مثقفو الإنسيكلوبيديا الفرنسية ومثقف دائرة المعارف العربية
French Encyclopédists vs Arab Encyclopédists
الملخّص
* عميد سابق لمعهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، ومشرف على أطروحات دكتوراه في المعهد.
Abstract
This paper examines the methodologies adopted in the production of the French Encyclopédie by a galaxy of Western thinkers who adhered to the ideas of the Enlightenment in the second half of the eighteenth century (1751-1772), and compares these to those adopted in the production of the Da'irat al-Maarif al-Arabiyah (the Arabic Encyclopedia) by the scholar Butrus al-Bustani during the Arabic Nahda in the last quarter of the nineteenth century (1876-1900). The apparent similarity in the general intellectual orientation (Enlightenment and Nahda respectively) did not lead to similar results. The Enlightenment in the West led to revolution, while the Nahda in the East led the region to where it stands today. The Arab Encyclopedia relied on private, political funding from Khedive Ismail, while the French Encyclopédie relied on subscriptions from a public readership who supported this great cultural project giving it a popular political and intellectual identity independent of the governing powers. The lack of belief in collective working, and the reliance on the material support of the authorities, coincided with narrow literary and cultural choices that shaped the Arabic encyclopedia. By contrast, the Encyclopédie was from the outset concerned with the sciences and crafts within a vision that subsequently led these sciences and crafts to transform into a technological and industrial revolution in less than a century. The Enlightenment encyclopedia came cast in an implementing, progressive, and collective mind set while that of the Nahda, a century later, was cast in a different mold, predominantly based on individual genius and literary culture, contented with the call for social justice under the ceiling of tradition.
- الإنسيكلوبيديا الفرنسية
- النهضة العربية
- دائرة المعارف
- مثقف
- French Encyclopedia
- Arab Nahda
- Da’irat al-Maarif al-Arabiyah
- Intellectual
يهدف البحث إلى تقديم مقارنة منهجية للطريقة التي اعتُمدت في إنتاج الإنسيكلوبيديا الفرنسية المعروفة على يد كوكبة من المثقفين الغربيين الملتزمين أفكار التنوير في النصف الثاني من القرن الثامن عشر (1751 - 1772)، وتلك التي اعتُمدت في إنتاج دائرة المعارف العربية العتيدة على يد المعلم بطرس البستاني الملتزم أفكار النهضة العربية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر (1876 -.)1900 يتبيّن لنا من خلال دراسة الحالة هذه أن الفرق الجوهري الذي يقوم بين التجربتين هو اعتماد كل واحدة منهما على وضعة ذهنية خاصة بها أوصلتها في نهاية المطاف إلى نتائج مختلفة عن تلك التي توصلت إليها الأخرى. إن فهم وممارسة العمل الموسوعي الذي جاء متشابهًا في العناوين الفكرية العامة (تنوير من هنا ونهضة من هناك) جاءا غير متطابقين في النتائج الواقعية الملموسة؛ إذ نجح التنوير غربًا وأفضى إلى ثورة، فيما فشلت النهضة شرقًا وأفضت إلى ما نحن عليه. وبينما اعتمدت الموسوعة العربية على تمويل سياسي وخاص، من الخديوي إسماعيل، اعتمدت الموسوعة الفرنسية على عمليات اكتتاب لجمهور من القرّاء الذين دعموا سلفًا، ماديًا ومعنويًا، هذا المشروع الثقافي الكبير، الأمر الذي منح هذا الأخير هوية فكرية وسياسية شعبية ومستقلة عن السلطة. يُضاف إلى ذلك أن عدم الإيمان بالعمل الجماعي والاتكال على دعم السلطة المادي في تجربة دائرة المعارف تزامنا عند المثقَّف الذي كتبها مع خيارات ثقافية أدبية محدودة الأفق، في حين أن الإنسيكلوبيديا كانت قد وضعت منذ البداية، في عنوان عملها، العلوم والصنائع في دائرة الثقافة، ضمن رؤية أوصلت لاحقًا هذه العلوم والصنائع إلى الثورة التكنولوجية والصناعية بعد أقل من قرن.
جاء الفكر الموسوعي التنويري مسبوكًا في وِضعة ذهنية تنفيذية تقدمية وجماعية في وقت أطلّ فيه الفكر الموسوعي النهضوي بعد قرن، مسبوكًا في و ضعة مختلفة، تقوم على العبقرية الفردية والثقافة الأدبية، مكتفية بالدعوة إلى العدالة الاجتماعية تحت سقف التقليد. عندما أطلق الغربيون حركتهم الثقافية الكبرى، المعروفة باسم La Renaissance، التي قادتهم لاحقًا إلى قلب الحداثة، عَنوا فعلً ما قالوه، أي ولادة جديدة، حيث شكّلت هذه الحركة بالنسبة إليهم حياة جديدة في مدار فكري جديد؛ إذ قام الأدباء والشعراء والرسّامون والنحّاتون ومغنّو الأوبرا الأوروبيون بفتح أفق جديد، إنساني)Humanist(، لمجتمعات أوروبا التي لم تعرف حتّى ذلك الحين، أي طوال عشرة قرون كاملة استغرقتها حقبة القرون الوسطى، سوى الأفق الكنَسي المبني على ثقافة الإلهيات، حيث الإنسان تابع وبلا قيمة بحدّ ذاته. عندما بدأت الحركة الإنمائية الكبرى التي أطلقها محمد علي باشا (1848 - 1805) في مصر، في مطلع القرن التاسع عشر، وسرعان ما تبلورت في حركة فكرية وأدبيّة أ طلق عليها لاحقًا اسم حركة النهضة، كان الهدف إطلاق حركة ثقافية كبيرة مماثلة لتلك التي حدثت في أوروبا، بغية تحريك الجسم العربي الأوسع، الغارق في سُبات عثماني عميق، يقوم هو أيضًا على مزيج من السلطانيات والإلهيات. لكن ما جرى عندنا لم يرقَ إلى مستوى الولادة الجديدة، كما في المصطلح الغربي، بل آل إلى استنهاض الهمم الثقافية والفكرية، بصدق وعزم لافتين، من دون أن يتمكّن من توليد التغيير البنيوي المنشود لأسباب ثقافية وسياسية واجتماعية عدّة، علمًا أن التجربة التي صقلها روّاد النهضة العربية في مصر وبلاد الشام شكّلت اللحظة التأسيسية الأولى -والأقوى في نظرنا- لمشروع عربي جديد وواعد، أراد أصحابه أن يكون للمثقف فيه دور حقيقي وأصيل في التحوّل التاريخي المأمول للمجتمعات العربية ككل. لذلك لم يخطئ عبد الله العروي، بعد قرن ونيّف من الزمن، عندما أشار في ختام مؤتمر خُصص للنهضة في بيروت، إلى أننا اليوم «في حاجة إلى استعادة روح رجال النهضة وما تميّزوا به من جرأة وصدق وتفاؤل».
الوضْعَة الخطأ
كيف نفسّر تعثّر حركة النهضة العربية إزاء التحولّات التاريخية التي عاشتها؟ فمَن، أو ما الذي كان مسؤولً عن هذا التعثّر؟
أبرز المقاربات أعادت تعثّر النهضة إلى أسباب جيو - سياسية إقليمية ودولية. ويدخل في الحجج التي تُبنى عليها هذه المقاربة اندلاع الحرب العالمية الأولى وتمدّد الاستعمار إلى
(((عبد الله العروي، «إرث النهضة وأزمة الراهن،» في: شربل داغر [وآخرون]، عصر النهضة: مقدمات ليبرالية للحداثة (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2000)، ص.293
البلدان العربية كلها، مع ما يعنيه ذلك من تراجع أجندة النهضة العربية، المحلية، لمصلحة الأجندة الاستعمارية، الاستراتيجية.
أمّا أدقّ المقاربات، فقدّمها جورج طرابيشي في كتاب اعتَمد البُعدَ النفسي - الاجتماعي، وتحديدًا من الصدمات الجُرحيّة العميقة التي تسبّبت بها الهزائم السياسية والعسكرية العربية المتتالية، حيث كان لها أثر بالغ في تحجيم نفَس النهضة العربية وتحويلها عن مسارها الأول عبر إدخالها في عصاب جماعي. من ناحيتنا، سنكون أكثر تواضعًا، وسنحاول أن نبيّن أن ثمة عاملً معرفيًا مهمًا أدّى دورًا لا يُستهان به في تعثّر النهضة العربية. وهو يتمثّل في الوضعَة الذهنية)Posture mentale(التي اتخذها المثقف النهضوي إزاء مشروعه الحضاري الكبير، حيث إن الوضعة الذاتية التي اعتمدها هذا المثقَّف عمومًا (والتي لا تزال حيّة حتى اليوم) هي التي تفسّر إلى حدّ بعيد عدم تمكّن النهضة العربية من تحقيق أهدافها المحلومة؛ ذلك أن مشروع النهضة كان مشروعًا ثقافيًا واجتماعيًا شاملً يحتاج إلى تنفيذ جماعي واسع، في حين أن الطريقة التي عولج به بقيت على الدوام مبنيّة على مقاربة فردية وذاتية، تبتعد بشكل متعمّد -ومعرفي غير مُدرَك- عن متطلباته الأساسية، الجماعية والمؤسساتية؛ إذ لم يُدرك حقيقة مثقف النهضة الطبيعة الجماعية لمشروع النهضة الشامل، فبقي يتعامل معه على أساس الوضعة الذهنية الموروثة، الفردية، المتأصلة في الذهنية العربية، على قاعدة النبوغ والعبقرية الخاصة. وهي قاعدة مخالفة تمامًا لتلك التي قامت عليها النهضات في الغرب غداة خروج أوروبا من قرونها الوسطى المنعوتة بالقرون المظلمة
سنعمد في هذا السياق إلى قراءة تجربتين مماثلتين في الشكل ومختلفتين في الوضعة الذهنية لأصحابها تنتميان إلى مبادرتين قامتا غربًا وشرقًا تحت لواء النهضة والفكر التنويري، وقدّمتا أثرين ثقافيين بارزين: الإنسيكلوبيديا الفرنسية (المعروفة تحت اسم L’Encyclopedie de Diderot) ودائرة المعارفلبطرس البستاني. فلنعرض بدايةً الوقائع.
دائرة المعارف (1876 - 1900)
أبصرت دائرة المعارفالنور في سنة 1876، في عزّ حركة النهضة، بجهد بطرس البستاني وبدعم مالي وفّره الخديوي إسماعيل، باشا مصر. بين سنة 1876 وسنة 1883 (وفاة المعلم بطرس البستاني)، تتابع صدور المجلدات الستة الأولى من هذه الموسوعة العربية الأولى، بثبات وانتظام، وهو ما يعني أن المشرف عليها كان يؤمن بمشروع ثقافي نوعي يستحق أن يكرّس له أنضج سنوات حياته.
(((جورج طرابيشي، المثقفون العرب و التراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي (لندن: رياض الريّس،.)1991
عرّف بطرس البستاني موسوعته، في مقدمة العدد الأول منها، أنها «قاموس عام للمعارف من جغرافية وتاريخية وعلمية وصناعية وسياسية وأدبية، يحتوي على كل ما تصبو إليه النفس، ويغني مقتنيه عن مكتبة كبيرة». وبعد وفاته، حمل ابنه سليم المشعل وتابع المسيرة، فأصدر المجلدين السابع والثامن، تباعًا، خلال سنتي 1889 و 1884. وبعد وفاة سليم تابع أخواه نجيب ونسيب إصدار دائرة المعارف، فنُشر المجلد التاسع في سنة 1887 والعاشر في سنة 1898 والحادي عشر في سنة 1900. ويُذكر في هذا المجال أن الأخوين البستاني نشرا المجلدات الثلاثة الأخيرة من هذه الموسوعة بالتعاون مع نسيبهما سليمان البستاني، الأديب الذي نقل إلياذة هوميروس إلى اللغة العربية. ثم توقّف العمل نهائيًا عند الحرف ع، وكلمة عثماني (يا للصدف!) أكثر من نصف قرن، فأعاد فؤاد أفرام البستاني إصدار دائرة المعارف، بحلّة جديدة في سنة.1956 كانت أهداف دائرة المعارفتنبع من سلسلة هواجس بنّاءة حملها المعلّم بطرس البستاني الذي حاز هذا اللقب لجدّية تعامله مع هذه الأهداف وعصاميّته ومثابرته على تحقيق مشروع النهضة الأكبر، وكان أبرز هذه الأهداف: تبسيط المعارف وتعميمها ومكافحة الجهل؛ إعلاء شأن اللغة العربية وجعلها مواكبة للعصر في إنتاجها الثقافي؛ ردم الهوّة الفكرية بين العرب والعالم الغربي. يتضح عند اطلاعنا على المواد التي حوتها دائرة المعارف أن الهدف الأولحكمَ العمل بأسره وارتبط بهمّ أكبر شاطرَه جميع أدباء النهضة وهو الرغبة الشديدة في مكافحة الجهل جنبًا إلى جنب مع نشر المعرفة العصرية؛ ذلك أن النهضويين كانوا يعون مدى التأخر الذي أصاب المجتمعات العربية إبّان الحكم العثماني وقبله في العصر المملوكي، حيث تحجّرت علوم العرب وتراجع حضور اللغة العربية، الأمر الذي ترافق مع انحسار العلوم العقلية لمصلحة العلوم النقلية وشحّ لافت في الإبداع. من هنا، أحدثت إغارة نابليون بونابرت وعسكره، كما مطبعته وكوكبة العلماء المرافقة حملته، صدمة معرفية كبيرة في الجسم العربي في سنة 1798، فما كان من هذه الصدمة إلا أن بلورت صحوة فكرية وسياسية وثقافية عارمة في أوساط النخب القائمة، وما يُعرف بممثلي المعرفة في ذلك الزمان وطوال الحقبات اللاحقة كلها. فالصحوة الثقافية التي انطلقت أدركت أن مسألة النهوض بالمجتمعات العربية كانت ترتدي بُعدين اثنين: يتمثّل الأولفي التأخر الحضاري الكبير الذي غدا يفصل أبناء العالم العربي عن الركب الحضاري العالمي، والثانيفي انتشار الأميّة والجهل على مستوى واسع جدًا. لا حاجة هنا إلى ذكر أن عهد المماليك كان قد أعطى الأولوية لحماية حدود الأمة، بعد الانتصار على الصليبيين، الأمر الذي وضع الشأن الأمني في رأس الاهتمامات، علاوة على أن حكم المماليك كان حكم قادة عسكريين، على أساس عسكري بحت، لا يقيم للشأن الثقافي وزنًا. كما أن العصر العثماني الذي تلاه لم يكن فيه مكان لشأن لا يصبّ في مصلحة السلطان، حتى أن فلسفة العثمانيين برمّتها تمثّلت في ما يُعرف بدائرة العدالة على مدى أربعة قرون متتالية. أمّا «دائرة العدالة» التي لخّصت السلطة بمفهومها العثماني، فجاءت تحت قلم نعيمي، مؤرخ السلطان، في أعقاب هزيمة كارلويتز في سنة 1699، الذي طُلب منه إيجاد صيغة فكرية تطلق التعبئة الداخلية
والتماسك الشعبي على قاعدة عثمانية أصيلة، فجاءت «دائرة العدالة» التي كانت تعلّق في الدوائر الرسمية على النحو الآتي: - لا سلطان من دون عسكر. - لا عسكر من دون مال. - لا مال من دون رعايا. - لا عدالة من دون سلطان. - التوازن سرّ العدالة. - الدنيا حديقة وأسوارها الدولة. - ركيزة الدولة الشريعة. - لا شريعة من دون سلطان. إذا نظرنا في مضمون هذا الإعلان العثماني، نجد أنه يتمفصل على كلمات مفاتيح رئيسية: السلطان والعسكر والمال والدولة والشريعة، علمًا أن الكلمتين الأخيرتين (الدولة والشريعة) غير أساسيتين في المعادلة، بل هما تابعتان للكلمات الثلاث الأوَل (السلطان والعسكر والمال)، في حين أن «دائرة العدالة» تحذف بشكل متعمّد أي ذكر للثقافة والعلم، للإشارة إلى أن عالم الحكم العثماني اقتصر على شخص السلطان، يعمل لخدمته العسكر والمال، مال السلطان لا المال العام. من هنا كان همّ بطرس البستاني وهمّ النهضويين عمومًا وضع الشأن الثقافي في واجهة الحياة العامة، حثًا للإبداع وتفعيلً لحياة اجتماعية عربية عصرية ومتقدمة. بكلمة واحدة، كان الهمّ النهضوي الأكبر مكافحة التصحّر الفكري والثقافي الذي عاشته المجتمعات العربية بقوة إبّان الزمنين العثماني والمملوكي، العسكريّ البنية والفلسفة. لم يكن الهدف الثانييقل عظمة عن الهدف الأول؛ إذ إنه كان يصبو إلى إعلاء شأن اللغة العربية، لغة روحنا، من خلال جعلها لغة مواكبة للعصر ولغة إبداع. فبين مشروع التصحير اللغوي والتتريك برزت الحاجة الملحّة إلى إظهار مقدرة اللغة العربية على إنتاج إبداع فكري عصري ونقل الآداب والعلوم العالمية، بدءًا بالمعارف الغربية. تأتي في هذا السياق الاستنهاضي الثقافي مبادرة بطرس البستاني في إطلاق دائرة المعارف باللغة العربية متضمنة، في ما تضمّنته، قراءة جديدة للواقع الثقافي العالمي كما للواقع الثقافي العربي. ويندرج في هذا المشروع أيضًا مبادرة ابن أخي واضعدائرة المعارف، سليمان البستاني، إلى ترجمة ملحمة الإلياذة، شعرًا، إلى اللغة العربية. أراد النهضويون رفع هذا التحدّي الأكبر وإظهار كم أن طاقة اللغة العربية عصرية، مبعدين عنها تهمة كونها لغة قديمة على وشك الاحتضار، بل إن بعض ما كُتب في دائرة المعارف أتاح الدخول في قراءة جديدة للتراث الثقافي العربي كما في عدد من الأفكار المنيرة الآتية من الغرب.
من المواد التي أثارت جدلً فكريًا في مجلات ذلك العصر وصحفه نذكر مادتي «آداب العرب» و«تعليم النساء»؛ فالمادة الأولى سمحت لبطرس البستاني بأن يقدّم قراءة جديدة نسبيًا للأدب العربي القديم، فأثار ما كتبه في هذا الموضوع سنة 1876 ضجة شبيهة بتلك التي أثارها طه حسين سنة 1926 عندما نشر قراءته الجديدة للشعر العربي القديم في كتابهفي الشعر الجاهلي، وكأني بطه حسين يُكمل عملية الحفر التي بدأها سلفه النهضوي قبل خمسين سنة. وأثارت مادة «تعليم النساء» التي صدرت في دائرة المعارف ضجة مماثلة لكونها تمسّ حقلً لا يلقى في الثقافة العربية التقليدية صدى إيجابيًا على نحو عام؛ فالتقاليد والعادات والأعراف الاجتماعية المحلية انتفضت حينذاك بقوة ضد هذا الدخيل الفكري الغربي. تشير هذه الوقائع إلى أن مشروع دائرة المعارف العميق كان تحديثيًا على المستويين الثقافي والاجتماعي؛ إذ كان يقوم على رغبة صادقة في مواكبة العصر والتقدّم الغربي عبر إيجاد سبيل ضارٍ للتعامل النقدي مع موروثات الماضي كما لاقتباس الأفكار الاستنهاضية الغربية، ومنها عمومية التعليم واكتساب المعارف والعلوم. أمّاالهدف الثالثللمشروع الثقافي النهضوي، فكان العمل على ردم الهوّة الفكرية القائمة بين العالمين العربي والغربي، حيث إن النزوع إلى الانطواء العربي كان كبيرًا إذّاك، على خلفية الحروب الصليبية وعمليات التصحّر الثقافي التي تلت حقبتي المماليك والعثمانيين. لكن الغرب لم يبقَ على حاله طوال تلك الفترة، بل حقق ثلاث ثورات متتالية جعلته غير ما كان عليه في السابق. تمثّلت هذه الثورات الثلاث بال Renaissance خلال القرن السادس عشر، فكانت ثورة ثقافية بامتياز؛ ثم بالثورة الفرنسية (1789 - 1799) التي أسست لمنظور بديل للشأن السياسي بإطلاقه نظام الشأن العام)res publica(المواطني والديمقراطي؛ ثم بالثورة الصناعية التي كانت ثورة تكنولوجية أدخلت فكرة الإيمان بالعقل واعتماد العلوم التجريبية معيارًا للسلوك الحضاري. هذا في حين أن العالم العربي الذي اكتشف دفعة واحدة مفاعيل هذه الثورات الثلاث اعتبارًا من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لم يكن قد تغيّر بتاتًا، لا بل تراجع كثيرًا مقارنةً بما كانت عليه الحضارة العربية إبّان النصف الثاني من الألفيّة الأولى قبل الميلاد. لذلك أراد النهضويون عمومًا، وعلى رأسهم بطرس البستاني، توفير أدوات ثقافية تسمح بردم سريع للهوّة بين مَن كانت لديهم حضارة زاهرة ومَن كان لديهم حضارة غابرة. بما أن ميزة هذه الهوّة الحضارية كانت فكرية في المقام الأول، اعتبر بطرس البستاني أن توفير عُدّة العمل النهضوية يتمثّل في تقديم موسوعة للمعارف العالمية «تُغني مقتنيها عن مكتبة كبيرة»، كما جاء في مقدمة دائرة المعارف.
(((طه حسين، في الشعر الجاهلي (القاهرة: دار الكتب المصرية،.)1926
كانت فكرة بطرس البستاني وظيفية، لذلك قامت موسوعته على إشكالية وظيفية أساسية، هدفت السماح للقارئ العربي عمومًا بالاطلاع الموجز والملخص والسريع على أبرز ما كانت قد أنتجته الثقافة العالمية حتى ذلك الحين. من هنا الوظيفة التثقيفية ل دائرة المعارفالتي غالبًا ما كان يقرأها مقتنوها على نحو قراءة كتاب، بالمواد كلها التي كانت تتضمنها. لكن وظيفية هذه المقاربة جعلتها تمنح الأولوية لعملية النقل، على حساب عملية الإنتاج والإبداع، حيث إن همّ ردم الهوّة الداهم والدائم كان يطغى على سواه من الهموم الثقافية، إضافة إلى أنه كان يغلّب النقل على الإنتاج، فغدت بذلك إشكالية دائرة المعارف إشكالية جديدة من دون شك، لكونها وظيفية، لكنها بقيت من حيث لا تدري في إطار الإشكالية الوظيفية النقليّة.
إنسيكلوبيديا ديدرو (1751 - 1772)
مثّلت هذه الموسوعة تجسيدًا لمشروع فلسفي تنويري كبير أطلقه نهضويّو فرنسا خلال القرن الثامن عشر، في ظل النظام الملكي. تفيد تسمية هذا المشروع الأكبر الذي عرفته أوروبا إبّان القرن الثامن عشر بالعنوان الآتي: الإنسيكلوبيديا أو قاموس معقلن للعلوم والفنون والمهن؛ فهذه التسمية بحد ذاتها تضع القارئ أمام إشكالية إلزامية تقوم على قاعدة العقلانية، جوهر المشروع التغييري في الغرب. شارك في كتابة مواد الانسيكلوبيديا، التي أشرف عليها وساهم فيها ديدرو، 160 كاتبًا، حيث قام كل كاتب بصوغ المادة التي كانت تدخل ضمن اختصاصه، فتولّى روسّو مثلًالمواد التربوية، وتولّى فولتير المواد الفلسفية، ودوبنتون)Daubenton(المواد السياسية، ودولباك)d’Holbach(المواد السجالية، وديدرو المواد الفكرية والدينية كلها، ودالمبير)d’Alembert(المواد المتعلقة بالرياضيات، ومونتسكيو بعض المواد الحقوقية، وبوفون)Buffon(المواد المرتبطة بالعلوم الطبيعية، وكيسناي)Quesnay(ّ كل ما يتعلق بعلم الفيزياء... إلخ.، أي إن كل مساهم من المساهمين ال 160 الذين شاركوا في تأليف هذه الموسوعة لم يتجاوز مجال اختصاصه الضيق، ولم يغامر في حقل غريب عن اهتماماته الفكرية. ولشدّة التخصص، حوّل دي بروس)des Brosses(المادة التي كتبها في الإنسيكلوبيديا، وهي مادة Etymologie (علم تأصيل الكلمات)، إلى أول كتاب صدر في العالم في هذا الحقل العلمي الجديد في سنة 1763، بعد عشر سنوات من نشر مقالته الأولى. في سنة 1751 صدر المجلد الأول من الإنسيكلوبيديا التي وزِّعت على أساس اكتتاب يُدفع مسبقًا للناشر يقضي بشراء عشرة أجزاء منها. بدأ عدد المكتتبين في سنة 1751 ب 1200 مكتتب، الأمر الذي سمح بطبع أجزاء الموسوعة من دون خوف على تمويلها. بيد أن عدد المكتتبين كان قد ارتفع في سنة 1757 إلى 4200 مكتتب، وهو ما يشير إلى الحماسة التي أثارتها في أوساط المثقفين لا في فرنسا
فحسب، بل أيضًا في أنحاء أوروبا كلها التي كانت تشهد تحولّات فكرية كبيرة تفتّقت ثمارها مع قيام الثورة الفرنسية بعد فترة من الزمن. لكن سرعان ما أطلّت العقبة الأولى برأسها، مع صدور الجزء الثاني من الإنسيكلوبيديا، في سنة 1752، حين تناولت مادةٌ من المواد المعتقد الديني الطبيعي، مع إشارة واضحة إليه، الأمر الذي أثار حفيظة المحافظين والمسؤولين الكنسيين الذين شكوا أمر هذه الموسوعة أمام الملك. وعلى الرغم من أن الملك الفرنسي كان قد أصدر سماحًا بصدور هذه الموسوعة قبلذاك، انصاع للضغط فعاد وأصدر، عبر مجلسه الاستشاري)le Conseil d’Etat de Roi(قرارًا بمنع متابعة صدورها، فتوقّف النشر فترة، لكن بضغط مضاد، غضّ ت السلطات الملكية الطرف عن معاودة صدور الجزء الثالث منها في السنة التالية.)1753(ثم تتالى صدور الأجزاء الأخرى بوتيرة جزء لكل سنة. ومع صدور الجزء السابع في سنة 1757، ارتفعت وتيرة المناشير المندّدة بها بتحريض من السلطات الكنسية والمحافظة التي ما كان يروقها ما يرد في هذه الموسوعة «المعقلنة» التي كانت تطيح قسمًا لا يُستهان به من الموروثات الثقافية، فصدر في سنة 1759 قراران متتاليان للمجلس الاستشاري الملكي يقضيان بسحب كتاب السماح الملكي المُعطى سابقًا، وضرورة التعويض على المكتتبين بعد توقيف صدور الإنسيكلوبيديا، لكن اللافت في الأمر أن أحدًا من المكتتبين لم يطالب بأي تعويض عن الأجزاء الثلاثة الباقية التي لم تصدر. قام الناشر لوبريتون)Le Breton(بإخضاع المواد المكتوبة لرقابته، فحذف منها كل ما كان نافرًا وسجاليًا من دون علم صاحب العلاقة ديدرو الذي غضب جدًا للأمر. لكن هذا الإجراء الاستباقي (والتجاري) سمح بإصدار الأعداد الباقية من هذا العمل الضخم (من الجزء الثامن حتى الجزء السابع عشر) دفعة واحدة في سنة.1766 بما أن الإنسيكلوبيديا كانت تتضمن أيضًا في مشروعها الأساسي عرضًا مُعقلنًا للمهن، صدر في سنة 1772 أحد عشر جزءًا إضافيًا للرسوم وشرح صناعة الآلات في الحقول المهنية كلها، مثل النسيج والعمارة والنجارة وصناعة المراكب... إلخ.، حيث كان باستطاعة أي عامل ماهر أن يتعلّم، عبر الرسوم والشروحات، أي صنعة من الصنعات. وبذلك غدا مجموع عدد أجزاء الانسيكلوبيديا الصادرة بين سنتي 1751 و 1772 ثمانية وعشرين جزءًا تشمل حقول العلوم والفنون (ومن ضمنها الآداب) والمهن، إيفاءً بالوعد المقطوع في البداية.
المقارنة الموجعة
لنقارن الآن ما يُميّز مشروع بطرس البستاني بما يميّز مشروع ديدرو، على الرغم من الفرق الزمني القائم بين العملين، وهو قرن من الزمن، لمصلحة دائرة المعارفنظريًا، لكونها صدرت في وقت لاحق لظهور الإنسيكلوبيديا الفرنسية.
الوضعة الذهنية
نلاحظ بدايةً أننا لا نغالي لو قلنا أن الفضل، كل الفضل، يعود إلى شخص بطرس البستاني في إصدار دائرة المعارف التي لم تكن لتصدر لولا جهوده الفردية والمتواصلة؛ فهو الذي قام شخصيًا بكتابة جميع المواد نقلً عن قراءاته موضوعات منشورة بلغات أجنبية، لأن همّه الأكبر كان يدور حول تجنيبه القارئ العادي اقتناء عدد كبير من الكتب كشرط للدخول إلى المعارف العالمية والعصرية. لذلك قام هو بمجهود الاطلاع ثم التلخيص والتعريب، مادةً بمادة. هذا في حين أنه يستحيل علينا القول إن الفضل، كل الفضل، يعود إلى ديدرو في إصدار الإنسيكلوبيديا الفرنسية؛ فهو نسّق مواد هذه الموسوعة، لكن الفضل في الصدور يعود إلى المشاركين ال 160 الذين ساهموا في كتابة موادها، كل في دائرة اختصاصه. لذلك، يعود الفضل العلمي الحقيقي إلى فريق العمل المتكامل الذي ظاهر أعضاؤه بعضهم بعضًا في تحقيق مشروع جماعي الصياغة والأفق. الوضعة الذهنية مختلفة تمامًا في تحقيق كل من هاتين الموسوعتين؛ فصاحب دائرة المعارف اشتغل بشكل فردي، من البداية حتى النهاية، معتمدًا على نبوغه الفردي -المثبت والأكيد- ثم بعد وفاته تحوّل المشروع إلى مشروع عائلي. إلا أنه لم يتّسم، لا في البداية ولا في النهاية، في خضّم عصر النهضة، بطابع العمل الجماعي لكوكبة من المثقفين، فبقيت موسوعة المعلم بطرس البستاني منتوج أديب فذ وواسع الاطلاع، يغار على أبناء لغة الضاد غيرة قومية لافتة. في المقابل، تُظهر الوقائع أن مشروع الإنسيكلوبيدياكان مشروعًا جماعيًا، قام بتنسيقه الفيلسوف ديدرو بعناء وإصرار. ودافع كاتب كل مادة من المواد عن أفكاره وعن نظريته هو، ضمن مشروع تنويري نهضوي عام. ولم تغلب العبقرية الخاصة على العمل ككل، مهما بلغت أهميتها مع ورود أسماء كبيرة مثل فولتير وروسّو ومونتسكيو، بل بقي المشروع مشروعًا جماعيًا نُفّذ جماعيًا. لذلك، نحن لسنا على الموجة الذهنية نفسها عند وضع المشروع الموسوعي الفرنسي الأول وعند وضع المشروع الموسوعي العربي الأول. فالمشروع الأول أنتجه فريق عمل متناسق ومتنوّع ومتكامل، في حين أن المشروع الثاني أنتجه شخص واحد، ولذلك، عندما ذهب هذا الشخص كاد مشروعه يذهب معه، لولا الغيرة العائلية التي أظهرها ابناه ونسيبهما. إن هذه الوضعة الذهنية ليست خاصة ببطرس البستاني، بل هي سمة يشاطرها مع كوكبة كبيرة من النوابغ العرب تبدأ بابن رشد، الذي توقّفت مفاعيل منهجه النقدي مع رحيله، مرورًا بابن خلدون الذي ماتت نظرية العمران البشري مع مماته، وصولً إلى جميع أصحاب النظريات العرب الذين لا يزالون حتى اليوم يتقوقعون على عبقريتهم الفردية ولا يقيمون وزنًا للعمل الجماعي الذي يكفل وحده استمرارية المشروع العام. لا بد هنا من أن نذكر ما جرى للإيطالي غاليليه الذي أزعجت نظريته السلطة البابوية، فحوكم وأ جبر على التنكر لنظريته، ثم وُضع في الإقامة الجبرية، فقام زملاؤه في جامعة بيزا ثم في جامعات ألمانيا
وفرنسا وبلجيكا بالدفاع عن نظريته، فمات هو ولم تمت نظريته لأنها قامت على مجهود جماعي في أثناء انبثاقها، ولاحقًا في أثناء انتشارها على مستوى أكاديمي أوروبي واسع. وبالتالي، فإن نقطة قوة المشاريع الغربية الفكرية الكبيرة هي اعتمادها على وضعة ذهنية وتنفيذية جماعية، يجعلها عصيّة على الترهّل والموت، أو القمع والاختفاء. نقول أكثر من ذلك: إن النبوغ الفردي عندما لا يُعترف بحقّه في الوجود لأسباب غالبًا ما تكون سياسية، يهاجر جوهره إلى حيث تتوافر تربة خصبة لنموّه؛ فبعدما قُمعت أفكار ابن رشد الأندلسي على سبيل المثال، تُرجمت إلى اللاتينية والإيطالية والفرنسية والإنكليزية، وظهر ما يُعرف حاليًا في التراث الفلسفي الغربي بالرشدية اللاتينية)Averroisme latin( التي انتشرت في جامعات باريس وبروكسل وأكسفورد، ثم في جميع الأكاديميات الأوروبية، فساهمت في حراك فكري واسع جدًا، إذ نادى جامعيّو الكوليج دوفرانس)College de France(بالنظرية الرشدية، في باريس، مواجهين بها جامعة السوربون التي كانت تحت سيطرة الكنيسة على سبيل المثال. هنا نلاحظ مجددًا الطابع الجماعي للهجوم والدفاع عند المثقفين والمفكرين في الغرب الذي ينشئون مؤسسات وينضوون تحت لوائها، الأمر الذي يُكسب أفكارهم ونظرياتهم ومشاريعهم الثقافية والحضارية مناعةً لافتة. علاوة على أن الوضعة الذهنية الجماعية في الغرب، المنفتحة بفعل طبيعتها هذه، سريعة الالتقاط للنبوغ الفردي غير المقبول أو غير المفهوم أو المحارَب في بلده، بغية ضمّه إلى مشاريعها الجماعية ومؤسساتها العلمية والتعليمية ومراكز أبحاثها.
الأهداف
صحيح أن القاسم المشترك للموسوعتين كان تنويريًا ونهضويًا، إلّ أن أهداف كل مشروع من المشروعين تميّزت نسبيًا بعضها من بعض؛ فمن ضمن أهداف دائرة المعارف برز إعلاء شأن اللغة العربية الذي كان هدفًا نهضويًا عربيًا بامتياز، الأمر الذي لم يقابله شأن مماثل عند الإنسيكلوبيديين الذين استغلوا بلغة ناشطة ومعتمدة على مستوى محلي وحتى أوروبي واسع، ولم يكن على كنفها إهمال تركي. وقابل تبسيط المعارف وتعميمها، وهما اللذان شغلا بال المعلم بطرس البستاني، همّ الكتّاب الإنسيكلوبيديين الذي انصبّ على تعميم المعارف وتعميقها؛ فالمشارك الفرنسي في كتابة الموسوعة كان يعمم معرفته الفكرية والعلمية والتكنولوجية من دون أن يضطر إلى تبسيطها، بل كان يتخذ من مقالته مناسبة لتعميق الجانب العقلاني من معرفته (ينبغي ألّ ننسى أن الإنسيكلوبيديا عرّفت نفسها بأنها «قاموس معقلن.)» التزمت المواد المكتوبة في الموسوعة الفرنسية هذه القاعدة، فكانت كل واحدة منها تشكّل، لكونها مكتوبة بقلم اختصاصي معتَرف به، مادة مرجعية تأسيسية، لا مادة إعلامية عامة كما كانت الحال مع دائرة المعارف.
(((جورج زيناتي، «الرشدية اللاتينية،» في: معن زيادة، رئيس التحرير، الموسوعة الفلسفية العربية، 2 ج في 3 مج (بيروت: معهد الإنماء العربي، 1997-1986)، مج 2، ص.624-613
من هذا المنطلق أيضًا، غدت موسوعة الإنسيكلوبيديين، المبنيّة على وضعة ذهنية جماعية، تتّسم بطابعين منهجيين مكمّلين بعضهما لبعض: الطابع الاستعادي والطابع الاستشرافي. تمثّل الطابع الاستعادي للإنسيكلوبيديا بأنها كانت عملً جمعَ كل المعارف المعروفة في الغرب حتى ذلك العصر، بتوثيق دقيق ومسؤول، بغية وضعها بين يدي القارئ الشغوف بالمعرفة والاطلاع. لذلك لم تترك هذه الموسوعة بابًا إلّ طرقته في حقول أساسية ثلاثة التزمتها مسبقًا هي العلوم والفنون والمهن. أمّا الطابع الاستشرافي لعمل الإنسيكلوبيديين، فقام على إخضاع المادة المجمّعة والموروثة عن الأجيال السابقة لقراءة عقلانية تعيد قراءتها، وبالتالي تنتقدها لا بهدف تقليدها، بل بهدف تخطّيها. إن هذا البُعد الثاني، المتميز، تفتقر إليه دائرة المعارف التي تكتفي بالبُعد الاستعادي والتعريفي، حيث إنها تنقل عبر الترجمة معلومات جاهزة متوافرة في مراجع أجنبية. ويشير في هذا الصدد أحد النقّاد والمطّلعين على أعمال روّاد النهضة عن كثب إلى أن دائرة المعارف «لا تعدو كونها تعريبًا في قسم واسع من نبذاتها عن مواد أجنبية»، علاوة على أن الجانب التكنولوجي، المتعلق بالمهن وتطويرها، غائب تمامًا عنها.
النفَس العام
كُتبت دائرة المعارف بنفَس أدبي، لأنها كانت لصيقة بشخصية من كتبها، ولم تتمكن من مغادرة هذا النفَس، أو الانفتاح على سواه، لأنها تقيدت منذ البداية، وبشكل غير مُدْرك، بالوضعة الذهنية العامة السائدة في عصرها، حيث الأديب كان يعني المثقَّف والمثقَّف يعني الأديب. لذلك، تختلف الإنسيكلوبيديا في نفَسها، كونها عملً جماعيًا صادرًا عن كوكبة كبيرة من الفلاسفة والأدباء والعلماء والمفكرين ورجال مهن وصناعات. فهي كُتبت بنفَس متعدد الاختصاصات (Multidisciplinear) كما يُقال اليوم، حيث إن كتّابها وجمهورها لم يقتصروا على فئة الأدباء، وعلينا أن نتذكّر هنا أن هدف الموسوعة الفرنسية الأبعد كان عقلانيًا، الأمر الذي يبعده النفَس الأدبي والحساسية الأدبية التي تحاكي بشكل رئيسي المشاعر والعواطف والخيال؛ فعندما تقرأ عددًا من المواد التي تتضمنها دائرة المعارف تحسب نفسك مسافرًا مع رفيق مثقّف وأديب يشرح لك برفق ولطف جمال وإبداع المسائل المطروحة في موسوعة تُقرأ كما يُقرأ أي كتاب، من دون التزام نهائي لا من طرف الكاتب ولا من طرف القارئ. بيد أنك عندما تقرأ مادة -ولو وحيدة- من الإنسيكلوبيديا، تشعر بأنك أمام عالم يطرح عليك مادة مكتملة ومبنية، تخاطب عقلك، تفيدك كميًا في اكتساب كميةِ من المعلومات، ونوعيًا في الاستعداد لتقبّل معارف جديدة، على نحو ما كان قد أشار إليه ابن خلدون في مقدمة كتاب العِبَر (الأمر الذي لم يتنبّه له العرب حتى اليوم) من أن كل معرفة وكل صناعة «مرتّبة يرجع فيها إلى النفس أثر يُكسبها عقلً جديدًا تستعد به لقبول صناعة أخرى، ويتهيأ بها العقل، بسرعة الإدراك، للمعارف».
(((شربل داغر، «الكتاب والأفق،» في: داغر [وآخرون]، ص.264 (((عبد الرحمن ابن خلدون، المقدمة، ط 4 (بيروت: دار أحياء التراث العربي، [د. ت.])، ص.433
يؤدي ذلك كلّه إلى مَوْضعَة القارئ في وِضعة مماثلة لتلك التي وضع الكاتب نفسه فيها. فعندما تكون الوِضعة التي يعتمدها صاحب المادة الموسوعية فرديّة وأدبيّة، يرى القارئ نفسه منقادًا من حيث لا يدري إلى اعتماد الحساسية الأدبية والانطباعية والذاتية، في حين أنه عندما يعتمد صاحب المادة الموسوعية وضعَة عقلانية وجماعية، فلا مفرّ من أن يستجيب القارئ لها ويبادلها باعتماد حساسية نقدية وعلمية. لذلك، أبقت دائرة المعارف، على الرغم من نيات صاحبها الحسنة، القارئ في ثوابت ثقافته الأدبية التقليدية، مع مسحة من العصرنة، على عكس الإنسيكلوبيديا التي أدخلت قرّاءها إلى الحداثة، ومن الباب العريض.
الدعم المادي
اعتمد مشروع المعلّم بطرس البستاني على دعم مادي وفّره له الخديوي المتنوّر إسماعيل. وسمح له هذا الدعم بتغطية تكاليف الأجزاء الخمسة الأولى من موسوعته، أي إن دائرة المعارف مَدينة بصدورها لجهة سياسية رعت مشروعها ودعمته، على غرار ما كان يجري في جميع الأنظمة الملكية شرقًا وغربًا. كان الدعم المادي دعمًا ماديًا وسياسيًا في آن، يغطّي التكاليف ويُبعد الهموم المادية، كما كان يؤمّن الغطاء السياسي العام. وللأمر دلالة كبيرة؛ إذ إنه يعني أن مشروعًا من أهم مشاريع النهضة لم يمانع الانضواء تحت لواء السلطة، بل اعتبر أن لا تعارض استراتيجيًا بينه وبين النظام القائم، فالنهضة لم تنادِ يومًا بالتغيير الكلي، أو بتغيير المسار الأساسي المعتمد، معتبرةً أن مشروعها مشروع ثقافي لا مندرجات تطبيقية ملزمة له. في المقابل، اعتبر الإنسيكلوبيديون، على مستوى الجماعة العلمية التي تولّت كتابة المواد كما على مستوى جمهور القرّاء، أن الإنسيكلوبيديا منهم ولهم، وبالتالي لم يعتمدوا على دعم مادي أميري أو ملكي، بل اكتفوا بالتمويل الذاتي. المكتتَبون هم الذين أمّنوا التغطية المالية والسياسية للمشروع الفرنسي، حتى إنه عندما اشتد صراع الإنسيكلوبيديين مع مجموعات ضغط الكنيسة والمحافظين الملكيين، وقف المكتتبون إلى جانب المشروع الذي اعتبروه مشروعهم، ولم يطالبوا البتة باستعادة الجزء غير المستوفى عنه، بعد توقّف الصدور عند العدد السابع لسنوات عدة. أمّنت الاستقلالية المادية لمشروع الإنسيكلوبيديا استقلالية فكرية وسياسية لأصحابه الذين سرعان ما تعرّضوا للمضايقات الرسمية لكونهم يسبحون عكس التيار الفكري والثقافي المحافظ؛ فالضغوط القانونية والسياسية على الكتّاب والناشر على حد سواء ومجاراة الملك الفرنسي لها كانت تشير بوضوح إلى أن مشروع هذه الموسوعة كان يشكّل تهديدًا حقيقيًا للسلطات القائمة، الأمر الذي تجلّى بعد عقدين من الزمن في قيام الثورة الفرنسية التي تبنّت أفكار التنوير التي كان ينشدها الإنسيكلوبيديون.
برز مشروع الإنسيكلوبيديا على هذا المستوى الشكلي، كما على مستوى المضمون، كمشروع متكامل يعني جمهورًا واسعًا من الناس، داخل النخبة كما داخل الشعب، حيث إن سمته التغييرية -الملازمة لشعاره العقلاني الأول- لم تكن لا مستورة ولا مخجولة. فالقاموس المُعَقلن الذي كانته الإنسيكلوبيديا لم يرض الانصياع، ولو شكلً، للسلطة القائمة، واستمرّ نقل وجهة نظر شريحة شعبية وواسعة من الفرنسيين. أمّا دائرة المعارف، كمشروع نهضوي أصيل، فلم تغادر سقف السلطة ولم تحتمِ تحت سقف جماعي واسع، يحميها ويحمي فكرة التغيير النوعي في طرائق التفكير والتخطيط والتنفيذ ويرغب فعلً في تغيير استراتيجي كبير. ففي مقابل الاستراتيجيا الهجومية التي اعتمدتها الموسوعة الفرنسية شكلً ومضمونًا، بقيت الموسوعة العربية تتحرك ضمن استراتيجيا دفاعية محافظة.
المجلدات
صدر من دائرة المعارف أحد عشر مجلّدًا في عصر النهضة ولم تكتمل، بل بقيت عالقة عند كلمة «عثماني». ولعل الأمر يشبه علوق النهضة العربية كلها عند هذا الزمن الذي لم تتمكن من تخطّيه باتجاه الحداثة. أمّا طبيعة الأعداد التي صدرت، فكانت أدبية على نحو عام، تنقل إلى الكاتب العربي غير الملمّ باللغات الأجنبية حصيلة قراءات موجزة ومختارة، أجراها المعلّم بطرس البستاني بمفرده، ارتأى نقلها إلى لغة الضاد لأهميتها الثقافية والفكرية. لسنا نقلل بتاتًا من قيمة ما قام به هذا النهضوي الفذ الذي يصبّ في خانة الانفتاح الفكري على الثقافات العالمية، مع الإشارة إلى أن تلاقح الحضارات هو الذي أدّى إلى تطوّرها على امتداد كوكب الأرض، كما يشير الأنثروبولوجي كلود ليفي - ستروس، ماضيًا وحاضرًا. إلّ أن ما يلفتنا في هذا الصدد هو غياب الخطة المسبقة، فاختيار مصطلح المعارف يشير إلى رغبة في التوسع، لكنها لا تشير أيضًا إلى الاتجاه المنوي فيه التوسّع، الأمر الذي أعاد المشروع، إبيستمولوجيًا، إلى استنسابية صاحبه الذي راح يختار المعارف التي يراها هو ضرورية ونافعة، من دون الاعتماد على فريق عمل أو على خطة منهجية محددة يشترك فيها آخرون. في حين أننا نلاحظ في مشروع الإنسيكلوبيديا أن إنجاز العمل بالكامل تمّ خلال أقل من ربع قرن، على الرغم من العقبات السياسية الكبيرة التي اعترضته، لكن الردّ على الضغوط والقراءات الجائرة جاء دومًا جماعيًا، من جانب الإنسيكلوبيديين الذين ضمّوا جماعة المؤلفين وجمهور القرّاء على حد سواء. ميزة الموسوعة الفرنسية أنها عنت، منذ البداية، شبكة واسعة من المثقفين لكونها متمفصلة على «العلوم والفنون والمهن»، فكان جمهورها جمهورًا معنيًا بجميع هذه المجالات التي تخطّت الثقافة الأدبية الكلاسيكية الفرنسية)L’Homme de lettres(، نحو ثقافة رجال الفنون والعلم والمهن.
جاءت المجلدات الصادرة لتعبّر عن هذا الخيار الواسع والشامل والجماعي؛ إذ خُصص سبعة عشر مجلدًا للمعارف المختلفة وأحد عشر مجلدًا آخر للرسوم. وكانت هذه المجلدات الأخيرة (11 من مجموع 28) تشكّل 40 في المئة من مجمل العمل، وهو ما يشير، بشكل ملموس، إلى مدى الأهمية المخصصة للمعارف التكنولوجية التي شكّلت أكثر من ثلث المادة الموسوعية المنقولة إلى القرّاء. جاء هذا كله منسجمًا مع عنوان الإنسيكلوبيديا الدقيق والمحصور وغير المفتوح على استنسابية المساهمين في تأليفها، فمشى المشروع برمّته على هدى خطة واضحة و«عقلانية» ولم يشذّ عنها ولم يتوقف، مستمدًا قوّته من عنصره البشري المتعاضد والمتضامن، ومن دعم مجتمعه الصغير له (جمهوره) من دون تلكّؤ.
بين الحاضر والمستقبل
بشَّرت الإنسيكلوبيديا الفرنسية بعصر جديد هو نفسه العصر الذي استشرفه الإنسيكلوبيديون منذ الربع الثالث من القرن الثامن عشر (1751 - 1772) ويعمّ الغربَ اليوم، ويتميّز ب: اعتماد العمل الجماعي؛ التخصص الدقيق؛ التكامل في الاختصاصات؛ علمًا أن السمات التي استشرفها الإنسيكلوبيديون وعملوا بهديها هي نفسها التي اعتمدتها -ولمّا تزلْ- الحداثة الغربية. فاعتماد العمل الجماعي في صناعة الإنسيكلوبيديا أشار إلى توجّه جديد ونهائي في العمل البحثي، الفكري والعلمي والمهني، وهو توجّه اتخذ لاحقًا شكل العمل المؤسسي والأكاديمي وغير الأكاديمي وفي مسائل إنتاج المعرفة. وقد باتت المعرفة في الغرب (وفي بعض آسيا الذي حذا حذو الغرب) منتوجًا يشارك في صنعه فريق عمل متناسق ومتكامل، لا فرد، مهما بلغت عبقريته. كرّست الموسوعة الفرنسية عمل الإنسيكلوبيديين، لا عمل ديدرو الذي لا يعدو كونه عضوًا من أعضاء هذه الحلقة الكبرى التي أنتجت الإنسيكلوبيديا في نهاية الأمر، والعمل الجماعي هو الذي وفّر أيضًا الدفاع المشترك عندما دقّ نفير المعركة وحاول الملكيّون والمحافظون وقف مشروع التنوّر الداعي إلى نهضة الأفكار وتغيير مسارها باتجاه العقلنة. فلو كان شخص واحد، ديدرو أو سواه، يقف وحده وراء هذا المشروع، لما تمكّن من صدّ الهجوم، ولكان مصيره شبيه بمصير ابن رشد في عصره. كما أن ميزة التخصص عند كتّاب محتويات الموسوعة الفرنسية جعلت هذه الأخيرة مواد علمية، لا مقالات، أي إن صاحب كل مادة من المواد كان ملزمًا بطرح رأي سواه ورأيه على حد سواء في المادة التي كان يكتبها، فحتى عندما كان الموضوع أدبيًا، لم يكن صاحبه يعالجه على نحو انطباعي، بل كان يجهد لتقديمه على نحو علمي، أي إن الحجة كانت معيار الصحة أو الخطأ في المادة المكتوبة، والنقد والمسافة الطوعية تجاه الموضوع ككل من بديهيات الكتابة، وهذا ما تتميز به عمومًا الكتابة الموضوعية ولا تلتزم به الكتابة الأدبية إلّ في ما ندر.
أمّا التكامل في التخصصات، وهو ما بات اليوم من ثوابت البحث الأكاديمي، فشأن اعتمده الإنسيكلوبيديون، أصحاب الرؤى المتنوّرة والمنفتحة، حيث لا يصحّ التنوير من دون انفتاح وتبادل وتكامل للخبرات. ويلفتنا في هذا المضمار أن الإنسيكلوبيديا وضعت على قدم المساواة العلوم والفنون والمهن، مُدركة أن العصر المقبل ستكون للتكنولوجيا فيه حصة معرفية ومعيشية واسعة. وبذلك أعطت مفهوم الثقافة معنى حديثًا قبل الأوان.
بين الحاضر والماضي
أمّا ثوابت عمل النهضة كما عكستها تجربة دائرة المعارفالرائدة عربيًا، فلا تقودنا إلى خلاصات مماثلة، بل يمكننا إيجازها بالآتي: بقاء الثقافة الأدبية على طغيانها؛ الاعتماد على العمل الفردي والنبوغ؛ عدم الاكتراث بالاستثمار العملاني للمعارف والعلوم. وهذا يعني أن هوّة عميقة تفصل معرفيًا بين التجربتين؛ فعدم إبداء الرغبة في الانتقال من الإحساس والتعبير الأدبيين في التعامل مع مجمل المعارف والبقاء الطوعي في الموروث التفكيري، أبقى الفكر حيث كان، أي في تقليديته ومحافظته، حيث إن آليات التفكير هي التي تتحكم في مضامين الفكر، تمامًا كما أن الوسائط الإعلامية)Media(، بحسب ما بيّنه ريجيس دوبريه)R. Debray(في أطروحته عن الميديولوجيا، هي التي تتحكم في المضامين الإعلامية. لم يُدخل المعلم بطرس البستاني المعرفة غير الأدبية إلى مواد موسوعته سوى بشكل اعتراضي وتعريفي، ولم يتعامل مع العلوم والصنائع على نحو يشير إلى رغبة في نقلها إلى العقل العربي، حيث إنه لخّص المعلومات المتعلقة بهذه الحقول ونقلها كأديب لا كعالم رياضيات متخصص أو عالم فيزياء أو علوم طبيعية أو كيمياء أو هندسة، الأمر الذي سمح لغير المطّلع عليها بالتعرّف إليها بشكل أوّلي ونظري وجمالي، وليس على نحو وظيفي وعملاني. فالمثقف عنده أديب، والأديب يكتفي بالمعلومة المجرّدة أو النظرية ولا يرى أن عليه أن ينقل المعرفة إلى حيّز التطبيق، مثل الفيلسوف الأفريقي الذي يكتفي بالتعامل مع الأفكار في عالمها العُلوي. كما أن صاحب دائرة المعارف لم يرغب فعلً في الاستعانة بفِرق بحثية تساعده في تقديم مادة متخصصة ومعمّقة، مكتفيًا ببذل قصارى جهده في الترجمة والنقل. وهو لم يكن يؤمن بالعمل الجماعي، بل اقتصر إيمانه على الإيمان بنفسه ونبوغه، الأمر الذي أدّى إلى انتقال عمله، بعد وفاته، إلى امتداداته البيولوجية المباشرة، لعدم تكوينه فريقًا يعمل على متابعة المشروع؛ إذ إن المشروع الذي قاده كان مشروعًا فرديًا، مسبوكًا في وضعَة ذهنية أدبية تقليدية، منفتحة على المعرفة العالمية، لكن ليس على مندرجاتها التجريبية والعملانية، حيث إن مشروع النهضة، المسبوك في هذا القالب القديم، لم يكن بمقدوره موضوعيًا، لا على يده ولا على يد سواه من نوابغ النهضة العربية، أن يُحدث خرقًا نوعيًا مثل ذلك الذي أحدثته الموسوعة الفرنسية قبل قرن من الزمن.
ما الذي يمكن أن نقوله في النهاية؟
نقول إن ما عبّرت عنه حركة النهضة العربية، حركة المثقفين العرب الكبرى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، هو رغبة صادقة في الانفتاح على العالم الخارجي، لكن هذه الحركة لم تتمكن من تأسيس عصر جديد لأنها اعتمدت على الموروث الذهني والثقافي القديم، بخطاب جديد لكن من دون أفعال جديدة ومجددة. لذلك، نلاحظ أننا ما زلنا نراوح مكاننا، فالنهضة لم تتمكن من إحداث تغيير نوعي في مسارنا الثقافي العام الذي بقي إلى حدّ بعيد كما كان عليه. هل يعني ذلك أن التاريخ يكرّر نفسه على الدوام؟ كلا، بل يعني أن المثقّف العربي، في وضعته الذهنية العميقة، ومن حيث لا يدري، يريد لهذا التاريخ ألّ يتغير على نحو يستبدل مساره بمسار نوعي آخر. والتعبير الوحيد المقبول هو التغيير الطرَفي)Peripheral Change(الذي لا يُحدث تبديلً بنيويًا في طرائق التفكير والتخطيط والتنفيذ.