العودة إلى تفاصيل المؤلَّف اللغة العربية وأيديولوجية الوحدة

اللغة العربية وأيديولوجية الوحدة

The Arabic Language and the Ideology of Unity

محمد جاسم جبارة

Mohammed Jassim Gebara

الملخّص

يتناول البحث مجموعة من المحاور تدور حول مسألة اللغة العربية وعلاقتها بمفاهيم القومية العربية وأيديولوجية الوحدة التي دعا إليها أغلب الأحزاب القومية في ربطها بين التاريخ واللغة والمصير المشترك. وبعد تأمله مناهج الدراسات اللسانية الحديثة التي تبنّتها المكتبة العربية في تعبيرها عن نهضة الحداثة العربية

Abstract

This study deals with a series of issues that revolve around the question of the Arabic language and its relationship with concepts of Arab nationalism. In particular, it considers the ideology of unity that most nationalist parties advocated in their linkage between history, language, and common destiny. It further considers the methods of modern linguistics adopted by Arab scholarship to express the modern Arab revival

الكلمات المفتاحية:
  • اللغة العربية
  • آيديولوجيا الوحدة
  • القومية العربية
Keywords:
  • Arabic language
  • ideology of unity
  • History
  • Arab Nationalism

يتناول البحث مجموعة من المحاور تدور حول مسألة اللغة العربية وعلاقتها بمفاهيم القومية العربية وأيديولوجية الوحدة التي دعا إليها أغلب الأحزاب القومية في ربطها بين التاريخ واللغة والمصير المشترك. وبعد تأمله مناهج الدراسات اللسانية الحديثة التي تبنّتها المكتبة العربية في تعبيرها عن نهضة الحداثة العربية، رأى أن من شأن دراسة اللغة من وجهة نظر اجتماعية أن تعمل على ربط محاور الحداثة مع محاور الدراسات الاجتماعية في بحث المسألة القومية، فأخذ على عاتقه مناقشة مسائل اللغة وعلاقتها بالقومية من جهة وباللهجات المحلية من جهة أخرى، إلى جانب ارتباطها بالأقليات العرقية التي أخذ نشاطها يزداد في عدد من الأقطار العربية وهي تدعو إلى التخلي عن اللغة العربية لتعزيز انعزالها وتحقيق استقلالها عن الوطن الأم؛ إذ أصبحت اللغة أداةً للصراع ضد الدولة. وقد أكّد البحث أن اللغة العربية تختلف في طبيعتها التاريخية عن اللغات الأخرى التي انفصلت عن لغاتها الأم، لأن اللغة العربية ذات طابع تاريخي، فارتباطها القومي لا ينبع من ارتباطها الحزبي الضيق، وإنما هو حتمية تاريخية لا يمكن الانفصال عنها، سواء للعرب أو لغيرهم من الناطقين بالعربية، لأنهم شركاء بالتاريخ العربي والإسلامي. وعلى هذا الأساس، يدعو البحث إلى إعادة بناء خطاب عربي جديد للنهضة يستلهم طموح العرب والأقليات غير العربية داخل الوطن العربي، لأن خطاب الحداثة الذي نادت به اللسانيات الحديثة لم يكن سوى خطاب مستعار لا علاقة له بالمنظور الاستراتيجي للغة العربية. ويكمن الهدف في إعطاء وظيفة جديدة لدراسة اللغة العربية وهي «الوحدة»، لأن دراسة هذه الوظيفة تعطي اللغة

العربية مكانتها الحقيقية في بيان كلٍّ من بُعدها الأخلاقي وبُعدها الاجتماعي وبُعدها

التاريخي، وبيان تفرّدها في بناء خطاب إنساني شمولي نزيه عن التعصّب والسطحية

أو التسلط والتعالي، أو الانكفاء تحت منظور أيديولوجي أحادي كما هي حال العبرية أو الفرنكوفونية، على سبيل المثال لا الحصر.

مدخل

قدَّمتْ المناهج الحديثة رؤى شتى

بشأن اللغة ودراسة أصولها ووظائفها،

إلّ أن الدراسات العربية اللسانية والأدبية لم تستطع استعادة الأطروحات النهضوية من خ لاا إعطاء وظيفة إضافية للغة العربية، وهي «الوحدة»، بمفهوم حداثي يتأسس على نقض الانحرافات التي تخلط بين مرجعيات اللغة العربية الكلاسيكية ومناهج الحداثة الغربية، ثم تحليل خصوصية اللغة العربية في ممارستها الاجتماعية. ومفهوم «الوحدة» يتطلب دراسة

العِرق والمجتمع، وهو يندرج تحت مناهج علم الاجتماع اللغوي والأنثروبولوجيا اللسانية، التي قدّمت فيها مناهج الدراسات الاجتماعية واللسانية المعاصرة رؤى مهمة تساعد في فهم الخصوصيات والعموميات المجتمعية في مجتمعنا العربي المعاصر القائم على التعدد والازدواجية اللغوية، والصراع بين العاميات والفصحى. وقد بدأت بوادر الصراع الأيديولوجي تدور حول ع قااة اللغة بالأقليات العرقية، ثم آليات استعمال الفصحى في المؤسسات التعليمية والرسمية في البلدان العربية، وهو ما أعاد ذاكرة الاخت ف حول الفصحى ودعاوى

استعمال العاميات بدلً من الفصحى، أو استبدال الحرف العربي بالحروف اللاتينية أو الحروف المصنوعة والمنقولة من أجل إظهار الخصوصية القومية للأقليات الإثنية المتعايشة مع العرب منذ تاريخ طويل، وهي لم تشعر

بحاجتها إلى التفرّد والخصوصية إلّ بعد ضعف

التواصل العربي وبروز نشاط هذه الأقليات السياسي. وقد عزَّز هذا النشاط انتشار الكتابات

حول أدب المهمَّشين والنقد النسوي والنقد

الثقافي ونقد ما بعد الكولونيالية، وهي كتابات انتقلت إلى الفكر العربي المعاصر من خلال

النقد الأدبي والسياسي بترويجٍ من المؤسسات

الراعية للسياسة العربية، من دون النظر إلى حقيقة الاحتياج وخصوصية الطرح، لذلك

استُغِلَّت هذه الأطروحات المنهجية في نقد

الشخصية العربية، واتهامِها بالرجعية والانغلاق، وتهميش دورها في بناء الحياة المعاصرة. لسنا في صدد اتهام الفكر الحداثي العربي بأنه يخوض في صراعات مصطنعة وغير حقيقية، أو أنه يختلق الاخت فااات ثم يبدأ بتفكيكها وتوسيعها وتقديم البدائل والحلول؛ فنحن نؤمن بأهمية التحديث من أجل الصحة المجتمعية ومن أجل تطوير الإنسان، لكن لا بد أن يقوم ذلك على قيم إنسانية وأخ قااية رفيعة تسعى إلى إشباع الحاجات الاجتماعية لا إلى إحداث فجوات وخلخلة النظام وتوسيع الفجوة بين الرغبة والإمكانية. لقد ظهرت كتابات جديدة حول اللغة العربية تحتاج إلى نقاش طويل؛ فهي تفتح أمامنا محاور متعددة بخصوص اللغة والثقافة والانتماء والعرق والبيئة والاحتياج، وع قااة الحرف بالصوت، وسهولة الاستعمال أو صعوبته، ثم التضامن الوطني أو القومي والتكافل الاجتماعي، كل ذلك سنحاول أن نقدم فيه ما نستطيع من أجل توسيع الحوار حول اللغة العربية وإظهار دورها في تفعيل الوحدة (القومية أو الثقافية)، وكذلك إدخال مناهج اللغة العربية في صميم الحداثة التي ما زالت تتأرجح عندنا بين النظريات الغربية والموروث العربي، من دون الالتفات إلى الاخت فااات الكبيرة بين واقع العرب المعاصر وواقع النظريات الغربية الحديثة وتطبيقاتها. إلى جانب ذلك، نحاول أن ننظر إلى ثنائية اللغة والأيديولوجيا وعلاقتها بالوحدة العربية؛ فوحدة اللغة لا تعني بالضرورة

وحدة العِرق وأصالة النسب، ولا تعني أيضًا وحدة العقيدة والأيديولوجيا، غير أننا نرمي إلى صناعة أيديولوجيا قومية من خلال اللغة العربية التي أمدّت الكثير من الثقافات ببوادر التنوير وبناء المجتمع الحديث، على الرغم من بقائها داخل مجتمعاتها في صراع دائم مع التراث من جهة والحداثة من جهة أخرى. فثمة ادعاءات تقول بانتهاء عصر الأيديولوجيا، لكننا نرى أن ذلك لا يعني انتهاء الفكر الأيديولوجي بقدر ما يعني القضاء على الأيديولوجيات المؤسِّسة

لأنظمة كثير من الدول المعاصرة. ونعتقد أن اللغة العربية ذات بناء أيديولوجي بسبب ارتباطها بالموروث العربي بصورة تامة، بما في ذلك الارتباط العقائدي والعاطفي على حدٍّ

سواء، فهي تمثّل الوعي والممارسة معًا لتغطّي

واقع المثقّف العربي وطموحه في إنتاج ثقافته. ونحن نؤكّد بذلك ضرورة وجود أيديولوجيا لكل مجتمع من أجل المحافظة على قيمه الأخلاقية وتماسكه الوطني، ذلك أن وظيفة الأيديولوجيا ليست السيطرة على الحكم بقدر سيطرتها على تماسك النظام الاجتماعي.

العربية بين العجز والإعجاز

ارتبط مصطلح الإعجاز باللغة العربية بسبب الإعجاز القرآني الذي تطور من الإعجاز التاريخي إلى الإعجاز الفني اللغوي الذي قدّمه

عبد القاهر الجرجاني (ت 471 ه) في نظرية النظم. ثم توالت مظاهر الإعجاز لتنتقل من النص القرآني إلى النص العربي ثم إلى اللغة في ذاتها ابتداءً من تاريخها الذي يرتبط بلسان آدم ‍() أو

إسماعيل ()، أو سيمضي قدمًا إلى لغة أهل

الجنة كما ورد في حديث النبي (ﷺ): «أحِبّوا

العربَ لثلاثٍ: لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام

أهل الجنة عربي».

وعلى الرغم من تضعيف بعض العلماء لهذا الحديث، فإنه اتخذ مكانته في أدبيات الدفاع عن اللغة العربية. ومثل هذه الأدبيات ساهمت في توسيع ميادين الإعجاز وتحوّله من إعجاز النص

القرآني إلى إعجاز لغة النص عمومًا، بما أنتجته

من أدب رفيع المستوى كان له الدور الفاعل في فهم النص القرآني وتفسيره وإنتاج الخطاب

العقائدي المتعدد. لذلك اتخذ الإعجاز أشكالً تاريخية وعلمية اتسعت لتصبح اللغة العربية معجزة في ذاتها؛ ففكرة الإعجاز لم تختص بالبيان القرآني، لأن تفسير الإعجاز وفهم أصوله وأنماطه كانا يعتمدان على الشواهد الشعرية والنثرية العربية لفصحاء العرب وشعرائها في سبيل توضيح القواعد والتراكيب التي يأتي بها الإعجاز القرآني. وقد فسّر القدماء إعجاز

القرآن الكريم باعتمادهم على بيان إعجاز النص

العربي الشعري والنثري على حدٍ سواء، ويظهر ذلك في متابعتهم الفنون البيانية من تشبيهات نادرة واستعارات جديدة، ومن تقييمهم للشعراء والأدباء على أساس الإيجاز والابتكار والالتزام بفصاحة الألفاظ ودقة التراكيب. وليس هذا فحسب، بل إن العرب نظروا إلى اللغة العربية

أيضًا في عمومها قولً ونحوًا ومفردات معجزة

اختص الله بها العرب دون سواهم، فمن إعجازها: حرف «الضاد» الذي تتفرَّد به العربية

دون سواها من اللغات الأخرى، وكذلك الترتيب الأبجدي الذي أصبح ترتيبًا عالميًا،

ومنه أيضًا الإيجاز والحركات الإعرابية والصرفية والعَروض والقافية والاتساع والمجاز والتشبيه..

وغيرها مما جاء على لسان الخطباء والشعراء

وأهل البيان. ويبدو أن العرب أُعجبوا بلغتهم بعدما نزل القرآن الكريم، فانكبّوا على دراستها

وجَمْع ألفاظها وتمييزها من الدخيل والمعرَّب

والمولّد، للحفاظ على جوهرها ونقائها، فحدَّدوا

عصر الاستشهاد بالشعر والنثر وبيئته، وانتخبوا النصوص النقية التي لم تخالط لغة الأعاجم أو

لكْنتَهم، فكلما كان الشاعر موغً في البداوة

كان أفصح وأقرب إلى الاستعمال الأمثل للغة، وكلما اختلط بالمدينة والأعاجم كان أبعد عن الفصاحة والبيان، وهذه النظرة ربطت بين البداوة والفصاحة، وهو ما جعل بعض المفكرين والشعراء، قديمًا وحديثًا، يجعل ذلك محورًا

لنقد الفكر العربي ووصفه بالبداوة وبُعدِه عن

الحضارة والمدنية. ويبدو أن فكرة الاستعمال الأمثل للغة كانت تقوم على مجموعة من المبادئ والأصول، أهمها الإيجاز والبيان، حتى نجد القَولين لا يفرِّق بينهما المعنى ولكن يفرِّق

بينهما التقييم؛ فهناك تقييم داخلي للغة نفسها، إذ يفرق العلماء بين القول الفصيح والأفصح ضمن قوانين الاستعمال أو لدلالة المعنى ووضوحه

على الغاية، أو لتأثيره في السامع، فضً عن القياس الكمّي القائم بين الجملة والمعنى، إذ

تصبح اللغة مؤسسة اقتصادية تستطيع بأقل ما يمكن من الألفاظ أداء أكبر ما يمكن من المعاني. والحديث في هذا المسار يطول، ولكننا ما زلنا نعيد قضية الإعجاز على اختلاف المرامي والغايات؛ فقد واجهت اللغة العربية تحدّيات كثيرة، أهمها العامية، ثم اللغات الأجنبية، ثم التطور التقني والترجمة. وكان لمناهج الحداثة على مستوى الأدب والأيديولوجيا الدور الفاعل في توطيد فكرة العجز وانحسار اللغة العربية وتراجعها عن تحقيق دورها الفاعل في إنتاج المعرفة. لذلك عقدت الجامعات العربية في السنوات الأخيرة مؤتمرات عدة من أجل إعادة تنشيط دور اللغة العربية في المجتمع العربي، غير أننا غالبًا ما نقرأ التوصيات والمقترحات البعيدة

عن الواقع العملي الذي يحاول ربط معطيات الواقع الاجتماعي والنفسي للفرد والمجتمع مع

المقترحات والمعالجات التي تظهر عليها النزعة الخيالية الطوباوية؛ فأغلب الحديث يدور حول محاربة العاميات واللغات الأجنبية واستبدالها بألفاظ من مقترحات المجامع اللغوية، فضلً عن وضوح التبرير الأيديولوجي لقومية اللغة العربية. وسنتناول في ما يلي أهم القضايا التي توضح العلاقة بين اللغة وعلاقتها بأيديولوجية الواقع وحركات التطور، فضلً عن التمييز بين العامية والفصحى على مستوى الاستعمال لا على مستوى المفاهيم والحدود المعروفة عند علماء اللغة والمتخصصين، ثم دور اللهجات المحلية في إعادة التواصل بين العامية والفصحى. وسنعتمد على جهود الباحثين المتخصصين في التأليف المعجمي ل ستفادة من نتائجهم بشأن مكانة اللغة العربية بين اللهجات العامية، وكذلك مكانتها في تأسيس الفكر الحداثي الذي سعت إليه الأطروحات الحديثة وكانت تتأرجح بين نبذ الماضي بلغته وفكره وإعادة مقاربته مع ما يتناسب والموقف الاجتماعي والحضاري.

اللغة والهوية القومية

كان للغة دور مهم في الفلسفات الحديثة من خ لاا تعبيرها عن هوية الفرد والمجتمع على

حدٍ سواء. ويبدو أن ربط اللغة بالهوية كان نتيجة تطور المفاهيم القومية وما ظهر في العالم الحديث من نزعات انفصالية أدَّت إلى

الاعتقاد بأن خصوصية اللغة تعني خصوصية الهوية القومية. وترجع نشأة القوميات إلى القرن الثامن عشر، وكانت أولاها القومية الفرنسية التي ظهرت منذ قيام الثورة الفرنسية، وتلتها القوميتان الإيطالية والألمانية في القرن التاسع عشر، ثم انتقل مفهوم القومية من أوروبا إلى باقي بلدان العالم. أمّا القومية العربية، فهي وليدة الصراع

ضد السيطرة العثمانية والإمبريالية الغربية، ثم

غذَّتها قضية فلسطين بغذاء متصل. إذا راجعنا تاريخ الع قااة بين اللغة والهوية القومية، نجد أن الفكر الماركسي قدّم مجموعة من الأطروحات في هذا الصدد تتمثّل في تقييم دور اللغة في تعاملها مع الرؤية الأممية وفي تمثيلها الاجتماعي والنفسي والثقافي للتنوعات المجتمعية الخاضعة للماركسية. لذلك، دعت الماركسية إلى فصل اللغة عن الهوية القومية واستبدالها باللغة الوطنية التي تمثّل ثقافة الأكثرية، حتى أنها لم تسعَ إلى نشر

اللغة الروسية أو الصينية أو اللاتينية (الإسبانية) كما تفعل الرأسمالية الإنكليزية أو الفرنسية؛ فقد

استغلّت السياسات الحديثة كثيرًا من المفاهيم

الاجتماعية للسيطرة الاستعمارية، ذلك أن الشعور القومي يمثّل الحق الطبيعي والفطرة التي تتناسب مع الجوانب النفسية للمجتمع، وكل مجتمع يفهم انتماءاته بحسب حاجاته الاقتصادية والنفسية وكذلك الوراثية. وقد كانت اللغة، وما زالت، أحد محاور الصراع القومي والوطني في الدول ذات الأقليات العرقية التي أصبح من السهل تفكيك وحدتها الوطنية بتفعيل الشعور القومي وتغيير انتماء الأقليات وتعزيز التعصب الطائفي. والماركسية أكدت ع قااة الاستعمار في مجال تعزيز مفهوم اللغة القومية لاستغلال الطبقة الكادحة وابتزاز حقوقها، كما أنها أصرت على حداثة مفهوم القومية، وتفريقها بين القومية الرجعية والقومية التقدمية؛ فالدول القومية ظهرت منذ أواخر القران التاسع عشر، وارتبط نشوؤها بالجانب السياسي وبالنضال ضد

الاستعمار من أجل التحرر الوطني. فضلً عن ذلك، كانت المسألة اليهودية تشغل حيزًا واضحًا

من المعالجات الماركسية لقضية اللغة من جهة وقضية المسألة القومية من جهة أخرى، وكان

ذلك بسبب دعوات الكتّاب اليهود إلى إظهار

أهمية الدور الذي تمارسه اللغة القومية في تأسيس الدولة القومية التي يبحث عنها اليهود،

فبُنِيَتْ تصوراتهم الطوباوية على دولة يهودية

مغلقة على «العِرق» اليهودي وتتحدث باللغة العبرية. ربما لو راجعنا الأطروحات الماركسية بشأن المسألة اليهودية، لوجدنا الكثير من المشتركات الأيديولوجية بينها وبين الكتابات العربية في معالجتها المسألة القومية، وذلك يعود إلى

منظّري الماركسية اليهود أنفسهم الذين وقعوا بين إشكالات المنهج وارتباطات العقيدة؛ فاليهود تبنَّوا مفاهيم اللغة بوصفها الخصوصية القومية التي تجعل منهم مجتمعًا متميزًا داخل المجتمع

الأوروبي الذي يعيشون داخل ثقافاته ولغاته المتعددة. وقد كتبت مجموعة من المفكرين عن تفنيد الربط بين الخصوصية القومية واللغة من طريق التفريق بين اللغة واللهجات المحلية التي لا تحلّ محل اللغة الأم. يقول ستالين: «فاللهجات المحلية تمثّل تفرعات من اللغة الوطنية للشعب بأسره؛ تفرعات محرومة من كل استقلال لغوي، ومقضيًا عليها بحياة خاملة. أمّا

الاعتقاد بأن اللهجات والألسنة الخاصة تستطيع أن تتطور إلى لغات مستقلة، قادرة على زحزحة اللغة الوطنية والحلول محلها، فهو إضاعة للأفق التاريخي، وانحراف عن مواقع الماركسية». على الرغم من صحة هذا القول، فإن اللغة الأم لا تعني بالضرورة اللغة الوطنية، فسكان أميركا أو أستراليا الأصليون لا يتحدثون الإنكليزية التي أصبحت اللغةَ الوطنية بعد أن استعمرها الإنكليز. ولكن الفكر الماركسي ينطلق من أيديولوجيا أممية تضع المسألة الوطنية فوق الانتماء الثقافي والعقائدي والعرقي. ويبدو أن

الدعوات اليهودية التي نادت بتشكيل قومية يهودية استفادت من اللغة لتعزز دعوتها إلى االانفصال عن المجتمعات الحاضنة لليهود؛ فاللغة العبرية مغلقة على اليهود فقط، وهي أشبه بلهجة محلية ضيقة تختص ب «شعب الله المختار»، وبهذا تختلف عن اللغات العالمية الأخرى التي تحتضن مجموعات متعددة من القوميات والأقليات، وبالتالي تمتلك تنوعًا

في الثقافات. فاللغة العبرية ليست لغة ثقافة متعالية، بل هي لغة محدودة النطاق لأنها تخضع للعقيدة التي تحوّلت إلى قومية تنبثق من نظرية

اليهود الاستعمارية القاضية بإنشاء وطن قومي، فهي لغة عقائدية تقترب كثيرًا من اللهجات

المحلية لبعض الأقليات الدينية أو الإثنية التي تعيش داخل الوطن العربي، ولم تقدّم فكرًا

أدبيًا أو علميًا من خلال تلك اللهجات؛ فاللغة

الأمازيغية – مثلً– كما يقول محمد الأوراغي،

وهو صاحب نظرية اللسانيات النسبية، ليست سوى لغة أنشأها الاستعمار الفرنسي ووضع حرفها المسمى «تيفناغ»؛ إذ كانت في بدايتها تعتمد في الكتابة على الحرفين العربي واللاتيني إلى أن صُنعت حروفها في الأكاديمية البربرية

في باريس في سبيل تطويرها وجعلها لغة عريقة في المغرب من أجل تفكيك الوحدة الوطنية المغاربية. وهذا الأمر يؤكّ ده المفكر المغربي عبد الله العروي في ما يتعلق بالانتقال من الحرف العربي إلى حرف «التيفناغ» بقوله: «إن الدافع القوي وراء الاختيار كان سياسيًا، بغرض فرض الانتماء

ونبذ أو عرقلة الانصهار. قد يقال: التمييز قائم على أي حال، والانصهار غير محقق حتى في حالة الرغبة فيه والمطالبة به. لماذا لا نعمل إذن

على تركيز وترسيم التمييز؟ الاستمرار في تولّي الحرف العربي، وهو الاختيار التقليدي، يؤدي

إلى طمس الهوية، إذ الحركة الأمازيغية لم تقم

إلّ لتحويل هذه الوجهة». وعلى الرغم من أننا لا نعرف الكثير عن اللغة الأمازيغية وما يحيط بها من ظروف اجتماعية وثقافية ذات خصوصية مغاربية، وهي خصوصية تثير حفيظة المجتمع الأمازيغي وارتباطاته الوطنية، فإننا نؤكد أهمية وجود التوافق النفسي في استعمال لغة موحدة ليس فقط بين مواطني الدولة الواحدة، بل كذلك

التوافق بين المجموعة الثقافية الواحدة، فضلً عن التوافق بين لغة الحياة اليومية ولغة العقيدة التي نتعبّد بها، وذلك من أجل الحضور الدائم

لألفاظ القرآن الكريم ودمجها في الاستعمال اليومي، فلا تصبح اللغة العربية لغة عقيدة فقط يغادرها المسلم بعد أن يفرغ من أداء الص ةاا أو من أي عبادة أخرى تستلزم استخدام اللغة العربية، كالدعاء والاستغفار. فالقومية على هذا الأساس هي «صلة اجتماعية عاطفية تنشأ من الاشتراك في الجنس واللغة والمنافع، فهي شعور مجموعة من الأفراد بأنهم يؤلفون وحدة اجتماعية نتيجة لما يجمعهم من روابط عنصرية وثقافية ولغوية وما يشعرون به من رغبات صادقة في تحقيق أهدافهم الوطنية السياسية». وعلى الرغم من محاولة اليهود الارتقاء باللغة العبرية، وإدخالها في نظام الدولة العبرية (إسرائيل)، فإن هذه اللغة لا تزال لغة ضيقة

النطاق والاستخدام. فضً عن ذلك، أكدت أغلب الدراسات الأنثروبولوجية والنفسية الفصل

بين العِرق واللغة. يقول دي سوسير: «من الخطأ أن نعتقد أن اللغة الواحدة تعني قرابة الدم، وأن الأسرة اللغوية تتفق والأسرة الأنثروبولوجية، فواقع الأمر ليس بهذه السهولة»؛ فهناك وحدة اجتماعية ودينية وعرقية ولكنها لا ترتكز على اللغة الواحدة، وهذا ما أكده دي سوسير بقوله: «إن الوحدة العرقية وحدها قوة ثانوية ليست

ضرورية، في أي حال من الأحوال، للوحدة اللغوية. بيد أن هناك نوعًا آخر من الوحدة – له

أهمية كبيرة، يتألف من الأواصر الاجتماعية، وهي الوحدة الاجتماعية ethnisme؛ وأعني بذلك الوحدة التي تستند إلى العلاقات المتنوعة للدِّين والحضارة والدفاع المشترك وغير ذلك، وهذه الوحدة تنبع حتى بين الأمم التي تنتمي إلى أجناس مختلفة، ولا تجمع بينها آصرة سياسية». لو توسّعنا في الحديث عن المسألة اليهودية

واللغة، لوجدنا مداخل مضطربة بين اللغة العربية والإرث اليهودي؛ فشعراء اليهود العرب الجاهليون لم ينفصلوا عن ثقافتهم عندما نظموا أشعارهم بالعربية، وتفاخروا بقيم المجتمع العربي، ولم تتغلب العقيدة على الثقافة. ونحن نعتقد أن اللغة العربية تستطيع أن تحدد نمط الصراع بين اليهود والعرب في تاريخهم الحديث، من خ لاا مراجعة الع قااة التراثية بين الاثنين من دون التزمُّت في الرؤية الدينية،

ومن دون استرجاع المواقف التاريخية السياسية المتوترة بين الطرفين. إن اللغة والهوية تعنيان جدل التاريخ والبنية؛ فعندما تحدثت الماركسية عن المسألة القومية والهوية، احتاجت إلى مناهج تاريخية واجتماعية لتعزيز الرؤية الأيديولوجية التي تريد تحقيقها من دون الوقوع في العنصرية القومية أو في الرجعيات الإقليمية والتضييق الإثني. وإذا ابتعدنا عن النظريات البيولوجية التي اتسمت بالتفريق العنصري بين الأجناس البشرية، ونظرنا إلى اللغة بوصفها قيمة حضارية وأخلاقية، سنصل بالتأكيد إلى المعطى الحقيقي لكل لغة ولكل مستخدم لهذه اللغة؛ فالعربية استخدمها العربي وغير العربي من الفرس والروم قديمًا، والشعوب التي

دخلت إلى الإسلام بعد ذلك. وتفاوت استعمال العربية بينهم، واختلف ما قدمه كل مجتمع باستعماله اللغة نفسها، وهذا يشير إلى استيعاب العربية التعدد الثقافي، وتقبّلها بيئات جديدة، مع

انسجام المجتمعات معها. إن هذه النظرة تُبعِد دعاة العنصرية، سواء من دعاة محاربة العربية أو من دعاة التزمّت، بفرض العربية على جميع

مظاهر الحياة الاجتماعية في المجتمع العربي، وتبعدهم عن المغالاة والعنصرية، وتُخرج العربية من دائرتها الأيديولوجية الضيقة إلى الاتساع الثقافي. علينا إذن أن نتعامل مع اللغة من منظور اجتماعي، ونرصد المعطيات الثقافية والقيم الأخلاقية التي أنتجها مستعمل اللغة، ولا نجرّد

اللغة تجريدًا مثاليًا منمذجًا يتقوقع حول نموذج

مسبق. وإذا أعدنا النظر في التاريخ المعاصر، سنجد أن الكثير من الأفكار والدعوات القومية التي تربط

بين اللغة والعِرق انتقلت إلى الوطن العربي،

وشكّلتْ أحد المنابع في الفكر القومي العربي

في دعوته إلى التحرر والكفاح ضد الاستعمار. ولكن ما الذي يدعو المجتمعات إلى الحرص على إثبات التفرّد والخصوصية؟ وما الذي ينتج

من هذا التفرّد؟ إن ما نعتقده في هذا الخصوص هو أن هذه الدعوات كانت نتيجة ارتباط اللغة بالتاريخ والثقافة، فهي توضّح مسيرة التطور التاريخي للمجتمع الذي يستطيع – بتتبع اللغة وتطورها

الدلالي – أن يتواصل ويستمر في تشكيلاته

الاجتماعية وعلاقاته بالطبيعة والحياة وتكوين فكره الأيديولوجي أو العقائدي؛ فاللغة هي الوثيقة التاريخية الأهم في الكشف عن مراحل التطور التاريخي لمجتمع ما. غير أن الموقف العربي من ع قااة اللغة بالهوية ليس موحدًا،

فالأغلبية تؤيد هذه الع قااة الوثيقة بين اللغة العربية والقومية، خاصة الأحزاب القومية (العروبية) التي تجعل من العرب أمّة وحدوية

بطبيعتها التاريخية والاجتماعية والعرقية. وقد تساندها بعض الأفكار السلفية التي تجعل من العرب حمَلة الرسالة الإسلامية، كما تجعل من

العربية لغةً عقائدية لها خصوصيتها من لغة القرآن العربي ولغة آدم ولغة أهل الجنة، فهي تنظر إلى العربية بوصفها ضرورة لكل من يريد أن يحمل رسالة الإيمان من الأرض إلى الجنة. وهذه الدعوة ترفدها الأسانيد من الأخبار وبعض

الأحاديث، فضلً عن القرآن الكريم الذي يؤكد منزلة اللغة العربية وتشريفه لها بالبيان. ومن هذه

الدعوات ما نقرأه مثلً في دراسة عبد الرحمن أحمد البوريني في محاولته للتشديد على حقيقة أن اللغة العربية أصل اللغات كلها، وأنها لغة آدم، وأن جميع لغات العالم تفرَّعت منها، وهي

دعوة لا تخلو من المبالغة والتكلّف بإرجاع عدد من الألفاظ الأجنبية إلى أصول عربية. وما نراه هو ارتباط القومية بالقيم وليس باللغة، فالقومية

العربية، مثً، هي مجموعة من القيم التي تمثل أيديولوجية الوحدة العربية، إذ تربط هذه الأيديولوجيا بين التاريخ والمجتمع الذي صنعه، وهو تاريخ مثالي يتأسس على شخصيات بطولية نموذجية، ويؤمن بأن الماضي هو النموذج الأمثل للمستقبل العربي. أمّا اللغة العربية،

فهي لغة الثقافة والتنوع الاجتماعي والعرقي، وهي اللغة التي توازي بين الماضي والحاضر

كما توازي بين الطبقات الاجتماعية، فضلً عن تمثيلها الذات والموضوع، وهي بالتالي ليست لغة العرب وحدهم. أمّ ا ربط الشعور القومي العربي بالصراع ضد

الاستعمار، فربما يؤدي إلى غياب الحافز القومي مع غياب الصراع الظاهر، وربما يتجه الخطاب

السياسي المعاصر إلى تغييب الصراع المباشر وتوجيه اللغة إلى تغيير مسار الخطاب المعادي من الخارج إلى الداخل، فيرتسم الصراع بصورة عاميّات وفصحى أو اخت ف عقائدي يتجسد

عبر اللغة، الأمر الذي يؤدي إلى تحوير خطاب المواجهة وإلى تحوّله إلى رفض الذات وإعادة

هيكلة الماضي برؤية مناقضة. لذلك، نرى عددًا

من أطروحات الحداثة العربية سعت إلى نقض الماضي وتهميش الهوية العربية المعاصرة، فاستبدلت هوية الآخر بهوية الذات، واتجهت إلى نقض نفسها بنفسها. علينا هنا أن نحدد الفرق الكبير بين اللغة العبرية العقائدية القائمة على مواجهة الصراع ضد إسرائيل ومرجعيات اليهودي (التائه)، واللغة العربية التي لم تختص حضارتها بالعقيدة، أو بالصراع بل امتدت إلى آفاق واسعة من الأدبيات التي مثلتها اللغة العربية خلال تاريخها الطويل الذي يقرب من ألفي سنة. وفي الجانب المضاد دعوات نهضوية تنكر على اللغة العربية مكانتها العليا، وتجرّد العرب

من تلك المفاخر (المزيفة) التي يحصلون عليها من اللغة العربية؛ فالمفكر السعودي عبد الله القصيمي يصف الأمّة العربية بأنها

ظاهرة صوتية تُصدّق بالخطاب المزيف الذي تتخيله حتى يصبح واقعًا فعليًا موهومًا. ويستنكر

أن تكون اللغة العربية موجودة فعً قبل أن يضع الواضعون قواعد النحو والإعراب، وذلك لأسباب عدة، منها أن هذه القواعد نسيها المجتمع العربي تمامًا، فكيف يَنسى العربي

الذي أخذ قواعد الإعراب والحركات بالفطرة والمولد والطبع، وأصبح لا يتقنها الآن إلا بالتعلم الصعب والمجاهدة في البحث. ومنها أيضًا أن هذه اللغة لم تنتج فكرًا وأخ قااًا، ولم

تتأسس على مبادئ واضحة وقوانين معروفة وموجودة من قبل. يقول: «إنها لم تكن توجد، أي في ذلك التاريخ، كتب ولا أفكار أو مذاهب أو نظريات أو دراسات أو فنون أو قوانين أو أية معرفة من المعارف الإنسانية الجيدة، موضوعة في اللغة العربية أو منقولة إليها... هل يمكن أن يكون هذا التخاطب بين لغة وأهلها دون أن يتحول هذا التخاطب إلى كتب ونظريات ومذاهب وإلى فنون وقوانين ومعارف على مستوى من المستويات الجيدة أو الرديئة، أي

مكتوبة؟ أليست اللغة، كل لغة، تحويلً للنفس وللذات ولمواجهاتها إلى صيغ فكرية أو فنية أو أخلاقية أو عاطفية؟ نعم لعله لم تكن توجد في ذلك التاريخ لغة عربية صحيحة، لأن أية علامة من ع مااات أية لغة لم تكن موجودة في اللغة العربية بأي أسلوب»... على الرغم من اخت فاانا الكبير واعتراضنا على هذه الأطروحات التي لا تستند إلى دليل

ولا تقوم إلّ على المنطق العقلي الذي يشكك في العقيدة، ولا يؤمن بالعبقرية الفردية كما لا يؤمن بالتغيرات الاجتماعية والتاريخية التي تؤثر في تحولات اللغة بانتقال المجتمع من المرحلة الشفاهية إلى المرحلة الكتابية،

فضً عن تشكيكه في جميع الشعر الجاهلي والأخبار العربية والموروث اللغوي بأكمله الذي نقله الرواة والمحققون، وهناك دراسات متخصصة في هذا الجانب تنقض كل ما ذهب

إليه القصيمي، ويكفي أن نشير إلى ردّ الكُتّاب

على تشكيكات مارجليوث وطه حسين من قبل، على الرغم من ذلك كله، نرى أن هذا الطرح ربما يفتح أمامنا محاور عدة تفيد في الكشف عن الجانب القومي من جهة والجانب اللغوي –

الاجتماعي من جهة أخرى، خاصة في ما يتعلق بطرائق تعلم الفصحى، وتثبيت حركاتها ونطقها

منذ المولد، وع قااة العامية بالفصحى، وليس من جهة التشكيك والتوثيق. ويبدو أن القصيمي يضع النموذج اليوناني أمامه ليقيس المنتوج الأدبي والفلسفي المكتوب لليونان أمام الشعر الجاهلي والأخبار الشفاهية العربية، وحقيقة الأمر أنه يعتمد على قياس خاطئ يلغي فيه الخصوصية الثقافية للمجتمع. لذلك، لا يكتفي بإلغاء الموروث بل يشكك أيضًا في قدرة العربي الأمي على تعلم حركات الإعراب ثم نسيانها بصورة مفاجئة، فيقول: «هل يمكن أن يفقد جميع أفراد مجتمع من المجتمعات قدرتهم على أن يتعلموا القراءة والكتابة، أو قدرتهم على أن يبكوا أو يضحكوا... أو قدرتهم على أن يسقطوا أو يهونوا أو على أن يكذبوا وينافقوا أو على أن يصدِّقوا الأكاذيب ويحترموا الأوغاد؟... هل يمكن أن يصْدق الزعم أن معرفة قواعد الإعراب

المعقدة الصعبة جدًا بالسماع، أو المحاكاة، أو الوراثة، أو بالسليقة أسهل من معرفة القراءة والكتابة بالمولد أو بالموهبة أو بالقدر؟». ويظهر للقارئ أن في أطروحات القصيمي الكثير من الانفعال والتوتر اللذين ربما كانا نتيجة هزائم العرب أمام إسرائيل وعدم قدرتهم على بناء دولة جديدة وإنسان متحضر، بعد كل الثورات والأيديولوجيات التقدمية التي سادت

في المجتمع العربي، فضً عن سعة الموارد الاقتصادية للعرب؛ فدعوته أشبه ما تكون بنقض للقومية العربية نقضًا سلبيًا لا يقوم على تقديم

البديل. وأمّا قضية تعلّم الإعراب، فمن السهل

أن نؤكِّد أن التعلم الشفاهي لأصوات الحركات

الإعرابية أيسر كثيرًا من تعلُّمها من طريق حفظ

القواعد وقراءة المتون، وهذا ما أثبته عدد كبير من الدراسات المتخصصة بتعليم اللغة لغير

أبنائها ويمكن قياسها على تعلّم العربي حركات الإعراب بوساطة المحاكاة أو المشافهة.

أمّا كمال بشر، فهو ينتقد الوضع العربي من خلال

اللغة فيقول: «اللغة العربية في عصرنا هذا الذي نعيش فيه مضطربة اضطراب أهليها فكريًا، وثقافيًا،

واجتماعيًا، واقتصاديًا، وسياسيًا كذلك. ليست

لنا ثوابت فكرية نلتقي عليها ونعود إليها لتوحيد الرؤى أو تقريب مسارات هذه الرؤى في الحاضر، ولرسم خطوط متناسقة متآلفة ذات خواصّ عربية

مميِّزة للمستقبل». ونجد في هذا الخطاب

درسًا انفعاليًا يحمّل اللغة أو المجتمع العربي

أسباب انتكاسها أمام الوضع الراهن، ولا نرى أن علاقة اللغة بالمجتمع ترتبط بهذا الارتباط اليائس، فالانتصار السياسي والاقتصادي لا يعني انتصارًا

للغة، والعكس ليس صحيحًا، والشواهد التاريخية

كثيرة في هذا المجال، فضً عن أن الاقتصاد العالمي الآن لا يقوم على العلاقات القومية بعد عصر العولمة. وربما يعود سبب هذا الربط بين اللغة والوضع العربي السلبي إلى الربط بين اللغة والهوية القومية، إذ إن الهوية العربية لا تزال بعيدة عن الاستقرار والوضوح على الرغم من التجربة الثورية التي مرَّتْ بها الأمّ ة العربية في

سبيل التحرير. يقول نديم البيطار: «الأمّة العربية

تمر حاليًا بمرحلة انتقالية تعني التحول الجذري

عن مجتمعها التقليدي إلى مجتمع جديد ينفيه، وتفرض علينا، فيما تفرضه، ما يمكن تسميته أزمة الهوية، أي مشكلة تكوين هوية جديدة تترتب على تقلص وتبعثر المجتمع التقليدي في شتى أبعاده، الأيديولوجية والاقتصادية والاجتماعية. تكوين نظرية علمية واضحة حول طبيعة الهوية القومية ومقوماتها يشكل بعدًا أساسيًا من أبعاد

هذا التكوين». هذه الأطروحات التي تربط بين اللغة والهوية هي في حقيقتها بحث عن المرجعية الثقافية المشتركة التي أخذت تتشتَّتْ داخل المجتمع

العربي، وهو ما سيتيح الفرصة أمام الأقليات

الإثنية للمطالبة بالخصوصية والاعتراف بثقافاتها وتاريخها ولغاتها. وربما نجد الأمر معكوسًا مع

المجتمع العربي الفلسطيني الذي تعمَّد اليهود

تغييرَ ملامحه العربية لمحو شخصية المجتمع

العربية، لذلك يحس الشعراء بهذا التغييب، فيرجعون إلى اللغة بوصفها أداةً للتعبير عن هويتهم القومية وشخصيتهم العربية، فما زال الشاعر محمود درويش يردّدُ هذا الإحساس

باللغة، فيقول مثلً: ما دلَّني أحدٌعليَّ. أنا الدليلُأنا الدليلُ

إليَّبين البحر والصحراءِ. من لغتي ولدتُ

على طريقِالهندِ بين قبيلتين صغيرتين عليهما

قمرُالدياناتِ القديمةِ، والسالمُالمستحيلُ

وعليهما أنْتَحفظا فلكَ الجوارِالفارسيِّ

وهاجسَالروم الكبيرَ، ليهبطَ الزمنُالثقيلُ

عن خيمةِ العربي أكثرَ. مَنْأنا؟ هذا

سؤالُ اآلخرين وال جوابَله. أنا لغتي أنا،

وأنا معلقةٌ... معلقتان... عشرٌ، هذه لغتي

أنا لغتي. أنا ما قالت الكلماتُ: كنْجسدي، فكنتُلنبرِها جسدًا. أنا ما قلتُللكلمات: كوني ملتقى جسدي مع األبدية الصحراء. كوني كي أكون كما أقول....... للمرء مملكة الغبار وتاجهُ. فلتنتصرْ

لغتي على الدهر العدو، على سالالتي، عليَّ، على أبي، وعلى زوالٍ ال يزولُ

... هذه لغتي ومعجزتي عصا سحري. حدائقُبابلي ومسلَّتي، وهويتي األولى، ومعدنيَالصقيلُ

ومقدّسُالعربي في الصحراءِ،

يعبد ما يسيلُ

من القوافي كالنجوم على عباءتهِ، ويعبد ما يقول...

وربما يتوهم القارئ أن هذه القصيدة تعبير عن القومية العربية، غير أن درويش لم يكن من دعاة القومية العربية بقدر ما كان يتحدث عن جميع الأفكار الخاطئة أو الصائبة؛ فهو يتمثّل الواقع العربي بوصفه واقعًا من التناقضات المتآلفة في

فضاء الصحراء، ويتحدث عن القضية الفلسطينية التي أصبحت قضية المستضعفين في عالم تتردد فيه القوة بين موازين العدالة والظلم. وهنا نذكر له موقفًا آخر يدافع فيه عن الأقليات المضطهدة في حقبة من التاريخ، فيكتب عن الشعب الكردي في بلاد الأناضول معتمدًا على تحديد الهوية عن طريق توظيف ثيمة «اللغة»، فيقول في

قصيدة عنوانها: ليس للكردي إلّ الريح: يتذكر الكرديُّحين أزورُه، غدَهُ..

فيبعده بمكنسةِ الغبارِ: إليكَ عني! فالجبالُ هي الجبالُ. ويشرب الفودكا لكي يبقى الخيالُ على الحيادِ: أنا المسافر في مجازي، والكراكيُّالشقية

إخوتي الحمقى. وينفض عن هويته الظالل: هويتي لغتي. أنا.. وأنا. أنا لغتي. أنا المنفيُّفي لغتي.....

... باللغة انتصرتَعلى الهوية قلتُللكردي، باللغة انتقمتَ من الغياب فقال: لن أمضي إلى الصحراء قلتُوال أنا. فهنا تظهر بوضوح قيمة اللغة في بناء الثقافة القومية، غير أن القومية التي يدعو إليها درويش هي قومية المظلومين لا القومية العنصرية الاستعمارية كالتي يدافع عنها اليهود، فيصبح الدفاع عن اللغة إحدى آليات الدفاع عن الكيان والحرية والهوية.

وأمّا ما يخص اللغة العربية، فإننا نجد أنها مرت –

على امتداد مراحلها التاريخية – بتحديات ثقافية

وأيديولوجية كبيرة جدًا ومعقدة، بسبب ما تتضمنه من موقف عقائدي وتراثي إنساني يجمع تحت خيمته ثقافات متعددة، كالفارسية والرومية، فضً عن انتماءاتها الإقليمية التي ورثتها من حضارات العراق القديم والحضارة الفرعونية والحضارة الفينيقية وغيرها، إلى جانب الشعوب المتنوعة التي مرت بالمنطقة العربية خلال تاريخها الطويل، فهي لغة تنتمي إليها ثقافات متعددة تجعلها لا تنتمي إلى أي أيديولوجيا قومية عنصرية بطبيعتها التاريخية والثقافية. فالقومية العربية قومية متعددة منذ أصولها الأولى، وحتى في مراحلها الحزبية المعاصرة. وعلينا أن ننبه القارئ إلى أننا لا ندافع عن الأحزاب القومية أو الأيديولوجيات، وإنما ندافع عن الواقع التاريخي الذي عبَّرت عنه

اللغة العربية وتمثَّلتْه ببنائها المعجمي بين المعرَّب والدخيل، أو تركيبها النحوي الذي

استوعب داخله صيغًا متعددة ولم يقف عند ما يسمّى «النموذج الأعرابي» الذي هو دعوة إلى

العنصرية لا إلى الأصالة؛ إذ يولّد الشعور بالتفرّد

عند العربي، أو ما يسمّى وهم الهوية المتفردة،

وهو ما يجعله ينعزل عن الآخر الذي يشاطره في

ثقافته وهويته. يقول أمارتيا سِن: «إن كثيرًا من

النزاعات والأعمال الوحشية في العالم تتغذى على وهم هوية متفردة لا اختيار فيها. وفن بناء الكراهية يأخذ شكل إثارة القوى السحرية لهوية مزعومة السيادة والهيمنة تحجب كل الانتماءات الأخرى، وعندما تعطي هذه الهوية شكلً ملائمًا

ميالً للقتال، يمكن أن تهزم أيَّ تعاطف إنساني

أو مشاعر شفقة فطرية قد تكون موجودة في نفوسنا بشكل طبيعي. والنتيجة يمكن أن تكون

عنفًا عارمًا مصنوعًا داخل الوطن، أو إرهابًا

وعنفًا مراوغًا ومدبرًا على مستوى كوكبي». اللغة العربية لم تمر بمراحل انحطاط تؤدي بها إلى حدوث نهضة داخلية تفصل بين اللغة القديمة البائدة واللغة الحديثة القائمة، كما هي الحال في اللغة التركية التي تفصل بين العثمانية القديمة والتركية المعاصرة التي فرضها كمال أتاتورك بالقوة. وهي ليست لغة استعمارية، لذلك لم تتكئ على الدعوات العنصرية من أجل استغلال الشعوب وقمعها وفرض ثقافتها عليها. وهي، إلى جانب ذلك، تمتلك خصوصية تاريخية وعقائدية وبنائية وصوتية تجعلها أكثر تعقيدًا من أن تمثّل نكسة الشعب العربي أو المجتمع الإس مااي، أو تعبّر عن اضطرابات

التاريخ العربي؛ فهي لغة مواجهة حينًا ولغة دعوة حينًا، ثم لغة ثقافة وحضارة حينًا ثالثًا. وعلى الرغم من إيماننا بأهمية الشعور القومي وحتمية تمظهراته في أي لغة، فإننا ننقض الدعوات القومية التي تتخذ من اللغة محورًا

للدفاع عن أيديولوجية القومية العربية، لأن ذلك يبعدها عن كونها لغة ثقافة وحضارة إنسانية،

فضلً عن أن ذلك يعمل على تجزئة المجتمع وتفكيك وحدته الوطنية.

العامية والفصحى بين الهوية والثقافة

تقف أمامنا إشكالية الفصحى والعامية أو الدارجة لتطرح مسائل عدة على مستويات شتى، منها المستوى الفني الذي يدور حول الألفاظ والتراكيب، فالعامية غالبًا ما تتخلى

عن القواعد الصارمة وتميل إلى تخفيف لغة التواصل الاجتماعي، مع احتفاظها بأصول الألفاظ الفصيحة التي تختفي وراء التغيّرات

الصوتية للّهجات العامية. وتظهر إشكالية العامية والفصحى مرة في مناهج النحو وأخرى في مفردات المعجم. وبإلقاء نظرة سريعة على عموم اللغة، ربما نلاحظ أن النحو هو الخاسر الأكبر في اللهجات العامية، ويظهر أكثر من غياب الألفاظ التي وقع عليها الإبدال والقلب، وأدّى إلى تغيير

أصواتها وابتعادها عن الأصل حتى نُسِي واختلط مع الدخيل واللفظ الأجنبي، على أن هناك

فروقًا بين الشعوب العربية والإسلامية في مدى ابتعاد العامية عن الفصحى. ومنها المستوى الحضاري والسياسي والوطني الذي تظهر فيه مسائل بشكل أوسع؛ فقد نظر بعض الدارسين إلى دعوات العامية على أنها «مشروع سياسي

يعالَج في ميدان الصراع بين معسكر حركة التحرر العربي والمعسكر الصهيو – إمبريالي». ونرى أن مصطلح العامية يعود إلى الدراسات الاستشراقية التي روّجت لمفهوم العامية، إذ

قاست اللغة العربية على اللغات الأوروبية، وحقيقة الأمر هو أن اللغة العربية تختلف في بنائها وتاريخها عن اللغات الأوروبية ولهجاتها العامية، فالعامية العربية لهجات عربية فصيحة لها إرثها التاريخي اللغوي، فنحن بين لغة ولهجات لا بين لغة فصحى وأخرى عامية، أي إن العامية العربية لا تنفصل عن موروثها الفصيح، غير أننا نجد الباحثين يتعاملون مع العامية وكأنها لغة غريبة دخيلة على الثقافة العربية، والأمر لا يتعدى أن يكون صراعًا بين اللغة الأدبية العالية

واللهجات العامة ذات الوظيفة التواصلية، ومثل هذه الحالة يسمّيها فرغسون الازدواجية اللغوية

bilingualism) (ويعرِّفها بأنها «الحالة اللغوية

الموجودة في جماعة المتكلمين التي يستخدم فيها بعض المتحدثين نوعين أو أكثر من اللغة الواحدة في ظروف مختلفة»، مثال ذلك سويسرا التي تمثل فوضى لغوية.

أمّا الازدواجية بين العربية الفصحى والعاميات،

فهي تعني عندنا أن العامية العربية حالها حال الفصحى في تعبيرها عن البُعد القومي

للمجتمع العربي، إذ إنها تمتلك الخصائص الصوتية والنحوية والإم ئااية التي أخذتها من الفصحى، مع وجود تسامح كبير في ضبطها بسبب كثرة استعمالها في المجتمع. يقول أحد الباحثين: «يمثّل التعايش بين اللهجات الدارجة واللغة الفصحى الميزة الأكثر وضوحًا وبروزًا

للحالة اللغوية في البلدان العربية. ويشكل المظهر الأول المستوى الأدنى low variety) (المستخدَم في التخاطب العادي اليومي واللغة الوحيدة للمتكلمين الأميين، في حين يشكل المظهر الثاني المستوى الأعلى high variety) (المستخدَم في الخطابات الرسمية والمحاضرات والبرامج التلفزيونية». وتبدو مسألة العامية أكثر تعقيدًا من مجرد الدعوة إلى ترك الفصحى التي تعني ترك التراث والحضارة، وبالتالي ترك المرجعية المشتركة، فهي تعني كذلك العودة إلى «لعنة بابل» من جديد، حيث تتفرق الألسن والأقليات العرقية. وقد ذهب عدد من الباحثين إلى ربط العاميات بالاتجاهات السياسية الداعية إلى تكوين كيانات اجتماعية ودينية منفصلة عن الدولة الأم؛ إذ يؤكد بعض الدارسين «أن ما حدث في الثلث الأخير من القرن الماضي يؤكد انفجار الهوية المركزية، وانشطارها إلى هويات جزئية غالبًا ما تنتمي إلى

ثقافات فرعية تُغَلّب عاملً واحدًا، أو عدة عوامل تبني عليها هوية منفصلة واحتجاجية، وتنذر بعودة إلى العرقية أو الإثنية. فهل إن السبب هو ضعف أو إضعاف الأمّة – الدولة؟ أم إن السبب

هو ما أدّت إليه الشمولية الكوكبية أو العولمة من

سياسات فوق وطنية supranational) (تعمل على نمذجة modeling) (وتنميط الثقافة في

قالب واحد، وتذويب الهوية الوطنية ودمج متزايد للثقافات الفرعية والخصوصيات المحلية؟». نجد في العالم العربي المعاصر تطور حركة الإثنيات والأقليات اللغوية ونشاط العامية لتحقيق الإقليمية، وهو يحدث على مستوى تعريب المسلس ت التلفزيونية والأغاني والإع نااات التجارية. وهذا يشير إلى تحول المفهوم القومي للغة الفصحى إلى اللهجات العامية الأكثر ضيقًا وإقليمية من الرؤية القومية، أي التحول من القومي إلى الوطني والمحلي. وحقيقة الأمر هي أن اللهجات العامية العربية لهجات فصحى في أغلبها، وليست خروجًا

عن اللغة الأم، وما دخل عليها من ألفاظ أجنبية لا يجعلها عامية مبتذلة، لأن الفصحى كذلك دخلتها الألفاظ الفارسية والرومية وغيرها ولم يخلّ ذلك بقيمتها الثقافية والحضارية. ولسنا بهذا ندعو إلى العامية بقدر ما ندعو إلى التعامل مع اللهجات العامية العربية بوصفها لهجات عربية تنتمي إلى الموروث الحضاري نفسه للغة الفصحى. وربما كان سبب هذه الدعوات هو ارتباط اللغة الفصحى بأيديولوجية القومية العربية، وهو ما سبّب نفور الأقليات غير العربية

من اللغة الفصحى بوصفها انتماءً أيديولوجيًا

وليست ثقافة عامة لا ترتبط بسلسلة نسب وعرق أو دين وهوية. إلّ أن مشكلة العامية تصبح ذات مخاطر متعددة عندما يعني استعمالها ترك الفصحى واعتبارها لغة التراث والدين، وأنها غير قادرة على تحمّل

أعباء العلم والتعليم؛ فقد ناقش عبد الله العروي قضية التعليم بالدارجة المغربية وترْك الفصحى،

وهي الدعوى التي أخذت تنتشر في الأوساط المغاربية حتى أخرجت العروي من عزلته – كما

يقول – للدفاع عن الفصحى وإظهار مخاطر

الانتقال من الفصحى إلى اللغة الدارجة في المؤسسة التعليمية المغاربية، ونحن نعلم مدى ابتعاد الدارجة المغاربية عن العربية الأم؛ إذ اصطلح المغاربة على تسمية اللغة المغاربية الدارجة ب «تمغربيت» من أجل اعتمادها في المدارس والمؤسسات الحكومية، وهي لغة

الشارع المغربي التي تتضمن ألفاظًا أجنبية وعربية وأمازيغية لتكون بمثابة اللغة «الرومانثية» (خليط من العربية والإسبانية) التي ظهرت في الأندلس بعد الفتح العربي. ونقول إن هذا الإجراء في التعليم هو تجاوز على حقوق الأطفال المغاربة الذين سينشأون منفصلين لا عن تراثهم العربي فقط وإنما أيضًا عن ثقافة آبائهم والجيل الذي يحاول أن يفرض عليهم لغة لا تاريخ لها. ثم إن هذه الدعوة هي في أساسها إحساس مزيّف بالتفرّد ولا أصل له، لأن في

أغلب الأقطار العربية هذا التعايش بين اللغات

واللهجات؛ ففي العراق مثلً، وخاصة في مدينة الموصل، يتعايش العرب مع التركمان والأكراد والسريان واليزيديين منذ سنين طويلة قبل دخول تنظيم الدولة الإسلامية، ولم يجدوا حرجًا

في التعلّم باللغة العربية، بل ما زالوا يفتخرون بمعرفتهم للغة العربية حتى بعد ما جرى عليهم من شؤون السياسة والتفرقة. أمّا رد العروي على هذه الدعوة، فجاء حاسمًا

في رفضه لها لأنها تعني الانفصال عن الموروث الثقافي العربي؛ يقول: «أما مسألة ‹ تمغربيت › فأقول عنها إنها تعود إلى نوع من الانعزالية، وأظن أن رجل السياسة بالمغرب لا يمكنه اليوم أن يطبق هذه السياسة الانعزالية، ولكن أنا باعتباري رجل ثقافة لدي الحق في أن أميل مع هذا الاتجاه أو ذاك. لهذا أقول في قضية الدعوة إلى التدريس بالدارجة، أرفضها وأنا أعتز بمغربيَّتي وخصوصيَّتي، وهذه مسألة لا علاقة

لها بقبول تلك الدعوة، ولا بشعوب الشرق، وإنما لها علاقة بثقافة وبمخزون ثقافي، يضمّ

كتاب ‹ ألف ليلة وليلة › و ‹ بخلاء › الجاحظ و ‹ كليلة ودمنة ›. في قراءاتي الكثيرة لبخ ءاا الجاحظ، أقف في كل قراءة على أنني أقرأ كتابًا جديدًا لم

يسبق لي أن قرأتُه. هل نتخلّص من هذا الكتاب ونمحوه من ثقافتنا بدعوى أنه لا يمت بصلة إلينا، وأنه كتاب كُتب في البصرة؟! نتخلص من البخلاء ومن ألف ليلة وليلة والأدب الأندلسي، فماذا سيتبقى لنا في المغرب؟! ستبقى لنا تمغربيت؟! أسأل هنا، ما هي الثقافة المغربية؟ ستقول الثقافة المغربية هي اليوسي، سأرد عليك بأن اليوسي كتب محاضراته باللغة العربية، ولم يكتبها بالدارجة أو الأمازيغية، والأمر نفسه بالنسبة للمختار السوسي. هل نطوي صفحة هذه الثقافة المغربية المكتوبة بالعربية ونبدأ من جديد كأننا شعب ليست له ثقافة مكتوبة، ويريد أن يخدم ثقافته الشفوية؟!. لهذا السبب رفضت منذ أول كتاب كتبته وهو ‹ الأيديولوجيا العربية ›، ما أسميته ‹ الثقافة الفلكلورية › ». وهناك عدد من الدارسين المغاربة تناولوا هذه القضية، وأكثرهم يدافع عن ضرورة التمسّك

باللغة العربية، نذكر منهم عبد الفتاح كيليطو

في كتابه أتكلّم جميع اللغات لكن بالعربية، وعبد الس ماا المسدّي في كتابه الهوية العربية والأمن اللغوي. ولا مجال هنا لمناقشة جميع الآراء المتعلقة بهذه القضية. هكذا تتضح مسألة العامية أو تغيير العربية، سواء بتغيير حروفها المستعملة في كتابة لغات أخرى، مثل التركية سابقًا والفارسية والكردية حتى الآن، أو بالانتقال إلى استعمال اللغات المحلية واللهجات العامية. إنها مسألة مرتبطة بالحالة السياسية والاقتصادية، فحينما كانت الدولة

العربية متماسكة في خطابها وثقافتها، لم تستطع اللهجات المحلية أن تعبّر عن طموحها في

الاستقلال لافتقارها وعجزها عن صناعة خطاب أيديولوجي خاص بها. وليست هذه الحركات رد فعل تجاه الفكر القومي أو الممارسات السياسية للسلطة، وإنما هي نتيجة إخفاق الحداثة العربية في بناء خطاب اجتماعي شمولي قادر على استيعاب خطاب الأقليات. إننا نؤكّد دائمًا أن

النهضة ليست مرحلة تاريخية محددة، بل هي رؤية أخلاقية مستمرة للواقع وللمجتمع. ولأن اللغة هي المسؤولة عن بناء النهضة، فإن تراجع الروح النهضوي لا يشير إلى فقر اللغة العربية بقدر ما يشير إلى فقدان المرجعية الأخ قااية للخطاب النهضوي المعاصر. من أجل معالجة هذه المشكلة، لا بد من التركيز على: – تشجيع استعمال المصطلحات والعبارات الفصيحة المتداولة في اللهجات العامية بين المجتمعات العربية، وذلك من أجل إعادة الثقة بين اللغة العربية ومستعمليها؛ فهذه الألفاظ فصيحة، ولا يعرف مستعملُها ذلك، فضلً عن اللهجات في قراءة الكلمة. – عدم ربط اللغة بالجانب السلطوي، أي عدم جعل الانكسار الحضاري انكسارًا للغة وانحسارًا

لوظيفتها المتعالية، لأن ذلك سيؤثر سلبًا باعتبار

العربية لغة التخلف والأجنبية لغة الثقافة. – الاعتماد على القراءة الشفاهية في تعليم

اللغة، وتوظيف الأجهزة الصوتية في تعلّم العربية بأصواتها العامة ولهجاتها المختلفة، لكي تكون بمستوى تعلّم اللغات الأجنبية داخل مؤسساتنا التعليمية.

– ليست العربية أسوأ منزلة من لغات كثيرة، مثل

الفرنسية والألمانية والصينية والروسية وغيرها من لغات الدول المتقدمة؛ فالمدنية المعاصرة أو التقانة ليست سببًا في انتشار اللغة أو انحسارها،

فبالنسبة إلى اللغة الفرنسية مثً، لا يفهم الفرنسي المعاصر اللغة الفرنسية القديمة، بينما يفهم العربي إلى حد كبير لغة القرآن الكريم والشعر الجاهلي. – إن واقع اللغة العربية ليس فقيرًا كما يُصوِّرُه

بعض الدارسين أو العامة، فنحن نجد في مؤسساتنا التعليمية تفوّق أعداد الطلبة المتقدمين

لدراسة اللغة العربية على أعداد الطلبة المتقدمين

لدراسة باقي اللغات، فضً عن اهتمام الجامعات الغربية في الوقت الراهن باستحداث أقسام اللغة العربية. – لا بد من تحديد المشك ت الرئيسية التي

تعاني العربية بسببها في داخل مجتمعها، فهي – بحسب ما نعتقد – تعاني طبقة المثقفين

في استعمالهم الخاطئ لقواعد اللغة، ودلالاتها أكثر من معاناتها من العامة. وليس العامة قديمًا

وحديثًا منزهين عن أخطاء اللغة، فضلً عن أنهم غير مسؤولين عن أخطائهم. – غياب الشعور القومي تجاه اللغة، وهذا

يعود إلى غياب الأهداف القومية بسبب غياب الصراع ضد إسرائيل والإمبريالية العالمية بتغيير مصطلحات الصراع القومي والوطني وتحويلها إلى الداخل. وهذا يستوجب إعادة تنشيط المصطلحات القديمة من أجل استرجاع الشعور الوطني والقومي. أخيرًا نقول إننا بحاجة إلى إعادة تقييم مناهج

اللغة العربية وإجراء بحوث ميدانية لمعرفة المشكلات والصعوبات التي يعانيها دارسو اللغة

العربية، فضلً عن تقييم دور اللغة في المجتمع

ومؤسسات الدولة؛ فالعربية لا تكون معجزة إلّ إذا عبّرت عن رقيّها الحضاري، وتخلصت من

انحسارها الأيديولوجي. أمّا العجز، فلم يعبّر عن

البنية الداخلية للغة العربية، بل عن ردود أفعال سلبية اتهمت اللغة، وحمَّلتْها مسؤولية هزائم

الدعوات الثورية والسياسات العربية الخاطئة. إلى جانب ذلك، نؤكّد أن اللغة العربية ليست لغة قومية ضيقة بل هي لغة ثقافة وحضارة وتنوّع

يشهد لها تاريخها على ذلك.

الهوامش

(1) محمد بن عبد الباقي الزرقاني، مختصر المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، تحقيق محمد 4 بن لطفي الصباغ، ط (بيروت: المكتب الإس مااي، 9891)، الحديث رقم (9.)2 وقد ورد في هامشه خلاصة سند الحديث وقوته، فقد ضعّفه الألباني وعدّه المصنّف (حسن

لغيره). (2) انظر: عدنان الخطيب، المعجم العربي بين الماضي والحاضر، ط 2 (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 9941)، ص 84 وما بعدها.

(3) وهو ترتيب فينيقي قديم يتكون من 22 حرفًا، وقد أضاف إليه العرب ستة حروف هي «ثخذ ضظغ.» (4) انظر: معجم العلوم الاجتماعية، إعداد نخبة من الأساتذة المصريين والعرب المتخصصين؛ تصدير ومراجعة ابراهيم مدكور (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 9751)، مادة (قومية). (5) جوزيف ستالين، «حول الماركسية في علم اللغة،»

(لقاء منشور في مجلة البرافدا عام 950 عن الموقع 1)، نقلً

ص 2.0

الإلكتروني: <http://www.ahewar.org>.

(6) انظر: ياسر الخلفي، «محمد الأوراغي: اللغة الأمازيغية لغة افتراضية ولا وجود لها في التاريخ،» (نشر في السند،

011/4/7 2)، نقً عن الموقع الإلكتروني: <http://www.

maghress.com/essanad/9056>.

ونرى اليوم أكراد العراق يتبعون الخطوات نفسها في استبدال الحرف العربي بالحرف اللاتيني بسبب تضخّم الشعور القومي لديهم. (7) عبد الله العروي، من ديوان السياسة (المغرب: المركز الثقافي العربي، 009[]2)، ص.48 (8)  معجم العلوم الاجتماعية، مادة (قومية). (9) فردينان دي سوسور، علم اللغة العام، ترجمة يوئيل يوسف عزيز؛ مراجعة النص العربي مالك يوسف المطلبي، (بغداد: دار آفاق عربية للصحافة والنشر، 9851)، ص 2.44

(01) المصدر نفسه، ص 2.45 (11) انظر: عبد الرحمن أحمد البوريني، اللغة العربية أصل اللغات كلها (عمان، الأردن: دار الحسن للنشر والتوزيع، 9981)، ص 7.9 –

(12) انظر: نيقولا دوبرشان، «اللغة العربية خارج حدودها (جامعة بوخارست رومانيا)،» في: أحمد شفيق الخطيب [وآخرون]، اللغة العربية وتحديات القرن الحادي والعشرين: بحوث الندوة العلمية التي نظمتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بدولة البحرين في الفترة من 11 إلى 14 سبتمبر 1995 (تونس: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 9961)، ص 1.00 3(1) عبد الله القصيمي، العرب ظاهرة صوتية (باريس: شركة مونمارتن للطباعة والنشر، 9771)، ص.670 (41) المصدر نفسه، ص 66.9 (15) كمال بشر، اللغة العربية بين الوهم وسوء الفهم (القاهرة: دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، 9991)، ص 2.7 (16) نديم البيطار، حدود الهوية القومية: نقد عام (بيروت: دار الوحدة للطباعة والنشر، 982 1)، ص 21. 7(1) محمود درويش، لماذا تركت الحصان وحيدًا، ط 2 (بيروت: رياض الريس، 9951)، قصيدة قافية من أجل المعلقات، ص 115 11.8 –

8(1) محمود درويش، لا تعتذر عما فعلت، ط 2 (بيروت: رياض الريس، 0042)، ص 915 وما بعدها. 9(1) أمارتيا صن، الهوية والعنف: وهم المصير الحتمي، ترجمة سحر توفيق، عالم المعرفة؛ 352 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 008 2)، ص 11 – 21.

0(2) انظر: هادي العلوي، المعجم العربي الجديد: المقدمة (ال ذااقية، سورية: دار الحوار للنشر والتوزيع، 1983)، (21) المصدر نفسه، ص.7 (22) دوبرشان، ص 1.01 (32) في سويسرا أربع لغات رسمية هي: الألمانية والفرنسية والإيطالية والرومانشية (لاتينية قديمة.) (42) دوبرشان، ص 1.01 (25) محمد العربي ولد خليفة، المسألة الثقافية وقضايا اللسان والهوية: دراسة في ميار الأفكار في علاقتها باللسان والهوية ومتطلبات الحداثة والخصوصية والعولمة والعالمية (الجزائر: منشورات ثالة، 0072)، ص 91.92 –

(26) حوار عبد الله العروي، أجرى الحوار المختار الغزيوي وجمال زايد (الجزء الثاني)، في: الأحداث المغربية،