العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مظاهر حضور الأندلس الفلسفي في الثقافة العربية المعاصرة

مظاهر حضور الأندلس الفلسفي في الثقافة العربية المعاصرة

Manifestations of the Philosophical Presence of al-Andalus in Contemporary Arab Culture

محمد المصباحي

Mohamed el-Misbahi

الملخّص

«ليست األندلس أرضًا فتحناها ثم أضعناها، إنها رمز العقل الذي كثيرًا ما أهملناه وأسأنا معاملته فغادر أرضنا. إلّأن العقل، لحسن الحظ، ال يحقِد على أحد. سيعود بيننا بمجرد ما نثوب إلى رشدنا ونعترف بأخطائنا». «ما تبقى من تراثنا الفلسفي، أي ما يمكن أن يكون فيه قادرًا على أن يعيش معنا عصرنا، ال يمكن أن يكون إلّرشديًا».

Abstract

The distinguishing feature of the Andalusian philosophical model is its openness to all forms of rational thought – evidential, doctrinal, jurisprudential, historical and mystical – by virtue of its dialectical nature and its propensity for dialogue in search of common ground. Some cultural currents in the contemporary Arab world feel that drawing upon the Andalusian model is not enough, and that it is imperative to open up a new model developed through the needs of the present. Yet, Andalusian rationality did not limit itself to considering reason alone to be the natural light that illuminates both our inner being and the world; it was also open to the light of faith and soulful passion, of history and urbanity. The Andalusian model teaches us that we need to take advantage of multiple sources of enlightenment.

الكلمات المفتاحية:
  • الأندلسي
  • العمران
  • الثقافات
  • العقل
  • النور الطبيعي
Keywords:
  • Andalusian
  • Arab Culture
  • Reason
  • Enlightenment

إن ما يميز النموذج الفلسفي الأندلسي هو انفتاحه على جميع العقلانيات: البرهانية والفقهية والتاريخية والعرفانية، بحكم طابعه الحواري والجدلي والساعي إلى إيجاد مجال مشترك بينها. ومع ذلك، كان بعض التيارات الثقافية في العالم العربي المعاصر يشعر بأن الاستئناس بالنموذج الأندلسي لا يكفي، إذ لا بد من الانفتاح على الزمن الحاضر. لم تكن العقلانية الأندلسية تكتفي بنور العقل وحده، أي بالنور الطبيعي الذي يضيء ذاتنا والعالم معًا، بل كانت منفتحة أيضًا على نور الإيمان والوجدان ونور

التاريخ والعمران، وضرورة الاستفادة من تعدد الأنوار هو الدرس الذي نستخلصه من النموذج الأندلسي.

«ليست األندلس أرضًا فتحناها ثم أضعناها، إنها رمز العقل الذي كثيرًا ما

أهملناه وأسأنا معاملته فغادر أرضنا. إلّأن العقل، لحسن الحظ، ال يحقِد على أحد. سيعود بيننا بمجرد ما نثوب إلى رشدنا ونعترف بأخطائنا». «ما تبقى من تراثنا الفلسفي، أي ما يمكن أن يكون فيه قادرًا على أن

يعيش معنا عصرنا، ال يمكن أن يكون إلّرشديًا».

مقدمة: الأندلس نموذج ثقافي مُلهِم

قَدّمت الأندلس نموذجًا ثقافيًا كليًّا شمل الفلسفة والعلوم الطبيعية والشرعية واللغوية والآداب

والموسيقى والعمارة... إلخ. وشكّل هذا النموذج رمزًا للتسامح بين الديانات (المسيحية واليهودية والإس ماا)، والتعايش بين اللغات (العربية واللاتينية والرومانسية romance) (والعبرية)،

(((عبد الله العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة، ط 2 (بيروت؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 9991)، ص.43

(((المصدر نفسه، ص.49

والتفاعل بين الإثنيات والثقافات المتباينة، في إطار الثقافة واللغة العربيتين. ولم يقتصر تأثير الثقافة الأندلسية على الثقافة العربية الحديثة، بل سبق أن امتد إلى الثقافة الأوروبية ابتداءً من

القرن الثالث عشر. وتعود جاذبية الثقافة الأندلسية، بالإضافة إلى ما سبق، إلى جِدّتها وتميُّزها

الذي طبع جميع مجالات إبداعها بطابع الرقة والرشاقة، وإلى عقلانيتها وتسامحها وانفتاحها على الثقافات الأخرى. شجعت هذه الخصوصية الاستثنائية بعض الدارسين على الك ماا على «هوية ثقافية أندلسية» تتحدى بإشعاعها أسطورة بغداد المشرقية. وممّا يدل على تميز الثقافة الأندلسية أن دفاعها عن

العقل والعقلانية لم ينطلق من علم الكلام، كما فعلت فرقة المعتزلة في المشرق، وإنما من الفلسفة وما يتصل بها من علوم طبيعية. وقد نوّه أحد الباحثين الإسبان في مجال تاريخ الفكر والفلسفة،

هو ميغيل كروس إيرنانديس، بالطابع الاستثنائي للعبقرية الأندلسية واختلافها النوعي عن الثقافة العربية في المشرق. وعلى الخط نفسه سار الباحث العربي محمد عابد الجابري، الذي جعل من التميز النوعي للثقافة الأندلسية – المغربية عن الثقافية المشرقية أطروحته المركزية، حيث رفعه إلى

مرتبة القطيعة الإبيستيمولوجية والأيديولوجية الشاملة بينهما. هكذا صارت الأندلس تمثّل في نظره هوية فلسفية وثقافية تنفرد بمزايا العقلانية والواقعية والإنسية والديمقراطية، والحرص على حماية استقلال الفلسفة عن الدِّين بتجلياته الكلامية والصوفية، وعلى تطهير الفلسفة الأرسطية من الأثر الأفلاطوني المحدَث، في مقابل الهوية الثقافية المشرقية التي ارتبطت بالنزعة العرفانية (الغنوصية) والفيضية على مستوى نظريات الوجود والعقل والمعرفة، وبالتوفيق بين الحكمة والشريعة، وبالخلط بين الفلسفة وعلم الكلام والتصوف على المستوى الأيديولوجي، وبالجمع بين أفلاطون وأرسطو على مستوى الفلسفة. يبدو أن هذا التنافس بين ثقافتي الأندلس والمشرق ليس أمرًا طارئًا على الثقافة العربية في الأزمنة

الحديثة، بل نجد بعض مظاهره في الماضي. نذكر من بين ملامحه الانتقاد العنيف الذي وجّهه

ابن رشد إلى ابن سينا وأبي حامد الغزالي بسبب إفساحهما المجال لتسرّب علم الكلام الأشعري

والعرفان الصوفي إلى القول الفلسفي، وتسلل الأفلاطونية المحدثة إلى الأرسطية. كما نجد لدى ابن عربي صدى لهذا الصراع، حيث نجده ينوه، في إحدى رسائله، بأسبقية المغرب وريادته بالنسبة إلى المشرق في مجال الولاية والتصوف. هكذا، لم تعد بضاعة الأندلس الثقافية هي نفسها بضاعة المشرق؛ إذ حتى لو حُق للصاحب بن عباد أن يطلق قولته المشهورة «هذه بضاعتنا رُدّت إلينا» في

(((من المعلوم أن تأثير النموذج النهضوي الأندلسي في النهضة الأوروبية كان أكبر كثيرًا من تأثيره في النهضة العربية الحديثة، حيث

استطاع أن يُساهم في بعث نهضات أوروبية تجريبية منذ القرن الثاني عشر في مجالات العلوم الطبيعية والطبية والصيدلية والفلسفية.

فقد تعرفت أوروبا على أرسطو وأبوقراط وجالينوس وبطليموس من خلال ابن باجة وابن طفيل وابن رشد والبطروجي... إلخ.

(4) Miguel Cruz Hernández, Filosofí a hispano-mulsulmana , Asociación Española para el Progreso de las Ciencias. His- toria de la filosofía española, 2 vols. (Madrid: [s. n.], 1957), pp.40-42; Historia del pensamiento en el mundo islámico , Alianza Universidad. Textos; 28-29, 2 vols. (Madrid: Alianza Editorial, 1981), pp. 127-129, and Averroes: un andalusí universal , Distancia, I (Madrid: UNED, 1987).

مجال الأدب والتاريخ بصدد كتاب ابن عبد ربه العقد الفريد، فإنه لن يصح له ولا لغيره أن يردد القولة نفسها ليصف بها الكتابات الفلسفية والعلمية والموسيقية الأندلسية؛ فبضاعة الأندلس الثقافية ابتعدت

كثيرًا عن بضاعة المشرق، ولم يعد من الممكن القول بتبعيتها للمشرق شكلً ومضمونًا. بل إننا نجد أن

الثقافة الأندلسية في الأزمنة العربية الحديثة تشكّل مصدر إلهام للإقدام على بناء نهضة ثقافية جديدة. يتخذ تأثير نموذج الأندلس الثقافي في العالم العربي اليوم صورًا متعددة ومتباينة، لأن من يمثّله من

الفلاسفة والمتصوفة والمفكرين، كابن باجة وابن طفيل وابن رشد وابن ميمون وابن سبعين وابن عربي وابن خلدون (بالولاء)... إلخ، متعددون في مشاربهم، ومختلفون في تحليلاتهم ورؤاهم إلى العالم. بيد أن هذا التعدد لا ينفي أن النموذج الأندلسي واحد في ذاته، لأن رموزه من أهل النظر يكادون

يتفقون في القول بصيغ متعددة بأن «طبيعة العقل مستولية على الكل»، سواء أكان طبيعة أم قولً أم شريعة، ومنفتحة على ثقافات الآخر وعلومه. كما أن رموز النموذج الثقافي الأندلسي من أهل الكشف يُجمعون على أن طبيعة الواحد سارية في الكل. وجد المثقفون العرب المحْدثون في النموذج الثقافي الأندلسي برنامجًا متكاملً للتجديد الثقافي

والإص ح السياسي والنهضة الاجتماعية، حيث تشكَّل قوام هذا البرنامج بالعقلانية على صعيد المعرفة النظرية، والحرية والاختلاف على صعيد الممارسة السياسية، والانفتاح والتسامح والاتصال بين الشريعة والحكمة على الصعيد الثقافي والأيديولوجي. وقد استحضرت جميع التيارات الثقافية والأيديولوجية العربية، اليسارية والليبرالية والقومية والإسلامية الإصلاحية، استعارة أو أسطورة الأندلس بطريقتها الخاصة لتعبئة الشعوب كي تتبنّى قيم الحداثة الثقافية باعتبارها السبيل الوحيد للخروج من

مأزق التأخر الثقافي والتاريخي. لم يعد رمز الأندلس مثار تنويه جغرافي أو بيولوجي كما كان لدى ابن رشد في كتبه الطبية والمنطقية،

أو حنينًا إلى تجربة ثقافية وعلمية وحضارية فذة أُجهضت في زمن باكر، بل أضحت الأندلس رمزًا لاستنهاض الهمم للخروج من انحطاط القرون الوسطى المتأخرة (ابتداء من القرن الثالث عشر)، ولإثبات وجود بذور لقيم الحداثة الثقافية في الحضارة العربية الإسلامية تسمح للإنسان العربي بالشراكة في تطوير الحداثة وإخراجها من مآزقها. إننا لن نتكلم على صور حضور «أسطورة الأندلس» في الثقافة العربية الحديثة بعامة، وإنما سنحصر كلامنا في رصد بعض مظاهر تأثير العطاء الفلسفي للأندلس فيها، وذلك من خلال بعض الأفكار الطريفة التي ابتكرها فلاسفة الأندلس، كابن باجة وابن طفيل وابن رشد وابن عربي، وابن خلدون (التونسي الذي نشأ وترعرع على الحدود الشرقية للأندلس الكبرى)، على أننا سنركز على ابن رشد، الذي حظي بالاهتمام وبالتأثير الأكبر في الثقافة العربية المعاصرة.

(((أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد، تهافت التهافت، تحقيق موريس بويج، ط 2 (بيروت: دار المشرق، 9871)، ص.451

(((عن تنويه ابنرشد بموقع الأندلس الجغرافي بقوله: «وبلادنا هذه هي في الحر والبرد متوسطة بين بلاد جالينوس وبلاد الرازي».

انظر: أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد، الكليات في الطب، تحقيق وتعليق سعيد شيبان وعمار طالبي؛ مراجعة أبو شادي الروبي؛

تصدير إبراهيم بيومي مدكور (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 9891)، ص.365

فكرة تدبير المتوحد: ابن باجة وابن طفيل

أثّر ابن باجة 1095(– 3811) في الثقافة العربية المعاصرة من خلال جرأته في إعلان إنشاء «قول

جديد» سمّاه «تدبير المتوحد»، الذي هو علم تدبير علاقة الفيلسوف المتوحد بالمدينة تدبيرًا متحررًا

من الإكراهات الاجتماعية والأيديولوجية والسياسية، بل حتى من الانتماء إلى الوطن. المسألة التي كانت تشغل بال ابن باجة هي تحديد ذات المتوحد؛ فهو انتهى إلى ما يشبه الكوجيتو الديكارتي عندما اعتبر أن العقل، من حيث هو فعل، هو ذاته وحقيقته. وحينما ذهب إلى أن «تصوّر

الإنسان ذاتَه» أشرف العلوم جميعًا وأجلّها مرتبة، خصوصًا إذا أُدركت مباشرة ب وساطة الحس

والمفاهيم. غير أن نزعة ابن باجة الفردية أفضت به إلى النظر إلى المتوحد وكأنه ليس مدنيًا بالطبع،

بسبب رفضه أي توافق بينه وبين محيطه المدني، غيرة منه على حريته الفردية من أي تدخّل اجتماعي

أو سياسي في تفكيره ورياضته الروحية. وقد أثمرت هذه النزعة التوحدية ما يشبه المواطَنة العلمية، أو

المواطَنة العالمية، أي الانتماء لا إلى وطن السياسة الضيق، وإنما إلى وطن العلم والفلسفة الفسيح والمتحرر من قيود المكان والزمان. أثارت الفكرتان، فكرة الذات العاقلة والذات المتوحدة، ردود أفعال ثقافية متنوعة في العالم العربي بين منوِّه بها ومعارض لها؛ فعبد الله العروي، مثلً، أعرب عمّا يشبه التنديد بفكرة «تدبير المتوحد»

باعتبارها دعوة إلى التخلي عن الفعل والتغيير وعن الاهتمام بالزمن والتاريخ والآخر، وتحريضًا على الاستقالة من واجب الإصلاح. هكذا نجده يتساءل: «ماذا يحصل عندما نطلّق الزمن والتاريخ والعمل الهادف وما يرتبط بكل هذا؟ نعود إلى النفس، ننفصل عن الزمن، نتجرد، نتوحد... هذه مفردات من قاموس الحكمة، أكانت فلسفة إلهية أو تصوفًا ربانيًا. يتكلم ابن باجة عن تدبير المتوحد. التدبير

عمل وإنجاز، لكن بهدف سعادة الفرد المنعزل، الذي لم يعد يهتم بما وبمَن حوله. لا يتطلع إلى

تغيير أي شيء من الدنيا وترك آثار باقية. لا غرابة أن يصاحب هذا الموقف منطقًا غير الذي يلجأ إليه محلل الإنجازات التاريخية. يقرر الحكيم الانفصال عن الزمن، التاريخ، المجتمع، ماذا يهمه من أمر ‹الخارج› البراني؟ كل ما يهمه هو الوعي الجواني». في مقابل ذلك، قرأ الجابري كتاب تدبير المتوحد بطريقة إيجابية حوّلت إبستيمولوجية ابن باجة

وتدبيره السياسي إلى أيديولوجيا ذات ملامح علمية «علمانية»؛ علمية لأنه «مارس... التأليف

(((التقى في تعريفه هذا للإنسان بفيلسوف أندلسي آخر هو السِّيد البطليوسي (444– 521 ه 1052/ – 7112 م) الذي قال إن

« منتهى علم الإنسان هو منتهى ذاته ». انظر: أبو محمد عبد الله البطليوسي، الحدائق في المطالب العالية الفلسفية العويصة، قدم

له عبد الرحمن اليافي؛ اعتنى به محمد رضوان الداية (دمشق: دار الفكر، 988.62 لكن إذا كان العلم بالذات هو العلم 1)، ص

بالموضوع، كما سيقول ابن رشد، فإن فيلسوفا أندلسيًا آخر هو ابن ميمون 1135(– 0412) سيركز في تعريفه للإنسان على فعل

التعقل لا على موضوعه، حينما قال إن «كل عقل، فعلُه هو ذاته». انظر: أبو عمران موسى بن عبيد الله بن ميمون، دلالة الحائرين،

تحقيق حسن آتاي (بيروت: مكتبة الثقافة الدينية، [د. ت.])، ص 8.16 ط 6 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 9931)،

ص 1.74

(((عبد الله العروي، حوار في: النهضة، العدد 8 (0142)، ص 2.3

(((محمد عابد الجابري، نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، م.م.، ص.174

الفلسفي متحررًا ليس فقط من القيود السياسية... بل أيضًا... من القيود الثقافية التي عانت منها

الفلسفة في المشرق منذ ظهورها فيه... نقصد بذلك القيود (أو العوائق) الإبيستيمولوجية التي أورثها إياها علم الكلام من جهة، والأساس الغنوصي ‹للصيغة المشرقية› للأفلاطونية المحدثة من جهة أخرى»، و«علمانية» لأنه أقدم على التحرر من «شاغل ‹التوفيق› بين الدِّين والفلسفة»، فمارس

«الفلسفة كفلسفة ليس غير». وبدلً من انشغاله، هو وفلاسفة وعلماء الأندلس، بإشكالية التوفيق بين الدِّين والفلسفة، انشغل ب «تحقيق التوافق والانسجام بين التصورات الفلكية الرياضية والتصورات الكوسمولوجية، أي بين العلم والفلسفة، في غيبة عن أي إشكالية لاهوتية». وقد بدا ابن باجة في نظر الجابري، على الرغم من نزعته التوحيدية، «أبعد ما يكون عن ‹هواجس› و‹مجاهدات› الصوفية، و‹خيالات› الفلاسفة ‹المشرقيين› – أو الإشراقيين – الذين أسسوا مذاهبهم على فكرة الفيض ».

بل إنه يذهب في تأويله الإيجابي لتدبير المتوحد إلى حد اعتبار أن اتصال الإنسان بالعقل الفعال «يحصل بكيفية ‹جماعية› وأنهبه تكمل المدينة... فنكون أمامتطابق بين العقل المستفاد والمدينة الكاملة »!، أي إن «العقل المستفاد نفسه هو ‹ العقل الجماعي› الواحد، الكلي، الذي يتحقق في المدينة الكاملة وبواسطتها!». أمّ ا قصة حي ابن يقظانلابن طفيل 1110(85 – 11)، وهي، بجهة ما، إخراج قصصي لكتاب

ابن باجة تدبير المتوحد، فقد شكّلت مصدر إلهام للثقافة العربية المعاصرة. انطلقت هذه القصة ممّا

انتهى إليه تدبير المتوحد، أي من متوحد عارٍ من كل متطلبات الهوية الثقافية والدينية والاجتماعية، ومع ذلك استطاع بموارده الذاتية أن يصل إلى المعارف نفسها التي تلقّاها المجتمع من الشريعة، مع فرق واحد هو أن بطل القصة حاول إص ح المدينة بتحالف مع رئيسها، وفشل بسبب تحالف الجمهور مع الفقهاء، في حين لا يهم متوحد ابن باجة إصلاح المدينة لأنه لا يعمل إلّ لحساب ذاته،

ولأنه ينتمي إلى مواطَنة عالمية تضم أقرانه من المتوحدين. البحث عن الذات هو نفسه الذي حرك حي بن يقظان نحو طلب معرفة العالم الطبيعي والعالم ما بعد الطبيعي. وبعد محاولتين للاقتراب من حقيقة ذاته كجسم أو كقوة في جسم، اهتدى أخيرًا إلى أن

العقل هو ذاته الحقيقية، لأنه أدرك بفضل العقل مبدأ المبادئ: الله. ومع ذلك، لم يقنع بهذه الذات، لكونها تدرك المبدأ الأول عبر الأسماء والتصورات والمفاهيم، وليس مباشرة، ولكون ذات المدرِك تبقى حاضرة في أثناء إدراك المبدأ الأول، فواصل رياضاته الروحية ومجاهداته النفسية إلى أن اكتشف

1(((ويضيف: «إن التحرر من علم الكلام في الأندلس حرر الخطاب الفلسفي الذي أنتجه ابن باجة من إشكالية التوفيق بين النقل والعقل، بين الدِّين والفلسفة، كما التحرر من ‘الصيغة المشرقية’ للأفلاطونية المحدثة حرر نفس الخطاب من توظيف العلم في دمج

الدِّين في الفلسفة والفلسفة في الدِّين... ليعود العلم كما كان مع أرسطو الأساس الذي تبني عليه الفلسفة صرحها»، انظر: المصدر

نفسه، ص 177 1.78 –

(((1 المصدر نفسه، ص 1.91

(((1 المصدر نفسه، ص 1.79

(1((المصدر نفسه، ص 2.00 (1((المصدر نفسه، ص،.201

(((1 المصدر نفسه، ص.201

في نفسه «قوة» غامضة لا هوية ولا اسم لها، قادرة على «مشاهدة ذوقية» مباشرة للمبدأ الأول، وخالية

من أي مزاحمة من لدن الذات المشاهِدة. غير أن تحقق هذه المشاهدة يقتضي فناء الذات، وحتى فناء المشاهدَة نفسها. هكذا انتهت مسيرة البحث عن الذات إلى فنائها في المبدأ الأول. لم تحظ هذه القصة الطريفة بعناية كبيرة من لدن المتفلسفين العرب لإضاءة الواقع الثقافي، وذلك

بسبب طغيان ثقافة الالتزام حيال المدينة. ومع ذلك، نجد أن الجابري يقدّم، كعادته، تأويلً أيديولوجيًا

مفاجئًا لها يدّعي أن «الإطار الذي وضعها [أي قصة حي بن يقظان] فيه ابن طفيل هو نفسه الإطار الذي تحرك فيه ابن رشد، نعني بذلك فصل الدِّين عن الفلسفة»، وهي «إشارة واضحة من طرف ابن طفيل إلى كون ابن سينا أراد في ‹ الحكمة المشرقية › أن يدمج الدِّين في الفلسفة وتشييد فلسفة

دينية أو دين فلسفي»، وهو ما يعني أن الغاية من قصة حي ابن يقظانهي الترويج لدولة علمانية، بدليل أن محاولة حي لتقريب الحكمة من الشريعة كان مآلها الفشل، الأمر الذي جعله يعود للعيش وحيدًا في جزيرته من جديد. كما نجد لدى العروي إشارتين شاردتين، إحداهما نوّهت بفكرة أسبقية العقل والتاريخ على الشريعة،

وبفكرة عدم تغطية الشريعة البشريةَ كلها، وهما فكرتان تزعجان علماء الكلام. أمّا الإشارة الثانية،

فجاءت على شكل تنديد بالنشاط الذهني الذي يستحضر التراث كلما وجد المرء تشابهًا بينه وبين ما

يقرأه عند المحدثين من الأوروبيين، كأن «يقرأ تخيل [جان جان روسو] فردًا يعيش وحيدًا في جزيرة

منعزلة، فيسترجع حالًابن طفيل وقصة حي بن يقظان ». وهو يندد بهذا النشاط الذهني لأنه مضر

ويقود صاحبه إلى« تسطيح وابتذال للنص المقروء»، وإلى إغفال «أن المَنظَر قد يكون واحدًا لكن

المنظور مختلف».

ابن رشد باعتباره رمزًا لحضور النموذج الأندلسي في الثقافة العربية الحديثة

عودة ابن رشد إلى العالم العربي بقوة هي في حقيقة الأمر استحضاره، باعتباره ممثِّلً قويًا للنموذج

الأندلسي ذي الإيحاءات الثقافية المتناقضة. وقبل أن يهتم العالم العربي به، نشير إلى أنه جرى الاهتمام به بكثافة في الغرب في لحظات حداثية مختلفة، وانطلاقًا من انتماءات وغايات متضاربة منذ مونك Munk) (ورينان E. Renan) (وجوتييه L. Gauthier) (وألونسو A. Alonso) (إلى ليون

(((1 المصدر نفسه، ص.254

(1((المصدر نفسه، ص 52.4

1(((يقول العروي: «يقترح ابن رشد، بعد ابن طفيل، تجربة ذهنية، يقول: لنتصور إنسانًا متوحدًا ولنرَ ماذا يستطيع، بمحض قوانين

الطبيعة، أن يكتشف؟ هذا تخيل لكنه لا يصادم الواقع التاريخي. أوَليس هناك تاريخ طويل سابق على الوحي؟ أولَا توجد إنسانية لم

تصلها الدعوة؟ هذه هي النقطة التي تُزعج المتكلم. يحتاج إلى محو التاريخ، أو اختزاله، حتى تصبح التجربة المقترحة لعبة تافهة».

انظر: عبد الله العروي، السنة والإصلاح (بيروت؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 00812، هامش.16 2)، ص

1(((عبد الله العروي، تقديم، في: جان – جاك روسو، دين الفطرة أو عقيدة القس من جبل السافوا، نقله إلى العربية عبد الله

العروي (الدار البيضاء; بيروت: المركز الثقافي العربي، 0122)، ص.18

(2((المصدر نفسه، ص 1.8

برنشفيك Brunschvicg) (وإيرنانديس وغوميس نوغاليس G. Nogales) (وألفرد إيفري A. L. Ivry) (وتشارلز باتروورث Ch. E. Butterworth) (وجيرار إندرس G. Endress) (وألان دي ليبرا (A. De Libera) وبويج مونتادا J. Puig Montada) (... إلخ. ولذلك تعددت صور ابن رشد واختلفت في الثقافة الغربية الحديثة؛ فهناك من اعتبره أندلسيًا خُلق من أجل أوروبا فقط (دي مينديزابال)، وهناك

من سيتردد بين وصفه بأنه كان ذا نزعة إسبانية، وبأنه كان أندلسيًا كونيًا (إيرنانديس)، وهناك من

سيربطه بتقليد غربي سمّاه الرشدية اللاتينية أو العبرية (رينان)، وهناك من سيربطه بأرسطو،

وهناك من سيعتبره عقلانيًا مرموقًا في الإسلام R. Arnaldez) (‏، بينما اكتفى بعضهم بربطه بزمانه،

الزمن الموحدي، زمن القرن القرن الثاني عشر. أمّا في العالم العربي، فبدأ الاهتمام بفيلسوف قرطبة منذ أواسط القرن التاسع عشر، وصار يتوسع

ويتعمق سنة بعد أخرى، حيث تشكلت اتجاهات عدة حول تأويل فكره وقراءتها، تمخضت عنها صور متباينة لتأثيره الثقافي في لحظات نهضوية وحداثية مختلفة (النهضة، الثورة، انتكاسة 9671، انتشار السلفية والأصولية)، ومن مواقع ثقافية ومذهبية وعلمية وأيديولوجية وسياسية متباينة: ليبرالية وتنويرية وعلمانية وماركسية وسلفية إسلامية متنورة وسلفية إسلامية متشددة... إلخ. ورغبة في الاختصار، نورد في ما يلي ثلاث صور للتأثير الثقافي الذي مارسه ابن رشد على الثقافة العربية الحديثة، هي العقلانية المحضة والعقلانية الدينية وحدود العقلانية الرشدية.

العقلانية المحضة

دشن فرح أنطون (1874 922 – 1) عودة ابن رشد إلى العالم العربي، باعتباره تجسيدًا قويًا للنموذج

الأندلسي الذي يوصف في الغالب بالعقلانية والعلمانية والتسامح والانفتاح على الآخر. ويرجع تعلّق فرح أنطون بفكر أبي الوليد إلى إيمانه بأن العودة إلى العقل هي مفتاح تحقيق النهضة، بعدما كان العداء له هو السبب في انحطاط الإنسان العربي الثقافي. واستقطب هذا التيار التنويري عددًا

(((2 في مطلع السبعينيات من القرن العشرين نجد أحد الكتّاب الإسبان، وهو دي مينديزابال (Rafael de Mendizábal Allende)،

Rafael de Mendizábal Allende, Averroes, un andaluz para Europa: ابن رشد: أندلسي من أجل أوروبا يُعنون أحد كتبه ب

Madrid, [Consejo Superior de Investigaciones Científicas], I.D.E.A., 1971)).

(((2 انظر الهامش رقم.3

(23) Ernest Renan, Oeuvres complètes de Ernest Renan, Tome III , éd. définitive établie par Henriette Psichari (Paris: Calmann-Lévy, 1949), et Ibn Rushd in the Western Tradition: Textes and studies I , Collected and Reprinted by Fuat Sezgin; in Collaboration with Mazen Amawi, Carl Ehrig-Eggert and Eckhard Neubauer, 4 vols. (Frankfurt am Main: Institute for the History of Arabic-Islamic Science at the Johann Wolfgang Goethe University, 1999). (24) Gerhard Endress, Jan A. Aertsen and Klaus Braun, eds., Averroes and the Aristotelian Tradition: Sources, Consti- tution, and Reception of the Philosophy of Ibn Rushd (1126-1198): Proceedings of the Fourth Symposium Averroicum, Cologne, 1996 , Islamic Philosophy, Theology, and Science; 31 (Leiden; Boston: Brill, 1999). (25) Roger Arnaldez, Averroès: Un Rationaliste en Islam , Nadir (Paris: Balland, 1998). (26) Ahmad Hasnawi, ed., La Lumière de l’intellect: La Pensée scientifique et philosophique d’Averroès dans son temps: Actes du 4e Colloque international de la SIHSPAI, Société internationale d’histoire des sciences et de la philoso- phie arabes et islamiques, Cordoue, 9-12 décembre 1998 , préface de Roshdi Rashed, Ancient and classical sciences and philosophy (Leuven; [Paris]: Peeters, 2011).

كبيرًا من المفكرين والباحثين، من بينهم زكي نجيب محمود (1902 – 9931) وعاطف العراقي

1935(012 – 2) ومراد وهبة وماجد فخري وزينب الخضري وعبد المجيد الغنوش وجمال الدين

العلوي... إلخ. وكانت العقلانية لدى هذا الخط التنويري والعلماني تعني رزمة من المطالب والمعاني الأساسية، من بينها إبراز الطابع العقلاني والعلميلتفكير ابن رشد على حساب اجتهاداته الكلامية (اللاهوتية) والفقهية. ولذلك اعتبر هذا التيار أنه ينبغي استخلاص موقفه الحقيقي من شروح ابن رشد على أرسطو، لا من أعماله الفقهية والكلامية وشبه الكلامية (فصل المقالومناهج الأدلة وتهافت التهافت وبداية المجتهد وتلخيص المستصفى) التي لا تمثل سوى موقفه الذي يداري به التيار المحافظ في زمنه ليتّقي كيده. ولعل هذه الحيثية هي التي حدت بعبد الله العروي إلى القول عن الإنسان المتوحد بأنه هو من «يستطيع، بمحض قوانين الطبيعة، أن يكتشف» ما أتى به الوحي. وقد بلغت حماسة أحد المثقفين العرب في الدفاع عن عقلانية ابن رشد درجة أنه اعتبرها صادرة عن نزعة برهانية وأكسيومية صارمة؛ فالجابري وصف عقلانية فيلسوف قرطبة بأنها «نزعة تصدر عن روح نقدية علمية وتنتمي إلى نظام فكري عقلاني يعتمد النظرة الأكسيومية التي ترى الأشياء من خلال الكل الذي تنتمي إليه والوظيفة التي تؤديها داخله». وقد تجلت هذه النزعة الكلية الجامعة في حرص ابن رشد على «تطبيق الطريقة البرهانية في العقليات كما في الفقهيات، فينقل تلك من ‹الرأي› إلى اليقين، ويرتفع بهذه من الظن إلى القطع»، مع مراعاة «كلّ حسب مبادئه وأصوله ». هكذا نجده يبني المعقولية في مجال النقليات على فكرة «قصد الشارع»، بينما يؤسسها في مجال العقليات على فكرة «الأسباب الطبيعية». وكانت غاية الجابري من هذه المبالغات حث الثقافة العربية المعاصرة على التحلي من جديد بالنزعة البرهانية الأكسيومية الرشدية، كي تهيئ نفسها للانخراط في مجرى الثقافة الحداثية. من مظاهر عقلانية ابن رشد التي اهتم بها المثقفون العرب المحدثون كثيرًا، قوله بوحدة العقل. ومرد

الاهتمام بهذه الأطروحة هو، أولً، ما توحي به من أنها إعلان تساوي الناس والثقافات والحضارات في حظهم من مبادئ العقل ومناهج التفكير؛ وثانيًا، بوصفها تأكيدًا لسريان العقل في الطبيعة، بما

يضمن التواصل بينهما وإخراج المعقولية الكامنة في الطبيعة إلى الفعل على شكل مبادئ وقوانين معرفية؛ وثالثًا، باعتبار «وحدة العقل» ضمانًا لسريان العقل في القول، وخاصة عندما يكون القول صادقًا ومعبِّرًا عن وحدة العقل والعاقل والمعقول. وبهذا النحو أصبحت أنظمة العقل والقول والوجود

متلازمة ومتعادلة؛ ورابعًا، استعمل هذا التيار نظرية «وحدة العقل» لمواجهة النزعات المركزية للثقافات الغربية، التي تدّعي أن الغرب وحده من يملك العقل الذي يستطيع به إنتاج العلم والفلسفة والثقافة.

2(((محمد عابد الجابري، التراث والحداثة: دراسات ومناقشات (بيروت؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1991)،

ص.202

(2((المصدر نفسه، ص 2.03

(2((المصدر نفسه، ص.203 ((3(يقول عن التماثل الأكسيومي بين مبدأ معقولية الشريعة ومبدأ الحكمة: «فكما أن المعقولية في العلوم الطبيعية والعلوم الإلهية

الفلسفية مبنية على مبدأ السببية، فإن المعقولية في الشرعيات مبنية على ‹قصد الشارع›». انظر: المصدر نفسه، ص.209

بيد أن «وحدة العقل» لم تمنع أصحاب هذا التيار من الإشادة بتقسيم ابن رشد عقول الناس إلى ثلاثة أنواع: عقل الجمهور، وهو العقل الخطابي الشعري، وعقل المتكلمين، وهو العقل الجدلي، ثم عقل الفلاسفة والعلماء، وهو العقل البرهاني. وقد نوّه العقلانيون العرب بهذه القسمة لأنها طريق للاعتراف

بركنين من أركان الثقافة ما بعد الحداثية: التعدد والاختلاف. من أوجه العقلانية الرشدية القوية التي حركت الجو الثقافي وقسمته في العالم العربي، دفاعه عن حق الفلسفة في الوجود بجانب الشريعة؛ هذا الدفاع الذي جاء، أولً، على شكل إثبات وحدة الحق كما ورد في العبارة الشهيرة: «الحق لا يضاد الحق ». وقد بنى هذه الوحدة بين الحق الشرعي والحق الفلسفي انطلاقًا من إرادة إثبات الاتصال بينهما لا من رغبة التوفيقأو الخلط بينهما. غير أن الإيمان بالوحدة بين الحقّيْن، الشرعي والفلسفي، لا يمكنه أن ينفي مظاهر التعارض بين

أحكام الشريعة وبراهين العقل أحيانًا. من هنا أتى واجب التأويل البرهاني الذي خصّ به ابن رشد

الفلاسفة دون غيرهم. والغرض من دعوته الفلاسفة إلى ممارسة «التأويل البرهاني»، الذي هو الشكل

الثاني من دفاع ابن رشد عن حق الفلسفة في الوجود، هو تحويل آيات القرآن المتشابهة إلى معانٍ برهانية لا مجال فيها للاختلاف، أي تحويل الرموز والتشبيهات والمجازات والقصص والأساطير الشرعية إلى قضايا ومعارف علمية. وقد كانت ردود أفعال المثقفين العرب المحدثين على دعوة ابن رشد إلى هذا النوع من التأويل «البرهاني» متعددة ومختلفة؛ فمنهم من اعتبر احتكار الفلاسفة حق تأويل النصوص الدينية وحرمان الجمهور من الاطلاع على نتائجه هما تهميش للوظيفة الاجتماعية للفلسفة، ومنهم من اعتبر دعوة ابن رشد إلى التأويل نوعًا من الباطنية التي تقول بازدواجية الحقيقة

بين الظاهر والباطن، ودعوة تضمر احتقارًا للعامة لأنها قائمة على مسلّمة «خبيثة [لتقسيم عقول

للناس]، ومسبوقة بمحاولات الشيعة والصوفية، [التي] تسمح لصاحبها بقلب الحقائق والسقوط في النسبية». ولكن ثمة عددًا كبيرًا من المفكرين العرب الذين يعتبرون التأويل البرهاني حماية للنص

القرآني من تطفّل أهل الجدل، ودرءًا لشغب المتكلمين الذين يهددون بتأويلاتهم المتضاربة والعقيمة

وحدة الأمة، وإبعادًا للعامة عن التحرش بالعلماء وملاحقتهم. لكن بجانب اهتمام أصحاب القراءة النهضوية والحداثية بفكرة الاتصالبين الشريعة والحكمة، كان اهتمامهم بفكرة تكاد تكون مضادة لها، وهي فكرة الفصل بين العقلين الفلسفي والشرعيمن

(3((كان ابن رشد يقول عن فكرة الاختلاف: لأن «من جعل الناس شرعًا واحدًا في التعليم فهو كمَن جعلهم شرعًا واحدًا في

عمل من الأعمال، وهذا كله خلاف المحسوس والمعقول». انظر: أبو الوليد محمدبن أحمدبن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة في

عقائد الملة، وتعريف ما وقع فيها بحسب التأويل من الشُّبَه المزيفة والبدع المضلة، تحقيق مصطفى حنفي (بيروت: مركز دراسات

الوحدة العربية، 9981)، ص 1.91

(3((ناصيف نصار، الإشارات والمسالك: من إيوان ابن رشد إلى رحاب العلمانية (بيروت: دار الطليعة، 011.26 2)، ص

(3((عبد المجيد الصغير، «المنهج الرشدي وأثره في الحكم على ابن رشد لدى مغاربة القرنين السادس والثالث عشر للهجرة،

و 912 1 م،» في: ابن رشد ومدرسته في الغرب الإسلامي: أعمال الندوة المنعقدة بمناسبة مرور ثمانية قرون على وفاة ابن رشد من

21 إلى 23 أبريل 1978 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، تقديم محمد المصباحي، ندوات ومناظرات؛ 751، ط 2 (الرباط:

كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 0132)، ص.318

جهة، وبينهما وبين العقلين الكلامي والصوفي من جهة أخرى؛ فبالنسبة إلى الفصل الثاني بين العقل الشرعي والعقل الكلامي، هناك من يتبنّى موقف الفصل بينهما خشية أن يؤدي الخلط بين الشريعة وعلم الكلام إلى تحويل النص الديني إلى حلبة صراع بين الآراء والمذاهب يُفقد العوام بداهة الإيمان

ويقينه، ويشجعهم على الخوض في قضايا دينية هي من أهل الاختصاص. من جهة أخرى، يتبنّى

هذا الاتجاه فصل العقل العلمي والفلسفي عن علم الكلام، لأن هذا الأخير قائم علىنظرة انفصالية وإمكانية للطبيعة لا تعترف بالسببية على مستوى الطبيعة، وبالضرورة على مستوى الوجود والماهية، وبالبرهان على مستوى العقل والمعرفة، وهو ما يهدد إمكان قيام العلم والفلسفة في فضاء الثقافة العربية الإسلامية. أمّا السبب وراء دعوة ابن رشد إلى الفصل بين العقل الشرعي والعقل الصوفي، فهو

أن المتصوفة «يزعمون أن المعرفة بالله وبغيره من الموجودات شيء يُلقَى في النفس عند تجريدها من

العوارض الشهوانية وإقبالها بالفكر على المطلوب»، الأمر الذي يؤدي إلى إبطال المعرفة العلمية، وبالتالي تهديد استمرار الدولة. وستكون لنا مناسبة أخرى في هذا البحث لاستعراض أهم المفكرين الذين تعرضوا لهذين الفصلين. أمّا الفصل بين العقل الشرعي والعقل الفلسفي، أو «فصل الشريعة عن الحكمة»، فيعتبرها كثير من

المثقفين المتنورين إرهاصًا ب «فصل الدِّين عن الدولة» (العلمانية)، وكأن السياسة هي الغاية من مشروع

ابن رشد الفلسفي، أي إقامة دولة محايدة إزاء مختلف العقائد الدينية للناس. وفي هذا السياق، ذهب صاحب كتاب نقد العقل العربي، الجابري، إلى أن «الفصل بين الفلسفة والشريعة» هو أحد معايير الفصل بين الفلسفة المشرقية (الفارابية – السينوية) التي كانت تقوم على التوفيق، بل والخلط، بين

الفلسفة والشريعة، وتحويل الفلسفة إلى علم كلام، أو خادمة له، وليست مبحثًا مستقلً في الوجود؛ والفلسفة الأندلسية المغربية (الباجوية – الرشدية) التي فصلت بين مجالي الحكمة والشريعة كي

يتم «فهم الدِّين داخل الدِّين وبواسطة معطياته، وفهم الفلسفة داخل الفلسفة وبواسطة مقدماتها ومقاصدها، وذلك هو طريق التجديد في الدِّين والفلسفة، فلنقتبس منه كذلك هذا المنهج... في اتجاه تحديث أصالتنا وتأصيل حداثنا». ولتأكيد التقابل بين النموذجين المشرقي والأندلسي – المغربي،

استعمل الجابري ثلاث مقاربات: تاريخية وأيديولوجية وإبستيمولوجية، مستخلصًا من ذلك ثلاثة

أنظمة معرفية: بيانية وعرفانية وبرهانية، حيث جعل عقلانية الأندلس تتصف بكونها عقلانية برهانية، في حين تقتسم عقلانية المشرق النظامين المعرفيين، البياني (العباسيون) والعرفاني (الفاطميون). هذا كله لينتهي إلى أن أمل العالم العربي معقود على الثقافة الأندلسية القادرة على تحرير العقل العربي من لاسببية علم الكلام ولاعقلانية التصوف، تمهيدًا للانخراط في عقلانية الحداثة. في نظر الجابري، إمّا أن نكون رشديين في عالم اليوم، وإمّا أن نضيع بين لاسببية علم الكلام وغنوصية الصوفية. بعبارة

أخرى، ينبغي تأسيس «رشدية عربية معاصرة» قائمة على البرهان على صعيد المعرفة، والديمقراطية والعقلانية على صعيد السياسة والأيديولوجيا، لكن ذلك كله على أساس الانتظام في التراث، أي

(3((أبو الوليد محمدبن أحمدبن رشد، مناهج الأدلة في عقائد الملة: مع مقدمة في نقد مدارس علم الكلام، تحقيق محمود قاسم،

ط 2 (القاهرة: مكتبة الانجلو المصرية، 9641)، ص.149

(3((الجابري، نحن والتراث، ص 15.

انطلاقًا من تأصيل المفاهيم والقيم الحداثية في التراث كيلا تبدو عسيرة الهضم من جانب الفكر العربي الحديث. ولم يكن يقصد بالانتظام في التراث سوى الانتظام في النموذج الأندلسي للعقلانية، بخاصة صيغتها الرشدية. من جهة أخرى، انتبه الاتجاه التنويري من المثقفين العرب إلى ممارسة ابن رشد النقدية من أجل إثبات قابليته لإحداث تغيير في الثقافة العربية. وبالفعل، مارس ابن رشد النقد بصورة تكاد تكون شاملة، حيث شملت انتقاداته معظم موضوعات المباحث والعلوم الشرعية والعقلية، كما مست معظم الفلاسفة والعلماء والمتكلمين الذين تعاطى معهم، نذكر من بينهم أفلاطون وجالينوس وأبوقراط وبطليموس وثامسطيوس والإسكندر الأفروديسي ونقولا الدمشقي وفورفوريوس؛ ومن المسلمين انتقد ابن رشد كلًّ من الفارابي وابن سينا والغزالي وابن باجة، هذا بالإضافة إلى نقده العنيف للمتكلمين والمتصوفين والفقهاء. كذلك استثمر المفكرون العرب فتوى ابن رشد في كتابه فصل المقالبالوجوب الشرعي للاستفادة من علوم الأوائل، كي يبرروا الانفتاح على ثقافة الغير مهما اختلفت شريعته عن شريعة الإسلام، لأن المهم في العلوم والآلات هو صلاحيتها وقدرتها على تأدية وظائفها، ولا شأن للعقيدة في قيمتها. ولا شك في أن القول بضرورة الانفتاح على علوم الغير وثقافاته وتجاربه الحضارية هو إثبات في الوقت نفسه بأن الإيمان والثقافة، أو الشريعة والمعرفة في الإس ماا، هما أمران مختلفان، ومن شأن كل خلط بينهما من يؤدي إلى نتائج كارثية، سواء بالنسبة إلى الدِّين أو بالنسبة إلى العلم والثقافة؛ فلا

معنى مثلً للكلام عن الأدب الإسلامي والعلم الإسلامي والاقتصاد الإسلامي، لأن مثل هذا الادعاء غطاء لمنع الفكر الحر والحق في الإبداع وممارسة للرقابة على النشاط العلمي، الأمر الذي يُخرج

الدِّين والمباحث والعلوم عن مجراها الطبيعي ويحوّلها إلى صيغ أيديولوجية جوفاء. من تبعات تعلُّق التيار التنويري من المثقفين العرب بالنزعة البرهانية القول بالطابع الكوني والشمولي للفكر الرشدي؛ فقد كان فيلسوف قرطبة في نظر كثير منهم يوجه خطابه الفلسفي والعلمي إلى الإنسانية جمعاء، لا إلى ثقافة دون أخرى أو إلى دين دون آخر أو إلى زمن دون آخر، فاستحق تراثه أن يكون عالميًا، وهذا ما عبّر عنه العروي بالتالي: «نقول أفق ابن رشد، لأن فكر هذا الأخير

وصل إلى أقصى ما وصلت إليه البشرية المفكرة آنذاك في المنطقة المحيطة به والتي لا تزال تحيط به. ولم يذهب أحد أبعد منه في سبر المعضلات التي تطرّق إليها، ولهذا انجذب إليه كبار اليهود

والنصارى. المادة التي اعتمدها ابن رشد كانت كل ما كان متاحًا للبشرية في عهده... ابن رشد

دعامة من دعائم التاريخ الكوني». وهذا ما يشجع الثقافة العربية على تجاوز حدود المحلية والتطلع إلى الأفق العالمي.

(3((هناك عدد كبير من الأعمال التي تصدت لنزعة ابن رشد النقدية. انظر على سبيل المثال: عاطف العراقي، «الحس النقدي عند

الفيلسوف ابن رشد،» عالم الفكر، السنة 72، العدد 4– حزيران/يونيو (نيسان/أبريل 9991)، ص 67.102 –

(3((عبد الله العروي، مفهوم العقل: مقالة في المفارقات (بيروت؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 9961)، ص 33؛ نذكّر

بأن الندوة التي أشرفنا عليها في مراكش سنة 998 1 كانت بعنوان الأفق الكوني لفكر ابن رشد، وقد صدرت في الرباط سنة.2001

استمرارًا للاتجاه العقلاني بتياراته وتلاوينه المختلفة، نشأ في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته

تيار ماركسيأوّل الفكر الرشدي تأويً ماديًا وتاريخيًا، بربطه بالتاريخ وبالبنى الاقتصادية

والاجتماعية والسياسية. وتزعّم هذا التيار كلٌّ من طيب تيزيني ونايف بلوز في سورية، وحسين مروة

1910(– 987 1) في لبنان... إلخ. وبلغ تأثير هذا التأويل اليساري إلى درجة أن مفكرًا دينيًا كمحمد

عمارة صار يفسر ابن رشد تفسيرًا «ماديًا». وكان هؤلاء يعتبرون ابن رشد عقلانيًا بالمعنى المادي على

المستوى الفكري (إنكاره مذهب الخلق من عدم الكلامي، ودفاعه عن أزلية المادة والعالم وخلود الأنواع والقول بوحدة العقل)، وعقلانيًا بالمعنى التاريخي على المستوى السياسي (حيث كان في

نظرهم يمثّل اليسار في الفلسفة العربية، ودليلهم على ذلك اضطهاد الدولة له في آخر حياته). وقد

احتلت محنة ابن رشد حيّزًا كبيرًا في تفكير هؤلاء، فاستخدموها دليلً على يسارية ابن رشد ومقاومته

السلطة الفقهية.

العقلانية الدينية

في وجه القراءات العقلانية بتنويعاتها المختلفة، نشأ تيار ثقافي في العالم العربي أوّل ابن رشد

تأويلً دينيًا، فجعل إشكاليته الحقيقية تلك التي تدور حول مسألة التوفيقبين الحكمة والشريعة،

وتُعطي الأسبقية للوحي على العقل وللشريعة على الحكمة. تغلبت لدى هؤلاء صورة ابن رشد الفقيه المنحاز إلى الشريعة، والذي يدعو إلى عقلانية مؤمنة توظف الفلسفة لخدمة الدِّين. بل ذهب بعضهم إلى وصف ابن رشد بأنه «فقيه سنّي، بل سلفي يكره الفلسفة، ويبتعد عن كل تأمل ميتافيزيقي،

ولا يبحث إلّ ‹ عما تحته عمل › كما قال الإمام مالك »! وخ فااًا للتيار التنويري، كان هؤلاء يعتبرون كتبه الأصيلة فصل المقال ومناهج الأدلة وتهافت التهافت هي الكتب التي ينبغي أن نقصدها لاستخلاص فكر ابن رشد الحقيقي، الذي يؤمن بعقلانية دينية منحازة إلى آراء الفقهاء والمتصوفة وعلماء الكلام، وخاصة مع الغزالي. كما يشدد هؤلاء المثقفون على تأثر قاضي قرطبة بالأفلاطونية أكثر من تأثره بأرسطو، وبعلمَي الكلام والتصوف أكثر من تأثره بالفلسفة. لكن في مقابل هذه القراءة، نجد طه عبد الرحمن يخلص إلى القول بأن التنادي لاسترداد ابن رشد

لن يجدي نفعًا، أولً لأنه لم يحترم المجال التداولي للشريعة الإسلامية، فهو لم يسع إلى تكييف لغته

مع لغة القرآن، ولم يحترم القواعد الصرفية والدلالية للغة العربية، والحال هي: «لا يرقى الكلام

(3((انظر في هذا الصدد: محمود أمين العالم، «في مفهوم العقلانية والعقلانية الرشدية،» الطريق، العدد 5 (أيلول/سبتمبر 9941)؛

حسين مروة، «محاولة قراءة ماركسية في فصل المقال لابنرشد،» الطريق (شباط/فبراير 9841)، ونايف بلوز، «الإيديولوجيا وعلاقة

الله بالعالم في فلسفة ابن رشد،» دراسات عربية (كانون الأول/ديسمبر 1).978

((3(من رواد تيار العقلانية الدينية محمد عبده (1849 – 9051)، وتبعه في خطه تلاميذ مباشرون وغير مباشرين أمثال محمود

قاسم (1913 – 9731) ومحمد بيصار (1910 – 9821) ومحمد عمارة وحسن حنفي.

((4(الصغير، ص.337

((4(عن تأثره بالأفلاطونية، انظر: المصدر نفسه، ص.323

(4((عبد الرحمن طه، «لغة ابن رشد الفلسفية من خلال عرضه لنظرية المقولات،» في: ابن رشد ومدرسته في الغرب الإسلامي،

ص 199.201 –

الفلسفي إلى مستوى التبليغ الناجح إلّ إذا استجاب لمتطلبات المجال التداولي للمخاطب». هكذا، «عاش بين ظهرانينا وكتب لغيرنا»، وهذا هو سبب النفور من كتاباته الفلسفية التي كانت مكتوبة بلغة لم تحترم الفضاء الشرعي والدلالي واللغوي الذي كُتبت من أجله. هذا علاوة على أنه كان في عمقه داعية للتقليد في مجالي الفلسفة والعقيدة معًا.

حدود العقلانية الرشدية

بالإضافة إلى جزء من تيار العقلانية الدينية، نجد أكثر من مفكر تنويري ينادي بعدم جدوى اللجوء إلى ابن رشد للخروج من المأزق التاريخي والثقافي الذي نحن فيه؛ فعبد الله العروي، مثلً، لم يتردد في انتقاد فيلسوف قرطبة بقوة في أكثر من مناسبة، ومن جهات مختلفة، على الرغم من إعرابه عن إعجابه العميق به، إمّا بسبب إحالته إلى كتاب الطبيعة (لأرسطو) لحل المشكلات الفقهية وما

بعد الطبيعية، وإمّا بحكم من الذين كانت لهم مشاريع إصلاحية قائمة على «عقيدة بسيطة، بيّنة،

صادقة، توفّق بين العقل والوجدان، تضمن للفرد الطمأنينة وللمجتمع الوحدة والاستقرار». وهو لم يكن يرى بعين الرضا تغليبه «المنطق على الرغبة»، وخضوعه لمنطق المطلق، الأمر الذي جعل « ‹ ابن رشد الفيلسوف › يشرح أرسطو كما يشرح ‹ ابن رشد الفقيه › موطأ مالك ». ولذلك، لن نفاجأ إذا ما وجدناه لا يستثني عقلانيته الواقعية والإصلاحية من دعوته إلى ممارسة قطيعة حاسمة مع التراث، إن أراد العالم العربي ولوج عالم الحداثة. بل إنه من أجل تكريس روح القطيعة مع ثقافة الماضي، حذّر من عملية التوحيد بين المفاهيم الحداثية ونظائرها في التراث الأندلسي، كالعقل (ابن رشد) والحرية (ابن عربي) والدولة (الشاطبي) والتاريخ (ابن خلدون)؛ إذ لا علاقة بين المعاني التي تتخذها هذه المفاهيم في الحداثة والمعاني التي كانت رائجة في التراث، بسبب وجود فرق أساسي يفصل بينهما هو «التحقق التاريخي». لذلك، ينبغي النظر إلى المفاهيم التراثية بوصفها «غير مكتملة» قياسًا بالمفاهيم «المكتملة» التي ابتكرتها الحداثة. بل إنه يحذرنا حتى من لعبة استحضار ابن رشد

حينما نقرأ ما قاله جان جاك روسو عن ازدواجية العبادة، لأن مثل هذه المقارنات السطحية مضرة، فهي تجرّ إلى «تسطيح وابتذال النص المقروء»، وإلى «إغفال المعاني الجديدة التي يضفيها على ألفاظ

الإيمان والتصديق والبداهة والإخلاص».

((4(المصدر نفسه، ص 072؛ بشأن أهمية اتصال اللغة الفلسفية بلغة القرآن، انظر: المصدر نفسه، ص.207

((4(المصدر نفسه، ص.207

((4(المصدر نفسه، ص 206.207 –

(4((عن عادة ابن رشد في الإحالة إلى كتاب الطبيعة لأرسطو، انظر: عبد الله العروي، السنة والإصلاح (بيروت؛ الدار البيضاء:

المركز الثقافي العربي، 0082)، ص.176

(4((عن منهجية المقارنة بين الكتّاب الغربيين والكتّاب المسلمين، انظر: روسو، ص 6.

(4((عبد الله العروي، من ديوان السياسة (بيروت؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 0092)، ص.108

(4((عبد الله العروي، حوار في: النهضة، العدد 8 (0142)، ص.17

5(((انظر: العروي، مفهوم العقل، ص 51 – 16؛ « لو لم يتحقق تاريخيًا المفهوم الجديد، لمَا بدا لنا المفهوم القديم غير مكتمل.»

انظر: المصدر المذكور، ص.18

(((5 عن استحضار الكتّاب الغربيين عند قراءة الكتاب المسلمين، انظر تقديم لكتاب: روسو، ص 1.8

من أجل أن يصبح «ما نقوله هو ما يقوله غيرنا»، ينبغي أن نمتلك «بداهة جديدة » لا يمكن الحصول عليها إلّ بالقيام بالقطيعة المعرفية والمنهجية مع «ما كان أفقًا بالنسبة لابن رشد [حتى لا] يصبح حدًّا » بالنسبة إلينا. بعبارة أخرى، لو اعتمد محمد عبده، في إجابته عن السؤال الذي طرحه عليه الغرب الحديث، فقط على « فكر ابن رشد... [ل]انقلب ما كان أفقًا عند الأول إلى سد عند الثاني. هناك إذن حد يقف عنده عبده، يستكشف أحيانًا ما وراءه، لكنه لا يتعداه أبدًا ». ولا يمكن أن ينفعنا ابن رشد في تجديد ثقافتنا ومدينتنا وتاريخنا إن اكتفينا بما قاله عن «المدينة الفاضلة» في شروحه على أفلاطون. ومع ذلك، يتخيل العروي أن في الإمكان أن يكون ابن رشد مفيدًا لنا، فقط لو افترضنا أنه «اطلع على دستور أميركا ورآه مطبَّقًا في الواقع. وفي تصورنا لموقفه المحتمل قد نستأنس

بما قاله». وسار ناصيف نصار في الاتجاه نفسه عندما أخذ على تصور ابن رشد للفلسفة بأنه كان محصورًا

في الشريعة، لأنه اعتبر أن موضوعها هو المصنوع بالصانع، وليس الوجود بما هو موجود، ولأنه حصر بحثه في العلم الحق دون العمل الحق، ولأنه كان مطوقًا بعقيدة كمال الحق عند أرسطو. لكن ابن رشد «لا يطلب بتبنّي الأرسطوطاليسية بأكملها وباستيعابها ودمجها في النظرة القرآنية إلى

العالم والحياة»، إلّ أن ناصيف نصار يرى أن «النظرية الرشدية حول العلاقات بين الفلسفة والدِّين

لا تفي، إلّ قليلً، بمتطلبات عصرنا الفكرية »؛ فهو لم يقم فعلً بفصل الدِّين عن الفلسفة، لأن همّه

الأول في كتاب فصل المقالهو أن يتوصل إلى «تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال ». لكن على الرغم من أن ابن رشد أفقر مفهوم الفلسفة بربطه هذه الأخيرة بالشرع، فإنه لم يضعها تحت إمرة اللاهوت كما فعل ابن ميمون أو توما الإكويني. باختصار، يعتقد هذا التيار من المثقفين أن ابن رشد ينتمي بإشكاليته وحلوله إلى الماضي، وهو لا يستطيع أن يفيدنا بها اليوم كثيرًا؛ إذ توجد مسافة معرفية ومنهجية ورؤيوية كبيرة بين زمن ابن رشد

وزمننا الحالي. فحتى طريقة تفكيره غير قادرة على إفادتنا في شيء، لأن العقل الذي يتكلم عليه غير العقل الذي يستعمله المحدثون، والمناهج التي كان يستعملها (القياس البرهاني) غير المناهج التي يستعملها المعاصرون (القياس التمثيلي). ومع ذلك، لا يمنع هذا الفرق من الاستئناس به واعتباره رمزًا

(((5 المصدر نفسه، ص.18

(5((المصدر نفسه، ص 9 1.0 –

(5((المصدر نفسه، ص.33

(((5 المصدر نفسه، ص.33

(((5 العروي، من ديوان السياسة، ص 1.07

5(((يبدو أن ناصيف نصار اعتمد في حكمه هذا فقط على كتبه المسماة كلامية، لا على شروحه على أرسطو التي يقدم فيها عروضًا مستفيضة على الموضوعات المتعددة للفلسفة.

(5((نصار، ص 2.9

(5((المصدر نفسه، ص.37

6(((«ولكن هل قام ابن رشد حقًا بعملية ‘فصل’ بين الدِّين والفلسفة؟ ألَم يكن همه الأول في كتاب فصل المقالأن يتوصل إلى

‘تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال’؟». انظر: المصدر نفسه، ص.38

(((6 المصدر نفسه، ص 22.

لإرادة الانفتاح والتجديد والنقد، من دون أن يكون الغرض من ذلك تحويل منهجه «البرهاني» إلى دعوة جامدة ومنغلقة. واضح من هذه العرض السريع للتأثير الرشدي في الثقافة العربية الحديثة، أن تأثير أبي الوليد لم يكن ثابتًا وذا طبيعة واحدة، بل اتُّخذ رمزًا لتيارات فكرية متعارضة، كالعقلانية واللاعقلانية والدينية والعلمانية والماركسية والسلفية... إلخ. وقد أدى تأثيره المتعدد هذا إلى إغناء الساحة الثقافية وإحياء حركات ثقافية كثيرة في العالم العربي، بحيث لا يمكن تصور الحراك الثقافي العربي من دون حضور الفكر الرشدي. وقد انقسم حوله المثقفون؛ فمنهم من ساند ابن رشد الفقيه والمتكلم (محمد عبده ومحمود قاسم وعبد المجيد التريكي وعبد المجيد الصغير وطه عبد الرحمن وأبو يعرب المرزوقي...)، ومنهم من ساند ابن رشد الفيلسوف والعالم (فرح أنطون وماجد فخري وعاطف العراقي...)، منهم من أعلن ابن رشد ناطقًا رسميًا باسم القطيعة بين المشرق والمغرب

(كالجابري...)، ومنهم من اعتبره استمرارًا وفيًا للمشرق، ومنهم من يؤمن بأنه كان يقول بالحقيقة

المزدوجة، ومنهم من دافع عن علمانيته... إلخ. وبهذا يكون ابن رشد قد شكّل نقطة انطلاق لنهضة ثقافية وأيديولوجية غنية. ما يهمنا على وجه الخصوص هو أن الاتجاهات الحداثية والتقدمية وظفته لبناء مشروع ثقافي متكامل، قوامهتبرير مشروعية تعليم الفلسفة في العالم العربيباعتبارها أمرًا ضروريًا لتطوير

الشريعة، ولمواجهة اللاعقلانية والأصولية، ومناهضة الاتجاهات الاستشراقية التي تنشر عقيدة عجز العقل العربي الإسلامي عن التفكير العقلاني، والبرهنة في مقابل ذلك على قدرة العرب والمسلمين على بناء نهضة عربية بديلة قادرة على مضاهاة الحداثة، كما استُحضر فيلسوف قرطبة لمناصرة الدعوة إلى وحدة العقل البشريوتساوي الناس في الانتساب إليه، ولإثبات اتصال الحكمة الإلهية بالحكمة الإنسانية، بما يشجع على الانفتاح على الغير المخالف في العقيدة، وللحثّ على النقد تمهيدًا للخلق والإبداع ومناهضة التبعية والتقليد والتفسير الخرافي واللاعقلاني لظواهر الطبيعة

والإنسان. هكذا يكون تأثير ابن رشد شاملًالجوانب النظرية والعملية، الدينية والعقلية. وما ذلك إلّ لكونه جمع في شخصه بين محبة الشريعة ومحبة الحكمة، أي بين شعاره «الحق لا يضاد الحق»، وشعار الحق البرهاني المطابق للطبيعة وللعقل القارئ لها. ويشكل هذا البرنامج الطريق المعتدل بين ثقافتين: ثقافة المدافعين عن التراث بكل تجلياته، وثقافة الذين الذين يذهبون إلى أن لا مخرج لنا من التخلف التاريخي والعقلي الذي نعيشه إلّ بالارتماء في أحضان الحداثة الغربية من دون أي مراعاة للذات التراثية.

ابن عربي

مبدئيًا، كان ابن عربي رمزًا للاعقلانية في العالم العربي، فهو الذي روّج لمعرفة أخرى (عرفان) تأتي

هبةً وعطاءً لا بحثًا واستقصاءً. ومع ذلك، يمكن العثور على أفكار قوية له لا غنى عنها لتأسيس ثقافية

حداثية، كفكرة التسامح الديني وفكرة الانفتاح على الخيال وفكرة الجدل.

فبالنسبة إلى الفكرة الأخيرة، انتبه عبد الله العروي منذ ستينيات القرن الماضي إلى أهميتها في علاج مسألة التأخر التاريخي، الذي يرجع إلى عجز العقل العربي عن تجاوز ثنائياته وتناقضاته. وقد كان يؤمن بأن الجدل (الديالكتيك) هو المنطق الوحيد القادر على علاج هذا التأخر بحكم قدرته على الجمع بين المتناقضات وتجاوزها في آن واحد. وفي نظره أنه لا يمكن الجدل أن يكون أداة فعالة لتجاوز تناقضات الفكر العربي، وخاصة التناقض بين الأصالة والتقنية الليبرالية، إلّ إذا كان مضمَّنًا

في الفكر العربي، وكنا قادرين على أن «نكشف عنه في سلوكنا وفكرنا، على صورة مغايرة بدون (شك لما) نتوقع». ولذلك، سيكون علينا أن نكشف عنه في التصوف والرومانسية. لكن العروي لا يخفي شعوره بالخوف من الثوب الصوفي للجدل؛ فهناك خطر «تشويه الجدل وإرغامه على التجلي في الوجدان متقمصًا ثوب اللامعقول. لقد مر العرب القدامى بتجربة أدت إلى انكشاف

بواكير ذهنية جدلية. لكن تلك التجربة لم تكتمل، بل أُجهضت وتاهت في بيداء التصوف. إن مسخ الجدل إلى منطق التصوف – نكران الطبيعة والتاريخ – على غرار ما فعلنا في الماضي، هو الخطر

المحدق بنا حاليًا، خطر يهدد بالفشل كل جهد نقوم به لفهم ذاتنا فهمًا جدليًا، أي عقلانيًا وموضوعيًا

في آن». إنه يخشى من أن يتحول المنطق الجدلي «إلى استلذاذ بالألفاظ، إلى ادعاء إدراك أسرار الحروف، باختصار إلى مجرد لعب ولهو. إن مؤرخي التصوف يميزون عادة بين عهد المحاسب وعهد ابن عربي، إلّ أن هذا في الواقع يكمل ويتوج دعوة ذاك. إن كلام المحاسبي، عن طريق التأمل، يرمي إلى رتق خرق بدا في النفس الجماعية. فكلما ازداد الخرق اتساعًا وعمقًا تطلَّب العلاج مهلة أطول ومادة أغزر». ومع ذلك، «حتى لغو ابن عربي فله منفعته إذ يعلّمنا الحذر والاحتراز، ضرورة التعالي عن البداهة مع الوعي بها والمحافظة عليها »، لكن لا بد من «معرفة ما إذا كان إجهاض الأمس لا يهددنا اليوم

بالتجدد دون أن نستطيع توقيه. لقد كان التصوف حلً لفظيًا لمشكلة حقيقية، كان منطق عملية وجدانية

تهدف إلى المماهاة – مع ما ليس أنا – على نمطالتصور والتمثيل لا على نمط المفهوم. واليوم نواجه

مشكلة مماثلة، إذ الأمر يتعلق بتوحيد الأنا (أي التقليد) واللاأنا (أي الغرب) توحيدًا تدريجيًا. ولهذا

(((6 العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة، ص.191 (6((يقول العروي، «ينعت كثير من الدارسين الأنجلوساكسونيين الفكر العربي المعاصر بأنه رومانسي، وينعته المستشرقون المتدينون بأنه صوفي، ولكلا النعتين دلالة في حد ذاته. وذلك لأن المنطق الجدلي ظهر، أول ما ظهر في أوروبا، في أثواب مختلفة،

منها التصوف والرومانسية...». المصدر نفسه، ص 911؛ يوجد الجدل في ثقافتنا وتراثنا على شكل تصوف: «هل حُكم علينا أن

نوظف الجدل كمذهب وعقيدة دون أن نتمكن أبدًا من استخدامه كمنهج؟ هذه هي المشكلة التي تواجهنا في حقيقة الأمر. لا يحق

القول، حتى في ظروفنا الراهنة، إن الجدل منعدم الوجود في ثقافتنا، كما يدّعي الكثيرون، بل هو موجود، لكن في ثوب التصوف،

وعند الشيخ بصفة خاصة» (المصدر نفسه، ص 971)؛ ويضيف «وهناك وجه آخر للفكر الجدلي وهو علم الكلام لدى المعتزلة،

الذين حاولوا بالعقل المجرد لا بالوجدان استقطاب جميع العناصر المتساكنة» (المصدر نفسه، ص 191 – 92.)1 يعتبر العروي

أن المحاسبي «... عقد العزم حينذاك على نهج طريق ثالث، بعيدًا في آن عن سذاجة أهل الحديث وعن تأويل المعتزلة العقلاني»

(المصدر نفسه، ص 1).94

(6((المصدر نفسه، ص 1.91

(((6 المصدر نفسه، ص 195

(((6 المصدر نفسه، ص 1.96

السبب بالضبط، أولَا نكون عرضة لإغراء تجربة الماضي، وبصورة أدق أولَا نتصور ضرورة الجدل،

حتى المادي، بسبب وضعنا الراهن وتجربتنا الماضية، على نمط تخيلي، أي عن طريق التشبيه والمجاز؟ ». يتساءل في ما إذا كان المنطق الجدلي يقوم بالمسعى «الأدلوجي» نفسه الذي قام به الجدل الصوفي في الماضي، أي الذهاب من الأنا إلى اللاأنا (الغرب) للذوبان فيها بعد الاعتراف بتفوقها التاريخي. لكن مهما تكن المخاطر، ينبغي «أن ننقذ على الأقل بذور الجدل المتناثرة هنا وهناك بيننا »، ونتعلم «كيف نزاوج الصدق في التصور مع الدقة في الإنجاز ».

ابن خلدون

علينا أن نعترف بأن البُعد التاريخي (بمقولاته، كالإمكان والحرية والجدل) كان ضعيفًا لدى فلاسفة

الأندلس، في مقابل شغفهم بالميتافيزيقا بمقولاتها (كالضرورة والبرهان). لكن في أواخر الحلقة الأندلسية للحضارة العربية، ظهر ابن خلدون الذي عكس – بصدق – صدى هذه الحضارة التي

امتد تأثيرها شرقًا إلى الحدود التونسية، والذي برهن على أن الوعي بالبُعد التاريخي لم يكن غائبًا

في الفلسفة الأندلسية. وقد نافس تأثيره على مستوى العمران والاجتماع البشري تأثير ابن رشد على مستوى الفلسفة وعلاقتها بالشريعة. يرجع إعجاب المفكرين العرب المحدثين بابن خلدون إلى تقديمه «رؤية عمرانية»، أي تاريخية وإنسانية، للوجود البشري. في هذه الرؤية، أصبحت للإنسان لأول مرة «هوية عمرانية»، يكون بها قادرًا

على اختراع الصناعات وإنشاء العلوم والسياسات بناءً على تقصّي أسباب الموجودات والحوادث

والظواهر الطبيعية والإنسانية، بعد أن كانت له في غالب الأحيان هوية دينية، وفي نادر الأحيان هوية عقلية. وبحكم هذه الرؤية العمرانية المستحدثة للكون، والتي صار فيها الإنسان محورها من حيث هو كائن تاريخي يُحوِّل الطبيعة إلى عمران، أصبح العقل البشري متطورًا ومتعددًا؛ فقد غدا الإنسان

لدى ابن رشد يحصل على عقل جديد كلما حصّل على معرفة جديدة، سواء كانت حنكة تجريبية

(6((المصدر نفسه، ص.196 (6((«... فتنفتح بذلك الطريق لتوظيف أدلوجي للمنطق الجدلي، تكون مهمته تسهيل الانتقال النهائي من الأنا التقليدي إلى

اللاأنا...». انظر: المصدر نفسه، ص.197 (6((عن خطر ذوبان الأنا التقليدي في اللاأنا الغربي يقول العروي: «لكن المنطق الجدلي، بصفته تخطيًا يفرضه التاريخ لتناقض

بادٍ في الحاضر، أولَا يقوم بنفس الدور؟ يعترف بالتفوق التاريخي للغرببصفته اللاأنا ويقر دعواه لكن في غير شكله الحالي

العرضي العابر. أما الأنا العزيز على القلب، المؤقنم في العقيدة أو الثقافة أو اللغة، فإن النفي الجدلي يذيبه، وبالتالي يضع حدًّا

لانبهارنا به. لايكفي إذن مطلقًا أن نعرف أن وضعنا يستوجب استعمال المنهج الجدلي لفهم ذاتنا، بل يجب أن نتحقق هلّ يستوجب

ذلك الوضع بالذات أن نؤوّل الجدل تأويلً يجعل منه علاجًا لوهن في النفس أكثر منه نهجًا لتسيير العقل ». انظر: المصدر نفسه،

ص 196 1.97 –

((7(المصدر نفسه، ص 198 1.99 –

((7(المصدر نفسه، ص 198.199 –

((7(هذا من دون أن ننسى البُعد الأخروي في النظرة الخلدونية إلى العالم، ذلك أن أفعال هوية الإنسان المزدوجة ليست من أجل

هذه الحياة الدنيا، بل لغاية الحياة الأخرى.

أو تفننًا حضاريًا أو علمًا نظريًا. هكذا يمكن أن يكتسب الإنسان العقل التمييزي والعقل التجريبي

والعقل النظري، وأحيانًا يمكن أن يكتسب قوة فوق قوة العقل، تدرك النفس بها إدراكًا مباشرًا، في لمح

البصر في أثناء النوم أو في حالات نادرة من اليقظة، أمورًا تتصل بعالم الغيب. وفي ظل هذا المنظور

التطوري، صار العقل متناسبًا لدى الناس والجماعات مع استعداداتهم وتجاربهم ومكتسباتهم

المعرفية والعملية درجةً ونوعًا. تأثير ابن خلدون في الثقافة العربية واضح جدًا، ونكتفي بمثالين هما محمد الجابري وناصيف نصار؛ فقد دافع الجابري عن ابن خلدون باعتباره المفكر الذي أدخل المعقولية إلى التاريخ عندما تكلم على «طبائع العمران» التي هي «الكليات» الاجتماعية التي تحدث في العمران بمقتضى مبدأ السببية. وبفضل هذه السببية، «قلّ أن يكون الأمر الشرعي مخالفًا للأمر الوجودي». وقد أوجز الجابري الرؤية الثقافية الأندلسية قائلً: «تلك باختصار هي معالم النزعة البرهانية في الثقافة العربية بالأندلس والمغرب، النزعة التي تطلب اليقينفي العقليات والقطعفي الفقهيات والمطابقة لطبائع العمران في المرويات التاريخية معتمدة في بناء المعقولية في هذه الميادين المعرفية على الانطلاق من الكليات واعتبار الأسباب والمقاصد. إنها نزعة علمية... قامت كثورة على ما ساد الثقافة العربية من نظرة تجزيئية ومشادات كلامية وخلافات فقهية تعتمد المغالطة والجدل». وكانت الحاجة السياسية والأيديولوجية هي التي دفعت إلى « بلورة مشروع ثقافي أندلسيقادر على أن يقدم نفسه كبديل تاريخي للمشروع العباسي والفاطمي»، قوامه رفع الحصار عن الفلسفة. وكان المفكر ناصيف نصار من جهته يعتبر ما قام به ابن خلدون «خطوة جبارة على طريق إعادة بناء الفكر السياسي في الثقافة العربية». وبالفعل، لا تقل إعادة بناء السياسة أهمية عن إعادة بناء العقل،

أي عن إعادة بناء الثقافة. إلّ أن إعادة بناء السياسة، التي هي أحد المطالب الأساسية للثقافة العربية الحديثة، على أسس مدنية أو عقلية، تقتضي فصل الدِّين عن الدولة. وهنا يمكن ابن خلدون أن يساعد

على إنجاز هذه المهمة، لأن السياسة في ضوء تصوره الجديد للعمران البشري، أضحت فعلً بشريًا

يخضع لحتمية العصبية والقوة، أو لضرورة العقل والمصالح أو لتأثير الشريعة الدينية. ومعنى هذا أن منطق الضرورة الطبيعية والتغالب الاجتماعي والمصلحة الفردية والجماعية يكفي لتفسير السياسة، وأن الشرع الإلهي لم يعد ضروريًا لوجودها، «فالسياسة كانت موجودة، ولا تزال موجودة في أمم ليس

لها كتاب منزل وشرع من عند الله». وبذلك يكون ابن خلدون قد حقق «خطوة حاسمة، وبمعنى ما راديكالية، في الانتقال من عقل السياسة بلغة الفقه إلى عقل السياسة بلغة العمران والتاريخ»،

((7(عن طبائع العمران يقول الجابري: «‘طبائع العمران’ إذن هي ‘الكليات’ الاجتماعية، وبما أنها تحدث في العمران بمقتضى

طبعه، بمعنى أن حدوثها ضروري، فهي خاضعة لمبدأ السببية». انظر: الجابري، التراث والحداثة، ص.213

((7(المصدر نفسه، ص 12.4

((7(المصدر نفسه، ص.215

((7(المصدر نفسه، ص.186

((7(المصدر نفسه، ص.69

((7(نصار، ص.68

((7(المصدر نفسه، ص.69

بإعطاء الأسبقية ل «الأمر الوجودي» على «الأمر الشرعي»، وفصله الشرع عن الملك، بل وحتى عن الخلافة، خصوصًا أن هذه الأخيرة حصلت بالإجماع الذي هو فعل إنساني.

خاتمة

نستخلص من استعراضنا السريع لتأثير بعض النماذج الفلسفية للحضارة الأندلسية في الثقافة العربية المعاصرة أن هذا التأثير كان متعدد الأبعاد، كالبعد العقلاني والبعد التاريخي والبعد الصوفي، ومتعدد الغايات، كإثبات الطابع الكوني للعقل العربي، وقدرته على التعاطي مع الحداثة، وقدرته على الجمع بين الشريعة والحكمة على مستوى الغاية، والفصل بينهما على مستوى المنهج. وممّا يلفت انتباهنا أنه عندما كان النموذج الثقافي الأندلسي حاضرًا بقوة، تغلب

الهمّ الكوني والتسامحي على الهمّ الهوياتي والطائفي، وعندما هيمن النموذج السلفي العباسي،

تفشت دعوات الخصوصية المذهبية والإثنية والثقافية، وحل العنف الطائفي وعدم التسامح الثقافي محل التسامح. إن ما يميز النموذج الفلسفي الأندلسي هو انفتاحه على جميع العقلانيات: البرهانية والفقهية والتاريخية والعرفانية، بحكم طابعه الحواري والجدلي والساعي إلى إيجاد مجال مشترك بينها. ومع ذلك، كان بعض التيارات الثقافية في العالم العربي المعاصر يشعر بأن الاستئناس بالنموذج الأندلسي لا يكفي، إذ لا بد من الانفتاح على الزمن الحاضر. لم تكن العقلانية الأندلسية تكتفي بنور العقل وحده، أي بالنور الطبيعي الذي يضيء ذاتنا والعالم معًا، بل كانت منفتحة أيضًا على نور الإيمان والوجدان ونور التاريخ والعمران، وضرورة الاستفادة

من تعدد الأنوار هو الدرس الذي نستخلصه من النموذج الأندلسي. لقد مضى ذلك الزمن الذي كان

فيه ابن رشد يتهكم على ابن حزم قائلً إن «العقل لا يمكن أن يكون جائزًا، فيُمكن ان يُخلَق على

صفات مختلفة، كما توهم ذلك ابن حزم»؛ فالعقل الذي لا يتسامح ولا يتفاوض ولا يتخذ صورًا

مختلفة ولا يتفاهم حتى مع الثقافات اللاتنويرية أو القبل تنويرية، لا يستطيع اليوم أن يكون محصنًا ضد أعدائه. إنه لأمر ضروري لثقافة مستقبلية حية الجمع بين ابن رشد وابن عربي، بين ابن باجة وابن خلدون، بين العقلانية الفلسفية و«العقلانية» العرفانية، بين تدبير المتوحد وتدبير الملتزم بقضايا المجتمع؛ إذ لا يكفي أن تحوّل العقلانية الفلسفية الإنسانَ من فرد إلى ذات عاقلة، بل لا بد أن تتدخل العقلانية

العمرانية لتحوّل الذات العاقلة إلى ذات سياسية، أي إلى ذات مواطنة تقوم بواجب المشاركة في تدبير

الدولة وضمان استمرار تحديثها.

(8((«وهذه السياسة التي يحمل عليها أهل الاجتماع التي لسائر الملوك في العالم من مسلم وكافر. إل أن ملوك المسلمين يجرون

فيها على ما تقتضيه الشريعة الإسلامية بحسب جهدهم؛ فقوانينها إذ ا مجتمعة من أحكام شرعية وآداب خلقية وقوانين في الاجتماع

طبيعية، وأشياء من مراعاة الشوكة والعصبية ضرورية». انظر: أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، تحقيق

علي عبد الواحد وافي (القاهرة: لجنة البيان العربي، 9621)، ص.712

ولكن مسيرة النضج الثقافي للإنسان العربي لن تكتمل ما لم يحقق هذا الإنسان انفتاحه على الآخر، لأن، كما قال عزيز الحبابي، «بمقدار ما تكون ثقافة ما حية وغنية، بمقدار ما تنفتح على الإخصاب المتبادل، على التبادل مع الثقافات الأخرى»، وهي الفكرة نفسها التي عبّر ابن رشد عنها بطريقة

ميتافيزيقية بقوله إن ذات العقل منّا «ليست شيئًا آخر غير عقل الموجودات التي هي خارجة عن

ذاته»، وعبّر عنها ج لاا الدين الرومي بلغة صوفية قائ: «عندما خرجتُ من نفسي وجدتُ

نفسي»؛ إذ لا تكتمل معرفة الذات إلّ بمعرفة الآخر، سواء كان هذا الآخر أنوارًا غربية بمشتقاتها

المختلفة أو أنوارًا تراثية بتلاوينها المحلية. وقبل هذا الانفتاح وذاك، على هذه الأنوار الجديدة أن

تنفتح على الوحي بجميع عوالمه وعلومه وآفاقه وآماله وتخومه، سعيًا وراء تعبئة المجتمع برمّته

للانخراط في حوار شامل تستفيد منه العقلانية الجامعة. ليس معنى هذا أننا نسعى إلى طبع العقلانية بالمرونة إلى درجة سلب قدرتها على المواجهة والصراع؛ مواجهة الفكر المحافظ الذي يحارب النور، نور العقل، ويدافع بجنون عن وصاية الآخر عليها. بل على العكس من ذلك، نعتبر أنه ينبغي أن يكون رفض الوصاية من أي جهة كانت هو أول مبدأ يحرك الذات، والعمل على جعلها المنبع الأساسي للحق والفضيلة والتغيير والنقد، على أن يشمل النقدُ نقدَ العقل نفسه، من أجل تطوير أدوات فهمه ومناهج تفكيره وأساليب تدبيره، وإضفاء النسبية والتاريخية على حقائقه وقيمه. وبعد، لا شك في أن العودة إلى الأندلس عودة إلى الأصول، لكن من أجل القفز إلى ما عداها بغية إعادة بناء الذات الثقافية للمجموعة العربية، لضمان المشروعية التاريخية لأي مشروع ثقافي جديد يحتل فيه حق الفلسفة في الوجود مكانة مرموقة. ومن البيّن بنفسه أنه لن يكون ثمة معنى لاستلهام

النموذج الأندلسي في بناء ثقافتنا المعاصرة ما لم يتم إدراك الفرق التاريخي بين الحضارة الأندلسية والحداثة الغربية، والتخلي عن فكرة المطابقة بينهما، وفتح المجال لتأهيل الثقافة العربية كي ترقى إلى مستوى الاتصال والتواصل مع الثقافة الحداثية.

(81) Mohamed Aziz Lahbabi, Du clos à l’ouvert: Vingt propos sur les cultures nationales et la civilisation humaine , Etudes et documents, 2eme ed. (Alger: Société nationale d’édition et de diffusion (S.N.E.D.), 1971), p. 155.

(8((أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد، تلخيص كتاب النفس، تحقيق أ. إيفري (القاهرة: [د. ن].، 9941)، ص 128.129 –

(8((جلال الدين الرومي، رباعيات مولانا جلال الدين الرومي، ترجمه وقدم له عيسى علي العاكوب (دمشق: دار الفكر، 2004)،

رباعية رقم 15، ص.24