العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الفضاء الثالث في روايات واسيني الأعرج: شطب الحدود

الفضاء الثالث في روايات واسيني الأعرج: شطب الحدود

Third Space in the Novels of Waciny Laredj: Effacing the Boundaries

خالد العارف

Khaled el-Aref

الملخّص

* ظهر المهراز، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس، المغرب.

Abstract

This study looks at post-colonial theory as a frame of discourse developed by theoreticians beginning in the last quarter of the twentieth century. It sees the ideas of post-colonialism as ideas based on the concept of representation as the quintessentially political act, the central concept introduced by Edward Said in his work Orientalism . However, the Indian critic Homi Bhabha developed other concepts through his critique of Said, such as hybridity, mimicry, cultural difference and 'third space.' The last critique, the issue of 'third space,' generated a great deal of criticism, but it remains among the most important of Bhabha's ideas. It is to this concept that the current study turns.

الكلمات المفتاحية:
  • شطب الحدود
  • الفضاء الثالث
  • الترجمة
  • واسيني الأعرج
Keywords:
  • Waciny Laredj
  • Effacing the Boundaries
  • Translation
  • Third Space

الدراسة بشكل مركزي.

تهدف هذه الدراسة إلى مناقشة وتحليل أشكال حضور الهوية من خلال ثيمات الحب والوطن والمنفى في أربع روايات للكاتب الجزائري واسيني الأعرج، وهي شرفات بحر الشمال 002(2) وسيدة المقام 006(2) وأصابع لوليتا 012(2) ومملكة الفراشة 013(2). تنهض رؤية هذه الدراسة على نظرية ما بعد

الكولونيالية كما طوّرها منظّروها ابتداءً من

الربع الأخير من القرن العشرين، معتمدةً على

مفهوم التمثيل باعتباره فعلً سياسيًا بامتياز، وهو

المفهوم المركزي الذي مهّد له إدوارد سعيد في

كتابه الاستشراق. غير أن الناقد الهندي الأصل

تنهض رؤية هذه الدراسة على نظرية ما بعد الكولونيالية كما طوّرها منظّروها ابتداء

من الربع الأخير من القرن العشرين، معتمدةً على مفهوم التمثيل باعتباره فعلً سياسيًا

بامتياز، وهو المفهوم المركزي الذي مهّد له إدوارد سعيد في كتابه االستشراق. غير

أن الناقد الهندي الأصل هومي بابا، طوّر، في معرض نقده إدوارد سعيد، مفاهيم

كثيرة، كالهجنة والتجاذب والاخت ف الثقافي والترجمة الثقافية والفضاء الثالث. ورغم الانتقادات التي وُجّهت إلى هذا المفهوم الأخير، أي الفضاء الثالث، فإنه يبقى

من أهم المفاهيم التي أتى بها هومي بابا، وهو المفهوم الذي ستعتمد عليه هذه

هومي بابا، طوّر، في معرض نقده إدوارد سعيد،

مفاهيم كثيرة، كالهجنة والتجاذب والاخت ف الثقافي والترجمة الثقافية والفضاء الثالث. ورغم الانتقادات التي وُجّهت إلى هذا المفهوم

الأخير، أي الفضاء الثالث، فإنه يبقى من أهم المفاهيم التي أتى بها هومي بابا، وهو المفهوم الذي ستعتمد عليه هذه الدراسة بشكل مركزي.

الفضاء الثالث

طوّر هومي بابا، في معرض نقده كتاب

الاستشراق، مفهوم الفضاء الثالث؛ فلقد انتقد التصور السكوني والثابت للشرق والغرب،

حيث يبدو الشرق في موقعه والغرب في موقعه،

انطلاقًا من كونهما مفهومين يتشكلان في الكتابة

لا من كونهما حيزين جغرافيين، بما تستدعيه الكتابة من استخدام للنمط stereotype) (و«الفيتيش». وبطبيعة الحال، تطورت نظرية ما بعد الكولونيالية بالنظر إلى مفهوم الشرق باعتباره مستعمَرًا

ومفهوم الغرب باعتباره مستعمِرًا، انط قااًا

من نظرة الارتباط الأوتوماتيكي بين المقدمة (الاستشراق) والنتيجة (الإمبريالية والاستعمار). أمّا مفهوم الفضاء الثالث، فيمكن تقديمه بنوع

من التبسيط بالقول إن اللقاء بين المستعمِر والمستعمَر أدى إلى التقاء فضاءين مختلفين

جذريًا. الفضاء الأولهو فضاء المستعمَر، وهو

مشكَّل من دينه وثقافته ولغته وتاريخه، أي عالمه

الخاص. والفضاء الثانيهو الفضاء الذي أتى

به المستعمِر، وهو يحتوي على عالمه الخاص كذلك. أمّا مفهوم الفضاء الثالث الذي طوّره هومي بابا،

فهو فضاء اللقاء بين الفضاءين الأولين. تاريخيًا

تشكّلت الإرهاصات الأولى للفضاء الثالث في عالم المستعمرة؛ هذه المستعمرة التي يعتبرها

هومي بابا الوجه الآخر للحداثة الغربية. إلّ أن هومي بابا يحاول مجاوزة ذلك بالتركيز على ما يسمّيه الحدود، وهو الفضاء، أو بالأحرى

الأفضية، حيث تحتك الهويات وتتجاذب في ما بينها، وحيث يقع فعل الترجمة الثقافية والتهجين. يفرّق بابا بين الاخت ف الثقافي (cultural

difference) والتنوع الثقافي (cultural diversity)، في مقاله المعنون ب «الالتزام بالنظرية»، اعتمادًا على سيوارت هال وفرانز

فانون؛ إذ يعتبر أن التعدد الثقافي في بريطانيا يبدو كما لو أنه متحف خيالي، ذلك أن التنوع الثقافي يؤدي في نظر بابا إلى التعددية

الثقافية multiculturalism) (التي تعمل على الاحتواء؛ فالثقافة المهيمنة تعترف بالثقافات الأخرى، ولكن في عملية الاعتراف، تموقعُها هو

ضمن شبكتها الخاصة، وهذا ما يسمّيه بابا «خلق

التعدد الثقافي واحتواء الاختلاف الثقافي». يعتبر بابا أن الثقافات كلها متساوية، لا من

وجهة نظر المكوّن أو المحتوى، وإنما انطلاقًا

من موقع ينظر إلى الثقافة باعتبارها عملية لإنتاج الرموز والمعاني والاستعارات التي نحيا بها، بغضّ النظر عن اختلاف هذه الاستعارات والمعاني، وأن إنتاج المعنى هو شكل من أشكال التمثيل الخاضع للبُعد السياسي. لذلك،

يقدّم بابا مفهوم الترجمة الثقافية مفهومًا بديلً

للتعددية الثقافية. والترجمة عنده تنبني بشكل أساسي على الاغتراب والثانوية، وهو ما ينتج منه موضوعية المعنى المرتبط بالثقافة. ومن هنا يعتبر بابا أن أي ثقافة لا يمكن أن تكون بعيدة عن الثقافات الأخرى، لأنها نتاج أشكال جوهرية للفعل الترجمي، ما دام هناك دائمًا نزوح

للعلامة اللسانية، أو الدالول كما يسمّيه مترجم

كتاب موقع الثقافة. والترجمة كذلك هي نوع من «التقليد المشاكس»؛ هذا التقليد الذي يتلاعب بالنسخة الأصلية في إطار سيرورة غير منتهية. ولأن الثقافة تفتقد أي كنه جوهري، فإنها تتشكل في علاقتها بالبُعد الآخري الموجود داخل عملية

تكوين الرموز، بما يجعل الثقافة بنية لامركزية. وينتج من ذلك أن الثقافات هي دائمًا داخل

حيّز التهجين، وهذا في نظر بابا «ذلك الفضاء

الثالث الذي يمكّن مواقف/مواضع أخرى من البروز» داخل الحقول الثقافية والاجتماعية والسياسية. من خلال هذا العرض النظري المقتضب، يبدو أن الروايات المزمع مناقشتها في هذه الدراسة تمنح إمكان تطبيق مفهوم الفضاء الثالث

على الأقل، بالنظر إلى ث ث نقط أساسية.

تتمثّل النقطة الأولىفي النقد المتذبذب الذي

يوجهه واسيني الأعرج في رواياته إلى الدولة الكولونيالية وما بعد الكولونيالية. وتتمثّل

النقطة الثانية في كون جل شخوصه مغتربين عن واقعهم، هذا الاغتراب الذي يكون دائمًا

مقدمة للرحيل أو الهرب أو الموت أو المنفى.

أمّا النقطة الثالثة والأخيرة، فهي التي يمكن

إيجازها في الذهاب نحو فضاء ثالث يعيد ترتيب العلاقات بين الحداثة (التطور، الديمقراطية، حق المرأة... إلخ) من جهة، والمواقف التي برزت في المجتمع الجزائري خلال الفترة السابقة التي أدت إلى «العشرية السوداء»، من جهة أخرى. هذا الفضاء الثالث يت عااب بمفاهيم الحداثة وما بعد الحداثة، وليس المقصود هنا بما بعد الحداثة من الوجهة السردية باعتبارها تقنية في

الكتابة، ولكن المقصود هو أولً ذلك الفضاء الحر الذي يجمع حسنات الحداثة وحسنات ما بعد الحداثة، وينظر في الوقت نفسه إلى المرحلة الكولونيالية بنظرة جديدة باعتبارها

تاريخًا لا يمكن تجاوزه. إن قارئ متن واسيني الأعرج يلاحظ أن معظم شخوص رواياته شخوص من النخبة؛ فياسين

في رواية شرفات بحر الشمالنحات وكاتب،

والشخصية المركزية في رواية سيدة المقامهي

أستاذ جامعي وروائي، ويونس مارينا في أصابع

لوليتا روائي، وفادي/فاوست في رواية مملكة

الفراشة هو كاتب مسرحي. أما الخاصية الثانية التي تشترك فيها هذه الشخوص، فهي كونها كلها تقريبًا من المغتربين أو من الذين يعيشون منفى

اختياريًا. ياسين يسافر إلى أمستردام ومنها إلى

نيويورك؛ الأستاذ الجامعي في رواية سيدة المقام أمضى عشر سنوات من الدراسة في إيطاليا قبل أن يعود إلى الجزائر، ويونس مارينا يعيش مغتربًا

في فرنسا، أمّا فادي/فاوست، فعاش منفيًا عشر

سنوات في أندلسِ إسبانيا قبل أن يقرر العودة إلى الجزائر. تكمن الخاصية الثالثة في وقوع هاته الشخصيات

في حب يكاد يكون مستحيلً؛ فياسين يقع في حب فتنة ونرجس، والأستاذ الجامعي والروائي يرتبط بع قااة حب مع مريم، تلميذته، راقصة الباليه، ويونس مارينا يقع في حب لوليتا (نوّة،

رذاذ، م ك)، في حين ترتبط ياما بعلاقة حب مع الكاتب المسرحي المغترب في رواية مملكة الفراشة. أمّا المرحلة التاريخية التي تنتسج

فيها أحداث هذه الروايات، فهي مرحلة ما بعد الاستق لاا، وبالضبط مرحلة الحرب الأهلية 1992(– 9991) في الجزائر، أو ما يطلق عليه

عادة «العشرية السوداء» أو «الحرب الخفية.» هذا التواشج الثيمي بين الحرب والحب في روايات واسيني الأعرج، من بين روائيين آخرين،

يطرح أسئلة نظرية انط قااًا من تصوّر أساسي

يربط الأفراد داخل مجموعة بشرية معيّنة مع

البنى السياسية التي ينتظمون داخلها، كالجماعة

والقبيلة والدولة، وصولً إلى ما يُسمّى في حقل

الدراسات الثقافية وما بعد الكولونيالية «فضاءَ

الهجنة»، الذي هو في الحدود الفاصلة بين المحلي والعالمي، الوطني والكوني.

في الحب عامة

يُعرّف إريك فروم الحب باعتباره طاقة فاعلة

لدى الإنسان واتحادًا بين بني البشر مشروطًا

بالحفاظ على فردية الفرد؛ فبالحب يمكن الفرد أن يتغلب على إحساس العزلة والانفصال عن الآخرين، هذا في حين تُعرّف إيفا إيلوز

الحب باعتباره «عاطفة مركّبة تَمزج القصص والصور والاستعارات والسلع»، ويعتمد عليها الناس لأجل «فهم تجاربهم الرومانسية اعتمادًا

على الرموز والمعاني المشتركة»، والتالي

ليس الحب عاطفة مقطوعة عن الدِّين والمجتمع

والسياسة. وقد بيّنت الدراسات النقدية أن الأشكال التي

يتخذها هذا الإحساس ويتمظهر بها من خلال جميع الأشكال التعبيرية (أدب، مسرح، سينما)، مرتبطة بالعلاقة التاريخية بين الأفراد والجماعات وطريقة تأويل هذه الجماعات والأفراد لتراثهم ونصوصه، وبين مجاوزة هذا التراث عبر سيرورة تاريخية بطيئة ومعقدة يتداخل فيها الاجتماعي والنفسي بالديني والسياسي. نفكر هنا في المجاوزة التي اضطلعت بها فئات من المجتمع الأوروبي في سيرورتها البطيئة نحو الحداثة،

مثً، والتي كانت الرواية وجهًا من أوجهها.

في هذا الباب، يؤكد عبد الله العروي في معرض نقده الرواية الواقعية عند العرب، وبوجه خاص في مصر، أن الرواية ارتبطت تاريخيًا

بالطبقة البرجوازية التي «انتزعت موضوع الحب، المتغلغل منذ زمن طويل في أعماق الوعي الشعبي، لتجعل منه س حًا حاربت به

الأرستقراطية، وذلك بالتركيز على التناقض الصارخ بين منطق العاطفة، البسيط المباشر التلقائي ومنطق النظام الإقطاعي، المعقد المصطنع المؤدي إلى كثرة الفواجع والمصائب الإنسانية». ورغم أن من الصعب، كما يبدو، اعتبار الحب بريئًا أو تلقائيًا، خصوصًا في تجلياته السياسية

(حب القبيلة، حب الوطن مثً)، فإن من الأصوب اعتبار موضوع الحب حلبة أو ساحة تدور فيها معارك بين طبقات وفئات اجتماعية في إطار سيرورة بناء الوطن؛ ذلك أن قصص الحب قد تكون خطابًا استعاريًا يضيء مصير

الوطن. تبدو الرواية على وجه الخصوص الساحةَ المواتية التي تشكلت فيها تاريخيًا تمظهرات

هذه التجاذبات والمعارك بين أشكال النظر إلى

العالم، وجعله مفهومًا ومستساغًا ومقبولً عن

طريق الترميز والتمثيل من جهة، وبين الوظيفة الاستعارية ل دأأب التي تجعل القارئ يستبطن الأنموذج من خ لاا شخوص يتعاطف معهم أو يحكم عليهم سلبًا، من جهة أخرى. لكن

الرواية العربية تشكلت تاريخيًا في ظل المرحلة

الكولونيالية، واتخذت شكل حكايات حب

تربط رجالً من الشرق بنساء من الغرب داخل فضاء الغرب نفسه، وهو ما يجعل الرواية العربية في قلب العلاقة المتأرجحة بين الذات والآخر الغربي؛ ومن رحم هذه العلاقة المتوترة باعتبار حدّي الحب والكره، استُعيد موضوع الحب في

إطار سيرورة استكمال بناء الوطن. إن الحب باعتبار موقعه الحدّي بين الخاص والعام، هو

الموضوع الذي تتمفصل فيه العلاقة بين الفرد (الحب باعتباره عاطفة وإحساسًا) والجماعة (

الحب باعتباره إحساسًا بالانتماء إلى مجموعة

بشرية) عمومًا، وهو ما يربط الإحساس بالسياسة.

لكن قبل ذلك، هناك أيضًا علاقة الحب بالثقافة. تشير فاطمة المرنيسي في تعليقها على موضوع الحب إلى مفارقتين: تتعلق

المفارقة الأولىبكون التراث الإسلامي العربي الزاخر بموضوعات الحب، خصوصًا في

جانبه الصوفي، لم يشكل فيه الحب بالمعنى الدنيوي تطورًا تاريخيًا كبيرًا ينعكس على

علاقات المسلمين والعرب في حياتهم اليومية.

وترتبط المفارقة الثانية بحالة ندرة النصوص المتطرقة إلى الحب في التراث المسيحي؛ ففي

الحالة الأولى، لم تؤَد كثرة النصوص إلى تبلْوُر

تصور دنيوي للحب. أمّا في الحالة الثانية، فقد

تطور موضوع الحب رغم ندرة النصوص التي

تتحدث عنه، مقارنةً بالتراث العربي الإسلامي

مثً. ورغم هذه الحالة، فإن الغرب اعتبر نفسه، على امتداد حقبة طويلة، أنه المبتكر

الحصري لمفهوم الحب، وبوجه أخص الحب الرومانسي، وهي الفكرة التي ينتقدها بعض النقاد الغربيين أنفسهم، من بينهم جاك غودي.

ويبدو هنا أن الرواية، باعتبارها شكلً تعبيريًا،

قامت على مستوى الغرب بدورها في هذا المجال، رابطة بين القراء والشعراء والكتّاب،

خصوصًا عن طريق الشعراء التروبادور الذين

شكلوا الرابط بين الحب وأشكال السرد التي تطورت في ما بعد إلى الرواية، وهو شكل الحب العفيف الذي يعتبر جاك غودي أن أوروبا استلهمته من الثقافة الإسلامية عن طريق التراث الأندلسي. أمّا جورج لوكاش، فإنه يربط

بين دون كيشوت والشعراء التروبادور، مبيّنًا أن

الدون كان فارسًا، لكن علاقة الحب التي تربطه

بحبيبته لم يكن لها أن تكون لو لم يكن الشعراء التروبادور قد مهدوا لها. هذا الارتباط بين بروز الرواية والحب (في شكله الرومانسي خاصة)، يؤكده أنطوني غيدنز أيضًا. أمّا عربيًا، فيبدو أن الأشكال السردية العربية

القديمة، باستثناء الشعر، لم تتلقف موضوع

الحب من المجال الفقهي والصوفي إلّ نادرًا.

لا نريد هنا التعمق في أبعاد الحب وتشعباته، ولكن الهدف يتمثّل في الربط بين غياب موضوع الحب الدنيوي، أو بالأحرى اتخاذه أشكال «القهر والتمزق» في العالم العربي من جهة، والارتباط الوثيق للرواية العربية منذ بداياتها الأولى إلى الوقت الراهن بالبُعد الرومانسي

من جهة أخرى، وهي البدايات التي تلت ما يسمّى مرحلة الكلاسيكية الجديدة التي اتسمت

باكتشاف الأشكال الكلاسيكية للسرد العربي، وخصوصًا المقامة؛ هذا البُعد الرومانسي

الذي يتخذ شكً بارزًا في الرواية الجزائرية، على الأقل في حالتي واسيني الأعرج وأح ماا مستغانمي.

ظهرت الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية مع عبد الحميد بن هدوقة، وتوطدت مع الطاهر

وطار، خاصة بعد أن نشر روايته ال زاا، إلّ أن النقد الأيديولوجي انتقد الرواية الجزائرية باعتبارها شكلت تمردًا على الثقافة واللغة

الفرنسيتين؛ ففي مقال لديبي كوكس، يبدو الإنتاج الأدبي للطاهر وطار كما لو أنه مجرد كلام يُوحى به إليه من طرف الدولة؛ كلام يهدف

إلى التعريب تماشيًا مع إعادة إنتاج الهوية

الجزائرية والقطع مع مخلفات الاستعمار عن طريق الثورة الثقافية. أمّا غيتة س ماا،

فنظرت إلى الرواية الجزائرية (روايات الطاهر وطار وعبد الحميد بن هدوقة) باعتبارها رواية أقلية، وانطلقت من مقولتها هاته، مع ما يكتنفها من غموض نظري، لتبرهن على ما سمّته

«ميكانيزمات الشرعنة والأسطرة» التي كانت تهدف، في نظرها، إلى «تحييد اللغات والثقافات الأخرى من الحيّز الثقافي الجزائري».

شطب الحدود

إن النقد الأيديولوجي، الذي تعرضت له التجارب المبكرة للرواية الجزائرية، ينبني على تصور

ثنائي؛ فهناك من جهة حيّز مخصوص ومنتهٍ

ومتشكل الأبعاد وقار وثابت، يعتبرُ الحضورَ

الفرنسي في الهوية الجزائرية خاصة، وهويات

المجموعات البشرية المشكِّلة لدول المغارب

عامة، حيزًا منفصلً؛ هذا الحضور الذي تشكل

من خلال ما يعرف بالرواية المغاربية، وهي كما

هو معلوم، كُتبت وتُكتب باللغة الفرنسية، وهناك من جهة أخرى، حيز آخر مخصوص ومنفصل هو الآخر، له أبعاده وأيديولوجيته، ويُنظر إليه

أيضًا باعتباره قارًا وثابتًا أو ماضويًا، بحسب

التموقعات، وهو حيّز الهوية العربية الذي تشكلّ

في الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية. يُذكّرنا

هذا التصور بالمفاهيم التي اشتغلت عليها

وبها نظرية ما بعد الكولونيالية، باعتبار الرواية المغاربية فضاءً تمفصَل ويتمفصل فيه حضور

الآخر (المستعمِر)، وباعتبار الرواية العربية فضاءً

يتمفصل فيه المستعمَر (العربي – الأمازيغي –

الصحراوي) ويُترجم ذاتَه. أمّا في تجربة واسيني

الأعرج، فهناك مزج خلّق بين هذين الفضاءين، وهو ما ستحاول هذه الدراسة التدليل عليه من خ لاا مناقشة موضوعات الحب والوطن والمنفى في الروايات المشار إليها أعلاه. إن أول شيء يثير ملاحظة قارئ روايات واسيني الأعرج هو استعماله اللغة الفرنسية في نصوصه العربية، وهو شيء يثير استغراب البعض. إن استعمال اللغة الفرنسية يرتبط بعملية شطب الحدود بين اللغات والهويات؛ إذ يقول واسيني الأعرج في معرض جوابه عن سؤال الانتماء (البلد الثالث): «أنا في مكانين دون أن أكون قادرًا

على رؤية حدودهما...أنا بين البين». هناك

أمثلة كثيرة على هاته الحدود التي لا يستطيع واسيني الأعرج أن يفصل بينها، ولذلك فإن كتابته تعمل على شطبها وإعادة كتابتها من

جديد. بالإضافة إلى ذلك، لا تني رواياته تستدمج في نسيجها روايات غربية وشخوصًا في

روايات عالمية شهيرة، وهو ما يسمّيه أحد النقاد

«العدوى الثقافية» التي تعتمد على التناص كاستراتيجيا. بيد أن التناص في السرد الأعرجي

يشتغل على مستويين: يكمن المستوى الأولفي تغريب النص العربي عن واقعه، وهو التغريب الذي ينسحب أيضًا على واقع الشخصيات.

ويكمن المستوى الثانيبمجمله في إعادة تأثيت الحكاية المحلية (الجزائر وتاريخها) بمكونات سردية وشخوص تخطت حدود سردها وأصبحت تضطلع بنوع من الاستقلالية. هكذا يستخدم واسيني الأعرج استراتيجية

التناص انطلاقًا من المزج بين الاختلاف الثقافي والترجمة الثقافية من أجل إعادة كتابة حكاية

الجزائر؛ إعادة الكتابة هاته تتكئ على الاختلاف الثقافي كإجراء حكائي لأجل بناء سرد يهدف أساسًا إلى تقويض هذا الاخت ف عن طريق

الترجمة الثقافية، لتنتهي في الأخير إلى التهجين الثقافي عن طريق شطب الحدود الفاصلة بين اللغات والهويات والثقافات. هذا الشطب للحدود، يؤدي دائمًا إلى الانفتاح باعتبار توجهه

إلى المستقبل عن طريق خلط سحري بين الماضي والحاضر وبين الأنا والآخر في سيرورة تبحث عن إعادة الكتابة.

نجمة، النص الغائب الحاضر: استعادة زمن المستعمرة

في رواية سيدة المقام، يبدو السارد، الكاتب الذي سقط في حب مريم، غاضبًا جدًا من العالم الذي

حوله؛ إنه غاضب ممّا آلت إليه المدينة، المدينة

التي «سرقت قلب مريم وذاكرتها» (ص. 44)، مريم ذات الهوية المركّبة؛ فهي في الوقت نفسه شهرزاد (التاريخ العربي) والبربرية (استدماج البُعد العرقي داخل المجتمعات المغاربية). وهي

أيضًا منفتحة على العالم (صديقتها الروسية)، أو تنحو نحو الانفتاح رغم المثبطات. وفي معرض انتقاده للمدينة، نقرأ ما يلي: «المساجد لا تتذكر

كاتب ياسين إلّ لشتمه» (ص. 39). لا يهمنا هنا والآن الجهة التي ينتقدها السارد، فالأهم هو هذه الإشارة، وهي ليست الوحيدة على الإطلاق، إلى كاتب ياسين، الروائي الجزائري ومؤسس الرواية المغاربية المكتوبة بالفرنسية التي وسمها بميسم روايته نجمة)1956(. أضف إلى ذلك أن كلمة نجمة في حد ذاتها تتكرر كثيرًا، تقريبًا في جل روايات واسيني

الأعرج؛ فواحد من الاسمين اللذين يتمنى السارد – الكاتب في رواية طوق الياسمين

إط قااه على وليدته، هو نجمة. أمّا فتنة،

إحدى الشخصيات المركزية في رواية شرفات بحر الشمال، فأمها تدعى نجمة، هذه الأم التي تذكّر القارئ من خلال موتيف الاختطاف (ص. 49) بنجمة في رواية كاتب ياسين، وهو ما يعقد روابط قوية بين نجمة كاتب ياسين ومريم في رواية شرفات. أمّا الإشارة الثانية في

سيدة المقام، فتتعلق بهوية مريم نفسها؛ فمريم امرأة «لا تعرف حتى أباها» (ص. 70)؛ «طفلة لا تعرف حقيقة أبيها» (ص. 83)، وهو ما يجعل القارئ المطلع على رواية نجمة يسترجع الترابط والتوازي بين الشخصيتين، بين نجمة ومريم. يعضد هذه الفكرةَ النقدُ ال ذااع الذي يوجهه السارد إلى من يسمّيهم «حراس النوايا» حين

يقول: «تقرأ في العيون الكلمات التي صارت من عادات المدينة. Silence! On tue’ ’» (ص). 39 هذا القول يذكّر القارئ بما فاه به سي مختار الذي لكمه الحاكم الفرنسي بعد تظاهرات يوم

8 أيار/مايو، حيث قال: «لتحيَ فرنسا/صهٍيا

عرب» (نجمة، الترجمة العربية، ص 162)،

« Vive la France/Les Arabes silence!» أو

(نجمة، النسخة الفرنسية، ص 47.)1 بالإضافة إلى ذلك، ترقص مريم على خلفية «صوت الكونترباس» الذي يُسمع «كطام طام إفريقي»

(سيدة المقام، ص 421)، وهو موتيف آخر يذكّر بنجمة في واحدة من اللحظات السابقة لاختطافها. لا يتعلق الأمر بتناص يمكن المرور عليه؛ فالسارد ينطق بكلماته، ينتقد من يسمّيهم

«حراس النوايا» الذين لم يكتفوا بطمس الثقافة وحرمان مريم من صديقتها أناطوليا، ولكنهم هم أنفسهم الذين قتلوا عمي غلام الله في رواية شرفات بحر الشمال. من خ لاا هذا التناص،

تعيد الرواية استقراء الحاضر انطلاقًا من الماضي

والماضي انطلاقًا من الحاضر في عملية تشطب الحدود بين النص المكتوب في آنيته من جهة والنص المنجز في الأرشيف الأدبي الجزائري.

إذا ما استحضرنا عملية الاسترجاع التاريخية –

الرمزية هاته، نلمس توازيًا بين حراس النوايا،

القتلة الذين أودعوا رصاصتهم في رأس مريم، والمستعمر الفرنسي الذي قتل بوحشية مئات الآلاف من الجزائريين ابتداءً من يوم الث ثاااء

الأسود. أمّا السارد – الروائي، فإنه يتموقع في

موقع سي مختار، وبالتالي في موقع كاتب ياسين من وجهة نظر رمزية في علاقة الترابط بين الجزء والكل. ومن هذا المنظور يمكن القول إن

انتحار السارد – الروائي في نهاية سيدة المقام

يرمز فعليًا إلى موت قيم الحداثة كما تمظهرت

في حياة كاتب ياسين وأدبه. أمّا في رواية أصابع لوليتا، فإن معالم شخصية

نوّة (رذاذ، لوليتا، لالو) تُرسَم انطلاقًا من تصوّر

يرتكز على شخصية نجمة الضائعة هويتُها بين

السرديات الأربع المختلفة والمتعاضدة في آن معًا؛ تلك السرديات التي تضطلع بها الشخوص

المركزية في رواية نجمة. إن تعددية السرديات واخت ف وجهات النظر في رواية نجمة، يتم

إحلالهما بطريقة مختلفة في أصابع لوليتا، حيث ينتقل التعدد والاختلاف من التركيز على الرباعي إلى التركيز على تعدد الأسماء والهويات؛ فنوّة

(لوليتا) مختلفة في تعددها الهوياتي انط قااًا من اسمها، وهي العملية نفسها التي تنسحب على يونس مارينا، الذي تتعدد أسماؤه؛ فهو في الوقت عينه سلطان حميد سويرتي وحميد زازو وحميميد ويونس مارينا. أمّا الجانب الثاني الذي

يُستدمَج في شخصية نوّة – لوليتا، فيتعلق بموتيف

بالغ الأهمية؛ إنه صورة رذاذ – نوّة باعتبارها

المرأة القاتلة، وهو ما يجعلها نسخة أخرى لنجمة في مرحلة ما بعد الكولونيالية، بالنظر، على الأقل، إلى أن السارد يذكر الجملة مترجمة

إلى الإنكليزية (أصابع، ص 46). أمّا الموتيف

الأقوى الذي يسترجع رواية نجمة بشكل أكثر

إبهامًا، فيتعلق بالتمثيل التجاذبي للجزائر انطلاقًا

من صورة مركزية تكثّف الاستقطاب العلاقاتي بين الرموز. تتعلق هذه الرموز، أو الدواليل كما يسمّيها هومي بابا، بحضور الحشرات وأسماء

الحيوانات في تعالق تنافسي بين التصورات والانتقادات التي يربطها يونس مارينا في حكايته الخاصة من جهة والسارد في الحكاية العامة

من جهة أخرى. لنذكِّر بسرعة بأن يونس مارينا روائي جزائري يعيش مغتربًا في فرنسا منذ أكثر

من نصف قرن، و«حراس النوايا» يتابعونه نظرًا

إلى نشره رواية عرش الشيطان. ثم إن يونس

مارينا أصدر ستة روايات تتخذ جلَّ عناوينها من عالم الحيوانات والحشرات، ومنها كتاب الحشراتبأجزائه الث ثااة، ذئاب العقيد وجراد الإماموالحافة، بالإضافة إلى عرش الشيطان، صك الاتهام الجاهز. إذن، أولى الرموز المستقاة من الأرشيف الأدبي الجزائري، ومن رواية نجمة بشكل خاص، ترتبط بالذبابة والعنكبوت (أو الرتيلاء، كما يسمّيها محمد قوبعة، مترجم

نجمة إلى العربية)؛ ففينجمة، نقرأ الحكي الشعري لرشيد كتكثيف للرموز وعلاقة الجزائر

بالمستعمِر الفرنسي: وأخفيت كتاب «حياة الأمير». وأحسست بقوة الفكر. وجدتُ الجزائرَ الحانقة، ووجدتْ نفَسها...

لقد كان نفسُها كافيا.

كان كافيا لطرد الذباب. ثم غدت الجزائر هي الأخرى... غذت ذبابة، غدرا وخيانة. ولكن النمل.. النمل الأحمر. النمل الأحمر أتى لنجدتها. وانطلقت أحمل المناشير. (نجمة، الترجمة العربية، ص 53 4 – 5؛ نجمة، النسخة الفرنسية،

ص 49)

إن هذه الصورة الرمزية للعلاقة بين المستعمِر والمستعمَر، من بين صور أخرى، هي الصورة

التي تكثّفها كتابة كاتب ياسين الملغومة، ويُعاد

استثمارها في أصابع لوليتا بشكل مزدوج يشطب الحدود بين الأرشيف الأدبي الفرنكوفوني الجزائري من جهة والرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية من جهة أخرى. لا يتعلق الشطب هنا

بالإقصاء، وإنما باستعادةٍ خ قة تُعيد ترتيب الع قااات بين الذات والآخر، بين الأفراد والسلطة، وخاصة بين الأيديولوجيا الماضوية ل «حراس النوايا» والهوية الجزائرية. علينا أن نتذكر في هذا المقام أن ما خطه كاتب ياسين في الاستشهاد أع هاا يتموقع في لحظة تاريخية فارقة؛ إنها لحظة الثامن من أيار/مايو 945.1

هذا التكثيف للعلاقة بين المستعمَر والمستعمِر

في رواية نجمة يُستدمَج سرديًا في أصابع لوليتا

من خلال حدث مركزي هو انقلاب 91 حزيران/ يونيو 9651 في الجزائر، الذي يحيل، في ثناياه

وارتباطًا بمستوى حكاية يونس مارينا، على حدث آخر، كاشفًا بذلك عن توازي التواريخ وتداخلها؛ إنه فعل الشطب للحدود الوهمية بين سلطة قاهرة وحضور قوي للمقهور في الأحواز.

حكاية يونس مارينا: حكاية زمن ما بعد الكولونيالية

يونس مارينا، الذي اغتال الاستعمار الفرنسي أباه (أصابع، ص 371)، يتذكر وهو على متن القطار إلى باريس حادثة الانقلاب بعد أن تحدث إلى شرطيين ألمانيين، ويتذكر ما قاله الرئيس هواري بومدين عن حدث 8 أيار/مايو:1945 «فجأة سمع صوت العقيد وهو يهمهم، وكان الناس يحتفلون يومها بانتصار الحلفاء على النازية:

‹في ذلك اليوم شخت قبل الأوان. المراهق الذي

كنته، أصبح رجلً. في ذلك اليوم تدحرج العالم. حتى الأجداد تململوا تحت التراب. وفهم الأطفال أنه يتوجّب عليهم حمل السلاح ليكبروا

رجالً أحرارًا›» (أصابع، ص 6).7 لنلاحظ بسرعة أن الاستشهاد أعلاه مثبت باللغة العربية في الهامش كترجمة للنص الفرنسي الذي أخذ موقعه في المتن، وهو ما ينم عن رغبة في شطب الحدود بين اللغات والهويات. فمن خلال هذه الاستعادة عبر الذاكرة الموسومة بميسم لغتين، يجري تكثيف ث ث لحظات تاريخية مفصلية في التاريخ الجزائري والعالمي؛ ذلك أن تاريخ 8 آذار/مارس الذي يسترجعه مارينا في ذهنه، لا يحيل فقط إلى المجزرة

الرهيبة التي ارتكبها جيش المستعمِر في خراطة وسطيف وغرداية، بل يحيل أيضًا إلى تاريخ انتصار الحلفاء على النازية. على مستوى الحكاية، يسترجع يونس مارينا هذه الأحداث خ لاا رحلة السفر عبر القطار من فرانكفورت إلى باريس. وهذا التاريخ ذو الوجهين يجعل يونس مرينا يتذكر قطار الشؤم الذي حمل اليهود إلى المعسكرات النازية، في محاولة من السارد للمساواة بين القتلة أينما كانوا. غير أنه يرى أن التاريخ الوطني الجزائري هش مثل جناحي فراشة، وأن «الاستقلال بشّع أناسًا كثيرين، وقتل

آخرين، ونفى الباقي ليتخلص من ضجيجهم وملاحظاتهم» (أصابع، ص 51).9 في الجزء الرابع من الفصل الأول من الرواية، يسترجع يونس مارينا حياته في الجزائر ويتذكر «الانق باايون»، المقالة الأولى التي كتبها عن حياة الرئيس بابانا ومعاناته في السجن الانفرادي، وهي واحد من الأسباب التي تجعله م حَقًا

من طرف ذئاب العقيد. لن حظ ب تطويل تفصيلين دقيقين يوردهما السارد في هذا الباب:

يتعلقالأولباسم المجلة التي كان يونس مارينا قد نشر مقالته فيها؛ فاسم المجلة هو معذبو الأرض، وهو نفسه عنوان الكتاب الذائع الصيت والثوري لفرانز فانون الذي كتبه وهو يفكر في المستعمَرين والمضطهَدين. أمّا التفصيل الثاني،

فيرتبط باسم المقهى، النجمة، التي كان يونس مارينا يرتادها حين كان يعيش في الجزائر. إن التعامل السردي مع هاته التفصيلات الدقيقة، التي هي في الواقع من بين الركائز الأساسية للكتابة الروائية، يقترب كثيرًا من الترجمة الثقافية

التي تعتمد الشطب والمحو وإعادة الكتابة وإح لاا الأشياء في مقامات وسياقات جديدة وإدخالها في سيرورات متجددة. أمّا التفعيل السردي لصورة الذبابة (والرتي ءاا

أو العنكبوت)، فيحدث في موقعين. أولً، يتم اللقاء بين بابانا والذبابة التي أضحت مؤنسه الوحيد في سجنه الانفرادي. وثانيًا، يتجدد هذا

اللقاء حين يتصل بابانا خ لاا زيارته برشلونة بيونس مارينا ويطلب لقاءه. لننظر إلى الفعل التشخيصي للحالة الأولى، أي بابانا والذبابة، في السجن من خلال عملية الشطب والاستدماج التي يضطلع بها السرد في علاقته برواية نجمة: يقول السارد في رواية أصابع لوليتا: «ذكر في مقالته الأخيرة التي حركت ألسنة روّاد مقهى

النجمة بقوة غير معتادة، أنه رأى الرايس بابانا في مكان معزول لم يوضع فيه حتى القتلة والمجرمون. لكن الرايس بابانا كان ذكيًّا. فقد

حارب الظلمة والعزلة والخوف بطريقته الخاصة. كان لا يثق في الحرّاس. قاوم العزلة بصحبة ذبابة

صغيرة شاءت الصدفة أن تدخل إلى زنزانته. كان

كلما وُضِع الطعام أمامه، خرجت من ظلمها

وخوفها وجاءت لتقاسمه طعامه وخلوته» (أصابع، ص).73

لن نطيل الوقوف هنا عند الدمج الإبداعي بين الأنواع الأدبية، إذ إن الأمر يتعلق بمقالة صحافية لا بقصة، ولكن استراتيجية الكتابة عند واسيني الأعرج تعتمد على شطب الحدود وإعادة كتابتها في سيرورة لا تنتهي، بما في ذلك العلاقة بين الحلم والواقع والحقيقة والخيال أو الاختلاق، كما يُفهم من تعليقات يونس مارينا على لعبة

الكتابة، الذي لا يقف كثيرًا عند الفارق بين

الحقيقة والخلق (الاخت ق)، فيونس مارينا يعترف بأنه يختلق حين يقول عنه السارد: «في

مقالته الأخيرة روى طفولة الرئيس، وكان كلّما عجز عن التصوير وخانته المعلومات، عوّضها

بطفولته هو. فكّر طويلً في كذبته...» (أصابع، ص 71). هناك، إذن، ارتباط عضوي بين حياة يونس مارينا وحياة الرايس بابانا، ليس فقط لأنهما ينتميان إلى المدينة نفسها، بل لأنهما أيضًا شخصان يتلاعبان بمفهوم القوة والهشاشة وع قااتهما بص بااة الشخصية الهشة. هذا من جهة أصابع لوليتا، أمّا إذا عدنا إلى رواية نجمة،

فإننا سنجد أن رشيدًا يعيش الحالة ذاتها تقريبًا،

مع تفصيلات صغيرة، إذ يرى أول الأمر رُتَيْءاا

وليس ذبابة؛ وهكذا نقرأ في نجمة: «ودبّت

نحوه رُتي ءاا حتى أدركته؛ ‹لكأنّها.. تتودد إليّ

وتغازلني›؛ كانت ضخمة، رمادية، طاعنة في السن، مغبارًا مترنحة» (نجمة، الترجمة العربية،

ص 35؛ نجمة، النسخة الفرنسية، ص – 33

34). ولكن رشيدًا يغير رأيه في الرتيلاء قليلً بعد أن تقاسم الطعام مع بتي جو، صديقه في الزنزانة؛ لم يستطع رشيد أن يأخذ قيلولة، و«كان ينتفض من حين لآخر كلما خطرت بباله الرتي ءاا التي تحدق فيه، تلك الرتيلاء السجينة هي الأخرى، ‹لكأنما هي تحس بالوحدة أو كأنما هي تبحث عن الرفقة، ولعلها ترغب في المداعبة›» (نجمة، الترجمة العربية، ص 36؛ نجمة، النسخة الفرنسية، ص 34). وحين يضرب رشيد الرتيلاء

بحزامه («منطقته»)، يخطئها فتنقض على عنقه ويستبد به الخوف. حين يأتي المأمور يطلب منه رشيد أن يساعده على التخلص من الرتيلاء، فيوافق المأمور ويقول لرشيد: – لا تتحرك، أيها القواد! وسأحاول ذلك، ولكني

قد نسيت نظارتي» (نجمة، الترجمة العربية،

ص).37 يبدو منظر المأمور وهو يضرب رشيدًا تمثيلً

ساخرًا للعلاقة بين المستعمِر والمستعمَر، كما

أنه يعلن بشكل استباقي أحداث 8 أيار/مايو واعتقال رشيد. أمّا «جو»، فإنه يدفع بالسخرية

إلى مداها حين يخاطب المأمور قائلً: «إن الرتي ءاا ستغضب الآن دونما شك.. ماذا

يحصل سيدي المأمور لو غضَبتْ؟ ولو قفزت

الى فمك أنت الذي لم يعد لك [فيه] أسنان، لو قفزت إلى عينيك، وأنت بدون نظارتيك؟ إنها قادرة على لدغك، هذه الرتيلاء القذرة التي عاشت دومًا مع أهل الب داا ومع المتشردين

والأشقياء، ماذا يقول عنك أحفادك عندها،

أولئك الذين يبدون دومًا نظافًا إلى أبعد حد،

أولئك الذين يلقون بالخبز، الذي وهبه الله لهم إذا ما حطت عليه ذبابة تشاركهم الأكل؛ إنه لمن المؤكد أن أحفادك لن يغفروا لك قدرتك على تعذيب الذين يمرون بين يديك، لينتهي بك المطاف ضحية حشرة، ضحية رتيلاء حقيرة

ولدت في زنزانتك». (نجمة، الترجمة العربية،

ص 38؛ نجمة، النسخة الفرنسية، ص). 36 إن كلام جو يحيل، بلا أدنى شك، إلى جبروت

المستعمِر الفرنسي في علاقة توازٍ بين الجزائر وفرنسا، وهو التوازي نفسه الذي يشير إليه

الرايس بابانا في أصابع لوليتا. هكذا يصبح

النص المُسْتدمج (نجمة) فاعً في النص

الجديد بشكل مغاير انطلاقًا من إسقاطات الواقع السياسي الراهن والتاريخ. في هذا الصدد يعطي

بابانا مدلولً رمزيًا للذبابة إذ يقول: «إن قصتي

مع الذبابة كبيرة. كانت هي الحياة» (أصابع، ص 337). في ضوء ذلك، تصبح الرتيلاء في رواية نجمة (العنكبوت في أصابع لوليتا) عدو الحياة؛ يؤكد بابانا ذلك حين يقول إن «الذبابة لم تأكلها عنكبوت» (أصابع، ص 337). ولنلاحظ بسرعة أن مفردة «عنكبوت» ترد ب تعريف، وهي تقنية تبتغي فتح باب التأويل دلاليًا على

مصراعيه. هذه الرغبة في فتح باب التأويل يمكن أن نلمحها أيضًا في ع قااة يونس مارينا في مرحلة شبابه بماجدلينا/مريم، هذه العلاقة التي هي إعادة كتابة لعلاقة رشيد والعاهرة في رواية نجمة. ليست ماجدالينا (مريم/ماجدة لينا) امرأة عادية؛ إنها امرأة مثقفة تناقش مع يونس مارينا إحدى الروايات، وتتحدث إليه بمعرفة عميقة عن إحدى اللوحات. وهي، بالإضافة إلى هذا وذاك، المرأة التي اضطلعت بحمايته ممن يسمّيهم «ذئاب

العقيد». هذه العلاقة بين يونس مارينا وماجدلينا تحيل ضمنيًا إلى تفصيل صغير في رواية نجمة

يرتبط بحادث إلقاء القبض على رشيد الهارب من شرطي يطارده. حين ترفض المرأة إعطاء رشيد خمارها للتدثر به تخفيًا من الشرطي الذي

ي حقه، يصفعها. ورغم أنها تسمح له في ما

بعد بالتدثر بالإزار، فإنها تسلّمه إلى الشرطي في اللحظة التي وصل فيها، وتقول له: «تفضل سيدي، ها هو ذا، خذه كما هو، مؤتزرًا كابن

كلب، ولكن حذار، فهو مصاب بداء الكلَب» (نجمة، الترجمة العربية، ص 35؛ نجمة، النسخة الفرنسية، ص).33 في رواية أصابع لوليتا تُقلَب هذه العلاقة لتبدوَ

ماجدالينا رمزًا للمرأة التي لا تتعاون مع السلطة

إلّ بشكل تجاذبي وموارب؛ فهي ثورية، لا على المستوى العملي وإنما على المستوى النظري

والثقافي. بيد أن ثوريتها تقع في ال «ما بين بين» in-between) (؛ إنها تردم الهوة بين العاهرة والملكة حين تقول ليونس مارينا: «معك الآن أشعر أني ملكة. أنا في الواقع مجرد قحبة مع

الآخرين» (أصابع، ص 55). وهي، بالإضافة إلى ذلك، امرأة تحتل الحدود الفاصلة بين «ذئاب العقيد» والرافضين ل نااق ب، فهي لم تتواطأ مع يونس مارينا كليًا، بل تعتبر مساعدتها

له بمثابة «خيانة غير مؤذية لأصدقائنا» (أصابع،

ص 35)؛ إنها تلك المرأة التي دفعت يونس مارينا إلى اجتراح «القدرة الخلاقة على تخطي

الحدود التي ترسمها الأعراف والأديان» (أصابع،

ص 25). يتعرّف يونس مارينا، في خضم ع قااته

بماجدلينا، إلى لوحة أصل العالم لغوستاف

كوربي (1819 – 877.)1 تحيل نسخة اللوحة

إلى مستوى السرد بشكل موارب إلى الماضي، حيث إن أحد رواد ماخور عيشة الطويلة، ولد الفرنساوية، هو الذي أهدى إلى ماجدلينا نسخة من اللوحة. أمّا على مستوى الدلالة، فإن

اللوحة تحتفي بحرّية المرأة المضطهَدة. لكن

أصابع لوليتا تجعل من هذا المقطع الحكائي

أرضية لما سيأتي لاحقًا على مستوى الحكاية

ومستوى السرد، في محاولة لخلق دلالة مركّبة للوحة عن طريق إدماج صورة الذبابة وصورة المرأة الجزائرية من جديد في فضاء مغاير: فضاء الوطن والدولة في الغرب؛ ذلك أن صورة الذبابة

في فضاء المستعمَرة (رواية نجمة) يتم إحلالها

في الفضاء التاريخي الأوروبي، حيث تشكلت

صورة المرأة انطلاقًا من الخطاب الفني. تقنية الإح لاا هاته تفتقد أي ع قااة سببية عقلانية تربط السابق باللاحق، وهو ما يعتبره أحد النقاد في مقام آخر خاصية للواقعية السحرية؛ ففي إحدى أسواق باريس الهامشية، يعثر يونس مارينا على لوحة يُطلقُ عليها اسم لوحة الذبابة، هذه

اللوحة التي تثير أسئلة كثيرة حول الفنان الذي رسمها، ويتم ربطها بمدرسة العتمة في تاريخ الفن. تشكل اللوحة نوعًا من الرؤية للعلاقة بين

المرأة الغربية والحرية. إن امرأة لوحة الذبابة تنظر إلى النور، لكنها في الوقت نفسه تضع يدها على جمجمة، وهو ما يجعل وضعيتها متأرجحة بين الحياة والموت، بين الحرية والعبودية. هكذا، يجري سرديًا خلق تجاور وتنافس بين

زمن المستعمَرة من جهة، والوطن باعتباره منجزًا

غربيًا يحتوي في ثناياه على ثنائيات قاتلة من

وجهة نظر نسوية من جهة أخرى. هذه الثنائية تنسحب على الشخوص النسوية في أصابع لوليتا، وخصوصًا على علاقة لوليتا بفرنسا، لوليتا

التي تبدو ممزّقة بين إحساسها الديني المرهف

من جهة وانخراطها من جهة أخرى في عالم الموضة، صحبة نسوة أخريات اكتشفن في آخر المطاف أن عالم الموضة يؤدي إلى العزلة والموت.

أشكال الحب

ترتبط شخوص واسيني الأعرج في ما بينها بعلاقات حب مختلفة تتراوح بين الحب العاصف passionate love) (والحب الرومانسي والحب العفيف والحب الأخوي؛ فياسين يقع في حب فتنة، ثم في حب نرجس فكنزة. يجسد حب ياسين لفتنة الحب العاصف الذي يؤدي إلى علاقات حميمة بينهما، لكن فتنة تهجر بلدها في ظروف غامضة. علاقة ياسين بفتنة تعكس علاقة

عاطفية تنبني على نوع من اللَّبس بين الحب والجنس من جهة، والحب والسلطة الرمزية من جهة أخرى؛ ذلك أن فتنة أكبر سنًا من ياسين،

بالإضافة إلى أنها هي التي تعلّمه الحب وتصبو

بعضًا.

إلى وسمه بميسمها. يقول عنها ياسين: «فتنة

المهبولة هي التي علّمتني الأسماء كلها. أسماء كل ما حُرّم على الإنسان والنبتات الشهيّة. كانت

تعرف كيف تلمس بأناملها الرقيقة، كأسها وشفاه من تعشق وأوتار الكمنجة المشدودة مثلما

تشتهي».(شرفات، ص 72) لكن حب ياسين

لفتنة يختلط بحبه للمدينة، انطلاقًا من التوازي الذي يخلقه ياسين بين حبه لمدينة أمستردام وفتنة التي تركت مدينتها وتزوجت برجل سافر بها إلى أمستردام. تبدأ ع قااة الحب العاصف بين ياسين وفتنة على خلفية القتل والاقتتال في الجزائر لتؤدي إلى المنفى؛ فياسين يزاوج بين حبه لفتنة التي ذهب إلى أمستردام بحثًا عنها وبين العزلة حين يقول: «كان حب فتنة قد سحبني

نحو العزلة» (شرفات، ص 92)، لكن هذه العلاقة العاصفة تثير مفارقة كبيرة ترتبط بالعلاقة بين الحب والزواج. في نقض لجميع الأفكار

المكرسة عن المرأة، لا تطلب فتنة الزواج رغم

أنها تطلب مقابلً لحبها، ففي نظرها «وحدهم

المهابيل لا يطلبون لحبّهم مقابً» (شرفات،

ص 35)، وهذا المقابل هو أيضًا ملتبس؛ إذ إنه يراوح بين العلاقة الجنسية والحضور الدائم في الذاكرة. في مقابل الحب العاصف بين ياسين وفتنة، هنالك الحب الأخوي الذي يربط ياسين بكنزة، المرأة البجاوية التي يعثر ياسين على آثار لها في معرض بحثه عن فتنة. ورغم أنه لم يسبق له أن عرفها شخصيًا، فإنه يضع باقة من النرجس

على قبرها لأنها تجسد في نظره قيمة الوفاء للحبيب والوطن في آن معًا، فعندما تأكدت

أن عشيقها «أيقظ فيها وطنًا وعندما بدأ هذا

الوطن يصير أرضًا وحبًّا، فضّلت أن تنتحر على

أن تخون زوجها أو حبّها لأرضها» (شرفات،

ص 922). هكذا، تتحلل علاقة الحب العاصف داخل علاقة الحب الأخوي التي تشكل عماد

الرابط الوطني بين شخصين لا يعرفان بعضهما

لَبْسُ الحب كما يمكن تلمّس حضوره في

نصوص واسيني الأعرج، يبدو أكثر جلاء بالنظر

إلى العلاقة التي تربط ياسين بحنين، الشاعرة الجزائرية التي يلتقي بها في أمستردام. علاقة ياسين بحنين لها أيضًا مقابل غير جنسي، ذلك أن حنين هو الاسم الحقيقي لنرجس، تلك المذيعة التي كان ياسين يكتب لها عشرات الرسائل حين كان يعيش في الجزائر. بهذا المعنى تكون نرجس وحنين وجهين لشخصية واحدة. ترمز نرجس إلى الحب غير المتحقق بينما تثير حنين في نفس ياسين أحاسيس متضاربة؛ فهو يتعاطف معها بسبب مرضها وبسبب فشل زواجها، ويبدو أن العلاقة الجنسية العابرة التي تربطهما ليست

إلّ شكلً من مقاومة الاغتراب والمنفى، المنفى الذي تربطه حنين بالوطن حين تقول لياسين:

«نحن هكذا دائمًا، لا نترك وطنًا إلّ لنتزوج قبرًا

في المنفى» (شرفات، ص).315 علاقة الحب التي تربط الأستاذ الجامعي الروائي

بمريم في سيدة المقام، قريبة جدًا من علاقة

الحب التي تربط ياسين بحنين، رغم كون الأولى

لا تؤدي إلى ع قااة جنسية صريحة؛ ذلك أن علاقة الحب في كلتا الحالتين تأتي على خلفية

تهشيم مؤسسة الزواج من أجل حب متحلّل

من كل قيد أو شرط. إن علاقة الحب في سيدة

المقامهي علاقة حب عفيف تُستهلَك عن طريق الرقصة بين المُحبّيْن، لكنها أيضًا ع قااة حب

عفيف تتخذ معانيها من خلال الأفكار والتموقع

ضد «حراس النوايا». غير أن سيدة المقامتُمْعن

في رسم معالم الزواج على خلفية كونه اغتصابًا

بشكل مشروع عبر تمثيلِ حكاية العلاقة الزوجية بين مريم، راقصة الباليه التي تجسد قيم الحداثة، وحمّودة، الرجل الحقوقي الذي ينزلق إلى

العنف في علاقته الزوجية. ضغوط العلاقة غير المتكافئة قيميًّا بين مريم وحمّ ودة من جهة،

وكذا الضغوط الاجتماعية والسياسية المشكِّلة لخلفية الأحداث في الرواية من جهة أخرى،

تنحلُّ داخل علاقة الحب العفيف بين الأستاذ

الجامعي ومريم، بينما يتمترس حمّودة خلف

هوية يشكلها على مقاس إخفاقه بحسب مريم التي تفسر هويته الجديدة بطريقتها الخاصة حين تقول: «لحيته انْسدلت، كانت سوداء مثل

القطران، يختبئ داخل فوقيّة (جلابيّة) بيضاء..

العجيب في الأمر في هذا البلد، كلّما أخفق المرء في حياته، التجأ إلى ربّه، يتعشّقه بالكثير

من النفاق» (سيدة المقام، ص 02.)1 وكما في

حالة فتنة، تتشكل هوية مريم في تماهٍشبه تام مع الوطن الذي يُغتصَب رمزيًا من طرف «حرّاس

النوايا» في إحالة واضحة على حركة الإس ماا السياسي في الجزائر. أمّ ا في رواية أصابيع لوليتا، فإن الحب يؤدي

دائمًا إلى ع قااات جنسية خارج إطار الزواج؛

فيونس مارينا يقع في حب الشابة العشرينية التي يطلق عليها اسم لوليتا. لكن سبق له قبل ذلك أن ارتبط بعلاقة حب مع ماجدالينا حين كان يعيش في الجزائر؛ ماجدالينا التي تقترب كثيرًا من

ملامح فتنة في رواية شرفات. تأتي علاقة الحب بين يونس مارينا ولوليتا لتعوّض علاقته مع إيفا،

مترجمة رواياته إلى اللغة الألمانية. وتشكل هذه العلاقة مقدمة للعودة إلى الحب العاصف على خلفية ارتباطه بالوطن الجريح من خلال علاقة الحب التي تربط يونس مارينا ولوليتا (نوّة)،

وأيضًا من خلال الزواج الفاشل بين لوليتا وأحد

الشبان الفرنسيين. تشكل هذه العلاقةُ البؤرةَ التي

تدمج من خلالها الحكايةُ لوليتا داخل مجال

هيمنة الترسانة الفكرية القاتلة ل «حراس النوايا»، على اعتبار أن لوليتا كانت تبيّت فكرة اغتيال

يونس مارينا بسبب كتاباته قبل أن تتراجع في

النهاية. وهكذا، فإن المرأة الجزائرية لا تنزلق

إلى مجال هذا الفكر إلّ في فضاء الآخر، ذلك أن جل الشخصيات النسوية في روايات واسيني الأعرج السابقة إمّ ا تبقى محايدة وإمّ ا تتموقع

ضد هذا الفكر.

الوطن أوطان

في جل الأعمال التي أكبّت على دراسة مفهومي

الوطن والوطنية، هناك شبه إجماع على أن

ك من الوطن والوطنية مفهوم تاريخي طارئ ومُخترَع. بالإضافة إلى ذلك، هناك اعتراف

ضمني أو صريح بصعوبة التقدم بتعريف واضح للمفهومين؛ فبينما يعرّف إرنست غيلنر الوطنية

باعتبارها «أولً مبدأ التطابق بين الوحدة السياسية

والوحدة الوطنية» انطلاقًا من كونها عاطفة تتأثر سلبًا ب «خرق المبدأ الوطني القاضي بالتطابق

بين الدولة والوطن». ومن دون إغفال مركزية الثقافة في نسج المفهومَين، يعمد بينيديكت

آندرسون إلى مقاربة مفهوم الوطن انطلاقًا من‏ (a cultural artefact) »كونه «صناعة ثقافية تشكلت داخل الرواية وعن طريقها، من خلال تطور حركة الطباعة والنشر من جهة، وبين السارد وموقعه داخل الرواية والع قااات بين شخوص لا يعرفون بعضهم، من جهة أخرى. هكذا أمكن الرواية أن تدمج «الأخوة والسلطة والزمن» لتُشكل مجموعة بشرية متخيلة.

أمّا إيريك هوبزباوم، فإنه يعتمد على التعريف

الذي قدمه إرنست غيلنر للوطنية من دون إضافة أو نقصان، في حين يؤكد إرنست رينان أن الوطن ناتج من التوفيق بين الماضي، أي الذاكرة المشتركة، والحاضر، أي الرغبة في العيش المشترك داخل كيان سياسي. بهذا المعنى يبدو الوطن مثل شكل أعلى من أشكال التضامن، أو باعتباره إرادة أو توافقًا إراديًا أو استفتاء

يوميًا، لكن الرابط بين هاته التصورات النظرية

كلها يبقى، بلا شك، اعتمادها على مفهوم الثقافة

باعتبارها المادة الرئيسية التي تُشكّل مفاهيم الوطن والوطنية والمجموعة البشرية. في النص الأعرجي الذي يهمنا هنا، تبدو أشكال حضور الوطن متواشجة مع أصل الرواية العربية

انط قااًا من وضعيتها المتأرجحة بين الحداثة والتراث، أي بين الشكل، باعتباره إنتاجًا غربيًا

خالصًا من جهة، وموضوع الحب المستعاد من

أجل إعادة تجذيره عن طريق الخطاب الروائي لبناء خطاب الوطن في ترتيب جديد للعلاقات الاجتماعية يتموقع سياسيًا، ويثمّن نظرة معينة

ويقصي أخرى؛ ففي رواية سيدة المقام،

مثً، يبدو الوطن منقسمًا سياسيًا إلى حيزين

متضادين: بني كلبون وحراس النوايا، بالإضافة إلى أن المدينة، التي هي جزء من الوطن، تقتل أبناءها لأن الدولة انسحبت «من الحياة العامة» (سيدة المقام، ص 4.)1 والوطن، بالنسبة إلى مريم، يراوح بين صورة الحداثة الوهمية وصورة أصالة بدائية. أمّا إذا أخذنا في عين الاعتبار

العلاقة بين مريم والوطن، فإننا سنجد أن الوطن يقتل نفسه، ذلك أن مريم تقول: «هو ذا وطني، يسكن رصاصة في دماغي في يوم داكن من أيام الخريف ذات جمعة حزين» (سيدة المقام، ص 12). وفي الجملة، فإن أغلبية الشخوص يتعيش اغترابها عن الواقع. ويلخص السارد المعاناة بشكل عميق إذ يقول: «تحيا البلاد التي ليست ب دااًا، التي لم تعد لنا. ولم نعد نعرفها، تحيا

الأشياء الرقيقة التي لا تموت، سحبوها من القلب مثلما يسحبون إبرة انغرزت في العظم» (سيدة المقام، ص 82.)1 هذه الحالة تؤدي بالسارد إلى فعل القتل الرمزي للوطن عن طريق التهام بطاقة التعريف الوطنية، وبالتالي إلى الانتحار. أمّا ياسين في رواية شرفات بحر الشمال، فإنه

لا يشعر بأن له في وطنه مكانًا؛ الوطن الذي يصبح طاحونة (شرفات، ص 216). ويتعدد الوطن في هذه الرواية بتعدد الأوصاف؛ فهو سجن وانتحار، وضيق وعهر وفوضى وكذب

وحزن. لا يستعيد ياسين عملية قتل أخيه عزيز وعمي غ ماا الله بطريقة آلية؛ إنه يستعيد هذه الأحداث في موازاة معاناة آن مارك، واضعًا

الضحايا في جانب والقتلة في الجانب الآخر؛ عزيز وعمي غلام الله وآن مارك من جهة والقتلة والنازيون من جهة أخرى. ورغم أن ياسين يعتمد على ذاكرته في استرجاع هذه الأحداث، فإنه يعتبر أن الوطن «بدون ذاكرة» (شرفات،

ص 9 1) لأنه تنكّر لشهداء الثورة الجزائرية ونسي أيضًا ضحايا القتلة في المرحلة التالية، وهذا أيضًا رأي حنين، الشاعرة الجزائرية التي التقاها ياسين في أمستردام، والتي يبدو أنها تلمح إلى أح ماا مستغانمي؛ حنين التي تقول إن «هذه الب داا لا تملك حاضرًا وتصر على

اغتيال الماضي العاشق الذي يمكن أن ينقذها» 78(شرفات، ص 1)، لكن هذا الرأي لا يأخذ في عين الاعتبار علاقة التواشج الوطيدة بين ظهور الحركة الوطنية في الجزائر ومقاومة الاستعمار من جهة، والرغبة في إعادة تملك التراث الديني من جهة أخرى. وهكذا تبدو حركة «حراس النوايا» كما لو أنها خارج السياق.

شطب الحدود: المقدس والدنيوي

هناك مثال ثان لعملية شطب الحدود، يتعلق هذه المرة بشخصية هامشية ذات بعد رمزي كبير؛ إنه عمي غلام الله، تلك الشخصية الهادئة والساخرة في آن معًا. في إحدى ليالي ياسين القليلة في

أمستردام، يخفق هذا الأخير في استدراج النوم، ثم يتذكر ماضيه القريب في الجزائر العاصمة، «مدينة الأطياف» كما يسمّيها، ويتذكر اغتيال

أخيه عزيز وصلب عمي غ ماا الله. يقول في هذا الصدد: «كان يمكن أن أغفر لقاتلي جريمة قتلي، أمّا عزيز وعمي غ ماا الله [ف] لم أجد

حيالهما إلّ ما يوقظ حزني وكراهيتي الدفينين.

أحتاج إلى قدر من العزلة لأربّيَ حاسة الغفران

من جديد» (شرفات، ص 1).83 شخصية عمي غ ماا الله، مثلها مثل شخصية ماجدالينا، تكشف ت عااب الكتابة بالرموز؛ فجملة «غ ماا الله» تحيل دلاليًا إلى المسيح؛

تلك الدلالة الحاضرة في عنوان الفصل الخامس: تراتيل الإنجيل المفتوح. إن عمي غلام الله، المجاهد ضد الاستعمار، الفقيه الذي درّس القرآن وكوّن نفسه والتحق في ما بعد

بإحدى المدارس، واشتغل أكثر من أربعين سنة في التعليم الأصلي ثم الثانوي العام، والذي فقد ابنته نواره «مع الموجات الأولى لأحداث أكتوبر 988»1، ليمثّل في الوقت نفسه صورة الفقيه المتنور والضحية. عمي غ ماا الله مختلف عن الآخرين؛ فعندما «كان الناس يتقاسمون التركة الاستعمارية، أخذ ابنته نواره من يدها وذهب إلى قبر مايو»، ثم «قال لها هذا لا يشبههم»، في إحالة إلى الطبيب الفرنسي فرانسوا مايو

إن عمي غ ماا الله لا يتخذ أي موقف عدائي من فرانسوا مايو، الذي كان شيوعيًا. شخصية

عمي غلام الله تمهد أيضًا للحديث عن الثورة الجزائرية وعن أع مااها، لكن أهم خاصية في شخصية عمي غ ماا الله هو كونه يشطب الحدود بين اللغة المقدسة واللغة الدنيوية. يورد النصُّ مقاطع طويلة من ك ماا عمي غلام

الله الذي يحاكي اللغة المقدسة، وهو ما يزعج حراس النوايا، الذين ينتهون بصلبه في نهاية المطاف لكي يسكتوه. تثير شخصية عمي غلام الله على المستوى الدلالي تساؤلات عميقة حول الع قااة بين الاستعمال السياسي للدِّين والقتل في إحالتها الضمنية على التوازي بين صلب المسيح من جهة وصلب عمي غ ماا الله من جهة أخرى، وهو ما يجعل الكتابة

عند واسيني الأعرج تعيد طرح مسألة الترابط بين الأديان بشكل ضمني. ذلك أن الموت هو الثمن الذي يدفعه عمي غ ماا الله لقاء رفضه أيديولوجية القتلة. عمي غلام الله الذي «حفظ القرآن عن ظهر قلب حتى صار جزءًا من دمه

وتنفّسه وصنع إلهه عل شاكلته، عاشقًا ومحبًا

للناس»، قُتل لأنه كشف العماء الأيديولوجي للمتاجرين بالدِّين.

شطب الحدود:

الثقافة العالمة والتراث الشعبي لا يستقيم الحديث عن شطب الحدود من دون الإشارة إلى الع قااة بين الأدب الشعبي وما يُصطلح عليه بالثقافة العالمة في السرديات

الأعرجية؛ ذلك أننا نصادف دائمًا تلك الأغاني

الشعبية التي تحيل إلى الطفولة والحنين والرومانسية، ومنها ما يتكرر بشكل لافت للنظر؛

ففي رواية أصابع لوليتا تطالعنا أغنية الأطفال عن المطر: «يا النوّ صبي...ما تصبيش عليّ

حتى يجي خويا حمو، ويغطيني بالزربية» (أصابع، ص 2).80 وهي الأغنية نفسها التي نقرأها في رواية طوق

الياسمين (طوق الياسمين، ص 452)، وتنتهي

بها الرواية (طوق الياسمين، ص 86.)2 أمّ ا

الشيخة الرميتي، فتذكر في روايتي أصابع لوليتا

ومملكة الفراشة (مملكة الفراشة، ص 368)، في إطار استعادة ثقافة المقاومة التي تنسفها على نحو رمزي الدولة المستقلة. أمّا حكاية

شبعة، فإنها تحضر في رواية أصابع لوليتا لتعيد لحْم العلاقة بين الروائي وقارئته الجزائرية بما

يخدم خلخلة الع قااة بين الحقيقة والمعرفة؛ ذلك أن لوليتا حين تلتقي بمرينا، تكون حاملة

أيديولوجية القتل، ولا تتراجع عنها إلّ بعد أن

تكون قد كوّنت فكرتها عن الحقيقة، حقيقة

يونس مارينا، انطلاقًا من معرفتها الشخصية به؛ هذه المعرفة التي تمر عبر الوجدان عن طريق إعادة إنتاج علاقة الأمومة/الأبوة والعاطفة بين نوّة الجريحة ومارينا. لكن حضور هذه الثقافة

الشعبية على مستوى السرد هو استرجاع للذات ولزمنيتها الماضية، لجعلها تلاقي زمنية الحداثة، الموسومة بميسم السوق. يقول ياسين في حديث له مع الشاعرة الجزائرية حنين: «ماذا نفعل نحن سوى السطو على هذه القوة الحياتية الضخمة وعرضها في الأسواق العالمية بحيث

تنتفي الأصول الحقيقية ولا تبقى إلّ الفروع؟» (شرفات، ص 47.)1 تحيل «القوة الحياتية» حكائيًا إلى المعرفة التي يدين بها ياسين لأخته

زوليخا/ليخا؛ ذلك أن فنه لا يساوي شيئًا أمام

معرفة زليخا، إذ يقول لحنين: «يدي التي أحركها لأمنح حياة لتماثيلي، لا تساوي الشيء الكثير أمام اليد المجهولة لزليخة أو لأمي» (شرفات، ص 47.)1 هاته المعرفة التي تدين بها زليخا بدورها لقريتها الصغيرة التي تخصها بخاصية التخصيب، حيث تقول: «...لا شيء أثمن من قريتنا لأننا نعرفها جيدًا» (شرفات، ص 1). 47 إنها عودة المحلي والجهوي داخل «سوق» العالمية. يمكن تأويل هذا التجاور بين الثقافة العالمة والثقافة الشعبية من وجهة نظر تعدد الأصوات في الرواية اعتمادًا على رأي باختين.

لكن هذا التعدد لا يشرح الع قااة بين ما هو شعبي وما هو عالم. أما من وجهة نظر ما بعد الكولونيالية، فإن تجاور الثقافة الشعبية مع ما يسمّى الثقافة العالمة، هو عودة ما هو أصلي إلى

مجال التداول، ذلك الأصلي المرتبط بالمستعمَر

الذي نُفي إلى الهامش خلال مرحلة الاستعمار. ولذلك، يقول الناقد جاسم الموسوي إن إحلال هذه التعبيرات الأصلانية ينم عن رغبة في معادلة السلطوية لتكتسب الثقافة الشعبية الشفوية

والمحلية سلطتها من جديد إزاء سلطة الثقافة العالمة، وهو تقريبًا التصور الذي يذهب إليه

محمد برادة حين يؤكد أن «الرواية تسهم عُمقيًا،

في تطويع اللغة من خلال تهجين إيجابي يربط التعبير بالمعيش» في أفق انتهاك المقدس المبني على الصفاء والنقاء.

شطب الحدود: الهوية البينية

إذا كانت شخصية لوليتا مزيجًا من الهوية

الجزائرية وعالم الحداثة (الموضة ولوليتا نابوكوف)، فإن شخوص رواية مملكة الفراشة كلهم تقريبًا هُ م على الحد بين المحلي

والعالمي. إن لهم جميعًا تقريبًا أسماء مركّبة:

فريجة تصبح فيرجي؛ الكاتب المسرحي فادي يصبح فاوست؛ ماريا تصبح كوزيت؛ زبير يصبح زوربا؛ داود يصبح ديف؛ نور الدين يصبح ديدي وديدالوس... إلخ. إنها الهوية الهجينة التي تتلاعب بسلطة المرجع القاهرة والقارة. والهوية

المركّبة تقفز من موضع إلى آخر لتقويض أسس السلطة، لأنها تأبى على التحديد بشكل نهائي وتام. هذا النوع من التصور للهوية يبقى منفتحًا

على السيرورة التاريخية.

فضاء المنفى

هناك ملاحظة أساسية ترتبط بشخوص واسيني الأعرج؛ إنهم يعتمدون على ذاكرتهم من أجل استرجاع صور الوطن، أكانوا يعيشون في المهجر (يونس مارينا، لوليتا، ياسين، حنين) أم داخل حدود الوطن (ياما، الأستاذ الجامعي والكاتب في رواية سيدة المقام). هذه الجدلية بين الحضور والغياب هي نفسها ما يحدد الع قااة بين الوطن والمنفى؛ ذلك أن المنفى

في نظر إدوارد سعيد، مثلً، لا يمكن فصله عن الوطنية، باعتبار وضعية المنفيّ التي تتأطر

داخل بعدَيْ الحقيقة والمجاز؛ فالمنفيُّ هو

في «منطقة وسطى» بين الأمكنة والأزمنة، قديمها

وجديدها، هذه المنطقة الوسطى التي تُمكّنه من المزاوجة بين «الحنين إلى الوطن» والقدرة الفائقة على «محاكاة من يعيش معهم». وعن هذه الوضعية الوسطى والمزدوجة في الآن نفسه، تترتب خصائص مصاحبة لنظرة المنفيّ،

مثل «القلق والحركة، وعدم الاستقرار والتسبب في عدم الاستقرار للآخرين»، وينتهي بذلك

إلى «حالة البيْن – البيْن»، فتصبح الكتابة

مكانًا للعيش، ويضحي النص بمثابة منزل، بحيث يمكن أن تسقط الكتابة في فخ الجمود

والتصلب إذا ما اتخذت شكلً أيديولوجيًا يقترب

نظريًا من الإقامة الدائمة. هكذا، تقيَّم سيرورة «الوطن» و«الدولة» في

السرد الأعرجي انطلاقًا من المُنجز الغربي، أي

انطلاقًا من صورة رمزية جاهزة للوطن والدولة كما تشكلت في الغرب. لكن هذه الصورة

الجاهزة يُحفَر في ثناياها لنقدها عن طريق بسط

تصورات الشخوص للوطن والدولة في الغرب؛

فصورة فرنسا في أصابع لوليتا، مثلً، تختلف من شخصية إلى أخرى؛ إيزميرالد، صديقة يونس الشيلية، تنظر إلى فرنسا من وجهة نظر الجوهر والعرض، مؤكدة ليونس مارينا أن جوهر فرنسا سيبقى رغم الفساد الذي تعرضت له على يد

الساسة الصغار (أصابع، ص 74.)1 أمّا في

نظر بابانا، فتصبح فرنسا خائنة؛ إذ إنها اغتالت «برازياك، أكبر وأجمل شاعر، بتهمة الانتساب إلى النازية» قبل أن يضيف أن الفرنسيين يشبهون

برازياك (أصابع، ص 346). أمّا ماري، فهي تمثّل

الرأي الأكثر راديكالية في علاقتها بتصورٍ للوطن والدولة؛ تصور ينبني على إقصاء الأجانب، وهي بذلك تبدو أنها تفكر مثل اليمين المتطرف. يبقى الرأي الأكثر توازنًا هو رأي ديفيد إيتيان الذي

يعترف بأن «حرب الجزائر» تُعَدّ نزيفًا مشتركًا بين

الجزائر وفرنسا.

بالإضافة إلى ذلك، يجري تحديد الوطن دائمًا ضدًّا على شيء آخر في سيرورة تحدد

المسافة والحدود بين الوطن واللاوطن (القبيلة، العالم)، وبين الداخل والخارج. لكن إذا أخذنا في عين الاعتبار أن «المنفى هو عزلة تعاش خارج المجموعة»، فإن في إمكاننا أن نعتبر الشخوص الذين يعيشون داخل الوطن منفيين أيضًا، لأنهم يعيشون في عزلة تامة عن المجموعة البشرية التي من المفترض أن يعيشوا في كنفها.

إنهم لا يتخيلون الوطن كما يتخيله الباقون؛ فالمنفيون، بحسب إدوارد سعيد، هم أشخاص/ شخوص غريبو الأطوار «يحسون باختلافهم... باعتباره نوعًا من اليتم، ويستعملون س ح

الاخت ف كي يؤكدوا على حقهم في رفض الانتماء». لذلك، يكونون دائمًا عنُدًا وميالين

إلى المبالغة لجعل العالم يقبل رؤاهم، مستعملين الشك والسخرية باعتبارهما يدخلان

في استراتيجية العيش. ورغم ذلك، لا يتوقف المنفيون عن صنع وطن خاص بهم، يكون

عماده الحب واللغة، اللغة التي لا يمتلكها أي أحد خارج حالتي الكتابة والاستعمال. مع ذلك، سيكتشف المدقق في حيثيات العلاقات الاجتماعية بين شخوص واسيني الأعرج المنفيين أو المغتربين عن ذاتهم، أنهم يصنعون لأنفسهم عالمًا آخر يعوضهم عن الإحساس

بالضياع والعزلة. أمّا الذين يعيشون في ب داا

المهجر، فإنهم يدخلون في علاقات اجتماعية مع شخوص آخرين، يعيشون في الهامش أو تراجعوا إلى الهامش طواعية أو لأسباب أخرى،

مثل حالة كلارا ماكيسم في رواية أصابع لوليتا أو

العلاقة بين ياسين وفيديريكو مثلً. وفي خضم هذه العلاقات، تبحث الشخوص المُهمّشة عن

الاعتراف المتبادل من دون الاكتراث كثيرًا بما

يفرقهم، أي بالضبط تلك الاختلافات الصغيرة التي تجعلهم بمعنى ما خارج الحداثة. ففديريكو

يتحدث عن نفسه بصيغة الجمع قائلً: «ما زلنا نعتز بقليل من التخلف. لا أستطيع أن أتجاوز ناس قبيلتي ذات الأصل الهندي الذين عزموني لأسهر معهم» (أصابع، ص 1).33 وحين تحاول حنين أن تخفف من وطأة انسحابه، يجيبها بأنهم يتشابهون. هذا الت عااب بحدود الانتماء هو ما يجمع بين شخوص واسيني الأعرج المنفية. ونجد الحالة نفسها تقريبًا في

علاقة يونس مارينا بصديقه الأرجنتيني خواكيم، مع فارق بسيط هو أن خواكيم هو الذي يتوسط لأجل انعقاد اللقاء بين مارينا وبابانا، كما لو أن العلاقة بالوطن تمر بالضرورة عن طريق وساطة آخرين. هذه الفكرة هي ما تؤكدها طريقة تصوُّر

يونس مارينا لنفسه، فهو يرى ع قااته بغرمائه الذين يسعون إلى قتله من خ لاا منظار حالتَي سلمان رشدي وعبد الله بن المقفع، اللذين يصبحان عنوانًا لقتل الإبداع. وهكذا، تُخلَق أحواز نفسية واجتماعية تعمد إلى شطب الحدود بين الهويات والأشخاص والأوطان من أجل إعادة كتابتها من جديد. أمّ ا الأستاذ الجامعي

في رواية سيدة المقام، فإنه يجد نفسه مرميًا

في المزبلة، فينقذه أحد السكارى. وبرغم قصر الحديث بينهما، فإنهما يبدوان منسجمين تمامًا، أو كما يقول السكير: «أنا وأنت الآن متساويان في هذا البلد» (سيدة المقام، ص 931)؛ فالسارد (الأستاذ الجامعي) يتخلى لبعض الوقت عن مركزه النخبوي، ويقدم نفسه على أنه «دينصور، في طريقه إلى الانقراض». أمّ ا اللقاء الرمزي

بينهما، فيتم حين يتقاسمان شراب الزامبريطو، نكاية بحراس النوايا الغائبين، وتجديدًا لعرى التقارب.

العودة إلى الوطن

ترتبط ثيمة الخروج في النص الأعرجي بمرحلة الحرب الأهلية في الجزائر، حيث تمثّل روايتا

شرفات بحر الشمالوأصابع لوليتا جانبًا مهمًّا

من هذه المرحلة؛ ففيهما يعبّر الساردان في

المنفى عن أزمة نوعية بين الشخوص والدولة. ياسين ويونس مارينا ناقمان على الدولة رغم أنهما يصطفان إلى جانبها في حربها ضد «حراس النوايا»، غير أنهما يطالبانها بأكثر من ذلك؛ فياسين يطالب بمحاسبة الدولة لأنها لم تحم أخاه وعمي غ ماا الله من بطش حراس النوايا، أمّا يونس مارينا، فيحاسبها على الأخطاء

المرتكبة التي أدت إلى بروز حركة «حراس النوايا»، معتبرًا أن انقلاب 91 حزيران/يونيو كان

أول خطأ في سلسلة من الأخطاء. ويظهر ذلك أكثر جلاء في نقطتين اثنتين: أولاهما اصطفاف يونس مارينا مع بابانا، الشخصية التي ترمز إلى الرئيس أحمد بن بلة، وثانيتهما سقوط يونس مارينا في نهاية الرواية في يد «ذئاب العقيد»، وهو ما يمكن تأويله بعودة الدولة البوليسية في فضاء فرنسا ما بعد الكولونيالية، على اعتبار أن يونس مارينا يُلقى القبض عليه في قلب

باريس، وهي الفكرة نفسها التي يذهب إليها بول سيلفرستين في معرض تحليله حضور الجزائر في فرنسا، مؤكدًا أن الحرب الأهلية الجزائرية كانت حاضرة من خ لاا سياسات الحركات الإس مااية والحركات الأمازيغية المتجذرة في الأحياء الهامشية من جهة، ومن خ لاا سياسات الاحتواء الفرنسية من جهة أخرى، في إطار ما يسمّيه الكاتب «سيرورات التواطؤ

والتنافس والتملك والتحويل» التي تربط كلًّ من فرنسا والجزائر. في رواية مملكة الفراشة، يقارب واسيني الأعرج فكرة العودة إلى الوطن من خ لاا الع قااة

الغرامية التي تربط بين ياما وفادي، الكاتب المسرحي الجزائري الذي أمضى عشر سنوات في منفاه في الأندلس. لكن هذه العودة المنبنية على فكرة الوئام الوطني العام (مملكة الفراشة، ص 305) تتأرجح بين فكرتين أساسيتين: تُلخَّص الأولىفي التوازي بين حياة فيديريكو غارسيا لوركا (1898 – 9361) وحياة فادي عن

طريق الحضور الرمزي للمسرح ومدينة غرناطة في مخيلة المسرحي الجزائري، الذي يبني رؤيته للجزائر الجريحة خ لاا الحرب الأهلية على استعادة تاريخ الحرب الأهلية الإسبانية. وترتبط الفكرة الثانية برؤية ياما لفادي، وهي رؤية

تشكّل تصور «الداخل الجزائري» للعلاقة بين المثقف والدولة. وتجري، عن طريق الإحالة إلى شخصيتي فاوست وميفيستوفيليس، إعادة قراءة العلاقة بين المثقف والدولة بواسطة إدماج بعد البيع والشراء. ففي الحالة الأولى، يبيع فاوست نفسه لميفيستوفيليس في مقابل المجد، بينما يبيع

فادي خدماته للدولة، لكنه يبقى متشككًا فيها، كما يُفهم من كلامه حين يقول: «ثم إن هؤلاء

بشر لا يوثق بهم». (مملكة الفراشة، ص 333)، أو حين يؤكد أنه «على حافة رجوع خطير» إلى وطنه (مملكة الفراشة، ص 304). وبالرغم من ذلك يعود فادي إلى وطنه مبررًا ذلك بقوله:

«جيد أن تعتذر الدولة بطريقتها لأبنائها!» (مملكة الفراشة، ص 341). وتحيل فكرة الاعتذار هاته إلى فكرة محاسبة الدولة (فكرة ياسين ويونس مارينا) بشكل مبطن. لكن أحد الشخوص في «الداخل الجزائري» يجدد تأكيد نظرية ياما التي ترى أن ميفيستوفيليس هو الدولة نفسها؛ إذ يعلق

أحد الشيوخ على المسرحية وكاتبها قائً: «يا بنتي هذه الهيلولة تبيّن أنهم جابوه باش يخدمو

به. ودخلوه في الجوقة» (مملكة الفراشة، ص).413

لكن هذا التجاذب بين هذين التمثيليْن للدولة

يُدمَج في تصور يستحضر السيرورة التاريخية

والانفتاح نحو المستقبل؛ ذلك أن ياما تتمكن في النهاية من التخلص من كلا طرفي الصراع، أي من فاوست وميفيستوفيليس اللذين يرمزان إلى المثقف والدولة لتنفتح على إمكانات أخرى لصنع التاريخ. وتؤكد ياما هذه الفكرة حين تقول: «شيء غريب ينهض في داخلي، يشبهني في كل تفاصيله، ولكنّه مشتّت ولم أعد قادرة على

لملمته. أقتل من الآن؟ فاوست. مفيستوفيليس؟ هل أحرقهما معًا وأستحم برمادهما، لنسيان كل

ما حدث بيننا جميعًا. عليّ أن ألملم نفسي ذرّة

ذرّة وأعيد تركيبها وهندستها» (مملكة الفراشة،

ص 397). لكن هذا التخلص يمر عبر التضحية الرمزية ببُعد الكتابة لدى ياما، التي تتخلص

من الكم الهائل من الرسائل (777 رسالة) التي كانت تكتبها إلى فاوست من دون أن ترسلها إليه. إنها الرسائل التي تضعها على أول الطريق من أجل الوصول إلى حب واقعي بينها وبين شخصية جزائرية أخرى هي نور الدين، الذي يبدو هو الآخر مصابًا بلوثة تهجين الهويات.

استخلاصات

بناء على ما سبق، يمكن تلخيص المناقشة أعلاه في ثلاث نقط أساسية: في النقطة الأولى، يتعرض السرد الأعرجي

لانتقاد مفهوم الوطن انطلاقًا من تصور يجعل هذا الأخير مبنيًا على مفهوم الدولة باعتبارها

منجزًا منتهيًا تأسس على شرعية النضال ضد

المستعمِر، وهي الصيغة التي حاولت استنبات الدولة كما تأسست في الغرب. يتمظهر «الوطن» على المستوى المحلي باعتباره تصورًا ينبني

على ثنائية تُختزل في حركتين اجتماعيتين تحملان تصورين مختلفين لمفهوم «الوطن»،

وهما «ذئاب العقيد» أو «بني كلبون» و«حراس النوايا»؛ هاتان الحركتان الاجتماعيتان السياسيتان تتنافسان في إعادة تحديد مفهوم «الدولة» عن طريق الإكراه. ويتموقع صوتا الساردين في روايتي شرفات بحر الشمالوسيدة المقامفي وضع المُطالب بالحقوق وليس في موقع الناقد؛

هذا التموقع الذي يجعل «حراس النوايا» يبدون أعداء للوطن والدولة. أمّا في رواية أصابع لوليتا،

فالسارد يصبح في تعاطيه أكثر راديكالية من الوضع الجزائري، منتقدًا ك الطرفين انطلاقًا من النقد (المخفف) الذي يوجهه إلى حركة

الانق ب وذئابها، والتي تتخذ أشكالً جديدة في قلب فرنسا. أمّا انتقاد السارد لحركة «حراس

النوايا»، فيحافظ على راديكاليته الأصلية كما تشكلت سرديًا في روايتي شرفات بحر الشمال

وسيدة المقام. يمكن تلخيص النقطة الثانية في إدماج موضوع الحب (الذي لا يؤدي أبدًا إلى الزواج) باعتباره مكونًا ناقصًا في تشكيل مفهوم الوطن؛ فرغم نبل

الإحساس، تنتهي جميع الشخوص المُحبّة إلى

وضعية تراجيدية. ويمكن تلخيص النقطة الثالثة بالنظر إلى مسألة المنفى باعتباره تقنية للمقاومة؛ هذه المقاومة التي تتلاعب بحدود الانتماء إلى مجموعة بشرية معينة، سواء أكان ذلك في فضاء محلي أو في فضاء آخر. وتعيد هذه المقاومة استثمار موضوع الحب (والمحبة والحوار) في إطار علاقات اجتماعية تصبو دائمًا إلى تخطي الحدود النفسية

والاجتماعية والسياسية، لتضع أسسًا جديدة

من أجل بناء فضاء ثالث يلتقي فيه المُستعمِر

والمستعمَر داخل علاقات تحدد حدود المحلي

لتنتهكها في سيرورة لا تنتهي.

الهوامش

(1) واسيني الأعرج: شرفات بحر الشمال، ط 2 (بيروت: دار الآداب، 007 2)؛ سيدة المقام: مراثي الجمعة الحزينة، رواية، ط 6 (دمشق: ورد للطباعة والنشر والتوزيع، 006 2)؛ أصابع لوليتا، رواية (بيروت: دار الآداب، 012 2)؛ مملكة الفراشة: نحن أيضًا نحب التانغو، ونرقص على جسر الموتى، رواية. بيروت: دار الآداب،.2013

Robert J. C. Young, «The Void انظر على سبيل المثال:(2) of Misgiving,» in: Karin Ikas and Gerhard Wagner, eds., Communicating in the Third Space , Routledge Research in Cultural and Media Studies; 18 (New York: Routledge, 2009), pp. 81-95.

وانظر كذلك النقد الذي وجهه عالم الجغرافيا الأميركي إدوارد سوجا إلى مفهوم هومي بابا للفضاء الثالث في كتابه:

Edward W. Soja, Thirdspace: Journeys to Los Angeles and Other Real-and-Imagined Places (Cambridge, Mass.: Blackwell, 1996), pp. 139-144 esp.

(3) انظر: هومي ك. بابا، موقع الثقافة، ترجمة ثائر ديب (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 0062)، ص 351 وما بعدها.

(4) Jonathan Rutherford, «The Third Space: Interview with Homi Bhabha,» in: Jonathan Rutherford, ed., Iden- tity: Community, Culture, Difference (London: Lawrence and Wishart, 1990), p. 218.

(5) انظر مدخل كتاب: بابا، ص 37.67 –

(6) المصدر نفسه، ص 86. وكذا نص الحوار الذي أجراه جوناثان روثرفورد Jonathan Rutherford) (مع هومي بابا (بالإنكليزية، وستُستعمل جملة «نص الحوار» للإحالة إليه):

Rutherford, p. 207.

(7) نص الحوار، في: Rutherford, p. 208.. (8) المصدر نفسه، ص.208 (9) المصدر نفسه، ص.208 (01) المصدر نفسه، ص.210 (11) المصدر نفسه، ص.211

(12) Erich Fromm, The Art of Loving , Planned and Ed- ited by Ruth Nanda Anshen, World Perspectives; 9 (New York: Harper and Row, 1956), pp. 20-21. (13) Eva Illouz, Consuming the Romantic Utopia: Love and the Cultural Contradictions of Capitalism (Berkeley: University of California Press, 1997), p. 6.

(41) انظر الكتاب الجماعي: Luisa Passerini, Liliana

Ellena and Alexander C.T. Geppert, New Dangerous Liaisons: Discourses on Europe and Love in the Twentieth Century , Making sense of history; 13 (New York: Berghahn Books, 2010).

وخصوصًا، في ما يتعلق بالعلاقة بين الحب والدِّين، مقالة:

Jack Goody, «Love and Religion» (pp. 21-32).

(15) عبد الله العروي، الإيديولوجيا العربية المعاصرة، ط 3 (بيروت؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 0062)،

ص.240

(16) Wen-chin Ouyang, Politics of Nostalgia in the Ara- bic Novel: Nation-State, Modernity and Tradition (Edin- burgh: Edinburgh University Press, 2013), p. vi. (17) Fatema Mernissi, L’Amour dans les pays musul- mans à travers le miroir des textes anciens (Casablanca: Le Fennec, 1984), p. 111. (18) Passerini, Ellena and Geppert, p. 21.

9(1) المصدر نفسه، ص 1، و Mernissi, p. 32.

(20) Goody, p. 21. (21) György Lukács, The Theory of the Novel; a His- torico-Philosophical Essay on the Forms of Great Epic Literature , Translated from the German by Anna Bostock (Cambridge, Mass.: M.I.T. Press, 1971), p. 113. (22) Anthony Giddens, The Transformation of Intimacy: Sexuality, Love, and Eroticism in Modern Societies (Stan- ford, Calif.: Stanford University Press, 1992), p. 40.

(32) انظر: روجر ألن، «نشأة الرواية العربية»، ترجمة لمياء

باعشن، في: عبد العزيز السبيل [وآخرون]، تحرير، الأدب

العربي الحديث (جدة: النادي الأدبي الثقافي، 0022)،

ص 265 – 726 خصوصًا.

4(2) لأجل رؤية نقدية تاريخية لع قااة الحب بين العرب والآخر في الرواية العربية كما تشكلت في المرحلة الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، يمكن الرجوع إلى:

Rasheed El-Enany, Arab Representations of the Occi- dent: East-West Encounters in Arabic Fiction , Culture and Civilisation in the Middle East (London ; New York: Routledge, 2006). (25) Debbie Cox, «The Novels of Tahar Wattar: Com- mand or Critique?,» Research in African Literatures , vol. 28, no. 3 (Autumn 1997), p. 95.

(26) بالنسبة إلى ديبي كوكس، انبنت الثورة الثقافية في الجزائر على شيئين: السلفية والتعريب، وهو ما كان يهدف في نظرها إلى تدعيم بناء الدولة الوطنية. انظر: المصدر نفسه،

ص 95 خصوصًا.

(27) Rita Salam, «Le Roman politique des écrivains al- gériens de langue arabe,» Mots , no. 54 (Mars 1998), pp.

(82) من بين الخصائص الثلاث للأدب الأقلّوي التي يحددها دولوز وغواتاري، هناك مسألة العلاقة بين اللغة وهذا النوع

من الأدب؛ فالأدب الأقلّوي لا يوجد من خلال لغة الأقليات، بل يُبنى من داخل لغة الأكثرية. إن الحديث عن أدب جزائري

أقلّوي مكتوب باللغة العربية في مقابل «أدب الأغلبية» المكتوب

بالفرنسية، لا يستوي كلّيًا ما دام مكتوبًا بلغته لا بلغة الأغلبية.

ومع ذلك تبقى فكرة الأدب الأقلّوي بهذا المعنى مقبولة إذا

ما نُظِر إلى البُعد التغريبي deterritorialization) (الذي ينحو

الأدب الأقلّوي نحوه. انظر: Gilles Deleuze and Félix

Guattari, Kafka: Toward a Minor Literature , Translation by Dana Polan; Foreword by Réda Bensmaïa, Theory and History of Literature; 30 (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1986), p. 16. (29) Salam, p. 97. (30) Marie Virolle, «Ecrivains algériens: Le Troisième pays,» dans: Anissa Talahite-Moodley, dir., Probléma- tiques identitaires et discours de l’exil dans les littéra- tures francophones , Transferts culturels (Ottawa: Presses de l’Université d’Ottawa, 2007), p. 67. (31) Muhsin Jassim Al-Musawi, The Postcolonial Ara- bic Novel: Debating Ambivalence , Studies in Arabic Lit- erature; 23 (Leiden; Boston: Brill, 2003), p. 5.

(32) كاتب ياسين، نجمة: رواية، ترجمة محمد قوبعة (تونس:

دار سراس، 9841)، و , Points. Nedjma Kateb Yacine, Roman; 31 (Paris: Éditions du Seuil, 1956).

(33) واسيني الأعرج، طوق الياسمين: رسائل في الشوق

والصبابة والحنين: رواية، ط 2 (بيروت؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.)2006 (34) يرى محمد مصطفى علي حسانين أن تقنية الواقعية السحرية حاضرة في روايات واسيني الأعرج، وبالخصوص في

روايات رمل الماية والمخطوطة الشرقية وجملكية آرابيا. انظر: محمد مصطفى علي حسانين، «الرواية والتأريخ السِّحري

للحاضر،» في: الرواية العربية: الذاكرة والتاريخ: أبحاث ملتقى

الباحة الأدبي الخامس، 1433 ه (بيروت: مؤسسة الانتشار

العربي، 0132)، ص – 22.9

(35) Eric J. Hobsbawm, Nations and Nationalism Since 1780: Programme, Myth, Reality , Wiles Lectures (Cam- bridge, [England]; New York: Cambridge University Press, 1990), p. 10; Ernest Gellner, Nations and Nation- alism , New perspectives on the Past (Oxford: Blackwell, 1983), p. 35, and Benedict Anderson, Imagined Commu- nities: Reflections on the Origin and Spread of National- ism , Rev. and Extended ed. (London ; New York: Verso, 1991), p. 4. (36) Gellner, p. 1.

(37) المصدر نفسه، ص.134

(38) Anderson, p. 4.

(39) المصدر نفسه، ص.36

(40) Hobsbawm, p. 9. (41) Ernest Renan, «What Is a Nation,» Translated and Annotated by Martin Thom, in: Homi K. Bhabha, ed., Nation and Narration (London; New York: Routledge, 1990), p. 19.

(42) Hobsbawm, p. 53. (43) Benjamin Stora, La Guerre invisible: Algérie, an- nées 90 , la bibliothèque du citoyen (Paris: Presses de Sciences po, 2001), p. 39, et Rabah Aissaoui, Immigra- tion and National Identity: North African Political Move- ments in Colonial and Postcolonial France (London; New York: Tauris Academic Studies, 2009), pp. 17 et 46. (44) Al-Musawi, p. 8.

(45) محمد برادة، «الرواية العربية بين المحلية والعالمية، الرواية العربية: الكونية أفقًا» في: محمد برادة [وآخرون]، الرواية العربية.. ممكنات السرد: ندوة مهرجان القرين الثقافي الحادي عشر، عالم المعرفة؛ 357 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 008 2)، ج 1، ص 52. (46) المصدر نفسه، ص 2.4

(47) Edward W. Said, Reflections on Exile and Other Es- says , Convergences (Cambridge, Mass.: Harvard Univer- sity Press, 2000), p. 176.

(48) إدوارد سعيد، المثقف والسلطة، ترجمة وتقديم محمد عناني (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 0062)، ص.100 (49) المصدر نفسه، ص.95 (05) المصدر نفسه، ص.100 (51) المصدر نفسه، ص.107

(52) Theodor Adorno, Minima Moralia: Reflections on a Damaged Life , Translated from the German by E. F. N. Jephcott, Radical Thinkers (London ; New York: Verso, 2005), p. 87.

(35) سعيد، ص.108

(54) Said, p. 177.

(55) المصدر نفسه، ص.182 (56) المصدر نفسه، ص 1.82 (75) سعيد، ص 11.3

(58) Paul A. Silverstein, Algeria in France: Transpoli- tics, Race, and Nation , New Anthropologies of Europe (Bloomington: Indiana University Press, 2004), p. 2.

(95) المصدر نفسه، ص.7 (06) آمنة بلعلي، «الرواية الجزائرية بين تخيل التاريخ وتأويله،» في: الرواية العربية: الذاكرة والتاريخ: أبحاث ملتقى الباحة الأدبي الخامس، 1433 ه (بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، 0132)، ص 273 2.74 –

يعقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالتعاون مع معهد عصام فارس للسياسات العامة والعلاقات الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت ندوةً بعنوان:

«خمس سنوات على الثورات العربية: عسر التحوّل الديمقراطي ومآلاته»

في الفترة الواقعة بين ١٢ و ٣٢ كانون الثاني / يناير ٦201 في الجامعة الأميركية في بيروت

ate frameworks according to the requirements of his or her own consideration of the mat- ter at hand. Such criticism, however, should not lose sight of the positive results achieved by these deconstructionist projects, for they produced important debates regarding the reflection of Arab thought upon itself, and justified posing important questions of the relationship of text to the moment of reading the text. This study turns to two instances where such questions were asked: the inter-related formulations: heritage and renewal; and authenticity and contemporaneity.

A Reading of Azmi Bishara’s Project: Religion and Religiosity – a Prolegomena to Volume One of Religion and Secularism Wajih Kawtharani In his landmark texts, Azmi Bishara calls for the development of a new epistemological and methodological standpoint in Arab research into religion and types of religiosity, urging this as an alternative to the secularist Arab tendency to ignore or disregard these topics. The study of religion and religiosity ultimately connects with the study of secular- ism and secularization in Azmi Bishara’s The Transition from the Study of Religion and Religiosity to the Study of Secularism , in the fifth and final chapter of the first volume. He concludes his prolegomenon – a book in its own right – with a summary of his starting point before proceeding to the second volume of his project: The Intellectual Process of Secularization and Secularism. This project examines Bishara’s thinking and explores its ramifications. **Azmi Bishara, Religion and Secularism in Historical Context , in two volumes: Vol.

1: Religion and Religiosity , 2nd Revised Edition (Beirut: Arab Center for Research and Policy Studies 2013); Vol. 2: Part One: Secularism and Secularization, The Intellectual Process (Beirut: Arab Center for Research and Policy Studies 2015), Part Two: Theories of Secularism and Secu- larization (Beirut: Arab Center for Research and Policy Studies, 2015).

(1) Azmi Bishara, Religion and Secularism in Historical Context , in two volumes: Vol. 1: Religion and Religiosity , 2nd Revised Edition (Beirut: Arab Center for Research and Policy Studies 2013); Vol. 2: Part One: Secularism and Secu- larization, The Intellectual Process (Beirut: Arab Center for Research and Policy Studies 2015), Part Two: Theories of Secularism and Secularization (Beirut: Arab Center for Research and Policy Studies, 2015).

Third Space in the Novels of Waciny Laredj: Effacing the boundaries Khalid al-Arif This study looks at post-colonial theory as a frame of discourse developed by theoreti- cians beginning in the last quarter of the twentieth century. It sees the ideas of post-co- lonialism as ideas based on the concept of representation as the quintessentially political act, the central concept introduced by Edward Said in his work Orientalism. However, the Indian critic Homi Bhabha developed other concepts through his critique of Said, such as hybridity, mimicry, cultural difference and ‘third space.’ The last critique, the issue of ‘third space,’ generated a great deal of criticism, but it remains among the most important of Bhabha’s ideas. It is to this conceot that the current study turns.

Manifestations of the Philosophical Presence of al-Andalus in Contemporary Arab Culture Mohammad al-Misbahi The distinguishing feature of the Andalusian philosophical model is its openness to all forms of rational thought – evidential, doctrinal, jurisprudential, historical and mysti- cal – by virtue of its dialectical nature and its propensity for dialogue in search of com- mon ground. Some cultural currents in the contemporary Arab world feel that drawing upon the Andalusian model is not enough, and that it is imperative to open up a new model developed through the needs of the present. Yet, Andalusian rationality did not limit itself to considering reason alone to be the natural light that illuminates both our inner being and the world; it was also open to the light of faith and soulful passion, of history and urbanity. The Andalusian model teaches us that we need to take advantage of multiple sources of enlightenment.

Deconstructing Arab Epistemological Dependency Mohammad Abdul Rahman Hassan In the past fifty years such projects that have deconstructed contemporary Arab epis- temological dependency have given rise to a great deal of discussion. Deconsructing contemporary Arab epistemological dependency involves taking on a project to critically assess a noteworthy group of Arabic writings, evaluating or refuting their main theses. The findings of such projects have often been criticized, and criticism falls into two categories. The first is an assumption that the intellectual starts out reading texts from a preset position informed by a particular ideology, and therefore reads set of texts in a particular way. The second assumption is that the intellectual makes use of concepts and methodological frameworks developed by modern Western thought, and does not re-cre-

ABSTRACTS

The Arab Novel, Literary Criticism, and the Creative Imagination of Youmna Eid Ahmad al-Jarti This study tracks the latest developments in the criticism practice of Youmna Eid. It takes as its starting point her analytical readings of Arabic novels, particularly those written by women, and examines the extent to which she has remained true to her critical path. This path, and its mature methodological features, were best laid out in her most prom- inent work On Knowledge of the Text, where Eid emphasized the need to engage with Western concepts of criticism and to transplant these into the Arab cultural realm given the sophistication of Arabic fictional texts. In Eid’s view, such an effort could inform the generation of a constructive cultural criticism that would enable an engagement with The other’ free of the ballast of epistemological absolutes, one that could successfully bring into relief the key questions of Arabic literary criticism and its methodological and intellectual milestones.

Leotard against Sartre Labib al-Saeed Taking up a commitment to writing, or, in the words of Leotard «writing one’s commit- ment,» is an impossible task. This is because, as Sartre put it, such commitment «pre- sumes a present, that is, a situation of presence, a destination to which we arrive: an ac- tion and those to whom something is sent.» Sartre’s concept of situation implies a reality that we are present in, and that we wish to exit from towards another present, another situation. This makes it clear, however, that there are no individuals with whom we share our understanding of the situations within which we live, and to whom we write – no recipients for our missives. Consequently we only commit to writing what we deem to be appropriate and to be worthy of expression. Sartre believed that this problematic extends from reality (general and comprehensive) in all of its phenomenological mean- ings – what we perceive and shape with our consciousness – to reality in the Marxist sense – reflecting our consciousness – but which in reality only began as «a little story,» a fable whose purpose is to prevent us from mixing reality with imagination. The story or situation that seeks to represent or to present us with reality is itself imaginary. Sartre believed that even in political texts, reality is revealed only through the act of writing.

ترحب مجلة «تبيُّن» للدراسات الفكرية والثقافية بنشر الأبحاث والدراسات المعمقة ذات المستوى الأكاديمي الرصين، وتقبل للنشر فيها الأبحاث النظرية والتطبيقية المكتوبة باللغة العربية. وتفتح المجلة صفحاتها لمراجعات الكتب، وللحوار الجاد حول ما ينشر فيها من موضوعات. وسيتضمن كل عدد من «تبيُّن» محورًا خاصًا، وأبحاثًا خارج المحور، ومراجعات كتب، ومتابعات مختلفة... وجميعها يخضع للتحكيم من قبل زملاء مختصين.

ترسل كل الأوراق الموجهة للنشر باسم رئيس التحرير على العنوان الإلكتروني الخاص بالمجلة tabayyun@dohainstitute.org

يمكنكم اقتناء أعداد المجلة ورقيًا أو إلكترونيًا في المكتبة الإلكترونية من خلال التسجيل في الموقع:

www.bookstore.dohainstitute.org

طريقة الدفع: أدوات الدفع الإلكتروني.

شروط النشر

تنشر "تبيُّن" البحوث الأصيلة (لم يسبق نشرها أو نشر ما يشبهها) التي تعتمد الأصول العلمية المتعارف عليها.

تقدم البحوث باللغة العربية وفق شروط النشر في المجلة. يتراوح حجم البحث من 6000 إلى 8000 كلمة، بما فيها المراجع والجداول. تحتفظ هيئة التحرير بحقها في قبول بعض الأوراق التي تتجاوز هذا الحجم في حالات استثنائية.

مراجعات الكتب من 2000 إلى 3000 كلمة، على ألا يمرّ على صدور الكتاب أكثر من ثلاث سنوات. وتقبل المجلة مراجعات أطول على شكل دراسات نقدية.

تخضع المواد المرسلة كافة لتقييم وقراءة محكّمين من ذوي الاختصاص والخبرة. وترسل الملاحظات المقترحة للكاتب لتعديل ورقته على ضوئها قبل تسليمها للتحرير النهائي.

يرفق البحث بسيرة ذاتية موجزة للكاتب، وملخص عن البحث بنحو 250 كلمة، إضافة إلى كلمات مفتاحية.

في حال وجود مخططات أو أشكال أو معادلات أو رسوم بيانية أو جداول، ينبغي إرسالها بالطريقة التي اشتغلت بها في الأصل، بحسب برنامجي: اكسل أو وورد. ولا تُقبل الأشكال والرسوم والجداول التي ترسل كصور.

(أربعة أعداد)