العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الفلسفة الروحانية عند هنري برغسون

الفلسفة الروحانية عند هنري برغسون

Henri Bergson’s Spiritual Philosophy

كمال طيرشي

Kamel Tirchi

الملخّص

تحاول هذه المساهمة معالجة فلسفة هنري برغسون الروحانية، باعتبارها شعورًا حدسانيًا باطنيًا معيشًا، تعبّر بحق عن ديمومة روحانية بوصفها نسقًا أنطولوجيًا يحاول أن يثبت ذاته بواسطة فكرة الكمال والتمامية، واضعًا وشائج قربى بين القيمي والأنطولوجي، ومطابقًا للقيمي مع الزماني الروحاني، إذ يمد الديمومة بالطابع الخلّق ودعوة إلى معايشة القيم الروحانية في الواقع المعيش لتكون للإنسانية ماهية حقيقية تتعالى عن الغريزة والعقل والأداتية، وتنتشل الإنسان المعاصر من براثن العدمية والتشيّؤ.

Abstract

The author attempts to tackle the spiritual philosophy of Henri Bergson which is understood to be a living, inner, instinctive sense that rightly expresses spiritual permanence as an ontological mode that tries to prove itself by means of the idea of perfection. It links the ethical and the ontological, making the ethical conform to the spiritual-temporal, since permanence extends with the creative nature and call to live with spiritual values in lived reality for humanity to have a true essence that transcends instinct or reason and instrumentalism and rescues contemporary man from the claws of nihilism and objectification. The problematic of the research lies in its attempt to answer the following questions: what is the status of permanence in the spiritual philosophy of Henri Bergson? Why did he concentrate on the spirit as opposed to the natural body? What is the source for Bergsonian spiritual values? How did Bergson refute modern conceptions based on instrumental reason and objectification?

الكلمات المفتاحية:
  • برغسون
  • الشعور
  • الزمن الروحاني
  • الأنطولوجي
  • القيمي
Keywords:
  • Bergson
  • Feeling
  • Spiritual-Temporal
  • Ontology.

تحاول هذه المساهمة معالجة فلسفة هنري برغسون الروحانية، باعتبارها شعورًا حدسانيًا باطنيًا معيشًا، تعبّر بحق عن ديمومة روحانية بوصفها نسقًا أنطولوجيًا يحاول أن يثبت ذاته بواسطة فكرة الكمال والتمامية، واضعًا وشائج قربى بين القيمي والأنطولوجي، ومطابقًا للقيمي مع الزماني الروحاني، إذ يمد الديمومة بالطابع الخلّ ق ودعوة إلى معايشة القيم الروحانية في الواقع المعيش لتكون للإنسانية ماهية حقيقية تتعالى عن الغريزة والعقل والأداتية، وتنتشل الإنسان المعاصر من براثن العدمية والتشيّؤ. تتمثل إشكالية البحث في سعيه إلى الإجابة عن الأسئلة التالية: ماهي مكانة الديمومة في فلسفة هنري برغسون الروحانية؟ ولماذا ركّز برغسون على الروح في مقابل الجسد الطبيعي؟ وما هو المنهل الفياض للقيم الروحانية البرغسونية؟ وكيف دحض برغسون تصورات الحداثة المرتكزة على العقل الأداتي وقيم التشيّؤ؟

توطئة جاء حضور فلسفة هنري برغسون الروحانية ردةَ فعل ضد حداثة العقل الأداتي للعلم والتقنية، وكذا استغفال الإنسان المعاصر للأبعاد الروحانية للإنسانية جرّاء تعالقه بالصيغ المادية المقيّدة بالرمزيات المسطحة التي تحجب البصيرة عن الحقيقة الروحانية. وإذا استقرأ الإنسان المعاصر خبايا جوانيته وأناه القابعة في باطن نفسه، يستكنه قيمًا روحانية ويتبصر بحصافة شخصيته الحقيقية التي تمتاز بالحرية والتجدد والخلق والديمومة، وهي المنبع الرقراق والصافي لقيمنا الروحانية التي تشفي غليلنا القيمي الحياتي. ولذلك، عبّر برغسون عن هذا النهل الفياض والمعين الذي لا ينضب ب« الديمومة.»

مفهوم الديمومة تحتل فلسفة الديمومة عند برغسون منزلة مركزية مهيبة، وتمتاز بأهم خاصية هي «الدوام» بحكم تعالقيتها بالزمانية الكيفية، وهذا ما أكده برغسون في كتابه المثير الطاقة الروحية بقوله «: كل شعور هو استباق للمستقبل. أنظروا إلى اتجاه فكركم في أية لحظة، إنه يهتم بما هو موجود، ولكنه يهتم به في سبيل ما سيكون بالدرجة الأولى »1. كما أن للشعور الجواني الكامن في بواطن روحنا منزلة مهمة تجعله يكتسي طابعًا ذاتويًا وسيكولوجيًا في شعورنا الخالص، مؤسِّسًا، وبصورة مذهلة، لأنطولوجيا ذاتية روحانية، وذلك فقط حينما نستكنه خبايا التجربة البشرية الأولى التي تجبلها الصيرورة التغيّرية والحركة الدينامية المتطورة؛ إذ يقول برغسون في كتابه التطور الخلاق «: ليس ثمة ريب في أن وجودنا الذّاتوي هو الوجود الذي نراه أكيدًا إلى أكبر حد ممكن، والذي نعرفه على أكمل وجه، وذلك لأنه من الممكن أن نحكم على جميع الأشياء الأخرى التي نكوّنها لأنفسنا بأنها معان خارجية وسطحية، وحين ندرك أنفسنا إدراكًا داخليًا وعميقًا »2. كما أثبت برغسون في كتابه المادة والذاكرة أهمية أنطولوجيا الذات، معتبرًا أنها ترتكز أساسًا على «الأنا القديم» الذي يرتهن وجوده بالتجذر نحو ماضيه القريب أو البعيد، حيث يسير زمانه الخاص بطريقة تراكمية تقدّمية بمنحى المستقبل. ومن خلال هذا الطرح، استطاع برغسون أن يصل إلى نتيجة روحانية محضة مفادها أن الروح خالدة وسرمدية بحكم استقلاليتها عن البدن3.

يثبت برغسون أيضًا أهمية الديمومة في فلسفته الروحانية، معتقدًا أنها نقلة جوهرية من حال إلى حال، من دون الركون إلى التكرار والرتابة الباعث على الملل؛ ففي لحظة روحية ديمومية هي في حقيقة الأمر إبداع تجددي وانبجاس وانبعاث خلّق متدفق باستمرارية. ومع هذا التغاير المثير في صيرورة الديمومة لا نفهم منها البتة القطيعة مع الأحوال الجوانية القابعة في ملكوت أرواحنا، بل هي سيل عرِم متصل ومتلازم بالارتباط، ومتسلسل بلحظات الزمان الثلاث (الماضي والحاضر والمستقبل)، وبصورة كيفية، وكل لحظة فيه مغايرة تمامًا للحظة السابقة لها، أو التي ستأتي في المستقبل القريب أو البعيد، لا تعرف النهاية أبدًا. لهذا، لا يمكن الواحد منّا أن يحذق في علم الغيب ويتنبأ بالمستقبل، لأن الحالات الروحانية لا تتكرر بل تتجدد دومًا، ومتفردة كل الفرادة، وتتسم بالاتساقية، والروح وحدها هي صاحبة القرار الحر والخلّ ق، وهذا ما يؤكده برغسون في كتابه بحث في المعطيات المباشرة للشعور بقوله: « من الروح بكليانتها ينبجس القرار الحر ويفيض »4.

  1. هنري برغسون، الطاقة الروحية، ترجمة سامي الدروبي (بيروت: دار الفكر العربي، 1963)، ص.7
  2. هنري برغسون، التطور الخالق، ترجمة محمد محمود قاسم؛ مراجعة نجيب بلدي، نصوص فلسفية (القاهرة: وزارة الثقافة والإرشاد، 1984)، ص.10
  3. Henri Bergson,  Matière et mémoire: Essai sur la relation du corps à l'esprit , Quadrige; 29, 93eme ed. (Paris: Presses universitaires de France, 1982), p. 166.
  4. Henri Bergson, Essai sur les données immédiates de la conscience , Quadrige; 31, 155 ed. (Paris: Presses universitaires de France, 1982), p. 125.

كما أن لا قِبَل لأحد بلوغ ماهية الديمومة الحقانية ونشوتها وشغفها العامر إلّ عن طريق «قوة النفاذ» إلى كوامن الأنا الروحاني الباطني، وبجهد قوي وعميق لا طاقة لأحد به إلّ صفوة من البشر، فقد يحيا المرء ولا يبلغ أبدًا الحرية الحقيقية بعمقها السحيق. وبذلك، يمكن أن نستنتج أن الديمومة خبرة حياتية نستحضر فيها واقعنا المعيش كمعطى مباشر. كما أن أهم خاصية لهذه التجربة هي الدوام، والميزة الأكثر فرادة في فلسفة الديمومة البرغسونية هي صيغتها الروحانية الخلّقة التي تدعمها الصيغة الحيوية والإتيقية لتجعل منها حقيقة زمانية سيكولوجية معيشة، ومن خلال الصيغ الثلاث للديمومة تنبجس فلسفة جديدة عند برغسون هي فلسفة الروح5. ماهية الطاقة الروحانية عند برغسون عرفنا أن الديمومة هي فلسفة امتلاء نؤكد من خلالها القيومية الأنطولوجية للزمان الروحاني المتواصل والخلّق، كما أنها فلسفة روحانية تبعث على الطمأنينة والثقة. وفي مبحثنا هذا نعمد إلى اكتناه خبايا هذه الطاقة ودافعيتها ومنبعها وأصولها. ومن خلال استقرائنا كتاب الطاقة الروحية، نجد أن برغسون يعتقد أن تحديد ماهية الوعي يمتاز بالتحديد الضيق، وبمثل هكذا حضور دائم أمام خبرة كل واحد منّا، فيعمد إلى ربط الوعي بالذاكرة التي لا تكون موجودة إلّ مع موجودية الوعي فيها، بحكم أن الوعي الذي لا يحفظ شيئًا من أرشيف ماضيه ويتناسى ذاته باستمرار يهترئ ثم يولد في كل لحظة، ولنا في تعريف ليبنتز خير دليل، إذ يقول « المادة هي روح آنية »6. يعتقد برغسون أن الوعي الروحي هو دومًا استشراف لماهية المستقبل؛ فأنت توجه تفكيرك في لحظة حياتية آنية نحو ما سوف يكون، فيجرّنا الزمن الروحي إلى التحرك باستمرار للتطاول على المستقبل7. ويبحث برغسون في كتابه الطاقة الروحية عن طبيعة الروح، ويسرد لنا بعض التصورات التي تحاول تحديدها، فمثلً هناك من يقول إن الروح في الفضاء كما في الزمن تتجاوز الجسد الذي تقترن به، فلنعالج الأمر بالنسبة إلى الفضاء، والروح لا تتجاوز الجسد لا في الزمان ولا في الفضاء. لكن السؤال الذي يؤرق برغسون هو: هل توجد حقًا روح مختلفة عن البدن؟ يقترح برغسون على الفيلسوف أن يهتم بدراسة حياة الروح في جميع مظاهرها، فيقول: « فالفيلسوف المتمرس بالمراقبة الذاتية الداخلية، يجب عليه أن ينزل إلى داخل ذاته، ثم يعود إلى السطح، متتبِّعًا الحركة التدريجية التي يمتد بها الوعي وينتشر ويتهيأ لكي ينمو في الفضاء »8. ومن خلال هاته الممارسة، يقتدر الفيلسوف على استكناه هذا التحول التدريجي، ويعمد إلى تبصر التصرفات التي بها يتجلى الوعي في الخارج. ويعقّب برغسون على ذلك قائلً: «يحصل على الأقل

  1. Henri Gouhier, Bergson et le Christ des évangiles , Le Signe. Les grandes études religieuses (Paris: A. Fayard, 1961), p. 18.
  2. برغسون، الطاقة الروحية، ص.8
  3. المصدر نفسه، ص.9
  4. المصدر نفسه، ص.36

على إلهام غامض بما يمكن أن يكون عليه ولوج النفس إلى المادة، وما يمكن أن تكون عليه علاقة الجسد بالروح »9. ويهيب برغسون في محاضرة بعنوان «أشباح الأحياء والبحث النفساني»، ألقاها في جمعية البحث النفساني في لندن بتاريخ 28 أيار/مايو 1913، بأبحاث الجمعية المنصبّة على وضوح الرؤية والتخاطر واستكشاف خبايا الظواهر السيكولوجية والمثابرة الكبيرة، أن تُعلي من شأن الدراسات الروحانية، مشدّدًا على أهمية الماضي في صيرورة طاقتنا الروحية، إذ يقول: « ذلك أن ماضينا بأكمله موجود هنا، وباستمرار، وأنه ليس علينا إلّ أن نلتفت لكي نراه، إلّ أننا لا نستطيع ولا يجب أن نلتفت إلى الوراء، ولا يجب ذلك علينا لأن مصيرنا أن نعيش، وأن الحياة والعمل يتطلعان إلى الأمام »10. ويضيف قائل «: إن الرؤية الشاملة البانورامية للماضي تعود إذن إلى تخلّ مفاجئ عن كل اهتمام بالحياة، تخلٍّ ناشئ عن القناعة المفاجئة بأننا سنموت للتو »11. فلسفة الروح وعلاقتها بالقيم الثلاث: الدِّين والأخلاق والجمال

فلسفة الروح وعلاقتها بالقيم الأخلاقية

تعالق أفهوم الخلقي في مناحي الديمومة التي حدّثنا عنها برغسون، فسجّل لنا حضورها الإتيقي القيمي في كتابهمنبعا الأخلاق والدِّين، بحيث تكون العملية الخلقية صورة باعثة على الأخلاق، ومن المفاهيم المركزية التي يتبلور حولها مفهوم الخلق، كقيمة ديمومة «مفهوم الندّاء» حيث تكون الخبرة الإنيّة منبعًا أصيلً للأخلاقية، ومنطلقًا فياضًا للقيم الجديدة ينفتح المجتمع بفضلها. وهنا تكون الهزّة التغييرية؛ إذ يقول برغسون واصفًا إياها في كتابه منبعا الأخلاق والدين: « الهزّة، إنما يُحْدثها فرد، ومن العبث القول بأن هذه الوثبة لا نفترض من ورائها أي جهد خالق »12. وفي الأخلاق أيضًا يحصل الانجذاب، حيث ينجذب المجتمع بمنحى التجربة الباطنية لكل فرد من أفراد المجتمع. لذلك، فإن الوثبة من المغلق إلى المفتوح وثبة نحو الأمام، ولا يسعها التحقق إلّ إذا عزم المجتمع على أن يعاني تجربة ويقتنع بها. هذه القفزة البرغسونية إنما هي في حقانية الأمر بحث عن مفهوم الله، وتكوّن العملية الأخلاقية إبداعًا مستمرًا. ويستنجد برغسون ههنا بالطاقة الروحية الصاعدة (المصدر الحقيقي للقيم الخلقية)، ويتأكد ذلك أكثر حين يكون المسيح أعظم هذه الشخصيات الأخلاقية وأفضل من مثّل المبدأ الأعلى للأخلاق، ينصهر معها الزمني بالروحاني بفضل الحدس والعاطفة الخلّقة المحايثة له، فيتمكن الإنسان الصانع أن يكون فعالً في مجتمع مفتوح.

  1. المصدر نفسه، ص.36
  2. المصدر نفسه، ص.71
  3. المصدر نفسه، ص.71
  4. هنري برغسون، منبعا الأخلاق والدين، ترجمة سامي الدروبي وعبد الله عبد الدائم (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، 1971)، ص.89

تطرح القيم البرغسونية براديغمًا مهيبًا يقر بمستويين إيتيقيين هما: - نمط النكوص بمنحى الوراثة وفق عادات الأجداد وأعرافهم، ويكون للبُعد السوسيولوجي يده الطولى والتوجيه الأكبر باعتباره حافظ القيم وبؤرة صونها، كما أنه يضمن تناقلية أكسيولوجية من جيل إلى آخر، وهذا الأنموذج الأخلاقي يتسم بالسكونية والرتابة والانغلاق (نمط متقوقع)؛ - نمط يؤمن على نحو جازم بقيم الإبداع والانفتاح والتجديد، وينادي بحياة ملؤها التطور والسّمو السّؤددي، والصيرورة الدائمة التي تخلق الحياة خلقًا متجدّدًا، يقوّض معه قيم التقليد والانغلاق والجمود، وتمتاز هاته الأخلاقيات بالدينامية والحركية. مع ذلك، علينا أن نعترف حقيقة بأن برغسون عمد هو الآخر إلى قراءة أمهات الأعمال المحسوبة على المدرج السوسيولوجي. ونستحضر في مخيالنا ههنا كتابات عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايمِ، وكذلك ليفي برويل، لأنهما عمدا إلى وضع ضوابط إيتيقية سوسيولوجية صارمة تحتكم إليها النواميس السوسيولوجية، وفسّرا الظاهرة الاجتماعية بمنأى عن السلوك الفردي الذاتوي. لذلك، يكون أفهوم القسر والقهر ملازمًا للظاهرة الاجتماعية ودليلها المواضعاتي الدقيق على وجود هذا القسر. ويستشهد دوركايم على حقانية القسر بضبط القواعد السوسيولوجية وإلزامها بالقواعد الإيتيقية الصرف؛ فشعور «اللُّحمة الجماعية» مثلً يكون بمثابة الحيلولة دون أن يقتدر أي تصرف فردي يسعى إلى مهاجمة هاته القواعد الضبطية الاجتماعية، بحكم أن «شعور الجماعة» يعتمد على رقابة صارمة تسلط على الأشخاص داخل المجتمع، ويستعان لإحقاقها ببعض الزاوجر والعقوبات التي تكون السلطة الاجتماعية حرة في تصرفها13. الأدهى من ذلك تعليق برويل القائل إن ما يشعر به الفرد منّا من قيم المحبة والتعاطف والمودة يظن ظن السَّوء أنها متجذرة في كوامنه، أو أنها تنبجس من تلقاء نفسها، وخصوصًا في المجتمعات التي تشهد تطورًا في المنحى الحضاري، لكن هذه المشاعر الفردية هي في الحقيقة سليلة تراكمات عرفية تحكمها التقاليد الاجتماعية التي حفظها المجتمع منذ الأزل14.

فلسفة الروح وعلاقتها بالدِّين

حينما ننفتح على الدِّين عند برغسون، نجد أنه يوثّق الصلة بين الأخلاق والدِّين، حيث إن نداءهما واحد في الأهداف والمبتغيات؛ ففي صورة المسيح تنكشف الأخلاق المفتوحة التي تفيض على الإنسانية حبًّا. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الدِّين، إذ يصعب وضع حدود لهما. إن الدِّين الذي يحثنا على أن نسلكه في حياتنا هو ذلك الذي يتعالق بالإله الأعظم، ويتحد به فتنكشف معه حجُب الإشراق، وتضيء بفضله النفوس الممتازة، وتجبلها أفياض الحرارة ويغمرها الوجد بطيب غمراته15.

  1. إميل دوركايم، قواعد المنهج في علم الإجتماع، ترجمه وقدم له محمود قاسم؛ مراجعة محمد بدوي، ط 2 (الإسكندرية، مصر: دار المعرفة الجامعية، 1988)، ص.52
  2. ليفي بريل، الأخلاق وعلم العادات الأخلاقية، ترجمة محمود قاسم؛ مراجعة محمد بدوي (القاهرة: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1953)، ص.329
  3. برغسون، منبعا الأخلاق والدين، ص.239

ولا يتأتى للإنسان أن يتعالق بالإله وينجذب بمنحاه وتفيض عليه القيم فيضًا إلّ بعد أن ينأى بنفسه عن الطبيعة التي جعلته يقبع في دين ستاتي (سكوني). ويتعيّن عليه أن يتملص من العقل ويصعد في ملكوته نحو الاندماج بالله الذي هو الماهية الحقة للدِّين المتحرك الدينامي. ونفهم من ذلك أن الدِّين السكوني دِين فيزيقي خاضع للطبيعة، في حين أن الدِّين المتحرك مفارق للطبيعة. ويعرّج بنا برغسون على التجربة الصوفية الزهدية وعلاقتها المتينة بالدِّين الدينامي، باعتباره دِين حق، لأنهم ينهلون عرفانهم من إله عظيم، ونكتشف معه قيمًا صوفية متفردة في بساطتها وسموّها ومحبتها وعطفها على الإنسانية المنفتحة والمنجذبة إلى الدِّين الحركي. إن المتصوف شخصية سامية ينجذب نحوها البشر أجمع ويسعون إلى النهل من قبس نوره الذي يتخطى حدود الزمان والمكان، بسلوك مجاهدة جوانية، وخلق مستمر يسري في ديمومة روحانية صرف16. لهذا، نجد أن التصوف انبثق في الديانة المسيحية في أبهى حلة. أمّا برهان برغسون على وجود الإله، فهو مستمد من برهان الاتحادية والحلولية الذي يشرق في قلب المتصوف، ويؤكد له حضور الإله في قلبه من دون برهان عقلي فلسفي. إن الدِّين الساكن دين طقوسي شعائري وجامد، في حين أن الدِّين الدينامي الحركي يتجدد في كل زمان معيش كروحانية محضة. ويتجسد هذا الانفتاح المهيب للدِّين الحركي في الشخصيات الدينية العظيمة، ويعتبر برغسون هؤلاء المتفوقين العظماء امتيازًا نادرًا للتفرد والتوحّد والعزلة، لكن نداءهم من أجل حياة روحانية ومتناغمة وداعية إلى الحب نداء يأتي من السماء، بخلاف الأرضي النيتشوي، ويعرّج فيه الانسان إلى الألوهية بعاطفة جياشة وقوية ومطلقة بما ينمّ عن المطلق المرادف للكمالية. إن القيم عند برغسون أخلاقية ودينية، وليست علامات ضعف بل صورة صدوق عن نداء البطولة، وبذلك استطاعت قيم الأخلاق المفتوحة أن تحل معاناة الإنسان المعاصر ومحنته، لتتماهى الإنسانية بكليتها في عاطفة الحب والتعاطف، من دون أي إكراه أو ضغط أو وصايا أو زواجر أو روادع أو أي إلزام للسلوك الفردي. ويعتقد برغسون بصورة جلية أن الأنموذج الحي للمحبة يتجلّى في المحبة المسيحية المتسامحة التي هي في صميمها دِين أخلاقي مفتوح، والمسيح رسول للأخلاق والدِّين. كما نفى برغسون أن يكون للعقل أي قيمة في معرفة الأخلاق، لأنه يقع في مطبات الزلل. إن فكرة الدِّين المفتوح لا تعترف بحدود عقدية ضيقة تؤمن بها طائفة على حساب طائفة أو مذهب ديني أو فرقة معيّنة أخرى. وقد وثب برغسون بنا في نقلة نوعية من المنغلق إلى المنفتح، حيث امتزجت الأخلاق بالدِّين؛ إنه نداء ظرفي تنجذب بمنحاه الإنسانية تحت شعار الحرية وتتجاوز الموقف الحداثي الذي يفصل بين الأخلاق والدِّين17.

فلسفة الروح وعلاقتها بالجمال

الجمال عند برغسون انتماء تدركه الذات بروحانيتها البحتة، ولا بَل لنا بالعثور عليه في واقعنا قِ المادي الإمبريقي. ويؤكد برغسون في كتابه الفكر والواقع المتحرك الطبيعة الحدسانية لإدراك الفنان؛

  1. المصدر نفسه، ص.236
  2. المصدر نفسه، ص.24

فالفنانون، كما يقول، « حين ينظرون إلى شيء، فإنهم يتبصرونه لذاته لا لذواتهم؛ إذ إنهم يدركونه برؤية موجهة لأجل الفعل، فهُم يدركون من أجل الإدراك، ولا لشيء إل لأجل الإدراك الفني، وهُم يولدون منفصلين عن منافع الحياة لأنهم يقللون من استعمال إدراكهم في الأحوال السطحية، وهُم يدركون قدرًا كبيرًا من الأشياء18. حينما نقرأ كتاب الضحكلبرغسون، نجد المؤلف يرفض عملية الضحك لأنها آلية صرف تحد من عفوية جوانيتنا الباطنية، وتجعل من الشعور الحدساني قوالب رمزية ثابتة. وبذلك، يمتاز الضحك بخصائص مناقضة للديمومة الروحانية؛ إذ إن من خصائصه أنه يمتلك خصوصية إناسية وسوسيولوجية، وخطابًا من العقل إلى العقل. لذلك، يتوافق الضحك مع ما هو معقول كما جاء في الكتاب: « إن السبب الذي يجعلنا مضحكين هو أن نضع ذواتنا وأرواحنا في قوالب جاهزة، فهو يلزمنا بالصلابة عوضًا عن أن يأخذ منا ليونتنا »19. كما أن الضحك يقضي على العواطف الجياشة العميقة، وبالتالي، فإن الضحك الذي يتحدّث عنه برغسون في كتابه لم يكن ضحكًا حقانيًا، وإنما هو ضحك استهزاء واستهتار20. لذلك، يكون الجمال الحقيقي بالمعنى البرغسوني حقيقة ذاتية، ونعثر فيه على عفوية الديمومة الحرة، ونسمع من خلاله أرواحنا تهتز باستمرار تجاه التوحد مع الطبيعة، ونسمع في غياهب أرواحنا غناء موسيقى ذات لحن غير منقطع لحياتنا الجوانية. وبذلك نفهم أن الجمال الحقيقي الذي تحدّث عنه برغسون في كتابيه المعطيات المباشرة للشعور والضحك هو حدس باطني، ويكون الإدراك الجمالي عبارة عن ذاتوية كذلك، فيما الفن يمثّل حقيقة حدسانية روحانية محضة. إن الفن الحقيقي لا تبرز عظمته كأثر مهيب إلّ إذا تجلت عظمته كفكر خلّق، وهو يهب القيمة المثلى للجهد الذي يعمل على خلق الآثار الفنية. ولنا أن نعترف بأن برغسون لم يقدّم نظرية استطيقية قائمة بذاتها، لكنه أنتج في أثناء انهماكه التأسيسي للميتافيزيقا، وبنهج غير مباشر، مذهبًا وتصورًا في الإستطيقا لكي يحدد مفهومًا للديمومة والحدسانية، فكان للجمال قيوميته في التصور البرغسوني. كما أن برغسون لم يكن يهدف إلى تفصيل قواعد العمل الجمالي، وإنما إلى تأسيس ميتافيزياء تعتمد الوعي الجواني المباشر، فحاول تحديد تطابقية كليانية بين الوعي الإستطيقي ووعينا الكيفي للمفاهيم التصورية. لهذا يكون الفن حقيقة حدسية ترتهن بتلاحم الحدس مع الفن من خلال توطيد العلاقة بين الفن والحدس في الطبيعة وحياة الفنان بخلق وإبداع تجبله الديمومة. كما يعبّر الفنان عن حقيقة الحرية القابعة في ملكوت الذات ونتكنه تحقق الفعل الحر كمظهر خارجي في الأثر الفني، فالعملية الفنية تجلي للحرية الباطنية، وًالصفة الأساسية التي يمتاز بها العمل الفني الأصيل هي استحالة توقّع أنه سيحصل مستقبل.

  1. Henri Bergson, La Pensée et le mouvant: Essais et conferences , Quadrige; 78, 91 ed. (Paris: Presses universitaires de France, 1985), p. 153.
  2. Henri Bergson, Le Rire: Essai sur la signification du comique , Quadrige; 11, 173 ed. (Paris: Presses universitaires de France, 1962), p. 104.
  3. Harald Höffding, La Philosophie de Bergson: Exposé et critique (Paris: Presses universitaires de France, 1961), p. 24.

يتلازم الفن بالخبرة الحدسانية بالمعنى الميتافيزيقي لا بالمعنى الإستيطيقي. في هذا الصدد يعقّب الباحث نبيل صادق في كتابه علاقة الفن بالفلسفة عند برغسونبالقول «: إن غرض الفن عند برغسون هو استبعاد كل ما يحجب عنا الواقع من أجل وضعنا أمام الواقع العميق نفسه، أي رؤية مباشرة للواقع متجردة من أي منفعة أو ضرورات حياتية »21. الفلسفة الروحانية البرغسونية وعلاقتها بقيم التعاطف والحميمية والحرية إن المنحى الروحاني الذي تدثر به سياق فلسفة برغسون المهووس بقيم الديمومة المحضة هو، في حقيقة الأمر، تلاحم عميق مع التعاطف الذاتوي، ولا يدعو إلى القول بالتعاطفية والحميمية إل إلى اعتبار الحدس عاطفة جياشة، وتلك هي الركيزة الجوهرية للبرغسونية، بحكم أنها عاطفة تلج إلى غياهب الباطن وحميميته الصميمية التي تكشف عنها نظرية حدس الديمومة، أو الأنا الروحاني الخالص، وفق منطوق الأنا الدائم السريان والمعادل للتغيرية والصيرورة؛ هذا الأنا الحميمي الدينامي الفعال يتملص من كل علائق خارجية، ليحصل على أناه المتفرد المستعد لكل المواقف التي تقتضي الحرية؛ فحينما نستقرئ في كتاب منبعا الأخلاق والدِّينالخبرة الحدسانية، مثلً، نجده يضرب مثلً بمبلغ الحدس الشعوري الذي يبلغ قوته وشدّته التعاطفية عند أشخاص لترقيتهم في درجات سؤددية من الروحانية، وتمكنهم من الذوبان في المطلق؛ فالتعاطف الحقاني والحرية المثلى نتبيّنهما بجلاء في تجربة الصوفي العرفاني. فتعاطفية الصوفي وفق المنظور البرغسوني دائمة الوجد والشوق والحنين والهيجان والانفعال، تئز وتئن في نفسه عاطفة المحبة والحميمية؛ إنه شخص يختلف عن البشر العاديين، ونموذج لأخلاق منفتحة لا تعرف للأحقاد سبيلً. ويدعونا برغسون إلى ضرورة أن نسلك طريقنا باتجاه نداء الحب إلى حيث دِين المحبة والعاطفة، وإلى مناجاة حب الإله العظيم، حينها تنطفئ ذات البشري في الإلهي، ويتعانق النّاسوت باللاهوت، ويحصل النقاء والطهارة22. من المفاهيم الجليلة لتلاحمية الحرية مع التعاطف الحميمي ما نجده داخل التراتبية القيمية لفلسفة برغسون الروحانية في مفهوم النداء، أو بالأحرى «نداء البطل» الذي يمفصل بين المغلق والمنفتح في الأخلاق، والساكن والحركي في الدِّين. إنه نداء وجيه من البطل إلى الإنسانية برمّتها؛ إنه الهادي إلى الطريق القويم، وهذا النداء الصيروري تتنوع به القيم لتجد إشراقتها في مبدأ الخالق، وتتحرر حينها من الدِّين القسري القهري، وتستيقظ معه الحرية، ويتجاذب معها الإبداع، وحينذاك يتفوق الإنسان ويتدثر بدثار البطولة23. كما أن مطلب الحرية يستوجب حضور القيم في الفلسفة الروحانية البرغسونية؛ ذلك أن الحرية مدخل لزومي لفهم دينامية القيم، واكتساب الحرية يوجه واقعنا نحو القيم، وهذا ما يؤكده الباحث

  1. نبيل صادق، «علاقة الفن بالفلسفة عند برجسون،» مجلة القاهرة، العدد 67 (كانون الثاني/ يناير 1987)، ص.14
  2. برغسون، منبعا الأخلاق والدين، ص.62
  3. المصدر نفسه، ص.62

زكريا إبراهيمفي كتابه مشكلة الحرية: «إذا قلنا إن مهمة القيمة تنحصر في إقامة ضرب من التوافق أو التطابق بين الوجود كما هو، والوجود كما ينبغي أن يكون، فسيكون علينا أن نقول إن الحرية هي التي تتكفل بتحقيق هذا التطابق »24. ونفهم من كلامه هذا أن القيم عند برغسون تُعَدّ في أحد جوانبها تأكيدًا للحرية الإنسانية، لأن من دون الحرية لا تستطيع الأنا أن تتجاوز حدودها الطبيعية الضيّقة إلى عالم القيم، ولا تستطيع الذات الروحانية أن تستكنه حقانيتها إلّ في حالة امتلاكها الحرية، ويكون لها بُعْد فعال للكشف عن القيم، وتنجلي الحرية من معقلها في ممارسة الخبرة القيمية، حيث تتجاوز الذات حدودها البيولوجية، ويصبح لمعنى القيمة فهم حقيقي للحرية25. إن الحرية وفق المنظور البرغسوني مطلب أساسي، ولن نصبح في سؤدد الإنسانية إلّ إذا سعينا إلى التحرر واكتساب الحرية. ولا وجود البتة لحرية إلّ على مستوى الإنسان، الكائن الأوحد القادر على الانعتاق من القيد، لأن الحيوان يفتقر إلى القدرة على التحرر. دحض الروحانية البرغسونية لقيم العدمية والتشيُّؤ والآلية اتخذ الفيلسوف برغسون موقفًا دحضانيًا تجاه النسقية الكانطية الأكثر تأثيرًا في ذهنية الأزمنة الحديثة، بحكم أن كانط أعطانا صورة قطائعية مناهضة تمامًا للتصور الروحاني الذي امتازت به الديمومة البرغسونية المنسجمة وفق تواصلية اتصالية تراكمية؛ فصورة الانفصال الكانطي فرقت بين الأنا النوميني والأنا الفينوميني، كما أن كانط يدثر المصدر الإمبريقي بس مة النسبية، في حين نجد برغسون يسِمها بسِمة المطلقية. كما أن برغسون نقض الزمن بالمفهوم الكانطي، لأن هذين الفيلسوفين يلتقيان في فكرتي الزمان والمكان، بحكم أن الفكرتين نقطة انطلاقهما، وكلاهما عمد إلى التفكير في مفاهيم عصره العلمية، فكونت نظرة ذات تفردية بمنحى تناوله لطبيعة المعرفة ومشروعية الميتافيزياء، وفي جوهر هاته الأخيرة نتلمس قضية جوهرية مرتبطة مباشرة بمفهوم الزمان، ألا وهي قضية الحرية، ومنها تنبجس مفاهيم الأخلاق والدِّين26. وبذلك يكون انهمامهما بالزمانية مدخلً صريحًا إلى الميتافيزيقا، وبالتالي سعيا بجهد إيمانهما ليجدا حلًّ لمشكل الحرية، بحكم أن هذه الأخيرة تُعَدّ مبدأ أولانيًا في كل ممارسة أكسيولوجية. ويمتاز الزمن الكانطي كمفهوم خالص ولزومي لكل المفاهيم الحدسانية الإمبريقية، وكسياق فارغ منسق لها، ونفهمه

  1. زكريا إبراهيم، مشكلة الحرية، مشكلات فلسفية معاصرة (القاهرة: مكتبة مصر، [د. ت.])، ص.23
  2. Joseph Combès, Valeur et liberté , Initiation philosophique ; 44, 2eme ed. (Paris: Presses universitaires de France, 1967), p. 44.
  3. Madeleine Barthélemy-Madaule, Bergson adversaire de Kant: Etude critique de la conception bergsonienne du kantisme: suivie d'une bibliographie kantienne , bibliothèque de philosophie contemporaine (Paris: Presses universitaires de France, 1966), p. 27.

كإطار قبلي، أو بالأحرى كشُكول قبلية مارقة عن المادة الملموسة، ويبقى صورة جوفاء ضرورية لكل معرفة منظمة، ويكون التتالي التراتبي الماثل للحوادث في صورته المنفصلة عنه27. وبذلك، يفصل كانط بين الزمن، كإطار أجوف يؤدي مفهومًا موحدًا، والديمومة كمحصلة تجريبية من محتوى الوقائع، ومن ثم فهي نسبية. كما دحض برغسون النظرية النقدية عندما اكتشف حقانية العقل؛ فبوساطة هذا العقل، سعى كانط إلى تقديم معرفة موزعة عبر زمان ومكان، فمعرفته مستحيلة في عالم الظواهر، ليترك كانط الضرورة مسيطرة على الواقع، وتنتفي الحرية، ويزول تصور المطلق بما أن المعرفة نسبية في مضمار الحرية. وفنّد برغسون أيضًا فكرة الواجب لذات الواجب الأخلاقية الكانطية، معتبرًا إياها سليلة الأخلاق المغلقة التي تصنع مجتمعًا مغلقًا، والوضعية التجريبية، بحكم أنه أراد أن يعيد أمجاد الشرعية الميتافيزيقية التي فنّدتها الوضعانية، ونقد المعرفة العلمية الإبستيمية التي اعتبرتها الوضعانية شرعية وكافية بذاتها لكل مشروع بنّاء. إلى ذلك، قوّض برغسون تفسيرات التطورية الآلية والغائية، معتبرًا أنها لم تفعل شيئًا سوى أنها اتّبعت أوهام العقل، سواء عمدت إلى تفسير الحياة بالعلية الميكانيكية أو بالغائية، وكان اتّباعها أوهام العقل بحسب العادات الآلية التي تدرب عليها العقل في الحياة من دون فهم حقيقي لطبيعتها28. بالإضافة إلى ذلك كله، أبطل برغسون المواقف الآلية الترابطية الفلسفية والعلمية في مجال علم النفس الفيزيقي، وذلك تمهيدًا لتوكيد قضية مهمّة تتمثّل في أن العواطف الجوانية، كالإحساسات الجمالية والإرادة، هي موطن للكيف وليس للكم. خاتمة تُعتبر الفلسفة الروحانية الحيوية التي تزعمها الفيلسوف برغسون من الفلسفات التي اقتدرت على القطيعة والانفصالية عن الفكر السائد في الفلسفة الأوروبية الحديثة، خصوصًا أن هذا النسق الفلسفي نبذ وراءه كل نزوع ميكانيكي أو مثالي، ونهج سبيله بغية تفسير الوقائعيات تفسيرًا حياتيًا، مؤمنًا إيمانًا قطعيًا بالحركية والصيرورة، ومصورًا الواقع تصويرًا عضويًا، وسائرًا على وفاق مع البيولوجيا، ونائيًا بنفسه عن النمط العقلاني في تصوراته وأحكامه القبلية والصورية، وكذا المنطقية، معتبرًا الحدس والديمومة والنشاطية الحركية والفهم الحيوي الوثبوي دأبه وديدنه في تتبّع صيرورة التاريخ. كما أن فلسفته ترانسندانتالية تشيد بالحقيقة الموضوعية المفارقة للذات العارفة من دون أن تتنكر للمذهب التعددي والشخصاني. ويمكن أن نجمل نزوعه الفلسفي في جوهره على أنه ردة فعل قوية ضد التيار

  1. عمانوئيل كنط، نقد العقل المحض، ترجمة وتقديم موسى وهبة (بيروت: مركز الإنماء القومي، [د. ت.])، ص.64
  2. برغسون، التطور الخالق، ص.59

الميكانيكي عمومًا. وإذا كان برغسون من أهم ممثلي هذه الفلسفة الحياتية الجديدة وأكثرهم أصالة، فحري بنا أن نتقصى في فلسفات هذا الأخير نزعته الروحانية المتجذرة من المدارس الفلسفية الفرنسية الروحانية والشخصانية، بدءًا بالفيلسوف -مين دوبيران ورافيسون ولاشلييه وإميل بوترو- مرورًا بالنزعات التطورية والبراغماتية الإنكليزية، وصولً إلى فلسفة هربرت سبنسر التي فنّدها برغسون جملة وتفصيل. إن الفلسفة الجمالية الأخاذة، التي منيت بها البرغسونية من خلال ما خطّته أنامل هذا الفيلسوف الحيوي، تجلت في حقيقة الأمر في براعة الكاتب الذي استطاع صب مكنونات أفكاره في لغة سلسة ومرنة يطرب لسماعها ويتلذذ بقراءتها أي انسان، فما بالك بممتهن الفلسفة. ويمكن أن نشير باقتضاب إلى المنحى الفلسفي الذي سلكته أعمال برغسون الفلسفية من خلال أهم كتاباته على الإطلاق، ونستهلها بكتابه الأول بحث في المعطيات المباشرة للشعور الذي يحتوي على نظرية في المعرفة، ليليه كتاب المادة والذاكرة الذي تنجلي من خلاله نظرته الفلسفية في علم النفس. أمّا كتابهالتطور الخلّق، فيعرض ميتافيزيقاه المبنية على المعتقد البيولوجي، بينما ينبجس من مكامن مؤلَّفه الأخير منبعا الأخلاق والدِّين اعتقاده في الأخلاق وفلسفته في الدِّين. «هناك في الصيرورة أكثر مما هناك في الوجود»، جملة برغسونية يتعيّن لفهم كنه فحواها أن نلج، وبعمق، نظرية برغسون في الديمومة والحدس، ونستهلها بنظرة هذا الأخير لتصور علم الفيزيقا (الطبيعة)؛ إذ يعتقد برغسون أن علم الفيزيقا يزعم أنه يعنى بدراسة الحركة والقوى، ولكن في حقيقة الأمر ليس كذلك مطلقًا، فهو إذ يدرس الحركة لا يدرسها في حد ذاتها -كدينامية حية- وإنما يدرس تموضعها المتتابع ضمن حيّز معين (موقع)، أو بعبارة أخرى، يدرس علمُ الفيزياء مواقع الأجسام وتتابع تموقعها في المكان. كما أن الفيزيقا لا تدرس القوى في كنهها وجوهرها، بل تتقصى نتائجها وتسعى إلى قياسها ودراسة الأسباب الفاعلة التي تحْدثها، لا دراسة القوى في حد ذاتها كديناميكية حيوية دافعة. أمّا ما يزعمه الفيزيائيون من أنهم يدرسون الزمان ويقيسونه بصورة آلية ميكانيكية، فهو محض هراء، لأن الزمان الحقيقي غير قابل للتشيُّؤ والقياس فيزيقيًا، وما يزعمون أنهم يقيسونه هو المكان. أمّا الحقيقة الجوهرية التي يحيلنا إليها الفيلسوف برغسون، فهي تلك القابعة في جوانية نفوسنا، والتي لا قِبل لنا على استجلائها إلّ بجهد جهيد، وشعور عميق، وعمل مضن ومستمر ودائم ومرهق جدًا، لأن تكنه هاته الحقيقة التي يدلنا عليها برغسون يمتاز بالفرادة والقوة. ومن سمات هاته الحقيقة = الكيفية، اللاتجانس والتداخل مع صعوبة الفصل بين أجزائها، والحرية والإرادة والشعور. كما أنها لا تشغل حيّزًا من المكانية، ولا قدرة لأي كان على تقديرها حسابيًا، فهي سيكولوجية باطنية. أمّا الخاصية الأكثر تفردًا والتي تجبلها، فإنها الديمومة المحضة، فهي الدفعة والوثبة الحيوية والصيرورة، وهي ديمومة الجريان والاستمرارية التي لا تعرف الانقطاع أبدًا. لهذا، يفصل برغسون بين ميدانين من ميادين الحياة الانسانية:

ميدان فيزيقي يعنى بالمادة المكانية، ويقابله العقل المتجه نحو العمل، وميدان الحياة الواعية الذي يسير وفقًا للديمومة، ويقابله الحدس. وبذلك، يمكن أن نتوصل إلى نتيجة مفادها أن الفلسفة الروحانية البرغسونية تعبير تعاطفي حميمي عميق عن الشعور المتعاظم بالماهية الحقيقية للحياة البشرية في صعودها الملكوتي، المتبلورة على قيم الانفتاح والصيرورة والتغير والنمو والنجاح؛ هذه القيم التي ترتهن بمرجعية مطلقة، جاعلة من الذات انجذابًا نحو القيم الإنسانية كمحبة وحميمية، فكانت بحق فلسفة للطمأنينة، إذ تتبوأ معها الإنسانية أعلى مراتب الوجود وتدعو إلى المحبة والإيمان. وهكذا تتمظهر لنا البرغسونية كفلسفة للحضور والفعالية الروحانية أعادت الاهتمام إلى الروح البشرية، لتجعل من الإنسان مركزًا للكونية، وبوصفه انطلاقة ووثبة روحانية وأخلاقية وجمالية ودينية، وهي عينها الخبرة الباطنية الإنسانية التي يحايث من خلالها الكائن البشري إيقاعه القلبي وقفزته الروحانية الواثبة نحو الإبداع والتطور الخلّ. ق لذلك، يكون المباشر هو القيمة العليا في الفلسفة البرغسونية المتبلورة في لب المعرفة الحدسانية، لأن معايشة المباشر والشعور به انتصار مهيب للحدس في تراتبية المعرفة. وتعقيبًا على ذلك، يقول الباحث مراد وهبة: « والمباشر هنا يعني أن ننفذ إلى الباطن حتى ندرك ما فيه من جِدة وعمق وأصالة، وننفذ إليه بروح الصداقة والتعاطف والمودة، وتلك هي طريقة برغسون »29.