اعترافات روائي لا يشيخ
Confessions of a Young Novelist
الملخّص
* أستاذ السميائيات في كلية الآداب، جامعة محمد الخامس – أكدال، الرباط، المغرب.
Abstract
Confessions d’ un jeune romancier: العنوان الأصلي
- اعترافات
- سيرة شخصية
- رواية
- Confessions
- World of Reality
- Novel.
الكتاب
: اعترافات شيخ ناشئ
الكاتب
: أمبرتو إيكو
المترجم
الناشر
: المركز الثقافي العربي
مكان النشر
: بيروت
تاريخ النشر عدد الصفحات: ٤٢٢
صدر للروائي والسميائي الإيطالي أومبرتو إيكو عن دار غارسي الفرنسية كتاب جديد بعنوان اعترافات روائي ناشئ (2013). والكتاب من طبيعة خاصة؛ فهو لا يتناول قضايا نظرية تخص فن الرواية، بل يكتفي ببسط سلسلة من التأملات في عوالم السرد، كما مارسته الإنسانية منذ فجر التاريخ، وهي تحاول ترويض زمنية «ضالة» وتائهة في معيش إنساني يتسع أحيانًا ليشمل عوالم الاستيهامات كلها، ويضيق ليكتفي بالإحالة إلى شأن يومي بلا قيمة. فللسرد، في تصور إيكو، وظائف شتى، منها الرغبة في التخلص من ضيق عالم الواقع ومحدوديته،
ومنها التمثيل للمحتمل في الوجود، ومنها في المقام الأول ما يسمّيه الوظيفة الاستشفائية، بمفهومها العملي والنفساني في الوقت ذاته. وكلمة «ناشئ» لا تحيل في هذا السياق على كم عمري معدود؛ فإيكو كان في سنة صدور الكتاب في السابعة والسبعين من عمره، وهو ما يعني أن المؤلف يتحدث عن تجربة كانت تتطور عنده على هامش «العمر العلمي» في ما يشبه «الحديقة الخلفية» التي يحتمي بها كلما حاصرته المفاهيم وضيَّق عليه التجريد. لذلك يتحدث هنا عن حقيقة السرد من خلال «سرد» تفصيلات تجربة
روائية لم تكن سنّها حينها تتجاوز الثامنة والعشرين سنة، وهي فترة زمنية كانت كافية عنده ليكتب فيها خمس روايات ملأت الدنيا وشغلت الناس، بدءًا من اسم الوردة وانتهاء ب الشعلة الغامضة للملكة لوآنا (لم تكن روايته مقبرة براغقد صدرت عندما ظهر كتابه موضوع هذه المراجعة.) لذلك، لا يمكن تصنيف الكتاب ضمن الدراسات النقدية، كما لا يمكن أن نضعه في حساب شعرية مهووسة باستخراج القواعد والإمساك بالمنطق الداخلي للنص؛ فهو ليس تنظيرًا للسرد أو تفصيل للقول في مكوّنات النص وآلياته في التوليد والتأويل. كما أنه لا يقول أي شيء عن الخطاطات التحليلية التي يبشّ بها النقاد عادة ويعتبرونها أداة مركزية لقياس «حجم» المعنى وطريقة انتشاره في تفصيلات القصة. إنه، على العكس من ذلك، ينزاح عن حقيقة المفاهيم لكي يصف الانفعالات، كما يمكن أن تدهم فنانًا لا يملك سوى حسيته أداةً لتصريفها. إن هذا الكتاب شيء آخر، إنه بوح، أي اعتراف بما كان من الممكن أن يظل سرًا إلى الأبد، وهذا البوح هو ما يشكل الفصل الأول من الكتاب، وفيه يتحدث إيكو عما يسمّيه في هذا السياق، وفي سياقات سابقة، حكايات السيرورة: «سيرورة التكون» و«سيرورة البناء» و«سيرورة التفكير بالأصابع» و«سيرورة التشخيص»، بل يتحدث أحيانًا عن السيرورة التي تنتقل من خلالها أجزاء من حياة المؤلف إلى عوالم التخييل بوحي أو في غفلة منه. يتساءل إيكو في بدايات كتابه، بما يشبه الألم، عن طبيعة العمل الفني وعن المقاييس التي يعتمدها الناس من أجل الفصل بين ما هو إبداع خالص وما يُرَد إلى العلم الصرف: «لم أفهم أبدًا لماذا ينظر الناس إلى هوميروس باعتباره كاتبًا مبدعًا، في حين لا يصنّفون أفلاطون ضمن المبدعين. لماذا يُعد شاعر رديء كاتبًا مبدعًا، في حين لا يكون الكاتب العلمي مبدعًا؟» ويميز بطريقته الخاصة بين الكاتب) Ecrivain)، ذاك الذي ينتج نصوصًا إبداعية، كما هي حال الشاعر أو الروائي، وبين الكتَّاب (Ecrivant)، الشخص الذي يدوّن الوقائع، تمامًا كما يفعل ذلك موظف في بنك، أو شرطي وهو يحرر محضرًا». فالإبداع في تصوره حاضر في الصنفين معًا، ولكن عوالمهما من طبيعيتين مختلفتين: إنه الفاصل بين التقاط لما تراه العين وتصفه في حدوده الواقعية، وبين التصرف في مادة تستوطن الانفعالات التي تقود العين إلى إعادة تشكيل ما ترى. في هذا الإطار يتحدث إيكو عن حالات وصف القول وتفصيله في أفكار لا يمكن أن تستقيم من خلال غطاء مفهومي مجرد، بل تحتاج إلى تشخيص، أي تحتاج إلى أن يُودَع ضمن انفعالات يستهويها المحسوس النفسي. فبإمكان الروائي دائمً أن يقول أشياء يعجز الفيلسوف عن وصفها. وكثير من الفلاسفة لم تسعفهم سوى الرواية في شرح نظرياتهم. تلك طبيعة الفن، وهي أيضًا طبيعة السرد من حيث هو أنسنة للمفاهيم وردّها إلى المتعدد في الحياة. إن الفن هو في المقام الأول «تشخيص»، أي عودة إلى «الحسي» والإمساك بطاقاته خامًا، كما يمكن أن يصدر عن نفس أمارة بالحسن وبالسوء، أو هو «فكر حدسي» (كروتشيه) يصدر عن «ذات عارفة» تروم «تقليص الفجوة الفاصلة بين المعرفة والحس» (كريماص). وهذه الحسية هي التي يُمسك بها الروائي من أجل تسريب المفاهيم إلى المعيش العملي، فليس هناك أفضل من السرد سبيلً للعودة بالمفهومي إلى أصله الأول، أداة للمحتمل، أي أداة لرفع حالات التجريد وصب الفعل ضمن ممكنات زمنية لا يمكن أن تُرى إلا من خلال ما يؤثثها من وقائع وأحداث؛ فنحن لا نتوقف عن الحكي، ولم نتوقف عن ذلك من أول
عهدنا بالتأنسن وما زلنا نحكي، ولا نفعل ذلك من أجل استعادة ما فات، بل رغبة منا في فهم ما حدث أو ما يمكن أن يحدث، أو نفعل ذلك فقط من أجل الاستمتاع بحالات لا تحكمها قوانين العالم الواقعي (كتب اسم الوردة فقط لأن فكرة تسميم راهب راودته، كما يقول.) وتلك مناطق لا تقع تحت سلطان التحديدات المفهومية، ولا يدرك مضمونها «الفاهم»، الذي يبحث للموصوف عن معادلات له في المفاهيم؛ إنها تقع في منطقة فاصلة بين الاستهواء الأصلي والبدايات الأولى لإدراك الكون خارج قيود الطبيعة. فنحن لا نرى من سيرورات الإبداع الفني سوى قطعة الثلج التي تطفو على السطح، أما سره الكلي فمودع في ما يسمّى الموهبة، أو القدرة الخلاقة على التقاط ما لا يمكن للعين العادية أن تراه من خلال ما تفرزه حيثيات الزمن والفضاء، أو ما تستثيره الطاقات الوجدانية المتنوعة. لذلك، فإن الخبرة التي يتحدث عنها إيكو في هذا الكتاب أعمق وأوسع مدى من كل ما يمكن أن تقوله النظريات أو تبشّ به المفاهيم المجردة، إنها تفتح بابًا على مساحات الإبداع ذاته. بعبارة أخرى، الإبداع هو الأصل، أمّا النظرية فتأمل لاحق. الفن تفجير للطاقات الانفعالية وإمساك بالروح التي تسكن الأشياء والكائنات وتتحكم في مصائرها، أو هو محاولة للبحث عن الانسجام والوحدة في المتنافر والمتعدد والعمائي، ما يمكن أن يوجد في الخلف من الذاكرة المرئية للوجود، ولا تقوم النظرية، ضمن هذا الفيض الانفعالي، إلا بالتعميم والتجريد وإسقاط الممكن من حالات التأمل الوجداني. ربما يكون النص حقيقة في العين التي تراه وتفك رموزه وتبحث في ثناياه عن معان أرادها المؤلف أو تسربت إلى القصة بحكم سلطان الموسوعة، أو بحكم قدرة الأشياء على التسلل إلى النص في انفصال عن مقاصد الباث ونياته الصريحة، ولكنه حالة وجدانية تُبنى ضمن إكراهات الموسوعة وضمن مقتضيات العوالم الممكنة أيضًا. يتعلق الأمر بتداخل بين ما يأتي من الخبرة الجماعية والخبرة الفردية على حد سواء، وبين ما تمليه سنن الجماليات وقواعد الفن، وما يتحكم فيه المتاح المعرفي السائد في مرحلة ما، في الوقت ذاته: إن الفن ليس هوسًا في تصور إيكو، بل تخليص الأشياء مما يأتيها من المفاهيم. وهذه هي الأطروحة المركزية عند إيكو. في هذا السياق يورد إيكو حكاية غريبة لها علاقة بذكريات قديمة تسربت إلى النص في غفلة منه: «لقد سألني أحد الأصدقاء بعد ظهور رواية بندول فوكو بشهور: لماذا أمبارو؟ أليس الاسم اسم جبل؟ وشرح لي بعد ذلك أن هناك أغنية تشير إلى جبل Guajira Guantanamera تقول: اسمه أمبارو. يا إلهي، إني أعرف هذه الأغنية جيدًا، رغم أني لم أعد أذكر كلمة واحدة من كلماتها. لقد غنّتها فتاة في أواسط الخمسينيات، وكنت مغرمًا بهذه الفتاة. لقد كانت من أميركا اللاتينية، وكانت جميلة جدًا، ولم تكن برازيلية ولم تكن ماركسية، ولم تكن سوداء ولا هستيرية كما كانت أمبارو. ولكن من الواضح أني، وأنا أبتدع فتاة جذابة من أميركا اللاتينية، كنت لاشعوريًا أفكر في صورتي الأخرى، صورة شبابي عندما كنت في سن كاسوبان. لقد فكرت في هذه الأغنية، وبطريقة ما ظهر اسم أمبارو، الذي كنت نسيته تمامًا، من لاشعوري وتسلل إلى الصفحة.» تلك بعض من الأسرار التي اختار إيكو أن يكشف عنها. وقد فعل ذلك وهو يتحدث عن آليات الكتابة الروائية مجسَّدة في ما يسميه «الإكراهات»، تلك «القيود الطوعية» التي تجعل الفن موهبة وجهدًا وخلقًا ضمن عالم ممكن. فالفنان، في كل الميادين، لا يمكن أن يبدع من دون أن يحيط نفسه
بقيود هي الضمانة على انسجام ما ينتج، وهي الوسيلة التي تمكّنه من الانزياح عن الموسوعة والفعل فيها. بعبارة أخرى، إن الذي يبدع في تصوره لا يكتفي بانتقاء ما يجب أن يحضر في عمله، بل عليه أن يعرف كيف يقصي ما لا يجب أن يكون جزءًا من هذا العمل. فيكفي أن تختار لحظة زمنية لكي تجد نفسك منساقًا نحو مسار سردي لا يمكنك الحيْد عنه، ويكفي أن تحدد فضاءً تضعه مهادًا للأحداث لتجد نفسك مضطرًا إلى الحديث عن أشياء وإلى تجاهل أخرى. لذلك يصرح الروائي بعفوية فيقول: لكي نبدع بحرية علينا أن نحيط أنفسنا بإكراهات، فالإكراهات جزء من العمل الفني، أو هي البناء الذي يفصل بين «مادة» مودعة في التجربة ذاتها، والفعل الإبداعي الذي يعرف كيف يتصرف في هذه المادة. هو ذا موطن الإبداع، وهو الفرق بين شخص يعرض تفصيلات زمنية معدودة من خلال سرد أحداث تخصه أو تخص محيطه المباشر، وروائي يعرف كيف يخلق عوالم مكتفية بذاتها. هذا مدخل أساسي نحو تبيّ العلاقة الممكنة بين العمل الفني وقرائه، أي بين استراتيجية التوليد واستراتيجيات التلقي. وفي هذا السياق، يعترف إيكو بالتعددية في الإحالات الدلالية، ويعترف بأن النص يتجاوز المبدع، وبأن قصده (قصد الكلمات) أوسع من قصد المؤلف وأشمل، وأن القارئ ليس محفلً سلبيًا يكتفي بالتعرف إلى معنى موجود في سياق معلوم؛ النص وحده يمكن أن يحدد تخومه ومركزه الأصلي. ولكنه يرفض أن يكون النص مصدرًا لجميع المعاني الممكنة. إن ميلاد النص جزء من قدره التأويلي، وبعبارة أخرى، إن النص يحمي نفسه بقصد مودع في منطق البناء ذاته. ولذلك، فإنه قد يقول أشياء كثيرة، بما فيها تلك التي لم تخطر ببال المؤلف نفسه، ولكنه لا يمكن أن يكون وعاء للدلالات كلها، لأن للتأويل موضوعًا. ذلك أن النص، بحسب إيكو، «وهو يقلص من الممكنات المولدة للمسارات اللسانية، يقلص من بعض التأويلات الممكنة»، إنه بصيغة أخرى يُسَيِّق قوله، ويمنحه نوعًا من المناعة ضد جميع سرطانات القراءات اللامتناهية. فالقول بأن تأويل نص ما قد يكون غير متناهٍلا يعني أن التأويل لا موضوع له، وأنه لا وجود لأي شيء يمكن أن يتوقف عنده (سواء تعلق الأمر بواقعة أو بنص). والقول أيضًا إن النص قد يكون بلا نهاية لا يعني أن كل عملية تأويلية يمكن أن تكون لها نهاية سعيدة. ولهذا السبب، اقترحت في كتابي حدود التأويل ما يشبه معيار إمكانية التزييف: فعلى الرغم من صعوبة تحديد صحة تأويل ما، أو أي التأويلين أفضل في مقاربة نص ما، من الممكن دائمًالتأكيد أن هذا التأويل أو ذاك تأويل خاطئ، أو هذياني، أو على الأقل لا قيمة له» كما جاء في الفصل الثاني من الكتاب. بما أن التلقي في النص الأدبي مؤجل دائم، فإن مصير التواصل بين المبدع وقارئه لا يمكن أن يكون مباشرًا؛ «فعندما نُلقي بكتاب إلى التداول، كما نضع رسالة في قنينة، بعبارة أخرى، عندما يتم إنتاج نص ما لكي يتداوله مجموعة كبيرة من القراء، لا لكي يقرأه قارئ بعينه، فإن المؤلف يدرك أن هذا النص لن يؤول وفق رغباته هو، بل وفق استراتيجية معقدة من التفاعلات التي تستوعب داخلها القراء بمؤهلاتهم اللسانية منظورًا إليها باعتبارها موروثًا اجتماعيًا» (الفصل الثاني.) خلاصة ذلك أن التأويل لا ينصب على ذهن المؤول، بل يستمد موضوعه من نسيج الدلالة التي يتضمنها العالم المروي. واستنادًا إلى قوة الانفعالات التي تطلق عنانها استيهامات كل استقبال فني، حاول إيكو الكشف
عن سر إيماننا الذي لا يتزعزع بشخصيات هي من صنع التخييل. وقد صاغ ذلك في شكل محكي بسيط: لقد حدثني بعض أصدقائي ذات يوم عن فكرة فحواها تنظيم مناظرة حول الموضوع التالي: بما أننا نعرف أن أنّا كارنينا شخصية تخييلية، ولا وجود لها في العالم الواقعي، لماذا إذن نبكي على مآسيها، أو على الأقل لماذا نتأثر بذلك؟ يستند هذا التساؤل في واقع الأمر إلى الفرق الموجود بين حقائق التاريخ وحقائق الأدب؛ فعلى الرغم مما هو سائد في الوسط العلمي، فإن الثانية أقوى وأشد مقاومة للزمان من الأولى؛ فقد يتراجع مؤرخ عن حقيقة ما إذا أثبتت الوثائق حقائق جديدة تخص واقعة من وقائع التاريخ. وفي هذا السياق يقارن بين تخييلية أنّا كارنينا وواقعية هتلر: «فلا أحد يشكك في أن الأولى انتحرت بأن ألقت بنفسها تحت عجلات القطار»، ولكن «ما زال الكثيرون يشككون في ألا يكون هتلر قد مات فعلً منتحرًا في مخبأ أرضي.» هذا يعني أن الشخصيات في التخييل ليست كيانات فارغة من كل تحديد، كما يؤكد ذلك إيكو، بل إن سلطانها أقوى من جميع الحقائق التي نلتقط بقاياها في الفعل وردّة الفعل. لذلك، قد يغي المؤرخ من إثباتاته إذا استدعى البحث ذلك، ولكنْ لا أحد يستطيع تغيير ما يبدعه التخييل السردي. إن «المؤرخين يكتفون بالحديث عن أشباح، أما الروائيون فيخلقون أشخاصًا من لحم وعظم»، كما جاء في مذكرات ألكساندر دوما، الذي هذى عندما زار قصر إيف في مرسيليا (سجن مشهور في التراث الفرنسي) وهو يرى الزوار يحرصون على رؤية «زنزانة» سجين لم يكن له وجود قط (الكونت دو مونتي كريستو)، ولكنهم لا يكترثون لزيارة زنزانة سجين حقيقي كان محكومًا فيه بالإعدام (لقد كان ميرابو مسجونًا فعلً في ذلك القصر.) بالإضافة إلى ذلك، هناك الكثير من الشخصيات التخييلية التي أصبحت جزءًا من آليات تقويم سلوكنا في الحياة؛ لقد تحولت إلى نموذج للذم أو نموذج للاقتداء أو نموذج لتفسير جزء من السلوك الإنساني (عقدة أوديب، وغيرة هاملت، وجشع بخيل موليير...). ويكفي أن نذكر أن «خُس الأطفال البريطانيين ينظرون، بحسب ما يقوله بحث ميداني، إلى شارلوك هولمز والدكتور واتسون باعتبارهما شخصيتين واقعيتين، في حين يصنفون تشرشل ضمن شخصيات التخييل»، كما يذكر ذلك إيكو. وهذا تأكيد آخر أن استيهامات التخييل أقوى من الحقائق التي يفرزها الواقع؛ فنحن قد نبكي بحرقة على مصير الكثير من الأبطال التخييليين الذين صنعهم السرد الروائي، ولكننا لا نكترث كثيرًا لمصير الآلاف من الأطفال الذين يعانون المجاعة في أفريقيا، ولا نذرف دمعة واحدة على آخرين تقتلهم الحرب يوميًا في كثير من بقاع العالم. إن لشخصيات التخييل وضعًا خاصًا، فهي ليست «أشباحًا، كما هي شخصيات التاريخ»، لذلك قد لا تتمتع ب «سجلات مدنية» مضبوطة، ولكنها مع ذلك تستوطن وجدان الناس وأحاسيسهم.» الخلاصة عند إيكو أن الرواية هي «بناء عالم» في المقام الأول؛ إنها بحث عما يقود إلى اقتطاع جزئية زمنية وتضمينها أحداثًا تخلق قصة، أي صياغة حدود عالم معقول يتمتع بوحدة وانسجام يألفهما القارئ الفعلي، ويقبله المحتمل التأويلي وتجيزه الموسوعة أيضًا، وهو أمر تفسره طبيعة «العوالم الممكنة»، فهذه العوالم ليست انزياحًا عن عالم واقعي لا راد لقضاء الأشياء فيه، إنها مبنية وفق قوانين الواقع ذاته، ولكنها لا يمكن أن توجد إلا على هوامشه، وما يمكن أن ينبعث من لاوعي قد يبدو فرديًا في الظاهر من النص، ولكنه جماعي في الحقيقة الفنية. إنه كتاب جدير بالقراءة.
ABSTRACTS
دعوة للكتابة
ترحب مجلة "تبيُّن" للدراسات الفكرية والثقافية بنشر الأبحاث والدراسات المعمقة ذات المستوى الأكاديمي الرصين، وتقبل للنشر فيها الأبحاث النظرية والتطبيقية المكتوبة باللغة العربية. وتفتح المجلة صفحاتها لمراجعات الكتب، وللحوار الجاد حول ما ينشر فيها من موضوعات. وسيتضمن كل عدد من "تبيُّن" محورًا خاصًا، وأبحاثًا خارج المحور، ومراجعات كتب، ومتابعات مختلفة... وجميعها يخضع للتحكيم من قبل زملاء مختصين.
www.bookstore.dohainstitute.org
شروط النشر
(أربعة أعداد)