظرة عامة على طبيعة التنوير، نوضح من خلالها أصل

التنوير ومعناه وأهم مثُله ومقوماته ومشكلاته، وجملة الأفكار التي وضعها برلين بشأن التنوير. تعددت الآراء في أصل التنوير؛ فمثلً نجد بيتر غراي يُرجع التنوير إلى اليونانيين، ويدلل على ذلك

بقول ديدرو إن طاليس هو أول من أدخل المنهج العلمي في دراسة الطبيعة، وأول من استحق لقب

(8) Berger, p. 10. (9) Berlin, The Proper Study of Mankind , pp. 437- 438. (10) John Robertson, «The Case for the Enlightenment: A Comparative Approach,» in: Mali and Wokler, eds., p. 73.

«فيلسوف». ويمكننا أن نضيف هنا قول غَثري: «إن طاليس هو القائل إن الماء هو المادة التي يتكون منها العالم، وهو العنصر الباقي والدائم في الأشياء كلها». ويقدم غراي «التنوير» كوحدة، ويربطه بحياة مجموعة من المفكرين البارزين، ويعرضه من خلال ثلاثة أجيال: الجيل الأول، يضم فولتير و (-1694 1778) ومونتسكيو (1755-1689)؛ الجيل الثاني، ويضم دنيس ديدرو (-1713 1784) ودالبمير (1780-1714) وروسو (1778 - 1712)؛ الجيل الثالثالمرتبط بالفترة الحديثة، ويضم لسينغ وكانط. يرى كريستوفر هل في كتابهالأصول الثقافية للثورة الإنكليزية أن أفكار التنوير في إنكلترا كانت ذائعة الصيت في القرن السادس عشر، ويردّ بول هزار في كتابه أزمة الضمير الأوروبيالتنوير إلى النصف الثاني

من القرن السابع عشر. ويردّ برنتن حركة التنوير، مع تأكيده أن رجال القرن السابع عشر هم الذين

مهدوا لعصر التنوير، إلى القرن الثامن عشر الذي وصل فيه المفكرون من رجال ونساء إلى معتقدات معيّنة عن أنفسهم وعن العالم، وعمّ يستحق العمل في هذه الدنيا، وما يمكن أداؤه فيها، وهي معتقدات

لم يتمسك بها أسلافهم في العصور الوسطى. كانوا يعيشون في عالم بدا لهم جديدًا ما دامت أفكارهم عنه جديدة، وكثير ممّا كان يعتقد به الرجال والنساء في القرن الثامن عشر كان لا يتفق وبعض النواحي المهمة

في العقيدة المسيحية التقليدية؛ فالتنوير «حوّر العقيدة المسيحية تحويرًا أساسيًا». يُرجع آرسنت كاسيرر التنوير في دراسته عن فلسفة التنوير إلى القرن الثامن عشر، فيربطه بحياة اثنين من

الفلاسفة البارزين هما: ليبنتس (1716-1646) وكانط (1804-1724). ومن كلماته: «التنوير نسق قيمي متأصل في العقلانية». ويرى روبرت وكلر أن مصطلح «التنوير» ظهر أول مرة في اللغة الإنكليزية في نهاية القرن التاسع عشر، وذلك في الشروح الإنكليزية لفلسفة هيغل قبل ابتكار تعبير «التنوير الاسكتلندي»، وقبل مئة سنة تمامًا

من سماع أي فرد عن «مشروع التنوير» الذي تصوره ألاسداير ماكنتاير في كتابه بعد الفضيلة، وذلك بعد بداية مشروع مانهاتن بأكثر من ثلاثة عقود. كما أن أولريك إم هوف يُرجع التنوير إلى نهاية القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، عندما كان في

منافسة مع تعبير «عصر العقل»؛ فخلال القرن الثامن عشر، تحدث عن ذلك الفيلسوف باركلي، على سبيل

(11) Peter Gay, The Enlightenment: An Interpretation, the Rise of Modern Paganism (London: Weidenfeld and Nicolson, 1967), p. 73. (12) W. K. C. Guthrie, The Greek Philosophers from Thales to Aristotle (London: Methuen, 1986), p.25. (13) Gay, p.9.

(((1 مراد وهبة، ملاك الحقيقة المطلقة (القاهرة: مكتبة الأسرة؛ الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999)، ص.107

(((1 كرين برنتن، أفكار ورجال: قصة الفكر الغربي، ترجمة وتقديم محمود محمود (القاهرة: مكتبة الانجلو المصرية، 1965)،

ص.453

(16) Ernst Cassirer, The Philosophy of the Enlightenment (Boston: Beacon Press, 1932), p. 90. (17) Robert Wokler, «Isaiah Berlin’s Enlightenment and Counter-Enlightenment,» in: Mali and Wokler, eds., p. 13.

المثال، عندما قال «إن محيط النور اخترق وواصل سيره على الرغم من العبودية والخرافة»، بينما لاحظ

إنكليزي آخر أن القرن استنار بعيدًا عن آمال العصور السابقة وتخيلاتها (أوهامها). مهما يكن من أمر التباين في أصل التنوير، فالرأي الشائع والمألوف هو أن القرن الثامن عشر هو عصر

التنوير، وهو عصر من صُنع «الفلاسفة» وإن كان «الفلاسفة» قد مجّدوا العقل، مثل اليونانيين، إلا أنهم

تميزوا بفصل الفلسفة عن الميتافيزيقا التقليدية. فالعقلانية القديمة لم توفق في الربط بين العقل والحياة

اليومية، ومن ثم انفصلت عن الوقائع العينية للحياة الحقيقية. وإذا كان التنوير معتزًا بأن يكون هو

«عصر الفلسفة»، فإن الفلسفة هنا ليست الفلسفة بالمفهوم التقليدي وإنما هي رؤية وضعية لنسق العالم،

ولأنحاء الوجود الإنساني، فتؤسس العلوم والفنون على مبدأ العلية من دون مجاوزة هذا العالم، ومن

ثم يهتم الفيلسوف بالحياة في هذه الدنيا، وليس بالبحث عن الحقائق الأزلية فيربط بين العقل والوقائع

العينية. وهذا ما أكده برلين في كتابه عصر التنوير: فلاسفة القرن الثامن عشر، فقد رأى أن القرن

الثامن عشر هو الفترة الأخيرة في تاريخ أوروبا الغربية التي اعتبُرت فيها المعرفة البشرية غير المحدودة

هدفًا يمكن تحقيقه، وقال «إن القوة الفكرية، والإخلاص والوضوح، والشجاعة، ومحبة الحقيقة لدى

معظم المفكرين الموهوبين في القرن الثامن عشر لا تزال حتى الآن من دون نظير. فهذا القرن يعد واحدًا

من أفضل وأكثر الأحداث المبشرة ‹ الواعدة› في حياة الجنس البشري»، ولذلك لا يمكن الشك أبدًا في

أن برلين أيد تنوير القرن الثامن عشر وإرثه ووقف بجواره. بصورة عامة، بدأ الجدل في معنى «التنوير» في القرن الثامن عشر ذاته، واستمر بكامل قوته حتى عصرنا.

بل إن المفكرين في القرن الثامن عشر كانوا على وعي كبير بأن انتشار الكلمات المستخدمة في المجالات

اللغوية المختلفة للإشارة إلى «التنوير» - Aufklarung في الألمانية، Lumieres في الفرنسية، Illuminismo

في الإيطالية- كشف عن تنويع رئيسي في أصل التنوير. لهذا، لم يكن من المدهش أن تهتم مجلة شهرية

ظهرت في برلين سنة 1783 بعنوان Berlinische Monatsschrift بالإجابة عن سؤال بسيط، ولكنه

مهم، هو «ما التنوير؟». وقد نشرت المجلة مقالات عدة للإجابة عن هذا السؤال، إذ كتب عدد كبير

من المفكرين ينتمون إلى مجالات فكرية مختلفة، مثل الكاتب المسرحي غوتهولد إفرايم لسينغ (-1729

1781)، والفيلسوف موزس مندلزون (1786-1729)، والفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (-1724

1804) وغيرهم. ويمكن قراءة هذه المقالات على أنها تقدم ملخصًا مهمً للمعاني المختلفة التي أصبحت

في نهاية هذا القرن مرتبطة بمصطلح «التنوير». قبل ذلك بسنوات قليلة، وبالتحديد في سنة 1780،

وجّه الحاكم الشهير فريدريك الثاني من بروسيا (1786-1712) أكاديمية برلين للعلوم لتقديم جائزة

(18) Ulrich Im Hof, The Enlightenment: An Historical Introduction , Translated by William E. Yuill (Oxford: Blackwell, 1994), p. 4.

(((1 وهبة، ص 107 -.108

(20) Isaiah Berlin, The Age of Enlightenment: The 18th Century Philosophers , Selected, with Introd. and Interpretive Commentary, Mentor philosophers. A Mentor Book; MD172 (New York: New American Library, 1956), p. 14

(((2 المصدر نفسه، ص.29

(22) Dorinda Outram, The Enlightenment , New Approaches to European History; 7 (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1995), p. 1.

لأفضل مقال يقدِّم إجابة عن السؤال: «هل التنوير وسيلة لخداع الناس؟»، وكان هذا السؤال يشكّل

المسابقة الأكثر شهرة في تاريخ الأكاديمية، وقد لاقى اهتمامًا واسعًا في أوروبا نمَّ عن أهمية التنوير. وفي

نهاية القرن الثامن عشر، كانت كلمة «التنوير» مهمة بشكل كاف لطرح مشكلات كبرى في مجال السياسة

والمعرفة عبر المجتمع. كما كان هناك وعي بصعوبة وتعقيد أي إجابة عن هذا السؤال. ارتبطت فكرة النور بتحرير العقل وتمجيده؛ فالتنوير يعني التخلص من تلك الحجُب والستائر التي تعوق

رؤيتنا، وتمهيد طريق للنور كي يدخل قلوبنا وعقولنا لإلقاء الضوء على السابق وتحفيز التالي، وبهذا يشق

طريقه داخل مجالات الحقيقة والنظام، حيث التحكم في مصير الإنسان وسعادته؛ فقد تحدث ويلاند عن

حرية الفكر وحرية النشر، وقال إنهما بالنسبة إلى العقل كالنور للعيون. وحينما سعى هيردر الشاب لوصف

العصر الذي عاش فيه، سمّه «عصرنا المستنير، أكثر القرون إشراقًا». يعرّف غراي برنامج التنوير بأنه أحد الأعمال العدائية للدِّين والبحث عن «الحرية» و«التقدم» اللذين

يمكن تحقيقهما بالاستخدام الجدلي للعقل من أجل تغيير علاقات الفرد بنفسه وبمجتمعه. ويؤكد أهمية

رؤية التنوير كبرنامج إصلاحي تحرري، وهذا التفسير مكّنه من توسيع قائمة المفكرين لتشمل الأميركيَيّن

توماس جفرسون (1826-1743) وبنيامين فرانكلين (1790-1706)، ومكّنه أيضًا من رؤية الثورة

الأميركية في السبعينيات في ضوء التزامها «الحياة والحرية والسعي لتحقيق السعادة» على أنها تطبيق

لبرنامج التنوير. فالفكرة الأساسية التي يقوم عليها التنوير -أي الفكرة التي تجعله نظرية كونيه- إنما

هي «الاعتقاد بأن في إمكان الكائنات البشرية كلها أن تبلغ هنا في هذه الدنيا حالة من حالات الكمال

كان يُظَن حتى الآن في الغرب أنها لا تتيسر إلا للمسيحين في حالة النعمة، ولهم وحدهم بعد الموت.»

وقد عبّ عن ذلك سنت جست، الثائر الفرنسي الشاب، ببساطة خادعة أمام المجمع الديني، حين قال:

«إن السعادة فكرة جديدة في أوروبا ليست جديدة في السماء بطبيعة الحال، وإنما هي جديدة في أوروبا،

جديدة جدًا في أميركا. وهذا الإمكان في تحقيق الكمال للجنس البشري لم يكن نتيجة لما يقرب من ألفي

سنة من المسيحية، ولا للوثنية السابقة التي ارتأت صورًا أخرى للسعادة تتحقق بعد آلاف السنين. وإذا

كان لابد لهذا الكمال من أن يُستحدث في القرن الثامن عشر، فإن شيئًا جديدًا -اختراعًا جديدًا، أو اكتشافًا

جديدًا- لا بد أن يحدث. وهذا الشيء الجديد يمكن تلخيصه أحسن تلخيص في ما ألّفه اثنان من الإنكليز

عاشا في أواخر القرن السابع عشر، وهما اللذان جمعا في بؤرة واحدة العمل التمهيدي الذي تم في أوائل

القرون الحديثة، ذلكما الرجلان هما نيوتن ولوك»؛ فالعمل الذي صرف نيوتن فيه حياته -وخاصة

إتمام حساب التكامل وصياغته الرياضية العظمى للعلاقة بين الكواكب وقوانين الجاذبية- بدا لمعاصريه

كأنه يفسر جميع الظواهر الطبيعية، أو يبيّ على الأقل كيف أن كل ما يماثل هذه الظواهر، بما فيها سلوك

الكائنات البشرية، يمكن أن يخضع للتفسير. أما لوك، فقد استخلص طرائق التفكير الواضحة البسيطة

من متاهة الميتافيزيقا، حيث أرساها ديكارت، فجعلها في ما يبدو امتدادًا طيبًا للحس السليم. والظاهر أنه

(((2 المصدر نفسه، ص.2

(24) Hof, p. 5. (25) Outram, p. 4.

(((2 برنتن، ص.461

بيّ للناس الطريقة التي يمكن أن تطبق بها النواحي التي نجح فيها نيوتن نجاحًا عظيمً في دراسة شؤون

البشر. وقد وضع نيوتن ولوك معًا تلك المجموعات العظيمة من الأفكار، في «الطبيعة» وفي «التفكير»،

التي كانت بالنسبة إلى التنوير ما كانت عليه أمثال هذه المجموعات في مجالات النعمة والخلاص والقدرية بالنسبة إلى المسيحية التقليدية. طبق الفلاسفة البريطانيون التجريبيون تصورات نيوتن على العقل؛ فتعاملوا مع العقل على أنه صندوق يحتوى على أفكار عقلية مكافئة لذرات نيوتن. ولهذا، يؤكد برلين أن تأثير نيوتن في القرن الثامن عشر كان هو العامل الوحيد الأكثر قوة؛ إذ قام بمهمة جبارة غير مسبوقة بتفسيره للعالم المادي في ضوء استبعاده جميع المؤثرات الميتافيزيقية التي أعاقت تقدم البحث العلمي، وبدرجة من الدقة والبساطة لم يحلم بها من قبل، وهو ما أدى إلى سيادة الوضوح والدقة والنظام في علم الفيزياء: «فلقد كانت الطبيعة وقوانينها محجوبة في الليل: فقال الإله لنيوتن كن، وتحول كل شيء إلى نور». في إنكلترا، بدأ حركةَ التنوير لوك الذي دافع عن التسامح الديني، وأكد أن الإيمان لا يُفرض بالقوة، وأن

التسامح هو وحده كفيل بتحقيق السلام بين البشر. وقال لوك بضرورة الفصل بين الكنيسة (السلطة

الدينية) والدولة (السلطة المدنية)؛ «فلكل سلطة اختصاص معين لا دخل للأخرى به، فهدف الكنيسة هو

الحياة السماوية الأخروية، وهدف الدولة هو الحياة الأرضية الدنيوية، أي تنظيم شؤون الناس في الحرية

والملْكية والحياة (في الصحة والأرض والمال والمسكن ووسائل الترفيه وما شابه ذلك). ولذلك، ليس للدولة أن ترعى العقيدة الدينية في التشريع، ويجب أن تظل قوانين الدولة في استقلال كامل عن الإيمان الديني، فلا محل للقول بدولة مسيحية. كان لوك يقصد بالتسامح الديني أنه «ليس من حق أحد أن يقتحم باسم الدِّين الحقوق المدنية والأمور

الدنيوية»، ولهذا «ينبغي لفن الحكم ألا يحمل في طياته أي معرفة عن الدِّين الحق»، ومعنى ذلك أن التسامح

الديني يستلزم ألا يكون للدولة دين لأن «خلاص النفوس من شأن الله وحده. ثم إن الله لم يفوض أحدًا

في أن يفرض على أي إنسان دينًا معيّنًا. ثم إن قوة الدِّين الحق كامنة في إقناع العقل، أي كامنة في باطن

الإنسان». وأعلن لوك أن لا مبادئ فطرية في العقل؛ فالتجربة هي التي تزودنا بالمعرفة كلها، والعقل ذاته صفحة

بيضاء يكتب عليها الحس والتجربة بآلاف الطرق. ويكفي، في رأيه، إقناع القراء المنصفين بزيف

الأفكار الفطرية، وكيف أن الناس قد يبلغون درجة اليقين باستخدام ملَكاتهم الطبيعية فقط، ومن دون

اللجوء إلى أيٍّ من مثل هذه الأفكار؛ ففي وسع أي إنسان أن يسلّم بسهولة بأنه من غير اللائق افتراض أن

(((2 المصدر نفسه، ص 461 -.462

(28) Berlin, The Age of Enlightenment , pp. 144 - 145. (29) Maurice Cranston, ed., Locke on Politics, Religion, and Education (Oxford: Oxford university Press, [1965]), pp.

(((3 وهبة، ص.32

(31) James A. Gould, Classic Philosophical Questions (London: Bantam Books, 1961), p. 198.

الأفكار الخاصة باللون أفكار فطرية في الإنسان الذي وهبه الله نعمة البصر والقدرة على استقبال الألوان من الأشياء الخارجية عن طريق عينيه. وبالمثل، من غير اللائق أن نعزو حقائق متعددة إلى الانطباعات والسمات الفطرية في الوقت الذي يمكن أن نلاحظ في أنفسنا مواهب قادرة على أن تبلغ معرفة يسيرة ومؤكدة بهذه الأشياء كما لو كانت منطبعة أساسًا في عقولنا. وإذا كان لوك هو رائد حركة التنوير في إنكلترا، فإن هيوم هو أكبر ممثّل لهذه الحركة؛ إذ إنه سار بالمعضلة الديكارتية التي تتعلق بالفكر والمادة الى حد بدأ معه الشك بالتأكيد، وكان أحدَ المتسائلين المدنيين عن

الوحي وعن مذهب إثبات وجود الله مع إنكار الوحي، أو «الديانة الطبيعية». وهو أكثر ابتكارًا عندما

يتساءل عن الصدق بمعنى اليقين الثابت المطلق الميتافيزيقي -صدق الأحكام العامة التي وصل إليها رجال العلم. إن العقل عند هيوم ذاتي كالحواس، أو هو على الأقل نقل أو تقرير للواقع على صورة لا يمكن التثبت من صحتها في نهاية الأمر. وقد وجد هيوم -كغيره من المتشككين في قدرات الناس العقلية والخلقية- في التقاليد والعادات والعرف أساسًا أشد ثباتًا للحياة فوق هذه الأرض. وهكذا انتهى إلى

موقف يناقض موقف أهل زمانه بشكل فريد، إذ كان يعتقد في القديم دون الجديد، وهو يعترف بمكانة العاطفة في أعمال الناس وإن يكن ذلك في غير حماسة بشكل فذ. ولم يكن هيوم في صميمه ذلك المتشكك

بمقدار ما كان ذلك المتعقل الذي ملَّ التعقل. طوّر جون ستيوارت مِل مفهوم التسامح في كتابه المعنون عن الحرية (1859)، إذ ارتأى أن التسامح يمتنع

معه الاعتقاد في حقيقة مطلقة، أي تمتنع معه الدوغما. يقول: «إن الحرية الدينية تكاد لا تمارس إلا حيث توجد اللامبالاة الدينية التي تنبذ إزعاج سلامها بالمنازعات اللاهوتية. وحتى في البلدان المتسامحة، ثمة تحفظات على التسامح لدى معظم المتدينين، فالإنسان قد يحتمل الانشقاق إزاء أسلوب الكنيسة، ولكنه لن يحتمل التسامح إزاء الدوغما». وإذا كان التنوير في إنكلترا قد وقف موقفًا فكريًا معينًا تجاه الفلسفة التقليدية، هو الرفض والنقد معًا، فإن

فلسفة الأنوار في فرنسا بدأت بالنقد العنيف للدِّين؛ فقد أخذ العداء للدِّين ورجاله في فرنسا صورة شعبية،

وغالى ديدرو والإنسيكلوبيديون في آرائهم حتى انتهوا إلى الإلحاد الصريح. وكان الغرض الأساسي من

نشر الإنسيكلوبيديا تنوير الشعب وتحرير العقول بواسطة العلم. في هذا الصدد، قال رامزي الخطيب «سوف نشرح في الإنسيكلوبيديا (دائرة المعارف الفرنسية) كلمة الصناعة الفنية (تقنية Technique (. ولن

نكتفى بتعريفها تعريفًا لفظيًا، بل سنعرض تاريخًا للعلوم والفنون، وسنقدم مبادئها العامة ونبيّ كيفية

ممارسة هذه الصناعة. وهنا ستظهر الأنوار التي أشرقت في جميع الأمم، وسوف يقدم هذا العمل كل ما هو جميل وعظيم ومشرق ومنير ونافع في العلوم الطبيعية كافة وفي جميع الفنون والآداب الجميلة. وسوف

يزداد هذا العمل تألقًا مع الزمن. وهكذا، سوف تنشر في أوروبا كلها تذوق الآداب والفنون الجميلة».

(((3 المصدر نفسه، ص.205-204

(((3 برنتن، ص 501 -.502

(((3 وهبة، ص.32

(((3 نازلي إسماعيل حسين، النقد في عصر التنويركنت، ط 2 (القاهرة: دار النهضة العربية، 1975)، ص 20 -.21

بدأت فلسفة الأنوار في فرنسا بالنقد العنيف للدِّين في جميع المجالات؛ فبالنسبة إلى الجنس مثلً، اهتم

الفلاسفة الفرنسيون في القرن الثامن عشر اهتمامًا قويًا بالمسائل المتعلقة به، ولكنهم كانوا بعيدين كل البعد

عن النظر إليه بوصفه وسيلة للتناسل. لقد كان بالنسبة إليهم شيئًا يمكن الاستمتاع به لذاته، وسخطوا

سخطًا شديدًا على القيود التي فرضتها عليهم الأخلاق الدينية. كما حاولوا التحرر من كل إلزام ديني، إذ

أرادوا كذلك تدمير جميع القواعد الأخلاقية المنظِّمة للعلاقات الجنسية. وقام التنوير الفرنسي، كالتنوير الإنكليزي، على ثورة العلم وانتصاراته؛ فإذا كان لإنكلترا على وجه العموم

النصيب الأوفر من العقول البذرية التي أنبتت أفكار التنوير، فإن الفرنسيين فوق كل شيء هم الذين نقلوا

هذه الأفكار في أنحاء أوروبا وروسيا، بل في جميع الأماكن الخارجية النامية للمجتمع الغربي في جميع أنحاء

العالم. ومن هؤلاء فولتير الذي تجد في مؤلفاته التي تربو على التسعين جميع الآراء التي بدأ بها عصر التنوير،

معروضة عرضًا واضحًا فيه فطنه وذكاء في كثير من مواضعه. وانتهى التنوير الفرنسي مع فشل الثورة الفرنسية، ولذلك يقول برلين: «إن فشل الثورة الفرنسية في إنجاز

الجزء الأكبر من أهدافها المعلنة هو ما شكّل نهاية التنوير الفرنسي كحركة ونظام». ومن فرنسا انتقلت

فلسفة الأنوار إلى ألمانيا، فكان بعض العلماء والإنسيكلوبيديين الفرنسيين أعضاء في الأكاديمية الملكية في

بروسيا، مثل ديدرو ودالمبير. ثم تفتحت ألمانيا أمام حركة التنوير الإنكليزي وتأثرت باتجاهاتها النظرية

في مجال الفلسفة والأدب والشعر. ويُعتبر ليبنتس ناقل فلسفة الأنوار إلى ألمانيا ومؤسس هذه الحركة التي

رسم لها طريقها وحدد لها غاياتها. ولقد قال في البحث عن الكلمة: «لا شيء يمكن أن يُدخل الغبطة

إلى نفوسنا إلا تنوير الذهن وخضوع الإرادة له، وأن نبحث عن هذا النور في معرفة الأشياء التي تسمو

بالذهن إلى الأعلى». ورفض ليبنتس وجود أي تمييز حاد بين ما هو فطري وما يأتي عن طريق التعلم: «أنا أوافق على أننا

نتعلم الأفكار والحقائق الفطرية إمّا باعتبار مصادرها أو بالتحقق منها من خلال الخبرة.. وكذلك فأنا

لا أستطيع أن أقبل القضية القائلة ‹ إن كل ما يتعلمه الشخص هو غير فطري‹، فحقيقة الأرقام فينا،

ولكن مع ذلك نتعلمها إمّا بانتزاعها من مصادرها حين نتعلمها من خلال برهان إيضاحي (وذلك ممّا

يؤكد فطريتها) وإمّا بواسطة اختبارها، مثلما يفعل الرياضيون العاديون.. وهكذا، فالرياضيات والهندسة

بكاملها فينا فعليًا بحيث نستطيع إيجادها هناك حين نتأملها بانتباه وننظم ما في عقولنا. (وبصورة عامة)،

لدينا كمية غير محدودة من المعرفة التي لا نعيها دائمً حتى حين نحتاج إليها. أمّا الحواس، فمع أنها

ضرورية لمعرفتنا الفعلية كلها، فإنها ليست كافية لتمنحنا إياها بشكل كامل، فهي لا تعطينا أي شيء غير

أمثلة من الحقائق الجزئية والفردية. فالحقائق الضرورية كما نجدها في الرياضيات الخاصة، ولا سيما في

علم الحساب والهندسة، لا تخضع مبادئها للحواس ولحكمها، على الرغم من أننا لا نستطيع أحيانًا...

(((3 ماريا لويزا برنيري، المدينة الفاضلة عبر التاريخ، ترجمة عطيات أبو السعود؛ مراجعة عبد الغفار مكاوي، عالم المعرفة؛ 225

(الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1997)، ص.262

(((3 برنتن، ص.464

(38) Berlin, The Proper Study of Mankind , p. 268.

(((3 حسين، ص.24

التفكير فيها إلا باستخدام الحواس... فالعقل وحده هو الذي يضع القواعد الضرورية والروابط اللازمة بينها».... وكثيرًا ما يُنظر إلى كانط باعتباره الفيلسوف الذي جمّع إنجازات التنوير وحدّد حدود المعرفة التجريبية

وأسّسها وفقًا للعقل الخالص، وفي ضوء الأخلاقية الخاصة بها بعيدًا عن مظاهر عالم الفينومينا. لكن

الفلسفة الكانطية بكاملها، وبعظمة تكوينها، كانت معروفة لعدد قليل جدًا من الناس في القرن الثامن

عشر. ومن الصحيح، من خلال دراسة مثل هذا النمط الفلسفي، معاملة فيلسوف كونغسبيرغ على أنه

رجل حوّل أفكار عصرة إلى نظريات فلسفية، بدلً من دراسة عمله بطرق فلسفية خالصة، أو كنقطة بداية

لطرق جديدة في التفكير. لقد تناول كانط موضوع التنوير في مقالة مختصرة له بعنوان «جواب عن سؤال: ما التنوير؟» نشره سنة 1784 في مجلة برلينالشهرية، وهي إحدى أكثر المحاولات المدوَّنة لمعرفة معنى «التنوير». يقول

في المقالة: «التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه، وهذا القصور هو عجزه عن استخدام عقله من دون معونة الآخرين».. و«أن تكون جريئًا في إعمال عقلك» أو «تكون لديك

الشجاعة للمعرفة». ويقدم كانط صورة أكثر تعقيدًا للتنوير، فيقول: «يجب أن يكون الاستخدام العام لعقل الإنسان دائمً من أجل الحرية، وهذه الحرية هي وحدها التي تؤدي إلى تفشي التنوير بين الناس (تنير

الناس)، فربما يكون الاستخدام الخاص للعقل محدودًا للغاية». ويجب على الحكام أن يعملوا من أجل

الحرية ويقللوا من تفشي الفوضى وعدم الأمان في المجتمع. ويطرح كانط المشكلة بطريقة مختلفة، كما فعل مندلزون: ماذا يحدث لو فكر الناس من دون حدود؟ هل هذا التفكير يؤدي بالضرورة إلى نتيجة إيجابية؟ ويعلن كانط عدم رضاه عن هؤلاء المعاصرين الذين يرون عصرهم في حالة من التطور غير المحدود تجاه تحقيق الإمكانيات البشرية، أو تنفيذ أولويات اجتماعية وسياسية «عقلية». ويتفق كانط مع مندلزون في

أن «التنوير» كان عملية ولم يكن مشروعًا متكاملً؛ عملية مليئة بالمشكلات والمخاطر. وإذا سئلنا الآن:

هل نحن نعيش في عصر الاستنارة؟ فإن الإجابة هي: لا، لكننا نعيش في عصر التنوير. إن التنوير عند كانط يعني ألا سلطان على العقل إلا العقل ذاته؛ فلقد نادى كانط بمبدأ البقاء على العقل بالعقل: «نعم يا أصدقاء الإنسانية ويا أصدقاء أقدس المقدسات في نظرها. لا تجادلوا في شأن العقل، فهو الخير الأسمى على الأرض وحجر المحك لكل حقيقة». لكن مع هذا، فإن كلمة التنوير لم تكن، حتى بالنسبة إلى كانط ومندلزون، سهلة التعريف؛ إذ بدا لهما أن

التنوير يقدم نفسه سلسلةً من العمليات والمشكلات أكثر من كونه قائمة مشاريع فكرية يمكن وصفها بشكل دقيق. وبوجه عام، كان مؤرخو هذه الفترة حتى عشرين سنة مضت يفكرون -عادة- في التنوير

(40) Noam Chomsky, Aspects of the Theory of Syntax , Massachusetts Institute of Technology. Research Laboratory of Electronics. Special Technical Report no. 11 (Cambridge: MIT Press, 1965), p. 50. (41) Norman Hampson, The Enlightenment (London; New York: Penguin Books, 1990), p. 196. (42) Outram, pp. 2-3.

(((4 حسين، ص.43

على أنه ظاهرة موحدة نسبيًا في تاريخ الأفكار، وتنتج بواسطة القاعدة التي وضعها «مفكرون كبار» مثل

مونتسكيو (1755-1689) وديدرو (1784-1713) وكانط؛ فلقد تقاسم هؤلاء الثلاثة الخصائص الواضحة بكونهم بيضًا وذكورًا، ومن أوروبا الغربية. وبمعرفة الخلافات الكثيرة بين هؤلاء «المفكرين

الكبار»، فإن المؤرخين ما زالوا يتجهون عادة لرؤية أفكارهم، أفكار التنوير في التحليل الأخير على أنها متماثلة نسبيًا. فهم يتفقون في نقاط، منها: النظر إلى التنوير على أنه كان رغبة في أن توجَّه الأعمال البشرية

بالعقل أكثر من أن توجَّه بالإيمان أو بالخرافة أو الإلهام (الوحي)، والاعتقاد بقوة العقل الإنساني وقدرته

على تغيير المجتمع، وتحرير الفرد من سلطان العادة واستبداد السلطة أيًا يكن نوعها، والإيمان بالعلم

والتمسك به عالميًا أكثر من الإيمان بالدِّين أو التراث والتمسك بهما. ورأى مندلزون أن مصطلح «التنوير» يصعب تعريفه لأنه عبارة عن «عملية» لم تكتمل بعدُ هي تربية

الإنسان أو تعليمه، تعليمه كيفية استخدام «العقل-» الكلمة المفتاح في التفكير «التنويري». وفي الوقت نفسه كان مندلزون على وعي تام بأن تطور «العقل» بصورة غير محدودة في الأفراد يمكن أن يتعارض مع دورهم كذوات ومواطنين؛ فإذا استُخدم «العقل» بشكل كبير ومن دون حدود في البحث والدراسة، فربما

يحلل النظام الاجتماعي والديني والسياسي إلى عماء أو فوضى، ويترك الناس منعزلين فكريًا، فتظهر صور

كثيرة من «الواحدية الفكرية». إن عصر التنوير هو بوجه عام عصر العقل، لكن، ما طبيعة العقل في عصر التنوير؟ وبعبارة أخرى، ما

هي الخصائص التي يتميز بها العقل في هذا العصر من عصور الفكر؟ أول، لم تعد وظيفة العقل الأساسية

هي القدرة على القياس والاستنباط مثلما فعل أرسطو، بل أصبحت وظيفته الأساسية، مع تقدم العلم، الكشف عن قوانين العالم في جميع مجالات العلم والمعرفة مثلما فعل نيوتن. ثانيًا، أصبح للعقل في هذا

العصر منهج جديد للتفكير يتفق تمامًا مع تقدم العلوم الطبيعية، وهو منهج التحليل، أي تحليل الظواهر

من أجل الكشف عن المبادئ التي تخضع لها. ومن هنا بدأ العقل يسير في طريق مختلف عن الطريق الذي رسمه له ديكارت من قبل؛ فمنهج ديكارت كان يبدأ بالحقائق الأزلية الأبدية، أو بالمبادئ اليقينية، بينما يبدأ العقل في عصر التنوير والعلم يبدأ بالتنقيب والبحث عن الظواهر والوقائع، ثم يحلل هذه الظواهر والوقائع ليكشف المبادئ والأصول التي تخضع لها. وقد زالت فكرة الضرورة في هذا العصر، وأصبحت

المبادئ مجرد قواعد مقنعة بالنسبة إلى ما تعرفه من الظواهر. ثالثًا، إن أروع ما أكده العلم الحديث في هذا

العصر، «عصر نيوتن»، هو أن الظواهر تنتظم في الوجود وفقًا لنظام رياضي دقيق، وعلى العقل أن يعين هذه الصورة الرياضية للوجود؛ فالتوافق بين العقل والوجود أصبح أمرًا مؤكدًا بالعلم ويقينًا ولا شك

فيه. رابعًا، كان العقل للرجل العادي في العصر التنوير هو كلمة السر الكبرى لعالمه الجديد؛ العقل هو

الذي يسوق الناس إلى فهم الطبيعة، وبفهمه للطبيعة يصوغ سلوكه طبقًا لها، وبذلك يتجنب المحاولات العابثة التي قام بها في ظل أفكار المسيحية التقليدية الخاطئة وما يحالفها في الأخلاق والسياسة مما يناقض

(44) Outram, p. 3.

(((4 المصدر نفسه، ص.2-1

(((4 حسين، ص.41-40

الطبيعة. والرجل المستنير كان يعتقد أن العقل شيء يمكن لكل امرئ أن يستناره، في ما خلا قلة بائسة

معيبة. كان العقل مكبوتًا، بل كان ضامرًا، بفعل سيطرة المسيحية التقليدية أمدًا طويلً. أمّا في القرن الثامن

عشر، فقد استطاع العقل مرة أخرى أن يسترد سلطانه، وأن يؤدي لكل إنسان ما أداه لرجال أمثال نيوتن

ولوك، وأن يبيّ للناس كيف يسيطرون على بيئتهم وعلى أنفسهم. أدى التنوير دورًا مؤثرًا تجاه التحول من النظرية إلى الممارسة، من مجرد النقد إلى القيام بعمل لتحسين

التعليم والزراعة والعلاقات الاجتماعية والحياة السياسية وإصلاحها. وأدى إلى ظهور المطلقية المستنيرة،

وكذلك اثنين من النظم الجماهيرية الكبرى - في فرنسا وأميركا الشمالية، وكان ردة فعل ضد الباروكية

والأرثوذكسية والحركات المضادة للإصلاح، كما وجدت التيارات الدائمة للنزعة الإنسانية طريقها

المتحرر من كل القيود. وكما قال ألبرخت فون هاللير، فإن الإنسان الذي يفكر بحرية يفكر بشكل جيد...

بدأ الناس في عصر التنوير ينظرون إلى المستقبل لا إلى الماضي، إلى الأمام لا إلى الوراء. وإذا نظروا إلى الماضي

يكون ذلك بالتركيز على فترات القوة والإبداع، كما هي الحال في اليونان القديمة وعصر النهضة الإبداعي،

وإعادة اكتشافها الآن. وهذا ما أكده غيدنز حين قال: «لقد انطلق فلاسفة عصر التنوير من رؤية بسيطة

لكنها كانت شديدة القوة؛ فقد اعتقدوا في القول بأنه كلما أمكننا أن نفهم أنفسنا والعالم بقدر أكبر من

التعقل، تمكنا من توجيه التاريخ لأغراضنا. ولذلك، يجب أن نحرر أنفسنا من عادات الماضي وتحيزاته

حتى نستطيع التحكم في المستقبل». كما صاغ ماركس، الذي يدين بقدر كبير من أفكاره لفلاسفة عصر

التنوير، هذه الفكرة ببساطة شديدة بقوله إن علينا أن نفهم التاريخ لكي نصنع التاريخ. لكن نلاحظ، مع ذلك، أن حركة التنوير كانت تعمل بجلاء على هدم النظم القائمة، وأن رجال التنوير

لم يكونوا على اتفاق في الرأي، بل نجد في صفوفهم انقسامًا عظيما لم تلتئم ثغرته بعد. وحركة التنوير

ليست عقيدة جديدة كل الجدة تقتلع أخرى موغلة في القِدم، وإنما هي سلسلة من التجارب والاتجاهات،

والنظرات، قديمً وحديثاّ، وهي جزء من الأجزاء التي تتكون منها عصارة أو لب الثقافة الحديثة كما يرى

العاشق المفتون إلى السلام والبساطة. ولذلك، يرى برلين أن التنوير حركة فكرية تعرَّف في إطار محتواها الفكري. وهذا هو الأقرب إلى ما نسمّيه

تصور الفلاسفة لطبيعة التنوير. لكن برلين لم يعترف بالرؤية الكانطية الأكثر حسمً للتنوير لدى الفلاسفة،

وربط التنوير كحركة فكرية بالفلاسفة الفرنسيين، وظل تصوره له متاحًا للمؤرخين العاديين. علاوة

على ذلك، وبعيدًا عن المؤرخين، كان التنوير عنده متاحًا للقارئ العادي وللجمهور المحتل بسماع خطبه

الشهيرة، سواء بشكل مباشر أو عبر الإذاعة. وعلى الرغم من أن اهتمامه بالتنوير يتفق تمامًا مع رغبته في

استكشاف الحركة «المضادة للتنوير»، فمن المحتمل أن يكون الشعب البريطاني بعد الحرب قد فهم التنوير

وتعلم منه أنه ميراث مهم للحداثة.

(((4 برنتن، ص.475-474

(48) Hof, pp. 8-9. (49) Anthony Giddens, Runaway World: How Globalisation is Reshaping Our Lives (London: Profile Books, 2000), p.7.

(((5 برنتن، ص.503

(51) Robertson, p. 73.

لا شك أن عرض برلين لأفكار الحركة المضادة للتنوير كان على المدى الطويل مفسدًا بشكل كبير لسمعة

التنوير؛ إذ إنه ربط التنوير بأفكار عدة بسيطة: تماثل الطبيعة البشرية، والعمومية الدائمة للقانون الطبيعي

كقاعدة للسلوك البشري الأخلاقي، والإيمان بإمكانية اكتشاف غاية مثالية للمجتمع البشري ووجوب

السعي إليها. وضد هذه الأفكار، تعامل برلين مع أسس الحركة المضادة للتنوير على أساس أن تنوع الطبيعة

البشرية كان أكثر وضوحًا وقيمة، وأن الأعراف والقواعد الأخلاقية البشرية اختلفت عبر الزمان والمكان،

وفوق ذلك كله، أن المحاولة لتعريف ثم رفض منتج مثالي مفرد للمجتمع البشري كانت خاطئة وشديدة

الخطورة. وكانبرلين حريصًا على عدم اتخاذ أي جانب، وهو لم يخف الجانب المظلم للرواد المؤيدين للحركة

المضادة للتنوير، وخصوصًا جوزيف دمستر. ومع ذلك، فإن الاهتمام الذي خصصه للحركة المضادة للتنوير

يلقي الضوء على التنوير الذي تتصف أفكاره بأنها شديدة الصرامة، كما لخصها. وسواء أقصد ذلك أم لم

يقصد، فإن طريقته في دراسة التنوير قدمت تشجيعًا لهؤلاء المفكرين الذين رغبوا في الإيمان بأن مثُله الكونية

الشهور الكبرى في العالم الحديث تكمن وراء بعض. وقد اهتم برلين، من خلال تأثره بالرومانسية

والحركة المضادة للتنوير، بعقلانية التنوير التي أصبحت التدعيم التقليدي لليبرالية. وبشكل أكثر

تحديدًا، رفض المبدأ التنويري للقانون الطبيعي الذي يوجد بناءً عليه نسق كوني من القيم يتمسك به أفراد

الجنس البشري. ومع ذلك، ظل برلين ليبراليًا مصرًا على وجوب أن تُبنى المبادئ الليبرالية الرئيسية على

قبول مختلف للقيم غير المتكافئة، بل المتناقضة. ورأى أن المشكلة الرئيسية لليبرالية في عالم ما بعد الحداثة

كانت كيفية تفسير قيمها الأساسية من دون فروض عقلانية التنوير المثيرة للمشكلات. من الواضح أن برلين لم يهتم بمبدأ المعادلة الليبرالية العقلانية فحسب، بل أدرك أيضًا التحدي الموجّه

بواسطة الحركة المضادة للتنوير، والمتمثّل في رفضها إيمان التنوير بالعقل؛ فقد رأى أن مفكرين مثل هامان

وهيردر وجاكوبي لم يكونوا مجرد بقايا بسيطة لذلك الفضول القديم المعروف بأنه تاريخ الفلسفة، بل كانوا

نقادًا مبتكرين وأقوياء للعقلانية في كل صورها، وقد درسوا الاعتقاد -وما زال هذا شائعًا بين الفلاسفة

حتى اليوم- القائل بأن المشكلات الاجتماعية والسياسية الرئيسية يمكن حلها بواسطة العقل. الحقيقة أن الحركة الألمانية المضادة للتنوير ما زالت باقية معنا اليوم في صورة «ما بعد الحداثة»؛ فلقد تنبأ كل

من هامان وهيردر وجاكوبي بنقد عقلانية التنوير لدى ريتشارد رورتي وألاسداير ماكنتاير، في الجوانب

الرئيسية كلها تقريبًا. وبينما أصبح إيمانه القوي الآن أثرًا للتاريخ، فإنه لا يزال لنقده العقل أصداء،

وهذا ما سوف نوضحه في ما يلي.

مقوّمات الحركة المضادة للتنوير

استخدم مصطلح «الحركة المضادة للتنوير» للإشارة إلى تلك الحركة التي ظهرت في نهاية القرن الثامن

عشر وبداية القرن التاسع عشر، لمعارضة التنوير في الإشارة إلى أي معارضة لسيادة الفكر التنويري،

والمصطلح هذا يرتبط عادة ببرلين.

(((5 المصدر نفسه، ص.74-73

(53) Isaiah Berlin, The Roots of Romanticism , Edited by Henry Hardy (London: Chatto and Windus, 1999), p. 30. (54) Robertson, p. 106. (55) Loc - Cit. (56) Carlson Gray, «The Seduction of unreason» (on - lin text) htt://en,Wikipedia.org/wiki/com counter - enlightenment/ p - 1.

إذا كانبرلينقد استخدم مصطلح «الحركة المضادة للتنوير» في سنة 1973، فليس معنى ذلك أنه أول من ابتكر هذا التعبير في اللغة الإنكليزية؛ فقد ظهر هذا التعبير قبل ذلك بخمس عشرة سنة في كتاب لوليم باريت يحمل عنوانالإنسان غير العاقل: دراسة في الفلسفة الوجودية، حيث ذكر المؤلف فيه «أن الوجودية حركة مضادة للتنوير ظهرت أخيرًا في التعبير الفلسفي». لذلك، عندما سئل برلين عن أصول مصطلح

«الحركة المضادة للتنوير»، أجاب بأنه لا يعرف مبتك ر هذا المفهوم، وتساءل بطريقة مازحة: «هل يمكن أن

يكون أنا؟ لا أدري، فليس لدي فعلً أي فكرة». مع ذلك، يوجد إجماع لدى كثير من المهتمين بفلسفة برلين على أنه ليس هو مخترع هذه الكلمة التي يبدو أنها ظهرت في اللغة الألمانية في نهاية القرن التاسع عشر، وفي اللغة الإنكليزية قبل استخدامه لها بخمس عشرة سنة. لكن يوجد إجماع أيضًا على أن برلين تناول مصطلح «الحركة المضادة للتنوير» بالدراسة أكثر من أي

شخص آخر منذ القرن الثامن عشر، وجعله الأساس لفكره، وأبرز معانيه وأهميته في تفسيرات كثير من المفكرين له، وجعل له مكانة متميزة في تاريخ الأفكار، إذ استخدمه للإشارة إلى الحركة التي ظهرت مبدئيًا في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر في ألمانيا ضد العقلانية والكونية والتجريبية

المرتبطين عمومًا بالتنوير. كما أصبح مصطلح الحركة المضادة للتنوير أكثر انتشارًا منذ أن نشر برلين في سنة

1973 مقاله «الحركة المضادة للتنوير» الذي أعيدت طباعته في مجموعة شهيرة من مقالاته بعنوان «ضد التيار» (1981). ولئن كان برلين يُرجع أصل الحركة المضادة للتنوير إلى «نشأة التنوير ذاته»، فإنه يقول عن التنوير

الفرنسي: «.. إن معارضة المثُل الرئيسية لحركة التنوير الفرنسي، ومؤيديها وتابعيها في الدول الأوروبية

الأخرى، قديمة ق دم الحركة نفسها. فإعلان استقلال العقل ومناهج علوم الطبيعة، بناءً على المنهج

الوحيد الموثوق به للمعرفة والرفض الناتج لسلطة النشر، والكتابات المقدسة ومفسريها المعتمدين، وثرائها وأوصافها، وكل صورة تراسندنتالية للمعرفة، ذلك كله عارضته الكنائس ورجال الدِّين من

مختلف الطوائف»... على الرغم من أن برلين قام بتفسير الفروض الرئيسية لنظريته عن العلوم التاريخية في مطلع الخمسينيات، فإن أفكاره بشأن هذا الموضوع جذبت الاهتمام العام في نهاية السبعينيات، وبعد نشر مقالته «الحركة

المضادة للتنوير» في قاموس تاريخ الأفكار، وخاصة مع ظهور دراسته عن فيكو وهيردر. ولئن تضمن

ذلك أيضًا بعض الأسس الأخرى، فهو، فوق كل شيء، مناصر لليبرالية ومدافع عنها في ضوء نهج بنيامين

كونستانت وجون ستيوارت مِل، وظهر ذلك بشكل أكثر وضوحًا سنة 1958 في مقاله «مفهومان للحرية»

في مقدمته الافتتاحية الشهيرة كأستاذ في النظرية الاجتماعية والسياسية في أُكسفورد. ومع انتشار كتاباته

(57) Wokler, p. 13.

(((5 المصدر نفسه، ص vii.

(((5 المصدر نفسه، ص vii.

(60) Gray, p. 3. (61) Berlin, The Proper Study of Mankind , p. 243.

عن «مفكري الحرية المضادة للتنوير»، نال إعجاب عدد كبير من المفكرين وصداقتهم في الأقسام الأخرى

للعلوم الإنسانية والاجتماعية. وفي السبعينيات، كانت معارضة ما يسمّى القيود الموحدة للتنوير شائعة في

جامعات أوروبا على حساب الصعود العام المتميز لفلاسفة ما بعد الحداثة على الصُّعُد كافة، في أعقاب

الأحداث التي ظهرت في فرنسا في أيار/مايو 1968، وفي جامعات أميركا أساسًا خلال ظهور الحركات

النسوية والثقافات المتعددة. ومن دون الاتجاه إلى مخاطبة هؤلاء الجماهير، وجد برلين، الذي كان في بداية

الستين من عمره، أن كتاباته عن مفكري الحركة المضادة للتنوير كان لها صدى إيجابي في عصر كان الخلاف

فيه واضحًا، وكانت تستنكر دعاوى الكونية. وقد كشفت نشأة الفاشية والشيوعية في الثلاثينيات، وفقًا

لبعض الشرّاح، عن أوهام فتره أخرى يمكن تتبّع سياستها الشمولية وصولً إلى مثُل التطور العلمي

والتغير الاجتماعي الشامل. من ناحية أخرى، أثارت دراسات برلين التاريخية لأصول معارضة العقلانية

الحديثة والنزعة المحافظة والقومية ردّات فعل عدائية لدى كثير من المفكرين الليبراليين الذين يبدو أنهم

وجدوا في تلخيص المؤيد لابتكارات معارضي التنوير المنهجية رد اعتبار واضحًا لأيديولوجياتهم. يمكننا أن نُرجع اهتمام برلين بكثير من المسائل الفلسفية وبدور المعرفة الإنسانية في حياتنا إلى دراسة

لمفكري الحركة المضادة للتنوير؛ فهو تتبّع الأصول القديمة لهذه الحركة، واستخدم نتائجها وأفكارها

الملائمة لعصرنا. ولذلك، يمكننا أن نتساءل: هل كان برلين عالِأنساب ومتممً لثورة نيوتن التي استمرت

في الدراسات الإنسانيةوقتًا طويل بواسطة كانط ومفكري التنوير؟ وهل ثمة غرابة في رؤيته ممثِّلً لمجموعة

سلاسل من التطورات التي بدأت في نهاية القرن الثامن عشر، مرورًا بسلسلة من المفكرين التالين، وأساسًا

في العالم الألماني، وصولً إلى أغنى ثمارها وأكثرها توازنًا في عصرنا؟ لقد أسست هذه الرؤية الدراسة العقلية للإنسان على أفكار آمنة مؤداها أن الإنسان ليس مجرد حيوان

مادي، يرى أساسًا من الخراج بلغة الطبيعة (وهي عملية غالبًا ما كان برلين يشجعها) ولكن كنوع حر،

مستقل، مبتكَر بشكل غير متوقَّع، واضح ومتحول ذاتيًا، عنصره الملائم هو التاريخ، وطبيعته واضحة،

وعلى درجة كبيرة من الوعي. وهذا ما يجعل الدراسات الإنسانية مستقلة وواضحة بقدر كبير، ويعطي

مساحة واسعة من الحرية والسمو، ووضع مبادئ كونية. وقد اتخذ هذا التقدم شكلً لا يمكن تخيله

بواسطة مفكري التنوير أنفسهم، وهو ما يُعَدّ أحد التناقضات الكثيرة في تاريخ الفكر. يرى برلين أن التمييز بين حركة التنوير والحركة المضادة للتنوير يتعلق بنقد الحداثة وتطور الفلسفة الحديثة

خلال القرن الثامن عشر؛ فالحداثة، وهي ثمرة التنوير، يُعَدّ نقادها من اختصاص الحركة المضادة للتنوير؛

فقد تم رفع كثير من التُّهم ضد المدعى عليه، أي «التنوير»، خلال القرنين السابقين، ولكن يمكن اختصارها

في اثنتين: الأولىهي أن التنوير كان عبارة عن«مشروع» ذي وعي ذاتي حامل بعبء تغيير حالة الوجود

الإنساني، والثانية هي أن التنوير لم ينجح للأسف. والفكرة القائلة «إن التنوير كان عبارة عن مشروع

ذي وعي ذاتي، صُمّم في أعمال عدد قليل من المفكرين في البداية ثم نُفذ بعد ذلك بصورة مختلفة عن الوعي

(62) Wokler, p.vii - vii. (63) Berlin, The Proper Study of Mankind , p. xxxiv. (64) Mark Lilla, «What Is Counter-Enlightenment?,» in: Mali and Wokler, eds., p.4.

لدى مفكرين آخرين» هي شيء مبتذَل بالنسبة إلى الحركة المضادة للتنوير؛ ذلك أنه لم يكن هناك أي مشروع حديث منفرد، بل كان هناك كثير من المشاريع المتناقضة. وإذا حاولنا التعرف إلى كل ما يسمّى «مشروعًا»

في ما يُعرف بالقضية ونقيض القضية، فسوف نكتشف أن تلك «المشاريع» تقع في سلسلة من التناقضات: التناقض الأوليتعلق بالعلاقة بين العقل والأخلاق؛ فالقضية هي «أن المشروع التنويري بُني على شكل

جديد وبصورة مغايرة للعقل قطعت روابط الشعور البشري الطبيعي، وحولت البشر إلى ماكينات، وقضت بالتالي على غرائزهم الأخلاقية». ونقيض القضية هو: «أن التنوير سعى بالفعل للضغط على أفق العقل، جاعلًالعقل خادمًا للعواطف، مفسدًا الأخلاقية بواسطة إطلاق العناية لحرية الإرادة، أي منحها

سيطرة مفتوحة (سلطة مطلقة.») التناقض الثاني يتعلق بالعلاقة بين العقل والمقدس؛ فالقضية هي «أن بواسطة تعقّل العالم، استطاع التنوير أن يحرر العالم من السحر والخرافة»، جامعًا الخبرات الإنسانية الأصلية في الدِّين أو الفن أو الطبيعة.»

ونقيض القضية هو «أن التنوير نفسه شكل علماني للدِّين، هرطقة أو بدعة غنوصية جديدة تجعل الإبداع الإنساني في السياسة والفن مقدسًا.» التناقض الثالث يتعلق بالعلاقة بين العقل والسلطة السياسية؛ فالقضية هي «أن التنوير رغب في جعل العلاقات الاجتماعية غير سياسية وحيادية، محققًا السلام بواسطة إلهاء الناس أو إشغالهم بحاجاتهم الحياتية الخاصة، من خضار ولحوم وأطعمة مختلفة». ونقيض القضية هو «أن التنوير كان حركة جدلية عنيفة جعلت كل جانب من التفاعل البشري سياسيًا، مؤدية إلى بزوغ أشكال جديدة من التعصب

واليوتوبيا والمطلقية». إن وجود هذه التناقضات يشكل صعوبة لأي حكم عالمي خاص بادعاءات الحركة المضادة للتنوير؛ فمن بين الذين ناقضوا الحداثة من يقبل قضية أو أكثر من تلك القضايا، ومنهم من يقبل فقط القضايا المناقضة، ومنهم من يقبلها جميعًا. لكن يجب أن نتساءل أولً: «هل يمكن النظر إلى التنوير على أنه «مشروع »

بالفعل؟ إن الحركة المضادة للتنوير نتيجة لفلسفة التنوير وبطريقة ثانوية فقط، ولأسباب فلسفية بشكل كبير، من أجل اكتشاف جذور «الشرخ» أو «الأزمة» الحديثة التي تعتبرها الحركة موجودة في المجتمع المعاصر. ومن دون العلاقة المفترضة بين الأفكار، ثمة اهتمام قديم بنقاد العصر الحديث، والحركة تتجه، بدلً من ذلك، لبيان أن الاهتمام الرئيسي للحركة المضادة للتنوير ينصب على التاريخ لا على الكتاب أو الأفكار؛ فهيغل، مثلً، اعتمد في نقده للتنوير على مفهومه للتاريخ، فهو تأثر بفلسفة الأنوار الفرنسية، كما تأثر بقيام الثورة هناك تأثرًا بالغًا. وكان تصوره لحركة التنوير وحكمه عليها من خلال الفكر الفرنسي

لا من خلال الفكر الإنكليزي أو الألماني. وبدت له هذه الحركة حركةً مضادة للدِّين والدولة، أي حركة

(((6 المصدر نفسه، ص.5-4

(((6 المصدر نفسه، ص.6

سلبية تستهدف النقد والشك باسم العقل أو التعقل، وهو لم يكن من مفكري الحركة المضادة للتنوير بأي شكل من الأشكال، وإن يكن قد عمل على ابتكار تلك البدعة التنويرية المسمّة «الهيغلية اليسارية»

)left - Hegelianism(، وهي ضرب من المنوعات التي سادت حتى وقت قريب كثيرًا من العقول

والقلوب في معظم بلدان العالم. ومع ذلك، وبطريقة أكثر تعمقًا، لو أن هيغل غيّ التوازن لمصلحة نقاد

التنوير بتحويل فكرة التنوير مثالً خالدًا إلى اعتبار التنوير مرحلةً محددة، يمكن عندئذ أن نرى من خلال

الفكرة العمليةَ التاريخية وهي في حالة عمل، والحكم عليها وفقًا لذلك. كان مفهوم هيغل للتنوير ذا تأثير واسع النطاق، حتى أن هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم متحررين منه يجدون أنفسهم معتمدين عليه عندما يقوم بنقد الحداثة. وثمة ثلاثة عناصر تشكّل الأصل الهيغلي للنقد، سواء أكان في شكله الرومانسي القديم أم في شكله الراديكالي الحديث، وجميعها قابلة للدراسة: العنصر الأول هو المبالغة في تقدير أهمية التنوير، فمفكر الحركة المضادة للتنوير يجد نفسه في وضع غريب،

وعليه أن يتعامل مع التنوير على أنه عمل ناجح - وفي الحقيقة على أنه حقق نجاحًا ساحقًا - إذا كان يريد أن

يجعل نقده للآثار الاجتماعية للتنوير فعالً. ومع ذلك، فإن المفكر التنويري الذي يعود من القبر ويتفحص النسيج الدموي للتاريخ الحديث يمكن أن يصل إلى استنتاج مختلف ربما يقول إن التنوير لم يكن له أي تأثير، وإنه فشل. وكانت هناك فترة في التاريخ الأوروبي أحيا فيها عدد كبير من المفكرين فكرة قديمة عن التنوير تقول «إن التنوير كان متحررًا من المعتقدات السياسية أو اللاهوتية»، وقاموا بتعديلها بما يخدم

الغايات العملية للجنس البشري بأكمله، وهذه الفترة انتهت الآن، وتلا ذلك فترات أخرى قدّم فيها مفكرون مختلفون أفكارًا أخرى، وسعوا لتحقيق غايات مختلفة. واستمر أفراد الجنس البشري في الحياة،

كما هي العادة، ومن المؤكد أنهم لم يعيشوا بشكل أفضل، فهُم امتلكوا ماكينات جديدة وسلطات لكنهم لم

يستنيروا أكثر. السماء انفتحت لهم، وهم ازدادوا انغلاقًا على أنفسهم. يشير ناقد الحداثة إلى هذا النسيج نفسه، ويتهم التنوير بأنه النول الذي نسج عليه. فإذا وافق المفكر التنويري على أن هذا النسيج مرعب، مع أنه ينكر نسجه، فإن الناقد يكون مجبرًا على الدفاع عن فرض بخصوص

المسؤولية التاريخية، وهو، في أبسط أشكاله، المغالطة أو السفسطة الدياكرونية القديمة: «بعده، إذن،

بسببه» hoc ergo propter hoc post)، ومعناها تعاقُب الأحداث الزمنية تعاقبًا سببيًا). هذا هو الحجر

الذي تبني عليه الحركة المضادة للتنوير قضيتها ضد العصر الحديث. ومهما يكن النقد الذي يستخدمه سوفسطائيون أو معقدون، فإن على الناقد أن يقوم بذلك الافتراض الدياكروني إذا كان يريد أن يكون

نقده فعالً؛ فالتنوير يجب أن يحتمل مسؤولية التبعات حتى النسبة إلى تلك القوى التي سعت للقضاء عليه. وهذا الفرض قوي جدًا، وقد يتيح لمفكر الحركة المضادة للتنوير أن يحل التناقضات السابقة بواسطة إثبات القضية ونقيضها معًا، وهو عندما يقوم بذلك يكون على وعي بأصول الفكر الحديث التي تعتبر فيه

(((6 حسين، ص.46

(68) Lilla, pp. 7-8.

(((6 المصدر نفسه، ص.8

كل قضية شرطًا مسبقًا تاريخيًا لكل نقيض لها؛ ف«اللاعقلانية» مثلً تفسَّ على أنها ردّة فعل على «عقلانية

التنوير»، وتفسَّ المشاركة السياسية الكاملة على أنها نتيجة لعدم المشاركة في السياسة سابقًا، وهذا كله

مستمَد، على نحو ما، من فلسفة هيغل. العنصر الثاني هو الفرض السانكروني القائل «إن الواقعي والعقلي مرتبطان معًا في التاريخ»، أو «إن كل

ما هو متحقق معقول وكل ما هو معقول متحقق»، وهذا الربط علاقة ديناميكية تظهر فيها الأفكار كردّة

فعل للتناقضات عبر الوجود، ومن ثم تساعد في إعادة تشكيل الوجود في المرحلة التاريخية التالية. فالحركة

الرومانسية المضادة للتنوير تُظهر غالبًا نفسها، في ضوء ذلك، على أنها ناتجة كردّة فعل يمكن تبريرها للعالم،

الساخن والبارد، بواسطة التنوير. لكن إذا أخذنا تأكيد الرومانسيين بجدية، وتفحصنا العوالم التي أتوا منها

بالفعل، سنجد قليلً من التنوير فيها بشكل ملحوظ. وإذا كانت الحركة المضادة للتنوير ردّة فعل أصيلة

للعالم الناشئ بواسطة التنوير، فيجب أن تكون قد نشأت في بريطانيا العظمى أو أميركا. ولكن بدلً من

ذلك، ولدت في ألمانيا، وترعرعت بين الكاثوليك الساخطين في فرنسا وإسبانيا وإيطاليا. ومثلِ المعارضين

للسامية من دون اليهود، يبدو أن الحركة المضادة للتنوير تنمو أينما كان ومتى كان موضوعها غائبًا. كان من الممكن أن يفترض النقد الراديكالي للحداثة الذي ظهر بعد الحرب العالمية الأولى أن الواقعي

والعقلي هما شيء واحد. لكنه قام، بدلً من ذلك، بوضع افتراض أكثر قوة يقول «إن الواقعي غير عقلاني»،

واللاعقلانية تلك نتيجة ضرورية، إن لم تكن غير متعمدة، ل«المشروع» الحديث الخاص بالتنوير. فإذا كان

علْم الأنساب (Genealogy) الخاص بالفكر الحديث يستطيع أن يحل التناقضات ويثبت مسؤولية التنوير

عن تناقضه الفكري، فإن في الإمكان أيضًا التوسع فيه بغية توضيح كيف أن أفكار التنوير هي المسؤولة

عن تناقضه الاجتماعي، ومن خلال افتراض أن «بعده، إذن، بسببه» قد اعتبر التنوير مصدرًا لكل تطور

سياسي وتكنولوجي وجمالي، وحتى نفسي في العصر الحديث. وقد أدى هذا التأكيد إلى بزوغ أعمال أدبية

ضخمة تسود حاليًا مناقشات الحداثة. ومن هذه الأعمال النقد والأزمة لريمبرت كوسيليك، في شكل

تراجيديا، وجدل التنوير لهوركهيمر وأدورنو، في شكل كوميديا هزلية غير متعمدة، فروضها المسبقة

دياكرونية وسانكرونية متماثلة، ومستمَدة من هيغل. العنصر الثالث المستلهَم من هيغل ليس افتراضًا مسبقًا بشأن طبيعة التاريخ، بل هو بالأحرى أمل أُخروي

(متعلق بالآخرة) بالمصير النهائي للتاريخ؛ فلو اعتبُر التنوير مجرد عملية تاريخية في أزمة، فسوف يُفهم من

ذلك أن حل هذه الأزمة يكون بالتغلب على أزمة التنوير (الانتصار على مشكلات التنوير). ويمكن تخيّل

هذا الانتصار بطرق عدة: عَود تاريخي، ووثبة تاريخية إلى الأمام، أو وثبة خارج التاريخ تمامًا. وربما لا تُعتبر

كل واحدة منها معارضة للتنوير، وإنما «تنوير أعلى» أو «أصدق»؛ فعند الكتابة خلال فترة الإرهاب الفرنسي،

عبّ نوفاليس عن هذه الآمال الأخروية بعبارات تنمّ عن تنبّؤ قائلً: «إن الفوضى الخلاقة تنجب دِينًا،

ومن خلال تدمير كل شيء إيجابي ترفع رأسها مفتخرة بكونها صانعة العالم الجديد». وعبّ هيغل عن هذه

(70) Loc - Cit.

(((7 المصدر نفسه، ص.9

(72) Loc - Cit.

الآمال كلها بكلمات غامضة في أثناء الغزوات النابليونية: «عذاب روح العالم». وكان يمكن المرء أن يتوقَّع أن تُفسد كارثة الحرب العظمى هذه الآمال الأخروية كلها، لكن ما حدث هو العكس تمامًا؛ فلدى كثير

من المفكرين اليهود والكاثوليك والبروتستانت على حد سواء، أمل بوجود عالم جديد تعاد فيه ولادة التنوير الحديث. فنقد الحداثة بالنسبة إلى الحركة المضادة للتنوير «لا يتضمن بالضرورة أيًّا من هذه الآراء

الأخروية، ولكنه دائمً يحث خطوات تشجيعها، ولا يملك، على وجه التقريب أي مصادر لقمعها». هذهالآمال الأخروية لم تنشأ بواسطة هيغل؛ إنها قديمة ق دم الاستياء من الحالة الإنسانية التي هي قديمة قِدم

قدم العنصر البشري. وليس هيغل أول من اكتشف مآسي الفلسفة، ولا أول من وضع فيلسوفًا في محاكمة

(حاكم الفيلسوف)، بيد أن ج دته تعتمد تمامًا على تصوره التاريخي لهذه المشكلات، ولهذا كان سؤال كروتشه

«ما هو الحي وما هو الميت في فلسفة هيغل؟» ممهِّدًا لكثير من الدراسات؛ فلقد كانت حركة التنوير في نظر

هيغل هي الخطوة الثانية في تحرير العقل التي أعقبت حركة الإصلاح الديني. ربما يشبه لوثر سقراط لأنه حقق مثله انطواء الروح على ذاتها، واستطاع أن يفصل إلى حد ما بين حقيقة الدِّين في الخارج وفي الداخل،

وكان لوثر يقول «على الدِّين أن يبني معابد في قلوب الأفراد». أما الخطأ، فتمثّل عند الشعب في ضعف

التفكير، وعدم القدرة على التأمل، والانطواء. وتمثّل أيضًا في طبقة الإكليروس ورغبتها في خداع الشعب.

إن ضعف البعض وخبث البعض الآخر خلقا هذا العالم البغيض، عالم الحقد والتعصب الذي أدمى تاريخ الإنسانية. واستطاعت حركة التنوير أن تكشف عن منطق الخطأ الذي أفسد الإنسانية طوال السنين. اعتقد هيغل أن فلسفة التنوير بنقدها للإيمان أصابت من الدِّين واجهته الخارجية، وذلك حتى لا يتحول

إلى «ضجيج للنواقيس وأبخرة ساخنة وفكر موسيقي»، غير أن هذه الحركة لم تحقق الهدف الذي كانت تنشده لأنها لم تستطع أن تبلغ التعقل الخالص لمضمون الروح، ووقفت عند الحد السلبي منه. وهي لم تدرك حقيقة الدِّين بوصفه فكرًا للروح، واكتفت بالنظر إلى مظهرية الدِّين وإلى الإيمان الشعبي الساذج. إذا كان هيغل قد ركز على الروح الحماسية للفكر الفلسفي في عصر التنوير، فإن ماركس اهتم أساسًا

بالجانب المادي فيه. وكما لاحظ برلين، فإنه لم يكن لأي مفكر في القرن التاسع عشر تأثير مباشر، محكم وقوي، في الجنس البشري، مثلما كان لماركس الذي كان له في حياته وحتى بعد مماته، سلطة فكرية هائلة على أتباعه حتى في العصر الذهبي للقومية الديمقراطية، وهو عصر شهد ظهور أبطال كبار مشهورين، وشخصيات رومانسية، وأسطورية غالبًا، فانتشرت كلماته وترعرعت في خيال الجماهير، وخلقت اتجاهًا

ثوريًا جديدًا في أوروبا. كان ماركس كاتبًا بارزًا وخطيبًا مفوهًا، لكن أعماله الغزيرة لم يُكتب لها الانتشار

في حياته. ولم يكن مردّ انتشارها في السبعينيات بين الصفوة والجماهير أو النخبة والعامة إلى ما تحمله من

سلطة فكرية بقدر ما كان مردّه إلى تزايد شهرة الحركة التي عُرف بها.

(((7 المصدر نفسه، ص.10-9

(((7 حسين، ص.49-48

(((7 المصدر نفسه، ص.47

(76) Isaiah Berlin, Karl Marx: His Life and Environment , 4 th ed. (Oxford; New York: Oxford University Press, 1978), p. 1.

والحقيقة أن ماركس لم يؤمن بقوة المبررات العقلية في التأثير في السلوك، بعكس بعض مفكري حركة

التنوير الفرنسيين، ولم يؤمن بالتحسن المستمر للوضع البشري، فالتناقض هو سمة التقدم البشري.

ومع ذلك، عاش ماركس عقلانيًا وباحثًا عن الكمال طوال حياته. لقد آمن بالوضوح الكامل لعملية

التطور الاجتماعي؛ آمن بتطور المجتمع بأجمعه، وبأن حركته من مرحلة إلى مرحلة حركة إلى الأمام، وكرّه

بالأسباب الخارقة للطبيعة، والأوهام من أي نوع، وقلل من تأثير تلك القوى غير العاقلة مثل القومية

والنعرات العنصرية. لذلك، كانت مبادئ العقلانية الفلسفية التي غرسها فيه والده وأصدقاؤه حصنًا له

يقيه أوهام الرومانسية التي أربكت معظم معاصريه، على الرغم من تأثيره الشديد في الفلسفة الهيغلية. طبعًا، هناك الكثير الكثير من مفكري حركة التنوير والحركة المضادة للتنوير. وتوجد خلافات حادة بينهم،

ويمكننا دراسة كل مفكر تنويري في إطار تحديد نظيره في الحركة المضادة للتنوير؛ فلقد دارت التهم التي

توجَّه إلى فلاسفة التنوير بشأن المشكلات الثلاث التي ذكرناها سابقًا: علاقة العقل بالأخلاق وبالمقدس

وبالسلطة السياسية. من الجدير بالذكر هنا أن بعض الدراسات الحديثة تعارض موقف برلين من الحركة المضادة للتنوير، بسبب

ربطه لها بالفكر الألماني بشكل واضح، وبتجاهله الكثير من الانتقادات الموجَّهة إلى التنوير، خاصة في القرن

العشرين. كما رفض بعض المفكرين مصطلح «الحركة المضادة للتنوير» على أساس أنه لا يوجد تنوير واحد

لكي يعارضه أعداؤه المزعومون؛ فالمؤرخ مكماهون أرجع في كتابه أعداء التنوير (2001) الحركة المضادة

للتنوير إلى ما قبل الثورة الفرنسية، بل حتى إلى مستوى «الشارع الكادح» (الطبقات الكادحة)، مخالفًا

بذلك توجه برلين الفكري الذي يقصر هذه الحركة على الألمان. وركز مكماهون على أعداء التنوير القدماء

في فرنسا، كاشفًا النقاب عن أدب «الشارع الكادح» الذي كان منسيًا فترة طويلة في نهاية القرن الثامن عشر

وبداية القرن التاسع عشر. واهتم بدراسة العالم الغامض، وفي بعص الأحيان غير الملائم لِ«الحركة المضادة

بشكل ضعيف للتنوير» والذي هاجم موسوعات المعارف (الإنسيكلوبيديات) وخاض معركة قذرة غالبًا

لمنع نشر الأفكار التنويرية. اعتبر غريم غارارد في كتابهالحركة المضادة للتنوير لدى روسو (2003) روسو أبًا للحركة الفكرية المضادة

للتنوير، وهو الرجل الذى أطلق أول رصاصة في الحرب بين التنوير وأعدائه، وهذا يناقض وصف برلين

لروسو بأنه فيلسوف تقاسم المعتقدات الرئيسية مع معاصريه التنويريين. كما أنه، مثل مكماهون، يُرجع

الحركة المضادة للتنوير إلى فرنسا. ويقول، معارضًا لبرلين، لا «توجد حركة واحدة مضادة للتنوير، وإنما

يوجد كثير من الحركات منذ منتصف القرن الثامن عشر حتى القرن العشرين بين النظريتين النقديتين،

وأنصار ما بعد الحداثة والنسوية. فالتنوير له أعداء في مختلف الأيديولوجيات، من أقصى اليسار حتى

أقصى اليمين، وما بينهما من نقاط. وقد وصفه كل مفكر من أعدائه بالشكل الذي يراه أو يريده من

الآخرين أن يروه كذلك، وهو ما أدى إلى كمٍّ كبير من الصور، ليست مختلفة فقط، بل غير ملائمة أيضًا.

(((7 المصدر نفسه، ص.22

(78) Gray, pp. 2-3.

(((7 المصدر نفسه، ص.5-4

وبوجه عام، فإن الحركة المضادة للتنوير سعت إلى تقويض مثُل التنوير: رد كل معرفة إلى أصولها الإنسانية؛

تنوير الشعوب وتحرير العقول بواسطة العلم وحده؛ الدعوة إلى الحرية والمساواة والتسامح بين البشر؛

تمجيد العقل والإيمان بألا سلطان على العقل سوى سلطان العقل ذاته... إلخ. لكن هل معنى ذلك

أن الحركة المضادة للتنوير تركز هجومًا على قيم «التنوير» ومفاهيمه المحورية؟ ومن هُم أبرز رواد هذه

الحركة؟ وما هي أهم المسائل التي اتفق عليها أصحابها؟ هذا ما سوف نوضحه في الصفحات التالية.

المفكرون الألمان المناهضون لحركة التنوير

إن دراسة برلين لمفكري الحركة المضادة للتنوير موسوعية وعميق المضمون؛ فقد خصص في مؤلفاته

كتبًا ومقالات مستقلة عنهم، عرض خلالها مجموعة من المشكلات البحثية والمنهجية المتعلقة بمواقف

تلك الحركة من التنوير. وركز بصفة خاصة على المفكرين الألمان، وفي مقدمهم الرومانسيون الذين كانوا

أول من نادى بالحرب ضد التنوير. ومن الحركات المضادة للتنوير في مجال الفكر الاجتماعي والسياسي

وتاريخ الأفكار حركة فرانكفورت، وعلى رأسها تيودور أدورنو (-1903 1969) وماكس هوركهيمر

(1895-1973) اللذان عبّا عن موقفهما في كتابهما جدل التنوير الذي نشُر بعد الحرب العالمية الثانية

والمحرقة مباشرة، أي في سنة 1947. والسؤال الذي شغلهما فيه هو: لماذا لا يسعى أفراد الجنس البشري

للانتقال إلى مرحلة جديدة متطورة بدلً من استغراقه في نوع جديد من الهمجية؟ وهذا في رأيهما راجع إلى

التناقض الكامن في قلب الفكر التنويري أو مفارقاته: «كان التنوير يهدف دائمً إلى تحرير الناس من الخوف

وبسط سيادتهم، ومع ذلك فالأرض المستنيرة بأكملها تشع انتصار الكارثة. لقد كان برنامج التنوير من

أجل تحرير العالم من الوهم: التخلص من الأساطير والاستعاضة عن التوهم بالمعرفة»، ولكنه كان

يحمل في ذاته بذور التراجع إلى صور بدائية مضادة.

أبرز أدورنو وهوركهيمر نقطتين مهمتين بشأن التنوير:

النقطة الأولى هي أن مشروع التنوير ل«تحرير العالم» جعل من الصعب، حتى عند التوصل إلى توافق مع

الدِّين، تركيز الطموحات لتحقيق التوافق وإنجاز المهمات على «أماكن أبعد»، ولكن العمل في الوقت

نفسه على نقلها كمعايير للطموح البشري. وهذا أتاح ما سمّه الجدل «إدارة الحياة»، وهو نسق عقلاني

يشمل البشر والطبيعة والمعرفة ذاتها من أجل تحقيق أهداف هذا العالم؛ نمط من التفلسف الذي يجعل فكرة

«الإدارة» ممكنة. وهذا ما رآه «الجدل» على أنه مساهمة ليس فقط لخاصية محددة للحياة اليومية في القرن

العشرين في الغرب، بل أيضًا لرعب الحشود الكبيرة التي يعامَل فيها البشر على أنهم أدوات، و«يُدارون »

و«يُستخدمون» بواسطة نظام تكنولوجي «عقلاني» بلغ أقصى مدى له. النقطة الثانيةهيأن رؤية التنوير للعقلانية أثّرت بشكل واضح في تحويل المعرفة إلى سلعة كأي سلعة أخرى،

وبهذا قضت على المساحة التي تربط فيها المعرفة بالحقيقة أو ب«الحكمة»، ومن ثم أدت أيضًا إلى انفصال

(80) Outram, p. 8. (81) Max Horkheimer and Theodor W. Adorno, Dialectic of Enlightenment, translated by John Cumming, 2nd ed. (London: Verso, 1979), p. 90.

المعرفة عن الأخلاق. كما يؤكد المؤلفان أدورنو وهوركهيمر أن «العقلانية تتسم أيضًا بنزعة علمية إلى

إفناء الذات»، وقد نوه هوركهيمر، في كتاب له بعنوان نهاية العقلإلى أن الفلسفة البرجوازية، من حيث

هي تجسيد للتنوير، فلسفة عقلانية بحكم طبيعتها، بيد أن هذه العقلانية تحولت ضد نفسها وسقطت في

مذهب الشك أو الدوغماطيقية، ولم يبق بعد ذلك شيء من العقل. هذا بالإضافة إلى أن العقل هو الوسيلة

التي يتجذر بها الإنسان في المجتمع، أو يتكيف إلى الحد الذي يتحكم فيه العقل في الغرائز والعواطف.

ويقول هوركهيمر «إن العقل يصبح آلة حاسبة تُصدر أحكامًا تحليلية، وتستبعد الأحكام التقويمية». يقول أدورنو وهوركهيمر أيضًا «إن الإنسان المعاصر يسير على منوال الإنسان الأول، في إضفاء الطابع

العقلي على كل الأشياء، حتى أنه يتجه إلى تكوين أسطورة جديدة، ذلك لأن عقل التنوير تبنّى مفاهيم هذه

الأسطورة التي تحكم العقل وتتخذه أداة لتحقيق مصالحها، بدلً من تأملها وتحليلها ونقدها، أي إن العقل

نفسه تحول إلى أسطورة، ومضى يعقلن مجالاته الحياتية كلها، بدلً من أن يمارس نقده لذاته». ورأى برلين أن رفض المبادئ الرئيسية للتنوير -مثل الكونية والموضوعية والعقلانية والقدرة على تقديم

حلول دائمة لجميع المشكلات الرئيسية للحياة والفكر، واستخدام المناهج العقلانية والتفكير المنطقي-

جاء بصور مختلفة: محاف ظة وتحريرية، رجعية وثورية، وهوجم النظام بناءً عليها. ومن أنصارها، على سبيلِ

المثال، آدم موللر وفريدريك شليغل وكوليريدج الذين نظروا إلى مبادئ الثورة الفرنسية والنظام النابليوني

على أنها كانت من العوائق الأكثر خطورة في طريق التعبير الذاتي البشري الحر، واستخدموا صورًا محافظة

أو رجعية من اللاعقلانية ونظرًا أحيانًا إلى الوراء، إلى الماضي الذهبي، لعصور الإيمان التي تسبق عصر

العالم، واتجهوا نحو تشجيع مقاومة رجال الدِّين والأرستقراطيين للتحديث، أو التجديد، وجعل الحياة

بواسطة الصناعة والاستخدامات الحديثة أكثر قوة أو سلطة. وركز برلين، بصفة خاصة، على «الحركة المضادة للتنوير» لدى هيردر وهامان وجاكوبي. جاء هيردر،

فاستعاض عن فكرة عصر التنوير القائلة بوجود طبيعة إنسانية واحدة ثابتة، بفكرة أخرى تقول بوجود

ألوان كثيرة من الطبيعة الإنسانية، يعتبر كل لون منها فرضًا جدليًا يسلم به التاريخ، لا طبيعة تبلورت

بفعل التاريخ. وفي سنة 1769 أعلن هيردر المبدأ الأساسي لنزعته النسبية قائلً: «إن الطبيعة الإنسانية

في بيئات مختلفة أو ظروف مناخية متباينة ليست متماثلة كلية». كما بدا هيردر خصمً عنيفًا لزهو عصر

التنوير بالعقل، أي بالوعي الذي يجعلنا نشعر بأننا أصبحنا على علو شاهق يحملنا على ازدراء العصور

الماضية. وهاجم القرنَ الثامن عشر لأنه طبع على جبينه كلمة فلسفة، وعزل نفسه عن كل نظرة حية

للأحوال الإنسانية والروحية الخاصة بالعصور الأولى، وشوّه كل تقدير لها.

(82) Outram, pp. 9 - 10. (83) Horkheimer and Adorno, p. 7.

(((8 وهبة، ص.125

((8(عصام عبد الله، يورجن هابرماس: سيرته وفلسفته (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2006.69)، ص

(86) Berlin, The Proper Study of Mankind , pp. 263-264.

((8(محمد مجدي الجزيري، نقد التنوير عند هيردر (طنطا، مصر: دار الحضارة، 1999)، ص.136

(((8 المصدر نفسه، ص.147

لذلك، رأى برلين أن هيردر بدا مناصرًا لمثُل التنوير الكبرى في القرن الثامن عشر ومدافعًا عنها، من نزعة

إنسانية عالمية متحررة من الخصائص القومية إلى تأكيد مبدأ المحبة والتسامح ورفع شعار السلام والخير

والعقلانية. وبهذا أصبح هيردر ابنًا حقيقيًا للتنوير في بساطته، وكذلك في خياله وذكائه. ولكنه سرعان ما

تخلى عن هذه المثُل فاتجه إلى تقليص سلطة العقل، ودعا إلى القومية والتمسك بالحدسية والإيمان بالتقاليد.

ولم يكن هيردر متفردًا في ذلك، بل كان ككبير من المفكرين الألمان الذين أخذوا يرحّبون بالثورة الفرنسية

على أساس أنها هي التي غرست أشجار الحرية، وإن كانت هذه الثورة قد أحبطتهم بسبب ما انتهت إليه

من تنكّر مطلق لكل حق ولكل حرية، وكان من نتائج ذلك هزيمة عسكرية منظمة ألحقتها بهم جيوش

الثورة الفرنسية، فتحولوا إلى وطنين رجعيين وأصحاب أمزجة رومانسية لا عقلية. وكان هذا هو الطريق

الذى سلكه جيل من الفلاسفة الألمان أمثال فخته ونوفاليس وشيلغل وشيلرماخر وتيك وغنتز وشلينغ،

وعلى نحو ما الليبرالي الكبير شيلر. وأشاد برلين بالفيلسوف الألماني هيردر، وأرجع إليه المكانة المتميزة

بوصفه أبًا للأفكار الخاصة بالقومية والتاريخية، وأحد رواد الثورة الرومانسية ضد الكلاسيكية والعقلانية،

والإيمان بالسيطرة الكاملة للمنهج العلمي. باختصار، كان أكثر الخصوم إثارة للقلق من الفلاسفة الفرنسيين

وأتباعهم هم الألمان؛ فقد اعتقدوا - أو على الأقل اعتقد أكثرهم شهرة (دالمبير، هلفتيوس، هولباخ) وذوو

الإمكانات الكبيرة (فولتير، ديدور، فولف، ريماريوس) أن الواقع الفعلي نُظّم من خلال قوانين كونية،

سرمدية، موضوعية، ثابته يمكن للدراسة العقلانية اكتشافها. وأوضح هيردر أن لكل نشاط، وموقف،

وفترة تاريخية، أو حضارة خاصية مميزة، لهذا فإنه في محاولته لتحويل هذه الظواهر إلى مجموعات من العناصر

الموحدة، ووصفها أو تحليلها من خلال قواعد كونية، اتجه للتخلص تمامًا من تلك الاختلافات الكبيرة التي

شكلت الميزة الخاصة بالشيء الذى هو تحت الدراسة، سواء في الطبيعة أو في التاريخ. وبالنسبة إلى أفكار

القوانين الكونية والمبادئ المطلقة والحقائق النهائية والنماذج والمعايير الدائمة في الأخلاق أو علم الجمال،

الفيزياء أو الرياضيات، فإنه عارض التمييز الكبير بين المنهج الملائم لدراسة الطبيعة الفيزيائية وما يُعرف

بواسطة ما يطلق عليه «تغيير روح الإنسان وتطويرها». إنه مفوض بوضع حياة جديدة في فكرة الأنماط

الاجتماعية، والنمو الاجتماعي، والأهمية الكبرى لدراسة العوامل الكيفية وكذلك الكمية - الدقيقة جدًا

والعديمة الوزن، والتي تتجاهلها مصطلحات العلم الطبيعي أو تنكرها. اعتقد هيردر أن الثقافات المختلفة أعطت إجابات مختلفة عن تساؤلاتها الرئيسية. وركز اهتمامه على دراسة

العلوم الإنسانية والإنسانيات وحياة الروح أكثر من تركيزه على العالم الخارجي، وأصبح مقتنعًا بأن ما

يكون صحيحًا بالنسبة إلى البرتغالي ليس بالضروري صحيحًا بالنسبة إلى الروسي. وآمن بالتعددية،

وهي الإيمان ليس فقط بالكثرة، بل أيضًا بعدم إمكان حصر (عد) قيم الثقافات والمجتمعات المختلفة،

والإيمان أيضًا بتناقض المثُل المتاحة مع النتيجة الثورية القائلة إنه «لا يحق لنا أن نفكر في إنسان مثالي أو

شعب مثالي، أو معايير قيمية مطلقة، فهذه الأفكار متناقضة وعديمة المعنى». وقال هيردر «إن التفاخر

(89) Isaiah Berlin, Vico and Herder: Two Studies in the History of Ideas (New York: Viking Press, 1976), pp. 157-174.

(((9 المصدر نفسه، ص.145

(91) Isaiah Berlin, The Power of Ideas , Edited by Henry Hardy (London: Chatto and Windus, 2000), p. 8. (92) Berlin, Vico and Herder , p. 153.

بوطن الفرد يُعَدّ أغبى أشكال المفاخرة. فالأمة حديقة برية مليئة بالنباتات السيئة والحسنة، رذائل وحماقات

ممتزجة بفضائل ومزايا»، ولا تحيا أي حضارة بمعزل عن غيرها، بل تدين لغيرها من الحضارات بكل

تقدم أحرزته؛ فالحضارة الرومانية مدينة في وجودها للحضارة اليونانية، والحضارة اليونانية مدينة بدورها

لحضارات آسيا ومصر، والحضارة المصرية القديمة مدينة لآسيا، وربما الحضارة الصينية أيضًا مدينة لمصر.

وهكذا، تمتد السلسلة إلى آخر حلقة، وربما يأتي اليوم الذي تشمل فيه العالم ككل. الأمم التي تعلمت

من غيرها، كمصر واليونان وروما وبعض الأمم الحديثة، هي عند هيردر استوعبت الميراث الذي تلقته

وطورته، أما الأمم الأخرى التي انعزلت عن غيرها وانغلقت على ذاتها، كالفرس والتتار والقوط، فإنها

انتهت إلى نقطة لم تستطع عندها أن تحقق أو أن تضيف شيئًا غير إضعاف ما أبدعه الأوائل وتخريبه. إن نزعة هيردر الشعبية دفعته إلى معارضة الدولة والحكومة كسلطة مركزية يخضع لها المجتمع ومن ثم

تختفي صور التعددية. وهو يتفق في ذلك مع موسر- اجتماع تاريخي معاصر له، كتب عن الحياة القديمة عالِ

لإقليمه الأصلي في ألمانيا - الذي نظر إلى المركزية على أنها الأداة المدمرة للحضارات والثقافات والعادات

والتقاليد، وقال إن لكل عصر أسلوبه الخاص، ولكل حرب صورتها المميزة، ولكل دولة شؤونها ولونها

المحددين، وللملبس والسلوك روابطهما الخاصة مع الدِّين والعلوم. وقد اعتقد موسر أن المجتمعات

والأفراد يمكن فهمهم فقط بواسطة الانطباع الكامل (الرؤية الكلية) وليس بواسطة عزل عنصر عن

عنصر بطريقة الكيميائيين التحليليين، كما يقول لنا، فإن هذا ما لم يفهمه فولتير عندما سخر من الحقيقة

القائلة «إن القانون الذي كان مطبَّقًا في إحدى القرى الألمانية، كان يعارض آخر في قرية مجاورة: ومن

خلال هذا التنوع الكثيف المبني على التقاليد القديمة المنظمة، حيث جرى تجنّب الحكومات الاستبدادية

ذات الأنظمة الموحدة، حوفظ على الحرية. لقد آمن هيردر بأخوّة البشر وتضامنهم الاجتماعي، وبكل نزعة قومية بعيدة عن التعصب السياسي.

فالطبيعة، كما يقول، خلقت الأمم ولم تخلق الدول، والأمة ظاهرة سياسية مصطنعة، وهى ليست إلا أداة

أو وسيلة لتحقيق السعادة لجماعة معينة لا للبشر ككل، ومن ثم فإن الحفاظ على النزعة القومية يتوافق

مع الطبيعة البشرية كما يتوافق مع منطق الطبيعة ككل، ذلك أن العلاقات الإنسانية الصحيحة هي تلك

التي تربط بين الأب وابنه وبين الزوج وزوجته وأبنائه وأخوته وأصدقائه، وهي وحدها مصدر السعادة

الإنسانية الحقة، وما عدا ذلك من علاقات مصدرها الدولة. والعلاقة بين الدول المختلفة هي في مجملها

علاقات مصطنعة منافية للطبيعة، فالدولة تعني التناقض بعينه، وتعني ما تم الاستيلاء عليه بالفتح والغزو،

وتعني أيضًا تجريد كل شيء من طابعه الإنساني. وهكذا، فإن العالم منذ البداية ليس واحدًا، بل مقسم إلى

قوميات متعددة، ولكل قومية خصائصها المتفردة التي ينبغي احترامها والحفاظ عليها، كما ينبغي عدم

السماح لقومية ما بأن تفرض سلطانها وتطغى على غيرها من القوميات الأخرى، وبالتالي فإن التعصب

السياسي الأعمى لقومية محددة مرفوض ويتعارض كل التعارض مع حق كل قومية في الوجود.

(((9 المصدر نفسه، ص.157

(((9 الجزيري، ص.97

(95) Berlin, The Proper Study of Mankind , p. 256.

(((9 الجزيري، ص.119

لذلك قال برلين إن هيردر هو أبو القومية الثقافية، علمً بأن هيردر لم يكن سياسيًا مناديًا بالقومية (هذا

النوع من القومية لم يتطور في عصره)، لكنه آمن باستقلالية الثقافات والحاجة إلى إبقاء كل منها في شكلها

المميز. اعتقد أن الرغبة تنتمي إلى الثقافة، شيء ما قام بتوحيد جماعة أو منطقة أو أمة، وكانت حاجة

بشرية رئيسية، بعمق الرغبة في الطعام أو الشراب أو الحرية، وأن هذه الحاجة إلى الانتماء إلى مجتمع تفهم

فيه ما يقوله الآخرون، حيث تستطيع التحرك فيه بحرية، ويكون لك فيه روابط عاطفية واقتصادية،

واجتماعية وسياسية كانت أسس الحياة البشرية المتطورة والناضجة. ولم يكن هيردر روائيًا، على الرغم

من أنه كان يوصف بذلك غالبًا، بل اعتقد أن هناك أهدافًا إنسانية رئيسية وقواعد للسلوك، لكنها اتخذت

أشكالً مختلفة تمامًا في الثقافات المختلفة، وبالتالي، بينما يمكن أن يكون هناك تماثلات، وتناظرات، بما

يجعل إحدى الثقافات واضحة لأخرى، فإن الثقافات لم تمتزج بعضها ببعض - لم يكن الجنس البشري

واحدًا بل كان كثيرًا، وكانت الإجابة عن الأسئلة كثيرة، على الرغم من أنه يمكن أن يكون لها أصل رئيسي

موحد ومماثل. كان لآراء هيردر تأثير خطِر وثوري على الفكر والممارسة. وقد أثنى عليه البعض بقولهم «إنه كان نصيرًا

للإيمان ضد العقل، وللخيال الشعري والتاريخي ضد التطبيق الآلي للقواعد، وللبصيرة ضد المنطق،

وللحياة ضد الموت». وقام آخرون بتصنيفه مع المفكرين المشوشين، أو الرجعيين أو اللاعقلانيين، هؤلاء

الذين أساءوا فهم ما تعلموه من التنوير، وشجعوا الشوفينية الألمانية (المغالاة في الوطنية) والظلامية،

ومازال هناك آخرون يسعون لإيجاد أساس مشترك بينه وبين كونت وداروِن وفنغر، وعلماء الاجتماع

المحدثين. على الرغم من تعاطف برلين مع هامان وهيردر وجاكوبي ومن تأثره الشديد بهم، فإنه ما زال يُعَدّ ناقدًا

قاسيًا للحركة الألمانية المضادة للتنوير؛ فقد اعترض بشكل خاص على معارضتها للعقلانية و«غموضها»

ودفاعها عن التعصب والخرافة، وكراهيتها للعلم. وعلى الرغم من اعتراض هامان وهيردر وجاكوبي

أنفسهم على ذلك، فإن برلين لم يتردد في وصف فلسفتهم بأنها «لا عقلانية». ومع ذلك، ومن المهم بشكل

كبير أن برلين كان يشك في النيات السياسية والنتائج الناجمة عن نقد العقل لدى الحركة المضادة للتنوير.

ومرة أخرى، نجد برلين يصف هامان في كتابه مجوس الشمالبأنه «فيلسوف» رجعي لمعارضته إصلاحات

فريدريك الثاني، وكثيرًا ما كان يقول إن هامان معارض لاذع للثقافة الليبرالية. ومن المثير للسخرية أنه بينما

نجد أن لدى برلين نفسه شكوكًا بخصوص المعادلة الليبرالية - العقلانية بسبب الحركة المضادة للتنوير،

فإنه كان يكتب عن هامان وهيردر وجاكوبيكما لو كان فكرهم ملتصقًا بهذه المعادلة. وهذا ما يُظهر نقدهم

للعقل كما أنه ما زال معارضًا لليبرالية، بواسطة النية والضمير. كان هامان -كما لاحظ برلين- من أوائل المفكرين الذين اتهموا العقلانية والعلمية باستخدام التحليل

لتشويه الحقيقة، ثم تبعه في ذلك كلٌّ من هيردر وجاكوبي وموسر الذين تأثروا بشافتسبري وينغ وخُطب

(97) Berlin, The Power of Ideas , p. 9. (98) Berlin, Vico and Herder , p. 146. (99) Robertson, pp. 106-107.

بورك اللاعقلانية. وقد أثّر هؤلاء بدورهم، عن طريق الكتّاب الرومانسيين، في كثير من المفكرين في

الدول المختلفة. والمتحدث الأكثر بلاغة في التعبير عن هذا الموقف هو شيلنغ، الذي قام برغسون بنشر

فكره بحيوية في بداية هذا القرن؛ فهو أب لهؤلاء المفكرين المعارضين للعقلانية. وقد اعتقد هامان،

مثل فيكو، أنه لفهم أي دين أو عمل فني أو خاصية قومية، يجب على المرء أن «يدخل في» الظروف المميزة

له؛ فيمكن فهم الكتاب المقدس فقط بواسطة هؤلاء الذين يمرون بخبرة القساوسة. ولم يتوقف برلين عند وصف هيردر بالرجعية واللاعقلانية، بل نجده في مقاله «هيردر وحركة التنوير»

ينتقض من أصالة هيردر ويقول إنه يدين بأفكاره لغيره من الذين سبقوه، ومن أهم هذه الأفكار: - فرضية هيردر القائلة إن الموضوع الأصلي للعلوم التاريخية هو حياة الجماعات لا حياة حكام الأفراد

(رجال دولة، وجنود، وملوك، وسلالات حاكمة، ومغامرين، وأناس آخرين مشهورين) ليست جديدة،

بل سبق أن تحدث عنها فولتير وهيوم ومنتسكيو وفيكو وآخرون. ومن اهتمامات برلين دراسة مؤلفات المفكر الإيطالي جيامباتيستا فيكو في القرن الثامن عشر، إذ اعتبره

أول فيلسوف استوعب فكرة تنوع الثقافات؛ فلقد أراد فيكو فهم طبيعة المعرفة التاريخية، أو التاريخ ذاته. ومع إيمانه بالدور الذي قامت به معرفة العلوم الطبيعية التي تتخذ من العالم الخارجي موضوعاتها، رأى أن كل ما استطاعت هذه العلوم أن تقدمه لنا قدر ضئيل من سلوك الأحجار أو المناضد أو النجوم أو الجزيئات. أما التاريخ، فهو أقرب العلوم إلى الإنسان لأنه صنيعته ونتيجة إرادته؛ فعند التفكير في الماضي، نصل إلى ما هو أبعد من ذلك السلوك؛ حيث نرغب في فهم كيف عاش البشر، وهذا يعني فهم دوافعهم ومخاوفهم وأحلامهم وطموحاتهم وحبهم وكرههم، ومعرفة كيف عبّوا عن أنفسهم في الفن والدِّين.

إننا قادرون على القيام بذلك لأننا بشر، وعلى فهم حياتنا الداخلية بهذه الطريقة. إننا نعرف سلوك صخرة، حجرة أو منضدة من خلال مراقبتها وتسجيل ملاحظتنا عنها، لكننا لا نعرف لماذا ترغب الصخرة في أن تكون على ما هي عليه. إننا في الحقيقة نعتقد بعدم قدرتها على التمني، أو على أي وعي آخر. لكننا نعي أنفسنا، نعرف ما نحن عليه ولماذا، وما نسعى إليه، ما يحبطنا، وما يسعدنا، ونعبّ عن مشاعرنا العميقة

ومعتقداتنا؛ إننا نعرف الكثير عن أنفسنا أكثر مما نعرفه عن الأحجار أو الأنهار. ومع أن نظرية فيكو في دورات التطور الثقافي أصبحت مشهورة، فإنها ليست مساهمته الرئيسية في مجال فهم المجتمع والتاريخ؛ فحركته الثورية أنكرت مبدأ القانون الطبيعي السرمدي الذي يمكن أن تكون حقائقه معروفة أساسًا

لأي فرد، في أي زمان، وفي أي مكان. لقد أنكر فيكو تمامًا هذا المذهب الذي شكّل مركز الحضارة الغربية

منذ أرسطو حتى عصرنا الحالي، وهو الذي بشّ بفكرة تميّز الثقافات، سواء أكانت متشابهة في علاقاتها

بأسلافها وخلفائها، أم في فكرة الأسلوب الواحد الذي ساد جميع أنشطة المجتمعات وخصائصها عند مرحلة معيّنة من التطور. وبهذا وضع أسس الأنثروبولوجيا الثقافية المقارنة وعلم التاريخ المقارن، وعلم

(100) Berlin, The Proper Study of Mankind , p. 251.

(((10 المصدر نفسه، ص.253

(((10 المصدر نفسه، ص.361

(103) Berlin, The Power of Ideas , p. 7.

الجمال والقانون، وأصبحت اللغة والشعائر والآثار، وخاصة الأساطير، هي المفاتيح الوحيدة التي يمكن

الاعتماد عليها، لما اعتبره الدارسون والنقاد السابقون أشكالً مختلفة من الوعي الكامل. كما أن اللغة والشعائر الدينية والأساطير والقوانين والمؤسسات الاجتماعية الدينية والقضائية صور للتعبير

الذاتي عن الرغبة في إيصال ما يريده الفرد، وما هو عليه، وما يكافح من أجله؛ فهي تتّبع أنماطًا بارزة، ولهذا السبب يمكن إعادة تكوين حياة المجتمعات الأخرى، حتى تلك التي تبعد عن الزمان والمكان، والبدائية تمامًا، بواسطة سؤال المرء لنفسه عن نوع إطار الأفكار والمشاعر والأفعال الإنسانية الذي يمكن أن ينتج

الشعر والذكريات والأساطير التي كانت في تعبيرها الطبيعي. فالأساطير هي التواريخ الأولى للشعوب، والمجتمعات تمر بأطوار محددة من النمو والانحلال. - الفكرة القائلة بأن تنوع الحضارات يرجع إلى الخلافات الموجودة بين العوامل الجغرافية والفيزيائية، والشائعة بدرجة كبيرة منذ تحدث عنها القديس إيفرموند ومونتسكيو وأتباعهما. - الفكرة الخاصة بمخاطر التكبر الحضاري -الحكم على المجتمعات القديمة بلغة القيم الحديثة- ليست من صناعة هيردر وحده، بل نجدها عند معاصره لسينغ وفولتير في رفضهما عادة التعالي في التفكير

الأوروبي على الحضارات النائية، كالحضارات الصينية مثلً؛ إذ دافع فولتير عن الحضارة المصرية القديمة، ودافع فنكلمان عن الحضارة اليونانية... إلخ. - فكرة الأمة أو روح الثقافة لم تكن فكرة أساسية عندفيكو ومونتسكيو فقط، بل نجدها أيضًا عند الخبراء

البارزين بالشؤون العامة، مثل موسر وهامان وزيريمان. - فكرة رفض المجتمع كنظام عضوي أو كائن حي غير موجودة عند بيرك وهيردر فقط، فهي فكرة قديمة

حقًا، قال بها أرسطو في اليونان وقال بها بعد ذلك كلٌّ من هواكر وبسكال على سبيل المثال. - فكرة اختلاف المثُل وحالة السعادة بين الناس والمجتمعات ليست جديدة، وإنما نجدها بشكل واضح عند آدم فيرغسون في دراسة عن «تاريخ المجتمع المدني» أطلع عليها هيردر واستفاد منها. - تبنّى هيردر، في تفسيره الوقائع أو الأحداث في ضوء مصطلحات طبيعية أو جيوفيزيائية أو بيولوجية، الطريقة المتعارف عليها عند أتباع لوك وهلفتيوس والموسوعيين. - الفكرة القديمة بوجود قوة كونية للطبيعة تتجسد في عدة مراكز دينامية، وقد اكتسبت دلالتها بوضوح عند ليبنتس وأنصاره، كما عند هيردر. - التوازنات بين الشعوب البدائية المنفصلة بعضها عن بعض مكانًا وزمانًا -الإغريق الهوميريون والرومان الأوائل من ناحية، والهنود الحمر والقبائل الجرمانية من ناحية أخرى- نجدها عند كثير من المفكرين السابقين.

(((10 المصدر نفسه، ص.247

(((10 المصدر نفسه، ص.246

- فكرة الوطنية اللغوية أو اللغة الوطنية عند هيردر (والمتمثّلة في دفاعه عن اللغة الألمانية)، يمكن تتبّعها

عبر حركة الفكر الأوروبي عامة والفكر الألماني خاصة، كما نجدها عند موسهير وسيتش وهورنيك ومونيك ولبينتس وتوماسيوس فولف وهامان ولسينغ... إلخ. - الانتصار لما هو عينيّ في مقابل ما هو مجرد، والتحول إلى التجربة الحية المباشرة في مواجهة عالم

التجريدات والنظريات والعموميات، نجدهما عند شافتسبري. - التمرد على الاعتقاد القائل بإمكانية إعادة تنظيم المعرفة والمجتمع بواسطة تطبيق المبادئ العلمية والعقلية وحدها نجده عند روسو على سبيل المثال. لقد ادعى برلين أن الحركة المضادة للتنوير حركة رجعية. وثمة معنيان لطريقة استخدامه هذه العبارة بشكل دقيق، الأولهو أن برلين يشير إلى الحركة المضادة للتنوير على أنها رجعية ب«المعنى الدقيق» لأن هامان وهيردر وجاكوبي «رغبوا في العودة إلى العادات والتقاليد القديمة في عصور الإيمان» وهي العادات والتقاليد التي تكونت من طريقة تفكير أكدت الكيف أكثر مما أكدت الكم، والبسيط أكثر من المركّب، والعينيّ أكثر من المجرد. وهناك بعض الحقيقة في هذه النقطة، لكن ليس لها دلالة سياسية. والمعنى

الثانيهو أن برلين أبان أن الحركة المضادة للتنوير رجعية لأن هامان وهيردر وجاكوبي كانوا معارضين لإصلاحات فريدريك الثاني من بروسيا وجوزيف الثاني من النمسا. وهذه النقطة غير قابلة للمناقشة أيضًا؛ فمن المعروف تمامًا أن هامان وهيردر وجاكوبي عارضوا المركزية والبيروقراطية في إصلاحات

فريدريك وجوزيف، لأنها وضعت مزيدًا من حلقات السلسلة في أيدي الحكومة المركزية على حساب الحريات القديمة والأعراف والهويات. ورأى برلين أن من أكثر الأشكال الرجعية ظلمة، وكذلك أكثرها أهمية وتأثيرًا، في الحرب ضد التنوير،

ما نجده في مذاهب دي مستر وتابعيه ومناصريه؛ هؤلاء الذين شكّلوا رأس الحربة للحركة المضادة للثورة في بداية القرن التاسع عشر في أوروبا؛ فقد ذهب دي مستر إلى أن التنوير يُعَدّ من الأشكال الأكثر

غباءً وتضليلً، وكذلك الأكثر تدميرًا للتفكير الاجتماعي. فالقول بأن الإنسان خير بطبعه، أو بأنه ميال

بطبعه إلى الخير والتعاون والسلام، أو على الأقل، يمكن تشكيله في هذا الاتجاه بواسطة التربية والتعليم والقوانين الملائمة، هو في رأي دي مستر قول سطحي وزائف؛ فالطبيعة الخيرة التي تحدث عنها هيوم وهولباخ وهلفتيوس ملفقة ولا عقلانية. والتاريخ وعلم الحيوان هما المرشدان الأكثر صدقية بالنسبة إلى الطبيعة، وهما يظهرانها كساحة للذبح المتواصل (مذبحة كبرى)؛ فالناس عدوانيون ومدمِّرون بطبيعتهم

.. أشرار وغير عقلانيين، ولا يوجد أي تعايش حقيقي بين الناس كما يزعم أتباع التنوير، ولا تعاون معًا،

ولا سعادة، ولا أمان حقيقي.

(106) Berlin, The Proper Study of Mankind , pp. 361-366.

قارن أيضًا: الجزيري، ص 31 -.33

(107) Robertson, p. 108. (108) Berlin, The Proper Study of Mankind , pp. 246-265.

وإذا كان روسو يقول «يولد الإنسان حرًا، ولكنه يكبل بالأغلال في كل مكان»، فإن دي مستر يرى في هذا

القول نوعًا من العبث وعدم الصحة، ويشبه القول بأن «الأغنام تولد ذات لحم كثير، وتتغذى على العشب»؛

فالناس لم يُلقوا من أجل الحرية والسلام، بل يحصلون عليهما بالقسوة والعنف وفي ظل الحكومات الفاشية

التي تقمع الفكر النقدي الهدّام وآثاره التي تفرق الجماعات. فالصحافيون والديمقراطيون والبروتستانت

واليهود والملحدون، كل هؤلاء هم العدو اليقظ الذى لم يكف قط عن النخر في بناء المجتمع. وإن أفضل

حكومة عرفها العالم هي الحكومة الرومانية؛ فلقد كان الرومان شديدي الحكمة والسطوة. وقال دي مستر

أيضًا إن الغرائز الغامضة لا الفكر المستنير هي التي تحكم الأفراد والمجتمعات. كما يرى دي مستر أن الناس ضعفاء، آثمون، غير قادرين على التحكم في عواطفهم، وكثيرًا ما يتبعون

غواية الشيطان والأحلام الحمقاء. والقول بأن العقل يكفي لتوجيه العواطف والتحكم فيها «قول

سخيف لا يمكن قبوله.. وهؤلاء الذين يكوّنون الجيوش المتعطشة للدماء، ويناهضون الأديان ويقمعون

صور التدين المختلفة وكل من تعاطف مع الأيديولوجيين المخربين الذين شربوا من آبار فولتير المسمومة

ومن آبار من هم على شاكلته وماتوا على منصته، وكل من أسس حكمه على القمع والرقابة والسلطة

المطلقة، هؤلاء جميعًا يصفهم دي مستر بأنهم أشباه بشر في صورة وحوش ضارية، كائنات وحشية خرافية؛

إنهم يحاربون الخالق ويطاردون الخير، وإن كانوا يشتاقون إلى الحب والابتكار، فإنهم دائمً في خطر السقوط

ضحايا دوافعهم الهدامة العمياء». واهتم برلين، في دراسته للحركة المضادة للتنوير، بالتعددية والليبرالية. ويبدو أن انشغاله بظهور التعددية

في كلٍّ من مجالات القيم الأخلاقية والسياسية والجمالية، وفي مجال المعرفة البشرية، يشكل مركز كتاباته

في النظرية السياسية، وفلسفة التاريخ، ونظرية المعرفة، وذلك واضح في اختياره وفي تناوله المفكرين

والتيارات الفكرية في مقالاته عن تاريخ الأفكار. وقد ساعدته اكتشافاته الكبرى في هذا المجال على

أن يعرض الآثار والأجزاء المدمرة من التكوين الفكري الغربي، والتي تبدو أحيانًا أنها تشير إلى الحدود

الغامضة لفينومينولوجيا الوعي الأوروبي منذ أواسط القرن الثامن عشر - تحديدًا ظهور أنواع جديدة من

النظرية التحويلية ووجهة النظر العامة بمفاهيمها ومنطلقاتها ومقولاتها، في أزمان وأماكن محدودة وعند

مفكرين محددين. فواقعية برلين الشكوكية وارتباطه الواضح بالمفكرين الذين سبحوا ضد تيارات عصورهم يتوافقان

تمامًا مع القراء الذين قّدموا عبر فلسفاتهم أطروحات كثيرة للحداثة، وآمنوا بأن الأنظمة اليوتوبية كلها،

شرقية، وغربية، للإصلاح الاجتماعي قد ثبت زيفها؛ فالتعددية الموجودة في «فلسفة الحركة المضادة

للتنوير» حكم عليها جيل جديد من القراء بأنها أكثر جاذبية من الليبرالية، حيث بدت مبادئها المعارضة

للشمولية أكثر فسادًا بفعل أخلاقيات الحرب الباردة الميتة الحديثة. واستخدم برلين النظريات البلطيقية

)Baltic(والدانوبية)Danubian(ليبني عليها تقييماته للمفكرين القدماء، بشكل أكثر قوة من أي ناقد

(((10 المصدر نفسه، ص.266

(((11 المصدر نفسه، ص.267

(111) Berlin, Against the Current , p. xvi.

أميركي للكونية الليبرالية، وربما كان حتى أكثر حسمً من النقاد الفرنسيين أو نظريات النقديين من مدرسة

فرانكفورت الذين حاربوا استبداد الفكر التنويري. يقال أحيانًا إن التعددية والليبرالية عند برلين كانتا في صراع؛ فبينما نجده في بعض الأحيان يوضح أن آراءه

في هذين المفهومين غير ملائمة ربما، فإن عمله بالكامل، وخاصة كتاباته عن الحركة المضادة للتنوير، يبدو أنه، على الرغم من ذلك، يجمعهما معًا؛ فالتعددية الفلسفية والتنوع والتعددية والاختلاف تبرز في فلسفات

معظم مفكري الحركة المضادة للتنوير الذين يقوم بمناقشاتهم، ومنهم هامان الذي لم يشاركه برلين في

معارضاته اللاهوتية للمثُل أو للأهداف التنويرية. وحتى دي مستر اعتبر تصوراته المبغضة للجنس

البشري جذابة ومحذرة. إن التعددية، كما يفهمها برلين، تكمن أيضًا في قلب الليبرالية الحديثة، ليس فقط

بالتزامها التسامح واحترام الأعراف والأقليات الأخرى، وإنما أيضًا معارضتها الإيمان الدوغماطيقي

وجميع المذاهب التوحيدية، سواء أكانت دينية أم علمانية. ومثل الفلاسفة الليبراليين الآخرين، فإن شروح برلين لأفكار مفكري الحركة المضادة للتنوير هي في الأساس إنجاز للمفكرين الموسوعيين أو «الثعالب» الذين يعرفون أشياء كثيرة تزيد عما يعرفه «القنافذ»، وهو قليل. ولما كانت الليبرالية الحديثة وليدة التنوير في جوانب عدة، اهتم برلين بها في تمييزه بين حركة التنوير والحركة المضادة للتنوير؛ فقد أعلن تفضليه الليبرالية السياسية على الأيديولوجيا المشتركة، ورأى أن التاريخ شهد نوعين من الحرية هما «الحرية السلبية» «الحرية الإيجابية»، الأولى تشكل مملكة عدم التدخل، حيث يتحرر الفرد من القيود الخارجية، والثانية تقوم على صورة من الحرية لا بد أن تؤدي إلى اتجاه السيطرة ووضع التنظيمات لحياة الناس. وحيث إن جميع الأفراد لم يدعموا الخطة نفسها أو لم يروا الرؤية نفسها، فإن الحرية

الإيجابية «تتطلب القسر والإكراه»، وهي تمثّل «قلب معظم العقائد القومية والشيوعية والاستبدادية والشمولية في عصرنا». ولذلك، يجب الإشادة بالتعددية وإدانة المخططات الشمولية. يعتبر برلين التعددية عقيدة ليبرالية، وقد انتقد -بعنف- النهج الشمولي والأيديولوجي، «المشروع المفرد

الذي يحتضن المجتمع ويصفي الجميع ويُشبع الجميع..». وكان يخشى أن يكون مآل المجتمع المخطَّط

تخطيطًا شاملً إطاحة التنوع اللانهائي للبشر... على الرغم من أن نقد برلين للشمولية ظل تجريديًا، فإن الأمثلة العيانية التي يضربها تأتي عادة من الماركسية.

والحقيقة أن دعواه كلها بشأن الحرية «الإيجابية» التي تفرض السيطرة الشاملة بالضرورة، لا يكاد يكون لها معنى بالنسبة إلى الأيديولوجيات النازية أو العنصرية أو القومية؛ فهذه المذاهب لا تفترض حريات «إيجابية» تسعى إلى فرضها، لأنها لا تفترض أي حرية على الإطلاق. إن عمل برلين موجَّه نحو الشيوعية

(112) Mali and Wokler, eds., p. viii.

(((11 المصدر نفسه، ص ix.

(114) Isaiah Berlin, Four Essays on Liberty , Galaxy Book; 191. Oxford University Press Paperback (London; New York: Oxford University Press, 1969), pp. 29-30.

(((11 راسل جاكوبي، نهاية اليوتوبيا: السياسة والثقافة في زمن اللامبالاة، ترجمة فاروق عبد القادر، عالم المعرفة؛ 269 (الكويت:

المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2001)، ص.60

والماركسية لا نحو النازية والفاشية؛ موجَّه نحو اليسار لا نحو اليمين. بعبارة أخرى، «إن عمل برلين

يشارك في الحرب الباردة؛ لقد كان بالأحرى فخورًا بأن يكون بين ليبراليي الحرب الباردة»، بل إنه لم

يشأ خلال حرب فيتنام أن يوجّه نقدًا إلى الأميركيين، بل كتب: «إنه لشيء مرعب أن يكون من الضروري

قصف القرى الفيتنامية وقتل الأبرياء.. لكن الأشد رعبًا هو التخلي عن الشعب.. فكيف يضمن المرء أن

انسحابًا أميركيًا عاجلً وشاملً لن يؤدي بحكومات أخرى في جنوب شرق آسيا إلى إغراء الاستسلام

والخضوع لنظم مكروهة على وجه اليقين - من مواطنيها؟»... من ناحية أخرى، يؤكد برلين في تفسيره موقف الحركة المضادة للتنوير من الدِّين، أن لهذا الموقف أصول

في الحركة التقويّة) Pietism) التي يصفها بأنها «الأكثر استنباطًا وتزمتًا وإيمانًا من جميع التيارات الداخلية

في اللوثرية» (مذهب مارتن لوثر)، وبأنها «ذلك الجناح من المذهب اللوثري الألماني الذي أكد عمق

الإيمان الشخصي وإخلاصه والتوحد مباشرة مع الله، وقد تحقق ذلك بواسطة الاستبطان الدقيق والحماسة

والشعور الديني الاستبطاني والتعمق والصلاة». وهذا وصف عام ورائع للتقويّة، لكنه قد لا يساعد،

حقًا، على تفسير الأصول الدينية للحركة المضادة للتنوير؛ فالمشكلة هي أن التقويّة، مثل كثير من المذاهب،

مصطلح عام يغطي جميع أنواع الاتجاهات، ولا يزال المرء بحاجة إلى معرفة الصورة المحددة للتقويّة المميزة

للحركة المضادة للتنوير. يَتّخذ الدِّين عند هيردر الصورة نفسها التي تقدمها الحكومة الأبوية، فمن تصور وجود أب للعائلة

يأتي التصور المناظر له، وهو ضرورة وجود أب للجنس البشري كله، ومن ثم يظهر الله، وهو إله الآباء

جميعًا، ويتحول الكوخ إلى معبد، وتصبح المنضدة مذبحًا للكنيسة، وسرعان ما يتحول الآباء بدورهم إلى

قسيسين. ومن ثم بدت جميع الأديان القديمة عند هيردر مملوءة هذه الخصائص العائلية، كما بدت الطبيعة

عنده أشبه بالمشروع الأول، وبدت المعرفة بدورها ثمرة التراث العائلي من التعاليم والتقاليد والعادات

والأفكار وجميع صنوف العلم والخبرة التي توارثها الأبناء جيلً بعد جيل. وبالنسبة إلى اتهام الحركة المضادة للتنوير بأنها حركة لا عقلانية، ثمة ثلاثة أسباب وجيهة لتطبيق

مصطلح «اللاعقلانية» على هامان وهيردر وجاكوبي، أو وصفهم بأنهم لا عقلانيين، وكل منها يستحق

تناوله بحرص: في ما يتعلق بالسببالأول، يمكن المرء أن يتهم هؤلاء المفكرين بِ«اللاعقلانية» لأنهم يوجزون (يقصرون)

مجال النقد ويوسعون مجال الإيمان؛ فمن حججهم المفضَّ لة قولهم إن العقل لا يستطيع أن يثبت أو أن ينفي

حتى المعتقدات العادية -معتقدات المرء بوجود المناضد والكراسي، وبوجود عقول أخرى، وحتى بوجود

المرء نفسه- وأن هذه المعتقدات كلها تعتمد تمامًا على الإيمان فقط؛ فما يجعل هذه المعتقدات صحيحة هو

ببساطة شعور أو إحساس خاص، ولم يعد من الممكن انتقاد هذه المشاعر أو الأحاسيس أكثر من الأذواق،

(((11 المصدر نفسه، ص.31

(((11 المصدر نفسه.

(118) Robertson, pp. 110-111.

(((11 الجزيري، ص.106

والأصوات والألوان، فإما أن يكون لدى الفرد خبرة أو لا يكون، تمامًا مثل طريقة أن الفرد لا يستطيع

معرفة ما إذا كان للبرتقال نكهة مميزة أو ما إذا كان اللون الأحمر أكثر بريقًا (سطوعًا) من الأزرق. وبهذا

التحديد لقوى النقد العقلي، وبهذا الدمج للمعتقدات الدينية في العادات، يبدو هامان وهيردر وجاكوبي أنهم ينتهكون المبدأ -المهم للتنوير- القائل بأنه يجب أن تكون المعتقدات كلها خاضعة للنقد، بغضّ النظر

عن مدى قدسيتها. لذلك كان جاكوبي يدعو إلى التخلي عن العقل من أجل الإيمان، ومما كتبه إلى مندلزون: «عزيزي، إننا نولد جميعًا في رحاب الإيمان، ويجب أن نظل كذلك» وفي ما يتعلق بالسببالثاني، فإن هامان وهيردر وجاكوبي يبُرزون المكون الاستبصاري للمعرفة،

ويشوّهون سمعة مكونها المنطقي أو العقلاني. هذا المكون الاستبصاري يبرز عندما يقولون إن المصدر

الرئيسي لكل معرفتنا هو الحواس، وإن حواسنا وحدها هي التي تزودنا بالمعرفة المباشرة بالواقع الفعلي ذاته، وهم يقولون ذلك لأن الواقع الفعلي جزئي والوجود محدد، ولأن الحواس فقط هي التي تدرك الخاص على أنه خاص. إنهم يشوهون سمعة المصدر المنطقي لمعرفتنا عندما يذكرون أن المفاهيم كلها مجردة ولهذا السبب تُستبعد من الحقائق الفعلية محددة وجزئية. وعلى هذه الأسس، كان هامان وهيردر وجاكوبي

يستبعدون غالبًا المعرفة العقلية بوصفها اصطناعية واعتباطية، وتعتمد على مجرد تلاعب بالعلامات. وفي ما يتعلق بالسببالثالث، فإن هامان وهيردر وجاكوبي يؤمنون بوجود صراع بين العقل والإيمان، وبأنه ينبغي لنا أن نختار الإيمان لا العقل. وإذا كان الأمر هكذا، فإنهم يؤيدون الإيمان ويختارونه حتى ولو كان معارضًا للبراهين العقلية. وفي هذه الناحية يشير برلين إلى أن هامان وهيردر وجاكوبي لم يعتنقوا

المذهب البروتستانتي القديم القائل إن العقل والإيمان يصلحان في مجالات معيّنة مختلفة، العقل صالح

للمجال الأرضي والطبيعي بينما الإيمان صالح للمجال السماوي والخارق للطبيعة. لكننا نلاحظ من ناحية أخرى أن الصعوبات في تطبيق مصطلح «اللاعقلانية» على الحركة المضادة للتنوير تتضاعف عندما نقول إن هامان وهيردر وجاكوبي أنفسهم كثيرًا ما عارضوا هذا المصطلح بشدة. وحتى

إذا كانوا متهمين بأنهم مذنبون في حق اللاعقلانية، فإن معارضتهم في حد ذاتها تبيّ أننا دخلنا المياه الغادرة

في الفلسفة؛ فلقد أوضح هامان بشكل مباشر أن العقل هو من أعظم الهدايا الممنوحة للبشرية، لكننا نحن الذين نسيء استخدامه عندما نقحمه في مجالات تتخطى إمكاناته (خارج حدود الملاءمة)، ذلك أن العقل

هو مصدر كلٍّ من الحقيقة والوهم، شجرة معرفتنا بالخير والشر، كما أخبر جاكوبي. وعليه، فإن آراء برلين هنا تحمل «الصواب والخطأ معًا»، وهي بحاجة إلى مزيد من الدراسة.

(120) Robertson, p. 112.

(((12 حسين، ص.42

(122) Robertson, p. 112. (123) Isaiah Berlin, The Magus of the North: J. G. Hamann and the Origins of Modern Irrationalism , Edited by Henry Hardy (New York: Farrar, Straus and Giroux, 1993), p. 68. (124) Robertson, p. 114.

خاتمة

تبُرز الرحلة التي قطعناها في هذا البحث النقاط التالية: - إذا كان وليم باريت قد استخدم مصطلح الحركة المضادة للتنوير في كتابه الإنسان غير العاقل (1949)، واعتبر روسو الأبَ الروحي لهذه الحركة، إذ هو من أطلق أول رصاصة في الحرب بين التنوير

وأعدائه، وشكّل دي مستر وأتباعه رأس الحربة للحركة المضادة للتنوير، وأرجع مكماهون هذه الحركة إلى ما قبل الثورة الفرنسية وربطها ب«الطبقات الكادحة»، فإن برلين اشتهر بنشره هذا المصطلح وإبرازه في تاريخ الأفكار؛ فقد خصص له مقالات عدة، منها «ثلاثة انتقادات للتنوير» و«ضد التيار» و«الحركة المضادة للتنوير.» - على الرغم من اهتمام برلين بالمفكرين الذين عارضوا التنوير بشكل عام، فإنه ركز أساسًا على المفكرين

الألمان، وفي مقدمهم هامان وهيردر وجاكوبي. لذلك، يقول برلين «إذا كان يوجد بالفعل أعداء للتنوير خارج ألمانيا، مثل دي مستر وفيكو، فإن الاتجاه

الفكري المعارض للتنوير لم يظهر حقًا حتى ثار الألمان ضد التدخل الفرنسي في مجالات الثقافة، والفن، والفلسفة، وشفاء غليلهم ببدء الهجوم الكبير على التنوير». وقد قام بذلك فيلسوف كونفسبيرغ هامان،

«العدو الأكثر تحمسًا وإصرارًا وتطرفًا وحقدًا على التنوير»، كما يقول برلين. كانت ردة الفعل الألمانية هذه على الكونية الإمبريالية للتنوير والثورة الفرنسية، وهي الكونية التي فرضها عليهم أول مرة فريدريك الثاني من بروسيا، ثم جيوش فرنسا الثائرة، وأخيرًا نابليون، مهمة

بالنسبة إلى التحول الزمني في الوعي في أوروبا آنذاك، إذ أدت في النهاية إلى الرومانسية. ووفقًا لبرلين، فإن التعددية هي النتيجة النهائية المذهلة وغير المقصودة لهذه الثورة ضد التنوير، وهي التي تدين لأعداء التنوير أكثر مما تدين لمؤيديه الذين كانوا في معظمهم من أنصار الواحدية، وكانت نتيجة مواقفهم السياسية والفكرية والأيديولوجية هي الرعب والدكتاتورية، إذ إنهم عملوا ضد قيم التسامح والفكر المتبادل. - يشكّل التمييز بين التنوير والحركة المضادة للتنوير قسمً مهمً من مشروع برلين الفكري؛ فقد اتسم

عصر التنوير بشيوع الدعوة إلى استعمال العقل والانطلاق منه لمحاكمة الأوضاع القائمة على جميع الصُّعُد

الفكرية، والثورة على كل ما هو تقليدي، والعمل على تأسيس مجتمع جديد على الحرية والمساواة، فالناس جميعًا سواء، يمتلكون القدرة على التثقيف وعلى الحياة الطيبة، ويستطيعون بناء الفردوس فوق الأرض

بعيدًا عن السماء، ورفض ما فوق الطبيعي، ومن ثم كانت حركة التنوير عالمية. أما الحركة المضادة للتنوير، فتطالب بالعودة إلى العادات والتقاليد القديمة في عصور الأديان، وبالتخلي عن العقل من أجل الإيمان، وتدافع عن التعددية الثقافية وتنوع الحضارات.

(125) Gray, p.3.

وجّه برلين انتقادات عدة إلى الحركة المضادة للتنوير، واتهمها بأنها حركة «رجعية» و«لاعقلانية» لأنها

تقلل من مجال النقد وتوسع دائرة الإيمان، ومن ثم تنتهك مبادئ التنوير التي تطالب بضرورة خضوع جميع المعتقدات للنقد بغضّ النظر عن مدى قدسيتها، وبأن يعلو سلطان العقل على الإيمان، لأن لا

سلطان على العقل إلا سلطان العقل نفسه. وبذلك تجاهل برلين الكثير من مواقف هذه الحركة، كما أكد هامان دور العقل في الحياة، وأن المشكلة ليست في العقل نفسه، فهو من أعظم الهدايا الممنوحة للبشر، وإنما في طريقة استخدامه. - لم يكن برلين يومًا من مفكري الحركة المضادة للتنوير، على الرغم من تأثره الشديد بها؛ فقد اهتم

بمراجعة أفكار التنوير الرئيسية مثل «الإنسان» و«الطبيعة البشرية» و«المجتمع» و«الثقافة» و«التاريخ» و«المعرفة» و«الفهم»، وغير ذلك، في ضوء الهزائم التي لحقت بها. وكان يأمل دائمً بوجود عالم جديد

تعاد فيه ولادة التنوير الحديث. وأشاد بالتعددية ودان المخططات الشمولية لأنها تؤدي إلى إطاحة التنوع اللانهائي للبشر، واعتبر التعددية عقيدة ليبرالية، وقدم مفهومين للحرية: الحرية السلبية، وتشكل عالم عدم التدخل حيث يتحرر الفرد من السيطرة الخارجية، والحرية الإيجابية، وتقوم على صورة من الحرية لا بد أن تؤدي إلى اتجاه السيطرة ووضع التنظيمات لحياة الناس، كما تتطلب هذه الحرية القسر والإكراه لأن الأفراد لن يدعموا الخطة نفسها أو لن يروا الرؤية نفسها. - جمع برلين بين أسلوب المفكرين «الثعالب» وأسلوب المفكرين «القنافذ»؛ فقد انطلق سابحًا عبر فجاج

الفلسفة ليجمع هنا وهناك بين أفكار كثيرة وفلسفات وفيرة؛ فتكونت لديه رؤى وأفكار عدة في ما يخص مشكلات مختلفة، فلسفية واجتماعية وسياسية وتاريخية وحضارية، وفي ما يخص فلاسفة ينتمون إلى مراحل فلسفية مختلفة: يونانية ووسطية وحديثة ومعاصرة. ومع ذلك، ركز على بعض القضايا الأساسية، وتعمق فيها، وجعلها همّه الأكبر عبر مؤلفاته المختلفة. ومن ثم يمكن القول إن برلين كان «ثعلبًا» بطبيعته،

وحاول أن يصبح «قنفذًا»، أو أنه كان يتأرجح بين المفكرين الموسوعيين («الثعالب») والمفكرين الذين لا يعرفون إلا القليل («القنافذ.)»