المثقَّف في السياق العربي الإسلامي سؤال الإصلاح السياسي في المغرب في بداية القرن العشرين
The Intellectual in the Arab-Islamic Context: The Question of Political Reform in Morocco at the Beginning of the 20th Centu
الملخّص
اضطلع العلماء بأدوار متعددة داخل المجتمع المغربي، واستطاعوا أن يشكّلوا فئة اجتماعية تُعَدّ من أعيان المدينة التي يقطنون فيها، إمّا بسبب المناصب والرتب الإدارية، وإمّا بوصفهم شخصيات لها تأثير كبير في تشكيل الرأي العام، تستمع إليها وتثق بها شريحة عريضة من أفراد المجتمع، وهو ما أدى إلى تعزيز دورها الاجتماعي والسياسي .
Abstract
The elite of Moroccan reformists ( ulema ) at the beginning of the 20th century produced a corpus of political texts which expressed new aspirations to reorganize power, and which tried to renew the rules of governance on the inspiration of some successful constitutional experiences in Europe, while also stressing concepts from the Islamic political tradition. The ulema played diverse roles within Moroccan society and were able to form a social "class" of notables in the cities where they lived, whether by virtue of the positions and administrative ranks they held, or as personalities with major influence in forming public opinion and trusted by a broad section of people. The challenge of political reform was raised at the end of the 19th century with the spread of awareness among the elite that the obtaining of a constitution would guarantee freedom, contribute to the protection of independence and build a state on modern foundations to combat tyranny and absolute rule. The first constitutionalist efforts started from a reformist perspective that tried to find a practical legal formula to organize the system of government and allow the representatives of the people to actually participate in managing the country's affairs by setting up constitutional institutions able to confront foreign threats to the country. Although the culture of this enlightened elite at that time (the ulema) was in essence a Sharia-religious culture, it was one that was open to other cultures. The ulema interacted positively with the reform movement in Islamic countries in the Arab East, leaving a deep imprint on their constitutionalist culture.
- المثقف
- السياق العربي
- الإسلامي
- الإصلاح السياسي
- The Intellectual
- the Arab Context
- the Islamic Context
- Political Reform.
في بداية سؤال الإصلاح السياسي في المغرب القرن العشرين
أنتجت نخبة «العلماء» الإصلاحيين المغاربة في بداية القرن العشرين كتلة من النصوص
السياسية التي تعبّر عن تطلعات جديدة نحو إعادة تنظيم السلطة انطلاقًا من حمولة معرفية
وثقافية تنهل من التراث الفكري الإسلامي، وتحاول تجديد قواعد الحكم، مستله مةً بعض
التجارب الدستورية الناجحة في أوروبا، مع الانشداد في الوقت نفسه إلى مفاهيم التراث
السياسي الإسلامي. اضطلع العلماء بأدوار متعددة داخل المجتمع المغربي، واستطاعوا أن يشكّلوا «فئة»
اجتماعية تُعَدّ من أعيان المدينة التي يقطنون فيها، إمّا بسبب المناصب والرتب الإدارية،
وإمّا بوصفهم شخصيات لها تأثير كبير في تشكيل الرأي العام، تستمع إليها وتثق بها شريحة
عريضة من أفراد المجتمع، وهو ما أدى إلى تعزيز دورها الاجتماعي والسياسي. شكلت قضية الحكم وتنظيم السلطة مجالًاهتمت به النخبة الإصلاحية، وقدمت بصدده
تصورات مختلفة؛ فقد طرحت إشكالية الإصلاح السياسي في المغرب منذ نهاية القرن
الماضي وبداية القرن العشرين، بفعل انتشار بعض بوادر الوعي في أوساط «النخبة» بأن
تتوفَّر البلاد على دستور هو الضامن للحرية من جهة، وهو من جهة أخرى الوسيلة لحماية
استقلال البلاد وبناء دولة تقوم على أسس عصرية، وتقاوم حكم الاستبداد والسلطة المطلقة.
وقد انطلقت المحاولات الدستورية الأولى من زاوية إصلاحية تحاول إيجاد صيغة قانونية
عملية تنظم وضعية الحكم، وتسمح لممثّلي السكان بالمشاركة الفعلية في تدبير شؤون
الوطن عن طريق إقامة مؤسسات دستورية، تكون قادرة على مواجهة المخاطر الأجنبية
المحدقة بالبلاد.
على الرغم من كون ثقافة النخبة المتنورة آنذاك (العلماء) في أصولها ثقافة شرعية- دينية،
فإنها كانت منفتحة على الثقافات الأخرى، الشيء الذي جعلها تتفاعل بشكل إيجابي مع حركة
الإصلاح التي عرفتها البلاد الإسلامية في المشرق وكانت لها آثار عميقة في ثقافتها الدستورية. في هذا البحث استعراض لنماذج من المثقَّفين في السياق العربي الإسلامي، وبالضبط من النخبة
المغربية، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. تحكم استخدامَ مفهوم المثقَّف لوصف النخبة الإصلاحية لبداية القرن اعتباراتٌ علمية بالدرجة
الأولى؛ ذلك أن هذه النخبة كانت تمتلك قدرًا معتبرًا من المعرفة السائدة، كما كانت تتمتع بالمسافة
النقدية اللازمة تجاه السلطة. لقد كانت هذه الفئة المتنورة «تحتكر» سلطة المعرفة الدينية وتتسلح
بأدوات تأويل النصوص الشرعية، كما أنها كانت مبادرة إلى طرح مجموعة من المبادرات الإصلاحية
في المجال السياسي، وهي مبادرات اعتُبرت جديدة في السياق المغربي. أنتجت نخبة «العلماء» المغاربة في بداية القرن العشرين كتلة من النصوص السياسية التي تعبّر عن
تطلعات جديدة نحو إعادة تنظيم السلطة انطلاقًا من حمولة معرفية وثقافية تنهل من التراث الفكري
الإسلامي، وتحاول تجديد قواعد الحكم، مستله مة بعض التجارب الدستورية الناجحة في أوروبا، مع
الانشداد في الوقت نفسه إلى مفاهيم التراث السياسي الإسلامي. اضطلع العلماء بأدوار متعددة داخل المجتمع المغربي، واستطاعوا أن يشكلوا «فئة» اجتماعية تُعَدّ من
أعيان المدينة التي يقطنون فيها، إمّا بسبب المناصب والرتب الإدارية التي يحتلونها (قاض، مفت، ناظر
وقف، مرشد، معلم في البلاط، ونحو ذلك) وإما بسبب كونهم شخصيات لها تأثير كبير في تشكيل
الرأي العام، تستمع إليها وتثق بها شريحة عريضة من أفراد المجتمع، وهو ما أدى إلى تعزيز دورهم
الاجتماعي والسياسي؛ «فمن خلال المكانة والسمعة التي يحتلها العال م بين أقرانه المشتغلين بالعلومِ
الشرعية - رغم ما يقع من تنافس بينهم- ومكانتهم عند الجمهور الذي يستقبل آراءهم وفتاواهم
ويعتقد في صوابية أفكارهم، في هذين البُعدين تكمن المنزلة الرفيعة والتقدير والاحترام الجماهيري
الذي يحظى به العلماء، والذي يكفل لهم نوعًا من الاستقلالية والسند الاجتماعي والسياسي». وقد
شكلت قضية الحكم وتنظيم السلطة مجالًاهتم به العلماء، وقدموا بصدده تصورات مختلفة. فقد طرحت إشكالية الإصلاح السياسي في المغرب منذ نهاية القرن الماضي وبداية القرن العشرين،
بفعل انتشار بعض بوادر الوعي في أوساط «النخبة»، أن تتوفَّر البلاد على دستور هو الضامن للحرية من
جهة، وهو من جهة أخرى الوسيلة لحماية استقلال البلاد وبناء دولة تقوم على أسس عصرية، وتقاوم
حكم الاستبداد والسلطة المطلقة. وقد انطلقت المحاولات الدستورية الأولى من زاوية إصلاحية
تحاول إيجاد صيغة قانونية عملية تنظم وضعية الحكم، وتسمح لممثلي السكان بالمشاركة الفعلية في
تدبير شؤون الوطن عن طريق إقامة مؤسسات دستورية، تكون قادرة على مواجهة المخاطر الأجنبية
المحدقة بالبلاد.
(((أبو بكر باقادر، «العلماء والدراسات الانتروبولوجية،» الاجتهاد، السنة 12، العددان 48-47 (صيف- خريف 2000)، ص.37
وهكذا، كانت المحاولات الأولى صادرة عن بعض العلماء الذين دفعتهم غيرتهم على إصلاح
الأوضاع الداخلية للبلاد، إلى توجيه مذكرات ومشاريع دساتير إلى السلطان، قصد تنبيهه إلى خطورة
الأوضاع ومدى انعكاسها على استقلال وسيادة البلاد، والدعوة إلى التعجيل بالإصلاح في ضوء
الأفكار التي كانوا يقترحونها. وعلى الرغم من كون ثقافة النخبة المتنورة آنذاك (العلماء) في أصولها ثقافة شرعية - دينية، فإنها كانت
متفتحة على الثقافات الأخرى، الشيء الذي جعلها تتفاعل بشكل إيجابي مع حركة الإصلاح التي
عرفتها البلاد الإسلامية في المشرق والتي كانت لها آثار عميقة في ثقافتها الدستورية. في هذا البحث محاولة لتتبّع دور المثقَّف/ العالم في بلورة مشاريع الإصلاح السياسي والدستوري،
وللوقوف عند محددات الوعي الدستوري الحديث عند العلماء، من خلال الوقوف على العوامل
الخارجية والداخلية التي ساهمت في تشكيل الفكر السياسي وتوجيهه لدى النخبة آنذاك. كما أنه يستعرض أهم المبادرات السياسية والدستورية التي أنجزها العلماء قبل مرحلة الحماية.
محدّدات الوعي الدستوري الحديث عند العلماء
لم ينبعث الوعي الدستوري عند العلماء المغاربة من فراغ، وإنما ساهمت في بلورته مجموعة من
العوامل الخارجية والداخلية؛ فقد شهدت بداية القرن حركة دستورية مهمة في البلدان العربية وفي
تركيا. وبدأت الأصداء العامة لحركة النهضة الحديثة في المشرق الإسلامي تصل إلى المغرب عن
طريق الصحافة والكتب المشرقية، وعن طريق بعض الجرائد التونسية، وبواسطة الرحلات التي قام بها
كثير من المغاربة إلى أوروبا، سواء كعلماء مستقلين أو كمبعوثين رسميين من قِبل السلاطين المغاربة. كما عملت الظروف السياسية العامة التي كان يعيشها المغرب في تلك الفترة على بلورة هذا الوعي
الدستوري والتحسيس بأهميته؛ فبعد الهزيمة التي مني بها المغرب أمام فرنسا في معركة إيسلي
(1844)، وبعد انتكاسة تطوان (1860)، بدأ التفكير في أسباب الهزيمة، وانتهى بعض العلماء إلى
ضرورة تحديث نظم الدولة على المستويات كافة. وهكذا تضافرت العوامل الخارجية والعوامل الداخلية لتشكّل محددات الوعي الدستوري عند علماء
المغرب في بداية القرن.
العوامل الخارجية
شكّلت العوامل الخارجية أحد أهم المصادر التي تفاعلت معها المرحلة الدستورية لبداية القرن.
ويمكن التمييز داخل هذه العوامل بين مصادر التأثير العربي والإسلامي ممثَّلة في النضج الدستوري
الذي عبّرت عنه وثيقة «عهد الأمان» في تونس، وتنظيمات 1839 وما بعدها على عهد العثمانيين،
بالإضافة إلى الوعي السياسي والدستوري الذي عبّر عنه رواد الإصلاح في البلاد العربية، خاصة
في مصر. أمّا مصادر التأثير الأوروبي، فكان للرحلات المتواصلة التي قام بها المغاربة إلى البلدان
الأوروبية (فرنسا، إنكلترا، إسبانيا …) دور كبير في ترسيخ أهمية الوعي بالمسألة الدستورية، وقد
سهلت الصحافة المكتوبة وظهور المطبعة عملية التلاقح مع الأفكار الواردة من المشرق العربي ومن
مختلف البلدان.
- الفرع الأول: التأثير العربي-الإسلامي
يرى بعض دارسي جذور الحركة الدستورية في المنطقة العربية الإسلامية أن بداية الوعي بالمسألة
الدستورية كانت في 5 تشرين الأول/أكتوبر 1798، وهو التاريخ الذي استدعى فيه بونابرت،
قائد الحملة الفرنسية على مصر، الديوان العام في القاهرة، حيث كان يجتمع أعيان مصر لدى
العلماء والضباط الفرنسيين، «وكان الخطاب الافتتاحي يشتمل على ميثاق حقيقي يُعَدّ أول دستور
لمصر الجديدة». كما شهدت اسطنبول في السنوات الأولى من حكم السلطان سليم الثالث (1807-1789) مجلسًا
استشاريًا يضم أغلبية مكونة من شخصيات حكومية وعسكرية قديمة. غير أن أول دستور «فعلي» في
التاريخ العربي والإسلامي هو الذي عرفته تونس حين أعلن الباي محمد عهد الأمان في 9 أيلول/
سبتمبر 1857 (1274 ه).
• عهد الأمان (تونس)
جاءت مبادئ العهد الأحد عشر لتكفل الحرية الدينية لغير المسلمين (المبدأ الرابع)، والمساواة أمام
القانون (المبدأ الثامن)، والمساواة في الضرائب (المبدأ الثالث)، ومنع كل احتكار تجاري (المبدأ
التاسع)، وحق غير المسلمين في شراء العقارات (البند العاشر). إلى جانب محكمة الشرع العليا،
أنشئت محكمة للمسائل الجنائية (المبدأ السادس)، ومحكمة تجارية بمشاركة أجنبية (المبدأ السابع.) تُلي هذا العهد في أثناء احتفال مهيب بحضور القناصل وكبار الموظفين، وأقسم الباي يمين الإخلاص
على تطبيقه. واتُّخذت إجراءات عملية عدة لتطبيق هذا العهد، فأ نشئ مجلس بلدي من أعيان
المدينة، وشُرع في تطبيق قانون مكتوب في المحكمة الجنائية، وأقيم مجلس كبير يضم ستين عضوًا،
كان عشرون منهم من أصحاب الرتب العالية في الدولة، وهو مجلس كانت له وظيفة استشارية في
القضايا السياسية والضريبية التي تهم الدولة.
(((جاك كاني، «المراحل الأساسية للحركة الدستورية في البحر الأبيض المتوسط، وخصوصًا المناطق العربية الإسلامية الخاضعة
للحكم العثماني (القرن 19-18)،» مجلةالبحث العلمي، العدد 27، ٧٧٩١، ص:.277
(((قام عالم تونس محمد باي بتدبيج هذا العهد على غرار ما جاء في «خط همايون» و«قرار كالخانة»، وذلك لإزالة الشكاوىِ
المشروعة التي تقدم بها الأجانب، ولاجتذاب أصحاب الأفكار الجديدة التي دخلت البلاد عبر قنوات مختلفة، ولتثبيت جذور الولاء
للحكم لدى جميع فئات الشعب. يقول هذا العهد في افتتاحيته: «الحمد لله … الذي جعل العدل لحفظ النظام في العالم كفيلً، ونزل
الأحكام على قدر المصالح تنزيلً». وهكذا تتبوأ المصلحة العامة، وهو مفهوم أغرى الإغريق بوصف محاسنه، عرش المبدأ المضمن
في تفسير الشرع، وهذا مبدأ درجت عليه السنّة الإسلامية. انظر: ملحم قربان، منقضايا الفكر السياسي، ص 186، وألبرت حوراني،
الفكر العربي في عصر النهضة، 1939-1798، ص.107
(((عبد الله العروي، مجمل تاريخ المغرب: محاولة في التركيب، ترجمة ذوقان قرقوط، ص.308
صيغت قواعد سير هذا المجلس المختلفة والضمانات الممنوحة لأعضائه في نص كان يشكّل نوعًا
من ميثاق كان نابليون الثالث أول من حصل عليه في الجزائر في أيلول/سبتمبر 1860، وذلك خلال
زيارة الباي له قام بها بإلحاح من قنصل فرنسا في تونس. وصدر هذا الميثاق أو (قانون الدولة) في
كانون الثاني/يناير 1861، ونُفِّذ في 2 نيسان/أبريل من السنة نفسها، واستمر تطبيقه ثلاث سنوات. وفي
الفترة ذاتها (1858 - 1863)، صدرت مراسيم تنظيمية كانت تعمّم حق التملك العقاري على الأراضي
التونسية، وحق تعاطي جميع أنواع التجارة … «وتبقى الميزة الأساسية لهذا الدستور المؤلف من 13
بابًا و 14 فصلً، هي تحويل نظام البايات المطلق إلى ‹مملكة دستورية›، وذلك بتأسيس مجلس برلماني
(المجلس الكبير) وحصر السلطة التنفيذية في أيدي الباي ووزارته والتنصيص على استقلال القضاء». يذهب جاك كاني إلى أن هذا الدستور كان «يقيم نظامًا مستلهمًا من الغرب يجعل فوق الباي نفسه
مجلسًا خولت له سلطات مطلقة، ولم يعد الباي سوى عاهل دستوري يجلس على العرش دون
أن يحكم». أمّا الميزة الثانية للدستور الأول في تونس، فهي تقنين التحولات الاجتماعية المراد تركيزها في
المجتمع التونسي، لأن الدستور الذي فصّل قوانين عهد الأمان أنشأ علاقات جديدة بين الحكام
والمحكومين، والمواطنين الأجانب والتجار في السوق... (الفصول 104-86)، وأجاز التسرب
الأجنبي (الفصول.)114-105 وبحسب الباحثة التونسية مازري بديرة، فإن «هذا الدستور وضع البلاد على خطوط سكة الأوربة
والتغريب والازدواجية اللغوية والثقافية والإدماج في السوق الغربية، أي باختصار، على سكة التبعية،
دون الظفر - رغم المحاولات المتكررة - بالخروج من هاته السكة إلى يومنا هذا». وفي سنة 1907،
تكونت مجموعة من الشباب التونسي رسميًا وطالبت بالشروع في تطبيق دستور.1861 وإذا كانت خصائص الحركة الدستورية الأولى في تونس على هذا النحو، فمن الثابت اليوم -كما
يقول عبد الله العروي- أنه كانت هناك حركة ذات نزعة دستورية في طنجة وفي فاس... خصوصًا في
الأوساط التجارية التي كانت لها علاقة ثابتة بإنكلترا، وفي وسط الصحافة حيث كانت تكثر العناصر
السورية - اللبنانية، إضافة إلى التأثيرين العثماني والمصري، وما راكمته الرحلات المغربية إلى
الأقطار الأوروبية من أفكار سياسية كانت باعثة على المطالبة بإدخال إصلاحات سياسية ودستورية
على نظام الحكم المتبع في المغرب.
• التأثير العثماني
إذا كانت تنظيمات سنة 1839 (أول ميثاق تركي) وتنظيمات سنة 1856 اكتفت بإعلان الحق في
الحرية الشخصية والمساواة أمام القانون من دون تمييز عرقي أو ديني، ومن دون الإشارة إلى أي
(((مازري بديرة، «عهد الأمان ودور العلماء والمتأوربين في وضع أول دستور تونسي،» النخبة والسلطة في العالم العربي خلال
العصر الحديث والمعاصر، أشغال مؤتمر التاريخ الذي نُظّم في تونس من 4 إلى 9 كانون الأول/ديسمبر 1989 (تونس: مركز
الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية،.)1992
(((كاني، ص.278
(((بديرة، ص.170
نظام تمثيلي، فإن مرحلة دستورية جديدة بدأت مع ظهور جمعية سرية في اسطنبول في تموز/يوليو
1865 تحت اسم الشباب العثماني، وكان من أعضائها بعض الشباب التواقين إلى الإصلاحات، أمل في إنقاذ «الأمة العثمانية» وحمايتها من التدخلات الأجنبية، فطالبوا بإحداث نظام دستوري وبرلماني ينفرد فيه بالسلطة التشريعية مجلس استشاري منتخب. وكان هؤلاء يستلهمون منظورهم للقضية الدستورية من النموذج البرلماني البريطاني، وكانت أيديولوجيتهم مستمدة من الأفكار الليبرالية لفلسفة الأنوار المستمدة من الثورة الفرنسية، بينما كان تنظيمهم ووسائل حركتهم مقتبسين من نمط المجتمعات الوطنية الإيطالية والبولونية. كما أنهم كانوا يتلقون مساندة فعالة من الأمير المصري مصطفى فاضل باشا (أخي الخديوي إسماعيل باشا) الذي قام في 24 آذار/مارس 1867 وهو في المنفى بنشر رسالة مفتوحة في جريدة الحرية تُعتبر إعلانًا حقيقيًا يطالب فيه منه بأن يتعهد بتزويد
إمبراطوريته بدستور. في سنة 1876، إبان عهد مدحت باشا الذي اعتنق أفكار الشباب الإصلاحي، صدر أول دستور عثماني، غير أن تطبيق الدستور بقي خاضعًا لإرادة السلطان الذي ظل مترددًا سنتين، حتى شباط/فبراير 1878،
فأُجّل انعقاد البرلمان، وأُوقف العمل بالدستور حتى 20 آب/أغسطس 1908 سست جمعية، بعدما أ
«تركيا الفتاة» وبرزت «لجنة الاتحاد والتقدم» في إثر «الجمعية التركية للحرية». وعمومًا، شهدت
بداية القرن حركة دستورية مهمة في البلاد العربية أو عند العثمانيين، وأ نشئ مجلس الدوما (المجلس النيابي) في روسيا في تشرين الأول/أكتوبر 1906، وضُمّ إلى أعضائه 35 منتدبًا مسلمًا. وفي الفترة
نفسها، بدأت في فارس الحركة التي انتهت إلى إقامة برلمان في طهران.
• تأثير رواد الحركة الإصلاحية العربية (في مصر)
أمّا في مصر، فكان ثمة دور لكتاب رفاعة الطهطاوي (1873-1801) تخليص الإبريز في تلخيص
باريز، الذي كُتب بعد زيارة مؤلفه الطويلة إلى العاصمة الفرنسية، ونُشر بالعربية في بولاق سنة 1834، وتُرجم إلى التركية سنة 1839. وقد أكد الطهطاوي فيه محاسن الحرية وأهمية العمل البرلماني في فرنسا. جاءت جهود كلٍّ من الطهطاوي في مصر وخير الدين التونسي في تونس، مواكبة على المستوى السياسي الواقعي لجهود دولة محمد علي وبعض بايات تونس الذين اشتغل معهم خير الدين. وقد ارتبطت بلزوم استيعاب «التنظيمات» داخل المجتمعات الإسلامية باعتبارها وسيلة من وسائل امتلاك التمدن وتنظيماته (مؤسساته الحديثة).
Marcel Colombe, «Islam et nationalisme arabe à la veille de la première guerre mondiale,» للمزيد من التفاصيل انظر: (((Revue Historique, vol. 223, no. 1 (1960), pp. 86-88.
(((انظر رسالة من أمير مصري في القرن التاسع عشر للسلطان العثماني، في: كاني، «المراحل الأساسية للحركة الدستورية.»
((1(كمال عبد اللطيف، «علمانية فرح أنطون: نحو إعادة بناء المجال السياسي في الفكر العربي،» منبر الحوار، العدد 38
(ربيع 1999)، ص.115
وفي 21 تشرين الثاني/نوفمبر 1907، أعلن مصطفى كامل (مؤسس الحزب الوطني المصري الذي كان شعاره «المصريون لمصر، ومصر للمصريين») رفضه الاحتلال البريطاني، وطالب بانتخاب حكومة وطنية دستورية. كما كان من العوامل التي أثّرت في بعث حركية دستورية في العالم العربي، وجود نخبة من الشباب
العربي في فرنسا عملت على تأسيس لجنة عربية في باريس، كان على رأسها أشخاص جلّهم سوريون في المنفى. وقد وجهت هذه اللجنة إعلانًا إلى القوى العالمية نُشر سنة 1906 صرحت فيه بأن «الإمبراطورية العربية الجديدة، المزمع تكوينها من اتحاد الأقاليم العربية الخاضعة لسلطة الباب (أي العثمانيين)، سيتم تسييرها من طرف سلطان عربي في إطار نظام ملكي دستوري ليبرالي». كما تكوّنت بين سنتي 1909 و 1914 جمعيات عربية عدة ذات تطلعات وطنية، في موازاة
مطالبها الدستورية. وعلى وجه العموم، شهدت بداية القرن حركة دستورية مهمة لا في البلاد العربية أو عند العثمانيين فحسب، بل في روسيا أيضًا، حيث نشير هنا إلى تشرين الأول/أكتوبر 1906، تاريخ إنشاء مجلس الدوما (المجلس النيابي) الذي كان يضم ضمن أعضائه خمسة وثلاثين منتدبًا مسلمًا، وبدء
حركة في فارس انتهت إلى إقامة برلمان في طهران، و«في السنة الموالية تم إنشاء أول حزب دستوري في أفغانستان». ساهم ظهور المطبعة في تنامي الوعي بالمسألة الدستورية عبر التلاقح الفكري بين المغرب والمشرق، خصوصًا بعد ظهور الصحافة. وقد كانت الجرائد الأولى الصادرة بالعربية هي: المغرب
في طنجة سنة 1889؛ المغرب الأقصىسنة 1890؛ السعادة سنة 1904؛ الصباحسنة 1906؛ لسان المغربسنة.1907 وهكذا، بدأت الملامح العامة لحركة النهضة الحديثة في الشرق الإسلامي تصل بانتظام إلى المغرب مع أوائل القرن العشرين، وذلك عن طريق الصحافة والكتب المشرقية، وعن طريق بعض الجرائد
التونسية، وعلى ألسنة الرحالين من الحجاج والتجار، فضلً عن الصحافة المحلية التي راح صدورها يأخذ طابعًا منتظمًا في مدينة طنجة.
((1(كاني، ص.281
((1(كانت الدوما الثانية تضم أكثر من أربعين نائبًا مسلمًا.
Muslim Writers, 1860- M. D. Samara, «Pan-Islamism Arab Nationalism (a Study of the Ideas of Syrian انظر: ((1(1918),» Faculty of Arts journal (Amman), vol. 3, no. 2 (1972), pp. 17-18.
نقلً عن: كاني، ص.282
(14) Mohamed Madani, «Le Mouvement national et la question constitutionnelle au Maroc, 1930-1962,» (Diplôme d'études supérieures: Droit public, Faculté des sciences juridiques, économiques et sociales, Rabat, 1981), p. 12.
((1(محمد المنوني، «الطابع الإسلامي للوطنية المغربية في مطالع القرن العشرين،» حوليات كلية الآداب والعلوم الإنسانية (الدار
البيضاء)، العدد 2 (1985)، ص.48-47
كانت مجلة المنار المجلات التي لقيت إقبالً في أوساط النخبة المغربية في تلك الفترة من أهم.
وفي هذا الصدد نذكر ما كتبه الشيخ رشيد رضا، للدلالة على مدى تفاعل المغاربة مع المطالب
الإصلاحية في المشرق، إذ روى: «كان بعض وزراء السلطان العزيز كتبوا إلى صاحب المنار، يرغبون
أن يختار لهم رجلً مصلحًا، يجمع بين العلوم الشرعية ومعرفة السياسة والإدارة، حتى يستعينوا به على
إقناع السلطان بإصلاح البلاد وفق المناهج التي تدعوهم إليها مجلة ‹المنار›، وقد اطّلع الأستاذ محمد
عبده على العرض المغربي، فجنح الشيخ الإمام للذهاب إلى المغرب بنفسه، ولكنه أيقن أن التدخلات
الأجنبية تحول دون ذهابه وإقامته هناك، سيما وجماعة السلطان يطلبون أن يكون الأمر سرًّا، وهنا اختار
صاحب ‹المنار› أن يكلف بهذه المهمة السيد عبد الحميد الزهراوي فلم يتيسر إرساله». إن العمل على إقحام المغرب الأقصى ضمن حركة الإصلاح ظهر أيضًا من خلال التفاعل الثقافي
والإعلامي الذي جمع المشرق بالمغرب، وعبر المراسلات التي ربطت أطرهما الفكرية والثقافية
(من ذلك رسالة محمد عبده إلى القاضي مولاي إدريس بن مولاي عبد الهادي، طلب فيها من قاضي
القرويين أن يبعث إليه بالنسخة الخطية لمدونة الإمام مالك لطبعها في مصر، ورسالة العلامة المهدي
الوزاني إلى محمد عبده بشأن موضوع الضجة التي أثارتها الفتوى التي أجاز بمقتضاها محمد عبده
طعام أهل الكتاب وذبائحهم)؛ فالمغرب ظل حاضرًا بأحاسيس المشرق ووعي مفكريه (فقد كتب
رشيد رضا في المنار عن القضية المغربية غداة مؤتمر الجزيرة الخضراء: «وإذا أرجعت المسببات إلى
أسبابها تبين لك أن الذي حال بين أهل مراكش وبين الانتفاع بما ذكرنا وذكرهم به غيرنا هو الجمود
على التقاليد، والاتكال على أصحاب القبور، فهاتان العلتان هما المانعتان من فهم الحق، ومن كل
تغيير يدعى إليه المقلد للآباء المفوض أمورهم إلى من اتخذهم أولياء.» هكذا إذن نلاحظ طبيعة التأثير الذي خلّفته الحركة الإصلاحية، كما تبلورت في المشرق، لدى النخب
المغربية السياسية والفكرية، ونقف على عمق التفاعل الذي طرح المغرب العربي بمقتضاه قضية
((1(يذكر رشيد رضا أنه كان يرسل -من أول نشأته- إلى وزير خارجية المغرب الأقصى وغيره من أكابر البلاد مجلة المنار. انظر:
المنار، السنة 6، العدد 14 (تشرين الأول/ أكتوبر 1903) ص 609، مذكور كذلك في: المنوني، «الطابع الإسلامي،» ص.56
((1(محمد رشيد رضا، تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده: وفيه تفصيل سيرته وخلاصة سيرة موقف الشرق وحكيم الإسلام
السيد جمال الدين الأفغاني، ج 1، ص.870
على الرغم من عدم زيارة محمد عبده للمغرب (ولو أن أنور الجندي يذهب إلى أن محمد عبده زار المغرب الأقصى، انظر: أنور
الجندي، الفكر والثقافة المعاصرة في شمال إفريقيا (القاهرة: الدار القومية، 195530)، ص، فإن مكانة الدعوة تجاوزت حدود
الأصداء إلى التأثير والفعل في مضمار إخصاب مفهوم الإصلاح وتطوير حركته، بل فتحت له آفاقًا ضمن دينامية النشاط الوطني؛
فمن منطلق إيمانه بضرورة «تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدِّين على طريق سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في
كسب معارفه إلى الينابيع، واعتباره من ضمن موازين العقل البشري التي وصفها الله لترد من شططه.. وإصلاح اللغة العربية»،
سيحصل التواصل بين محمد عبده والنخبة المغربية، سياسية أكانت أم فكرية، لنقرأ مقتطفات من الرسالة التي بعث بها محمد عبده
إلى السلطان عبد العزيز يدعوه فيها إلى الإصلاح الديني والتعليمي، فيقول: «وصل إلى أسماعنا ونحن في ديارنا، أنباء ما وجه إليه
همه، وشحذ لبلوغه عزمه، من النهوض ببلاده إلى الإصلاح، والسير بها في منهج الفوز والفلاح، وتلونا ما نشر من أوامره الكريمة،
ووعينا ما تضمنه من القواعد القويمة، فتجددت في سلامة تلك البلاد آمالنا، واشتغلت بأحاديثها أفكارنا وأقوالنا، ولما كان الإصلاح
الذي يقصده المولى، إنما يتم برعاية الدين والرجوع إليه في كتابه المبين، وسنّة صاحبه الأمين، ثم النظر في أقوال وأعمال السلف
الصالحين، لتعرض على ذلك كله أعمال الحلف المحدثين، تعلقت الآمال بأن يكون لمولانا لفتة إلى العلوم الدينية، وإحياء ما مات
منها ونشر ما طوي من كتبها، لتتأدب النفوس بأدبها وتحيى القلوب إذا اتصلت أسبابها بسببها.»..
انظر امحمد مالكي، الحركات الوطنية والاستعمار في المغرب العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، سلسلة اطر، حات
الدكتوراه ٢٠)، ص ٢٣٣ وما بعدها.
الإصلاح الديني والسياسي كبديل لصون الهوية واستنهاض وعي مكوناتها في أفق مقاومة الاستعمار الذي وجد في الإجهاز على كل ما هو رمزي مدخله السياسي والأيديولوجي لتأكيد ذاته وترسيخ أسسه في التوسع والاحتلال. أمّا الجرائد الشرقية التي كانت تصل إلى المغرب، فمنها الأهراموالوطن البيروتية واللواء والمؤيد.
ومن صحف تونس: الرائد والصوابوالحاضر وإظهار الحق، ومن صحف الجزائر: كوكب إفريقيا. وتجدر الإشارة إلى أن جسور التواصل بين الفكر السياسي المغربي والأفكار الدستورية التي بدأ العالم يعرفها، كانت تتم على مستويات عدة، من بينها: النخبة الواعية التي درست في أوروبا وتبوأ بعضها مناصب سامية في الدولة، وكان منها: الزبير سكيرج وأحمد الجبلي والظاهر بن الحاج الاودي والطيب المصطفى بن عبد السلام الزاودي الطنجي، وأسماء أخرى متعددة. كما تأثر بعض المغاربة الذين أقاموا طويلً في الشرق العربي، ثم عادوا في تلك الفترة إلى وطنهم، من بينهم محمد بن مصطفى بن محمد بن سعد التلمساني، ثم التازي، والحاج علي زنيبر السلوي (الذي تقدم بمشروع تنظيمي مهم لإصلاح السلطة) وعبد الله القباج الفاسي ومحمد بن إدريس بوعشرين المكناسي. ويذكر محمد بن الحسن الحجوي أن الحاج محمد القباج الفاسي، أحد التجار المغاربة الذين ساحوا في الشرق قبل عودتهم إلى فاس، هو من تلامذة جمال الدين الأفغاني، وكان يحضر دروسه الليلية
التي يلقيها على محمد عبده وأقرانه، وهناك كان رفيقًا للشيخ الإمام ومحمد المويلحي وسعد زغلول وعبد الله نديم... كان لمثل هذه الروافد دور كبير في التوعية السياسية، ومن النماذج الحية والواضحة على ذلك يُذكر
القائد عبد الله بن سعيد السلوي، العضو في دار النيابة في طنجة. وكان من المبادرات التي أقدم عليها رسالة صارخة بعث بها من طنجة إلى فاس وأخبر فيها ببعثة طاياندي التي خرجت من طنجة قاصدة فاس، ثم استعرض مطالب السفير الفرنسي وحللها، وانتهى إلى أن الغاية منها هو التدرج في الاستيلاء
السلمي على المغرب. وهنا ألحت الرسالة على ضرورة تصلّب ولي الأمر أمام هذه المقترحات، وأشارت بعرضها على العلماء والأكابر ليقولوا فيها رأيهم... كان الوطنيون المغاربة آنذاك على صلة برواد الجامعة الإسلامية أو حزب الاتحاد والترقي، وكانت لهم
علاقات وطيدة ببعض الرموز الفكرية الشهيرة في العالم العربي الإسلامي، ومن بينهم العال م التونسيِ محمد خير الدين، مبعوث جمعية الاتحاد والترقي، حيث أقام بمدينة مراكش وكان له اتصال بالشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني.
((1(المنوني، «الطابع الإسلامي،» ص.48
((1(المصدر نفسه.
((2(المصدر نفسه، ص.44
كما نشير إلى العالم السوري عبد الكريم بن السيد عمر بن مصطفى بن الشيخ مراد الشامي الطرابلسيِ، ثم المدني الحنفي، مبعوث الشرق إلى المغرب، وكان قد ورد على فاس سنة 1906 ونزل في الزاوية
الكتانية. وقد اشتهر عبد الكريم مراد بتدوينه مشروعًا دستوريًا - إصلاحيًا مطولً، قدمه إلى السلطان
عبد العزيز بعد مؤتمر الجزيرة، واقترح فيه لحفظ استقلال المغرب تأسيس مجلس نيابي، ووضع دستور مغربي. كما عرفت مدينة طنجة نزول عدد من اللبنانيين الذين ساهموا في تكوين الكثير من الكتّاب المغاربة، ومن بينهم: وديع كرم، محرر جريدة ومجلة الصباحثم جريدة السعادة، وأخوه ميشال كرم، صاحب مكتبة تجارية في طنجة، وفرج الله نمور، مدير جريدة لسان المغرب، وأرتور نمور رئيس تحريرها، والشيخ نعمة الله الدحداح الذي صار - من بعد - محرر جريدة الفجر.
- الفرع الثاني: التأثير الأوروبي
شكلت الرحلات المغربية إلى أوروبا فرصة للنخبة الوطنية ممثّلة في المبعوثين الرسميين للسلاطين المغاربة، للاطلاع على التجارب السياسية لهذه الدول، وللتطور الدستوري الذي حققه، ولطرق تدبير العلاقة بين الحاكمين والمحكومين. وهكذا نجد أن أحمد بن محمد الكردودي، صاحب التحفة الحسنية للحضرة السنية الإسبنيولية التي وصف فيها النظم العسكرية والاقتصادية والسياسية الإسبانية في عهد الملك الفونسو الثاني عشر (الذي توفي حين حل الكردودي في مدريد)، وجد فرصة للاطلاع على النظام الدستوري للمملكة الإسبانية،
وعلى رأسه مؤسسة ولاية العهد التي لا يترك وجودها مجالً للفتن بين الناس بعد موت الملك. ولمّا
لم يكن المغرب يتوفّر على مؤسسة دستورية مماثلة، فإنه كان عرضة للفتن بعد وفاة كل سلطان، وهذا ما جعل الكردودي يعقد مقارنة بين البلدين في هذا المجال، مستحسنًا النموذج الإسباني. كما ألّف الحسن الغسال كتابالرحلة إلى إنجلترا يروي خلاله وقائع زيارته إلى لندن في بعثة أوفدها السلطان عبد العزيز سنة 1902 لتهنئة الملك إدوارد السابع بعد تتويجه ملكًا. وقد وصف الغسال القوة التي تتمتع بها هذه الإمبراطورية الاستعمارية اقتصاديًا وتكنولوجيًا (الطاقة البخارية)، ولم يخف انبهاره
بالنظم الديمقراطية الدستورية التي ترتكز عليها الملكية البريطانية. وقد توقف الغسال بإعجاب كبير عند البرلمان الإنكليزي وهو يؤدي وظائفه التشريعية، ونجد أول مرة كاتبًا مخزنيًا يذكر وجود «أحزاب
حكومية ومعارضة»، مبينًا الأدوار والوظائف التي تؤديها هذه الأحزاب داخل ما يسمّيه دار مجمع نواب
الأمة وخارجها. وليس غريبًا أن نجد اسم الحسن الغسال ضمن قائمة ممثّلي الأمة المغربية في مجلس
الأعيان الذي أسسه السلطان عبد العزيز.
((2(حققها عبد الوهاب بنمنصور ونُشرت ضمن مطبوعات القصر الملكي.
((2(كانت مخطوطة في الخزانة العامة قبل أن ينشرها عبد الهادي التازي في مجلةالمناهل.
((2(عبد السلام الحيمر، ملحق بيبليوغرافي، في: بصمات، العدد 5 (1990)، ص.159
نذكر أيضًا الوزير عبد الله الفاسي الفهري الذي ألّف الغصون الكاسية بأزهار وصف الديار الباريسية،
أو حيفة التعريس في وصف ضخامة باريسالذي يحكي فيه عن رحلته إلى باريس سنة 1909
في عهد السلطان عبد الحفيظ. ويذكر الكاتب أنه أقام في باريس مدة سبعة عشر شهرًا جعلته يقتنع
بأن هذه المدينة هي المصدر الذي تفجرت منه ينابيع العلوم والمعارف العصرية بسائر الأصقاع … ويشيد الفاسي بعلماء المدينة وفنانيها وفلاسفتها، أمثال ديكارت وروسو وفولتير وديدرو ومنتسكيو وباسكال... ويصف، كسابقيه، مجلس الشيوخ والبرلمان والأحزاب السياسية، ويذكر دور الصحافة في بلورة رأي عام قوي وفي تعبئة المجتمع المدني الفرنسي … غير أن الإحالة إلى وصف بعض مظاهر المد الديمقراطي (..) الذي تخلل أدب رحلات المغاربة إلى أوروبا، لا تعني أن أصول المد الدستوري الذي عرفه المغرب في العقد الأول من القرن العشرين تكمن
في مثل هذه التصورات، التي يبدو أنها ارتسمت لدى النخبة المثقَّفة المغربية عن الحركة الدستورية الغربية، لأن التسليم بحقيقة التفاعل مع الأوروبيين لا يعني بتاتًا أن المشاريع الإصلاحية في المجال
السياسي التي طرحت في المغرب خلال هذه الحقبة، جاءت مسايرة للتطور الغربي في هذا الصدد، بحيث «إن أثر الحركة الدستورية الغربية لم يتعد في هذه المشاريع مستوى الشكل دون أن يتجاوزه إلى الجوهر، فالتجديد هنا تجديد شكلي، لجوهر الضوابط الإسلامية الخاصة بمشروعية السلطة».
العوامل الداخلية
شكّلت الهزائم المتتالية أمام الجيوش الأوروبية بعد أواسط القرن التاسع عشر أهم الأحداث السياسية التي سمحت للعلماء بإعادة طرح السؤال المحوري في حركة النهضة العربية بالمشرق، وهو: لماذا
تخلّف المسلمون وتقدم غيرهم؟ وقد ساهمت الظروف السياسية الممهدة للتدخل الاستعماري في بلورة العلماء لإجابات مختلفة عن أسباب الهزيمة، وهو ما سمح بإنتاج فكر سياسي أعاد سؤال العلاقة بين العلماء والسلطة.
- الفرع الأول: الظروف السياسية
بعد الفشل الذي مُني به المغرب أمام فرنسا في معركة إيسلي 1844، تعرض مرة أخرى لانتكاسة في
حرب تطوان سنة 1860 مع الإسبان، وهو ما دفع السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن (-1859
1873) إلى طرح سؤال التحديث على العلماء المغاربة، وحثّهم على «التدبر والتفكير في أسباب الهزيمة وظروفها. وقد تنبه المغاربة إلى أن الأنظمة العتيقة في الجيش وفي الدولة لم تعد مجدية إزاء التقدم الأوروبي الحديث، وتكوّن في نفوس القادة شعورهم بالحاجة للتجديد وانتحال وسائل
التقدم والنهوض»، فألّف العلّ مة محمد بن عبد القادر الكردودي كشف الغمة في بيان أن حرب
((2(أعاد نشر هذه الرحلة سعيد علوش في مجلة (اتحاد كتاب المغرب آفاق.)
((2(عبد اللطيف حسني، الأصول الفكرية لنشأة الوطنية المغربية: دراسة في تطور الأفكار السياسية، -1800 1912، تقديم عبد الله
إبراهيم (الدار البيضاء: إفريقيا الشرق، 1991)، ص.87-86
((2(علال الفاسي، الحركات الاستقلالية في المغرب العربي (تطوان: دار الطباعة المغربية، [د. ت.])، ص.86
النظام واجب على هذه الأمة، وهي دعوة قوية لتجديد التنظيم العسكري بمقتضى القواعد الحديثة،
واهتم غيره بضرورة إصلاح الأوضاع الاقتصادية للتحرر من الموارد الأجنبية. وألّف القاضي محمد
الفلاق السفياني كتاب تاج الملك المبتكر ومداده من خراج وعسكر بعد حرب تطوان بحوالى
سنتين، حاول أن طرح فيه نظرته بشأن إشكالية تحديث القطاع العسكري الذي ربطه بتحديث نظام
الدولة. وعلى خلاف معاصريه، تجاوز الحجج الفقهية، واعتبر أن الاستعداد (القوة) ينبني على أصول
تقنية علمية منطقية مشتركة. وكتب الغالي بن محمد اللجائي مقمع الكفرة بالسنان والحسام في
بيان إيجاب الاستعداد وحرب النظامدافع من خلاله بكل الحجج الفقهية الممكنة عن جواز اقتباس
التقنيات الحديثة من أوروبا. لم يفوّت هؤلاء العلماء فرصة استفتاء السلطان لهم، ليعبّروا عن آرائهم تجاه نظام الحكم القائم.
وهكذا احتلت مشكلة «الخلافة» (بما تعنيه من نظام الحكم النموذجي في التصور الإسلامي) حيّزًا
مهمًّا في الكتابات المغربية خلال هذه المرحلة، والتي اعتبرتها المصدر الأساسي الوحيد لحل الأزمة:
فاللجائي في مقمع الكفرة... والفلاق في تاج المبتكر... والسملالي في عناية الاستعانة... يرددونها
في كل فصل من فصول كتبهم. كما أن المؤرخ اكنسوس محمد افتتح مقدمة كتابه (الجيش العرمرم)...
بالحديث عن الخلافة وأهميتها، وخصص العربي المشرفي خاتمة كتابه (طرس الأخبار) للحديث عن
أهمية الخلافة ودورها في حل الأزمة ومواجهة الغزو الاستعماري. عمومًا، لا يخلو كتاب أو بحث أو رسالة صغيرة، مهما كان حجمها، من الكلام على الخلافة في هذه
المرحلة، وهو ما يؤكد أن الحل السياسي هو الحل الأساسي للخروج من الأزمة في نظر العلماء خلال
هذه الفترة الدقيقة. كما تناولت النخبة المغربية خلال هذه الفترة الشروط الواجب توافرها في الخليفة؛ هذه الشروط التي
تبيّن تصور النخبة المغربية آنذاك لمؤسسة الرئاسة ولنمط العلاقة التي تحكم رئيس الدولة (الخليفة)
مع المواطنين (رعاياه). كما تُبرز بشكل جلي التأثر الواضح للنخبة المغربية بالفقه السياسي الإسلامي،
وبإنتاجات العلماء الذين عاشوا في القرون العشرة الأولى من الهجرة، أمثال: أبو الحسن الماوردي
وابن تيمية وابن القيم وأبو يعلى الفراء وابن خلدون. يتضح من خلال ما سبق أن التفكير في تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم شغل العلماء قبل مرحلة
الحماية، ودفعهم إلى البحث في سبل جديدة للتنظيم السياسي والدستوري، ومحاولة الكشف عن
((2(طبع على الحجر بفاس سنة 1303 ه 1885/م، ومنه نسخة جيدة في المكتبة العامة لتطوان، تحت رقم.689
((2(أبوعبد الله بن محمد الفلاق السفياني الأمغيطني العبدلاوي، توفي سنة 1895 م 1318/ه..
((2(الغالي بن محمد اللجائي العمراني الحسني توفي 1872 م 1289/ه، انظر: البحث العلمي، العدد 19 (1972)،
ص.108-103
((3(لمزيد من التفاصيل بشأن استفتاء هذا السلطان للعلماء انظر: محمد المنوني، مظاهر يقظة المغرب الحديث، ج 1، ص 80
و 335، حيث يستعرض أسماء العلماء العشرة الذين توجّه إليهم السلطان بالاستفتاء.
((3(لمزيد من التفاصيل، انظر: أحمد العماري، «نظرية الاستعداد في المواجهة الحضارية للاستعمار: المغرب نموذجًا،» (دكتوراه
الدولة في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، جامعة فاس، 1992)، ص 437 وما بعدها.
تقنيات حديثة لتنظيم الهياكل المخزنية الهشة، والحد في الوقت نفسه من سلطات السلطان المطلقة،
وهو ما يعبّر منذ البداية عن أن هناك تلازمًا قويًا بين الدِّين (العلماء) والسياسة (السلطان) انتهى إلى
تأسيس قاعدة سياسية مترسخة في ذهنية المجتمع، يقوم عليها النظام السياسي والدستوري، وهي أن
«الدِّين والملْك متلازمان، لا غنى لأحدهما عن الآخر: فالدِّين أس الملْك، والمل ك حارسه، وما لم
يكن له أس فمهدوم، وما لم يكن له حارس فضائع». انطلاقًا من حقيقة هذا التلازم بين الدِّين والدولة، اعتبر علماء المغرب في نهاية القرن التاسع عشر أن
توفير الشروط لمواجهة التهديد والغزو الأوروبيين وتحصيل القوة المادية والمعنوية رهينا تحقيق هذا
التلازم بين الدِّين والسلطان، وهو ما يعبّر عنه مصطلح الخلافة كفلسفة مؤطرة لنظام الحكم. بوفاة الملك الحسن الأول سنة 1894، تولى الحكمَ المولى عبد العزيز الذي كان صغير السن وقليل
الخبرة وناقص الإحساس بالمسؤولية. ولذلك، كان رئيس الدولة الفعلي في تلك الفترة هو أحمد بن
موسى الذي توفي سنة 1900. تميزت هذه المرحلة بأن تزايدت في المغرب الأطماع الأجنبية التي استغلت أوضاع الظلم السياسي
والقهر والقمع والضعف الاقتصادي وتنامي الفقر والجهل والصراع القبلي، لتركز عناصر التغلغل
الاقتصادي الأوروبي، وتزيد من تأزيم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للسكان، خصوصًا أمام
هشاشة البنى السوسيوسياسية وعدم قدرتها على مواجهة المد الاستعماري الغربي، الذي وصفه
الناصري بقوله: «... وما منهم إلّ من استأسد وتنمّر، وليس في وجوههم من الحياء علامة ولا أثر،
ولا يقبلون موعظة إذ ليسوا من أهل الفكر، فلا يمكن دفعهم إلّ بجيش عظيم وعسكر، يصاح فيهم
بالنهي وهم في طغيانهم يعمهون، ولا يلتفتون إلى من نهاهم، بل لا يشعرون ولا يسمع الصم الدعاء
إذا ما ينذرون … ». يُظهر هذا النص مدى قوة التدخل الأجنبي في المغرب (استأسد وتنمّر)، وعدم الاستعداد للحوار
والتفاهم (ولا يقبلون موعظة)، وهو ما جعل الناصري يقر باستحالة دفع التدخل الأجنبي «إلّ بجيش
عظيم وعسكر»؛ ذلك أن هذا التدخل هو السبب الحقيقي وراء تردّي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية
((3(عبد العزيز لوزي، «المسألة الدستورية على ضوء التجارب الديمقراطية في المغرب،» (رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في
الإدارة، المدرسة الوطنية للإدارة، الرباط، كانون الأول/ ديسمبر.)1995
((3(مقمع الكفرة بالسنان والحسام في بيان إيجاب الاستعداد وحرب النظام (مخطوط: الخزانة العامة بالرباط، رقم غير واضح)، ص
116؛ عناية الاستعانة في حكم التوظيف والمعونة (مخطوط الخزانة العامة بالرباط رقم 480 د)، ص 80؛ المفاخر العلية (مخطوط:
الخزانة العامة بالرباط، رقم غير واضح، ص.151
((3(هناك نصوص طويلة ذكرها المشرفي في الحلل البهية، تعرّض فيها لانحلال خلق بعض المسؤولين الكبار من الوزراء
والحجّاب، مثل الحاجب أحمد بن موسى، والثراء الفاحش الذي وصل إليه من خلال اختلاس أموال الشعب.
((3(وكانت الفترة التي عايشها الناصري زاخرة بمظاهر تقهقر المغاربة أمام الأوروبيين، وتجسدت هذه المظاهر في الهزائم العسكرية
(هزيمة إيسلي..)، والانتكاسات الاقتصادية التي جسدتها الاتفاقية الانكليزية - المغربية لسنة 1856، كما عايش انتكاسات سياسية
كانت في مجملها تتلخص في المساس بالسيادة المغربية كمشكلة الحمايات الخاصة، وتفويت الأراضي للأجانب في البوادي وحول
أهم المدن، وارتفاع أعداد الأجانب في البلاد.
((3(أبو العباس أحمد بن خالد الناصري، كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، تحقيق وتعليق جعفر الناصري ومحمد
الناصري، 9 ج (الدار البيضاء: دار الكتاب، 1956-1954)، ج 9، ص.131
للمغاربة وانتشار الفقر والمرض... وبهذا المعنى يقول الناصري في نص آخر: «... إعلم أن أحوال هذا
الجيل الذي نحن فيه قد باينت أحوال الجيل الذي قبله غاية التباين، وانعكست عوائد الناس فيه غاية
الانعكاس (...) بحيث ضاقت وجوه الأسباب على الناس، وصعبت عليهم سبل جلب الرزق والمعاش
(…)، والسبب الأعظم في ذلك ملابسة الإفرنج وغيرهم من أهل الأوربا للناس وكثرة مخالطتهم لهم،
وانتشارهم في الآفاق الإسلامية». وهكذا تقلص دور المخزن أمام الضغط الأوروبي، وبدأ السلطان
عبد العزيز، خصوصًا بعد وفاة باحماد، يبسط يديه للأجانب ليقترض ويتلقى النصح رغم أنفه. وبدأ
«النظام السياسي» يفقد في شخص الملك الشرعية التي كان يتوفّر عليها حتى زمن مولاي الحسن. وجد فقدان الشرعية هذا محور ارتكاز لدى العلماء الذين أصبحوا يشكلون نواة المعارضة، باعتبارهم
قاعدة الحياة الاجتماعية في النظام المغربي «الإسلامي». وقد أدّوا دورًا أساسيًا في تلك المرحلة في
تجديد نخبة المخزن، وذلك بدعمه ب«أهم الموظفين في القضاء، وفي التعليم وفي الفتوى، وفي بعض
المناصب الإدارية الأخرى: فهم يساهمون في الإنتاج ويتدخلون في الشؤون العامة، ويلعبون دورًا
قياديًا في مجتمع تقليدي». وهكذا برز دور العلماء مع توقيع السلطان عبد العزيز على اتفاقية الجزيرة الخضراء سنة 1906؛ هذه الاتفاقية
التي اعتُبرت، مع ما تضمنته من بنود، تفريطًا في حقوق الأمة المغربية، الأمر الذي دفع بكثير من العلماء إلى
مناهضتها. ويمكن أن نعتبر هذه الاتفاقية بمثابة محفز إضافي مباشر للمفكرين المغاربة للتأمل في المسألة
السياسية والدستورية بشكل جدي. وقد كانت إنتاجات الفكر السياسي المغربي في هذه المرحلة تصب
كلها في تجاه تعزيز آلية الشورى، وتوسيع دائرة صناعة القرار السياسي، ومناهضة الاستبداد. من بين هذه الإنتاجات نص مشروع بن سعيد، ومشروع علي زنيبر السلوي، ومشروع دستور 1906،
ومشروع دستور 1908. كما شكلت «البيعة الحفيظية» بشروطها بداية الوعي بالمسألة السياسية
الدستورية وتجسيدها في نماذج تطبيقية عملية، وهو ما يطرح سؤالً عريضًا حول طبيعة العلاقة بين
العلماء والسلطة …
- الفرع الثاني: طبيعة العلاقة بين العالم/ المثقَّف والسلطة
يطرح موضوع علاقة العلماء بالسلطة في العالم الإسلامي إشكاليات عدة، جعلت الباحثين في هذا
الموضوع ودارسيه يصدرون عن رؤى وزوايا نظر غير متجانسة، فمنهم من يعتبر أن من واجب العلماء
في علاقتهم بالسلاطين «مقاومة الحاكم الظالم وإجباره على تطبيق العدل»، ومن هنا تؤكد هذه
المدرسة الفكرية أن دور العلماء هو «دور وساطة بين الحاكم والمحكومين»، وبالتالي من واجبهم
((3(المصدر نفسه، ج 9، ص.208-207
((3(عبد الله العروي، الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية، 1912-1830 (باريس: منشورات ماسبيرو، 1977)،
ص 108، مذكور في: مجلة تاريخ المغرب، العدد 1 (شباط/ فبراير 1981)، ص.97
((3(العروي، الأصول الاجتماعية والثقافية، ص.396
((4(أحمد عمالك، «المجتمع المغربي عند نهاية القرن التاسع عشر،» مجلةتاريخ المغربالعدد 1 (1981)، ص.96
((4(بديرة، «عهد الأمان ودور العلماء.»
المساهمة في توجيه السلطة لتتخذ القرار المناسب في ضوء الشرع والدِّين، بينما يرى آخرون أن العال مِ
من «حيث هو وريث الرسول (العلماء ورثة الأنبياء)، فقد حمله النص الأساسي في الإسلام (أي القرآن
وكذا السنّة)، مهمة ترشيد الحياة الدنيوية للمسلمين، وفق التعاليم التي أوحى بها الله لرسوله»،
وبالتالي فإن مجال اشتغال العلماء مجال مقدس. أمّا السلطة، «فتخرج عن إطار المقدس، فهي من
عمل الإنسان» ولا دخل لعال م الدِّين فيها، فنحن إذن أمام حقلين يبدوان ظاهريًا متباينين، حقل العلماءِ
الأوصياء على الشريعة، وحقل السلطة والسيادة ذات الطابع الدنيوي. غير أن هذا «التمايز» لا ينطبق على الحالة المغربية وعلى وضعية المجتمعات الإسلامية بصفة عامة،
ذلك أن هناك تداخلً واضحًا بين المجالين، بين الدِّين والسياسة، بين المعرفة والسلطة، وهو ما
سنتعرف إليه من خلال مساهمات العلماء في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين لإصلاح
أوضاع البلاد، وعلى رأسها إصلاح الدولة المغربية. نقصد بالعلماء ما ذهب إليه عبد الله العروي في تعريفه «طبقة» العلماء ب«المتخرجين من المدارس
الإسلامية الكبرى، كجامع القرويين بفاس ومدرسة ابن يوسف بمراكش، والذين يتمتعون بنوع من
الاستقلال مهما كانت وسائل عيشهم». ويركز عبد الله العروي على ظاهرة الاستقلال – النسبي
طبعًا- ويستثني من هذه الطبقة كتّاب المخزن وكبار التجار، وهم أيضًا من متخرجي المدارس الدينية.
وقد حاول المولى عبد العزيز تنظيم العلماء في طبقات معلومة ليحولهم إلى شبه موظفين، غير أن
المحاولة جاءت متأخرة ولم تمس إلّ قسمًا ضئيلً من المجموعة المعنية. غير أن استقلال العلماء لم يصل قط في المغرب إلى ما عرفته بلاد إسلامية أخرى، مثل الإيالة العثمانية،
ولكنه كان حقيقيًا بحيث جعل منهم زعماء طبيعيين لسكان الحواضر كلما لحق بهؤلاء ضرر وكانوا في
حاجة إلى من يعبّر عن تذمرهم. وعندما نتأمل في بعض الردود التي كان العلماء ينجزونها، مثل الرد الذي كتبه العلماء برئاسة قاضي
الجماعة في فاس سنة 1297 ه … على طلب الدول الأوروبية بإعطاء رعاياها من النصارى واليهود
الحرية الكاملة في المغرب، ومساواتهم بالمغاربة المسلمين في جميع الحقوق، نشعر بأننا أمام جمع
موحد من العلماء يشكلون رابطة (حزبية أو عصبية) قائمة على العلم ومدافعة عن الإسلام والمسلمين. والحقيقة هي أنهم كانوا «يدافعون» عن الإسلام، ولكنهم لم يستطيعوا أو ربما لم يفكروا قط في نظام
يجمعهم كتنظيم محكم وقوة يتمكنون بها من إحداث الضغط، بل كانوا مشتتين يعملون بشكل فردي،
((4(عبد اللطيف حسني، «العالم والسلطة في المغرب خلال القرن 19،» في: الحركة العلمية في عصر الدولة العلوية إلى أواخر
القرن التاسع عشر: أعمال الندوة المنعقدة بوجدة أيام 9 و 10 و 11 دجنبر 1993، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ندوات
ومناظرات؛ 3 (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1995)، ص.300
((4(عبد الله العروي، «الجذور الاجتماعية للوطنية المغربية،» في: عبد الحق المريني (مشرف)، مدخل إلى تاريخ المغرب
الحديث: من عصر الحسن الأول قدس الله روحه إلى عصر جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله (الرباط: وزارة الشؤون الثقافية،
مركز الدراسات والبحوث العلوية، 1996)، ص.18
((4(المصدر نفسه.
مثل موقف كنون أو التادلي من المكس، والنكبة التي تعرّض لها محمد الزرهوني لمّا خالف فتوى
بقية العلماء بشأن السماح لليهود بالحمام، وموقف أحمد العراقي الذي رفض تسليم ذعيرة مالية للإسبان في إثر حرب تطوان، وموقف محمد بن عبد الكبير الكتاني ضد التنازلات التي قدمها السلطان عبد الحفيظ إلى فرنسا، ومعارضته سياسة عبد الحفيظ بصفة عامة حتى ذهب ضحية ذلك. وهكذا، كانت المواقف الفردية والممارسات الشخصية هي التي ميزت وضعية العلماء ومواقفهم وقراراتهم، رغم أن الخطاب الرسمي للسلطة أو غيرها كان يتوجه إلى العلماء كقوة جماعية، فما الذي كان يمنعهم من العمل بنظام التنظيم الجماعي؟ يبدو أن السياسة الرسمية التي كانت تسعى إلى تقسيم العلماء عبر استمالة بعضهم، وتعريض بعضهم الآخر للتنكيل والقمع، ومواجهتهم بسياسة الارتزاق المالية، إلى جانب اختلافاتهم الطرقية والمذهبية
والسياسية، وغير ذلك من الأسباب، حالت دون تنظيمهم في تكتلات جماعية، وقلَّلت - نسبيًا - من
تأثيرهم في مجريات السياسة اليومية. ومع ذلك، تمكن العلماء من القيام ببعض المبادرات لإصلاح جهاز المخزن؛ فقد كان المسجد أشبه بدار ندوة أو برلمان دائم، فيه تُقرأ المراسلات السلطانية التي كانت تتضمن عادة تعيين موظف،
أو خبرًا عن حركة أو استشارة، وفيه تُعقد البيعة وتُحرر التماسات الاحتجاج. كما كانت للمساجد
والجوامع في المجتمعات الإسلامية - وخاصة عن طريق خطب الجمعة- دور وسائل الإعلام
المعاصرة في إبلاغ الأحداث وإخبار المسلمين بالمستجدات؛ فليس غريبًا أن نجد باي تونس - مثلً -
عند إعلان الميثاق الدستوري أول مرة سنة 1850، يبعث بنسخ منه إلى أئمة الجوامع ليكون موضوع خطبة الجمعة، وذلك ليس بقصد الإعلام فقط، وإنما بقصد كسب الشرعية للحدث الجديد من طرف
جماهير المسلمين أيضًا. ولا غرابة إذن أن يكون العال م المعروف بورعه واستقامته وتجنّبه أصحابِ
المصالح لسان حال الجماعة المتضررة من الإصلاحات المنجزة أو المقترحة من قبل الأجانب... فكل إصلاح هدفه تشجيع التجارة الخارجية كان يبدو للسكان وللعلماء كارثة اقتصادية واجتماعية، باستثناء الناصري الذي كان له موقف أكثر انفتاحًا على الخارج … وهكذا، عارض العلماء سياسة المخزن التي كانت تحاول تقنين حرية التبادل التجاري؛ فقد كان القناصل يقولون للمخزن إن التجارة هي عنوان التمدن وسبيل الرفاه، وبقدر ما يكثر التجار الأجانب
والمخالطون لهم من المغاربة تنمو الثروة العامة وترتفع مادة الجباية، وهو ما يمكّن المخزن من تحقيق
((4(المنوني، مظاهر يقظة المغرب، ج 1، ص.379
((4(العماري، ص.139
((4(المنوني، مظاهر يقظة المغرب، ج 2، ص 218، 221، 231-230 و.368
((4(المخزن في المغرب، بحسب عبد الله العروي هو: «الحكومة بمعناها اللغوي، أي الحكم يبن هيئات اجتماعية تميل طبيعيًا إلى
التسيير الذاتي (..) وله علاقات وطيدة بكل قوة من القوى الاجتماعية فيتأثر بها في تصرفاته داخليًا وخارجيًا (..) والسياسة المخزنية
هي مرآة العلاقات الاجتماعية. انظر: العروي، «الجذور الاجتماعية،» ص.15
((4(بديرة، ص.150
((5(العروي، «الجذور الاجتماعية،» ص.18
برامجه الإصلاحية. ولا بد من تشجيع التجارة بتطمين التجار على نفوسهم وأموالهم، وأحسن طريقة لبلوغ ذلك الهدف هي القيام ببعض الإصلاحات القانونية، وذلك بإقامة محاكم مزدوجة يسيّرها
العمال والقناصل، وتفصل بسرعة في النزاعات الحاصلة بين التجار الأجانب والمغاربة، مسلمين أكانوا أم يهودًا. من الواضح أن هذا «الإصلاح» القانوني والقضائي كان موجهًا أساسًا ضد سلطة القاضي الذي كان
يطبق الشرع الإسلامي، ومن هنا نفهم سبب معارضة العلماء لهذه المقترحات. كما أنه كانت للعلماء دوافعهم الخاصة التي تحفزهم على معارضة الإصلاحات؛ فعندما فشل القناصل ولم تتحقق رغبتهم في إقامة محاكم مختلطة، بدأوا يفرّقون بسخاء بطاقات الحماية، فكثر عدد المحميين الذين
لا يمكن للقائد أو القاضي أو المحتسب أن يتدخلوا في شؤونهم من دون إخبار القناصل، فلاح في الأفق خطر خروج جل الرعية عن سلطة المخزن وتحوُّل السلطان إلى مجرد زعيم ديني لا سيادة له ولا
نفوذ فعلي. وكان العلماء، ومنهم القضاة والأئمة والمفتون والنظار، يعيشون يوميًا هذه الحالة البئيسة
ويرون نطاق الشرع يضيق سنة بعد سنة، لهذا السبب شنوا حملة شعواء على المحميين المسلمين وعلى الجناح الإصلاحي داخل المخزن وداخل الطبقة التجارية.
الحركة الدستورية لبداية القرن ودور العلماء
اعتمدت الحركة الدستورية التي دشنها العلماء في بداية القرن على أصول فكرية مزدوجة؛ فمن جهة حاولت تطوير مفهوم الشورى الموجود في القرآن الكريم، وهو المفهوم الذي يؤسس لمشروعية إبداء الرأي لدى أهل الحل والعقد (العلماء)، كما اقتبست من التجربة الأوروبية الأدوات التنظيمية اللازمة لتفعيل هذا المبدأ وبلورته في نموذج دستوري واضح. ومهدت لظهور النزعة التوفيقية لدى رواد الإصلاح الدستوري، وذلك بتكييف النموذج الدستوري الغربي مع المفاهيم السياسية التقليدية حتى تحظى بالشرعية الدينية اللازمة. وهكذا ظهرت الإرهاصات الأولى لتقييد سلطة الحاكم التي كانت مطلقة من خلال فكرة الانتخاب وبوادر النظام التمثيلي، وتشكيل مجالس للأمّة بتبادل الرأي والشورى، وفق اختصاصات ومهمات واضحة.
وتوّجت هذه الأفكار بتشكيل مجلس للأعيان (1905) وبالبيعة المشروطة لمولاي عبد الحفيظ، كما
وجدت أفضل تعبير لها في مشروع دستور 1908 الذي حدد شكل الدولة وعناصرها، وتضمن الإشارة إلى مجموعة من الحقوق والحريات المستلهمة من التجربة الأوروبية، والتي حاول تبيئتها داخل التربة المحلية كفكرة المواطنة والحرية والمساواة، وهو ما يقتضي تحليل المذكرات الدستورية الأولى لبداية القرن، والوقوف عند الأصول الفكرية المؤطرة لها، وتحديد المفاهيم السياسية المركزية التي تحكمت في صياغتها.
((5(المصدر نفسه، ص.16
((5(المصدر نفسه.
في هذا الصدد ظهرت أربعة مشاريع هي:
- مذكرة ابن سعيد: «القائد عبد الله بن القائد محمد ابن سعيد السلوي، وحررها سنة 1319 ه 1901/م،
وقدمها للسلطان عبد العزيز جوابًا عن استشارته بشأن الإصلاحات المزمع إحداثها في المغرب. - حفظ الاستقلال ولفظ سيطرة الاحتلال: عنوان المذكرة الدستورية التي اقترحها زنيبر اللطام: الحاج
علي بن أحمد بن عبد القادر السلوي المتوفى سنة 1914 م 1332/ه، كتبها بعد مؤتمر الجزيرة
الخضراء ورفعها للسلطان العزيز. - مشروع دستور كتبه عبد الكريم مراد بن عمر بن مصطفى الشامي الطرابلسي … نزيل فاس المتوفى
سنة 1347 ه 1928/م. قدمه بعد مؤتمر الجزيرة الخضراء إلى السلطان عبد العزيز في سنة.1906 - مشروع دستور 1908: واضعه غير مذكور، والمصدر الوحيد عن هذا المشروع هو جريدة لسان
المغربالتي كان يصدرها في طنجة الشقيقان اللبنانيان أرتور نمور وفرج الله نمور، غير أن هذه
الجريدة لم تنشر من المشروع سوى الفصل الأول الخاص بالدستور الأساسي، وهو المعروف منه
الآن، وقد تم وضعه يوم الأحد 15 رمضان 1326 ه 11/ تشرين الأول/أكتوبر 1908 م. إن هذا الفكر السياسي والدستوري الناشئ الذي نما واتسع لدى النخبة المغربية المفكرة في ذلك الوقت،
هو الذي دفع بالرأي العام المغربي المتأثر بالحركة الكتانية، عند حدوث الثورة التي أطاحت المولى عبد
العزيز وأتت بمولاي حفيظ، إلى المطالبة بإلحاح بتضمين البيعة الحفيظية بجملة من الالتزامات
الدستورية. وكانت بيعة فاس تتضمن بالفعل جملة من الشروط التي تعطي الأمّةَ حقها في مباشرة السيادة
الوطنية، فكان التطور يسير في اتجاه إحداث نوع من الديمقراطية يحد من السلطة المطلقة التقليدية التي
كان يتمتع بها السلطان عادة، ويفسح المجال لإحداث هيئة تمثيلية تبلغ صوت الأمة. شكلت البيعة المشروطة لمولاي عبد الحفيظ التي كُتبت بفاس ووضع صيغتها أحمد بن المواز - أحد
رجال الفكر آنذاك – ميثاقًا قوميًا ودستوريًا من الطراز الأول «إلى حد أنه لو لم يحصل نظام الحماية
لربما تطور هذا النوع من البيعة تطورًا طبيعيًا إلى دستور مكتوب في الشكل الحديث». تجلت الإرهاصات الأولى لتنظيم السلطة في المذكرات الدستورية التي دشنها عبد الله بن سعيد
(1901)، وتطورت مع كلٍّ من الحاج علي زنيبر السلوي (1906) ومشروع عبد الكريم مراد (1906)،
وأخذت بعدًا جديدًا مع مشروع دستور 1908 المعروف بدستور جماعة لسان المغرب. حاولت هذه المشاريع في جُلّها التمهيد لحياة نيابية «ديمقراطية»، وإدخال مفاهيم حديثة لتنظيم السلطة
كالانتخاب ومراقبة الثروة الوطنية، وتثبيت مبدأ السيادة القومية، وإضفاء البعد التعاقدي على عملية
البيعة … إلى غير ذلك من المفاهيم السياسية والدستورية التي حاولت أن تجيب عن بعض التساؤلات
الموضوعية، من قبيل ضرورة وضع قيود للسلطة (السلطان)، تتجاوز الطرح التقليدي المتمثّل في
((5(محمد المنوني، المصادر العربية لتاريخ المغرب، ج:2 الفترة المعاصرة، 1930-1790، ص 158 (بتصرف)،
((5(بحسب علال الفاسي، كان المولى عبد العزيز منفتح الصدر لقبول المبدأ الدستوري، على الرغم ممّا نُشر حوله من دعايات أجنبية.
((5(عبد الله العروي، أهم المحطات التاريخية في الحياة الدستورية المغربية، سلسلة تشييد دولة حديثة، ص.54
القيود الذاتية التي يفرضها السلطان على نفسه، والانتقال إلى قيود موضوعية لمناهضة الاستبداد
وتحقيق العدل.
الفرع الأول: مشروع دستور 1908
النص هو عبارة عن مشروع دستوري نُشر في جريدة لسان المغربفي أربعة أعداد متتابعة (من 11
تشرين الأول/أكتوبر إلى 1 تشرين الثاني/نوفمبر 1908)، و«كانت الغاية من نشره هي مطالبة السلطان
عبد الحفيظ بإقراره بعد أن لم تمر على بيعته سوى أربعة أشهر». لم يشكل مشروع الدستور هذا أداة لتنظيم السلطة وضبطها، بل تضمّن برنامجًا متكاملً لمواجهة
الوضعية السائدة آنذاك؛ فعلاوة على الفصول المتعلقة بالمؤسسات السلطوية، خصص واضعو
المشروع بنودًا عدة للحديث عن أهمية التعليم، أو ما يسمى المدرسة الوطنية، والتشديد على إجباريته
بالنسبة إلى الذكور، وضرورة فتح مدارس صناعية وزراعية، وكذلك تنظيم الإدارة، وكيفية تعيين
الموظفين، ومالية الدولة ومراقبتها.. لم يُنشر من هذا المشروع إلّ ما يمكن تسميته القانون الأساسي لجملة ملحقات لم تنشر، وهي تخص
مشروع القانون الداخلي لمنتدى الشورى، وقانون الانتخابات، وقانون الجزاء. «ولا يُعرف على وجه
التحقيق من هم محررو هذا المشروع أو الذين كانوا وراء إعداده» كما يقول إبراهيم حركات، وعُرف هذا
الدستور باسم الجريدة التي نشرته، وظل يحمل منذ ذلك التاريخ اسم «دستور جماعة لسان المغرب». إذا كان علال الفاسي يُرجع سبب عدم العثور على أسماء من حرروا هذه الوثيقة إلى ما مُني به تاريخ
المغرب من ضياع، فإن البعض يميل إلى القول إن الأمر يرتبط بتستر مقصود لهذه الجماعة،
فعبد الكريم غلاب مثلً ذهب إلى القول إن «الملك الجديد (عبد الحفيظ) لم تُعرف بعدُ نواياه نحو
الحريات العامة، التي لم تكن لها ضمانات قانونية أو غير قانونية».... وكانت الجماعة الوطنية
مضطرة إلى الاختفاء وراء فرج الله نمور لأن له من جنسيته ما قد يحميه ويحمي لسان المغربمن
أن تمتد يد الحكومة إليه. وهناك من الباحثين من اهتم فقط بالمرجعية الثقافية التي يصدر عنها هذا
المشروع، وبالمضامين الفكرية والقانونية التي يحملها، بغضّ النظر عن الأشخاص الذين يقفون وراءه
بحيث إن الموضوع يتعلق ب«ترجمة مكيّفة للدستور العثماني المكتوب بتاريخ 23 [كانون الأول]
((5(الطيب الأزرق، «مشروع دستور جماعة لسان المغرب: دراسة تحليلية نقدية،» مجلة تاريخ المغرب، العدد 1 (1981)، ص.99
((5(الحسان بوقنطار، «الدستورانية في الواقع العربي،» الوحدة، العدد 48 (1988)، ص.60
((5(إبراهيم حركات، التيارات السياسية والفكرية بالمغرب خلال قرنين ونصف قبل الحماية (الدار البيضاء: الدار البيضاء للطباعة
والصحافة والنشر، 1985)، ص.148
((5(يتحفظ خالد الناصري على هذه «التسمية المجازفة»، ويفضّل تسمية القائمين وراء هذا المشروع ب«الحركة الدستورية» اقتناعًا
منه بأن حدود هذه الحركة كانت تتجاوز نطاق الجريدة التي نشرت مشروع الدستور، وأن لتلك التسمية دلالة رمزية في الأساس
والأبعاد الحضارية لمشروع دستور 1908، انظر: المغرب من العهد العزيزي إلى سنة 1912 (الرباط: وزارة التربية الوطنية، 1987)،
ص.237
((6(الفاسي، الحركات الاستقلالية، ص.97
((6(عبد الكريم غلاب، التطور الدستوري والنيابي في المغرب، 1988-1908، ص.127-126
دجنبر »1876(…) مع الاستفادة من موجة القانون الدستوري التي برزت في أوروبا (…) وهو ما يحمل على الاعتقاد بأن واضعه غير مغربي، كما يذهب إلى ذلك عبد الله العروي. لكن من المؤكد أن هنالك علاقة واضحة بين واضعي مشروع دستور 1908 المتسترين وراء أعمدة
لسان المغرب، وتلك النخبة المثقَّفة التي تحملت المسؤولية في تحرير البيعة المشروطة للسلطان
الجديد المولى عبد الحفيظ؛ إذ جاء في إحدى المقالات المنشورة على أعمدة هذه الجريدة: «نحن لا نألو جهدًا في المناداة بطلبه (أي الدستور) على صفحات الجرائد من جلالته وهو يعلم أننا ما قلدناه
بيعتنا واخترناه لأمانتنا إلّ أملً في أن ينقذنا من وهدة السقوط... وعليه، فلا مناص ولا محيد لجلالته في أن يمنح أمته نعمة الدستور ومجلس النواب.» وربما يكون من دوافع تستر الجماعة شعورها منذ تاريخ عقد البيعة المشروطة بعدم ارتياح السلطان،
وتضايقه ممّا تضمنته من شروط، رغم أن محتواها العام لا يخرج عمّا كان متعارفًا عليه ضمنيًا في إطار
المفهوم التقليدي للبيعة، فبالأحرى أن تعلن الجماعة نفسَها وهي تطالب السلطان بإقرار تنظيم دستوري
غير مألوف، يرسم مجالات سلطان الدولة، ويقنّنها، ويضيف إلى جانبها سلطة ممثّلي الدولة.
الفرع الثاني: الظروف السياسية لمشروع دستور 1908
تميزت المرحلة الممتدة من سنة 1904 إلى سنة 1908 ببعض المحطات البارزة التي تدل على تقدم الفكر السياسي المغربي، ونزوعه نحو تنظيم السلطة بمقترحات دستورية أكثر وضوحًا. كما تأثر هذا
الفكر بالمعطى الخارجي وإرادة الهيمنة التي كان يحاول الأوروبيون بسطها على المغرب. وأهم هذه المحطات، بغضّ النظر عن المحاولات الدستورية التي سبق تحليلها، هناك تشكيل مجلس الأعيان
سنة 1905، والبيعة المشروطة للسلطان عبد الحفيظ بعد خلع المولى عبد العزيز.
- تشكيل مجلس الأعيان
جاء نشر مشروع دستور 1908 في أعقاب مرحلة تاريخية كانت فيها أوضاع المغرب من الناحية السياسية تنذر بالانهيار، إذ أصبحت فرنسا أكثر جسارة على المغرب بعد إبرامها الاتفاق الودي مع إنكلترا سنة 1904، وبالتالي تقدمت بمطالب إصلاحية من طريق مبعوثها سان روني تاياندي الذي جاء إلى فاس في 26 كانون الثاني/يناير 1905 ليمارس ضغوط فرنسا على المخزن المغربي.
((6(إن الدستور العثماني لسنة 1876 يتضمن 119 فصلً تتوزع في المحاور التالية: لدولة العثمانية، حقوق المواطنين، الوزراء،
التمثيلية الوطنية، السلطة القضائية، المالية، الإدارة الإقليمية.. وفصول مختلفة. وقد اختُصرت هذه المحاور – بحسب عبد الله
العروي - في المشروع المغربي إلى 91 فصلً تتوزع في المحاور التالية: الدولة المغربية، المواطنة، أبناء الدولة، البرلمان، منتدى
الشورى، الوظيفة العمومية، المالية، الحماية، التعليم العمومي وملاحق عامة بالنسبة إلى الدستور العثماني. انظر: Annuaire de
législation étrangère (Paris: Cotillon et fils, 1877). (63) Abdallah Laroui, Les Origines sociales et culturelles du nationalisme marocain, 1830-1912 (Casablanca: Centre Culturel Arabe, 1993), p. 404.
((6(الأزرق، ص.101
((6(محمد زنيبر، «المعنى التاريخي لدعوة مجلس الأعيان» في: المغرب من العهد العزيزي إلى سنة 1912، ج 2 (المملكة
المغربية: مطبعة فضالة المحمدية، 1089)، ص.206
في تلك الفترة، جاء وفد من العلماء، على رأسه جعفر بن إدريس الكتاني، ليطلب من السلطات عدم
استقبال المبعوث الفرنسي الذي حل بطنجة، وإخراج جميع الأطر العسكرية الأوروبية. كما أصدر
علماء فاس فتوى قوية طالبوا فيها بعدم مهادنة الأجانب، والاستغناء عنهم. ومما جاء في الفتوى:
«إن الأجانب هم سبب همومنا، وإليهم يرجع تأخرنا وفوضانا وصراعاتنا الداخلية وفقدان استقلالنا
وخرابنا، فأي نفع أتونا به؟ وما هي العلوم الجديدة التي علمونا؟ وما هي المكاسب التي جنيناها من
هذه العلوم؟ في حين يمكن الاستغناء عنهم». أمام تصاعد معارضة العلماء، وضغط الأجانب على عبد العزيز لاستقبال تاياندي، دعا السلطان
عبد العزيز إلى تشكيل مجلس للأعيان لبتِّ برنامج الإصلاح الفرنسي. من هنا، كان المغاربة يعتبرون انعقاد هذا المجلس في فاس إحياءً لمبدأ الشورى، بينما لم يستند مولاي
عبد العزيز إليه إلا ليتذرع به أمام فرنسا، ويبرر رفض المصادقة على مطالبها. وبالفعل، انعقد مجلس
الأعيان، وناقش بجد وحزم مذكرة المبعوث الفرنسي، وانتهى إلى رفض المطالب الفرنسية، بحيث
لم يكن مجلسًا للمجاملة، بل قدّر مسؤوليته التاريخية. وعلى أساس القرار المتخذ، بنى السلطان
عبد العزيز جوابه الرسمي بعدم الموافقة على أي إصلاح عسكري أو غيره من الإصلاحات في هذا
البلد بواسطة دولة أجنبية إلّ بعد عقد مؤتمر دولي في طنجة يشترك فيه وزراء الدول الموقِّعة اتفاقية
مدريد، ومندوبون عن المخزن من أجل التفاوض على شكل الإصلاحات التي يقتضيها الوضع في
البلاد، وأن يكتسي الاتفاق المنبثق عنه صورة ترضي الرأي العام. آل الأمر أخيرًا إلى عقد مؤتمر الجزيرة الخضراء، في ظل توازنات دولية جديدة، وبالتالي عجلت
قراراته المفروضة على السلطان بانهيار صرح المخزن العزيزي، وانتزاع فرنسا لتفويض أوروبي ستستند
إليه لترسيخ وجودها، وهذا ما كانت تتطلع إليه منذ الاتفاق الودي لسنة 1904. مع ذلك، يمكن
القول إن عمل مجلس الأعيان، على محدوديته وقصر مدته، مثّل صفحة مهمة من صفحات تطور
الآليات التنظيمية لتفعيل مبدأ الشورى، وبالتالي فسح المجال أمام النخبة المغربية للاجتهاد الدستوري
والقانوني. ويبقى أن فشل هذا المجلس مرتبط بسياق تاريخي معيّن يحمل عراقيل ومثبطات عدة ناشئة
عن تخلف فكري وثقافي عام لا يسمح بالتقدم في اتجاه بعث منظور جديد للحكم على أساس قانوني
واضح يحدد الحقوق والواجبات والاختصاصات، في إطار دستور مبني على السيادة الشعبية، وطبقًا
للتطور الطبيعي الذي وقع في كثير من البلدان؛ «فانفجار» قضية الشورى كان ردة فعل على الغزو
الاستعماري، ولم يكن وليد تطور فكري وحضاري عميق. تطورت قضية الشورى مع تطور الغزو الأوروبي، وبالتالي مع تطور فكر المواجهة الذي لجأ إليه العلماء
وكذلك السلطان. ومع زيادة الضغط الأوروبي المدني، وخصوصًا الضغط التجاري والسياسي،
(66) M. Xicluna, " La fetoua des oulama de Fès," Archives marocaines , vol. 3 (1905).
((6(الأزرق، ص.107
((6(زنيبر، ص.204
((6(الأزرق، ص.107
انتقلت فكرة الشورى إلى مستوى التجربة العملية الشعبية، وفق قرارات مجلس الأعيان الذي برزت فيه شخصيات مناضلة تتمتع بموقف قوي في الدفاع عن قضايا الوطن. ولا شك في أن من نتائج هذا الحدث ظهور فكر دستوري إصلاحي، تجلى في مجموعة من الاقتراحات
الجديدة... هذا الفكر الدستوري الناشئ هو الذي دفع بالنخبة المثقَّفة آنذاك، عندما أ طيح المولى عبد العزيز وتنصيب مولاي حفيظ، إلى المطالبة على نحو مُلح بتضمين البيعة الحفيظية جملة من
الالتزامات الدستورية.
- البيعة المشروطة لعبد الحفيظ
تطورت منذ مؤتمر الجزيرة معارضة العلماء، واحتدت صيحاتهم لتأخذ بعدًا جديدًا، فما بقوا مقتصرين
على دفع السلطان إلى تبنّي ما يلزم من المواقف، بل دفع بهم يأسهم إلى إظهار مولاي عبد العزيز بمظهر «المذنب المتواطئ قهرًا مع عدو الله والدِّين في احتلال آخذ يعم البلاد». ولاحظ العلماء أن زيادة التغلغل الأوروبي المدني والعسكري تخلف أضرارًا سياسية واقتصادية
واجتماعية خطِرة، وأن السلطة عجزت عن تطويق هذا الغزو ومواجهة أضراره، بل ساهم عجزها وفسادها في تزايد تلك الأضرار. ولمواجهة هذه الظروف، عملوا على استحضار مختلف الأدلة التاريخية والفقهية وتجميعها لتنظيم العلاقة بين المجتمع والسلطة، وهو ما يدل على أن أصل الأزمة
كان مرتبطًا بالخلل الموجود في هذه العلاقة. من أهم الوقائع التي أثارت سخط العلماء والعامة قبل مؤتمر الجزيرة إحداث ضريبة «الترتيب» في صورة إصلاح جبائي، واحتلال فرنسا مناطق تيد يكلت وتيكورارين كمرحلة في خطة اقتطاع أطراف من التراب المغربي وضمها إلى التراب الجزائري، واستدعاء الجنرال ليوتي ليتولى قيادة الجيش الفرنسي في منطقة جنوبي وهران والتخوم الجزائرية - المغربية، وبداية خطة هذا الجنرال لاحتلال بشار ومناطق من أرض فكيك، وتدبير فتنة الروكي بوحمارة التي استنزفت ابتداء من سنة 1903 أموال المخزن وجهوده، وعقد اتفاقية إنكليزية - فرنسية كان من مقتضياتها إطلاق اليد الفرنسية في المغرب، وممارسة ضغوط مالية بعد أن قدمت قروضًا أجنبية إلى المخزن مقتطعة منها الفوائد ورسوم
السمسرة، والضغط على السلطان مولاي عبد العزيز لقبول الشروط التي حملها الوزير الفرنسي تاياندي من طنجة إلى فاس وما نجم عن ذلك من احتجاج ألماني، وزيارة غيوم الثاني لطنجة، ثم استقالة وزير الخارجية ديلكاسي، فالدعوة إلى مؤتمر الخزيرات (6 كانون الثاني/يناير 7- نيسان/ أبريل 1906) الذي خرج بشروط أقرت الكثير من التدخلات الأجنبية، وأحدثت امتيازات أخرى زاد معها الغضب الشعبي، وهو ما أدى إلى مقتل الدكتور موشان في مراكش، واستغلال الجنرال ليوتي هذا الحادث ليحتل وجدة، واصطدام سكان الدار البيضاء والشاوية بالأجانب المحتلين للمرسى
((7(من فتوى علماء مراكش في إعلان مولاي عبد الحفيظ سلطانًا، نقلً عن: الأزرق، ص.107
((7(العماري، ص.519
وما نشأ عن هذا الاصطدام من نزول الجيوش الفرنسية والقيام بمقتلة عظيمة في أزقة المدينة واحتلال أرض الشاوية. في هذه الظروف الصعبة، بدأت نخبة من المطلعين على تجارب التقدم والنهضة لدى الأمم الأخرى في المشرق وفي أوروبا تظهر وتدعو إلى تغيير الأوضاع السياسية، على أساس أن إنقاذ الدولة مرتبط برفض الانصياع للضغوط الاستعمارية مع الاستناد إلى مبدأ استشارة أهل الحل والعقد عند اتخاذ قرار يهم مصير الأمّة. ولم يستطع السلطان عبد العزيز المقيم بفاس آنذاك أن يواجه شروط الدبلوماسيين،
ومطالب الدائنين، وتكاليف المتمردين، ومقترحات الإصلاحيين، وتذمُّر الشعبيين. في هذا السياق، أُعلن في مراكش بتاريخ 6 رجب 1325 ه/ 16 آب/أغسطس 1907 م خلْع المولى عبد العزيز، ومبايعة أخيه المولى عبد الحفيظ سلطانًا في عاصمة الجنوب، في الوقت الذي كان يقود حملة للمعارضة تدور حول تحرير المناطق المحتلة، والحض على الجهاد والقيام به، وطرد الأجانب من البلاد، وفسخ ارتباط السلطان بمقررات مؤتمر الجزيرة الخضراء. تمت هذه البيعة بحضور الباشا وكبار القادة في الحوز والأطلس، ونائب السلطان بتافيلالت، والعلماء. وليس في نص بيعة المولى عبد الحفيظ في مراكش ما هو استثنائي من المقتضيات أو التوصيات، وإنما تضمن إدانة لعهد أخيه بسبب «موالاة الكافرين ونبذ شروط الكتاب والسنّة وفساد مصالح الأمّة،
وإسناد أمور الدِّين إلى الجهلة، ونبذ الزكاة لفظًا ومعنى وحكمًا، وتبديلها بقانون الكفرة»، و«نهب
الأموال وسفك الدماء وتسليم وجدة والاستيلاء على الدار البيضاء». وفي السنة عينها، وجّه المولى
خطابًا إلى محمد بن عبد الكبير الكتاني في فاس يناشده التعاون من أجل حماية المغرب من الأطماع
الاستعمارية، ويطلب منه البيعة قائلً: «وأعلمنا بهذا لتأخذ حظك من الفرح وتوجه بيعتك لشريف حضرتنا سائلين منكم صالح الأدعية بإعزاز هذا الدِّين الشريف وتأييده وإعانة جنابنا على القيام بأمور المسلمين» «لأن كمال بيعة السلطان عبد الحفيظ كانت تتوقف على بيعة المدن الأخرى وأهمها مدينة فاس عاصمة السلطان المنازع وحاضرة الجماعة الكبرى من الموسومين بأهل الحل والعقد، وهُم من علماء القرويين ومن الأشراف ومن الأعيان من مختلف الحيثيات».
((7(أحمد التوفيق، «تأملات في البيعة الحفيظية،» في: المغرب من العهد العزيزي إلى سنة 1912، ص 337-336. للمزيد من
التفاصيل بخصوص هذه الوقائع، انظر: (Paris: Editions Le Maroc face aux imperialisms; 1415-1956 Charles-André Julien,
.J.A.,1978) وعلال الخديمي، «حادثة الدار البيضاء واحتلال الشاوية، 1908-1907،» (دبلوم الدراسات العليا، كلية الآداب
والعلوم الإنسانية، الرباط،.)1985
((7(ظل عبد الحفيظ ما بين وفاة أبيه في سنة 1894 ووفاة باحماد في سنة 1900 مبعدًا عن أي نشاط سياسي رسمي، مكتفيًا بمراقبة
الأحداث وإحصاء أخطاء أخيه. وابتداء من سنة 1901، أصبح نائبًا للسلطان في مراكش، ولذلك انفتح أمامه مجال للتحرك وإبداء
المعارضة، خاصة بعد انتقال مولاي عبد العزيز في السنة نفسها (1901) إلى فاس.
((7(راجع نص البيعة عند: المنوني، مظاهر يقظة المغرب، ج 2، ص.354
((7(محمد باقر الكتاني، ترجمة الشيخ محمد الكتاني الشهيد وهي المسماة بأشرف الأماني في ترجمة الشيخ سيدي محمد الكتاني
(الرباط: [مطبعة الفجر، 1962])، ص.192
((7(التوفيق، ص.331
اندلعت ثورة حركها الكتانيون في أواخر كانون الأول/ديسمبر 1903. وعقب ذلك انطلقت مواجهات عسكرية بين قوات الأخوين في وادي تكاوت عند بوعكيبة، أسفرت عن تقهقر جناح مولاي عبد العزيز.
وفي هذا السياق، خُلع السلطان عبد العزيز، وبايع سكان فاس مولاي حفيظ، ووقع التعبير الشرعي عن هذا التحوّل بتحرير وثائق عدة أظهر فيها العلماء قيادتهم للجماعة واستمتعوا بالوقت المخول
لهم لإجراء مسطرة كاملة للإشهاد والفتوى، ولإضفاء المزيد من الشرعية على قراراتهم، وفق مسطرة
متدرجة لا تدع مجالً للغموض والالتباس.
• مسطرة البيعة
كانت مهمة علماء فاس مزدوجة: خلْع عبد العزيز وإقناع العامة بذلك، ثم مبايعة عبد الحفيظ وفق شروط يرونها كفيلة بالخروج من الأزمة. لذلك سلكوا مسطرة متدرجة تطلبت منهم تحرير خمس وثائق قبل النص السادس والنهائي للبيعة المشروطة: - الوثيقة الأولىتضمنت سؤالً موجَّها إلى العلماء بشأن جواز خلع السلطان مولاي عبد العزيز بعد
أن اختلت في عهده الأحكام، كإبدال الزكاة ب«الترتيب»، وإحداث البنك المؤدي إلى الربا، واقتراض الأموال من الأجانب، وسلب السلاح من المسلمين ومنعهم من قتال جيش الاحتلال المرابط في الدار البيضاء. ولم تتضمن الوثيقة الجواب عن السؤال، وفضّل العلماء موقف التريث لإنضاج الرأي العام. - الوثيقة الثانية، وهي ملحقة بالأولى، نصت على انتخاب سكان مدينة فاس نوابًا عنهم لتوقيع السؤال
الموجَّه إلى العلماء في موضوع جواز الخلع، وتصريحهم بذلك أمام العدول، وذلك للدلالة على أن
موضوع الخلع طرحه عامة الناس ولم يكن ب«تحريض» من العلماء. - الوثيقة الثالثة هي التي شهد فيها أعيان فاس وشرفاؤها ورماتها ورؤساؤها وتجارها بأن الأمير مولاي
عبد العزيز صدرت عنه أمور منكرة شرعًا وطبعًا، كموالاة الأجانب وتبذير المال، وإحداث البنك
(...)، وتمكين بعض الأجانب من بلاد المسلمين.. وفي مقدمة الوثيقة دلالة واضحة على أن الشرائح والفئات الاجتماعية المختلفة مستاءة من نهج السلطان، وهذا مهَّد الطريق أمام العلماء الذين قاموا
ب«التعبير عن الإرادة العامة فقط.» - الوثيقة الرابعة هي التي تضمنت جواب العلماء عن سؤال الجماعة، استنادًا إلى الحجج التي تقدم
بها الشهود، ونصت على وجوب الخلع (وليس فقط على جوازه كما طلب من العلماء). وقد وقَّع هذا الجوابَ ثمانية عشر من أعلام علماء فاس، على رأسهم محمد العراقي ومحمد بن عبد الكبير الكتاني
وأحمد بن المواز. - الوثيقة الخامسة هي وثيقة الخلع التي تضمنت إعلان العامة والخاصة له، سواء الأعيان الذين تقدموا
بالسؤال، أو العلماء الذين أفتوا بوجوب الخلع، إضافة إلى الفقهاء والشرفاء والتجار وغيرهم.
((7(انظر هذه الوثائق في: ترجمة الشيخ محمد الكتاني الشهيد، ص 195 وما بعدها.
- الوثيقة السادسة هي الوثيقة التي تكتسي أهمية خاصة لتضمّنها بيعة أهل فاس للمولى عبد الحفيظ،
وهي صادرة عن «جميع أهل فاس الإدريسية (...) وسائر أشرافهم ورماتهم وعلمائهم وقضاتهم وكبرائهم ونقبائهم ومرابطيهم وصلحائهم وأعيانهم وخاصتهم وعامتهم، وكذلك أهل فاس الجديد»، وقد تمت يوم فاتح ذي الحجة 1325 ه 5/ كانون الثاني/يناير 1908 م. لهذه البيعة أهمية خاصة لأنها تحمل توقيع علماء فاس. ومعلوم أن «عقد البيعة كان يُكتب بفاس أول
في غالب الأحيان، وإذا بويع الملك الجديد في غيرها (كما حصل مع عبد الحفيظ بمراكش) فلا تعتبر
بيعته تامة وسلطنته شرعية إلّ بعد اعتراف فاس به». كما أنها تكتسي أهمية استثنائية بالنظر إلى الشروط التي تضمنتها، والتي لم يرتح لها السلطان عبد الحفيظ بل أغاظته كثيرًا.
• شروط البيعة
حُررت وثيقة البيعة «التي تُعتبر الأولى من نوعها في تاريخ المغرب من حيث أسلوبها الدستوري،
كالدعوة إلى إخراج البلاد من حالة النظام اللامسؤول إلى نظام يرتكز مبدئيًا على قواعد التنظيم
الدستوري الذي يستمد سيادته وسلطته من الشعب». وفي ما يلي الشروط التي تضمّنتها هذه البيعة كما صيغت: «... دفع ما أضر بهم من الشروط الحادثة في الجزيرة، حيث لم توافق الأمّة عليها، ولا سلّمتها
ولا رضيت بأمانة من كان يباشرها، ولا علم لها بتسليم شيء منها. - استرجاع الجهات المأخوذة من الحدود المغربية. - إخراج الجنس المحتل من المدينتين (أي وجدة والبيضاء.) - تطهير الرعية من دنس الحمايات. - التنزيه عن اتباع إشارة الأجانب في أمور الأمة لتجنيب همته الشريفة كل ما يخل بالحرمة. - وإذا عُرض ما يوجب مفاوضة الأجانب في أمور سلمية أو تجارية، فلا يُبرم منها أمر إلّ بعد الصدع
به للأمّة كما كان يفعل سيدنا المقدس الحافظ للذمة، حتى يقع الرضا منها بما لا يقدح في دينها ولا في
عوائدها ولا في استقلال سلطانها. - اتخاذ وسائل الاستعداد للمدافعة عن البلاد والعباد لأنها أهم ما تصرف فيه الذخائر والجبايات. - رفع ضرر المكوس.
((7(عبد الرحمن بن زيدان، إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس، 6 ج (درب الفاسي، الرباط: المطبعة الوطنية،
1933-1929). ويذكر الطيب الأزرق تاريخًا آخر هو: 7 حزيران/يونيو 1908 في: مجلةتاريخ المغربالعدد 1 (1981)، ص.109
((7(التوفيق، ص.341
((8(عبد الحفيظ الرفاعي وأحمد جديرة، «المسألة الدستورية قبل الحماية وإبانها،» في: أحمد جديرة [وآخرون]، التجربة
الديموقراطية في المملكة المغربية، تقديم محمد مصطفى القباج (القاهرة: دار المستقبل العربي، 1987)، ص.12
- زيادة نشر العلم - تقويم الوظائف والمساجد، وإجراء الأحباس على عملها القديم. - انتخاب أهل الصلاح والمروءة والورع للمناصب الدينية. - كف العمال عن الدخول في الخطط الشرعية. - ترك ما أُحدث من استبداد الرؤساء بتنفيذ مرادهم في القضايا والأغراض. - جميل الصنع بشريف القرابة، وتقريب الصالحين، واعتبار مقادير الأشراف وأهل العلم والدِّين،
وإقرار ذوي الحرمة على ما عهد لهم من المبرات والاحترام وظهائر الملوك الكرام. - إبعاد الطالحين والمفترين والواشين. - معاملة المؤمنين بما تعودوه (...) من إيثار العفو والحلم والرفق والأناة. يمكن القول -عند قراءة الوثيقة أول وهلة- إن هذه الشروط هي عبارة عن مطالب مثالية قصوى
بالنظر إلى الظروف السياسية الصعبة التي كان يمر منها المغرب، والمتمثّلة في الإكراهات والضغوط
الخارجية، بحيث «لم تعترف أوربا بالسلطان الجديد، وأرسلت مذكرة جماعية إلى مولاي عبد الحفيظ
تخبره فيها بأنها لن تعترف به إلّ إذا خضع علنيًا للمعاهدات الدولية التي وقّعها عبد العزيز»، وضعف
إمكانات السلطان الجديد، وتدهور الوضعية الدبلوماسية والعسكرية، إضافة إلى عدم تماسك الجبهة
الداخلية بحيث استمر المولى عبد العزيز يعتبر نفسه السلطان الشرعي على البلاد وما يقع في فاس
عملً غير مسؤول يقف وراءه «بعض الرعاع من دباغة أهل فاس وخرازتها وحاكتها وباعتها قد صدر
منهم طيش أدى إلى شقهم العصا، والخروج عن طاعة المخزن وتغلبهم على ذوي المروءة والدِّين
من أهل البلد»، كما طلب من القادة الموالين له «عدم الاستفزاز ممّا صدر من أولئك الرعاع والباعة،
ولتثبتوا على ما أنتم عليه من السمع والطاعة، فإن ما صدر منهم كسحابة صيف تقشع». هذه المعطيات وغيرها، لم تكن محل نظر علماء فاس وتأملهم، وإنما كانت الغاية الكبرى التي تشكل
خلفية هذه البيعة هي تغيير أسلوب الحكم، بما يجعله حكمًا يتمثّل قيم الديمقراطية والشورى ويتفاعل
معها، بحيث اهتمت الوثيقة - نظريًا - باعتبار الأمّة مصدر السيادة والسلطة، وعملت على الحد من
اختصاصات الملك وسلطاته، وألزمت السلطان باتخاذ بعض التدابير القوية، كإلغاء جميع الامتيازات
((8(انظر: نص البيعة الحفيظية في: ابن زيدان، ج 1، ص 450 وما بعدها.
((8(نصت المذكرة أيضًا على:
- تحمّل مسؤولية الديون السابقة.
- تحمّل مسؤولية الدفع عن الأضرار الناجمة عن حوادث البيضاء.
- التخلي عن الجهاد وتبليغ ذلك إلى المدن والقبائل.
- التعهد باتخاذ كل التدابير اللازمة لتأمين سلامة وحرية المواصلات حول الموانئ وعلى الطرق الرئيسية في الداخل.
- احتفاظ الدول بحقها في المطالبة بدفع نفقات الاحتلال وتعويضات القتلى.
- تسوية مشرفة لوضعية مولاي عبد العزيز ومعاملة منصفة لأعضاء المخزن السابق.
((8(المنوني، مظاهر يقظة المغرب، ج 2، ص 339 (من رسالة بعث بها المولى عبد العزيز إلى القائد بوسلهام أمجاو بمدينة
العرائش في 6 ذي الحجة 1325 ه 10/ يناير 1908 م.)
والمعاهدات التي أبرمها سلفه مع الأجانب، وعدم الاعتراف بمعاهدة الجزيرة الخضراء لأنها لم تكن اختيارًا نابعًا من إرادة الأمّة... بالإضافة إلى مجموعة من المطالب غير المألوفة في البيعات العامة،
والتي تُلزم السلطان باتّباع برنامج عمل محدد يمس الجوانب السياسية والدبلوماسية والعسكرية
والتنظيمية والاجتماعية، وإلى غير ذلك … «وإذا قيست هذه الشروط بما كان يتمتع به السلطان من نفوذ واختصاصات في السابق، فيمكن القول بأن هذا العقد يعتبر بمثابة تحديد لسلطات الملك وبداية ظهور سلطة الأمة بجانب سلطة الملك»، وهو وعي قوي ظهر عند نخبة من العلماء آنذاك الذين لم يكونوا بعيدين عن إدراك أوضاع المغرب ومختلف الضغوط الخارجية والداخلية التي يتعرض لها، ولكنهم لا يرون الخلاص والخروج من
أسباب الضعف إلّ بقيام نظام شورى للحكم. هذه الشورى هي الكفيلة بحماية البلاد والسلطان نفسه من الضغوط الدبلوماسية المباشرة، وكانت هذه النخبة العالمة آنذاك تؤمن بالفكرة التي تربط بين تأسيس نظام الشورى المجنب للاستبداد ونجاح أي خطة لوقف التدابير الاستعمارية. ومن المتشبعين بأفكار الشورى هذه برز اسم الشيخ محمد عبد الكبير الكتاني الذي كان متحمسًا
للتنصيص على جملة من الشروط الواردة في نص البيعة، حتى إن بعض الجهات سمّتها «الشروط
الكتانية». لتفعيل مقتضيات هذه البيعة وشروطها، تقدم الشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني من السلطان
عبد الحفيظ بمذكرة يقترح فيها عرض وثيقة الجزيرة الخضراء على ندوة وطنية، يشترك فيها مندوبون
مختارون من مدن المغرب وقبائله، وما اجتمع عليه رأيهم من بنود اللائحة يصادق عليها السلطان.
ومن بين ما جاء في هذه الرسالة:
((8(الرفاعي وجديرة، ص.12
((8(علال الفاسي، حفريات عن الحركة الدستورية في المغرب قبل الحماية: مذكرة مرفوعة من كاتب مجهول إلى جلالة مولاي
عبد العزيزحفريات عن الحركة الدستورية في المغرب قبل الحماية (الرباط: مطبعة الرسالة، [د. ت.])، ص.15
((8(هو محمد بن عبد الكبير بن محمد الكتاني (1327-1290 ه 1909-1873/م). كان يتمتع بشخصية قوية ونابغة في العلم
والدِّين. أسس الطريقة الكتانية، واكتسب شعبية واسعة، وألّف كتبًا مهمة. ونظرًا إلى قوته العلمية، ترأس مجلس الأعيان في فاس،
وقاد نقاشًا قويًا مع الممثّل الفرنسي في فاس في المحادثات التي جرت على عهد السلطان عبد العزيز. وعندما ذهب إلى الحج،
أمضى سنة كاملة بين القاهرة والمدينة، والتقى خلالها برواد حركة الجامعة الإسلامية التي كانت تسعى إلى تدعيم النفوذ السياسي
للقسطنطينية، وإقرار البيعة التقليدية التي كان المغرب آخر من حافظ عليها، وعند عودته من الشرق سنة 1904 أعطى نفسًا جديدًا
للمعارضة الدينية، وظل يحذر من السقوط في الإصلاحات الأوروبية ويدعو إلى الاقتداء بتركيا المسلمة. كان الكتاني من وراء
الشروط المضمنة في البيعة الحفيظية، والتي تسببت في خلافات عميقة له مع المولى عبد الحفيظ، فقرر الخروج من فاس إلى
الأطلس المتوسط. واغتنمها الفرنسيون فرصة، فحرّضوا القصر عليه، مدّعين أنه فر سرًا إلى الأطلس من أجل العمل على الوصول
إلى العرش، فبعث السلطان عبد الحفيظ فرقة من الجيش قبضت عليه بين فاس ومكناس، وردته إلى القصر الملكي في فاس، حيث
ضُرب ضربًا شديدًا حتى مات. انظر: العماري، ص 203، وخير الدين الزركلي، الأعلام: قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من
العرب والمستعربين والمستشرقين، تقديم وإشراف على الطبع زهير فتح الله، 8 ج، ط 6 (بيروت: دار العلم للملايين، 1984)،
ج 6، ص.215-214
((8(التوفيق، ص.344
« … والذي يلوح للعيان، ويشهد بحسنه الجنان، أن مولانا السلطان يتخلص من أوربا ومن شعبه،
بأن يجيبها الآن: بأن غاية ما يطالب به إلقاء هذه المشكلة وأمثالها على أهل المغرب، ويعلن مولانا
-أيده الله- بأن القول في ذلك للشعب، فما قرره أمضاه ونفذه، بأن يختار مولانا -دام علاه- من
كل قبيلة وفرقة وبلدة أصحاب الشطارة والذكاء والحزم والضبط، أو يحضر فيه (كذا) كل من يطلب
الحضور، لأنه يجري فيه حق الجميع، فكلٌّ يتكلم بحسب ما سنح له، ويلقي على هذا المجمع العمومي
مطالب أوربا، وما يتنزل عليه الفكر الأخير من الجميع يرفع إليها، فيتخلص مولانا السلطان بذلك – من
مسؤولية أوربا ومن مسؤولية شعبه، لأن المجلس المذكور إذا قرر -إذ ذاك- تنفيذ المؤتمر؛ فتكون
المسؤولية على أعضائه، لا على مولانا السلطان، فلا يلغو لاغ، وإذا قرروا إلغاءه، فتكون المسؤولية
على الرعية لا على السلطان، ويلزمها السلطان -إذ ذاك- بنفقات الحروب، وتعميم العسكرية، لأن
الحرب لا بد أن نشد أوزارها مع عدم قبوله، وإن أهل المجلس المذكور إذا انتخبوا بالشريطة المذكورة
التي هي الأهلية والتدريب وممارسة السياسات الأجنبية، بحيث يكونون ممن حنكتهم التجارب)...(
لا يلغون المؤتمر رأسًا، لما أنه قد ضمن مصالح ذاتية للمغرب لا توازيها الغواني ولا العوابي، فتطلب
الأمّة تعديل بعض بنوده التي يقر قرار المجمع الأهلي على كونه ضارًا مضرًا بالمصلحة المغربية،
ومجحفًا بحقوق الدِّين والوطن، ولا بدع في ذلك، بل هو منهج مسلوك بين الدول».... إن تحليل هذه الرسالة يفيد بأن التصور السياسي الذي كان يحاول الكتاني تركيزه من خلال مبادراته
المختلفة، هو تعزيز موقع الأمّة وحقها في مباشرة السيادة الوطنية، ومحاولة إحداث نوع من الديمقراطية
بالحد من السلطة المطلقة التقليدية التي كان يتمتع بها السلطان عادة، ويفسح المجال أمام هيئة تمثيلية
تبلغ صوت الأمّة. ومن شأن تحقيق هذا النوع من التوازن في السلطة أن يلقي المسؤولية على عاتق
الأمّة لا على عاتق السلطان وحده، كما أنه سيضع الأجانب أمام شعب وقيادته في آن واحد، ولا يسمح
لهم بالاستفراد بالسلطان وحده. لا تخلو الرسالة من واقعية سياسية تنمّ عن متابعة دقيقة للأحداث والوقائع، وعن إدراك عميق لموازين
القوى الموجودة؛ فهي تتوقّع ألّ يقوم أعضاء الهيئة المذكورة، في حال كانوا يتمتعون بحس سياسي
متقد وبتجربة عملية في ممارسة السياسة الخارجية (الأجنبية)، بإلغاء مقررات مؤتمر الجزيرة الخضراء
جملة وتفصيلً، وإنما يتحفظون على بعض البنود المضرة بالمصلحة المغربية والمجحفة في حق
الدِّين والوطن، ويطالبون بتعديلها، كما هو متعارف عليه بين الدول، وكما حدث مع «بروسيا أواخر
القرن المنصرم بعد حرب ألمانيا وفرنسا.».. كما أن اللغة التي كُتبت بها الرسالة -وإن كانت لا تخلو من أسلوب المجاملات مع السلطان- لا تتردد
في إملاء بعض التوجيهات عليه بصيغة الأمر، تنفيذًا لمقتضيات البيعة المشروطة. وبحسب الرسالة،
فإن «المطلوب من مولانا الإمام أن لا يبرم شيئًا من قبول المؤتمر أو عدمه، أو قبول الحمايات»، لأن
«أول من يدخل فيها هم وزراء المخلوع»، كما تمنعه من الاقتراض الخارجي و«طلب شيء من البنك»،
((8(محمد المنوني، «ملامح الانبعاث المغربي في عصر السلطان الحفيظ،» في: المغرب من العهد العزيزي إلى سنة 1912،
ص 30. انظر نص الوثيقة كاملة في: رسالة من الشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني إلى السلطان مولاي عبد الحفيظ حول عرض
وثيقة الجزيرة الخضراء على ندوة وطنية.
لأن ذلك يدخل في مضامين وثيقة الجزيرة الخضراء، «والتصرف فيه قبول له، وقبوله يلزمنا سائر بنود
المؤتمر»، إلى غير ذلك من الإشارات التي تحد من اختصاصات الملك. بل تذهب مقترحات الشيخ
الكتاني إلى منع الملك من «التفاوض في هذه الأمور أو إبرامها نفيًا وإثباتًا، مع أي شخص كان)...(
إلّ بعد أخذ آراء رعيته في كل مشكل.» وللتخلص من تركة السلطان المخلوع ومن رموز العهد السابق، ترى الرسالة أن «من الضروري اللازم
- قبل كل شيء - تبديل أعضاء دار النيابة كليًا»، وتتهمهم بأنهم «أشربوا سياسة فرنسا في لحمهم
ودمهم، فلا يتمشون إلّ بإشارتها.» لمزيد من تركيز مضامين البيعة المشروطة، بعث الشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني إلى السلطان
عبد الحفيظ رسالة بشأن تنظيم مجلس الشورى في دار المخزن الجديد، الذي أ حدث في فاس للفصل
في القضايا الشرعية، ولكن الكتاني أعطاه مضمونًا آخر، واعتبر أن الأفراد المعينين فيه «لم يشعروا
بالمعنى المقصود من هذا المجلس»، فمآله - بحسب فهم الكتاني- «أن يكون مجلسًا للأمّة»، ولتحقيق
هذا الغرض، لا بد له من تدخّل السلطان لكي «يجعل لهذه الأمور ضوابط وأسسًا لا تنخرم»، كما يقترح
عليه أسماء بعض العلماء الذين يرى أنهم أهل لتحمل المسؤولية في هذا المجلس ك«الفقيه المدرس
الناسك الدين سيدي عبد العزيز بناني، فإنه أهل لها، لمتانة دينه، ولشدة فاقته». إن هذه المحاولات المتكررة لإرساء دعائم السلطة على أسس تنظيمية كانت تمهّد الطريق للمطالبة
بضرورة توفّر البلاد على دستور واضح، وهو الذي لم يتأخر كثيرًا؛ «فبعد مرور أربعة أشهر على صدور
وثيقة البيعة، ظهر مشروع الدستور الذي نُشرت نصوصه على صفحات جريدة لسانالمغرب في تشرين
الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر 1908. ولكن قبل ذلك، نشر أحد الكتّاب في الجريدة ذاتها
مقالً مركَّزًا، يفيدنا بإبراز العلاقة بين علماء فاس الذين كانوا وراء البيعة الحفيظية، ومشروع دستور
1908، الذي لم يكن إلّ امتدادًا للبيعة المشروطة التي يعتبرها البعض «بيعة دستورية». جاء في أحد المقالات المنشورة على أعمدة هذه الجريدة: «بما أن الوقت قد دعا إلى الإصلاح،
والشبيبة العصرية قد هللت قلوبها وانشرحت صدورها له، وجلالة سلطاننا الجديد (عبد الحفيظ)
يعرف لزومه، فنحن لا نألو جهدًا في المناداة بطلبه على صفحات الجرائد من جلالته، وهو يعلم
أننا ما قلّدناه بيعتنا، واخترناه لإمامتنا، وخطبنا وده رغبة منا وطوعًا من غير أن يجلب علينا بخيل ولا
رجال، إلّ أملً في أن ينقذنا من وهدة السقوط التي أوصلنا إليها الجهل والاستبداد، فعلى جلالته أن
يحقق رجاءنا، وأن يبرهن للكل عن أهليته، ومقدرته على ترقية شعبه، وعلى رغبته في الإصلاح،
((8(عثر محمد المنوني على وثيقة بخط الشيخ عبد الحفيظ الفاسي يشرح فيها حقيقة مجلس الشورى في فقرة يقول فيها: «شك ل
يوم الاثنين جمادى الثانية 1908/1326 مجلس من أعيان فاس، تحت رئاسة سماحة السيد محمد الكتاني الشهير، وعيّن له
إحدى غرف الوزارة بالدار العلية. وماهية هذا المجلس أن يبدي آراءه بخصوص المسائل الشرعية التي تعرض هناك ويرسلها إليه
الوزراء، وكذلك بخصوص المسائل التي تعزم الحكومة تأسيسها، وتكون قد عرضت عليه. وكذلك سائر الأمور التي تحولها إليه
الوزارة، سواء كانت متعلقة بالشرائع أم بالإدارات. وهذا مشروع مفيد حسن، إن أسست دعائمه، وأنقت مبانيه، ونصحت أعضاؤه.»
انظر: المصدر نفسه، ص.33
((9(خالد الناصري، «الأبعاد الحضارية لمشروع دستور 1908،» في: المغرب من العهد العزيزي إلى سنة 1912، ص.239
وجدارته بإدارة ما قلّدته أمّته (...) وبما أن يدًا واحدة لا تقدر على إنهاض شعب من وهدة سقوطه،
وعلى إصلاح إدارة مختلة كإدارة حكومتنا، فيجب أن تكون الأيدي المتصرفة، والعقول المفكرة،
والأفكار المدبِّرة، كثيرة متكاثفة على العمل، وعليه فلا مناص ولا محيد لجلالته [من] أن يمنح أمّته
نعمة الدستور ومجلس النواب، و[من] إعطائها حرية العمل والفكر لتقوم بإصلاح بلادها، اقتداء
بدول الدنيا الحاضرة: المسلمة والمسيحية».... غير أن هذه المبادرات باءت كلها بالفشل بسبب الأوضاع الداخلية وتحت ضغط القوات الأجنبية،
وقبول المولى عبد الحفيظ معاهدة الجزيرة الخضراء، واعتراف الدول الأوروبية به سلطانًا على
المغرب، وعجزه عن الاستمرار في الجهاد أمام تقدم القوات الفرنسية في الشاوية. واضطر المولى عبد الحفيظ إلى الخضوع لجميع الشروط التي برر فيها خلع أخيه، وهو ما سيبرر
القطيعة والتوجس اللذين وقعا بين السلطان وعلماء فاس، خصوصًا محمد بن عبد الكبير الكتاني، هذه
القطيعة التي ستكون - بحسب رأينا - هي الدافع إلى التستر وراء جريدة لسان المغربلنشر مشروع
دستور 1908 في أربعة أعداد متتالية بين 11 تشرين الأول/أكتوبر و 1 تشرين الثاني/نوفمبر.1908 يتكون المشروع من ثلاث وتسعين مادة تتوزع بين عشرة أبواب: -1 الدولة والدَّين والسلطان. -2 أبناء الدولة الشريفة: حقوقهم وواجباتهم. -3 منتدى الشورى -4 مجلس الأمة -5 مجلس الشرفاء -6 كبار الموظفين -7 مالية الدولة -8 رواتب الموظفين -9 الجبايات -10 المدارس الوطنية. يمكن تصنيف مواد هذا المشروع وتحليلها انطلاقًا من العناصر التالية: -1 شكل الدولة وعناصرها
((9(انظر: المغرب الجديد، العدد 6 (تشرين الثاني/ نوفمبر 1935)، ص.3-2
((9(بعث المولى عبد الحفيظ رسالة إلى عميد السلك الدبلوماسي في طنجة يقول فيها: «إنني أعترف بالمعاهدات المعقودة بين
أسلافي وبين الدول، وبصورة خاصة ميثاق الجزيرة الخضراء الذي أعتبره كأساس لازدهار وتقدم السلطنة السعيدة من الناحية
السياسية والاقتصادية، آملين أن يضمن هذا الميثاق استقلال بلادنا وأن يحقق لها إصلاحات نافعة». انظر: الأزرق، ص.110
((9(راجع نص المشروع في: مجلةتاريخ المغرب، العدد 1.)1981(
-2 الحقوق والحريات -3 تنظيم الشورى وآليات تقييد السلطة -4 التدبير الديمقراطي للمال العام وعلى الرغم من أهمية هذا المشروع، فإنه لم يلق أي صدى لدى المخزن الحفيظي، خصوصًا بعد
القطيعة التي حصلت بين السلطان والعلماء منذ البيعة المشروطة. كما أن هذا المشروع لم يكن له صدى في الأوساط الشعبية العامة، خصوصًا في البوادي الثائرة، التي
لم تكن ترى في تجاوز واقع الاحتلال والتسلط الأجنبيين للمناطق المغربية سوى المواجهة المباشرة. والواقع أن المغرب كان يعيش آخر أيام استقلاله الذي استطاع [المغرب] أن يحافظ عليه أزيد من عشرة
قرون، على خلاف الدول المجاورة، فكان توقيع معاهدة الحماية بصفة رسمية يوم 30 آذار/مارس
1912، إيذانًا بدخول المغرب مرحلة جديدة على المستويات كافة، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا.
استنتاجات عامة
يتضح من خلال ما سبق الدورُ السياسي والفكري الذي قام به المثقَّفون/ العلماء للمساهمة في تنظيم
السلطة والإصلاح السياسي، من خلال مجموعة من المشاريع «الدستورية» التي تأرجحت بين الرجوع
إلى الشريعة الإسلامية وإضافة أفكار جديدة ذات مصدر غربي أوروبي. ويتضح أيضًا أن المسألة الدستورية في المغرب «برزت في لحظة خيّم عليها البحث عن مشروع
مجتمعي يكفل للمغاربة التقدم والارتقاء إلى مصاف الدول الأوربية آنذاك»، والتخلص من هيمنتها،
وذلك على خلاف التطور الدستوري في الغرب الذي اندرج أساسًا ضمن مشروع ديمراطي، مر بكثير
من المراحل والمحطات الصراعية عبر تراكمات تاريخية متعاقبة ومسترسلة، قبل أن يصل إلى تقييد
السلطة وتوسيع فضاء الحرية. انطلاقًا من هذه الحقيقة، يمكن استنتاج بعض الأفكار الأساسية: • إن الاقتناع بضرورة الإصلاح السياسي لم يكن نتيجة تطور داخلي محض على الرغم من أهمية هذا
العامل - ولكن محركها الأساسي كان المواجهة مع الغرب، مع بداية الاحتلال الأوروبي، وما أحدثه
من تحولات داخل النسيج الاجتماعي والثقافي، وكذا ما أحدثه من تأثير مباشر على مستوى الدولة
وجهاز الحكم؛ فهذه المواجهة أو الصدمة مع الآخر هي التي دفعت الوعي المغربي إلى تشخيص
المعوقات التي تعرقل الإصلاح، وإلى تحديد، في الوقت نفسه، سبل التقدم والارتقاء إلى مستوى
الدولة الغربية الحديثة. وقد حددت النخبة المفكرة الأسباب الأساسية للتأخر في سيادة الجهل على
المستوى الاجتماعي، وفي الاستبداد على المستوى السياسي، واتفقت على ضرورة وضع حد للجهل
من خلال اكتساب المعرفة وإشاعة التعليم، والقضاء على الاستبداد من خلال الدسترة. ويمكن
اقتباس مقولة خير الدين التونسي بشأن هذه الثنائية للدلالة على ذلك؛ فمع أنه ليس مغربيًا، فهو يعبّر عن
((9(بوقنطار، ص.59
اهتمامات النخبة المغربية نفسها، بحيث اعتبر: «.. أن سعادة الممالك وشقاءها في أمورها الدنيوية،
إنما تكون بقدر ما تيسر لملوكها من العلم والمعرفة، وبقدر ما لها من التنظيمات السياسية المؤسسة
على العدل ومعرفتها واحترامها من رجالها المباشرين لها»... • ارتهن العلماء بالمسألة الدستورية، وعلّقوا عليها آمال الإصلاح والتقدم، واعتبروا أن تحقيق الدستور
هو «البلسم الشافي للأمراض التي تنخر كيان المجتمع» على المستويات كافة، ولم يتعاملوا مع
الدستور على أساس أنه تعبير قانوني وسياسي عن نظام معيّن، وإنما ربطوا يبن الدسترة والإصلاح
الشامل، في وقت كان المغرب تحت مجهر المراقبة الأوروبية وضغط الدول الاستعمارية التي
كانت تتدرج في النيل من سيادته، فلم يكن الدستور أداة لتنظيم السلطة وضبطها فقط، بل كان بمثابة
برنامج متكامل لتجاوز الأوضاع المأزومة على المستويات كلها. ولذلك نلاحظ أن جميع المشاريع
الدستورية المنجزة في تلك المرحلة تخصص بنودًا للحديث عن أهمية التعليم، ودور المدرسة
الوطنية، والمدارس الصناعية والزراعية، وكذلك تنظيم الإدارة وكيفية تعيين الموظفين، بل وحتى
رواتبهم، ومالية الدولة وطرق مراقبتها، إلى غير ذلك من القضايا التي تنمّ عن منظور إصلاحي شامل
تتجاوز السقف المسموح به للدستور عادة. • يمكن القول إن المشروع الإصلاحي الذي كانت فئة العلماء تتوق إلى تحقيقه يتلخص في
النقاط التالية: - إصلاح سياسي ودستوري قائم على فلسفة الشورى، وجعل القرار في يد ممثّلي الأمّة وفق إرادتها،
وإلغاء نظام الاستبداد والتسيير الفردي، وإعادة الاعتبار إلى مفهوم الأمة. - إصلاح إداري صارم، مع خلع العناصر الإدارية الفاسدة أو التي ثبت تواطؤها مع الأجانب، والوقوف
في وجه جميع النزعات السلطوية والاستبدادية والمصلحية. - رفع الوصاية الأجنبية عن المغرب، ورفض التدخل الخارجي وإعادة الاعتبار إلى مفاهيم الحرية
والاستقلال والسيادة. - الاهتمام بالعلوم الدينية والحياتية، وتوفير الوسائل الضرورية لذلك. - إعطاء المكانة الأولى للشريعة الإسلامية وجعلها مصدرًا لجميع التشريعات والقوانين. - البحث عن التحالف والتعاون مع البلدان الإسلامية المستقلة، وهي رغبة تعبّر عنها معظم الكتابات
في تلك المرحلة. • إن التباس المسألة الدستورية بالقضية الإصلاحية والتحديثية بصفة عامة، رافقه بعض التميز في ما
يتعلق بالمصدر المرجعي الذي انطلقت منه محاولات الدسترة الأولى: فالذين فكروا في المسألة
الدستورية، على الرغم من جميع الاختلافات القائمة في ما بينهم، ظلوا مرتبطين بالمرجعية الشرعية
((9(حليم اليازجي، «الحرية والديموقراطية في الفكر العربي الحديث،» في: فهمية شرف الدين [وآخرون]، بحوث في الفكر القومي
العربي: إشكاليات نظرية: الأيديولوجيا الإصلاحية ومظاهرها في الفكر العربي الحديث، دراسات الفكر العربي، 2 مج (بيروت: معهد
الإنماء العربي، 1985)، ص.103
((9(بوقنطار، ص.59
((9(انظر مشروع دستور 1908 من المادة 13 إلى 89 المواد المعنونة ب «المدارس الوطنية.»
الدينية. وبذلك تميزت التجربة الدستورية المغربية في مهدها بسياق فكري مختلف عن نظيراتها في
أوروبا؛ فالمسألة الدستورية طرحها في الغرب مفكرون ارتبطت اجتهاداتهم النظرية بمناهضة الكنيسة،
وجعلت من فصل الدِّين عن الدولة المدخل الأول لبناء العلاقات بين الحاكمين والمحكومين، وبالتالي
لقيام الدستور، بحيث أصبحت العلمانية إحدى السمات المميزة للنهضة السياسية والدستورية التي
عاشتها أوروبا، بينما شكّل المنهج التوفيقي بين المؤسسات السياسية الحديثة والإسلام معالم المنهج
المعتمد من جانب العلماء في المغرب، وذلك انطلاقًا من اعتبار الاقتباس والاستفادة من التجربة
الغربية أمرًا لا يتنافى مع جوهر الإسلام. وبذلك أصبحت هذه النزعة التوفيقية هي السمة البارزة في
الخطاب السياسي والدستوري المغربي، حتى اللحظة الراهنة، في موازاة الاحتراس الشديد من خلق
أي تعارض بين الدستور والإسلام. وقد برز ذلك واضحًا من خلال علاقات التجاور والتعايش التي
أقامتها بين النظام السلطاني والنظام الحديث بحيث لم تعترض على المؤسسة السلطانية ولم تطعن في
شرعيتها، ولم تعتبرها «ملكًا جبريًا» بل «صادقت عليها وفي الوقت نفسه حاولت البحث عن مصادر
أخرى للشرعية». وهكذا حصل ذلك التجاور بين نظام البيعة بمحتواها الديني لتنصيب «الإمام» وبين
النظام الدستوري بمفهومه السياسي. إن حصيلة هذه الرغبة في مواءمة المفاهيم الدستورية ذات النشأة الغربية، ومحاولة تبيئتها داخل التربة العربية الإسلامية، تبدو في حاجة إلى عمق تنظيري أكثر وضوحًا؛ فعلى الرغم من الإطناب
في استنكار الاستبداد والدعوة إلى الدسترة، بقي التفكير في دراسة المسألة السياسية باعتبارها دراسة لمشكلة الدولة والمجتمع والعلاقة بينهما، تفكيرًا سطحيًا، ولم يُكتب له أن يطور نموذجًا دستوريًا
متكاملً نابعًا من الخصوصيات المحلية، ومستجيبًا لحاجات ومواصفات الدسترة بما تعنيه من
مؤسساتية ومن بناء تنظيمي محكم يستلهم قيم الشورى والعدل والحرية والمساواة، ويعبّر عنها من
خلال أشكال سياسية واضحة. مع ذلك، ومن باب الموضوعية والإنصاف، ينبغي أن «نحاكم» المحاولات الدستورية بالنظر إلى وعي المرحلة التي تعبرها، فليس من صلاحيتنا -علميًا - أن نسمح لأنفسنا بالحكم على وعي قديم بتفكير
حديث إلّ في حدود معيّنة، ولذلك يمكن القول إن هذا «التخبّط» والاضطراب في الفكر الدستوري
المغربي لبداية القرن هما في الحقيقة تعبير عن البيئة التي نشأ فيها، والتي امتزجت فيها عناصر كثيرة، كالتدخل الأجنبي والانحطاط العسكري والعلمي والرغبة الجامحة في الإصلاح، في موازاة «افتقاد الشرط الأساسي لتبلور حركة دستورية صحية، ألا وهو المناخ اللبيرالي»، وأجواء الحرية، سواء في العلاقة بالأجانب والضغوطات الخارجية أو في ما يتعلق بعلاقة العلماء بالسلطة. وهكذا، فإن الأفكار السياسية والدستورية التي طرحت في تلك الحقبة لم تتوافر فيها الشروط التاريخية
المطلوبة بقدر ما جاءت ردةَ فعل على الغزو الاستعماري المدني والعسكري؛ فقضية الشورى مثلً لم
((9(عبد الإله بلقزيز، الخطاب الإصلاحي في المغرب: التكوين والمصادر، ط 1 (بيروت: دار المنتخب،1997)، ص 193.194-
((9(بوقنطار، ص.61
تبرز إلّ مع التدخل الخارجي الذي فجّر هذه المسألة، وجعل العلماء يقتنعون بها شرطًا من شروط التقدم.
وقد تطور تفعيل هذا المبدأ وتطويره في أشكال مؤسساتية مع تطور الغزو الأوروبي في موازاة تطور
الحس الاجتهادي عند العلماء؛ فالشورى اختلف حولها العلماء في البداية: هل هي ملز مة أم هي من باب
الاستئناس فقط، وهذا راجع إلى سيادة مظاهر الاستبداد وطول هيمنته على الأوضاع السياسية، حتى أصبح
الاستبداد والتفرد بالحكم جزءًا من بنية السلطة، وأصبح التسليم به عقيدة فكرية لم يستطع أن يتخلص منها
وعي العلماء الفقهي بسهولة، «ومع زيادة الضغط الأوربي المدني، وخصوصًا الضغط التجاري والسياسي،
انتقلت فكرة الشورى إلى مستوى التجربة العملية الشعبية» مع تشكيل مجالس الأعيان التي كانت تضم
الشخصيات البارزة في البلاد، ثم تطورت لتشمل جميع الفئات والطوائف ووحدات المجتمع، وتم تطوير
طريقة تشكيل هذه المجالس. كما تطورت الاجتهادات الدستورية التي حاولت الدفاع عن إلزامية نتائج
الشورى، وحاولت تثبيت فكرة الانتخاب الشعبي المستلهم من النموذج الأوروبي المعاصر إلى حد كبير،
مع تقييد نتائج العمل البرلماني في هذه المجالس الشورية بمقتضيات الشريعة الإسلامية، وتطوير النظام
الفقهي الإسلامي ليعطي جوابًا حديثًا عن مسألة تتصل بالدولة وبالفلسفة السياسية التي تقوم عليها. وهكذا،
أمكن للنظام المعرفي الإسلامي أن يتجدد لتطوير أدواته التنظيمية و«لتجويز» وقبول الفكرة الدستورية
التي تقع في منظومة فكرية «مختلفة عنه» وتتصل بجانب حساس جدًا من جوانب رعاية الشؤون العامة
وتدبير قضايا الحكم والدولة، وهو ما جعلها تمزج بين الأصالة والمعاصرة على المستوى النظري.
وقد كان من الممكن لو تحقق هذا «المزج» في الواقع، وسمحت الظروف السياسية والاجتماعية بذلك،
أن تنقذ المغرب من الانهيار، غير أن العوامل الداخلية لم تكن مهيأة لإحداث هذا التطور والانتقال بالكيان
السياسي المغربي من المخزن التقليدي إلى الدولة الحديثة، هذا الانتقال الذي جوبه بالموقف السلبي
للمخزن، خصوصًا في عهد السلطان عبد الحفيظ، حيث عمل بعض رموز هذا العهد -ممن سمّاهم علال
الفاسي الفيوداليين- «على تحريض السلطان ضدها ممّا كانت نتيجته إيقاف جريدة لسان المغرب بإيعاز
من الفرنسيين وتواطؤ من رجال المخزن». كما أن الاستعمار كان لها بالمرصاد بعدما سقط المغرب في قبضة الاحتلال رسميًا، ولم يُكتب لهذه
المحاولات أن تشتبك مع الواقع، وظلت حبرًا على ورق، ولكن من الواضح أن الحركة الوطنية التي
قامت في ظل الاحتلال تستلهم من هذا التراث الدستوري الشيء الكثير، وترجمه زعماء الحركة الوطنية
في كتاباتهم الفكرية وفي نضالهم السياسي من أجل الحرية والاستقلال والعدل، وتجاوز واقع الحماية
الذي عمل على تركيز تنظيم مؤسساتي وإداري جديد، كما عمل على تحطيم البنى التقليدية السابقة.
((10(العماري، ص.516
(((10 يتساءل عبد الإله بلقزيز: كيف أمكن ذلك؟ وقد حاولنا أن نبرز المنهج التوفيقي الذي اعتمده العلماء لرفع التناقض والالتباس
بين الفكرة الدستورية والإسلام. انظر: بلقزيز، ص.193
(((10 يقول علال الفاسي في هذا الصدد: «وفي ثاني [أيار] ماي، أمر الجباص بمنع جريدة لسان المغرب واعتقال الإخوة نمور.
وفي هذا الموضوع يروي أحمد الزيدي: لقد تنبه الفرنسيون إلى الدور الذي تقوم به جريدة لسان المغرب، فأوعزوا إلى صديقهم
الجباص، وكان إذ ذاك نائب السلطان بطنجة، بالقضاء على هذه الجريدة، فكتب لمولى عبد الحفيظ يستأذنه في إيقافها، لأنها تنشر
مشروع دستور مغربي، وفي ذلك خطر على نفوذ السلطان، فأذن له السلطان في توقيف تلك الجريدة، فأوقفها وفتش مركزها، ونفى
صاحبها من طنجة». انظر: علال الفاسي، الديمقراطية وكفاح الشعب المغربي من أجلها، إعداد عبد الرحمن بن العربي الحريشي
(الرباط: مطبعة الرسالة، 1990)، ص.40